Полный текст (4 267 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
( [فصل] )
﴿وَمَا لم يتواتر فَلَيْسَ بقرآن﴾ .
إِذا علم أَن الْقُرْآن لَا يكون إِلَّا متواترا، نَشأ عَنهُ أَن الْقرَاءَات الشاذة لَيست قُرْآنًا، لِأَنَّهَا آحَاد، وَذَلِكَ لِأَن التَّوَاتُر يُفِيد الْقطع، وَثُبُوت الْقُرْآن لَا بُد فِيهِ من التَّوَاتُر، لكَونه مَقْطُوعًا بِهِ، لِأَنَّهُ معجز عَظِيم، فَكَانَ مِمَّا تتوافر الدَّوَاعِي عَادَة على نقل جمله وتفاصيله، لدوران الْإِسْلَام عَلَيْهِ، فَلَا بُد من تواتره وَالْقطع بِهِ، وَمَا لم يتواتر لَا يثبت كَونه قُرْآنًا، وَقطع بِهَذَا كثير من الْعلمَاء، حَتَّى أَنْكَرُوا على من حكى خلافًا.
لَكِن الصَّحِيح: أَن من غير الْمُتَوَاتر ظَاهرا مَا يكون قُرْآنًا، كَمَا لَو صَحَّ سَنَده وَلم يتواتر، على مَا يَأْتِي قَرِيبا محررا.
стр. 1367
وَالله أعلم.
﴿والبسملة بعض آيَة ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
стр. 1368
فارغة
стр. 1369
[فِي] [سُورَة] [النَّمْل إِجْمَاعًا﴾ ، فَهِيَ قرآ] ن قطعا، وَلَيْسَت فِي أول بَرَاءَة إِجْمَاعًا، إِمَّا لكَونهَا أَمَانًا، وَهَذِه [السُّورَة نزلت] بِالسَّيْفِ،
стр. 1370
كَمَا قَالَه ابْن عَبَّاس، وَقد كشفت أسرار الْمُنَافِقين، وَلذَلِك تسمى الفاضحة.
وَإِمَّا لِأَنَّهَا مُتَّصِلَة بالأنفال سُورَة وَاحِدَة.
وَإِمَّا لغير ذَلِك، على أَقْوَال.
وَأما حكم الْبَسْمَلَة فِي غير ذَلِك، فَالصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ أَكثر الْعلمَاء، مِنْهُم: الإِمَام أَحْمد وَالْإِمَام أَبُو حنيفَة وَالْإِمَام الشَّافِعِي: أَنَّهَا قُرْآن، نَقله ابْن مُفْلِح عَنْهُم فِي " أُصُوله " و " فروعه ".
لَكِن النَّقْل عَن الشَّافِعِي: أَنه قطع بِأَنَّهَا آيَة من أول الْفَاتِحَة، وَاخْتلف قَوْله فِيمَا سواهَا.
فَفِي قَول: أَنَّهَا آيَة من أول كل سُورَة.
стр. 1371
وَفِي قَول: بعض آيَة.
وَفِي قَول: لَا آيَة، وَلَا بعض آيَة.
وَفِي قَول رَابِع: أَنَّهَا آيَة مُفْردَة للفصل بَين السُّور، وَهُوَ غَرِيب لم يَنْقُلهُ أحد من أَصْحَاب الشَّافِعِي، وَلكنه فِي " الطارقيات " لِابْنِ خالويه عَن الرّبيع، قَالَ: (سَمِعت الشَّافِعِي يَقُول: أول الْحَمد " بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم "، وَأول الْبَقَرَة " الم ") .
стр. 1372
قَالَ ابْن الصّلاح: (وَله حسن، وَهُوَ أَنَّهَا لما ثبتَتْ أَولا فِي سُورَة الْفَاتِحَة، كَانَت فِي بَاقِي السُّور إِعَادَة لَهَا وتكرارا، فَلَا تكون فِي تِلْكَ السُّور ضَرُورَة، وَلذَلِك لَا يُقَال: هِيَ آيَة من أول كل سُورَة، بل هِيَ آيَة فِي أول كل سُورَة) .
قَالَ بَعضهم: (وَهُوَ أحسن الْأَقْوَال، وَبِه تَجْتَمِع الْأَدِلَّة، فَإِن إِثْبَاتهَا فِي الْمُصحف بَين السُّور، وَقد أجمع الصَّحَابَة أَلا يكون فِي الْمُصحف غير قُرْآن، [وَأَن] مَا بَين دفتي الْمُصحف كَلَام الله، فَإِن فِي ذَلِك دَلِيلا وَاضحا على ثُبُوتهَا) .
قَالَ جمَاعَة: (وَهَذَا من أحسن الْأَدِلَّة، وَلم يقم دَلِيل على كَونهَا آيَة من أول كل سُورَة) .
стр. 1373
قَالَ أَبُو بكر الرَّازِيّ الْحَنَفِيّ: (هِيَ آيَة مُفْردَة، أنزلت للفصل بَين السُّور) .
قَالَ ابْن رَجَب فِي تَفْسِير الْفَاتِحَة: (وَهُوَ الصَّحِيح عَن أبي حنيفَة) .
قلت: وَهَذَا مَنْصُوص الإِمَام أَحْمد، وَعَلِيهِ أَصْحَابه.
قَالَ ابْن رَجَب: (هَذَا قَول أَكثر الْعلمَاء مِنْهُم: عَطاء، وَالشعْبِيّ، وَالزهْرِيّ، وَالثَّوْري، وَابْن الْمُبَارك، وَالشَّافِعِيّ، وَأحمد،
стр. 1374
وَإِسْحَاق، [وَأَبُو] عبيد، وَدَاوُد، وَمُحَمّد بن الْحسن) .
وَهُوَ أَيْضا قَول أَكثر الْقُرَّاء، من السَّبْعَة وَغَيرهم.
﴿ [وَذهب] الإِمَام مَالك، وَأَصْحَابه﴾ ، وَالْأَوْزَاعِيّ، وَابْن جرير الطَّبَرِيّ، وَغَيرهم: إِلَى أَنَّهَا لَيست بقرآن بِالْكُلِّيَّةِ، ﴿و﴾ قَالَه ﴿بعض الْحَنَفِيَّة، وَرُوِيَ عَن أَحْمد﴾ .
стр. 1375
لَكِن قَالَ ابْن رَجَب فِي تَفْسِير الْفَاتِحَة: (فِي ثُبُوت هَذِه الرِّوَايَة عَن أَحْمد نظر، بل هِيَ ذكر كالاستعاذة) .
قَوْله: ﴿وَلَيْسَت من الْفَاتِحَة على [أصح الرِّوَايَتَيْنِ] ﴾ عَن الإِمَام أَحْمد، وَعَلَيْهَا مُعظم أَصْحَابه.
وَالرِّوَايَة الثَّانِيَة: أَنَّهَا من الْفَاتِحَة، اخْتَارَهَا ابْن بطة، وَأَبُو حَفْص، العكبريان من أَصْحَابنَا.
وَهُوَ مَنْصُوص الشَّافِعِي كَمَا تقدم.
قَوْله: ﴿وَلَا تَكْفِير [من] الْجَانِبَيْنِ﴾ .
стр. 1376
وَذَلِكَ لِأَنَّهَا لَيست من الْقُرْآن الْقطعِي، بل من الْحكمِي، وَهُوَ الْأَصَح للشَّافِعِيَّة؛ بِنَاء على أَنَّهَا هَل هِيَ قُرْآن على سَبِيل الْقطع كَسَائِر الْقُرْآن، أَو على سَبِيل الحكم لاخْتِلَاف الْعلمَاء فِيهَا؟
وَقد حكى النَّوَوِيّ: (أَنه لَا يكفر النَّافِي بِأَنَّهَا قُرْآن إِجْمَاعًا) ، وَإِن كَانَ العمراني حكى فِي زوائده عَن صَاحب " الْفُرُوع ": (أَنا إِذا قُلْنَا: إِنَّهَا من الْفَاتِحَة قطعا كفرنا نافيها، [وفسقنا] تاركها) ، لَكِن لَا الْتِفَات لذَلِك.
стр. 1377
وَمن ذَلِك: قَالَ ابْن الْحَاجِب: (وَقُوَّة الشُّبْهَة فِي " بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم "، منعت من التَّكْفِير من الْجَانِبَيْنِ) المثبتين لَهَا كالشافعية، والنافين لَهَا كالأئمة الثَّلَاثَة، وَالْقَاضِي أبي بكر، لَكِن هَذَا إِنَّمَا هُوَ إِذا أثبتناها قُرْآنًا قَطْعِيا، أما إِذا أثبتناها حكميا، فَلَيْسَ هُنَا مُقْتَضى للتكفير حَتَّى يدْفع بِالشُّبْهَةِ، وَكَذَا إِذا قُلْنَا: قطع بتواترها عِنْد الْقَائِل بِهِ دون غَيره، أَو أَن الْقطع بالقرائن، على أَن الْقطع لَا يُوجب تَكْفِير النَّافِي، بل لَا بُد أَن يكون الْمَقْطُوع بِهِ مجمعا عَلَيْهِ، مَعْلُوما من الدّين بِالضَّرُورَةِ.
ثمَّ قَالَ ابْن الْحَاجِب: (وَالْقطع أَنَّهَا لم تتواتر ... إِلَى آخِره) .
وَهُوَ عَجِيب، فَأَي قطع مَعَ قُوَّة الشُّبْهَة على قَوْله؟
وَكَذَلِكَ مُبَالغَة الباقلاني فِي تخطئة القَوْل بِأَنَّهَا من الْقُرْآن، لَا يلاقي مدعي: أَن ذَلِك حكى لَا قَطْعِيّ، أَو بتواتر حصل لَهُ، أَو يقطع
стр. 1378
بقرائن، وَكَونه قُرْآنًا حكميا أصح الْأَوْجه الثَّلَاثَة؛ لِأَنَّهُ لَا يحْتَاج إِلَى تَوَاتر، وَبِه تنْدَفع الإشكالات كلهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى) قَالَ ذَلِك الْبرمَاوِيّ فِي " شرح منظومته ".
قَوْله: ﴿وَتكره قِرَاءَة مَا صَحَّ مِنْهُ﴾ .
أَي: من غير الْمُتَوَاتر، وَهُوَ الشاذ، نَص عَلَيْهِ الإِمَام أَحْمد، قدمه ابْن مُفْلِح فِي " فروعه "، وَغَيره، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَاللَّيْل إِذا يغشى (١) وَالنَّهَار إِذا تجلى (٢) وَمَا خلق الذّكر وَالْأُنْثَى﴾ [اللَّيْل: ١ - ٣] .
стр. 1379
قَالَ الرَّافِعِيّ: من الشَّافِعِيَّة: (تسوغ الْقِرَاءَة بالسبع، وَكَذَا بِالْقِرَاءَةِ الشاذة، إِن لم يكن فِيهَا تَغْيِير معنى، وَلَا زِيَادَة حرف، وَلَا نقصانه) انْتهى، وَظَاهره مُطلقًا.
قَوْله: ﴿وَلَا تصح الصَّلَاة [بِهِ] عِنْد الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَغَيرهم﴾ .
لِأَنَّهُ لَيْسَ بقرآن، لِأَن الْقُرْآن لَا يكون إِلَّا متواترا - كَمَا تقدم - وَهَذَا غير متواتر، فَلَا يكون قُرْآنًا، فَلَا تصح الصَّلَاة بِهِ.
﴿وَعنهُ: تصح، [وَرَوَاهُ ابْن وهب] عَن مَالك، وَاخْتَارَهُ ابْن
стр. 1380
الْجَوْزِيّ، وَالشَّيْخ﴾ تَقِيّ الدّين، وَبَعض الشَّافِعِيَّة، وَقدمه ابْن تَمِيم، وَصَاحب " الْفَائِق " من أَصْحَابنَا، لصَلَاة الصَّحَابَة بَعضهم خلف بعض، وَكَذَلِكَ لم يزل الْمُسلمُونَ يصلونَ خلف أَصْحَاب هَذِه الْقرَاءَات: كالحسن الْبَصْرِيّ، وَطَلْحَة بن مصرف، وَابْن مُحَيْصِن، وَالْأَعْمَش، وَغَيرهم من أضرابهم، وَلم يُنكر ذَلِك أحد عَلَيْهِم.
стр. 1381
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: (هَذِه الرِّوَايَة أنصهما عَن أَحْمد) انْتهى.
وَاخْتَارَ الْمجد - جده - ابْن تَيْمِية: أَنَّهَا لَا تجزيء عَن ركن الْقِرَاءَة.
﴿و [قطع] النَّوَوِيّ فِي " الرَّوْضَة "﴾ بِصِحَّة الصَّلَاة بِالْقِرَاءَةِ الشاذة، إِن لم يكن فِيهَا تَغْيِير معنى، وَلَا زِيَادَة حرف وَلَا نقصانه.
وَهُوَ معنى قَوْلنَا: ﴿إِن بَقِي الْمَعْنى وَالصّفة﴾ .
فالرافعي جوز الْقِرَاءَة بذلك، وَالنَّوَوِيّ صحّح الصَّلَاة بِهِ.
﴿ [وَعَن أَحْمد] تحرم﴾ الْقِرَاءَة بِهِ، ذكرهمَا ابْن مُفْلِح فِي " فروعه "، وَغَيره، ﴿وَحكي إِجْمَاعًا﴾ .
[قَالَ ابْن عبد الْبر: (لَا تجوز الْقِرَاءَة بهَا إِجْمَاعًا) ] .
قَالَ النَّوَوِيّ فِي " شرح الْمُهَذّب "، و " فَتَاوِيهِ ": ... ... ... ... ... ...
стр. 1382
(لَا فِي الصَّلَاة وَلَا فِي غَيرهَا) .
وَكَذَا قَالَ السخاوي: (لَا تجوز الْقِرَاءَة بهَا لخروجها عَن إِجْمَاع الْمُسلمين) .
[وَاخْتَارَهُ] جمَاعَة.
﴿وَقيل: إِن غير الْمَعْنى﴾ حرم، وَإِلَّا فَلَا، وَهُوَ معنى مَا قَالَه الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ، كَمَا تقدم عَنْهُمَا.
قَوْله: ﴿وَهُوَ مَا خَالف مصحف عُثْمَان ﵁﴾ .
стр. 1383
اخْتلف الْعلمَاء فِي الشاذ، فَالصَّحِيح من مَذْهَب الإِمَام أَحْمد وَعَلِيهِ أَصْحَابه: أَن الشاذ مَا خَالف مصحف عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ الَّذِي كتبه وأرسله إِلَى الْآفَاق.
﴿فَتَصِح الصَّلَاة [بِقِرَاءَة مَا وَافقه] ، وَصَحَّ﴾ ، سَنَده ﴿وَإِن لم يكن من الْعشْرَة، [نَص عَلَيْهِ الإِمَام أَحْمد] ﴾ .
قَالَ ابْن مُفْلِح فِي " فروعه ": (تصح بِمَا وَافق عُثْمَان، وفَاقا للأئمة الْأَرْبَعَة، زَاد بَعضهم: على الْأَصَح) .
وَقد رَأَيْت فِي كَلَام الإِمَام الْحَافِظ، الإِمَام فِي الْقرَاءَات بِلَا مدافعة، ابْن الْجَزرِي، فِي النشر، أَنه ذكر مَا يُوَافق ذَلِك، فَقَالَ: (كل قِرَاءَة وَافَقت [أحد] الْمَصَاحِف العثمانية وَلَو احْتِمَالا، ووافقت الْعَرَبيَّة وَلَو بِوَجْه وَاحِد، وَصَحَّ سندها، فَهِيَ الْقِرَاءَة الصَّحِيحَة الَّتِي لَا يحل لمُسلم أَن ينكرها،
стр. 1384
سَوَاء كَانَت عَن السَّبْعَة، أَو عَن الْعشْرَة، أَو عَن غَيرهم من الْأَئِمَّة المقبولين، وَمَتى اخْتَلَّ ركن من هَذِه الْأَركان الثَّلَاثَة، أطلق عَلَيْهَا ضَعِيفَة، أَو شَاذَّة، أَو بَاطِلَة، سَوَاء كَانَت عَن السَّبْعَة، أَو عَمَّن هُوَ أكبر مِنْهُم، هَذَا هُوَ الصَّحِيح عِنْد أَئِمَّة التَّحْقِيق من السّلف وَالْخلف، صرح بذلك الداني، ومكي، والمهدوي، وَأَبُو شامة، وَهُوَ مَذْهَب السّلف الَّذِي لَا يعرف عَن
стр. 1385
أحد مِنْهُم خِلَافه) انْتهى، وَأطَال فِي ذَلِك وأجاد.
﴿وَقيل﴾ : الشاذ ﴿مَا وَرَاء السَّبْعَة﴾ .
اخْتَارَهُ جمَاعَة كَثِيرَة.
قَالَ الْبرمَاوِيّ: (الْمَشْهُور أَنَّهَا [مَا] وَرَاء السَّبْعَة الْمَعْرُوفَة، وَهُوَ ظَاهر كَلَام الرَّافِعِيّ) .
﴿وَقَالَ الْبَغَوِيّ [وَجَمَاعَة كَثِيرَة] ﴾ الشاذ: ﴿ [مَا وَرَاء الْعشْرَة] ﴾ .
قلت: ﴿وَهُوَ [أصح] ﴾ .
فالثلاثة الزَّائِدَة على السَّبْعَة: يَعْقُوب، ... ... ... ... ... ... ...
стр. 1386
وَخلف، وَأَبُو جَعْفَر يزِيد بن الْقَعْقَاع.
وَاخْتَارَهُ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين، والسبكي، وَغَيرهمَا.
وَقَالُوا: [الْقرَاءَات الثَّلَاثَة الْمَذْكُورَة، قد تَوَاتَرَتْ كالسبعة] .
وَقد حكى الْبَغَوِيّ فِي " تَفْسِيره " الْإِجْمَاع على جَوَاز الْقِرَاءَة بهَا.
قَالَ أَبُو حَيَّان - وَهُوَ من أَئِمَّة هَذَا الشَّأْن -: (لَا نعلم أحدا من الْمُسلمين حظر الْقِرَاءَة بالقراءات [الثَّلَاث] الزَّائِدَة على السَّبع، بل قرأتها فِي سَائِر الْأَمْصَار) .
стр. 1387
قَالَ بعض الْعلمَاء: (القَوْل بِأَن الثَّلَاثَة غير متواترة فِي غَايَة السُّقُوط، وَلَا يَصح القَوْل بِهِ عَمَّن يعْتَبر قَوْله فِي الدّين) انْتهى.
﴿قَالَ الشَّيْخ [تَقِيّ الدّين] : (قَالَ أَئِمَّة السّلف: مصحف عُثْمَان ﵁ أحد الْحُرُوف السَّبْعَة﴾ .
وَرَأَيْت بعض العصريين اسْتشْكل ذَلِك وَلَيْسَ بمشكل، ثمَّ رَأَيْت الْعَلامَة أَبَا شامة، الْفَقِيه، الْمُحدث، الإِمَام فِي الْقرَاءَات، قَالَ فِي كِتَابه " المرشد ": (إِن الْقرَاءَات الَّتِي بأيدي النَّاس من السَّبْعَة وَالْعشرَة وَغَيرهم، هِيَ حرف من قَول النَّبِي ﷺ َ -: " أنزل الْقُرْآن على سَبْعَة أحرف ".) انْتهى.
وَلم نر وَلم نسْمع أَن أحدا من الْعلمَاء الْقُرَّاء وَغَيرهم اسْتشْكل ذَلِك، وَلَا اعْترض عَلَيْهِ، فصح كَلَام الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَنَقله .
стр. 1388
قَوْله: ﴿وَهُوَ حجَّة عِنْد أَحْمد، وَأبي حنيفَة، وَالشَّافِعِيّ، وَأكْثر أَصْحَابهم﴾ .
نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي فِيمَا حَكَاهُ عَنهُ الْبُوَيْطِيّ فِي بَاب الرَّضَاع، وَفِي تَحْرِيم الْجمع، وَعَلِيهِ أَكثر أَصْحَابه، كَالْقَاضِي الْحُسَيْن فِي الصّيام وَفِي الرَّضَاع، وَالْمَاوَرْدِيّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ أَيْضا وَالْقَاضِي أبي الطّيب فِي
стр. 1389
الصّيام، وَفِي بَاب وجوب الْعمرَة، والمحاملي فِي الْأَيْمَان فِي كِتَابه " عدَّة الْمُسَافِر وكفاية الْحَاضِر "، وَابْن يُونُس شَارِح " التَّنْبِيه فِي كتاب الْفَرَائِض "، فِي الْكَلَام على مِيرَاث الْأَخ من الْأُم، وَالرُّويَانِيّ، وَجزم بِهِ الرَّافِعِيّ فِي بَاب حد السّرقَة، وَغَيرهم.
стр. 1390
وَنَقله ابْن الْحَاجِب عَن أبي حنيفَة.
وَنَقله ابْن مُفْلِح فِي " أُصُوله " عَن الْحَنَفِيَّة.
وَذكره ابْن عبد الْبر إِجْمَاع الْعلمَاء، وَاحْتج الْعلمَاء على قطع يمنى السَّارِق بِقِرَاءَة ابْن مَسْعُود: " والسارقون والسارقات فَاقْطَعُوا أَيْمَانهم ".
وَاحْتَجُّوا - أَيْضا - بِمَا نقل عَن مصحف ابْن مَسْعُود: " فَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام مُتَتَابِعَات ".
стр. 1391
وَقَالُوا: لِأَنَّهُ إِمَّا قُرْآن أَو خبر، وَكِلَاهُمَا مُوجب للْعَمَل.
وَقَول الْمُخَالف: (يحْتَمل أَنه مَذْهَب لَهُ ثمَّ نَقله قُرْآنًا خطأ، لوُجُوب تَبْلِيغ الْوَحْي على الرَّسُول إِلَى من يحصل بِخَبَرِهِ الْعلم) مَرْدُود، إِذْ نِسْبَة الصَّحَابِيّ رَأْيه إِلَى الرَّسُول، كذب وافتراء لَا يلق بِهِ، فَالظَّاهِر صدق النِّسْبَة، وَالْخَطَأ الْمَذْكُور إِن سلم لَا يضر، إِذا المطرح كَونه قُرْآنًا لَا خَبرا كَمَا ذكرنَا، وَهُوَ كَاف.
قَالَ ابْن مُفْلِح: (قَالَ الْخصم: لم يُصَرح بِكَوْنِهِ قُرْآنًا، ثمَّ لَو صرح بذلك فَعدم شَرط الْقِرَاءَة لَا يمْنَع صِحَة سَمَاعه.
فَنَقُول، هُوَ مسموع من الشَّارِع، وكل قَوْله حجَّة، وَهَذَا وَاضح) انْتهى.
﴿ [وَعَن أَحْمد: لَيْسَ بِحجَّة] ، ... ... ... ... ... ... ... ... ...
стр. 1392
[اخْتَارَهُ] الْآمِدِيّ [وَجمع] ، وَحكي عَن [الإِمَام مَالك، و] الشَّافِعِي﴾ .
وَنسبه ابْن الْحَاجِب إِلَى الشَّافِعِي، وَكَذَا الأبياري شَارِح " الْبُرْهَان "، قَالَ فِيهِ: (إِنَّه الْمَشْهُور من مَذْهَب مَالك وَالشَّافِعِيّ) ، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي " شرح مُسلم ": (إِنَّه مَذْهَب الشَّافِعِي) ، قَالَ: (لِأَن ناقلها لم ينقلها إِلَّا على أَنَّهَا قُرْآن، وَالْقُرْآن لَا يثبت إِلَّا بالتواتر، وَإِذا لم يثبت قُرْآنًا، لم يثبت خَبرا) .
وَكَذَا قَالَ أَبُو الْمَعَالِي فِي " الْبُرْهَان ": (إِن الشَّافِعِي إِنَّمَا لم يقل بالتتابع
стр. 1393
كَأبي حنيفَة، لِأَن عِنْده أَن الشاذ لَا يعْمل بِهِ) ، وَتَبعهُ الْغَزالِيّ فِي " المنخول "، والقشيري، وإلكيا، وَابْن السَّمْعَانِيّ، فَهَؤُلَاءِ الْجَمَاعَة تابعوا أَبَا الْمَعَالِي.
ومستنده فِي ذَلِك: عدم إِيجَاب الشَّافِعِي التَّتَابُع فِي الصّيام فِي كَفَّارَة الْيَمين مَعَ قِرَاءَة ابْن مَسْعُود.
قَالَ بَعضهم: (وَهُوَ عَجِيب، فَإِن عدم الْإِيجَاب يجوز أَن يكون لعدم ثُبُوت ذَلِك عِنْد الشَّافِعِي، أَو لقِيَام معَارض، وَالله أعلم) .
стр. 1394
(قَوْله: ﴿فصل﴾ )
﴿الْأَصَح: أَن الْمُحكم: مَا اتَّضَح [مَعْنَاهُ، والمتشابه] عَكسه، لاشتراك، أَو إِجْمَال، أَو ظُهُور تَشْبِيه، [كصفات الله تَعَالَى] ﴾ .
اخْتلف الْعلمَاء - رَحِمهم الله تَعَالَى - فِي الْمُحكم والمتشابه، فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْهُ آيَات محكمات هن أم الْكتاب وَأخر متشابهات﴾ [آل عمرَان: ٧] ، على أَقْوَال كَثِيرَة.
وَلَفظ الْمُحكم مفعل، من أحكمت الشَّيْء، أحكمه، إحكاما، فَهُوَ مُحكم: إِذا أتقنته فَكَانَ فِي غَايَة مَا يَنْبَغِي من الْحِكْمَة.
стр. 1395
وَمِنْه: بِنَاء مُحكم، أَي: ثَابت متقن يبعد انهدامه.
والمتشابه: متفاعل من الشّبَه، والشبهة، والشبيهة: هُوَ مَا بَينه وَبَين غَيره أَمر مُشْتَرك، يشْتَبه ويلتبس بِهِ.
وَأما مَعْنَاهُ: فأجود مَا قيل فِيهِ: أَن الْمُحكم: المتضح الْمَعْنى، كالنصوص والظواهر، لِأَنَّهُ من الْبَيَان فِي غَايَة الإحكام والإتقان.
والمتشابه: مُقَابِله، وَهُوَ غير المتضح الْمَعْنى، فتشتبه بعض محتملاته بِبَعْض، للاشتراك وَعدم اتضاح مَعْنَاهُ.
فالاشتراك - مثلا - كَالْعَيْنِ، والقرء، وَنَحْوه من المشتركات.
والإجمال كإطلاق اللَّفْظ بِدُونِ بَيَان المُرَاد مِنْهُ: كالمتواطيء، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تذبحوا بقرة﴾ [الْبَقَرَة: ٦٧] ، وَكَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَآتوا حَقه يَوْم حَصَاده﴾ [الْأَنْعَام: ١٤١] ، وَلم يبين مِقْدَار الْحق، وَسَيَأْتِي فِي الْمُجْمل.
أَو لظُهُور تَشْبِيه فِي صِفَات الله تَعَالَى، كآيات الصِّفَات وأخبارها،
стр. 1396
فَاشْتَبَهَ المُرَاد مِنْهُ على النَّاس، فَلذَلِك قَالَ قوم بِظَاهِرِهِ فشبهوا وجسموا، وفر قوم من التَّشْبِيه فتأولوا وحرفوا فعطلوا، وتوسط قوم فَسَلمُوا فأمروه كَمَا جَاءَ مَعَ اعْتِقَاد التَّنْزِيه فَسَلمُوا، وهم أهل السّنة وأئمة السّلف الصَّالح.
وَقيل: الْمُحكم: مَا عرف المُرَاد بِهِ، إِمَّا بالظهور، وَإِمَّا بالتأويل.
والمتشابه: مَا اسْتَأْثر الله بِعِلْمِهِ: كقيام السَّاعَة، وَخُرُوج الدَّجَّال وَالدَّابَّة، والحروف الْمُقطعَة فِي أَوَائِل السُّور.
وَقيل: الْمُحكم: مَا وضح مَعْنَاهُ، والمتشابه: نقيضه.
وَقيل: الْمُحكم: مَا لَا يحْتَمل من التَّأْوِيل إِلَّا وَجها وَاحِدًا، والمتشابه: مَا احْتمل أوجها.
وَقيل: الْمُحكم: مَا كَانَ مَعْقُول الْمَعْنى، والمتشابه: بِخِلَافِهِ: كأعداد
стр. 1397
الصَّلَوَات، واختصاص الصّيام برمضان دون شعْبَان، قَالَه الْمَاوَرْدِيّ.
وَقيل: الْمُحكم: مَا اسْتَقل بِنَفسِهِ، والمتشابه: مَا لَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ إِلَّا برده إِلَى غَيره.
وَقيل: الْمُحكم: مَا تَأْوِيله تَنْزِيله، والمتشابه: مَا لَا يدرى إِلَّا بالتأويل.
وَقيل: الْمُحكم: مَا لم تَتَكَرَّر أَلْفَاظه، وَمُقَابِله الْمُتَشَابه.
وَقيل: الْمُحكم: الْفَرَائِض، والوعد، والوعيد، والمتشابه، الْقَصَص، والأمثال.
وَعَن عِكْرِمَة، وَقَتَادَة، وَغَيرهمَا: أَن الْمُحكم: الَّذِي يعْمل بِهِ، والمتشابه: الَّذِي يُؤمن بِهِ وَلَا يعْمل بِهِ.
стр. 1398
وَقيل غير ذَلِك.
قَوْله: ﴿وَلَيْسَ فِيهِ مَا لَا معنى لَهُ﴾ .
وَهَذَا مِمَّا يقطع بِهِ كل عَاقل، مِمَّن شم رَائِحَة الْعلم، وَلَا يُخَالف فِي ذَلِك إِلَّا جَاهِل أَو معاند، لِأَن مَا لَا معنى لَهُ هذيان، وَلَا يَلِيق النُّطْق بِهِ من عَاقل، فَكيف بالباري .
ثمَّ رَأَيْت جمَاعَة من الْعلمَاء صَرَّحُوا: بِأَن هَذَا لم يقلهُ أحد من الْأمة،
стр. 1399
وَإِنَّمَا الْخلاف فِي الْمَسْأَلَة الْآتِيَة بعد هَذِه، وَلَكِن الرَّازِيّ، وَقَبله عبد الْجَبَّار، وَأَبُو الْحُسَيْن فِي " الْمُعْتَمد "، أثبتوا الْخلاف فِي ذَلِك، وتبعهم كثير من الْمُتَأَخِّرين، ومدرك الْمَانِع: التحسين والتقبيح العقليين.
وَقَالُوا: (وَجوزهُ الحشوية، بل قَالُوا بِوُقُوعِهِ فِي الْحُرُوف الْمُقطعَة [فِي أَوَائِل] السُّور، وَفِي قَوْله تَعَالَى: ﴿كَأَنَّهُ رُؤُوس الشَّيَاطِين﴾ [الصافات: ٦٥] ، وَقَوله تَعَالَى: ﴿تِلْكَ عشرَة كَامِلَة﴾ [الْبَقَرَة: ١٩٦] ، وَقَوله: ﴿نفخة وَاحِدَة﴾ [الحاقة: ١٣] ، ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [النَّحْل: ٥١] وَنَحْوه) .
وَأجَاب الْجُمْهُور: بِأَن الْحُرُوف الْمُقطعَة، إِمَّا أَسمَاء السُّور، أَو أَسمَاء الله، أَو سر الله فِي كِتَابه مِمَّا اسْتَأْثر بِعِلْمِهِ، أَو غَيرهَا مِمَّا هُوَ مَذْكُور فِي التفاسير.
стр. 1400
وَبِأَن رُؤُوس الشَّيَاطِين مثل فِي الاستقباح، على عَادَة الْعَرَب فِي ضرب الْأَمْثَال بِمَا يتخيلونه قبيحا.
قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (ورؤوس الشَّيَاطِين اسْتَقر قبحها فِي الْأَنْفس، فَشبه بهَا، كَمَا قَالَ امْرُؤ الْقَيْس:
(أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال)
فَشبه بأنياب الأغوال لقبحها المستقر، وَإِن لم يكن لَهَا حَقِيقَة) .
كَذَلِك ذكره الْمَازرِيّ.
وَقَوله: ﴿عشرَة كَامِلَة﴾ [الْبَقَرَة: ١٩٦] ، فِيهِ شَيْئَانِ: الْجمع والتأكيد بالكمال.
وَجَوَاب الْجمع: رفع الْمجَاز المتوهم فِي الْوَاو العاطفة، إِذْ يجوز اسْتِعْمَالهَا بِمَعْنى (أَو) مجَازًا، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿أولي أَجْنِحَة مثنى وَثَلَاث وَربَاع﴾ [فاطر: ١] .
والتأكيد أَفَادَ عدم النَّقْص فِي الذَّات، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلين﴾ [الْبَقَرَة: ٢٣٣] ، أوعدم النَّقْص فِي الْأجر، دفعا لتوهم النَّقْص بِسَبَب التَّأْخِير.
стр. 1401
وَوصف النفخة: إبعاد للمجاز، وَتَقْرِير لوحدتها بِسَبَب الْمُفْرد؛ لِأَن الْوَاحِد قد يكون بِالْجِنْسِ.
وَقَوله: ﴿إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [النَّحْل: ٥١] ؛ قَالَ صَاحب " الْمثل السائر ": (التكرير فِي الْمَعْنى يدل على مَعْنيين مُخْتَلفين، كدلالته على الْجِنْس وَالْعدَد، وَهُوَ بَاب من التكرير مُشكل، لِأَنَّهُ يسْبق إِلَى الذِّهْن إِلَى تَكْرِير مَحْض يدل على معنى وَاحِد، وَلَيْسَ كَذَلِك) .
فالفائدة - إِذا - فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [النَّحْل: ٥١] ، ﴿إِلَه وَاحِد﴾ [الْبَقَرَة: ١٦٣، وفصلت: ٦] ، هِيَ: أَن الِاسْم الْحَامِل لِمَعْنى الْإِفْرَاد والتثنية دَال على الجنسية وَالْعدَد الْمَخْصُوص، فَإِذا أريدت الدّلَالَة على أَن الْمَعْنى بِهِ وَاحِد مِنْهُمَا، وَكَانَ الَّذِي تساق إِلَيْهِ هُوَ الْعدَد، شفع بِمَا يؤكده، وَهَذَا دَقِيق المسلك.
فَائِدَتَانِ:
الأولى: ألحق الرَّازِيّ فِي " الْمَحْصُول " كَلَام الرَّسُول ﷺ َ - بِكَلَام الله
стр. 1402
تَعَالَى، فَقَالَ: (لَا يجوز أَن يتَكَلَّم الله وَرَسُوله بِشَيْء وَلَا يَعْنِي بِهِ شَيْئا، خلافًا للحشوية) ، وَهُوَ كَمَا قَالَ.
الثَّانِيَة: الحشوية - بِفَتْح الشين -، وَسموا حشوية؛ لأَنهم كَانُوا يَجْلِسُونَ فِي حَلقَة الْحسن الْبَصْرِيّ أَمَامه، فَلَمَّا أنكر كَلَامهم قَالَ: ردوهم إِلَى حَشْو الْحلقَة، أَي: جَانبهَا.
وَقَالَ ابْن الصّلاح: (فتح الشين غلط، وَإِنَّمَا هُوَ بالإسكان ".
وَقَالَ الْبرمَاوِيّ: (الحشوية - بِسُكُون الشين - لِأَنَّهُ إِمَّا من الحشو؛ لأَنهم يَقُولُونَ بِوُجُود الحشو الَّذِي لَا معنى لَهُ فِي كَلَام الْمَعْصُوم، أَو لقَولهم بالتجسيم وَنَحْو ذَلِك، وَيُقَال - أَيْضا - بِالْفَتْح لقصة الْحسن، وَيُقَال فيهم غير ذَلِك) .
وَقَالَ ابْن مُفْلِح فِي " أُصُوله " - فِي آخر تَحْقِيق المناط - عَن أبي الْمَعَالِي: أَنه قَالَ: (لم يُنكر إِلْحَاق معنى النُّصُوص، إِلَّا حشوية لَا يبالى بهم، دَاوُد وَأَصْحَابه، وَأَن ابْن الباقلاني قَالَ: لَا يخرقون الْإِجْمَاع) انْتهى.
قلت: وَقد حدث اصْطِلَاح كثير من النَّاس، على أَنهم يسيمون كل من أثبت صِفَات الرب مِمَّا جَاءَ بِهِ الْقُرْآن وَالسّنة - كَمَا قَالَ
стр. 1403
السّلف الصَّالح -، وَلم يتأولها كَمَا تأولوها: حشوية، اصْطِلَاحا اخترعوه تشنيعا عَلَيْهِم، فَالله يحكم بَينهم فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ.
قَوْله: ﴿وَمَا لَا يعْنى [بِهِ] غير ظَاهره إِلَّا بِدَلِيل﴾ .
أَعنِي: أَنه لَيْسَ فِي الْقُرْآن مَا يعْنى بِهِ غير ظَاهره إِلَّا بِدَلِيل، وَهَذَا قَول أَئِمَّة الْمذَاهب وأتباعهم وَغَيرهم، لِأَنَّهُ يرجع فِي ذَلِك إِلَى مَدْلُول اللُّغَة فِيمَا اقْتَضَاهُ نظام الْكَلَام، وَلِأَن اللَّفْظ بِالنِّسْبَةِ إِلَى غير الظَّاهِر كَالْمهْلِ.
وَقَوْلنَا: (إِلَّا بِدَلِيل) ، احْتِرَاز من وُرُود الْعَام، وَتَأَخر الْمُخَصّص لَهُ وَنَحْوه.
وَقَالَت المرجئة: يجوز ذَلِك، وَنَفَوْا ضَرَر الْعِصْيَان مَعَ مجامعة الْإِيمَان، فَقَالُوا: (لَا يضر مَعَ الْإِيمَان مَعْصِيّة كَمَا لَا ينفع مَعَ الْكفْر طَاعَة) ، زاعمين أَن آيَات الْوَعيد لتخويف الْفُسَّاق وَلَيْسَت على ظَاهرهَا، بل المُرَاد بِلَا خلاف الظَّاهِر، وَإِن لم يبين الشَّرْع ذَلِك.
وَاحْتَجُّوا: بقوله تَعَالَى: ﴿وَمَا نرسل بِالْآيَاتِ إِلَّا تخويفا﴾ [الْإِسْرَاء: ٥٩] .
стр. 1404
وَجَوَابه من وُجُوه:
أَحدهَا: [إِنَّمَا كَانَ ذَلِك تخويفا] لنزول الْعَذَاب ووقوعه.
الثَّانِي: أَنه بَاطِل بِأَحْكَام الدُّنْيَا من الْقصاص وَقطع السَّارِق وَنَحْوهمَا.
الثَّالِث: أَنه إِذا فهم أَنه للتخويف لم يبْق تخويف.
قَالَ الْبرمَاوِيّ: (مَحل الْخلاف فِي آيَات الْوَعيد وَأَحَادِيثه، لَا فِي الْأَوَامِر والنواهي) .
فَائِدَة: المرجئة - بِالْهَمْز -: طَائِفَة من الْقَدَرِيَّة، لأَنهم يرجئون الْأَعْمَال عَن الْإِيمَان من الإرجاء: وَهُوَ التَّأْخِير، وَرُبمَا قيل: (المرجية) بتَشْديد الْيَاء بِلَا همز.
стр. 1405
قَوْله: ﴿وَفِيه [مَا لَا يعلم مَعْنَاهُ] إِلَّا الله، عِنْد أَصْحَابنَا [وَجُمْهُور الْعلمَاء] ﴾ .
قَالَ ابْن عقيل فِي " الْوَاضِح ": (لَيْسَ ببدع أَن يكون فِيهِ مَا يتشابه، لنؤمن بمتشابهه ونقف عِنْده، فَيكون التَّكْلِيف بِهِ هُوَ الْإِيمَان بِهِ جملَة، وَترك الْبَحْث عَن تَفْصِيله، كَمَا كتم الرّوح والساعة والآجال وَغير ذَلِك من الغيوب، وكلفنا التَّصْدِيق بِهِ دون أَن يطلعنا على علمه) انْتهى.
وَهَذَا مَذْهَب سلف هَذِه الْأمة، وَقَالَهُ أَبُو الطّيب الطَّبَرِيّ الشَّافِعِي، وَحَكَاهُ عَن الصَّيْرَفِي مِنْهُم.
﴿قَالَ ابْن برهَان: يجوز [ذَلِك] عندنَا﴾ ، وَاخْتَارَهُ صَاحب
следующие страницы →