← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6336

التحبير شرح التحرير

المرداوي

Полный текст (4 267 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

فارغة

стр. 1262

فارغة

стр. 1263

فارغة

стр. 1264

قَالَ الْحَافِظ أَبُو نصر عبيد الله بن سعيد بن حَاتِم السجسْتانِي - عَن

стр. 1265

قَول الْأَشْعَرِيّ: (لما كَانَ سَمعه بِلَا انخراق، وَجب أَن يكون كَلَامه بِلَا حرف وَلَا صَوت) -: (هَذَا غير مُسلم، وَلَا يَقْتَضِي مَا قَالَه، وَإِنَّمَا يَقْتَضِي أَن سَمعه لما كَانَ بِلَا انخراق، وَجب أَن يكون كَلَامه من غير لِسَان وشفتين وحنك، وَأَيْضًا لَو كَانَ الْكَلَام غير حرف، وَكَانَت الْحُرُوف عبارَة عَنهُ، لم يكن بُد من أَن يحكم لتِلْك الْعبارَة بِحكم، إِمَّا أَن يكون أحدثها فِي صدر أَو لوح، أَو أنطق بهَا بعض عبيده، فَتكون منسوبة إِلَيْهِ، فَيلْزم من يَقُول ذَلِك أَن يفصح بِمَا عِنْده فِي السُّور والآي والحروف، أَهِي عبارَة جِبْرِيل أَو مُحَمَّد - عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام -؟ وَأَيْضًا قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا قَوْلنَا لشَيْء إِذا أردناه أَن نقُول لَهُ كن فَيكون﴾ [النَّحْل: ٤٠] و " كن " حرفان، وَلَا يَخْلُو الْأَمر من أحد وَجْهَيْن: إِمَّا أَن يكون المُرَاد بقوله: " كن "، التكوين كالمعتزلة، أَو أَن يكون المُرَاد بِهِ ظَاهره، وَأَن الله تَعَالَى إِذا أَرَادَ إنجاز شَيْء قَالَ لَهُ: كن - على الْحَقِيقَة - فَيكون. وَقد قَالَ الْأَشْعَرِيّ: (إِنَّه على ظَاهره، لَا بِمَعْنى التكوين) ، فَيكون على ظَاهره، وَهُوَ حرفان، وَهُوَ مُخَالف لمذهبه، وَإِن قَالَ: لَيْسَ بِحرف، صَار بِمَعْنى التكوين كالمعتزلة) انْتهى. قلت: قَالَ الْحَافِظ شهَاب الدّين ابْن حجر فِي شرح البُخَارِيّ فِي بَاب

стр. 1266

كَلَام الرب مَعَ جِبْرِيل: (وَالْمَنْقُول عَن السّلف اتِّفَاقهم على أَن الْقُرْآن كَلَام الله غير مَخْلُوق، تَلقاهُ جِبْرِيل عَن الله ، وبلغه جِبْرِيل إِلَى مُحَمَّد ﷺ َ -، وبلغه ﷺ َ - إِلَى أمته) انْتهى. وَصَحَّ عَن ابْن عَبَّاس وَغَيره من السّلف أَنهم قَالُوا عَن الْقُرْآن: (مِنْهُ [خرج] وَإِلَيْهِ يعود) . وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: (تنَازع الْعلمَاء فِي أَن الرب تَعَالَى هَل يتَكَلَّم بمشيئته وَقدرته أم لَا؟ على قَوْلَيْنِ: فَابْن كلاب وَمن وَافقه قَالُوا: لَا يتَكَلَّم بمشيئته وَقدرته، بل كَلَامه لَازم لذاته كحياته. ثمَّ من [هَؤُلَاءِ] من عرف أَن الْحُرُوف والأصوات لَا تكون قديمَة الْعين، فَلم يُمكنهُ أَن يَقُول: إِن الْقَدِيم هُوَ الْحُرُوف والأصوات، لِأَنَّهَا لَا تكون إِلَّا متعاقبة، وَالصَّوْت لَا يبْقى زمانين، فضلا عَن أَن يكون قَدِيما،

стр. 1267

فَقَالَ: الْقَدِيم معنى وَاحِد، لِامْتِنَاع معَان لَا نِهَايَة لَهَا، وَامْتِنَاع التَّخْصِيص بِعَدَد دون عدد. فَقَالُوا: هُوَ معنى وَاحِد، وَقَالُوا: إِن الله تَعَالَى لَا يتَكَلَّم بالْكلَام الْعَرَبِيّ والعبري، وَقَالُوا: إِن معنى التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالْقُرْآن وَسَائِر كَلَام الله معنى وَاحِد، وَمعنى آيَة الْكُرْسِيّ وَآيَة الدّين معنى وَاحِد، إِلَى غير ذَلِك من اللوازم الَّذِي يَقُول جُمْهُور الْعُقَلَاء: إِنَّهَا معلولة الْفساد بضرورة الْعقل. وَمن هَؤُلَاءِ من عرف أَن الله تكلم بِالْقُرْآنِ الْعَرَبِيّ، والتوراة العبرية، وَأَنه نَادَى مُوسَى بِصَوْت، وينادي عباده بِصَوْت، وَأَن الْقُرْآن كَلَام الله حُرُوفه ومعانيه، لَكِن اعتقدوا مَعَ ذَلِك أَنه قديم وَأَن الله تَعَالَى لم يتَكَلَّم بمشيئته وَقدرته، فالتزموا: أَنه حُرُوف وأصوات قديمَة الْأَعْيَان لم تزل وَلَا تزَال، وَقَالُوا: إِن الْبَاء لم تسبق السِّين، وَإِن السِّين لم تسبق الْمِيم، وَإِن جَمِيع الْحُرُوف مقترنة بَعْضهَا بِبَعْض اقترانا [قَدِيما] أزليا، لم يزل وَلَا يزَال، وَقَالُوا: هِيَ مترتبة فِي حَقِيقَتهَا وماهيتها، غير مترتبة فِي وجودهَا، وَقَالَ كثير مِنْهُم، إِنَّهَا مَعَ ذَلِك شَيْء وَاحِد، إِلَى غير ذَلِك من اللوازم الَّتِي يَقُول جُمْهُور الْعُقَلَاء: إِنَّهَا مَعْلُومَة الْفساد بضرورة الْعقل. وَمن هَؤُلَاءِ من يَقُول: هُوَ قديم، وَلَا يفهم معنى الْقَدِيم. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن الله تَعَالَى يتَكَلَّم بمشيئته وَقدرته، مَعَ أَنه غير مَخْلُوق، وَهَذَا قَول جَمَاهِير أهل السّنة وَالنَّظَر، وأئمة أهل السّنة والْحَدِيث. لَكِن من هَؤُلَاءِ من اعْتقد: أَن الله لم يُمكنهُ أَن يتَكَلَّم فِي الْأَزَل بمشيئته، كَمَا لم يُمكنهُ - عِنْدهم - أَن يفعل فِي الْأَزَل شَيْئا.

стр. 1268

فالتزموا: أَنه تكلم بمشيئته بعد أَن لم يكن متكلما، كَمَا أَنه فعل بعد أَن لم يكن فَاعِلا، وَهَذَا قَول كثير من أهل الْكَلَام والْحَدِيث وَالسّنة. وَأما السّلف وَالْأَئِمَّة فَقَالُوا: إِن الله تَعَالَى يتَكَلَّم بمشيئته وَقدرته، وَإِن كَانَ مَعَ ذَلِك قديم النَّوْع، بِمَعْنى أَنه لم يزل متكلما إِذا شَاءَ، فَإِن الْكَلَام صفة كَمَال، وَمن يتَكَلَّم أكمل مِمَّن لَا يتَكَلَّم، وَمن يتَكَلَّم بمشيئته وَقدرته، أكمل مِمَّن لَا يكون متكلما بمشيئته وَقدرته، وَمن لَا يزَال متكلما بمشيئته وَقدرته، أكمل مِمَّن يكون مُمكنا لَهُ بعد أَن يكون مُمْتَنعا مِنْهُ، أَو قدر أَن ذَلِك مُمكن، فيكف إِذا كَانَ مُمْتَنعا، لِامْتِنَاع أَن يصير الرب قَادِرًا بعد أَن لم يكن، وَأَن يكون التَّكَلُّم وَالْفِعْل مُمكنا بعد أَن كَانَ غير مُمكن) انْتهى نقل الشَّيْخ تَقِيّ الدّين. وَقَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل فِي " أُصُوله " فِي الْأَمر: (الْأَمر قسم من أَقسَام الْكَلَام، وَالْكَلَام: الْأَلْفَاظ المنتظمة لمعانيها، وَالْإِنْسَان قبل تلفظه يقوم بِقَلْبِه طلب فَيفزع إِلَى اللَّفْظ، كَمَا إِذا قَالَ: " أسقني مَاء "، كَأَنَّهُ يجد طلبا قَائِما بِقَلْبِه، فيقصد اللَّفْظ. وَاخْتلف النَّاس فِي حَقِيقَة ذَلِك الطّلب، فَقَالَت طَائِفَة: هُوَ قسم من أَقسَام الْعلم، وَقَالَت أُخْرَى: إِرَادَة الْفِعْل، وَقَالَت الأشعرية: هُوَ كَلَام النَّفس، وَهُوَ مُغَاير للْعلم والإرادة.

стр. 1269

وَأنْكرت الجماهير والمعتزلة قيام معنى بِالنَّفسِ غير الْعلم والإرادة، وَقَالُوا: الْقَائِم بِالْقَلْبِ هُوَ صُورَة مَا يُرِيد النُّطْق بِهِ. قَالَ أَبُو الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ: (الَّذِي يجده الْإِنْسَان فِي نَفسه قبل أَن يتَكَلَّم هُوَ استحضار صور الْكَلَام، وَالْعلم بِمَا يَقُوله شَيْئا فَشَيْئًا، والعزم على إِيرَاده بِاللِّسَانِ، كَمَا يستحضر صُورَة الْكِتَابَة قبل أَن يكْتب، وَلَا مُقْتَضى لإِثْبَات أَمر غير مَا ذَكرْنَاهُ) . قَالَ: (وَلَو ثَبت لم يكن كلَاما فِي اللُّغَة، وَلَا يُسمى الْإِنْسَان لأَجله متكلما، وَلذَلِك يَقُول أهل اللُّغَة للساكت: (إِنَّه غير مُتَكَلم) ، وَإِن جَازَ أَن يقوم بِهِ ذَلِك الْمَعْنى، وَلَا يَقُولُونَ للساكت: (إِنَّه غير مُرِيد وَلَا عَالم) . قَالَ: وَقَول أهل اللُّغَة: (فِي نَفسِي كَلَام) ، مجَاز، وَالْمرَاد بذلك: عزم على الْكَلَام، كَقَوْلِهِم: (فِي نَفسِي السّفر) . قَالَ: (وَلَو ثَبت فِي النَّفس معنى هُوَ الْكَلَام عَن الاعتقادات والعزم، لَكَانَ مُحدثا، لِأَن الَّذِي يشيرون إِلَيْهِ مُرَتّب يَتَجَدَّد فِي النَّفس بعضه بعد بعض، ومرتب حسب تَرْتِيب الْكَلَام المسموع، فَإِن كَانَ كَلَام الله معنى مَا فِي النَّفس من الْكَلَام فِي الشَّاهِد، اسْتَحَالَ قدمه، وَإِن لم يكن مَعْنَاهُ بَطل

стр. 1270

قَوْلهم: إِن مَا أَثْبَتْنَاهُ مَعْقُول فِي الشَّاهِد) . وَقَالَت الأشاعرة: ذَلِك الْمَعْنى الْقَائِم بِالنَّفسِ هُوَ الْكَلَام، والحروف والأصوات دلالات عَلَيْهِ ومعرفات، وَإنَّهُ حَقِيقَة وَاحِدَة هِيَ الْأَمر وَالنَّهْي وَالْخَبَر والاستخبار، وَإِنَّهَا صِفَات لَهُ لَا أَنْوَاع، إِن عبر عَنهُ بِالْعَرَبِيَّةِ كَانَ عَرَبيا، أَو السريانية كَانَ سريانيا، وَكَذَلِكَ فِي سَائِر اللُّغَات، وَإنَّهُ لَا يَتَبَعَّض وَلَا يتَجَزَّأ. ثمَّ اخْتلفُوا، فَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَغَيره: (الْكَلَام الْمُطلق حَقِيقَة، هُوَ مَا فِي النَّفس شَاهدا أَو غَائِبا، وَإِطْلَاق الْكَلَام على الْحُرُوف والأصوات مجَاز) . وَقَالَ جمهورهم: يُطلق على كل مِنْهُمَا بالاشتراك اللَّفْظِيّ. وَقَالَ بَعضهم: هُوَ حَقِيقَة فِي اللساني، مجَاز فِي النَّفْسِيّ، وَلَيْسَ

стр. 1271

الْخلاف [جَارِيا] فِي نفس الْكَلَام، بل مَا يتَعَلَّق بِهِ من الْأَمر وَالنَّهْي وَالْخَبَر والتصديق والتكذيب، وَنَحْو ذَلِك من عوارض الْكَلَام. قَالَ الرَّازِيّ فِي " الْأَرْبَعين ": (مَاهِيَّة ذَلِك الطّلب مُغَايرَة لذَلِك اللَّفْظ، وَيدل عَلَيْهِ وُجُوه: أَحدهَا: أَن مَاهِيَّة هَذَا الْمَعْنى لَا تتبدل باخْتلَاف الْأَمْكِنَة والأزمنة، والألفاظ الدَّالَّة على هَذَا الْمَعْنى تخْتَلف باخْتلَاف الْأَزْمِنَة والأمكنة. قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (قيل: عَلَيْهِ وَجْهَان: أَحدهمَا: إِن أردْت اخْتِلَاف أجناسها، فَهَذَا مُسلم وَلَا ينفعك، وَإِن أردْت اخْتِلَاف قدرهَا وصفتها فَمَمْنُوع، لأَنا لَا نسلم أَن الطّلب الْحَاصِل بِاللَّفْظِ الْعَرَبِيّ الفصيح مَعَ الصَّوْت الجهوري مماثل للطلب بِاللَّفْظِ الأعجمي مَعَ الصَّوْت الضَّعِيف، وَهَذَا لِأَن الْقَائِم بِالنَّفسِ قد يتَفَاوَت، فَيكون طلب أقوى من غَيره وأكمل. الثَّانِي: هَب أَن الْمَدْلُول مُتحد، وَالدَّال مُخْتَلف، لَكِن لم لَا جيوز وجود الْمَدْلُول مَشْرُوطًا بِالدَّلِيلِ، فَهُوَ وَإِن غايره لَكِن لَا يُوجد إِلَّا بِوُجُودِهِ، أَلا ترى أَن كَون الْإِنْسَان مخبرا لغيره لَا بُد فِيهِ من أَمر ظَاهر، يدل على مَا فِي بَاطِنه من الْمَعْنى، وَذَلِكَ الْأَمر الظَّاهِر وَإِن اخْتلف، لَكِن لَا يكون مخبرا إِلَّا بِهِ، وَإِذا لَاحَ لَك ذَلِك، لم يكن مُجَرّد كَون الْمَعْنى مغايرا كَافِيا فِي مَطْلُوبه، وَهَذَا كَمَا أَن الْمَعْنى قَائِم بِالروحِ، وَاللَّفْظ قَائِم بِالْبدنِ، ثمَّ إِن وجود الرّوح فِي هَذَا

стр. 1272

الْعَالم لَا يُمكن إِلَّا مَعَ الْبدن، و - أَيْضا - فَكل من المتلازمين دَلِيل على الآخر، لَا يَقْتَضِي ذَلِك وجود الْمَدْلُول بِدُونِ الدَّلِيل: كالأمور المتضايفة كالأبوة والبنوة) . قَالَ الرَّازِيّ: (الْوَجْه الثَّانِي: أَن جَمِيع الْعُقَلَاء يعلمُونَ بِالضَّرُورَةِ أَن قَول الْقَائِل: افْعَل، دَلِيل على ذَلِك الطّلب [الْقَائِم] بِالْقَلْبِ، وَالدَّلِيل مُغَاير للمدلول) . قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (هَب أَن الْأَمر كَذَلِك، لَكِن لم يجمعوا على أَنه يُوجد الْمَدْلُول دون دَلِيله) . قَالَ الرَّازِيّ: (الْوَجْه الثَّالِث: أَن جَمِيع الْعُقَلَاء يعلمُونَ بِالضَّرُورَةِ أَن قَول الْقَائِل: افْعَل، لَا يكون طلبا وأمرا إِلَّا عِنْد اصْطِلَاح النَّاس على هَذَا الْوَضع. وَأما كَون ذَلِك الْمَعْنى الْقَائِم بِالْقَلْبِ طلبا، فَإِنَّهُ أَمر ذاتي حَقِيقِيّ لَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى الْوَضع والاصطلاح) . قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (قيل: مَا ذكرت مَمْنُوع، فَإِن أَكثر النَّاس لَا يجْعَلُونَ اللُّغَات اصطلاحية، بل إِمَّا توقيفية بإلهام أَو بِغَيْر إلهام، والنزاع فِي ذَلِك مَشْهُور. وَلَو سلم، فَلم قلت بِإِمْكَان وجوده بِدُونِ اللَّفْظ) . قَالَ الرَّازِيّ: (الْوَجْه الرَّابِع: هُوَ أَنهم قَالُوا: إِن قَوْلنَا: " ضرب

стр. 1273

يضْرب "، إِخْبَار، وَقَوْلنَا: " اضْرِب وَلَا تضرب "، أَمر وَنهي، وَلَو أَن الواضعين قلبوا الْأَمر وَقَالُوا بِالْعَكْسِ، لَكَانَ جَائِزا، أما لَو قَالُوا: إِن حَقِيقَة الطّلب يُمكن أَن تقلب خَبرا، أَو حَقِيقَة الْخَبَر يُمكن أَن تقلب طلبا، لَكَانَ ذَلِك محالا) . قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (قيل: لَو سلم، لم يلْزم أَن لَا يكون وجود أَحدهمَا مَشْرُوطًا بِالْآخرِ، و - أَيْضا - أَنْتُم ادعيتم: أَن حَقِيقَة الطّلب وَحَقِيقَة الْخَبَر شَيْء وَاحِد، بل ادّعى الرَّازِيّ: أَن حَقِيقَة الطّلب دَاخِلَة فِي حَقِيقَة الْخَبَر، فَقَالَ فِي كَون كَلَام الله وَاحِدًا أَمر وَنهي وَخبر: إِنَّه يرجع إِلَى حرف وَاحِد، وَهُوَ الْكَلَام كُله خبر؛ لِأَن الْأَمر عبارَة عَن تَعْرِيف [الْغَيْر] أَنه لَو فعله لصار مُسْتَحقّا [للمدح، وَلَو تَركه صَار] مُسْتَحقّا للذم، وَكَذَا القَوْل فِي النَّهْي، وَإِذا كَانَ مرجع الْكل إِلَى شَيْء وَاحِد، وَهُوَ الْخَبَر، صَحَّ أَن كَلَام الله وَاحِد) . قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: احْتج الْجُمْهُور بِالْكتاب وَالسّنة واللغة وَالْعرْف. أما الْكتاب: فَقَوله تَعَالَى: ﴿آيتك أَلا تكلم النَّاس ثَلَاث لَيَال سويا (١٠) فَخرج على قومه من الْمِحْرَاب فَأوحى إِلَيْهِم أَن سبحوا بكرَة وعشيا﴾ [مَرْيَم: ١٠ - ١١] ، فَلم يسم الْإِشَارَة كلَاما. وَقَالَ لِمَرْيَم: ﴿فَقولِي إِنِّي نذرت للرحمن صوما فَلَنْ أكلم الْيَوْم إنسيا﴾ [مَرْيَم: ٢٦] .

стр. 1274

وَفِي " الصَّحِيح ": أَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ: " إِن الله تَعَالَى عَفا لأمتي عَن الْخَطَأ وَالنِّسْيَان وَمَا حدثت بِهِ أَنْفسهَا مَا لم تكلم أَو تعْمل بِهِ ". وَقسم أهل اللِّسَان الْكَلَام إِلَى: اسْم، وَفعل، وحرف. وَاتفقَ الْفُقَهَاء كَافَّة: على أَن من حلف لَا يتَكَلَّم، لَا يَحْنَث بِدُونِ النُّطْق، وَإِن حدثته نَفسه. فَإِن قيل: الْأَيْمَان مبناها على الْعرف. قيل: الأَصْل عدم التَّغْيِير، وَأهل الْعرف يسمون النَّاطِق متكلما، وَمن عداهُ ساكتا أَو [أخرسا] .

стр. 1275

قَالُوا: قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذا جَاءَك المُنَافِقُونَ قَالُوا نشْهد إِنَّك لرَسُول الله وَالله يعلم إِنَّك لرَسُوله وَالله يشْهد إِن الْمُنَافِقين لَكَاذِبُونَ﴾ [المُنَافِقُونَ: ١] ، أكذبهم الله تَعَالَى فِي شَهَادَتهم، وَمَعْلُوم صدقهم فِي النُّطْق اللساني، فَلَا بُد من إِثْبَات كَلَام فِي النَّفس لكَون الْكَذِب عَائِدًا إِلَيْهِ، [فَقَوله] تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أنفسهم لَوْلَا يعذبنا الله بِمَا نقُول﴾ [المجادلة: ٣] ، وَقَوله تَعَالَى: ﴿استكبروا فِي أنفسهم﴾ [الْفرْقَان: ٢١] ، وَقَوله تَعَالَى: ﴿وأسروا قَوْلكُم أَو اجهروا بِهِ﴾ [الْملك: ١٣] ، وَقَوله تَعَالَى: ﴿ونعلم مَا [توسوس] بِهِ نَفسه﴾ [ق: ١٦] . قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (أما الأول: فَلِأَن الشَّهَادَة الْإِخْبَار عَن الشَّيْء مَعَ اعْتِقَاده، فَلَمَّا لم يَكُونُوا معتقدين ذَلِك أكذبهم الله تَعَالَى. وَعَن الثَّانِي وَجْهَان: الأول: أَنه قَول بحروف وأصوات خُفْيَة، وَلِهَذَا فسره بِمَا بعده. الثَّانِي: أَنه قَول مُقَيّد، فَهُوَ مجَاز، وَهُوَ الْجَواب عَن الْإِسْرَار والجهر. وَعَن الثَّالِث: أَن الاستكبار رُؤْيَة للنَّفس، وَهُوَ خَارج عَن ذَلِك. قَالُوا: قَول عمر: " زورت فِي نَفسِي كلَاما ". قُلْنَا: زور: صور مَا يُرِيد النُّطْق بِهِ، أَو كَقَوْل الْقَائِل: زورت فِي نَفسِي نبأ أَو سفرا ". قَالُوا: قَول الأخطل: (إِن الْكَلَام لفي الْفُؤَاد ... ... ... ... ... ... ... ) إِلَى آخِره.

стр. 1276

قُلْنَا: الْبَيْت مَوْضُوع على الأخطل، فَلَيْسَ هُوَ فِي نسخ ديوانه، وَإِنَّمَا هُوَ لِابْنِ ضمضام، وَلَفظه: إِن الْبَيَان، وَسَيَأْتِي فِي كَلَام الشَّيْخ الْمُوفق. وَقَالَ الْآمِدِيّ: " فَإِن قيل: إِذا جعلتم الْحَقَائِق الَّتِي هِيَ الْأَمر وَالنَّهْي وَالْخَبَر والاستخبار شَيْئا وَاحِدًا، لزمكم أَن ترد الصِّفَات إِلَى معنى وَاحِد. قُلْنَا: هُوَ سُؤال وَارِد، وَلَعَلَّ عِنْد غَيرنَا حلّه " انْتهى. وَقَالَ أَبُو نصر السجْزِي: " قَوْلهم: لَا يَتَبَعَّض، يرد عَلَيْهِ أَن مُوسَى ﷺ َ - سمع بعض كَلَام الله، وَلَا يُمكن أَن يُقَال: سمع الْكل) . وَقَالَ ابْن درباس الشَّافِعِي: " وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿ففهمناها سُلَيْمَان﴾ [الْأَنْبِيَاء: ٧٩] ، مَعَ التَّصْرِيح باختصاص مُوسَى بالْكلَام ".) انْتهى كَلَام ابْن قَاضِي الْجَبَل وَنَقله.

стр. 1277

وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي فتيا لَهُ تسمى بالأزهرية: (وَمن قَالَ: إِن الْقُرْآن عبارَة عَن كَلَام الله تَعَالَى، وَقع فِي محذورات: أَحدهَا: قَوْلهم: " إِن هَذَا لَيْسَ هُوَ كَلَام الله "، فَإِن نفي هَذَا الْإِطْلَاق خلاف مَا علم بالاضطرار من دين الْإِسْلَام، وَخلاف مَا دلّ عَلَيْهِ الشَّرْع وَالْعقل. وَالثَّانِي: قَوْلهم: " عبارَة "، إِن أَرَادوا: أَن هَذَا الثَّانِي هُوَ الَّذِي عبر عَن كَلَام الله الْقَائِم بِنَفسِهِ، لزم أَن يكون كل تال معبر عَمَّا فِي نفس الله، والمعبر عَن غَيره هُوَ المنشيء للعبارة، فَيكون كل قاريء هُوَ المنشيء لعبارة الْقُرْآن، وَهَذَا مَعْلُوم الْفساد بِالضَّرُورَةِ. وَإِن أَرَادوا: أَن الْقُرْآن الْعَرَبِيّ عبارَة عَن مَعَانِيه فَهَذَا حق، إِذْ كل كَلَام، فلفظه عبارَة عَن مَعْنَاهُ، لَكِن هَذَا لَا يمْنَع أَن يكون الْكَلَام متناولا للفظ. وَالْمعْنَى الثَّالِث: أَن الْكَلَام قد قيل: إِنَّه حَقِيقَة فِي اللَّفْظ، مجَاز فِي الْمَعْنى، وَقيل: حَقِيقَة فِي الْمَعْنى مجَاز فِي اللَّفْظ، وَقيل: بل حَقِيقَة فِي كل مِنْهُمَا. وَالصَّوَاب الَّذِي عَلَيْهِ السّلف وَالْأَئِمَّة: أَنه حَقِيقَة فِي مجموعهما، كَمَا أَن الْإِنْسَان، قيل: هُوَ حَقِيقَة فِي الْبدن فَقَط، وَقيل: بل فِي الرّوح فَقَط، وَالصَّوَاب: أَنه حَقِيقَة فِي الْمَجْمُوع.

стр. 1278

فالنزاع فِي النَّاطِق، كالنزاع فِي مَنْطِقه. وَإِذا كَانَ كَذَلِك، فالمتكلم إِذا تكلم بِكَلَام لَهُ لفظ وَمعنى، وَبلغ عَنهُ بِلَفْظ وَمَعْنَاهُ، فَإِذا قيل: مَا بلغه الْمبلغ من اللَّفْظ إِن هَذَا عبارَة عَن الْقُرْآن، وَأَرَادَ بِهِ الْمَعْنى الَّذِي للمبلغ عَنهُ، نفى عَنهُ اللَّفْظ الَّذِي للمبلغ عَنهُ، وَالْمعْنَى الَّذِي قَامَ بالمبلغ، فَمن لم يثبت إِلَّا الْقُرْآن المسموع، الَّذِي هُوَ عبارَة عَن الْمَعْنى الْقَائِم بِالذَّاتِ، قيل لَهُ: فَهَذَا الْكَلَام المنظوم الَّذِي كَانَ مَوْجُودا قبل قِرَاءَة الْقُرَّاء، هُوَ مَوْجُود قطعا وثابت، فَهَل هُوَ دَاخل فِي الْعبارَة والمعبر عَنهُ أَو غَيرهمَا؟ فَإِن جعلته غَيرهمَا بَطل اقتصارك على الْعبارَة والمعبر عَنهُ، وَإِن جعلته أَحدهمَا، لزمك إِن لم تثبت إِلَّا هَذِه الْعبارَة وَالْمعْنَى الْقَائِم بِالذَّاتِ أَن تَجْعَلهُ نفس مَا يسمع من الْقُرَّاء، فَيجْعَل عين مَا يبلغهُ المبلغون هُوَ عين مَا يسمعوه، وَهُوَ الَّذِي فَرَرْت مِنْهُ. وَأَيْضًا فَيُقَال لَهُ: القاريء الْمبلغ إِذا قَرَأَ، فَلَا بُد لَهُ فِيمَا يقوم بِهِ من لفظ وَمعنى، وَإِلَّا كَانَ اللَّفْظ الَّذِي قَامَ بِهِ عبارَة عَن الْقُرْآن، فَيجب أَن يكون عبارَة عَن الْمَعْنى الَّذِي قَامَ بِهِ لَا عَن معنى قَامَ بِغَيْرِهِ، فَقَوْلهم: هَذَا هُوَ الْعبارَة عَن الْمَعْنى الْقَائِم بِالذَّاتِ، أخطأوا من وَجْهَيْن. أخطأوا فِي بَيَان مَذْهَبهم فَإِن حَقِيقَة قَوْلهم: إِن اللَّفْظ المسموع من القاريء حِكَايَة اللَّفْظ الَّذِي عبر بِهِ عَن معنى الْقُرْآن مُطلقًا، وَذَلِكَ أَن اللَّفْظ

стр. 1279

عبارَة عَن الْمَعْنى الْقَائِم بِالذَّاتِ، وَلَفظه وَمَعْنَاهُ حِكَايَة عَن ذَلِك اللَّفْظ وَالْمعْنَى. ثمَّ إِذا عرف مَذْهَبهم بَقِي خطؤهم فِي أصُول: مِنْهَا: زعمهم: أَن مَعَاني الْقُرْآن معنى وَاحِد، هُوَ الْأَمر وَالنَّهْي وَالْخَبَر، وَأَن معنى التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالْقُرْآن معنى وَاحِد، وَمعنى آيَة الْكُرْسِيّ معنى آيَة الدّين، وَفَسَاد هَذَا مَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ. وَمِنْهَا: زعمهم أَن الْقُرْآن الْعَرَبِيّ لم يتَكَلَّم الله بِهِ) . وَأطَال فِي ذَلِك وَبرهن عَلَيْهِ بِمَا يطول هُنَا ذكره. وَقَالَ بعد ذَلِك: (وَأول من قَالَ هَذَا فِي الْإِسْلَام عبد الله بن سعيد بن كلاب، وَجعل الْقُرْآن الْمنزل حِكَايَة عَن ذَلِك الْمَعْنى، فَلَمَّا جَاءَ الْأَشْعَرِيّ وَاتبع ابْن كلاب فِي أَكثر مقَالَته، ناقشه على قَوْله: إِن هَذَا حِكَايَة عَن ذَلِك، وَقَالَ: الْحِكَايَة تماثل المحكي، فَهَذَا اللَّفْظ يَصح من الْمُعْتَزلَة، لِأَن ذَلِك الْمَخْلُوق حُرُوف وأصوات عِنْدهم، وحكاية مثله. وَأما على أصل ابْن كلاب فَلَا يَصح أَن يكون حِكَايَة بل يَقُول: إِنَّه عبارَة عَن الْمَعْنى، فَأول من قَالَ بالعبارة الْأَشْعَرِيّ. وَكَانَ الباقلاني - فِيمَا ذكر عَنهُ - إِذا درس مَسْأَلَة الْقُرْآن يَقُول: هَذَا قَول الْأَشْعَرِيّ، وَلم يتَبَيَّن لي صِحَة هَذَا القَوْل، أَو كلَاما هَذَا مَعْنَاهُ.

стр. 1280

وَكَانَ الشَّيْخ أَبُو حَامِد الإِسْفِرَايِينِيّ يَقُول: (مَذْهَب الشَّافِعِي وَسَائِر الْأَئِمَّة فِي الْقُرْآن خلاف قَول الْأَشْعَرِيّ، وَقَوْلهمْ هُوَ قَول الإِمَام أَحْمد) . وَكَذَلِكَ أَبُو مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ ذكر أَن الْأَشْعَرِيّ [خَالف] فِي مَسْأَلَة الْكَلَام قَول الشَّافِعِي وَغَيره، وَأَنه أَخطَأ فِي ذَلِك. وَكَذَلِكَ سَائِر أَئِمَّة أَصْحَاب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَغَيرهمَا يذكرُونَ قَوْلهم فِي حد الْكَلَام وأنواعه من الْأَمر وَالنَّهْي وَالْخَبَر الْعَام وَالْخَاص وَغير ذَلِك، ويجعلون الْخلاف فِي ذَلِك مَعَ الْأَشْعَرِيّ، كَمَا هُوَ مُبين فِي أصُول الْفِقْه الَّتِي صنفها أَئِمَّة أَصْحَاب أبي حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَغَيرهم) .

стр. 1281

ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك: (وَمن قَالَ من الْمُعْتَزلَة والكلابية: " إِن الْقُرْآن الْمنزل حِكَايَة ذَلِك "، وظنوا أَن الْمبلغ حاك لذَلِك الْكَلَام، وَلَفظ الْحِكَايَة قد يُرَاد بِهِ محاكاة النَّاس فِيمَا يَقُولُونَهُ ويفعلونه اقْتِدَاء بهم وموافقة لَهُم. فَمن قَالَ: " إِن الْقُرْآن حِكَايَة كَلَام الله تَعَالَى " بِهَذَا الْمَعْنى فقد غلط وضل ضلالا مُبينًا، فَإِن الْقُرْآن لَا يقدر النَّاس على أَن يَأْتُوا بِمثلِهِ، وَلَا يقدر أحد أَن يَأْتِي بِمَا يحكيه، وَقد يُرَاد بِلَفْظ الْحِكَايَة النَّقْل والتبليغ كَمَا يُقَال: فلَان حكى عَن فلَان أَنه قَالَ كَذَا، كَمَا يُقَال عَنهُ: نقل عَنهُ، فَهُنَا بِمَعْنى التَّبْلِيغ للمعنى، وَقد يُقَال: حكى عَنهُ أَنه قَالَ كَذَا وَكَذَا، لما قَالَه بِلَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ، فالحكاية هُنَا بِمَعْنى التَّبْلِيغ للفظ وَالْمعْنَى، لَكِن يفرق بَين أَن يَقُول: حكيت كَلَامه، على وَجه الْمُمَاثلَة لَهُ وَبَين أَن يَقُول: حكيت عَنهُ كَلَامه وَبَلغت عَنهُ، أَنه قَالَ مثل قَوْله من غير تَبْلِيغ عَنهُ، وَقد يُرَاد بِهِ الْمَعْنى الآخر، وَهُوَ أَنه بلغ عَنهُ مَا قَالَه، فَإِن أُرِيد الْمَعْنى الأول جَازَ أَن يُقَال: هَذَا حِكَايَة كَلَام فلَان، وَهَذَا مثل كَلَام فلَان، وَلَيْسَ هُوَ مبلغا عَنهُ كَلَامه، وَإِن أُرِيد الْمَعْنى الثَّانِي وَهُوَ مَا إِذا حكى الْإِنْسَان عَن غَيره مَا يَقُوله وبلغه عَنهُ، فَهُنَا يُقَال: هَذَا كَلَام فلَان، وَلَا يُقَال: هَذَا حِكَايَة فلَان، كَمَا لَا يُقَال: هَذَا مثل كَلَام فلَان، بل قد يُقَال: هَذَا كَلَام فلَان بِعَيْنِه، بِمَعْنى: أَنه لم يُغير وَلم يحرف وَلم يزدْ وَلم ينقص) . وَأطَال فِي ذَلِك. قلت: قَالَ الإِمَام أَحْمد: (الْقُرْآن كَيفَ تصرف فَهُوَ غير مَخْلُوق،

стр. 1282

وَلَا نرى القَوْل بالحكاية والعبارة) ، وَغلط من قَالَ بهما وجهله. فَقَالَ: (من قَالَ الْقُرْآن عبارَة عَن كَلَام الله تَعَالَى فقد غلط وَجَهل) . وَقَالَ: (النَّاسِخ والمنسوخ فِي كتاب الله دون الْعبارَة والحكاية) .

стр. 1283

وَقَالَ: (هَذِه بِدعَة لم يقلها السّلف، وَقَوله تَعَالَى: ﴿تكليما﴾ ، يبطل الْحِكَايَة، مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يعود) . نَقله ابْن حمدَان فِي " نِهَايَة المبتدئين "، وَفِي ذَلِك كِفَايَة فِي الرَّد على من قَالَ: هُوَ عبارَة أَو حِكَايَة. قلت: وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: (لسنا نشك أَن الْقُرْآن فِي الْمُصحف على الْحَقِيقَة، لَا على الْمجَاز، كَمَا يَقُوله بعض أَصْحَاب الْكَلَام: إِن الَّذِي فِي الْمُصحف دَلِيل على الْقُرْآن) انْتهى. وَقَالَ شيخ الْإِسْلَام موفق الدّين ابْن قدامَة الْمَقْدِسِي فِي تصنيف مُفْرد لَهُ فِي ذَلِك: (أجمعنا على أَن الْقُرْآن كَلَام الله تَعَالَى، وَقد أخبر الله تَعَالَى بذلك

стр. 1284

بقوله: ﴿فَأَجره حَتَّى يسمع كَلَام الله﴾ [التَّوْبَة: ٦] ، وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَقد كَانَ فريق مِنْهُم يسمعُونَ كَلَام الله﴾ [الْبَقَرَة: ٧٥] ، وَقَالَ النَّبِي ﷺ َ -: " فَإِن قُريْشًا قد مَنَعُونِي أَن أبلغ كَلَام رَبِّي "، وَقَالَ أَبُو بكر الصّديق ﵁: " مَا هَذَا كَلَامي وَلَا كَلَام صَاحِبي وَلكنه كَلَام الله تَعَالَى ". وَالْكَلَام: هُوَ الْحُرُوف الْمَنْظُومَة، والكلمات المفهومة، والأصوات الْمَعْلُومَة، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: من الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع. أما الْكتاب فَقَوله تَعَالَى: ﴿آيتك أَلا تكلم النَّاس ثَلَاث لَيَال سويا (١٠) فَخرج على قومه من الْمِحْرَاب فَأوحى إِلَيْهِم أَن سبحوا بكرَة وعشيا﴾ [مَرْيَم: ١٠ - ١١] . وَقَالَ لِمَرْيَم: ﴿فَقولِي إِنِّي نذرت للرحمن صوما فَلَنْ أكلم الْيَوْم إنسيا﴾ ، إِلَى قَوْله: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيفَ نُكَلِّم من كَانَ فِي المهد صَبيا﴾ [مَرْيَم: ٢٦ - ٢٩] .

стр. 1285

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا من أذن لَهُ الرَّحْمَن﴾ [سُورَة النبأ: ٣٨] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿هَذَا يَوْم لَا ينطقون﴾ [المرسلات: ٣٥] ، ومعناهما وَاحِد. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وتكلمنا أَيْديهم وَتشهد أَرجُلهم﴾ [يس: ٦٥] ، يَعْنِي بِهِ: النُّطْق، بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لجلودهم لم شهدتم علينا قَالُوا أنطقنا الله الَّذِي أنطق كل شَيْء﴾ [فصلت: ٢١] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ويكلم النَّاس فِي المهد وكهلا﴾ [آل عمرَان: ٤٦] يَعْنِي بِهِ: النُّطْق. وَأما السّنة فَقَوله ﷺ َ -: " عُفيَ لأمي عَن الْخَطَأ وَالنِّسْيَان وَمَا حدثت بِهِ أَنْفسهَا مَا لم تكلم أَو تعْمل بِهِ "، وَقَوله ﷺ َ -: " إِن صَلَاتنَا هَذِه لَا يَصح فِيهَا شَيْء من كَلَام النَّاس "، وَقَالَ ﷺ َ -: " لم يتَكَلَّم فِي المهد إِلَّا ثَلَاثَة ... " الحَدِيث .

стр. 1286

وَقَالَ ﷺ َ -: " كل [كَلَام] ابْن آدم عَلَيْهِ لَا لَهُ ... " الحَدِيث، وَقَالَ ﷺ َ -: " من كثر كَلَامه كثر سقطه ".

стр. 1287

وَأما الْإِجْمَاع: فَإِن النَّاس فِي أشعارهم، ومنثور كَلَامهم، وعرفهم، وأحكامهم، على أَن الْكَلَام: النُّطْق، وَأَجْمعُوا: أَنه إِذا حلف: لَا يتَكَلَّم، لَا يَحْنَث إِلَّا بالنطق. قَالَ: وَاعْترض الْقَائِل بِكَلَام النَّفس على ذَلِك بِوُجُوه: أَحدهَا: قَول الأخطل: (إِن الْكَلَام [لفي] الْفُؤَاد ... ... ... ... ... ... ... ) إِلَى آخِره. الثَّانِي: سلمنَا أَن كَلَام الْآدَمِيّ صَوت وحرف، وَلَكِن كَلَام الله تَعَالَى بِخِلَافِهِ، لِأَنَّهُ صفته، فَلَا يشبه صِفَات الْآدَمِيّين، وَلَا كَلَامه كَلَامهم. الثَّالِث: أَن مذهبكم فِي الصِّفَات أَن لَا تفسر، فَكيف فسرتم كَلَام الله بِمَا ذكرْتُمْ؟ الرَّابِع: أَن الْحُرُوف لَا تخرج إِلَّا من مخارج وأدوات، وَالصَّوْت لَا يكون إِلَّا من جسم، وَالله تَعَالَى يتعالى عَن ذَلِك.

стр. 1288

الْخَامِس: أَن الْحُرُوف يدخلهَا التَّعَاقُب، فالباء تسبق السِّين، وَالسِّين تسبق الْمِيم، وكل مَسْبُوق مَخْلُوق. السَّادِس: أَن هَذَا يدْخلهُ التجزؤ والتعداد، وَالْقَدِيم لَا يتَجَزَّأ وَلَا يَتَعَدَّد. قَالَ شيخ الْإِسْلَام الْمُوفق: الْجَواب عَن الأول من وُجُوه: الأول: أَن هَذَا شَاعِر نَصْرَانِيّ عَدو لله وَرَسُوله وَدينه، أفيجب اطراح كَلَام الله وَرَسُوله وَسَائِر الْخلق تَصْحِيحا لكَلَامه، وَحمل كَلَامهم على الْمجَاز صِيَانة لكلمته هَذِه عَن الْمجَاز. وَأَيْضًا فتحتاجون إِلَى إِثْبَات هَذَا الشّعْر بِبَيَان إِسْنَاده، وَنقل الثِّقَات لَهُ، وَلَا يقتنع بشهرته، وَقد يشْتَهر الْفَاسِد، وَقد سَمِعت شَيخنَا أَبَا مُحَمَّد بن الخشاب - إِمَام أهل الْعَرَبيَّة فِي زَمَانه - يَقُول: (قد فتشت دواوين الأخطل العتيقة فَلم أجد هَذَا الْبَيْت فِيهَا) . الثَّانِي: لَا نسلم أَن لَفظه هَكَذَا إِنَّمَا قَالَ: (إِن الْبَيَان من الْفُؤَاد ... ... ... ... ... ... ... ) فحرفوه وَقَالُوا: الْكَلَام. الثَّالِث: أَن هَذَا مجَاز أَرَادَ بِهِ: أَن الْكَلَام من عقلاء النَّاس - فِي الْغَالِب - إِنَّمَا يكون بعد التروي فِيهِ، واستحضار مَعَانِيه فِي الْقلب، كَمَا قيل: (لِسَان الْحَكِيم من وَرَاء قلبه، فَإِن كَانَ لَهُ قَالَ، وَإِن لم يكن لَهُ سكت، وَكَلَام الْجَاهِل على طرف لِسَانه) .

стр. 1289

وَالدَّلِيل على أَن هَذَا مجَاز وُجُوه كَثِيرَة: أَحدهَا: مَا ذكرنَا، وَمَا تَرَكْنَاهُ أَكثر مِمَّا ذكرنَا مِمَّا يدل على أَن الْكَلَام هُوَ النُّطْق، وَحمله على حَقِيقَته بِحمْل كلمة الأخطل على مجازها، أولى من الْعَكْس. الثَّانِي: أَن الْحَقِيقَة يسْتَدلّ عَلَيْهَا بسبقها إِلَى الذِّهْن وتبادر الأفهام إِلَيْهَا، وَإِنَّمَا يفهم من إِطْلَاق الْكَلَام مَا ذَكرْنَاهُ. الثَّالِث: تَرْتِيب الْأَحْكَام على مَا ذكرنَا دون مَا ذَكرُوهُ. الرَّابِع: قَول أهل الْعَرَبيَّة، الَّذين هم أهل اللِّسَان، وهم أعرف بِهَذَا الشَّأْن. الْخَامِس: الِاشْتِقَاق الَّذِي ذَكرْنَاهُ. السَّادِس: لَا يَصح إِضَافَة مَا ذَكرُوهُ إِلَى الله تَعَالَى، فَإِنَّهُ جعل الْكَلَام فِي

стр. 1290

الْفُؤَاد، وَالله تَعَالَى لَا يُوصف بذلك، وَجعل اللِّسَان دَلِيلا عَلَيْهِ، وَلِأَن الَّذِي عبر عَنهُ الأخطل بالْكلَام هُوَ: التروي والفكر واستحضار الْمعَانِي، وَحَدِيث النَّفس ووسوستها، وَلَا يجوز إِضَافَة شَيْء من ذَلِك إِلَى الله تَعَالَى، بِلَا خلاف بَين الْمُسلمين. قَالَ: وَمن أعجب الْأُمُور: أَن خصومنا ردوا على الله وعَلى رَسُوله، وخالفوا جَمِيع الْخلق من الْمُسلمين وَغَيرهم، فِرَارًا من التَّشْبِيه على زعمهم، ثمَّ صَارُوا إِلَى تَشْبِيه أقبح وأفحش من كل تَشْبِيه، وَهَذَا نوع من التغفيل، وَمن أدل الْأَشْيَاء على فَسَاد قَوْلهم: تَركهم قَول الله تَعَالَى وَقَول رَسُوله، وَمَا لَا يُحْصى من الْأَدِلَّة، وتمسكوا بِكَلِمَة قَالَهَا هَذَا الشَّاعِر النَّصْرَانِي، جعلوها أساس مَذْهَبهم، وَقَاعِدَة عقدهم، وَلَو أَنَّهَا انْفَرَدت عَن مُبْطل وخلت عَن معَارض لما جَازَ أَن يبْنى عَلَيْهَا هَذَا الأَصْل الْعَظِيم، فَكيف وَقد عارضها مَا لَا يُمكن رده، فمثلهم كَمثل رجل بنى قصرا على أَعْوَاد الكبريت فِي مجْرى [النّيل] . وَأما قَوْلهم: عَن كَلَام الله يجب أَن لَا يكون حروفا يشبه كَلَام الْآدَمِيّين، قُلْنَا: جَوَابه من وُجُوه: أَحدهَا: أَن الِاتِّفَاق فِي أصل الْحَقِيقَة لَيْسَ بتشبيه كَمَا أَن اتِّفَاق الْبَصَر فِي أَنه أدْرك المبصرات، والسمع فِي أَنه أدْرك المسموعات، وَالْعلم فِي أَنه أدْرك المعلومات لَيْسَ بتشبيه، كَذَلِك هَذَا.

стр. 1291

الثَّانِي: أَنه لَو كَانَ ذَلِك تَشْبِيها، كَانَ تشبيههم أقبح وأفحش على مَا ذكرنَا. الثَّالِث: أَنهم إِن نفوا هَذِه الصّفة، لكَون هَذَا تَشْبِيها، يَنْبَغِي أَن ينفوا سَائِر الصِّفَات من الْوُجُود والحياة والسمع وَالْبَصَر وَغَيرهَا. الرَّابِع: أَنا - نَحن - لم نفسر هَذَا، إِنَّمَا فسره الْكتاب وَالسّنة. أما قَوْلهم: أَنْتُم فسرتم هَذِه الصّفة. قُلْنَا: إِنَّمَا لَا يجوز تَفْسِير الْمُتَشَابه الَّذِي سكت السّلف عَن تَفْسِيره، وَلَيْسَ كَذَلِك الْكَلَام، فَإِنَّهُ من الْمَعْلُوم بَين الْخلق لَا تَشْبِيه فِيهِ، وَقد فسره الْكتاب وَالسّنة. الثَّانِي: أننا - نَحن - فسرناه بِحمْلِهِ على حَقِيقَته، تَفْسِيرا جَاءَ بِهِ الْكتاب وَالسّنة، وهم فسروه بِمَا لم يرد بِهِ كتاب وَلَا سنة، وَلَا يُوَافق الْحَقِيقَة، وَلَا يجوز نسبته إِلَى الله تَعَالَى. وَأما قَوْلهم: إِن الْحُرُوف تحْتَاج إِلَى مخارج وأدوات. قُلْنَا: احتياجها إِلَى ذَلِك فِي حَقنا، لَا يُوجب ذَلِك فِي كَلَام الله تَعَالَى، تَعَالَى الله عَن ذَلِك. فَإِن قَالُوا: بل يحْتَاج الله كحاجتنا، قِيَاسا لَهُ علينا، أخطأوا من وُجُوه: أَحدهَا: أَنه يلْزمهُم فِي سَائِر الصِّفَات الَّتِي سلموها: كالسمع، وَالْبَصَر، وَالْعلم، والحياة، لَا يكون ذَلِك فِي حَقنا إِلَّا فِي جسم، وَلَا يكون الْبَصَر إِلَّا فِي حدقة، وَلَا السّمع إِلَّا من انخراق، وَالله تَعَالَى بِخِلَاف ذَلِك.

стр. 1292

الثَّانِي: أَن هَذَا تَشْبِيه لله بِنَا، وَقِيَاس لَهُ علينا، وَهَذَا كفر. الثَّالِث: أَن بعض الْمَخْلُوقَات لم تحتج إِلَى مخارج فِي كَلَامهَا: كالأيدي، والأرجل، والجلود، الَّتِي تَتَكَلَّم يَوْم الْقِيَامَة، وَالْحجر الَّذِي سلم على النَّبِي ﷺ َ -، والحصى الَّذِي سبح فِي كفيه، والذراع المسمومة الَّتِي كَلمته. وَقَالَ ابْن مَسْعُود: " كُنَّا نسْمع تَسْبِيح الطَّعَام وَهُوَ يُؤْكَل ".

стр. 1293

وَلَا خلاف فِي أَن الله تَعَالَى قَادر على إنطاق الْحجر الْأَصَم بِلَا أدوات، فَكيف عجزوا الله تَعَالَى عَن الْكَلَام بِلَا أدوات. قلت أَنا: الَّذِي يقطع بِهِ عَنْهُم، أَنهم لَا يَقُولُونَ: إِن الله يحْتَاج كحاجتنا، قِيَاسا لَهُ علينا، فَإِنَّهُ عين التَّشْبِيه، وهم لَا يَقُولُونَ ذَلِك ويفرون مِنْهُ، وَالظَّاهِر: أَن الشَّيْخ قَالَ ذَلِك على تَقْدِير قَوْلهم لَهُ. ثمَّ قَالَ: وَقَوْلهمْ: إِن التَّعَاقُب يدْخل فِي الْحُرُوف. قُلْنَا: إِنَّمَا كَانَ ذَلِك فِي حق من ينْطق بالمخارج والأدوات، وَلَا يُوصف الله بذلك. قَالَ الْحَافِظ أَبُو نصر: (إِنَّمَا يتَعَيَّن التَّعَاقُب فِيمَن يتَكَلَّم بأداة تعجز عَن أَدَاء شَيْء إِلَّا بعد الْفَرَاغ من غَيره، وَأما الْمُتَكَلّم بِلَا جارحة فَلَا يتَعَيَّن فِي كَلَامه التَّعَاقُب، وَقد اتّفقت الْعلمَاء على أَن الله تَعَالَى يتَوَلَّى الْحساب بَين خلقه يَوْم الْقِيَامَة فِي حَالَة وَاحِدَة، وَعند كل وَاحِد مِنْهُم: أَن الْمُخَاطب فِي الْحَال هُوَ وَحده، وَهَذَا خلاف التَّعَاقُب) انْتهى. ثمَّ قَالَ الشَّيْخ الْمُوفق: وَقَوْلهمْ: (إِن الْقَدِيم لَا يتَجَزَّأ وَلَا يَتَعَدَّد) ، غير صَحِيح، فَإِن أَسمَاء الله تَعَالَى مَعْدُودَة: قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَللَّه الْأَسْمَاء الْحسنى﴾ [الْأَعْرَاف: ١٨٠] ، وَقَالَ النَّبِي ﷺ َ -: " إِن لله تِسْعَة وَتِسْعين اسْما

стр. 1294

من أحصاها دخل الْجنَّة "، وَهِي قديمَة. وَقد نَص الشَّافِعِي: أَن أَسمَاء الله تَعَالَى غير مخلوقة. وَقَالَ الإِمَام أَحْمد: (من قَالَ إِن أَسمَاء الله مخلوقة فقد كفر) . وَكَذَلِكَ كتب الله، فَإِن التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالزَّبُور وَالْفرْقَان مُتعَدِّدَة، وَهِي كَلَام الله تَعَالَى غير مخلوقة، وَإِنَّمَا هَذَا شَيْء أَخَذُوهُ من علم الْكَلَام، وَهِي مطرح عِنْد جَمِيع الْأَئِمَّة. قَالَ أَبُو يُوسُف: (من طلب الْعلم بالْكلَام تزندق) . وَقَالَ الشَّافِعِي: (مَا ارتدى بالْكلَام أحد فأفلح) . وَقَالَ أَحْمد: (مَا أحب الْكَلَام أحد فَكَانَ عاقبته إِلَى خير) .

стр. 1295

وَقَالَ ابْن خويز منداد الْمَالِكِي: (الْبدع عِنْد مَالك وَسَائِر أَصْحَابه هِيَ: كتب الْكَلَام، والتنجيم، وَشبه ذَلِك، لَا تصح إِجَارَتهَا، وَلَا تقبل شَهَادَة أَهله) . قلت أَنا: قَالَ الْحَافِظ أَبُو نصر: (فَإِن قيل: الصَّوْت والحرف إِذا ثبتا فِي الْكَلَام اقتضيا عددا، وَالله تَعَالَى وَاحِد من كل جِهَة. قيل لَهُم: قد بَينا مرَارًا أَن اعْتِمَاد أولي الْحق فِي هَذِه الْأَبْوَاب على السّمع، وَقد ورد السّمع بِأَن الْقُرْآن ذُو عدد، وَأقر الْمُسلمُونَ بِأَنَّهُ كَلَام الله حَقِيقَة لَا مجَازًا، وَهُوَ صفة، وَقد عد الْأَشْعَرِيّ صِفَات الله [سبع عشرَة] صفة، وَبَين أَن مِنْهَا مَا لَا يعلم إِلَّا بِالسَّمْعِ، وَإِذا جَازَ أَن يُوصف بِصِفَات مَعْدُودَة لم يلْزمنَا بِدُخُول الْعدَد فِي الْحُرُوف شَيْء) انْتهى. قَالَ الشَّيْخ الْمُوفق: (الْوَجْه الثَّانِي: أَن الله تَعَالَى كلم مُوسَى ﷺ َ -، ويكلم الْمُؤمنِينَ يَوْم الْقِيَامَة، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وكلم الله مُوسَى تكليما﴾

стр. 1296

[النِّسَاء: ١٦٤] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَلمه ربه﴾ [الْأَعْرَاف: ١٤٣] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصطفيتك على النَّاس برسالاتي وبكلامي﴾ [الْأَعْرَاف: ١٤٤] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وناديناه من جَانب الطّور الْأَيْمن﴾ [مَرْيَم: ٥٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِذْ ناداه ربه بالواد الْمُقَدّس طوى﴾ [النازعات: ١٦] . وأجمعنا على أَن مُوسَى ﵇ سمع كَلَام الله تَعَالَى من الله، لَا من الشَّجَرَة، وَلَا من حجر، وَلَا غَيره، لِأَنَّهُ لَو سمع من غير الله كَانَ بنوا إِسْرَائِيل أفضل فِي ذَلِك مِنْهُ، لأَنهم سمعُوا من أفضل مِمَّن سمع مِنْهُ مُوسَى، لكَوْنهم سمعُوا من مُوسَى، فَلم سمي إِذا كليم الرَّحْمَن، وَإِذا ثَبت هَذَا؛ لم يجز أَن يكون الْكَلَام الَّذِي سَمعه مُوسَى إِلَّا صَوتا وحرفا، فَإِنَّهُ لَو كَانَ معنى فِي النَّفس وفكرة وروية لم يكن ذَلِك تكليما لمُوسَى، وَلَا هُوَ شَيْء يسمع، وَلَا يتَعَدَّى الْفِكر والرؤى، وَلَا يُسمى مناداة. فَإِن قَالُوا: نَحن لَا نُسَمِّيه صَوتا مَعَ كَونه مسموعا. قُلْنَا: الْجَواب من وُجُوه. أَحدهَا: أَن هَذَا مُخَالفَة فِي اللَّفْظ مَعَ الْمُوَافقَة فِي الْمَعْنى، فإننا لَا نعني بالصوت إِلَّا مَا كَانَ مسموعا. الثَّانِي: أَن لفظ الصَّوْت قد جَاءَت بِهِ الْأَخْبَار والْآثَار، وسأذكرها - إِن شَاءَ الله تَعَالَى - على حِدة. وَقَالَ الشَّيْخ الْمُوفق بعد ذَلِك: (النزاع فِي أَن الله تَعَالَى تكلم بِحرف وَصَوت أم لَا؟ وَمذهب أهل السّنة اتِّبَاع مَا ورد فِي الْكتاب وَالسّنة، وَقد بَينا - بالأدلة القاطعة - أَن هَذَا الْقُرْآن الَّذِي عندنَا هُوَ كَلَام الله تَعَالَى، فَإِنَّهُ

стр. 1297

مسموع مقروء متلو مَحْفُوظ مَكْتُوب، وكيفما قريء وتلي وَسمع وَحفظ فَهُوَ الْقُرْآن الْقَدِيم، وَذكرنَا الْآيَات وَالْأَخْبَار الدَّالَّة على أَنه مسموع متلو مَكْتُوب مَحْفُوظ) انْتهى كَلَام شيخ الْإِسْلَام موفق الدّين، بِمَا أدخلْنَاهُ فِيهِ من كَلَام أبي نصر مُمَيّزا. وَقَالَ شيخ الْإِسْلَام الْحَافِظ شهَاب الدّين ابْن حجر فِي " شرح البُخَارِيّ ": (قَالَ الْبَيْهَقِيّ: " الْكَلَام: مَا ينْطق بِهِ الْمُتَكَلّم، وَهُوَ مُسْتَقر فِي نَفسه كَمَا جَاءَ فِي حَدِيث عمر " - يَعْنِي: فِي قصَّة السَّقِيفَة - وَفِيه: " وَكنت زورت فِي نَفسِي مقَالَة "، وَفِي رِوَايَة: " كلَاما "، قَالَ: " فَسَماهُ كلَاما قبل التَّكَلُّم بِهِ ". قَالَ: " فَإِن كَانَ الْمُتَكَلّم ذَا مخارج سمع كَلَامه ذَا حُرُوف وأصوات، وَإِن كَانَ غير ذِي مخارج فَهُوَ بِخِلَاف ذَلِك، والباري لَيْسَ بِذِي مخارج، فَلَا يكون كَلَامه بحروف وأصوات "، ثمَّ ذكر حَدِيث جَابر عَن عبد الله بن أنيس، وَقَالَ: " اخْتلف الْحفاظ فِي الِاحْتِجَاج بروايات ابْن عقيل لسوء حفظه، وَلم يثبت لفظ الصَّوْت فِي حَدِيث صَحِيح [عَن] النَّبِي

стр. 1298

- ﷺ َ - غير حَدِيثه، فَإِن كَانَ ثَابتا فَإِنَّهُ يرجع إِلَى غَيره، كَمَا فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود - يَعْنِي: الَّذِي [قبله]- وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة - يَعْنِي: الَّذِي بعده -: إِن الْمَلَائِكَة يسمعُونَ عِنْد حُضُور الْوَحْي صَوتا، فَيحْتَمل أَن يكون الصَّوْت للسماء، أَو للْملك الْآتِي بِالْوَحْي، أَو لأجنحة الْمَلَائِكَة، وَإِذا احْتمل ذَلِك لم يكن نصا فِي الْمَسْأَلَة ". وَأَشَارَ فِي مَوضِع آخر إِلَى أَن الرَّاوِي أَرَادَ فينادي نِدَاء، فَعبر عَنهُ بالصوت انْتهى. قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر: وَهَذَا حَاصِل كَلَام من نفى الصَّوْت من الْأَئِمَّة، وَيلْزم مِنْهُ: أَن الله تَعَالَى لم يسمع أحدا من مَلَائكَته وَلَا رسله كَلَامه، بل ألهمهم إِيَّاه، وَحَاصِل الِاحْتِجَاج للنَّفْي: الرُّجُوع إِلَى الْقيَاس على أصوات المخلوقين، لِأَنَّهَا الَّتِي عهد أَنَّهَا ذَات مخارج، وَلَا يخفى مَا فِيهِ، إِذْ الصَّوْت قد يكون من غير مخارج، كَمَا أَن الرُّؤْيَة قد تكون من غير اتِّصَال أشعة كَمَا سبق. سلمنَا، لَكِن نمْنَع الْقيَاس الْمَذْكُور، وَصفَة الْخَالِق لَا تقاس على صفة الْمَخْلُوق، وَإِذا ثَبت ذكر الصَّوْت بِهَذِهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة وَجب الْإِيمَان بِهِ، ثمَّ إِمَّا التَّفْوِيض، وَإِمَّا التَّأْوِيل، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق) انْتهى.

стр. 1299

وَلَقَد أَجَاد وأنصف وَاتبع الْحق الَّذِي لَا محيد عَنهُ. وَمَا أحسن مَا قَالَه الشَّيْخ الشهَاب الدّين السهروردي فِي كتاب " العقيدة " لَهُ، نَقله ابْن حجر: (أخبر الله فِي كِتَابه، وَثَبت عَن رَسُوله: الاسْتوَاء، وَالنُّزُول، وَالنَّفس، وَالْيَد، وَالْعين، فَلَا يتَصَرَّف فِيهَا بتشبيه وَلَا تَعْطِيل، إِذْ لَوْلَا إِخْبَار الله وَرَسُوله مَا تجاسر عقل أَن [يحوم] حول ذَلِك الْحمى) . قَالَ الطَّيِّبِيّ: (هَذَا هُوَ الْمَذْهَب الْمُعْتَمد، وَبِه يَقُول السّلف الصَّالح) . انْتهى. والأشعري نَفسه قد أثبت لله تَعَالَى: [سبع عشرَة] صفة - كَمَا تقدم - وَبَين أَن مِنْهَا مَا لَا يعلم إِلَّا بِالسَّمْعِ.

стр. 1300

قلت: وَكَذَا نقُول: إِنَّه قد ثَبت وَصَحَّ عَن الصَّادِق المصدوق ﷺ َ - ذكر الصَّوْت، وَصَححهُ الْحفاظ المقتدى بهم، فَلَا يتَصَرَّف فِيهِ بتشبيه وَلَا تَعْطِيل، فقد صحت أَحَادِيث كَثِيرَة عَن النَّبِي ﷺ َ - بِإِضَافَة الصَّوْت إِلَى الله تَعَالَى. وَقد خرج ابْن شكر الْمصْرِيّ - وَهُوَ من فضلاء أهل الحَدِيث ونقادهم - فِيهِ أَرْبَعَة عشر حَدِيثا، وَذكر أَنَّهَا ثَابِتَة عِنْد الْمُحدثين. نَقله الطوفي فِي " شَرحه ". قلت: وَكَذَلِكَ الْحَافِظ عبد الْغَنِيّ الْمَقْدِسِي ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
следующие страницы →