← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6336

التحبير شرح التحرير

المرداوي

Полный текст (4 267 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

وَوصف النفخة: إبعاد للمجاز، وَتَقْرِير لوحدتها بِسَبَب الْمُفْرد؛ لِأَن الْوَاحِد قد يكون بِالْجِنْسِ. وَقَوله: ﴿إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [النَّحْل: ٥١] ؛ قَالَ صَاحب " الْمثل السائر ": (التكرير فِي الْمَعْنى يدل على مَعْنيين مُخْتَلفين، كدلالته على الْجِنْس وَالْعدَد، وَهُوَ بَاب من التكرير مُشكل، لِأَنَّهُ يسْبق إِلَى الذِّهْن إِلَى تَكْرِير مَحْض يدل على معنى وَاحِد، وَلَيْسَ كَذَلِك) . فالفائدة - إِذا - فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [النَّحْل: ٥١] ، ﴿إِلَه وَاحِد﴾ [الْبَقَرَة: ١٦٣، وفصلت: ٦] ، هِيَ: أَن الِاسْم الْحَامِل لِمَعْنى الْإِفْرَاد والتثنية دَال على الجنسية وَالْعدَد الْمَخْصُوص، فَإِذا أريدت الدّلَالَة على أَن الْمَعْنى بِهِ وَاحِد مِنْهُمَا، وَكَانَ الَّذِي تساق إِلَيْهِ هُوَ الْعدَد، شفع بِمَا يؤكده، وَهَذَا دَقِيق المسلك. فَائِدَتَانِ: الأولى: ألحق الرَّازِيّ فِي " الْمَحْصُول " كَلَام الرَّسُول ﷺ َ - بِكَلَام الله

стр. 1402

تَعَالَى، فَقَالَ: (لَا يجوز أَن يتَكَلَّم الله وَرَسُوله بِشَيْء وَلَا يَعْنِي بِهِ شَيْئا، خلافًا للحشوية) ، وَهُوَ كَمَا قَالَ. الثَّانِيَة: الحشوية - بِفَتْح الشين -، وَسموا حشوية؛ لأَنهم كَانُوا يَجْلِسُونَ فِي حَلقَة الْحسن الْبَصْرِيّ أَمَامه، فَلَمَّا أنكر كَلَامهم قَالَ: ردوهم إِلَى حَشْو الْحلقَة، أَي: جَانبهَا. وَقَالَ ابْن الصّلاح: (فتح الشين غلط، وَإِنَّمَا هُوَ بالإسكان ". وَقَالَ الْبرمَاوِيّ: (الحشوية - بِسُكُون الشين - لِأَنَّهُ إِمَّا من الحشو؛ لأَنهم يَقُولُونَ بِوُجُود الحشو الَّذِي لَا معنى لَهُ فِي كَلَام الْمَعْصُوم، أَو لقَولهم بالتجسيم وَنَحْو ذَلِك، وَيُقَال - أَيْضا - بِالْفَتْح لقصة الْحسن، وَيُقَال فيهم غير ذَلِك) . وَقَالَ ابْن مُفْلِح فِي " أُصُوله " - فِي آخر تَحْقِيق المناط - عَن أبي الْمَعَالِي: أَنه قَالَ: (لم يُنكر إِلْحَاق معنى النُّصُوص، إِلَّا حشوية لَا يبالى بهم، دَاوُد وَأَصْحَابه، وَأَن ابْن الباقلاني قَالَ: لَا يخرقون الْإِجْمَاع) انْتهى. قلت: وَقد حدث اصْطِلَاح كثير من النَّاس، على أَنهم يسيمون كل من أثبت صِفَات الرب مِمَّا جَاءَ بِهِ الْقُرْآن وَالسّنة - كَمَا قَالَ

стр. 1403

السّلف الصَّالح -، وَلم يتأولها كَمَا تأولوها: حشوية، اصْطِلَاحا اخترعوه تشنيعا عَلَيْهِم، فَالله يحكم بَينهم فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ. قَوْله: ﴿وَمَا لَا يعْنى [بِهِ] غير ظَاهره إِلَّا بِدَلِيل﴾ . أَعنِي: أَنه لَيْسَ فِي الْقُرْآن مَا يعْنى بِهِ غير ظَاهره إِلَّا بِدَلِيل، وَهَذَا قَول أَئِمَّة الْمذَاهب وأتباعهم وَغَيرهم، لِأَنَّهُ يرجع فِي ذَلِك إِلَى مَدْلُول اللُّغَة فِيمَا اقْتَضَاهُ نظام الْكَلَام، وَلِأَن اللَّفْظ بِالنِّسْبَةِ إِلَى غير الظَّاهِر كَالْمهْلِ. وَقَوْلنَا: (إِلَّا بِدَلِيل) ، احْتِرَاز من وُرُود الْعَام، وَتَأَخر الْمُخَصّص لَهُ وَنَحْوه. وَقَالَت المرجئة: يجوز ذَلِك، وَنَفَوْا ضَرَر الْعِصْيَان مَعَ مجامعة الْإِيمَان، فَقَالُوا: (لَا يضر مَعَ الْإِيمَان مَعْصِيّة كَمَا لَا ينفع مَعَ الْكفْر طَاعَة) ، زاعمين أَن آيَات الْوَعيد لتخويف الْفُسَّاق وَلَيْسَت على ظَاهرهَا، بل المُرَاد بِلَا خلاف الظَّاهِر، وَإِن لم يبين الشَّرْع ذَلِك. وَاحْتَجُّوا: بقوله تَعَالَى: ﴿وَمَا نرسل بِالْآيَاتِ إِلَّا تخويفا﴾ [الْإِسْرَاء: ٥٩] .

стр. 1404

وَجَوَابه من وُجُوه: أَحدهَا: [إِنَّمَا كَانَ ذَلِك تخويفا] لنزول الْعَذَاب ووقوعه. الثَّانِي: أَنه بَاطِل بِأَحْكَام الدُّنْيَا من الْقصاص وَقطع السَّارِق وَنَحْوهمَا. الثَّالِث: أَنه إِذا فهم أَنه للتخويف لم يبْق تخويف. قَالَ الْبرمَاوِيّ: (مَحل الْخلاف فِي آيَات الْوَعيد وَأَحَادِيثه، لَا فِي الْأَوَامِر والنواهي) . فَائِدَة: المرجئة - بِالْهَمْز -: طَائِفَة من الْقَدَرِيَّة، لأَنهم يرجئون الْأَعْمَال عَن الْإِيمَان من الإرجاء: وَهُوَ التَّأْخِير، وَرُبمَا قيل: (المرجية) بتَشْديد الْيَاء بِلَا همز.

стр. 1405

قَوْله: ﴿وَفِيه [مَا لَا يعلم مَعْنَاهُ] إِلَّا الله، عِنْد أَصْحَابنَا [وَجُمْهُور الْعلمَاء] ﴾ . قَالَ ابْن عقيل فِي " الْوَاضِح ": (لَيْسَ ببدع أَن يكون فِيهِ مَا يتشابه، لنؤمن بمتشابهه ونقف عِنْده، فَيكون التَّكْلِيف بِهِ هُوَ الْإِيمَان بِهِ جملَة، وَترك الْبَحْث عَن تَفْصِيله، كَمَا كتم الرّوح والساعة والآجال وَغير ذَلِك من الغيوب، وكلفنا التَّصْدِيق بِهِ دون أَن يطلعنا على علمه) انْتهى. وَهَذَا مَذْهَب سلف هَذِه الْأمة، وَقَالَهُ أَبُو الطّيب الطَّبَرِيّ الشَّافِعِي، وَحَكَاهُ عَن الصَّيْرَفِي مِنْهُم. ﴿قَالَ ابْن برهَان: يجوز [ذَلِك] عندنَا﴾ ، وَاخْتَارَهُ صَاحب

стр. 1406

" الْمَحْصُول " بِنَاء على تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق، نَقله ابْن مُفْلِح عَن ابْن برهَان. وَقَالَ الْبرمَاوِيّ: (وَحكى ابْن برهَان وَجْهَيْن: فِي أَن كَلَام الله تَعَالَى هَل يشْتَمل على مَا لَا يفهم مَعْنَاهُ؟ ثمَّ قَالَ: وَالْحق التَّفْصِيل بَين الْخطاب الَّذِي [يتَعَلَّق] بِهِ تَكْلِيف، فَلَا يجوز أَن يكون غير مَفْهُوم الْمَعْنى، أَولا يتَعَلَّق بِهِ تَكْلِيف، فَيجوز) . ﴿ [قَالَ] أَبُو الْمَعَالِي والقشيري: (مَا فِيهِ تَكْلِيف يمْتَنع د [وام إجماله] ، وَإِلَّا فَلَا) ﴾ . قَالَ ابْن مُفْلِح: ﴿ (وَهُوَ مُرَاد غَيره) ﴾ ، وتابعناه على ذَلِك، وَاخْتَارَهُ - أَيْضا - التَّاج السُّبْكِيّ، والبرماوي.

стр. 1407

﴿وَقَالَ الْمجد﴾ ابْن تَيْمِية فِي " المسودة ": (ثمَّ ﴿ [بحث] أَصْحَابنَا يَقْتَضِي فهمه إِجْمَالا لَا تَفْصِيلًا) ﴾ ، وَعَن ابْن عقيل: (لَا، وَأَنه يتَعَيَّن: " لَا أَدْرِي "، كَقَوْل أَكثر الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، أَو تَأْوِيله) . قَالَ ابْن مُفْلِح: (كَذَا قَالَ، مَعَ قَوْله: إِن الْمُحَقِّقين قَالُوا فِي " ﴿سميع بَصِير﴾ [الْحَج: ٦١، ٧٥، والمجادلة: ١] : يسكت عَمَّا بِهِ يسمع ويبصر، أَو تَأْوِيله بإدراكه، وتأويله بِمَا يُوجب تناقضا أَو تَشْبِيها زيغ) . وَقَوله: فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا يعلم تَأْوِيله إِلَّا الله﴾ [آل عمرَان: ٧] ، أَي: كنه ذَلِك) انْتهى. قَوْله: ﴿وَالأَصَح: الْوَقْف على ﴿إِلَّا الله﴾ ، لَا ﴿والراسخون فِي الْعلم﴾ ﴾ . وَهُوَ الْمُخْتَار، وَهُوَ قَول السّلف. قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (هَذَا قَول عَامَّة السّلف والأعلام) . قَالَ الْخطابِيّ: (هُوَ مَذْهَب أَكثر الْعلمَاء، وَرُوِيَ مَعْنَاهُ عَن ابْن

стр. 1408

مَسْعُود، وَأبي بن كَعْب، وَابْن عَبَّاس، وَعَائِشَة) . قَالَ الْبَغَوِيّ فِي " تَفْسِيره ": (هُوَ قَول الْأَكْثَر، مِنْهُم: أبي بن كَعْب، وَعَائِشَة، وَعُرْوَة بن الزبير، وَرِوَايَة طَاوُوس عَن ابْن عَبَّاس،

стр. 1409

وَبِه قَالَ الْحسن، وَأكْثر التَّابِعين، وَاخْتَارَهُ الْكسَائي، وَالْفراء، والأخفش، وَقَالُوا: " لَا يعلم تَأْوِيل الْمُتَشَابه إِلَّا الله تَعَالَى ") . وَأطَال فِي ذَلِك. وَخَالف الْآمِدِيّ وَجمع، مِنْهُم: أَبُو الْبَقَاء - من أَصْحَابنَا - فِي " إعرابه "، وَالنَّوَوِيّ فِي " شرح مُسلم ". فَقَالَ: (الراسخون يعلمُونَ تَأْوِيله) . قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (هُوَ قَول عَامَّة الْمُتَكَلِّمين) . وَقَالَ الطوفي فِي " شَرحه ": (قَالَ المؤولة - وهم الْمُعْتَزلَة والأشعرية - وَمن وافقهم: الْوَقْف التَّام على قَوْله تَعَالَى: ﴿والراسخون فِي الْعلم﴾ [آل عمرَان: ٧] ) . وَقَالَ ابْن مُفْلِح: (لِابْنِ عَبَّاس قَولَانِ) ، وَهَذَا قَول

стр. 1410

مُجَاهِد أَيْضا، وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا: (الأول مُحدث، لم يقلهُ أحد من السّلف، لَا أَحْمد وَلَا غَيره) . وَقيل: (الْخلاف فِي ذَلِك لَفْظِي، فَإِن من قَالَ: إِن الراسخ فِي الْعلم يعلم تَأْوِيله، أَرَادَ: أَنه يعلم ظَاهره لَا حَقِيقَته، وَمن قَالَ: لَا يعلم، أَرَادَ بِهِ: لَا يعلم حَقِيقَته، وَإِنَّمَا ذَلِك إِلَى الله تَعَالَى) . وَالْحكمَة فِي إِنْزَال الْمُتَشَابه ابتلاء الْعُقَلَاء. ﴿وَقَالَ﴾ أَبُو إِسْحَاق ﴿الشِّيرَازِيّ﴾ الشَّافِعِي، ﴿والسهيلي: (الْوَقْف على ﴿إِلَّا الله﴾ ، ويعلمه الراسخون) ﴾ . وَإِنَّمَا امْتنع الْعَطف، لمُخَالفَة علم الله تَعَالَى لعلم الراسخين؛ لِأَن علمهمْ ضَرُورِيّ ونظري، بِخِلَاف علم الله تَعَالَى، على مَا تقدم بَيَانه.

стр. 1411

﴿وَقيل بِالْوَقْفِ﴾ مُطلقًا، فَلَا يجْزم بِوَاحِد من هَذِه الْأَقْوَال، بل نقف لتعارض الْأَدِلَّة، قَالَه الْقفال الشَّاشِي. فَقَالَ: (الْقَوْلَانِ محتملان، وَلَا ننكر أَن يكون فِي الْمُتَشَابه مَا لَا يعلم) . وَمِنْهُم من جمع بَين الْقَوْلَيْنِ: (بِأَن الله تَعَالَى يعلم ذَلِك على التَّفْصِيل، والراسخون يعلمونه على الْإِجْمَال) . وَهُوَ قريب من القَوْل بِأَن الْخلاف لَفْظِي. الأول: لسياق الْآيَة، من ذمّ مبتغي التَّأْوِيل، وَقَوله: ﴿آمنا بِهِ كل من عِنْد رَبنَا﴾ [آل عمرَان: ٧] ، وَلِأَن (وَاو) ، (والراسخون) للابتداء، و (يَقُولُونَ) خَبره، لِأَنَّهَا لَو كَانَت عاطفة عَاد ضمير (يَقُولُونَ) إِلَى الْمَجْمُوع، ويستحيل على الله، وَكَانَ مَوضِع (يَقُولُونَ) نصبا حَالا، فَفِيهِ اخْتِصَاص الْمَعْطُوف بِالْحَال. قَالُوا: خص ضمير: (يَقُولُونَ) بالراسخين، للدليل الْعقلِيّ، والمعطوف قد يخْتَص بِالْحَال مَعَ عدم اللّبْس، وَنَظِيره: ﴿وَالَّذين تبوؤا الدَّار وَالْإِيمَان [من قبلهم] يحبونَ﴾ [الْحَشْر: ٩] فِيهَا الْقَوْلَانِ.

стр. 1412

وَقَوله: ﴿نَافِلَة﴾ ، قيل: حَالا من يَعْقُوب، لِأَنَّهَا الزِّيَادَة. وَقيل: مِنْهُمَا، لِأَنَّهَا الْعَطِيَّة. وَقيل: هِيَ مصدر كالعاقبة مَعًا، وعامله معنى: ﴿وهبنا﴾ . وَلنَا أَن نقُول: الأَصْل عدم ذَلِك، وَالْأَشْهر خِلَافه، وَلِهَذَا فِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود: ﴿إِن تَأْوِيله إِلَّا عِنْد الله﴾ ، وَفِي قِرَاءَة أبي: ﴿وَيَقُول الراسخون فِي الْعلم آمنا بِهِ﴾ . وَمثله عَن ابْن عَبَّاس، فروى عبد الرَّزَّاق فِي " تَفْسِيره "، وَالْحَاكِم فِي " مُسْتَدْركه "، عَن ابْن عَبَّاس: أَنه كَانَ يقْرَأ ﴿وَمَا يعلم تَأْوِيله إِلَّا الله وَيَقُول الراسخون فِي الْعلم آمنا بِهِ﴾ .

стр. 1413

فَهَذَا يدل على أَن الْوَاو للاستئناف؛ لِأَن هَذِه الرِّوَايَة وَإِن لم تثبت بهَا الْقِرَاءَة فَأَقل درجاتها أَن تكون خَبرا بِإِسْنَاد صَحِيح إِلَى ترجمان الْقُرْآن، فَيقدم كَلَامه فِي ذَلِك على من دونه. قَالَه ابْن الأسيوطي. وَقَالَ الْفراء و [أَبُو عُبَيْدَة] : (الله هُوَ الْمُنْفَرد) . قَالَ الْمُوفق: (فِي الْآيَة قَرَائِن تدل على أَن الله سُبْحَانَهُ مُنْفَرد بِعلم تَأْوِيل الْمُتَشَابه) . قَالُوا: فِيهِ إِخْرَاج الْقُرْآن عَن كَونه بَيَانا، وَالْخطاب بِمَا لَا يفهم بعيد. رد ذَلِك: بِالْمَنْعِ، وَفَائِدَته الِابْتِلَاء. قَالَ فِي " الرَّوْضَة ": (فَإِن قيل: كَيفَ يُخَاطب الله الْخلق بِمَا لَا يعقلونه؟ أم كَيفَ ينزل على رَسُوله مَا لَا يطلع على تَأْوِيله؟ قُلْنَا: يجوز أَن يكلفهم الْإِيمَان بِمَا لَا يطلعون على تَأْوِيله، ليختبر

стр. 1414

طاعتهم، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ولنبلونكم حَتَّى نعلم الْمُجَاهدين مِنْكُم وَالصَّابِرِينَ﴾ [مُحَمَّد: ٣١] ، ﴿وَمَا جعلنَا الْقبْلَة الَّتِي كنت عَلَيْهَا إِلَّا لنعلم﴾ الْآيَة [الْبَقَرَة: ١٤٣] ﴿وَمَا جعلنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أريناك إِلَّا فتْنَة للنَّاس﴾ [الْإِسْرَاء: ٦٠] ، وكما [اختبرهم] بِالْإِيمَان بالحروف الْمُقطعَة مَعَ أَنه لَا يعلم مَعْنَاهَا، وَالله أعلم) انْتهى. قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (وَاحْتج بعض أهل اللُّغَة: فَقَالَ: مَعْنَاهُ: والراسخون فِي الْعلم يعلمونه قائلين: آمنا بِهِ، وَزعم أَن مَوضِع ﴿يَقُولُونَ﴾ نصب على الْحَال، وَعَامة أهل اللُّغَة ينكرونه ويستبعدونه، لِأَن الْعَرَب لَا تضمر الْفِعْل وَالْمَفْعُول مَعًا وتذكر حَالا إِلَّا مَعَ ظُهُور الْفِعْل، فَإِذا لم يظْهر فعل، فَلَا يكون حَالا) . قَوْله: ﴿وَيحرم تَفْسِيره بِرَأْي واجتهاد بِلَا أصل﴾ . للآثار الْوَارِدَة فِي ذَلِك، وَذكره القَاضِي محتجا بقوله تَعَالَى: ﴿وَأَن تَقولُوا على الله مَا لَا تعلمُونَ﴾ [الْبَقَرَة: ١٦٩، والأعراف: ٣٣] ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم﴾ [النَّحْل: ٤٤] ، فأضاف التَّبْيِين إِلَيْهِ.

стр. 1415

وَعَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ َ - أَنه قَالَ: " من قَالَ فِي الْقُرْآن بِرَأْيهِ وَبِمَا لَا يعلم فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيّ، وَالنَّسَائِيّ. وَعَن جُنْدُب عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ: " من قَالَ فِي الْقُرْآن بِرَأْيهِ فَأصَاب

стр. 1416

فقد أَخطَأ "، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيّ، وَالنَّسَائِيّ، وَابْن ماجة. قَوْله: ﴿وَيجوز بِمُقْتَضى اللُّغَة﴾ . أَي: يجوز تَفْسِير الْقُرْآن بِمُقْتَضى اللُّغَة، ﴿عِنْد الإِمَام أَحْمد وَأكْثر أَصْحَابه﴾ ، مِنْهُم: القَاضِي، وَأَبُو الْخطاب، وَابْن عقيل، وَالْمجد ابْن تَيْمِية. قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (قلت: الْمَنْقُول عَن ابْن عَبَّاس الِاحْتِجَاج فِي التَّفْسِير بِمُقْتَضى اللُّغَة كثيرا) انْتهى.

стр. 1417

وَلِأَن الْقُرْآن عَرَبِيّ. ﴿ [وَعَن أَحْمد] : لَا﴾ يجوز تَفْسِيره بِمُقْتَضى اللُّغَة من غير دَلِيل، ﴿اخْتَارَهُ القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن﴾ ابْن القَاضِي أبي يعلى، ﴿وَحمله الْمجد على الْكَرَاهَة، أَو صرفه عَن ظَاهره بِقَلِيل من اللُّغَة﴾ . فَائِدَة: قَالَ الإِمَام أَحْمد: (ثَلَاث كتب لَيْسَ فِيهَا أصُول: الْمَغَازِي، والملاحم، وَالتَّفْسِير) لَيْسَ غالبها الصِّحَّة.

стр. 1418

فارغة

стр. 1419

(بَاب السّنة)

стр. 1420

( ﴿بَاب﴾ [السّنة] ) ﴿السّنة لُغَة: الطَّرِيقَة﴾ ، وَمِنْه قَوْله ﷺ َ -: " من سنّ سنة حَسَنَة فَلهُ أجرهَا وَأجر من عمل بهَا " إِلَى آخِره .

стр. 1421

قَالَ الْخطابِيّ: إِذا أطلقت السّنة فَهِيَ المحمودة، وَإِن أُرِيد بهَا غَيرهَا فمقيدة كَقَوْلِه: " من سنّ سنة سَيِّئَة ". قَالَ ابْن مُفْلِح فِي " أُصُوله ": (السّنة لُغَة: الطَّرِيقَة وَالْعَادَة) . قَالَ الله تَعَالَى: ﴿قد خلت من قبلكُمْ سنَن فسيروا فِي الأَرْض﴾ [آل عمرَان: ١٣٧] ، أَي: طرق. وَقَالَ الطوفي: (الطَّرِيقَة والسيرة) . وَقَالَ فِي " الْبَدْر الْمُنِير ": (السّنة: الطَّرِيقَة، وَالسّنة: السِّيرَة، حميدة كَانَت أَو ذميمة) .

стр. 1422

قَالَ فِي " الْقَامُوس ": (السّنة: السِّيرَة، وَمن الله حكمه وَأمره وَنَهْيه) انْتهى. قَوْله: ﴿وَشرعا اصْطِلَاحا﴾ . السّنة فِي الِاصْطِلَاح: تطلق على مَا يُقَابل الْقُرْآن كَمَا هُنَا، وَمِنْه أَحَادِيث وَردت كَثِيرَة، مِنْهَا: فِي " صَحِيح مُسلم " حَدِيث: " يؤم الْقَوْم أقرؤهم لكتاب الله، فَإِن كَانُوا فِي الْقِرَاءَة سَوَاء فأعلمهم بِالسنةِ " الحَدِيث.

стр. 1423

وَتارَة تطلق: على مَا يُقَابل الْفَرْض وَنَحْوه من الْأَحْكَام، كَمَا سبق فِي بَاب الْمَنْدُوب. وَرُبمَا لَا يُرَاد إِلَّا مَا يُقَابل الْفَرْض، كفروض الْوضُوء وسننه، وَكَذَا الصَّلَاة وَالصَّوْم وَغَيرهمَا، فَإِنَّهُ لَا يُقَابل بِهِ الْحَرَام وَلَا الْمَكْرُوه فيهمَا، وَإِن كَانَت الْمُقَابلَة لَازِمَة لَهُ، لَكِنَّهَا لَا تقصد. وَتارَة تطلق: على مَا يُقَابل الْبِدْعَة، فَيُقَال: أهل السّنة، وَأهل الْبِدْعَة. وَالْمَقْصُود هُنَا بَيَان الأول. وَقَوْلنَا: (اصْطِلَاحا) ، احْتِرَاز من السّنة فِي الْعرف الشَّرْعِيّ الْعَام، فَإِنَّهَا تطلق على مَا هُوَ أَعم مِمَّا ذكرنَا، وَهُوَ الْمَنْقُول عَن النَّبِي ﷺ َ - وَعَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، قَالَه الطوفي، فَإِن عِبَارَته فِي " مُخْتَصره " كعبارتنا، وَحَاصِله: أَن للسّنة عرفا خَاصّا فِي اصْطِلَاح الْعلمَاء. قَوْله: ﴿قَول النَّبِي ﷺ َ - غير الْقُرْآن وَلَو بِكِتَابَة، وَفعله وَلَو بِإِشَارَة، وَزيد: الْهم [بِالْفِعْلِ] ، وَإِقْرَاره﴾ . أَكثر الْأُصُولِيِّينَ حصروا السّنة فِي الِاصْطِلَاح فِي ثَلَاثَة أَشْيَاء: فِي قَوْله، وَفِي فعله، وَفِي إِقْرَاره، وَزيد: الْهم بِالْفِعْلِ وَلم يفعل، على مَا يَأْتِي. أَحدهَا: القَوْل من النَّبِي ﷺ َ - وَهُوَ نَوْعَانِ:

стр. 1424

أَحدهمَا: أَن يكون وَحيا كالقرآن وَالْأَحَادِيث الإلهية، فَإِنَّهُ لَا يُقَال فِيهِ: إِنَّه من السّنة، كَمَا يَأْتِي. وَالثَّانِي: غير ذَلِك، وَلَو كَانَ أمرا بِكِتَابَة، كَمَا أَمر النَّبِي ﷺ َ - عليا بِالْكِتَابَةِ يَوْم الْحُدَيْبِيَة، وَأمر بِالْكِتَابَةِ إِلَى الْمُلُوك، وَقَالَ ﷺ َ -: " اكتبوا لأبي شاه "، يَعْنِي: الْخطْبَة الَّتِي خطبهَا، وَغير ذَلِك. لَكِن الْأُسْتَاذ [أَبُو] مَنْصُور الْبَغْدَادِيّ، جعله قسما بِرَأْسِهِ غير القَوْل.

стр. 1425

الثَّانِي: الْفِعْل. وَاعْلَم أَن القَوْل وَإِن كَانَ فعلا لِأَنَّهُ عمل بجارحة اللِّسَان، لَكِن الْغَالِب اسْتِعْمَاله فِي مُقَابلَة الْفِعْل كَمَا هُنَا، حَتَّى وَلَو كَانَ الْفِعْل بِإِشَارَة على الصَّحِيح، لِأَنَّهُ كالأمر بِهِ، كَمَا فِي حَدِيث كَعْب بن مَالك لما تقاضى ابْن أبي حَدْرَد دينا لَهُ عَلَيْهِ فِي مسد النَّبِي ﷺ َ - وَارْتَفَعت أصواتهما حَتَّى سمعهما النَّبِي ﷺ َ - وَهُوَ فِي بَيته، فَخرج إِلَيْهِمَا حَتَّى كشف [سجف] حجرته، فَنَادَى، فَقَالَ: " يَا كَعْب "، قَالَ: لبيْك يَا رَسُول الله، فَأَشَارَ إِلَيْهِ بِيَدِهِ أَن ضع الشّطْر من دينك، فَقَالَ كَعْب: قد فعلت يَا رَسُول [الله] ، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " قُم فاقضه "، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم. وَاسم ابْن أبي حَدْرَد: عبد الله، وَاسم أَبِيه: سَلامَة بن عُمَيْر .

стр. 1426

وَمثله إِشَارَة النَّبِي ﷺ َ - [إِلَى] أبي بكر أَن يتَقَدَّم فِي الصَّلَاة، مُتَّفق عَلَيْهِ. وَطَاف النَّبِي ﷺ َ - على بعير كلما أَتَى على الرُّكْن أَشَارَ إِلَيْهِ. وَفِي حَدِيث زَيْنَب بنت جحش: أَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ: " فتح الْيَوْم من ردم يَأْجُوج وَمَأْجُوج مثل هَذِه "، وَعقد تسعين .

стр. 1427

وَفِي " الصَّحِيح ": " فِي الْجُمُعَة سَاعَة لَا يُوَافِقهَا مُسلم قَائِم يُصَلِّي يسْأَل الله خيرا إِلَّا أعطَاهُ "، وَقَالَ بِيَدِهِ، وَوضع أنملته على بطن الْوُسْطَى والخنصر، قُلْنَا: يزهدها. وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ ": أَشَارَ النَّبِي ﷺ َ - بِيَدِهِ نَحْو الْيمن، فَقَالَ: " أَلا إِن الْإِيمَان هَاهُنَا " الحَدِيث. وَفِي أبي دَاوُد عَن أبي حميد: " أَن النَّبِي ﷺ َ - كَانَ يُشِير بِأُصْبُعِهِ فِي تشهده ". وَفِي حَدِيث ابْن عمر فِي مُسلم: " قبض أَصَابِعه كلهَا، وَأَشَارَ بالأصبع الَّتِي تلِي الْإِبْهَام ".

стр. 1428

وَفِي رِوَايَة: " عقد ثَلَاثَة وَخمسين، وَأَشَارَ بالسبابة ". وَفِي أبي دَاوُد عَن الزبير ﵁: " كَانَ يُشِير بالسبابة وَلَا يحركها ". وَفِي حَدِيث: " الشَّهْر هَكَذَا وَهَكَذَا "، وَأَشَارَ بأصابعه الْعشْرَة " ثمَّ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا "، وَقبض فِي الثَّالِثَة الْإِبْهَام، إِشَارَة إِلَى أَن الشَّهْر يكون ثَلَاثِينَ، وَيكون تسعا وَعشْرين، إِلَى غير ذَلِك.

стр. 1429

وَفِي الْقُرْآن: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ الْآيَة [مَرْيَم: ٢٩] . وَقَوله تَعَالَى: ﴿ثَلَاثَة أَيَّام إِلَّا رمزا﴾ [آل عمرَان: ٤١] ، وَغير ذَلِك. وَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك من قسم الْأَقْوَال: لِأَنَّهُ منزل منزلَة القَوْل، وَلِهَذَا فِي رِوَايَة فِي مُسلم فِي حَدِيث ابْن أبي حَدْرَد: " فَأَشَارَ بِيَدِهِ كَأَنَّهُ يَقُول النّصْف "، وَلذَلِك أجْرى النَّبِي ﷺ َ - الْإِشَارَة من الْجَارِيَة - فِي حَدِيث الأوضاح - مجْرى قَوْلهَا: إِن الْيَهُودِيّ قَتلهَا. وَمن ذَلِك قَول أَصْحَابنَا وَغَيرهم: إِشَارَة الْأَخْرَس بِمَنْزِلَة قَوْله، فِي الصَّلَاة، وَالْبيع، وَالطَّلَاق، وَغير ذَلِك، كَالْإِقْرَارِ، لَا فِي الشَّهَادَة وَنَحْوهَا. تَنْبِيه: من الْفِعْل - أَيْضا - عمل الْقلب، وَالتّرْك، فَإِنَّهُ كف النَّفس، وَسبق: أَنه لَا تَكْلِيف إِلَّا بِفعل على الصَّحِيح، فَإِذا نقل عَن النَّبِي ﷺ َ - أَنه أَرَادَ ذَلِك، كَانَ من السّنة الفعلية، كَمَا فِي حَدِيث عَائِشَة: أَن النَّبِي ﷺ َ - أَرَادَ

стр. 1430

أَن ينحي مخاط أُسَامَة، قَالَت عَائِشَة: دَعْنِي يَا رَسُول الله حَتَّى أَنا الَّذِي أفعل، قَالَ: " يَا عَائِشَة أحبيه فَإِنِّي أحبه "، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي المناقب. وَحَدِيث أنس: " أَرَادَ النَّبِي ﷺ َ - أَن يكْتب إِلَى رَهْط أَو أنَاس من الْعَجم، فَقيل: إِنَّهُم لَا يقبلُونَ كتابا إِلَّا بِخَاتم، فَاتخذ خَاتمًا من فضَّة "، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم. وَمثله حَدِيث جَابر: " أَرَادَ النَّبِي ﷺ َ - أَن ينْهَى أَن يُسمى بيعلى، أَو ببركة، وافلح، ويسار، وَنَافِع، وَنَحْو ذَلِك، ثمَّ رَأَيْته سكت بعد عَنهُ فَلم يقل شَيْئا، ثمَّ قبض وَلم ينْه عَن ذَلِك " رَوَاهُ مُسلم، وَغير ذَلِك من الْأَحَادِيث.

стр. 1431

وَإِذا نقل عَنهُ ﷺ َ - أَنه ترك كَذَا، كَانَ - أَيْضا - من السّنة الفعلية، كَمَا ورد " أَنه ﷺ َ - لما قدم إِلَيْهِ الضَّب فَأمْسك عَنهُ وَترك أكله، أمسك الصَّحَابَة ﵃ وتركوه، حَتَّى بَين لَهُم: أَنه حَلَال وَلكنه يعافه "، وَلِهَذَا لما صلى التَّرَاوِيح وَتركهَا خشيَة أَن تفرض على الْأمة، وَزَالَ هَذَا الْمَعْنى بِمَوْتِهِ ﷺ َ - عَادوا إِلَى الصَّلَاة، وَنَازع بعض الْعلمَاء فِي ذَلِك. وَلَكِن الْمُفِيد لهَذَا النَّوْع حَتَّى يرْوى عَنهُ، إِمَّا قَوْله: إِنَّه ترك كَذَا، أَو قيام الْقَرَائِن عِنْد الرَّاوِي الَّذِي يروي عَنهُ أَنه ترك كَذَا، إِذا لَا بُد من ذَلِك حَتَّى يعرف. تَنْبِيه آخر: قَوْلنَا: (غير الْوَحْي) .

стр. 1432

قَالَ ابْن الْعِرَاقِيّ: (وَالْمرَاد من أَقْوَاله وأفعاله: مَا لم يكن على وَجه الإعجاز) . قَالَ القَاضِي عضد الدّين وَغَيره: (وَالْمرَاد بِالسنةِ هُنَا: مَا صدر عَن الرَّسُول ﷺ َ - من فعل أَو قَول غير الْقُرْآن) . وَقَالَ الْبرمَاوِيّ: (وَالْمرَاد هُنَا: قَول النَّبِي ﷺ َ - الَّذِي لم يَأْتِ بِهِ قُرْآنًا) . قَوْله: (وَزيد الْهم) . أَي: بِفعل، رَأَيْت ذَلِك للشَّافِعِيَّة، ومثلوه: بِمَا إِذا هم النَّبِي ﷺ َ - بِفعل وعاقه عَنهُ عائق، كَانَ ذَلِك الْفِعْل مَطْلُوبا شرعا؛ لِأَنَّهُ لَا يهم إِلَّا بِحَق مَحْبُوب مَطْلُوب شرعا؛ لأ [نه] مَبْعُوث لبَيَان الشرعيات، وَذَلِكَ كَمَا فِي حَدِيث عبد الله بن زيد بن عَاصِم فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان

стр. 1433

وَالْحَاكِم وَقَالَ: (صَحِيح على شَرط مُسلم) : " استسقى رَسُول الله ﷺ َ - وَعَلِيهِ خميصة سَوْدَاء، فَأَرَادَ رَسُول الله ﷺ َ - أَن يَأْخُذ بأسفلها فَيَجْعَلهُ أَعْلَاهَا، فَلَمَّا ثقلت قَلبهَا على عَاتِقه ". فَالْمُرَاد: لَوْلَا ثقل الخميصة، فاستحب الشَّافِعِي ﵁ لأجل هَذَا الحَدِيث للخطيب فِي الاسْتِسْقَاء مَعَ تَحْويل الرِّدَاء تنكيسه، بِجعْل أَعْلَاهُ أَسْفَله. قلت: مَذْهَب الإِمَام أَحْمد وَأَصْحَابه لَا يزِيد على التَّحْوِيل. وَقَالَ ابْن الْعِرَاقِيّ: (قلت: وَكَذَا همه بمعاقبة [المتخلفين] عَن الْجَمَاعَة، اسْتدلَّ بِهِ على وُجُوبهَا.

стр. 1434

وَقد يُقَال: الْهم خَفِي فَلَا يطلع عَلَيْهِ إِلَّا بقول أَو فعل، فَيكون الِاسْتِدْلَال بِأَحَدِهِمَا، فَلَا يحْتَاج حِينَئِذٍ إِلَى زِيَادَة) انْتهى. وعَلى القَوْل الأول: الْفرق بَينه وَبَين مَا تقدم من عمل الْقلب وَالتّرْك: أَن الَّذِي هُنَا أخص؛ لِأَن الْهم عزم على الشَّيْء بتصميم وتأكيد، قَالَه الْبرمَاوِيّ. قَوْله: (وَإِقْرَاره) . أَي: الثَّالِث من السّنة: إِقْرَاره على الشَّيْء يفعل أَو يُقَال، وَيَأْتِي قَرِيبا حكم مَا إِذا سكت ﷺ َ - عَن إِنْكَار فعل أَو قَول بِحَضْرَتِهِ، أَو زَمَنه وَيعلم [بِهِ] . فإقرار من رَآهُ فعل أَو قَالَ شَيْئا على ذَلِك من السّنة قطعا، وَيَأْتِي تَفْصِيل ذَلِك هُنَاكَ. وَزَاد الْأُسْتَاذ أَبُو مَنْصُور: الْكِتَابَة، كَمَا تقدم. ورد: بأنما ذَلِك من قبيل القَوْل. وَزَاد - أَيْضا - التَّنْبِيه على الْعلَّة، ورتب الْأَقْسَام: القَوْل، ثمَّ الْفِعْل، ثمَّ الْإِشَارَة، ثمَّ الْكِتَابَة، ثمَّ التَّنْبِيه على الْعلَّة على قَوْله، ورد أَيْضا.

стр. 1435

قَوْله: ﴿ [وَهُوَ حجَّة للعصمة] ﴾ . أَعنِي: أَن كل مَا سبق من أَقْوَاله وأفعاله وَإِقْرَاره وهمه من أَنْوَاع السّنة حجَّة؛ لِأَن النَّبِي ﷺ َ - مَعْصُوم، والعصمة ثَابِتَة لَهُ ولسائر الْأَنْبِيَاء - صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ -. وَتَأْتِي تفاصيل أَفعاله، وَمَعَ أَقْوَاله - أَيْضا - وَمَا يجوز عَلَيْهِ، وَمَا لَا يجوز عَلَيْهِ. قَوْله: ﴿وَهِي: سلب الْقُدْرَة على الْمعْصِيَة﴾ . اخْتلف الْعلمَاء فِي حد الْعِصْمَة: فَقيل: (هِيَ سلب الْقُدْرَة على الْمعْصِيَة) ،

стр. 1436

فَلَا يُمكنهُ فعلهَا؛ لِأَن الله تَعَالَى سلبه الْقُدْرَة عَلَيْهَا، كَمَا سلبه معرفَة الْكِتَابَة وَالشعر وَغَيرهمَا. قَالَ فِي " الْقَامُوس ": (الْعِصْمَة بِالْكَسْرِ: الْمَنْع، واعتصم بِاللَّه: امْتنع بِلُطْفِهِ من الْمعْصِيَة) . وَقَالَ فِي " الْبَدْر الْمُنِير ": (عصمه الله تَعَالَى من الْمَكْرُوه [يعصمه] ، من بَاب ضرب: حفظه ووقاه، واعتصمت بِاللَّه: امْتنعت بِهِ، وَالِاسْم الْعِصْمَة) انْتهى. ﴿وَقيل: [يُمكن فعلهَا مِنْهُ، وَلَكِن تصرف دواعيه عَنْهَا] ﴾ بِمَا يلهمه الله عَنهُ من ترغيب وترهيب. ﴿و﴾ قَالَ التلمساني: (الْعِصْمَة ﴿عِنْد [الأشعرية] ﴾ : تهيؤ العَبْد للموافقة مُطلقًا، وَذَلِكَ رَاجع إِلَى خلق الْقُدْرَة على كل طَاعَة، فَإِذن الْعِصْمَة ﴿توفيق عَام﴾ .

стр. 1437

﴿و﴾ قَالَت ﴿الْمُعْتَزلَة: خلق ألطاف تقرب إِلَى الطَّاعَة﴾ . وَلم يردوها إِلَى الْقُدْرَة؛ لِأَن الْقُدْرَة عِنْدهم على الشَّيْء صَالِحَة لضده. قَالَ القَاضِي أَبُو بكر ابْن الباقلاني: (لَا تطلق الْعِصْمَة فِي غير الْأَنْبِيَاء وَالْمَلَائِكَة إِلَّا بِقَرِينَة إِرَادَة مَعْنَاهَا اللّغَوِيّ، وَهُوَ السَّلامَة من الشَّيْء) ، وَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِي فِي " الرسَالَة ": (واسأله الْعِصْمَة) ، وَجرى على ذَلِك كثير من الْعلمَاء. وَالْحَاصِل: أَن السَّلامَة أَعم من وجوب السَّلامَة، فقد تُوجد السَّلامَة فِي غير النَّبِي وَالْملك اتِّفَاقًا لَا وجوبا، قَالَه الْبرمَاوِيّ. ﴿ [و] ﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﴿ [الْجَوْزِيّ] ﴾ فِي كِتَابه " الْإِيضَاح " فِي الجدل: (الْعِصْمَة ﴿حفظ الْمحل بالتأثيم [أَو] التَّضْمِين﴾ ) . فَيحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ: أَنه لَا يفعل وَلَا يتْرك شَيْئا يحصل بِهِ إِثْم وَلَا ضَمَان، بل هُوَ مَحْفُوظ من ذَلِك، فَتكون (الْبَاء) بِمَعْنى (من) ، يَعْنِي:

стр. 1438

حفظ الْمحل من التأثيم أَو التَّضْمِين، فَهُوَ مَعْصُوم من فعل الْمحرم قطعا، وَيَأْتِي حكم الْمَكْرُوه. وَيحْتَمل: أَن تكون (الْبَاء) بَاء السَّبَبِيَّة، وَيكون معنى الْكَلَام: حفظ الْمحل بِسَبَب التأثيم أَو التَّضْمِين، فَإِذا علم أَن الْفِعْل أَو التّرْك يُوجب إِثْمًا أَو تضمينا تَركه، فَكَانَ التأثيم أَو التَّضْمِين حاجزا و [مَانِعا] عَن فعل مَا يُوجب ذَلِك، وَالله أعلم. قَوْله: ﴿ [فامتناع الْمعْصِيَة] مِنْهُ ﷺ َ - قبل الْبعْثَة عقلا مَبْنِيّ على التقبيح الْعقلِيّ، فَمن أثْبته كالروافض منعهَا﴾ ؛ للتنفير، فتنافي الْحِكْمَة، ﴿ [وقالته] الْمُعْتَزلَة فِي الْكَبَائِر، [وَمن نفى التقبيح الْعقلِيّ لم يمْنَعهَا] ﴾ . إِنَّمَا قدمنَا هَذِه الْمَسْأَلَة لأجل مَا بعْدهَا؛ لِأَن الِاسْتِدْلَال بأفعالهم وأقوالهم مُتَوَقف على عصمتهم، وَقد ذهب أَكثر الْعلمَاء: إِلَى أَنه لَا يمْتَنع عقلا أَن يصدر قبل الْبعْثَة من الْأَنْبِيَاء مَعْصِيّة كَبِيرَة أَو صَغِيرَة، وَخَالفهُم

стр. 1439

الروافض مُطلقًا، فَقَالُوا: لَا يجوز أَن يصدر مِنْهُم قبل الْبعْثَة صَغِيرَة وَلَا كَبِيرَة وَوَافَقَهُمْ الْمُعْتَزلَة فِي الْكَبَائِر وجوزوا الصَّغَائِر كالأكثر، فَوَافَقُوا الروافض فِي الْكَبَائِر، ووافقوا أَكثر الْعلمَاء فِي الصَّغَائِر. ومعتمد الْفَرِيقَيْنِ فِي ذَلِك؛ أَن فِيهِ هضما واحتقارا، فتنفر الطباع عَن اتباعهم، فيخل بالحكمة من بعثتهم، وَذَلِكَ قَبِيح عقلا. وَقد علمت مِمَّا مضى بطلَان قَاعِدَة التقبيح الْعقلِيّ، وَقد رد ذَلِك الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي الرَّد على الرافضي ردا بليغا كَافِيا شافيا وَأطَال فِي ذَلِك. قَوْله: ﴿ [وَبعد الْبعْثَة] ﴾ : مَعْصُوم من تعمد مَا يخل بصدقه، فِيمَا دلّت

стр. 1440

المعجزة على صدقه [فِيهِ] ، من رِسَالَة وتبليغ إِجْمَاعًا﴾ حَكَاهُ الْآمِدِيّ وَغَيره من الْعلمَاء. فالإجماع مُنْعَقد على عصمتهم من تعمد الْكَذِب فِي الْأَحْكَام وَمَا يتَعَلَّق بهَا؛ لِأَن المعجزة قد دلّت على صدقهم فِيهَا، فَلَو جَازَ كذبهمْ فِيهَا لبطل دلَالَة المعجزة. قَوْله: ﴿وَلَا يَقع [سَهوا وغلطا] عِنْد الْأَكْثَر﴾ . اخْتلف الْعلمَاء فِي جَوَاز وُقُوع الْكَذِب مِنْهُم غَلطا وسهوا.
следующие страницы →