← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6336

التحبير شرح التحرير

المرداوي

Полный текст (4 267 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

[النِّسَاء: ١٦٤] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَلمه ربه﴾ [الْأَعْرَاف: ١٤٣] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصطفيتك على النَّاس برسالاتي وبكلامي﴾ [الْأَعْرَاف: ١٤٤] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وناديناه من جَانب الطّور الْأَيْمن﴾ [مَرْيَم: ٥٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِذْ ناداه ربه بالواد الْمُقَدّس طوى﴾ [النازعات: ١٦] . وأجمعنا على أَن مُوسَى ﵇ سمع كَلَام الله تَعَالَى من الله، لَا من الشَّجَرَة، وَلَا من حجر، وَلَا غَيره، لِأَنَّهُ لَو سمع من غير الله كَانَ بنوا إِسْرَائِيل أفضل فِي ذَلِك مِنْهُ، لأَنهم سمعُوا من أفضل مِمَّن سمع مِنْهُ مُوسَى، لكَوْنهم سمعُوا من مُوسَى، فَلم سمي إِذا كليم الرَّحْمَن، وَإِذا ثَبت هَذَا؛ لم يجز أَن يكون الْكَلَام الَّذِي سَمعه مُوسَى إِلَّا صَوتا وحرفا، فَإِنَّهُ لَو كَانَ معنى فِي النَّفس وفكرة وروية لم يكن ذَلِك تكليما لمُوسَى، وَلَا هُوَ شَيْء يسمع، وَلَا يتَعَدَّى الْفِكر والرؤى، وَلَا يُسمى مناداة. فَإِن قَالُوا: نَحن لَا نُسَمِّيه صَوتا مَعَ كَونه مسموعا. قُلْنَا: الْجَواب من وُجُوه. أَحدهَا: أَن هَذَا مُخَالفَة فِي اللَّفْظ مَعَ الْمُوَافقَة فِي الْمَعْنى، فإننا لَا نعني بالصوت إِلَّا مَا كَانَ مسموعا. الثَّانِي: أَن لفظ الصَّوْت قد جَاءَت بِهِ الْأَخْبَار والْآثَار، وسأذكرها - إِن شَاءَ الله تَعَالَى - على حِدة. وَقَالَ الشَّيْخ الْمُوفق بعد ذَلِك: (النزاع فِي أَن الله تَعَالَى تكلم بِحرف وَصَوت أم لَا؟ وَمذهب أهل السّنة اتِّبَاع مَا ورد فِي الْكتاب وَالسّنة، وَقد بَينا - بالأدلة القاطعة - أَن هَذَا الْقُرْآن الَّذِي عندنَا هُوَ كَلَام الله تَعَالَى، فَإِنَّهُ

стр. 1297

مسموع مقروء متلو مَحْفُوظ مَكْتُوب، وكيفما قريء وتلي وَسمع وَحفظ فَهُوَ الْقُرْآن الْقَدِيم، وَذكرنَا الْآيَات وَالْأَخْبَار الدَّالَّة على أَنه مسموع متلو مَكْتُوب مَحْفُوظ) انْتهى كَلَام شيخ الْإِسْلَام موفق الدّين، بِمَا أدخلْنَاهُ فِيهِ من كَلَام أبي نصر مُمَيّزا. وَقَالَ شيخ الْإِسْلَام الْحَافِظ شهَاب الدّين ابْن حجر فِي " شرح البُخَارِيّ ": (قَالَ الْبَيْهَقِيّ: " الْكَلَام: مَا ينْطق بِهِ الْمُتَكَلّم، وَهُوَ مُسْتَقر فِي نَفسه كَمَا جَاءَ فِي حَدِيث عمر " - يَعْنِي: فِي قصَّة السَّقِيفَة - وَفِيه: " وَكنت زورت فِي نَفسِي مقَالَة "، وَفِي رِوَايَة: " كلَاما "، قَالَ: " فَسَماهُ كلَاما قبل التَّكَلُّم بِهِ ". قَالَ: " فَإِن كَانَ الْمُتَكَلّم ذَا مخارج سمع كَلَامه ذَا حُرُوف وأصوات، وَإِن كَانَ غير ذِي مخارج فَهُوَ بِخِلَاف ذَلِك، والباري لَيْسَ بِذِي مخارج، فَلَا يكون كَلَامه بحروف وأصوات "، ثمَّ ذكر حَدِيث جَابر عَن عبد الله بن أنيس، وَقَالَ: " اخْتلف الْحفاظ فِي الِاحْتِجَاج بروايات ابْن عقيل لسوء حفظه، وَلم يثبت لفظ الصَّوْت فِي حَدِيث صَحِيح [عَن] النَّبِي

стр. 1298

- ﷺ َ - غير حَدِيثه، فَإِن كَانَ ثَابتا فَإِنَّهُ يرجع إِلَى غَيره، كَمَا فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود - يَعْنِي: الَّذِي [قبله]- وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة - يَعْنِي: الَّذِي بعده -: إِن الْمَلَائِكَة يسمعُونَ عِنْد حُضُور الْوَحْي صَوتا، فَيحْتَمل أَن يكون الصَّوْت للسماء، أَو للْملك الْآتِي بِالْوَحْي، أَو لأجنحة الْمَلَائِكَة، وَإِذا احْتمل ذَلِك لم يكن نصا فِي الْمَسْأَلَة ". وَأَشَارَ فِي مَوضِع آخر إِلَى أَن الرَّاوِي أَرَادَ فينادي نِدَاء، فَعبر عَنهُ بالصوت انْتهى. قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر: وَهَذَا حَاصِل كَلَام من نفى الصَّوْت من الْأَئِمَّة، وَيلْزم مِنْهُ: أَن الله تَعَالَى لم يسمع أحدا من مَلَائكَته وَلَا رسله كَلَامه، بل ألهمهم إِيَّاه، وَحَاصِل الِاحْتِجَاج للنَّفْي: الرُّجُوع إِلَى الْقيَاس على أصوات المخلوقين، لِأَنَّهَا الَّتِي عهد أَنَّهَا ذَات مخارج، وَلَا يخفى مَا فِيهِ، إِذْ الصَّوْت قد يكون من غير مخارج، كَمَا أَن الرُّؤْيَة قد تكون من غير اتِّصَال أشعة كَمَا سبق. سلمنَا، لَكِن نمْنَع الْقيَاس الْمَذْكُور، وَصفَة الْخَالِق لَا تقاس على صفة الْمَخْلُوق، وَإِذا ثَبت ذكر الصَّوْت بِهَذِهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة وَجب الْإِيمَان بِهِ، ثمَّ إِمَّا التَّفْوِيض، وَإِمَّا التَّأْوِيل، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق) انْتهى.

стр. 1299

وَلَقَد أَجَاد وأنصف وَاتبع الْحق الَّذِي لَا محيد عَنهُ. وَمَا أحسن مَا قَالَه الشَّيْخ الشهَاب الدّين السهروردي فِي كتاب " العقيدة " لَهُ، نَقله ابْن حجر: (أخبر الله فِي كِتَابه، وَثَبت عَن رَسُوله: الاسْتوَاء، وَالنُّزُول، وَالنَّفس، وَالْيَد، وَالْعين، فَلَا يتَصَرَّف فِيهَا بتشبيه وَلَا تَعْطِيل، إِذْ لَوْلَا إِخْبَار الله وَرَسُوله مَا تجاسر عقل أَن [يحوم] حول ذَلِك الْحمى) . قَالَ الطَّيِّبِيّ: (هَذَا هُوَ الْمَذْهَب الْمُعْتَمد، وَبِه يَقُول السّلف الصَّالح) . انْتهى. والأشعري نَفسه قد أثبت لله تَعَالَى: [سبع عشرَة] صفة - كَمَا تقدم - وَبَين أَن مِنْهَا مَا لَا يعلم إِلَّا بِالسَّمْعِ.

стр. 1300

قلت: وَكَذَا نقُول: إِنَّه قد ثَبت وَصَحَّ عَن الصَّادِق المصدوق ﷺ َ - ذكر الصَّوْت، وَصَححهُ الْحفاظ المقتدى بهم، فَلَا يتَصَرَّف فِيهِ بتشبيه وَلَا تَعْطِيل، فقد صحت أَحَادِيث كَثِيرَة عَن النَّبِي ﷺ َ - بِإِضَافَة الصَّوْت إِلَى الله تَعَالَى. وَقد خرج ابْن شكر الْمصْرِيّ - وَهُوَ من فضلاء أهل الحَدِيث ونقادهم - فِيهِ أَرْبَعَة عشر حَدِيثا، وَذكر أَنَّهَا ثَابِتَة عِنْد الْمُحدثين. نَقله الطوفي فِي " شَرحه ". قلت: وَكَذَلِكَ الْحَافِظ عبد الْغَنِيّ الْمَقْدِسِي ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...

стр. 1301

وَغَيره، جمع الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي ذكر الصَّوْت الْمُضَاف إِلَى الله تَعَالَى، وسأذكرها - إِن شَاءَ الله - بعد على حِدة. وَالْقُرْآن مَمْلُوء بِنَحْوِ ذَلِك، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَأَجره حَتَّى يسمع كَلَام الله﴾ [التَّوْبَة: ٦] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَلمه ربه﴾ [الْأَعْرَاف: ١٤٣] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصطفيتك على النَّاس برسالاتي وبكلامي﴾ [الْأَعْرَاف: ١٤٤] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وناديناه من جَانب الطّور الْأَيْمن﴾ [مَرْيَم: ٥٢] ، ﴿إِذْ ناداه ربه بالواد الْمُقَدّس طوى﴾ [النازعات: ١٦] ، ﴿وَإِذ نَادَى رَبك مُوسَى﴾ [الشُّعَرَاء: ١٠] فِي آي كَثِيرَة، وَقَالَ الله تَعَالَى، وَيَقُول الله تَعَالَى فِي غير مَا آيَة فالقرآن مَمْلُوء بذلك، وَكَذَلِكَ السّنة الصَّحِيحَة، وَمن المستبعد جدا أَن يكون هَذَا الْخطاب كُله مجَازًا، لَا حَقِيقَة فِيهِ وَلَو فِي مَوضِع وَاحِد، وبموضع وَاحِد مِنْهُ يحصل الْمَطْلُوب. قَالَ الطوفي: (فَإِن قيل: هُوَ حَقِيقَة، وَلَكِن - كَمَا قَرَّرْنَاهُ فِي الْكَلَام النَّفْسِيّ - بالاشتراك، كَمَا قُلْتُمْ: إِن الصِّفَات الْوَارِدَة فِي الشَّرْع لله تَعَالَى حَقِيقَة، لَكِن مُخَالفَة للصفات الْمُشَاهدَة، وَهِي مقولة بالاشتراك.

стр. 1302

قُلْنَا: نَحن اضطرنا إِلَى القَوْل بالاشتراك فِي الصِّفَات وُرُود نُصُوص الشَّرْع الثَّابِتَة بهَا، فَأنْتم [مَا اضطركم] إِلَى إِثْبَات الْكَلَام النَّفْسِيّ؟ فَإِن قيل: دَلِيل الْعقل الدَّال: أَنه لَا صَوت إِلَّا من جسم. قُلْنَا: فَمَا أفادكم إثْبَاته شَيْئا، لِأَن الْكَلَام النَّفْسِيّ الَّذِي أثبتموه لَا يخرج فِي الْحَقِيقَة عَن أَن يكون علما أَو تصورا - على مَا سبق تَقْرِيره عَن أئمتكم -، فَإِن كَانَ علما، فقد رجعتم معتزلة، ونفيتم الْكَلَام بِالْكُلِّيَّةِ، وموهتم على النَّاس بتسميتكم الْعلم كلَاما، وَإِن كَانَ تصورا، فالتصور فِي الشَّاهِد: حُصُول صُورَة الشَّيْء فِي الْعقل، وَإِنَّمَا يعقل فِي الْأَجْسَام، وَإِن عنيتم تصورا مُخَالفا للتصور فِي الشَّاهِد [لائقا بِجلَال] الله، فأثبتوا كلَاما [هُوَ عبارَة على] خلاف الشَّاهِد، لائقة بِجلَال الله تَعَالَى) انْتهى. وَهُوَ كَلَام متين لَا محيد عَنهُ [للنمصف] . وَقَالَ شيخ الْإِسْلَام الْحَافِظ ابْن حجر فِي " شرح البُخَارِيّ ": (قَالَ ابْن حزم فِي " الْملَل والنحل ": " أجمع أهل الْإِسْلَام: على أَن الله تَعَالَى كلم مُوسَى ﵇، وعَلى أَن الْقُرْآن كَلَام الله، وَكَذَا غَيره من الْكتب الْمنزلَة والصحف، ثمَّ اخْتلفُوا.

стр. 1303

فَقَالَت الْمُعْتَزلَة: إِن كَلَام الله تَعَالَى صفة فعل مخلوقة، وَإنَّهُ كلم مُوسَى بِكَلَام أحدثه فِي الشَّجَرَة. وَقَالَ أَحْمد وَمن تبعه: كَلَام الله هُوَ علمه لم يزل، وَلَيْسَ بمخلوق. وَقَالَت الأشعرية: كَلَام الله صفة ذَات لم تزل، وَلَيْسَ بمخلوق، وَهُوَ غير علم الله تَعَالَى، وَلَيْسَ لله إِلَّا كَلَام وَاحِد. وَاحْتج لِأَحْمَد بِأَن الدَّلَائِل القاطعة قَامَت على أَن الله تَعَالَى لَا يُشبههُ شَيْء من خلقه بِوَجْه من الْوُجُوه، فَلَمَّا كَانَ كلامنا غَيرنَا، وَكَانَ مخلوقا، وَجب أَن يكون كَلَام الله لَيْسَ غَيره، وَلَيْسَ مخلوقا، وَأطَال فِي الرَّد على الْمُخَالفين لذَلِك. وَقَالَ [غَيره] : اخْتلفُوا: فَقَالَت الْجَهْمِية، والمعتزلة، وَبَعض الزيدية والإمامية، وَبَعض الْخَوَارِج: كَلَام الله مَخْلُوق، خلقه بمشيئته وَقدرته فِي بعض الْأَجْسَام: كالشجرة حِين كلم مُوسَى.

стр. 1304

وَحَقِيقَة قَوْلهم: أَن الله تَعَالَى لَا يتَكَلَّم، [وَإِن] نسب إِلَيْهِ ذَلِك فبطريق الْمجَاز. وَقَالَت الْمُعْتَزلَة: يتَكَلَّم حَقِيقَة، لَكِن يخلق ذَلِك الْكَلَام فِي غَيره. وَقَالَت الْكلابِيَّة: الْكَلَام صفة وَاحِدَة، قديمَة الْعين، لَازِمَة لذات الله كالحياة، وَإنَّهُ لَا يتَكَلَّم بمشيئته وَقدرته، وتكليمه من كَلمه إِنَّمَا هُوَ خلق إِدْرَاك لَهُ يسمع بِهِ الْكَلَام، ونداؤه لمُوسَى لم يزل، لكنه أسمعهُ ذَلِك النداء حِين [ناداه] . ويحكى عَن أبي مَنْصُور الماتريدي من الْحَنَفِيَّة نَحوه، لَكِن قَالَ: خلق صَوتا حِين ناداه فأسمعه كَلَامه. وَزعم بَعضهم: أَن هَذَا مُرَاد السّلف الَّذين قَالُوا: إِن الْقُرْآن لَيْسَ بمخلوق. [وَأخذ بقول ابْن كلاب القلانسي، والأشعري، وأتباعهما، وَقَالُوا: إِذا كَانَ الْكَلَام قَدِيما لعَينه، لَازِما لذات الرب، وَثَبت أَنه لَيْسَ بمخلوق] ، فالحروف لَيست قديمَة لِأَنَّهَا متعاقبة، وَمَا كَانَ مَسْبُوقا لغيره لم يكن قَدِيما، وَالْكَلَام الْقَدِيم معنى قَائِم بِالذَّاتِ لَا يَتَعَدَّد وَلَا يتَجَزَّأ، بل

стр. 1305

هُوَ معنى وَاحِد، إِن عبر عَنهُ بِالْعَرَبِيَّةِ فقرآن، أَو بالعبرانية فتوراة مثلا. وَذهب بعض الْحَنَابِلَة وَغَيرهم: إِلَى أَن الْقُرْآن الْعَرَبِيّ كَلَام الله، وَكَذَا التَّوْرَاة، وَأَن الله تَعَالَى لم يزل متكلما إِذا شَاءَ، وَأَنه تكلم بحروف الْقُرْآن، وأسمع من شَاءَ من الْمَلَائِكَة والأنبياء صَوته. وَقَالُوا: إِن هَذِه الْحُرُوف والأصوات قديمَة لَازِمَة الذَّات، لَيست متعاقبة، بل لم تزل قَائِمَة بِذَات مقترنة لَا تسبق، والتعاقب إِنَّمَا يكون فِي حق الْمَخْلُوق بِخِلَاف الْخَالِق. وَذهب أَكثر هَؤُلَاءِ: إِلَى أَن الْأَصْوَات والحروف هِيَ المسموعة من القارئين، وأبى ذَلِك كثير مِنْهُم فَقَالُوا: لَيست هِيَ المسموعة من القارئين. وَذهب بَعضهم: إِلَى أَنه مُتَكَلم بِالْقُرْآنِ الْعَرَبِيّ بمشيئته وَقدرته، بالحروف والأصوات الْقَائِمَة بِذَاتِهِ، وَهُوَ غير مَخْلُوق، لكنه فِي الْأَزَل لم يتَكَلَّم؛ لِامْتِنَاع وجود الحادثات فِي الْأَزَل، فَكَلَامه حَادث فِي ذَاته لَا مُحدث. وَذَهَبت الكرامية: إِلَى أَنه حَادث فِي ذَاته ومحدث. وَذكر الْفَخر الرَّازِيّ فِي " المطالب الْعَالِيَة ": (أَن قَول من قَالَ: إِنَّه تَعَالَى مُتَكَلم بِكَلَام يقوم بِذَاتِهِ بمشيئته واختياره هُوَ أصح الْأَقْوَال نقلا وعقلا) ، وَأطَال فِي تَقْرِير ذَلِك. وَالْمَحْفُوظ عَن جُمْهُور السّلف ترك الْخَوْض فِي ذَلِك والتعمق فِيهِ، والاقتصار على القَوْل بِأَن الْقُرْآن كَلَام الله تَعَالَى، وَأَنه غير مَخْلُوق، ثمَّ

стр. 1306

السُّكُوت عَمَّا وَرَاء ذَلِك) ، انْتهى كَلَام الْحَافِظ ابْن حجر. وَقَالَ - أَيْضا - بعد ذَلِك: (وَاخْتلف أهل الْكَلَام فِي أَن كَلَام الله تَعَالَى هَل هُوَ بِحرف وَصَوت أم لَا؟ فَقَالَت الْمُعْتَزلَة: لَا يكون الْكَلَام [إِلَّا بِحرف] وَصَوت، وَالْكَلَام الْمَنْسُوب إِلَى الله تَعَالَى قَائِم بِالشَّجَرَةِ. وَقَالَت الأشاعرة: كَلَام الله لَيْسَ بِحرف وَلَا صَوت، وأثبتت الْكَلَام النَّفْسِيّ، وَحَقِيقَته: معنى قَائِم بِالنَّفسِ، وَإِن اخْتلفت عَنهُ الْعبارَة: كالعربية والعجمية، واختلافها لَا يدل على اخْتِلَاف الْمعبر عَنهُ، وَالْكَلَام النَّفْسِيّ هُوَ ذَلِك الْمعبر عَنهُ. وأثبتت الْحَنَابِلَة: أَنه الله تَعَالَى مُتَكَلم بِحرف وَصَوت، أما الْحُرُوف فللتصريح بهَا فِي ظَاهر الْقُرْآن، وَأما الصَّوْت فَمن منع قَالَ: إِن الصَّوْت هُوَ الْهَوَاء الْمُنْقَطع المسموع من الحنجرة. وَأجَاب من أثْبته: بِأَن الصَّوْت الْمَوْصُوف بذلك هُوَ الْمَعْهُود من الْآدَمِيّين: كالسمع، وَالْبَصَر، وصفات الرب بِخِلَاف ذَلِك، فَلَا يلْزمه الْمَحْذُور الْمَذْكُور مَعَ اعْتِقَاد التَّنْزِيه وَعدم التَّشْبِيه، وَأَنه يجوز أَن يكون من غير الحنجرة فَلَا يلْزم التَّشْبِيه.

стр. 1307

وَقد قَالَ عبد الله بن أَحْمد فِي " كتاب السّنة ": (سَأَلت أبي عَن قوم يَقُولُونَ: لما كلم الله مُوسَى لم يتَكَلَّم بِصَوْت. فَقَالَ لي أبي: [بلَى] تكلم بِصَوْت، هَذِه الْأَحَادِيث تروى كَمَا جَاءَت، وَذكر حَدِيث ابْن مَسْعُود وَغَيره) . وَقَالَ الْحَافِظ ابْن حجر - أَيْضا - فِي مَكَان آخر: (و [مُحَصل] مَا نقل عَن أهل الْكَلَام فِي هَذِه الْمَسْأَلَة خَمْسَة أَقْوَال: الأول: قَول الْمُعْتَزلَة: أَنه مَخْلُوق. وَالثَّانِي: قَول الْكلابِيَّة: أَنه قديم قَائِم بِذَات الرب، لَيْسَ بحروف وَلَا أصوات، وَالْكَلَام الَّذِي بَين النَّاس عبارَة عَنهُ. وَالثَّالِث: قَول السالمية: أَنه حُرُوف وأصوات قديمَة الْأَعْين، وَهُوَ عين هَذِه الْحُرُوف الْمَكْتُوبَة والأصوات المسموعة. وَالرَّابِع: قَول الكرامية: أَنه مُحدث لَا مَخْلُوق. وَالْخَامِس: أَن كَلَام الله غير مَخْلُوق، وَأَنه لم يزل متكلما إِذا شَاءَ، نَص على ذَلِك أَحْمد فِي كتاب " الرَّد على الْجَهْمِية "، وافترق أَصْحَابه فرْقَتَيْن: مِنْهُم من قَالَ هُوَ لَازم لذاته، والحروف والأصوات مقترنة لَا متعاقبة، وَيسمع كَلَامه من شَاءَ. وَأَكْثَرهم قَالَ: إِنَّه يتَكَلَّم بِمَا شَاءَ، مَتى شَاءَ، وَإنَّهُ نَادَى مُوسَى حِين كَلمه، وَلم يكن ناداه من قبل.

стр. 1308

وَالَّذِي اسْتَقر عَلَيْهِ قَول الأشعرية: أَن الْقُرْآن كَلَام الله غير مَخْلُوق، مَكْتُوب فِي الْمَصَاحِف، مَحْفُوظ فِي الصُّدُور، مقروء بالألسنة، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَأَجره حَتَّى يسمع كَلَام الله﴾ [التَّوْبَة: ٦] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿بل هُوَ آيَات بَيِّنَات فِي صُدُور الَّذين أُوتُوا الْعلم﴾ [العنكبوت: ٤٩] ، وَفِي " الصَّحِيح ": " لَا تسافروا بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرض الْعَدو كَرَاهِيَة أَن يَنَالهُ الْعَدو "، وَلَيْسَ المُرَاد مَا فِي الصُّدُور، بل مَا فِي الْمُصحف. وَأجْمع السّلف على [أَن] الَّذِي بَين الدفتين كَلَام الله. وَقَالَ بَعضهم: الْقُرْآن يُطلق وَيُرَاد بِهِ المقروء، وَهُوَ الصّفة الْقَدِيمَة، وَيُطلق وَيُرَاد بِهِ الْقِرَاءَة، وَهِي الْأَلْفَاظ الدَّالَّة على ذَلِك، وبسبب ذَلِك وَقع الِاخْتِلَاف. وَأما قَوْلهم: إِنَّه منزه عَن الْحُرُوف والأصوات، فمرادهم الْكَلَام النَّفْسِيّ الْقَائِم بِالذَّاتِ المقدسة، فَهُوَ من الصِّفَات الْمَوْجُودَة الْقَدِيمَة، وَأما الْحُرُوف، فَإِن كَانَت حركات أَو أدوات: كاللسان والشفتين فَهِيَ أَعْرَاض، وَإِن كَانَت كِتَابَة فَهِيَ أجسام، وَقيام الْأَجْسَام والأعراض بِذَات الله محَال، وَيلْزم من [أثبت ذَلِك] ، أَن يَقُول بِخلق الْقُرْآن وَهُوَ يَأْبَى ذَلِك ويفر مِنْهُ،

стр. 1309

فألجأ ذَلِك [بَعضهم إِلَى] ادِّعَاء قدم الْحُرُوف كَمَا التزمته السالمية. وَمِنْهُم من الْتزم قيام ذَلِك بِذَاتِهِ، وَمن شدَّة اللّبْس فِي هَذِه الْمَسْأَلَة كثر نهي السّلف عَن الْخَوْض، واكتفوا باعتقاد: أَن الْقُرْآن كَلَام الله غير مَخْلُوق، وَلم يزِيدُوا على ذَلِك شَيْئا وَهُوَ أسلم الْأَقْوَال، وَالله الْمُسْتَعَان) انْتهى. وَقد جمع أَكثر أَقْوَال الْعلمَاء فِي ذَلِك. وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين ابْن تَيْمِية فِي " الرَّد على الرافضي ": (هَذِه الْمَسْأَلَة - وَهِي كَلَام الله تَعَالَى - اضْطربَ النَّاس فِيهَا، وَعَامة الْكتب المصنفة فِي الْكَلَام وأصول الدّين لم يذكر أَصْحَابهَا جَمِيع الْأَقْوَال، بل مِنْهُم من يذكر قَوْلَيْنِ، وَمِنْهُم من يذكر ثَلَاثَة أَقْوَال، وَمِنْهُم من يذكر أَرْبَعَة، وَمِنْهُم من يذكر خَمْسَة، وَأَكْثَرهم لَا يعْرفُونَ قَول السّلف، وَقد بلغت أَقْوَالهم إِلَى تِسْعَة: أَحدهَا: أَن كَلَام الله تَعَالَى: هُوَ مَا يفِيض على النُّفُوس من الْمعَانِي، إِمَّا من الْعقل الفعال عِنْد بَعضهم، أَو من غَيره، وَهُوَ قَول الصابئة والمتفلسفة، وَمِنْهُم: ابْن سينا وَأَمْثَاله. وَالثَّانِي: أَنه مَخْلُوق خلقه الله تَعَالَى مُنْفَصِلا عَنهُ، وَهُوَ قَول الْمُعْتَزلَة وَغَيرهم. وَالثَّالِث: معنى وَاحِد قَائِم بِذَات الله تَعَالَى، [هُوَ] الْأَمر وَالنَّهْي

стр. 1310

وَالْخَبَر والاستخبار، [إِن] عبر عَنهُ بِالْعَرَبِيَّةِ كَانَ قُرْآنًا، وَإِن عبر عَنهُ بالعبرية كَانَ توراة، وَهُوَ قَول ابْن كلاب وَمن وَافقه كالأشعري وَغَيره. الرَّابِع: أَنه حُرُوف وأصوات أزلية، مجتمعة فِي الْأَزَل: وَهُوَ قَول طَائِفَة من أهل الْكَلَام والْحَدِيث، وَذكره الْأَشْعَرِيّ عَن طَائِفَة، وَهُوَ الَّذِي يذكر عَن السالمية وَنَحْوهم. الْخَامِس: أَنه حُرُوف وأصوات، لَكِن تكلم الله بهَا بعد أَن لم يكن متكلما، وَهُوَ قَول الكرامية وَغَيرهم. السَّادِس: أَن كَلَامه يرجع إِلَى مَا يحدث من علمه، وإرادته الْقَائِم بِذَاتِهِ، وَهُوَ قَول صَاحب " الْمُعْتَبر "، ويميل إِلَيْهِ الرَّازِيّ فِي " المطالب ". السَّابِع: أَن كَلَامه يتَضَمَّن معنى قَائِما بِذَاتِهِ، هُوَ مَا خلقه [فِي] غَيره، وَهُوَ قَول أبي مَنْصُور الماتريدي.

стр. 1311

الثَّامِن: أَنه مُشْتَرك بَين الْمَعْنى الْقَدِيم الْقَائِم بِالذَّاتِ، وَبَين مَا يخلقه فِي غَيره من الْأَصْوَات، وَهَذَا قَول أبي الْمَعَالِي وَمن تبعه. التَّاسِع: [أَن يُقَال] : لم يزل الله متكلما إِذا شَاءَ، وَمَتى شَاءَ، وَكَيف شَاءَ، بِكَلَام يقوم بِهِ، وَهُوَ يتَكَلَّم بِهِ بِصَوْت يسمع، وَأَن نوع الْكَلَام قديم، وَإِن لم يكن الصَّوْت الْمعِين قَدِيما، وَهَذَا القَوْل هُوَ الْمَأْثُور عَن أَئِمَّة الحَدِيث وَالسّنة) انْتهى مُلَخصا. وَمن أعظم [الْقَائِلين] بِهَذَا القَوْل الْأَخير الإِمَام أَحْمد، فَإِنَّهُ قَالَ: (لم يزل الله تَعَالَى متكلما كَيفَ شَاءَ بِلَا تكييف) ، وَفِي لفظ: (إِذا شَاءَ) . قَالَ القَاضِي: (إِذا شَاءَ أَن يسمعنا) . وَقَالَ الإِمَام أَحْمد - أَيْضا -: (لم يزل الله تَعَالَى يَأْمر بِمَا شَاءَ وَيحكم) .

стр. 1312

وَقَالَ: (الْقُرْآن كَيفَ تصرف فَهُوَ غير مَخْلُوق، وَلَا نرى القَوْل بالحكاية والعبارة، وَمن قَالَ: الْقُرْآن عبارَة عَن كَلَام الله تَعَالَى، فقد غلط وَجَهل) . وَقَالَ - أَيْضا -: (الْعبارَة والحكاية بِدعَة لم يقلها السّلف، وَقَوله: " تكليما " يبطل الْحِكَايَة، مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يعود) . كَمَا تقدم فِي الْكَلَام على الْعبارَة والحكاية. وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين - أَيْضا -: (لم يكن فِي كَلَام الإِمَام أَحْمد، وَلَا الْأَئِمَّة: أَن الصَّوْت الَّذِي تكلم بِهِ قديم، بل يَقُولُونَ: لم يزل الله متكلما إِذا شَاءَ بِمَا شَاءَ، كَمَا يَقُوله الإِمَام أَحْمد، وَابْن الْمُبَارك، وَغَيرهمَا) . وَقَالَ فِي " الرَّد على الرافضي ": (من الْعلمَاء من يَقُول لم يزل الله متكلما إِذا شَاءَ وَكَيف شَاءَ، كَمَا يَقُول أَئِمَّة السّنة والْحَدِيث: كَعبد الله بن الْمُبَارك، وَأحمد بن حَنْبَل، وَغَيرهمَا من أَئِمَّة السّنة) . وَقَالَ: (قد تنَازع النَّاس فِي معنى كَون الْقُرْآن غير مَخْلُوق، هَل المُرَاد بِهِ أَن نفس الْكَلَام قديم أزلي كَالْعلمِ، أَو أَن الله تَعَالَى لم يزل مَوْصُوفا بِأَنَّهُ مُتَكَلم يتَكَلَّم إِذا شَاءَ؟ على قَوْلَيْنِ، ذكرهمَا الْحَارِث المحاسبي عَن أهل السّنة، وَأَبُو بكر عبد الْعَزِيز فِي كتاب [الشافي] عَن أَصْحَاب الإِمَام أَحْمد،

стр. 1313

وذكرهما أَبُو عبد الله بن حَامِد فِي كِتَابه الْأُصُول) . انْتهى كَلَام الشَّيْخ تَقِيّ الدّين. وَقَالَ الْحَافِظ زين الدّين ابْن رَجَب الْحَنْبَلِيّ فِي كتاب مَنَاقِب الإِمَام أَحْمد ": (وَمن الْبدع الَّتِي أنكرها الإِمَام أَحْمد فِي الْقُرْآن: قَول من قَالَ: إِن الله تكلم بِغَيْر صَوت، فَأنْكر هَذَا القَوْل وبدع قَائِله. قَالَ: وَقد قيل: إِن الْحَارِث المحاسبي إِنَّمَا هجره الإِمَام أَحْمد لأجل ذَلِك) انْتهى. وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: (وَهَذَا سَبَب تحذير الإِمَام أَحْمد من الْحَارِث المحاسبي وَنَحْوه من الْكلابِيَّة) . وَقَالَ: (إِنَّمَا أَمر الإِمَام أَحْمد بهجر الْحَارِث المحاسبي وَغَيره من أَصْحَاب ابْن كلاب لما أظهرُوا ذَلِك. كَمَا أَمر السّري السَّقطِي ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...

стр. 1314

[الْجُنَيْد] أَن يَتَّقِي بعض كَلَام الْحَارِث، فَذكرُوا أَن الْحَارِث ﵀ تَابَ من ذَلِك، وَكَانَ لَهُ من الْعلم وَالْفضل والزهد وَالْكَلَام فِي الْحَقَائِق مَا هُوَ مَشْهُور عَنهُ. وَحكى عَنهُ أَبُو بكر الكلاباذي صَاحب " مقالات الصُّوفِيَّة ": أَنه كَانَ يَقُول: إِن الله تَعَالَى يتَكَلَّم بِصَوْت، وَهَذَا يُوَافق قَول من قَالَ: إِنَّه رَجَعَ عَن قَول ابْن كلاب. قَالَ أَبُو بكر الكلاباذي: (وَقَالَ طَائِفَة من الصُّوفِيَّة: كَلَام الله حُرُوف وأصوات، وَإنَّهُ لَا يعرف كَلَام إِلَّا كَذَلِك. مَعَ إقرارهم أَنه صفة لله فِي ذَاته، وَأَنه غير مَخْلُوق. - قَالَ: - وَهُوَ الْحَارِث المحاسبي، وَمن الْمُتَأَخِّرين ابْن سَالم) . انْتهى.

стр. 1315

قَالَ ابْن رَجَب فِي " المناقب ": (قَالَ عبد الله بن أَحْمد فِي " كتاب السّنة " لَهُ: فِي بَاب مَا جحدته الْجَهْمِية من كَلَام الله تَعَالَى مَعَ مُوسَى بن عمرَان ﷺ َ -: (سَأَلت أبي عَن قوم يَقُولُونَ: لما كلم الله مُوسَى، لم يتَكَلَّم بِصَوْت، فَقَالَ أبي: بلَى، تكلم بِصَوْت، هَذِه الْأَحَادِيث يمرونها كَمَا جَاءَت، وَقَالَ أبي: حَدِيث ابْن مَسْعُود: " إِذا تكلم الله سمع لَهُ صَوت كمر سلسلة على الصفوان ". وَقَالَ الْخلال: ثَنَا مُحَمَّد بن عَليّ ثَنَا يَعْقُوب بن بختان قَالَ:

стр. 1316

سُئِلَ أَبُو عبد الله عَمَّن زعم أَن الله لم يتَكَلَّم بِصَوْت، فَقَالَ: " بلَى تكلم بِصَوْت ". هَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ صحتا عَن الإِمَام أَحْمد بِلَا شكّ. وَقَالَ البُخَارِيّ فِي كِتَابه " خلق أَفعَال الْعباد ": (وَيذكر عَن النَّبِي ﷺ َ - أَنه كَانَ يحب أَن يكون الرجل خفيض الصَّوْت، وَأَن الله تَعَالَى يُنَادي بِصَوْت يسمعهُ من بعد كَمَا يسمعهُ من قرب، فَلَيْسَ هَذَا لغير الله تَعَالَى. وَفِي هَذَا دَلِيل على أَن صَوت الله تَعَالَى لَا يشبه صَوت الْخلق، لِأَن الله تَعَالَى يسمع من بعد كَمَا يسمع من قرب، وَأَن الْمَلَائِكَة يصعقون من صَوته، فَإِذا [تنادى] الْمَلَائِكَة لم يصعقوا، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا تجْعَلُوا لله أندادا﴾ [الْبَقَرَة: ٢٢] ، فَلَيْسَ لصفة الله ند وَلَا مثل، وَلَا يُوجد شَيْء من صِفَاته بالمخلوقين) هَذَا لَفظه بِعَيْنِه. ثمَّ ذكر بعده حَدِيث عبد الله بن أنيس، ثمَّ حَدِيث ابْن مَسْعُود، وسيأتيان فِي جملَة الْأَحَادِيث.

стр. 1317

قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر فِي " شَرحه ": (قَوْله ﷺ َ -: " ثمَّ يناديهم بِصَوْت يسمعهُ من بعد كَمَا يسمعهُ من قرب "، حمله بعض الْأَئِمَّة على مجَاز الْحَذف، أَي: يَأْمر من يُنَادي، واستبعده بعض من أثبت الصَّوْت: بِأَن فِي قَوْله: " يسمعهُ من بعد "، إِشَارَة إِلَى أَنه لَيْسَ من الْمَخْلُوقَات، لِأَنَّهُ لم يعْهَد مثل هَذَا فيهم، وَبِأَن الْمَلَائِكَة إِذا سَمِعُوهُ صعقوا، وَإِذا سمع بَعضهم بَعْضًا لم يصعقوا. قَالَ: فعلى هَذَا فصوته صفة من صِفَات ذَاته لَا تشبه صَوت غَيره، إِذْ لَيْسَ يُوجد شَيْء من صِفَاته فِي صِفَات المخلوقين. قَالَ: وَهَكَذَا قَرَّرَهُ المُصَنّف - يَعْنِي بِهِ البُخَارِيّ - فِي كتاب " خلق أَفعَال الْعباد ") انْتهى. وَقَالَ الإِمَام مَالك الصَّغِير، أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن أبي زيد القيرواني فِي " عقيدة " لَهُ: (وَأَن الله تَعَالَى كلم مُوسَى بِذَاتِهِ، وأسمعه كَلَامه، لَا كلَاما قَامَ فِي غَيره) انْتهى.

стр. 1318

وَقَالَ الطَّحَاوِيّ فِي " عقيدته ": (وَأَن الْقُرْآن كَلَام الله مِنْهُ بَدَأَ - بِلَا كَيْفيَّة - قولا، وأنزله على رَسُوله وَحيا، وَصدقه الْمُؤْمِنُونَ على ذَلِك حَقًا، وأيقنوا أَنه كَلَام الله بِالْحَقِيقَةِ) انْتهى. فَقَالَ: الْقُرْآن كَلَام الله مِنْهُ بَدَأَ - بِلَا كَيْفيَّة - قولا، فَقَالَ: كَلَام الله قَول، وَهُوَ صَرِيح. وَنقل الْحَافِظ ابْن حجر فِي " شرح البُخَارِيّ ": (أَن الْفَقِيه أَبَا بكر - أحد الْأَئِمَّة من تلامذة إِمَام الْأَئِمَّة ابْن خُزَيْمَة - أمْلى اعْتِقَاده وَفِيه:

стр. 1319

" لم يزل الله متكلما وَلَا مثل لكَلَامه "، فاستصوبه ابْن خُزَيْمَة) . وَذكر القَاضِي أَبُو حُسَيْن [ابْن] القَاضِي أبي يعلى فِي كِتَابه " المرتضى من الدَّلَائِل ": (أَن الْقَادِر بِاللَّه جمع الْعلمَاء من سَائِر الْفرق، وَكتب رِسَالَة فِي الِاعْتِقَاد، وقرئت على الْعلمَاء كلهم، وأقروا بهَا، وَكَتَبُوا خطوطهم عَلَيْهَا، وَأَنه لَيْسَ لَهُ اعْتِقَاد إِلَّا هَذَا، وقرئت مرَارًا فِي أَمَاكِن كَثِيرَة، وفيهَا:

стр. 1320

" أَن الْقُرْآن كَلَام الله، غير مَخْلُوق، تكلم بِهِ تكلما، وأنزله على رَسُوله مُحَمَّد ﷺ َ - على لِسَان جِبْرِيل ﵊، بعد مَا سَمعه جِبْرِيل من الله تَعَالَى، فتلاه جِبْرِيل على مُحَمَّد، وتلاه مُحَمَّد على أَصْحَابه، وتلاه أَصْحَابه على الْأمة، وَلم يصر بِتِلَاوَة المخلوقين لَهُ مخلوقا، [لِأَنَّهُ] ذَلِك الْكَلَام بِعَيْنِه الَّذِي تكلم الله بِهِ، وَأطَال فِي ذَلِك) انْتهى. وَقد تقدم أَن الْحَافِظ ابْن حجر حكى إِجْمَاع السّلف على أَن الْقُرْآن كَلَام [الله] غير مَخْلُوق، تَلقاهُ جِبْرِيل عَن الله، وبلغه جِبْرِيل إِلَى مُحَمَّد ﷺ َ -، وبلغه مُحَمَّد إِلَى أمته.

стр. 1321

وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي كتاب " صيد الخاطر ": (نهى الشَّرْع عَن الْخَوْض فِيمَا يثير غُبَار شُبْهَة، وَلَا يقوى على قطع طَرِيقه إقدام الْفَهم، وَإِذا كَانَ قد نهى عَن الْخَوْض فِي الْقدر، فَكيف يُجِيز الْخَوْض فِي صِفَات الْمُقدر؟ وَمَا ذَاك إِلَّا لأحد أَمريْن: إِمَّا لخوف إثارة شُبْهَة تزلزل العقائد. أَو لِأَن قوى الْبشر تعجز عَن إِدْرَاك الْحَقَائِق) . وَاسْتدلَّ لما ذهب إِلَيْهِ الإِمَام أَحْمد، وَالْإِمَام عبد الله بن الْمُبَارك، وَالْإِمَام مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ، وَالْإِمَام عُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ، وأئمة الحَدِيث وَالسَّلَف، بِالْكتاب، وَالسّنة، والْآثَار، والفطرة، وَالْعقل. أما الْكتاب فقد تقدم فِي غيرما آيَة؛ إِذْ الْقُرْآن مَمْلُوء من المناداة، والمناجاة، وَالْقَوْل بالماضي، والمضارع، وَالْكَلَام بِالْفِعْلِ الْمَاضِي، والمصدر الْمُؤَكّد الْمُضَاف إِلَى اسْم الله تَعَالَى. قَالَ تَعَالَى: ﴿وكلم الله مُوسَى تكليما (١٦٤) ﴾ [النِّسَاء: ١٦٤] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلما جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلمه ربه﴾ [الْأَعْرَاف: ١٤٣] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصطفيتك على النَّاس برسالاتي وبكلامي﴾ [الْأَعْرَاف:

стр. 1322

١٤٤ -] ، وَقَالَ: ﴿يُرِيدُونَ أَن يبدلوا كَلَام الله﴾ [الْفَتْح: ١٥] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَكِن حق القَوْل مني﴾ [السَّجْدَة: ١٣] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وناديناه من جَانب الطّور الْأَيْمن﴾ [مَرْيَم: ٥٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذ نَادَى رَبك مُوسَى أَن ائْتِ الْقَوْم الظَّالِمين﴾ [الشُّعَرَاء: ١٠] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿هَل أَتَاك حَدِيث مُوسَى (١٥) إِذْ ناداه ربه بالواد الْمُقَدّس طوى﴾ [النازعات: ١٥ - ١٦] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فاستمع لما يُوحى﴾ [طه: ١٣] ، وَكَانَ يكلمهُ من وَرَاء حجاب لَا ترجمان بَينهمَا، واستماع الْبشر فِي الْحَقِيقَة لَا يَقع إِلَّا للصوت، وَمن زعم أَن غير الصَّوْت يجوز فِي الْعقل أَن يسمعهُ من كَانَ على هَذِه الْبَيِّنَة الَّتِي نَحن عَلَيْهَا [احْتَاجَ] إِلَى دَلِيل، وَقد قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودي من شاطيء الواد الْأَيْمن فِي الْبقْعَة الْمُبَارَكَة من الشَّجَرَة أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنا الله رب الْعَالمين﴾ [الْقَصَص: ٣٠] ، والنداء عِنْد الْعَرَب: صَوت لَا غير، وَلم يرد عَن الله وَلَا عَن رَسُوله وَلَا أحد من السّلف أَنه من الله غير صَوت، ومُوسَى مُكَلم بِلَا وَاسِطَة إِجْمَاعًا. وَقد قَالَ الْبَغَوِيّ فِي " تَفْسِيره " فِي قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة طه: ﴿نُودي يَا مُوسَى (١١) إِنِّي أَنا رَبك﴾ [طه: ١١ - ١٢] : (قَالَ وهب: " نُودي من الشَّجَرَة فَقيل: يَا مُوسَى، فَأجَاب سَرِيعا مَا يدْرِي من دَعَاهُ، فَقَالَ: إِنِّي أسمع صَوْتك وَلَا أرى مَكَانك؛ فَأَيْنَ أَنْت؟

стр. 1323

قَالَ: أَنا فَوْقك، ومعك، وأمامك، وخلفك، وَأقرب إِلَيْك من نَفسك، فَعلم أَن ذَلِك لَا يَنْبَغِي إِلَّا لله فأيقن بِهِ) انْتهى. وَذكر أَبُو نصر السجسْتانِي فِي كِتَابه " الرَّد على من أنكر الْحَرْف وَالصَّوْت ": عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي بكر [بن] عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث عَن جرير بن جَابر عَن كَعْب أَنه قَالَ: " لما كلم الله مُوسَى ﵇ كَلمه بالألسنة كلهَا قبل لِسَانه، فَطَفِقَ مُوسَى يَقُول: وَالله يَا رب مَا أفقه هَذَا، حَتَّى كَلمه بِلِسَانِهِ آخر الْأَلْسِنَة بِمثل صَوته ". قَالَ: وَهُوَ مَحْفُوظ عَن الزُّهْرِيّ، رَوَاهُ عَنهُ ابْن أبي عَتيق

стр. 1324

والزبيدي، وَمعمر، وَيُونُس بن يزِيد، وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة، وهم كلهم أَئِمَّة، وَلم يُنكره وَاحِد مِنْهُم. وَقَوله: " بِمثل صَوته "، مَعْنَاهُ: أَن مُوسَى ﵇ حَسبه مثل صَوته فِي تمكنه من سَمَاعه وَبَيَانه عِنْده. ويوضحه قَوْله تَعَالَى: " لَو كلمتك بكلامي لم تَكُ شَيْئا وَلم تستقم لَهُ " انْتهى. وَذكر الشَّيْخ موفق الدّين فِي قصَّة مُوسَى ﵇: (أَنه لما رآى النَّار هالته وفزع مِنْهَا، فناداه ربه: " يَا مُوسَى " فَأجَاب سَرِيعا - استئناسا بالصوت - فَقَالَ: لبيْك لبيْك، أسمع صَوْتك وَلَا أرى مَكَانك فَأَيْنَ أَنْت؟ قَالَ: فَوْقك، وأمام، ووراءك، وَعَن يَمِينك، وَعَن شمالك، فَعلم أَن هَذِه الصّفة لَا تنبغي إِلَّا لله تَعَالَى، قَالَ: فَكَذَلِك أَنْت يَا إلهي، أفكلامك أسمع أم كَلَام رَسُولك؟ قَالَ: بل كَلَامي يَا مُوسَى) . وَقَالَت بَنو إِسْرَائِيل لمُوسَى: (بِمَ شبهت صَوت رَبك؟) .

стр. 1325

قَالَ: " إِنَّه لَا شبه لَهُ ". وَرُوِيَ: أَن مُوسَى ﵇ لما سمع كَلَام الْآدَمِيّين مقتهم، لما وقر فِي مسامعه من كَلَام الله تَعَالَى. وَأما السّنة: فقد نقل الطوفي فِي " شَرحه " عَن الْحَافِظ ابْن شكر أَنه قَالَ: صَحَّ عَن النَّبِي ﷺ َ - أَرْبَعَة عشر حَدِيثا فِي الصَّوْت، كَمَا تقدم ذَلِك. وَقد ذكر البُخَارِيّ فِي " صَحِيحه "، وَفِي " خلق أَفعَال الْعباد " جملَة من ذَلِك. وَكَذَلِكَ الشَّيْخ موفق الدّين فِي " تصنيفه ". وَجمع الْحَافِظ الضياء الْمَقْدِسِي جُزْءا فِي ذَلِك. وَذكرت من ذَلِك فِي هَذَا الْكتاب جملَة صَالِحَة ، فَمِنْهَا:

стр. 1326

الحَدِيث الأول: مَا روى جَابر بن عبد الله ﵄ قَالَ: خرجت إِلَى الشَّام إِلَى عبد الله بن أنيس الْأنْصَارِيّ، فَقَالَ عبد الله بن أنيس: سَمِعت رَسُول الله ﷺ َ - يَقُول: " يحْشر الله الْعباد - أَو قَالَ: يحْشر الله النَّاس - قَالَ: وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الشَّام عُرَاة غرلًا بهما. قَالَ: قلت: مَا بهما؟ قَالَ: لَيْسَ مَعَهم شَيْء، فينادي بِصَوْت يسمعهُ من بعد كَمَا يسمعهُ من قرب: أَنا الْملك [أَنا] الديَّان، لَا يَنْبَغِي لأحد من أهل الْجنَّة أَن يدْخل الْجنَّة وَأحد من أهل النَّار يُطَالِبهُ بمظلمة، وَلَا يَنْبَغِي لأحد من أهل النَّار أَن يدْخل النَّار وَأحد من أهل الْجنَّة يُطَالِبهُ بمظلمة ". قَالُوا: كَيفَ وَإِنَّا نأتي الله غرلًا بهما؟ قَالَ: بِالْحَسَنَاتِ والسيئات ". أخرج أَصله البُخَارِيّ فِي " صَحِيحه " تَعْلِيقا مستشهدا بِهِ، إِلَى قَوْله: " الديَّان "، وَأخرجه بِتَمَامِهِ ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...

стр. 1327

[فِي] " الْأَدَب الْمُفْرد "، وَأخرجه الإِمَام أَحْمد، وَأَبُو يعلى، [و] الطَّبَرَانِيّ. وَفِي طَرِيق أُخْرَى ذكرهَا الْحَافِظ الضياء بِسَنَدِهِ إِلَى جَابر، قَالَ جَابر: (بَلغنِي عَن النَّبِي ﷺ َ - حَدِيث فِي الْقصاص، وَكَانَ صَاحب الحَدِيث بِمصْر، فاشتريت بَعِيرًا، فشددت عَلَيْهِ رحلا، فسرت عَلَيْهِ حَتَّى وَردت مصر، فقصدت إِلَى بَاب الرجل الَّذِي بَلغنِي عَنهُ الحَدِيث، فقرعت الْبَاب، فَخرج إِلَيّ مَمْلُوك لَهُ، فَنظر فِي وَجْهي وَلم يكلمني، فَدخل على سَيّده فَقَالَ:

стр. 1328

أَعْرَابِي على الْبَاب، فَقَالَ: سل من أَنْت؟ فَقلت: جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ، فَخرج إِلَيّ مَوْلَاهُ، فَلَمَّا تراءينا اعتنق أَحَدنَا صَاحبه، فَقَالَ: يَا جَابر مَا جِئْت تعرف؟ فَقلت: حَدِيث بَلغنِي عَن النَّبِي ﷺ َ - فِي الْقصاص، وَلَا أَظن أحدا مِمَّن مضى أَو مِمَّن بَقِي أحفظ لَهُ مِنْك، قَالَ: نعم يَا جَابر: سَمِعت رَسُول الله ﷺ َ - يَقُول: " إِن الله ﵎ يبعثكم يَوْم الْقِيَامَة من قبوركم حُفَاة عُرَاة غرلًا بهما، ثمَّ يُنَادي بِصَوْت رفيع غير فظيع، يسمع من بعد كمن قرب: أَنا الديَّان، لَا تظالم الْيَوْم، أما وَعِزَّتِي لَا يجاوزني الْيَوْم ظَالِم، وَلَو لطمة كف بكف أَو يَد على يَد ". أَلا وَإِن أَشد مَا أَتَخَوَّف على أمتِي من بعدِي عمل قوم لوط، فلترتقب أمتِي الْعَذَاب إِذا تكافأ النِّسَاء بِالنسَاء وَالرِّجَال بِالرِّجَالِ) . الحَدِيث الثَّانِي: مَا روى أَبُو هُرَيْرَة ﵁ أَن نَبِي الله ﷺ َ - قَالَ: " إِذا قضى الله الْأَمر فِي السَّمَاء ضربت الْمَلَائِكَة بأجنحتها تَصْدِيقًا لقَوْله، كَأَنَّهُ سلسلة على صَفْوَان فَإِذا فزع عَن قُلُوبهم قَالُوا: مَاذَا قَالَ ربكُم؟ قَالُوا: الْحق وَهُوَ الْعلي الْكَبِير ... " إِلَى آخِره، رَوَاهُ البُخَارِيّ، وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيّ، وَابْن ماجة .

стр. 1329

الحَدِيث الثَّالِث: مَا روى ابْن مَسْعُود، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " إِن الله تَعَالَى إِذا تكلم بِالْوَحْي، سمع أهل السَّمَاء للسماء صلصلة كجر السلسلة على الصَّفَا، فيصعقون، فَلَا يزالون كَذَلِك حَتَّى يَأْتِيهم جِبْرِيل ﵇، فَإِذا جَاءَهُم جِبْرِيل فزع عَن قُلُوبهم، فَيَقُولُونَ: يَا جِبْرِيل مَاذَا قَالَ ربكُم؟ قَالَ: يَقُول الْحق، قَالَ: فينادون: الْحق الْحق "، أخرجه أَبُو دَاوُد، وَرِجَاله ثِقَات. الحَدِيث الرَّابِع: مَا رَوَاهُ ابْن مَسْعُود - أَيْضا - قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " إِن الله إِذا تكلم بِالْوَحْي سمع أهل السَّمَوَات السَّبع صلصلة كصلصلة السلسلة على الصَّفَا، قَالَ: فيفزعون حَتَّى يَأْتِيهم جِبْرِيل، فَإِذا فزع عَن قُلُوبهم يَقُولُونَ: يَا جِبْرِيل مَاذَا قَالَ رَبك؟ قَالَ: فَيَقُول: الْحق، قَالُوا: الْحق الْحق ". رَوَاهُ أَحْمد بن الصَّباح بن أبي سُرَيج، عَن أبي ... ... ... ... ... ... ...

стр. 1330

مُعَاوِيَة. الحَدِيث الْخَامِس: بِمَعْنى الَّذِي قبله. قَالَ شيخ الْإِسْلَام موفق الدّين فِي " تصنيفه ": روى عبد الله بن أَحْمد قَالَ: سَأَلت أبي فَقلت: يَا أبه، الْجَهْمِية يَزْعمُونَ أَن الله لَا يتَكَلَّم

стр. 1331

بِصَوْت، فَقَالَ: كذبُوا، إِنَّمَا يدورون على التعطيل، ثمَّ قَالَ الإِمَام أَحْمد: ثَنَا [عبد الرَّحْمَن] بن مُحَمَّد الْمحَاربي قَالَ حَدثنِي الْأَعْمَش عَن أبي الضُّحَى عَن مَسْرُوق عَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ: " إِذا تكلم الله بِالْوَحْي سمع صَوته أهل السَّمَاء ". قَالَ السجْزِي: (وَمَا فِي رُوَاة هَذَا الْخَبَر إِلَّا إِمَام مَقْبُول) انْتهى. وتتمة الحَدِيث: " فَيَخِرُّونَ سجدا حَتَّى إِذا فُزّع عَن قُلُوبهم: قَالَ: سكن عَن قُلُوبهم، نَادَى أهل السَّمَاء مَاذَا قَالَ ربكُم؟ قَالُوا: الْحق قَالَ كَذَا

стр. 1332

وَكَذَا ". قَالَ القَاضِي أَبُو حُسَيْن وَغَيره: (وَمثل هَذَا لَا يَقُوله ابْن مَسْعُود إِلَّا توقيفا، لِأَنَّهُ إِثْبَات صفة الذَّات) انْتهى، وَهُوَ كَمَا قَالَ. الحَدِيث السَّادِس: مَا روى بهز عَن أَبِيه عَن جده أَن رَسُول الله ﷺ َ -

стр. 1333

قَالَ: " إِذا نزل جِبْرِيل بِالْوَحْي على رَسُول الله ﷺ َ - فزع أهل السَّمَوَات لانحطاطه، وسمعوا صَوت الْوَحْي كأشد مَا يكون صَوت الْحَدِيد على الصَّفَا، فَكلما مر بِأَهْل سَمَاء فُزّع عَن قُلُوبهم، فَيَقُولُونَ: يَا جِبْرِيل بِمَ أمرت؟ فَيَقُول: نور الْعِزَّة الْعَظِيم، كَلَام الله بِلِسَان عَرَبِيّ ". الحَدِيث السَّابِع: مَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذا فزع عَن قُلُوبهم قَالُوا مَاذَا قَالَ ربكُم قَالُوا الْحق وَهُوَ الْعلي الْكَبِير﴾ [سبأ: ٢٣] . قَالَ: " لما أوحى الْجَبَّار إِلَى مُحَمَّد ﷺ َ - دَعَا الرَّسُول من الْمَلَائِكَة ليَبْعَثهُ بِالْوَحْي، فَسمِعت الْمَلَائِكَة صَوت الْجَبَّار يتَكَلَّم بِالْوَحْي، فَلَمَّا كشف عَن قُلُوبهم، سَأَلُوا عَمَّا قَالَ؟ قَالُوا: الْحق، وَعَلمُوا أَن الله لَا يَقُول إِلَّا حَقًا، وَأَنه منجز مَا وعد.

стр. 1334

- قَالَ ابْن عَبَّاس -: وَصَوت الْوَحْي كصوت الْحَدِيد على الصَّفَا، فَلَمَّا سَمِعُوهُ خروا سجدا، فَلَمَّا رفعوا رؤوسهم قَالُوا: [مَاذَا قَالَ] ربكُم؟ قَالُوا: الْحق وَهُوَ الْعلي الْكَبِير ". الحَدِيث الثَّامِن: مَا رَوَاهُ أَبُو سعيد، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " يَقُول الله تَعَالَى: يَا آدم، فَيَقُول: لبيْك وَسَعْديك، فينادي بِصَوْت: إِن الله يَأْمُرك أَن تخرج من ذريتك بعثا إِلَى النَّار " رَوَاهُ البُخَارِيّ وَغَيره. الحَدِيث التَّاسِع: مَا رَوَاهُ النواس بن سمْعَان، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " إِذا أَرَادَ الله تَعَالَى أَن يوحي بِأَمْر تكلم بِالْوَحْي، أخذت السَّمَوَات مِنْهُ رَجْفَة شَدِيدَة من خوف الله تَعَالَى، فَإِذا سمع بذلك أهل السَّمَاء صعقوا وخروا سجدا، فَيكون أَوَّلهمْ يرفع رَأسه جِبْرِيل ﵇ فيكلمه الله من وحيه بِمَا أَرَادَ، فينتهي بِهِ جِبْرِيل ﵇ على الْمَلَائِكَة، كلما مر بسماء سَأَلَهُ أَهلهَا: مَاذَا قَالَ رَبنَا يَا جِبْرِيل؟ فَيَقُول جِبْرِيل: قَالَ الْحق وَهُوَ الْعلي

стр. 1335

الْكَبِير، فَيَقُولُونَ كلهم مِثْلَمَا قَالَ جِبْرِيل، فينتهي بِهِ جِبْرِيل ﵇ حَيْثُ أَمر من السَّمَاء وَالْأَرْض ". رَوَاهُ الْحَافِظ ضِيَاء الدّين بِسَنَدِهِ إِلَى عبد الله بن مُحَمَّد بن جَعْفَر بن حَيَّان، مُتَّصِلا إِلَى النواس بن سمْعَان. الحَدِيث الْعَاشِر: مَا رَوَاهُ جَابر بن عبد الله ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُول [الله] ﷺ َ - يعرض نَفسه على النَّاس بالموقف، وَيَقُول: " أَلا رجل يحملني إِلَى قومه؛ فَإِن قُريْشًا قد مَنَعُونِي أَن أبلغ كَلَام رَبِّي " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيّ، وَالنَّسَائِيّ، وَابْن ماجة. الحَدِيث الْحَادِي عشر: مَا رَوَاهُ جَابر - أَيْضا - قَالَ: لما قتل أبي يَوْم
следующие страницы →