← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6336

التحبير شرح التحرير

المرداوي

Полный текст (4 267 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

بِصَوْت، فَقَالَ: كذبُوا، إِنَّمَا يدورون على التعطيل، ثمَّ قَالَ الإِمَام أَحْمد: ثَنَا [عبد الرَّحْمَن] بن مُحَمَّد الْمحَاربي قَالَ حَدثنِي الْأَعْمَش عَن أبي الضُّحَى عَن مَسْرُوق عَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ: " إِذا تكلم الله بِالْوَحْي سمع صَوته أهل السَّمَاء ". قَالَ السجْزِي: (وَمَا فِي رُوَاة هَذَا الْخَبَر إِلَّا إِمَام مَقْبُول) انْتهى. وتتمة الحَدِيث: " فَيَخِرُّونَ سجدا حَتَّى إِذا فُزّع عَن قُلُوبهم: قَالَ: سكن عَن قُلُوبهم، نَادَى أهل السَّمَاء مَاذَا قَالَ ربكُم؟ قَالُوا: الْحق قَالَ كَذَا

стр. 1332

وَكَذَا ". قَالَ القَاضِي أَبُو حُسَيْن وَغَيره: (وَمثل هَذَا لَا يَقُوله ابْن مَسْعُود إِلَّا توقيفا، لِأَنَّهُ إِثْبَات صفة الذَّات) انْتهى، وَهُوَ كَمَا قَالَ. الحَدِيث السَّادِس: مَا روى بهز عَن أَبِيه عَن جده أَن رَسُول الله ﷺ َ -

стр. 1333

قَالَ: " إِذا نزل جِبْرِيل بِالْوَحْي على رَسُول الله ﷺ َ - فزع أهل السَّمَوَات لانحطاطه، وسمعوا صَوت الْوَحْي كأشد مَا يكون صَوت الْحَدِيد على الصَّفَا، فَكلما مر بِأَهْل سَمَاء فُزّع عَن قُلُوبهم، فَيَقُولُونَ: يَا جِبْرِيل بِمَ أمرت؟ فَيَقُول: نور الْعِزَّة الْعَظِيم، كَلَام الله بِلِسَان عَرَبِيّ ". الحَدِيث السَّابِع: مَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذا فزع عَن قُلُوبهم قَالُوا مَاذَا قَالَ ربكُم قَالُوا الْحق وَهُوَ الْعلي الْكَبِير﴾ [سبأ: ٢٣] . قَالَ: " لما أوحى الْجَبَّار إِلَى مُحَمَّد ﷺ َ - دَعَا الرَّسُول من الْمَلَائِكَة ليَبْعَثهُ بِالْوَحْي، فَسمِعت الْمَلَائِكَة صَوت الْجَبَّار يتَكَلَّم بِالْوَحْي، فَلَمَّا كشف عَن قُلُوبهم، سَأَلُوا عَمَّا قَالَ؟ قَالُوا: الْحق، وَعَلمُوا أَن الله لَا يَقُول إِلَّا حَقًا، وَأَنه منجز مَا وعد.

стр. 1334

- قَالَ ابْن عَبَّاس -: وَصَوت الْوَحْي كصوت الْحَدِيد على الصَّفَا، فَلَمَّا سَمِعُوهُ خروا سجدا، فَلَمَّا رفعوا رؤوسهم قَالُوا: [مَاذَا قَالَ] ربكُم؟ قَالُوا: الْحق وَهُوَ الْعلي الْكَبِير ". الحَدِيث الثَّامِن: مَا رَوَاهُ أَبُو سعيد، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " يَقُول الله تَعَالَى: يَا آدم، فَيَقُول: لبيْك وَسَعْديك، فينادي بِصَوْت: إِن الله يَأْمُرك أَن تخرج من ذريتك بعثا إِلَى النَّار " رَوَاهُ البُخَارِيّ وَغَيره. الحَدِيث التَّاسِع: مَا رَوَاهُ النواس بن سمْعَان، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " إِذا أَرَادَ الله تَعَالَى أَن يوحي بِأَمْر تكلم بِالْوَحْي، أخذت السَّمَوَات مِنْهُ رَجْفَة شَدِيدَة من خوف الله تَعَالَى، فَإِذا سمع بذلك أهل السَّمَاء صعقوا وخروا سجدا، فَيكون أَوَّلهمْ يرفع رَأسه جِبْرِيل ﵇ فيكلمه الله من وحيه بِمَا أَرَادَ، فينتهي بِهِ جِبْرِيل ﵇ على الْمَلَائِكَة، كلما مر بسماء سَأَلَهُ أَهلهَا: مَاذَا قَالَ رَبنَا يَا جِبْرِيل؟ فَيَقُول جِبْرِيل: قَالَ الْحق وَهُوَ الْعلي

стр. 1335

الْكَبِير، فَيَقُولُونَ كلهم مِثْلَمَا قَالَ جِبْرِيل، فينتهي بِهِ جِبْرِيل ﵇ حَيْثُ أَمر من السَّمَاء وَالْأَرْض ". رَوَاهُ الْحَافِظ ضِيَاء الدّين بِسَنَدِهِ إِلَى عبد الله بن مُحَمَّد بن جَعْفَر بن حَيَّان، مُتَّصِلا إِلَى النواس بن سمْعَان. الحَدِيث الْعَاشِر: مَا رَوَاهُ جَابر بن عبد الله ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُول [الله] ﷺ َ - يعرض نَفسه على النَّاس بالموقف، وَيَقُول: " أَلا رجل يحملني إِلَى قومه؛ فَإِن قُريْشًا قد مَنَعُونِي أَن أبلغ كَلَام رَبِّي " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيّ، وَالنَّسَائِيّ، وَابْن ماجة. الحَدِيث الْحَادِي عشر: مَا رَوَاهُ جَابر - أَيْضا - قَالَ: لما قتل أبي يَوْم

стр. 1336

أحد، قَالَ لي رَسُول الله ﷺ َ -: " يَا جَابر، أَلا أخْبرك بِمَا قَالَ الله تَعَالَى لأَبِيك، قَالَ: بلَى، قَالَ: وَمَا كلم الله أحدا إِلَّا من وَرَاء حجاب إِلَّا أَبَاك، فَكلم الله أَبَاك كفاحا، فَقَالَ: يَا عبد الله تمن عَليّ أعطك، قَالَ: يَا رب تردني فأقتل فِيك ثَانِيَة، فَقَالَ: سبق مني القَوْل: إِنَّهُم إِلَيْهَا لَا يرجعُونَ، فَقَالَ: يَا رب أخبر من ورائي، فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله﴾ الْآيَة [آل عمرَان: ١٦٩] " رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، وَابْن ماجة. الحَدِيث الثَّانِي عشر: مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " إِن الله تَعَالَى قَرَأَ ﴿طه﴾ و ﴿يس﴾ قبل أَن يخلق آدم بِأَلف عَام، فَلَمَّا سَمِعت

стр. 1337

الْمَلَائِكَة قَالَت: طُوبَى لأمة ينزل هَذَا عَلَيْهِم، وطوبى لأجواف تحمل هَذَا، وطوبى لألسن تكلم بِهِ " رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة.

стр. 1338

الحَدِيث الثَّالِث عشر: مَا رَوَاهُ أَبُو أُمَامَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " مَا أذن الله لعبد فِي شَيْء أفضل من رَكْعَتَيْنِ يُصَلِّيهمَا، وَإِن الْبر ليذر على رَأس العَبْد مَا دَامَ فِي صلَاته، وَمَا تقرب الْعباد إِلَى الله بِمثل مَا خرج مِنْهُ ".

стр. 1339

قَالَ أَبُو النَّضر: يَعْنِي الْقُرْآن. رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ - أَيْضا - بِلَفْظ:

стр. 1340

" مَا أذن الله لعبد "، وَسَاقه - أَيْضا - من غير طَرِيقه. الحَدِيث الرَّابِع عشر: مَا رَوَاهُ عُثْمَان ﵁ عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ: " فضل الْقُرْآن على سَائِر الْكَلَام كفضل الرب تَعَالَى على خلقه، وَذَلِكَ أَنه مِنْهُ ".

стр. 1341

رَوَاهُ الْحَافِظ - أَيْضا - بِسَنَدِهِ. وروى - أَيْضا - بِسَنَدِهِ عَن عِكْرِمَة، قَالَ: " صليت مَعَ ابْن عَبَّاس على جَنَازَة، فَسمع رجلا يَقُول: يَا رب الْقُرْآن اغْفِر لَهُ، فَقَالَ ابْن عَبَّاس: اسْكُتْ فَإِن الْقُرْآن كَلَام الله لَيْسَ بمربوب، مِنْهُ خرج وَإِلَيْهِ يعود ". الحَدِيث الْخَامِس [عشر] : مَا رَوَاهُ أَبُو شُرَيْح، قَالَ: خرج علينا رَسُول الله ﷺ َ - فَقَالَ: " أَبْشِرُوا، أَبْشِرُوا، ألستم تَشْهَدُون أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، وَأَنِّي رَسُول الله؟ "، قَالُوا: بلَى، قَالَ: " فَإِن هَذَا الْقُرْآن سَبَب، طرفه بيد الله، وطرفه [بِأَيْدِيكُمْ] ، فَتمسكُوا بِهِ، فَإِنَّكُم لن تضلوا وَلنْ تهلكوا بعده أبدا "، رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة "، وروى مَعْنَاهُ أَبُو دَاوُد

стр. 1342

الطَّيَالِسِيّ. وَفِي " الصَّحِيح ": " مَا مِنْكُم من أحد إِلَّا سيكلمه ربه يَوْم الْقِيَامَة لَيْسَ بَينه وَبَينه ترجمان ". هَذَا آخر الْأَحَادِيث الَّتِي نقلناها من جُزْء الْحَافِظ ضِيَاء الدّين وَغَيره، الْمُشْتَمل على الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي الْحَرْف وَالصَّوْت، وَهِي قريب من ثَلَاثِينَ حَدِيثا، بَعْضهَا صِحَاح، وَبَعضهَا حسان مُحْتَج بهَا، وَقد أخرج غالبها الْحَافِظ

стр. 1343

ابْن حجر فِي " شرح البُخَارِيّ "، وغالبها احْتج بهَا الإِمَام أَحْمد، وَالْإِمَام مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ وَغَيرهمَا من أَئِمَّة الحَدِيث على أَن الله تَعَالَى تكلم بِصَوْت، وهم أَئِمَّة هَذَا الشَّأْن، والمقتدى بهم فِيهِ، والمرجع إِلَيْهِم، وَقد صححوا هَذِه الْأَحَادِيث واعتمدوا عَلَيْهَا، واعتقدوا مَا فِيهَا، منزهين لله عَمَّا لَا يَلِيق بجلاله من شُبُهَات الْحُدُوث وَغَيرهَا، كَمَا قَالُوا فِي سَائِر الصِّفَات. فَإِذا رَأينَا أحدا من النَّاس مَا يقدر عشر معشار أحد هَؤُلَاءِ يَقُول: لم يَصح عَن النَّبِي ﷺ َ - حَدِيث وَاحِد أَنه تكلم بِصَوْت، ورأينا هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة - أَئِمَّة الْإِسْلَام الَّذين اعْتمد أهل الْإِسْلَام على أَقْوَالهم، وَعمِلُوا بهَا، ودونوها، ودانوا الله بهَا - صَرَّحُوا بِأَن الله تَعَالَى تكلم بِصَوْت لَا يُشبههُ صَوت مَخْلُوق بِوَجْه من الْوُجُوه الْبَتَّةَ، معتمدين على مَا صَحَّ عِنْدهم عَن صَاحب الشَّرِيعَة الْمَعْصُوم فِي أَقْوَاله وأفعاله، الَّذِي لَا ينْطق عَن الْهوى، إِن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى، مَعَ اعْتِقَادهم - الجازمين بِهِ، لَا يَعْتَرِيه شكّ وَلَا وهم

стр. 1344

وَلَا خيال - نفي التَّشْبِيه والتمثيل والتكييف، وَأَنَّهُمْ قَائِلُونَ فِي صفة الْكَلَام، كَمَا يَقُولُونَ فِي جَمِيع صِفَات الله تَعَالَى، من النُّزُول، والمجيء، والاستواء، والسمع، وَالْبَصَر، وَالْيَد، وَغَيرهَا، كَمَا قَالَه سلف هَذِه الْأمة الصَّالح مَعَ إثباتهم لَهَا، ﴿فَمَاذَا بعد الْحق إِلَّا الضلال﴾ [يُونُس: ٣٢] ، ﴿وَمن لم يَجْعَل الله لَهُ نورا فَمَا لَهُ من نور﴾ [النُّور: ٤٠] . قَالَ الشَّيْخ موفق الدّين فِي " تصنيفه ": [وَإِذا] كَانَ حَقِيقَة التَّكَلُّم والمناداة شَيْئا، وتواردت الْأَخْبَار والْآثَار بِهِ، فَمَا إِنْكَاره إِلَّا عناد وَاتِّبَاع للهوى الْمُجَرّد، وصدوف عَن الْحق، وَترك الصِّرَاط الْمُسْتَقيم) انْتهى. وحد الصَّوْت: مَا يتَحَقَّق سَمَاعه، فَكل مُتَحَقق سَمَاعه صَوت، وكل مَا لَا يَتَأَتَّى سَمَاعه الْبَتَّةَ لَيْسَ بِصَوْت، وَحجَّة الْحَد كَونه مطردا منعكسا. وَقَول من قَالَ: إِن الصَّوْت هُوَ الْخَارِج من هَوَاء بَين جرمين، فَغير صَحِيح، لِأَنَّهُ يُوجد سَماع الصَّوْت من غير ذَلِك، كتسليم الْأَحْجَار، وتسبيح الطَّعَام وَالْجِبَال، وَشَهَادَة الْأَيْدِي والأرجل، وحنين الْجذع،

стр. 1345

وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَإِن من شَيْء إِلَّا يسبح بِحَمْدِهِ﴾ [الْإِسْرَاء: ٤٤] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْم نقُول لِجَهَنَّم هَل امْتَلَأت وَتقول هَل من مزِيد﴾ [ق: ٣٠] ، وَمَا لشَيْء من ذَلِك منخرق بَين جرمين. وَقد أقرّ الْأَشْعَرِيّ: أَن السَّمَوَات وَالْأَرْض ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طائعين﴾ [فصلت: ١١] ، حَقِيقَة لَا مجَازًا، وَالله أعلم. وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: (وَلَا نزاع بَين الْعلمَاء أَن كَلَام الله لَا يُفَارق ذَات الله سُبْحَانَهُ، وَأَنه لَا يباينه كَلَامه وَلَا شَيْء من صِفَاته، بل لَيْسَ شَيْء من صفة مَوْصُوف تبَاين موصوفها وتنتقل إِلَى غَيره، فَكيف يتَوَهَّم عَاقل أَن كَلَام الله يباينه وينتقل إِلَى غَيره؟ وَلِهَذَا قَالَ الإِمَام أَحْمد: " كَلَام الله من الله لَيْسَ ببائن مِنْهُ ". وَقد جَاءَ فِي الْأَحَادِيث والْآثَار: " أَنه مِنْهُ بَدَأَ - أَو مِنْهُ خرج - وَإِلَيْهِ يعود " - كَمَا تقدم -، وَنَصّ عَلَيْهِ الإِمَام أَحْمد وَغَيره، وَمعنى ذَلِك: أَنه هُوَ الْمُتَكَلّم بِهِ، [لم يخرج من غَيره] ، وَلَا يَقْتَضِي ذَلِك: أَنه يباينه وانتقل عَنهُ قَالَ: وَمَعْلُوم أَن كَلَام الْمَخْلُوق لَا يباين مَحَله) انْتهى.

стр. 1346

قلت: قَالَ ابْن حمدَان فِي " نِهَايَة المبتدئين ": (قَالَ أَحْمد: " مِنْهُ بَدَأَ [وَإِلَيْهِ] يعود ". وَقَالَ أَيْضا: " مِنْهُ بَدَأَ علمه، وَإِلَيْهِ يعود حكمه ". وَقَالَ تَارَة: " مِنْهُ خرج، وَهُوَ الْمُتَكَلّم بِهِ، وَإِلَيْهِ يعود ". وَقَالَ تَارَة: " الْقُرْآن من علم الله ". قَالَ ابْن جلبة - يَعْنِي: من أَصْحَابنَا -: عوده على حد حَقِيقَة الْعُلُوم، وَهِي رَاجِعَة إِلَى الله تَعَالَى، وارتفاع الْقُرْآن دفْعَة عَن النَّاس، وترفع تِلَاوَته وَأَحْكَامه فَيَعُود إِلَى الله تَعَالَى حَقِيقَة، نَص عَلَيْهِ أَحْمد) انْتهى. وَقَالَ الْحَافِظ عبد الْغَنِيّ فِي " اعْتِقَاد " [صنفه] : (قَالَ عَليّ بن أبي طَالب، وَعبد الله بن ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...

стр. 1347

مَسْعُود، وَعبد الله بن عَبَّاس: " الْقُرْآن كَلَام الله مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يعود ". وَرُوِيَ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، قَالَ: سَمِعت عَمْرو بن دِينَار يَقُول: " أدْركْت مَشَايِخنَا وَالنَّاس مُنْذُ سبعين سنة يَقُولُونَ: الْقُرْآن كَلَام الله مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يعود " رَوَاهُ ابْن جرير، والحافظ هبة الله بن الْحسن بن مَنْصُور الطبريان. وروى التِّرْمِذِيّ عَن خباب بن الْأَرَت: أَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ: " إِنَّكُم لن

стр. 1348

تتقربوا إِلَى الله بِأَفْضَل مِمَّا خرج مِنْهُ "، يَعْنِي: الْقُرْآن) انْتهى نقل الْحَافِظ عبد الْغَنِيّ. وَذهب الإِمَام أَحْمد وَأكْثر أَصْحَابه: إِلَى أَن الْقِرَاءَة هُوَ المقروء والتلاوة هِيَ المتلو. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: (وَأما مَا نقل عَن الإِمَام أَحْمد أَنه سوى بَينهمَا فَإِنَّمَا أَرَادَ حسم الْمَادَّة لِئَلَّا يتدرج أحد إِلَى القَوْل بِخلق الْقُرْآن، كَمَا نقل عَنهُ أَنه أنكر على من قَالَ: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوق، أَو غير مَخْلُوق، حسما للمادة) انْتهى. وَإِلَّا فَلَا يخفى الْفرق بَينهمَا، وَهُوَ ظَاهر. فَإِن قيل: أَي الْمذَاهب أقرب إِلَى الْحق من هَذِه الْأَقْوَال التِّسْعَة؟ قلت: إِن صحت الْأَحَادِيث بِذكر الصَّوْت فَلَا كَلَام فِي أَنه أولى وَأَحْرَى

стр. 1349

وَأَصَح من جَمِيع الْمذَاهب، مَعَ الِاعْتِقَاد فِيهِ بِمَا يَلِيق بِجلَال الله وعظمته وكبريائه، من غير تَشْبِيه بِوَجْه من الْوُجُوه الْبَتَّةَ، وَقد صحت الْأَحَادِيث بِحَمْد الله تَعَالَى، وصححها الْأَئِمَّة الْكِبَار الْمُعْتَمد عَلَيْهِم: كَالْإِمَامِ أَحْمد، وَالْإِمَام عبد الله بن الْمُبَارك، وَالْإِمَام مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ، وَالْإِمَام عُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ، وَغَيرهم، حَتَّى الْحَافِظ الْعَلامَة ابْن حجر فِي زمننا قَالَ: (قد صحت الْأَحَادِيث فِي ذَلِك) - كَمَا تقدم عَنهُ - وَكَذَلِكَ [صححها غَيره] من الْمُحدثين، وَفِي ذَلِك كِفَايَة وهداية، وَلَوْلَا أَن الصَّادِق المصدوق الْمَعْصُوم قَالَ ذَلِك لما قُلْنَاهُ وَلَا حمنا حوله، كَمَا قَالَ السهروردي ذَلِك فِي " عقيدته " - كَمَا تقدم عَنهُ - فَإِن صِفَات الله لَا تعرف إِلَّا بِالنَّقْلِ الْمَحْض من الْكتاب الْعَزِيز، أَو من صَاحب الشَّرِيعَة - صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ - وَتَصْحِيح هَؤُلَاءِ وإثباتهم للأحاديث بِذكر الصَّوْت، أولى من نفي من نفى أَنه لم يَأْتِ فِي حَدِيث وَاحِد ذكر الصَّوْت، من وُجُوه عديدة مِنْهَا: أَن الْمُثبت مقدم على النَّافِي. وَمِنْهَا: عظم الْمُصَحح وجلالة قدره وَكَثْرَة اطِّلَاعه، لَا سِيمَا فِي إِثْبَات صفة لله تَعَالَى مَعَ الزّهْد الْعَظِيم والورع المتين، أفيليق بِالْإِمَامِ أَحْمد، وَالْإِمَام عبد الله بن الْمُبَارك، أَو البُخَارِيّ، أَو غَيرهم من السّلف الصَّالح، أَن يثبتوا

стр. 1350

لله تَعَالَى صفة من صِفَاته من غير دَلِيل؟ ويدينون الله بهَا، ويعتقدونها، ويهجرون من يُخَالِفهَا، من غير دَلِيل صَحَّ عِنْدهم، وَهل [يعْتَقد هَذَا مُسلم] يُؤمن بِاللَّه وباليوم الآخر؟ فضلا عَن إِمَام من أَئِمَّة الْإِسْلَام المقتدى بأقواله وأفعاله. ثمَّ بعد هَذَا الْمَذْهَب من الْمذَاهب الْبَاقِيَة مَا ذكره الْحَافِظ ابْن حجر فِي " شَرحه " بقوله: (وَمن شدَّة اللّبْس فِي هَذِه الْمَسْأَلَة كثر نهي السّلف عَن الْخَوْض فِيهَا، واكتفوا باعتقاد: أَن الْقُرْآن كَلَام الله غير مَخْلُوق، وَلم يزِيدُوا على ذَلِك شَيْئا، وَهُوَ أسلم الْأَقْوَال وَالله الْمُسْتَعَان) انْتهى. وَالظَّاهِر - وَالله أعلم - إِنَّمَا اكْتفى السّلف بذلك حسما لمادة الْكَلَام فِي ذَلِك، وَمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ من وُقُوع النَّاس فِيمَا وَقَعُوا فِيهِ فِي هَذِه الْأَزْمِنَة وَالَّتِي قبلهَا بِكَثِير، لإثارة شبه كَثِيرَة توجب الْخبط فِي العقائد، وسد الذريعة، كَمَا سد الإِمَام أَحْمد الْبَاب فِي أَن من قَالَ: (لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوق) جهمي، وَمن قَالَ: (لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غير مَخْلُوق " مُبْتَدع. وَإِنَّمَا أطلت الْكَلَام فِي هَذِه الْمَسْأَلَة، ونقلت كَلَام الْعلمَاء المعتبرين

стр. 1351

فِيهَا، ليعلم ذَلِك، وَيعلم أَقْوَال الْعلمَاء، وَالْقَائِل بِكُل قَول، وَيعرف قَائِله وَقدره ومكانته فِي الْعلم وَعند الْعلمَاء، إِذْ غَالب النَّاس فِي هَذِه الْأَزْمِنَة يَقُول: (من قَالَ: إِن الله يتَكَلَّم بِصَوْت، يكون كَافِرًا) ، فَهَذَا الإِمَام أَحْمد ﵀ وَرَضي عَنهُ - قد صرح فِي غير رِوَايَة بِأَن الله يتَكَلَّم بِصَوْت بقدرته ومشيئته إِذا شَاءَ وَكَيف شَاءَ، وهجر من قَالَ: إِنَّه لَا يتَكَلَّم بِصَوْت وبدعه. وَهَذَا الإِمَام الْكَبِير عبد الله بن الْمُبَارك، إِمَام الدُّنْيَا على الْإِطْلَاق، الَّذِي اجْتمع فِيهِ من خِصَال الْخَيْر مَا لَا يجْتَمع غَالِبا فِي غَيره، قد قَالَ: (إِن الله يتَكَلَّم بقدرته ومشيئته بِصَوْت كَيفَ شَاءَ وَمَتى شَاءَ وَإِذا شَاءَ بِلَا كَيفَ) . وَهَذَا الإِمَام أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ، من أعظم أَئِمَّة الْمُسلمين بِلَا مدافعة فِي ذَلِك، قد قَالَ فِي كِتَابه: " خلق أَفعَال الْعباد ": (إِن الله يتَكَلَّم بِصَوْت، وَإِن صَوته لَا يشابه صَوت المخلوقين، وَإنَّهُ يتَكَلَّم كَيفَ شَاءَ وَمَتى شَاءَ) ، وَاسْتدلَّ على ذَلِك بِحَدِيث أم سَلمَة، ذكره

стр. 1352

الْحَافِظ ابْن حجر، وَكَذَلِكَ غَيره من السّلف. وَهَذَا الطَّحَاوِيّ، الْحَافِظ الْجَلِيل، قد قَالَ فِي " عقيدته ": (إِن الْقُرْآن كَلَام الله، مِنْهُ بَدَأَ - بِلَا كَيْفيَّة - قولا، وأنزله على رَسُوله وَحيا) - كَمَا تقدم ذَلِك عَنهُ -. وَقَالَ ابْن أبي زيد فِي " عقيدته ": (إِن الله كلم مُوسَى بِذَاتِهِ، وأسمعه كَلَامه لَا كلَاما قَامَ فِي غَيره) . وَهَؤُلَاء أَصْحَاب الإِمَام أَحْمد فِي زَمَنه، وَإِلَى يَوْمنَا هَذَا، لم يُغَادر مِنْهُم أحد، قَالُوا كَمَا قَالَ إمَامهمْ، وصنفوا فِي ذَلِك التصانيف الْكَثِيرَة. فَإِذا نظر الْإِنْسَان [الْمنصف] فِي كَلَام الْعلمَاء الْأَئِمَّة الْأَعْلَام المقتدى بهم، واطلع على مَا قَالُوهُ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة، علم الْحق، وَعذر الْقَائِل، وأحجم [عَن] المقالات الَّتِي لَا تلِيق بِمُسلم يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر، وَعلم أَن هَذِه الْمَسْأَلَة من جملَة مسَائِل الصِّفَات.

стр. 1353

وَلِهَذَا قَالَ الْحَافِظ الْعَلامَة ابْن حجر: (قد صحت الْأَحَادِيث بذلك، فَمَا بَقِي إِلَّا التَّسْلِيم أَو التَّأْوِيل) ، كَمَا تقدم عَنهُ. فَلَيْسَ لأحد أَن يدْفع حَدِيث النَّبِي ﷺ َ - وَيَقُول بعقله هَذِه الْأَحَادِيث مشكلة، وَيلْزم مِنْهَا الْمَحْذُور الْعَظِيم. فَقَوْل من نتبع؟ قَول هَذَا الْقَائِل، أَو قَول من اتبع الْأَحَادِيث على حكم صِفَات الله اللائقة بجلاله وعظمته، وَالله أعلم. ونسأله التَّوْفِيق لما يرضيه عَنَّا من القَوْل وَالْعَمَل وَالنِّيَّة، إِنَّه سميع قريب مُجيب. قَوْله: ﴿وَقَالَ [الإِمَام أَحْمد] : (الْقُرْآن معجز بِنَفسِهِ) ﴾ . قَالَ الإِمَام أَحْمد: (من قَالَ: الْقُرْآن مَقْدُور على مثله، وَلَكِن منع الله قدرتهم، كفر، بل هُوَ معجز بِنَفسِهِ، وَالْعجز شَمل الْخلق) .

стр. 1354

﴿قَالَ [جمَاعَة من أَصْحَابنَا: (كَلَام أَحْمد يَقْتَضِي] أَنه معجز فِي لَفظه ونظمه وَمَعْنَاهُ) . [وَهُوَ مَذْهَب الْحَنَفِيَّة] وَغَيرهم، وَخَالف القَاضِي فِي الْمَعْنى﴾ ، وَاحْتج لذَلِك: بِأَن الله تَعَالَى تحدى بِمثلِهِ فِي اللَّفْظ وَالنّظم. قيل للْقَاضِي: لَا نسلم أَن الإعجاز فِي اللَّفْظ بل فِي الْمَعْنى. فَقَالَ: (الدّلَالَة على أَن الإعجاز فِي اللَّفْظ وَالنّظم دون الْمَعْنى أَشْيَاء، مِنْهَا: أَن الْمَعْنى يقدر على مثله كل أحد، يبين صِحَة هَذَا: قَوْله تَعَالَى: ﴿قل فَأتوا بِعشر سور مثله مفتريات﴾ [هود: ١٣] ، وَهَذَا يَقْتَضِي: أَن التحدي بألفاظها، وَلِأَنَّهُ قَالَ: ﴿مثله مفتريات﴾ ، وَالْكذب لَا يكون مثل الصدْق، فَدلَّ أَن المُرَاد مثله فِي اللَّفْظ وَالنّظم) انْتهى. و ﴿قَالَ ابْن حَامِد﴾ : (فَهَل يسْقط الإعجاز فِي الْحُرُوف الْمُقطعَة أم هُوَ بَاقٍ؟ ﴿الْأَظْهر من جَوَاب الإِمَام أَحْمد: أَن الإعجاز [فِيهَا] بَاقٍ، خلافًا للأشعرية) ﴾ .

стр. 1355

قَوْله: ﴿وَفِي بعض آيَة إعجاز، ذكره القَاضِي وَغَيره﴾ ، لقَوْله تَعَالَى: ﴿فليأتوا بِحَدِيث مثله﴾ [الطّور: ٣٤] ، وَالظَّاهِر: أَنه أَرَادَ مَا فِيهِ الإعجاز، وَإِلَّا فَلَا يَقُول فِي مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ نظر﴾ [المدثر: ٢١] ، وَنَحْوهَا: إِن فِي بَعْضهَا إعجازا، وفيهَا أَيْضا، وَهُوَ وَاضح. ﴿وَقَالَ أَبُو الْخطاب﴾ - فِي النّسخ وَغَيره - ﴿وَالْحَنَفِيَّة: (لَا﴾ إعجاز فِي بعض آيَة، بل فِي آيَة) . وَهَذَا - أَيْضا - لَيْسَ على إِطْلَاقه، [وَقَالَ] : (بعض الْآيَات الطوَال فِيهَا إعجاز) . ﴿ [وَقَالَ] بَعضهم: (وَلَا فِي آيَة) ﴾ . وَفِيه كَمَا فِي الَّذِي قبله. وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي فِي " الشَّامِل " وَغَيره: (إِنَّمَا يتحدى بِالْآيَةِ إِذا كَانَت

стр. 1356

مُشْتَمِلَة على مَا بِهِ التَّعْجِيز، لَا فِي نَحْو: ﴿ثمَّ نظر﴾ [المدثر: ٢١] . فَيكون الْمَعْنى فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فليأتوا بِحَدِيث مثله﴾ [الطّور: ٣٤] ، أَي: مثله فِي الاشتمال على مَا بِهِ يَقع الإعجاز لَا مُطلقًا) . ﴿و﴾ قَالَ ابْن عقيل ﴿فِي " الْوَاضِح ": (لَا إعجاز وَلَا تحدي بآيتين) ﴾ . قلت: وَفِيه نظر على إِطْلَاقه - كَمَا تقدم - اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال: مُرَاده وَمُرَاد غَيره فِي الْجُمْلَة، وَهُوَ أولى عِنْدِي. وَقَالَ بعض الْمُحَقِّقين: (الْقُرْآن كُله معجز، لَكِن مِنْهُ مَا لَو انْفَرد لَكَانَ معجزا بِذَاتِهِ، وَمِنْه مَا إعجازه مَعَ الانضمام) . تَنْبِيه: ظَاهر مَا تقدم: أَن الإعجاز يحصل بِسُورَة، وَلَو قَصِيرَة بطرِيق أولى وَأَحْرَى، ك: ﴿إِنَّا أعطيناك الْكَوْثَر﴾ [الْكَوْثَر: ١] ، وَهُوَ ظَاهر قَوْله: ﴿فَأتوا بِسُورَة مثله﴾ [يُونُس: ٣٨] . وَقَالَ الْآمِدِيّ فِي " الْأَبْكَار ": (الْتزم القَاضِي أَبُو بكر بن الباقلاني فِي أحد جوابيه: أَن الإعجاز فِي سُورَة الْكَوْثَر وأمثالها، تمسكا وتعلقا بقوله تَعَالَى: ﴿فَأتوا بِسُورَة من مثله﴾ [الْبَقَرَة: ٢٣] ، وَالصَّحِيح: مَا ارْتَضَاهُ فِي الْجَواب الآخر، وَهُوَ اخْتِيَار الْأُسْتَاذ أبي إِسْحَاق الأسفراييني وَجَمَاعَة: أَن التحدي إِنَّمَا وَقع بِسُورَة تبلغ فِي الطول مبلغا تبين فِيهِ رتب [ذَوي] البلاغة، فَإِنَّهُ قد يصدر من غير البليغ، أَو مِمَّن هُوَ أدنى فِي البلاغة، من

стр. 1357

الْكَلَام البليغ مَا يماثل الْكَلَام البليغ الصَّادِر عَمَّن هُوَ أبلغ مِنْهُ، وَرُبمَا زَاد عَلَيْهِ. قَالَ: فَيتَعَيَّن تَقْيِيد الْإِطْلَاق فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأتوا بِسُورَة﴾ [الْبَقَرَة: ٢٣، وَيُونُس: ٣٨] ، لِأَن تَقْيِيد الْمُطلق بِالدَّلِيلِ وَاجِب) انْتهى. قَوْله: ﴿قَالَ القَاضِي، وَابْن عقيل، [وَغَيرهمَا] : (فِي بعضه إعجاز أَكثر من بعض) ﴾ . قلت: وَهُوَ صَحِيح، وَقد صرح بِهِ أَئِمَّة عُلَمَاء البلاغة.

стр. 1358

(قَوْله: ﴿فصل﴾ ) ﴿الْقرَاءَات السَّبع متواترة عِنْد [الْعلمَاء] ﴾ ، إِذا تَوَاتَرَتْ عَن قَارِئهَا. واحترزنا بذلك؛ عَمَّا يحْكى عَن بَعضهم آحادا، فَإِن ذَلِك من الشاذ الْآتِي بَيَانه. فالقراءات [السَّبع] متواترة عِنْد الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَغَيرهم من الْأَئِمَّة من عُلَمَاء السّنة، نَقله [السرُوجِي] من أَصْحَاب الشَّافِعِي فِي كتاب

стр. 1359

الصَّوْم من الْغَايَة. وَقَالَ: (قَالَت الْمُعْتَزلَة: آحادا) انْتهى. [وَمِمَّنْ] ادّعى أَنَّهَا آحَاد، الأبياري شَارِح " الْبُرْهَان "، قَالَ: (وأسانيدهم تشهد لذَلِك) .

стр. 1360

وَقَالَ صَاحب " البديع " من الْحَنَفِيَّة: (إِنَّهَا مَشْهُورَة) . وَقَالَ الطوفي فِي " شَرحه ": (وَعِنْدِي فِي [كَونهَا] متواترة نظر، وَالتَّحْقِيق: أَن الْقرَاءَات متواترة عَن الْأَئِمَّة السَّبْعَة، أما تواترها عَن النَّبِي ﷺ َ - إِلَى الْأَئِمَّة فَمحل نظر، فَإِن أَسَانِيد الْأَئِمَّة السَّبْعَة بِهَذِهِ الْقرَاءَات [السَّبع] إِلَى النَّبِي ﷺ َ - مَوْجُودَة فِي كتب الْقِرَاءَة، وَهِي نقل الْوَاحِد عَن الْوَاحِد، لم تستكمل شُرُوط التَّوَاتُر) انْتهى. قلت: لَا يشك أحد أَن الْقرَاءَات [السَّبع] متواترة من الصَّحَابَة إِلَيْهِم، وانه لم يكن مَذْكُورا مِنْهَا إِلَّا طَرِيقين أَو ثَلَاثَة، لَكِن لَو سُئِلَ كل أحد من الْقُرَّاء السَّبْعَة لبين لَهُ طرقا تبلغ التَّوَاتُر. وَأَيْضًا فَالَّذِي نتحققه وَلَا نشك فِيهِ: أَن الجم الْغَفِير أخذت الْقُرْآن عَن الصَّحَابَة، بِحَيْثُ أَنه لَا يُمكن حصر من أَخذ مِنْهُم وَلَا عَنْهُم، وَكَذَلِكَ من بعدهمْ. وَمَا أحسن مَا قَالَ بَعضهم: (انحصار الْأَسَانِيد فِي طَائِفَة لَا يمْنَع مَجِيء الْقرَاءَات عَن غَيرهم، فقد كَانَ يتلقاه من أهل كل بلد بِقِرَاءَة إمَامهمْ

стр. 1361

الجم الْغَفِير عَن مثلهم، وَكَذَلِكَ دَائِما، فالتواتر حَاصِل لَهُم، وَلَكِن الْأَئِمَّة الَّذين قصدُوا ضبط الْحُرُوف، وحفظوا شيوخهم فِيهَا، جَاءَ السَّنَد من جهتهم، وَهَذَا كالأخبار الْوَارِدَة فِي حجَّة الْوَدَاع هِيَ آحَاد، وَلم تزل حجَّة الْوَدَاع منقولة عَمَّن يحصل بهم التَّوَاتُر عَن مثلهم فِي كل عصر، فَيَنْبَغِي أَن يتفطن لذَلِك، وان لَا يغتر بقول الْقُرَّاء فِي ذَلِك) انْتهى. قَوْله: ﴿قَالَ ابْن الْحَاجِب [وَمن تبعه] : (لَا من قبيل صفة الْأَدَاء) ، وَقَالَ أَبُو شامة وَغَيره: (وَلَا صفة الْأَلْفَاظ الْمُخْتَلف فِيهَا بَين الْقُرَّاء) ، وَهُوَ ظَاهر كَلَام أَحْمد وَجمع﴾ . وَهَذَا بَيَان وَتَقْيِيد لما أطلقهُ الْجُمْهُور من تَوَاتر الْقرَاءَات [السَّبع] ، فَإِنَّهُ لَيْسَ على إِطْلَاقه، بل يسْتَثْنى مِنْهُ مَا قَالَه ابْن الْحَاجِب وَغَيره، وَهُوَ مَا كَانَ من قبيل صفة الْأَدَاء: كالمد، والإمالة، وَتَخْفِيف الْهمزَة، وَنَحْوه.

стр. 1362

وَمرَاده بالتمثيل بِالْمدِّ، والإمالة: مقادير الْمَدّ، وَكَيْفِيَّة الإمالة، لَا أصل الْمَدّ والإمالة، فَإِن ذَلِك متواتر قطعا. فالمقادير كمد حَمْزَة وورش فَإِنَّهُ قدر سِتّ ألفات، وَقيل: خمس، وَقيل: أَربع، ورجحوه، وَمد عَاصِم قدر ثَلَاث ألفات، وَالْكسَائِيّ

стр. 1363

قدر أَلفَيْنِ وَنصف، وقالون قدر أَلفَيْنِ، والسوسي قدر ألف وَنصف، وَنَحْو ذَلِك. وَكَذَلِكَ الإمالة، تَنْقَسِم إِلَى مَحْضَة، وَهِي: أَن ينحى بِالْألف إِلَى الْيَاء، وبالفتحة إِلَى الكسرة، وَإِلَى بَين بَين، وَهِي كَذَلِك، إِلَّا أَنَّهَا تكون إِلَى الْألف والفتحة أقرب، وَهِي المختارة عِنْد الْأَئِمَّة، أما أصل الإمالة فمتواتر قطعا. وَكَذَلِكَ التَّخْفِيف فِي [الْهَمْز، وَالتَّشْدِيد فِيهِ] ، مِنْهُم من يسهل،

стр. 1364

وَمِنْهُم من يُبدلهُ، وَنَحْو ذَلِك، فَهَذِهِ الْكَيْفِيَّة هِيَ الَّتِي لَيست متواترة، وَلِهَذَا كره الإِمَام أَحْمد وَجَمَاعَة من السّلف قِرَاءَة حَمْزَة، لما فِيهَا من طول الْمَدّ وَالْكَسْر والإدغام وَنَحْو ذَلِك، لِأَن الْأمة إِذا اجْتمعت على فعل شَيْء لم يكره فعله. وَهل يظنّ عَاقل: أَن الصّفة الَّتِي فعلهَا النَّبِي ﷺ َ - وتواترت إِلَيْنَا، يكرهها أحد من الْعلمَاء، أَو من الْمُسلمين. فَعلمنَا بِهَذَا أَن هَذِه الصِّفَات لَيست متواترة، وَهُوَ وَاضح. وَكَذَلِكَ قِرَاءَة الْكسَائي، لِأَنَّهَا كَقِرَاءَة حَمْزَة فِي الإمالة والإدغام كَمَا نَقله [السرُوجِي] فِي الْغَايَة، فَلَو كَانَ ذَلِك متواترا لما كرهه أحد من الْأَئِمَّة. وَزَاد أَبُو شامة: الْأَلْفَاظ الْمُخْتَلف فِيهَا بَين الْقُرَّاء، أَي: اخْتلف

стр. 1365

الْقُرَّاء فِي صفة تأديتها، كالحرف المشدد يُبَالغ بَعضهم فِيهِ حَتَّى كَأَنَّهُ يزِيد حرفا، وَبَعْضهمْ لَا يرى ذَلِك، وَبَعْضهمْ يرى التَّوَسُّط بَين الْأَمريْنِ، وَهُوَ ظَاهر، وَيُمكن دُخُوله تَحت قَول ابْن الْحَاجِب فِي الِاحْتِرَاز عَنهُ: (فِيمَا لَيْسَ من قبيل الْأَدَاء) ، على أَن بَعضهم نَازع بِمَا لَا تَحْقِيق فِيهِ. لَكِن قَالَ ابْن الْجَزرِي: (لَا نعلم أحدا تقدم ابْن الْحَاجِب إِلَى ذَلِك، وَقد نَص على ذَلِك كُله أَئِمَّة الْأُصُول، كَالْقَاضِي أبي بكر وَغَيره، وَهُوَ الصَّوَاب، لِأَنَّهُ إِذا ثَبت تَوَاتر اللَّفْظ ثَبت تَوَاتر هَيْئَة أَدَائِهِ؛ لِأَن اللَّفْظ لَا يقوم إِلَّا بِهِ، وَلَا يَصح إِلَّا بِوُجُودِهِ) انْتهى.

стр. 1366

( [فصل] ) ﴿وَمَا لم يتواتر فَلَيْسَ بقرآن﴾ . إِذا علم أَن الْقُرْآن لَا يكون إِلَّا متواترا، نَشأ عَنهُ أَن الْقرَاءَات الشاذة لَيست قُرْآنًا، لِأَنَّهَا آحَاد، وَذَلِكَ لِأَن التَّوَاتُر يُفِيد الْقطع، وَثُبُوت الْقُرْآن لَا بُد فِيهِ من التَّوَاتُر، لكَونه مَقْطُوعًا بِهِ، لِأَنَّهُ معجز عَظِيم، فَكَانَ مِمَّا تتوافر الدَّوَاعِي عَادَة على نقل جمله وتفاصيله، لدوران الْإِسْلَام عَلَيْهِ، فَلَا بُد من تواتره وَالْقطع بِهِ، وَمَا لم يتواتر لَا يثبت كَونه قُرْآنًا، وَقطع بِهَذَا كثير من الْعلمَاء، حَتَّى أَنْكَرُوا على من حكى خلافًا. لَكِن الصَّحِيح: أَن من غير الْمُتَوَاتر ظَاهرا مَا يكون قُرْآنًا، كَمَا لَو صَحَّ سَنَده وَلم يتواتر، على مَا يَأْتِي قَرِيبا محررا.

стр. 1367

وَالله أعلم. ﴿والبسملة بعض آيَة ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...

стр. 1368

فارغة

стр. 1369

[فِي] [سُورَة] [النَّمْل إِجْمَاعًا﴾ ، فَهِيَ قرآ] ن قطعا، وَلَيْسَت فِي أول بَرَاءَة إِجْمَاعًا، إِمَّا لكَونهَا أَمَانًا، وَهَذِه [السُّورَة نزلت] بِالسَّيْفِ،

стр. 1370

كَمَا قَالَه ابْن عَبَّاس، وَقد كشفت أسرار الْمُنَافِقين، وَلذَلِك تسمى الفاضحة. وَإِمَّا لِأَنَّهَا مُتَّصِلَة بالأنفال سُورَة وَاحِدَة. وَإِمَّا لغير ذَلِك، على أَقْوَال. وَأما حكم الْبَسْمَلَة فِي غير ذَلِك، فَالصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ أَكثر الْعلمَاء، مِنْهُم: الإِمَام أَحْمد وَالْإِمَام أَبُو حنيفَة وَالْإِمَام الشَّافِعِي: أَنَّهَا قُرْآن، نَقله ابْن مُفْلِح عَنْهُم فِي " أُصُوله " و " فروعه ". لَكِن النَّقْل عَن الشَّافِعِي: أَنه قطع بِأَنَّهَا آيَة من أول الْفَاتِحَة، وَاخْتلف قَوْله فِيمَا سواهَا. فَفِي قَول: أَنَّهَا آيَة من أول كل سُورَة.
следующие страницы →