Полный текст (4 267 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
القَوْل الثَّانِي مَا قَالَه ابْن الْحَاجِب والطوفي وَجمع: أَن أصُول الْفِقْه: (الْعلم بالقواعد الَّتِي يتَوَصَّل بهَا إِلَى استنباط الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة الفرعية عَن أدلتها التفصيلية) .
ورد: بِأَن أصُول الْفِقْه، الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة الفرعية، لَا الْعلم بهَا وَلَا مَعْرفَتهَا؛ إِذْ الْعلم والمعرفة بأصول الْفِقْه غير أصُول الْفِقْه، فَلَا يكون دَاخِلا فِي ماهيتها، وَمَا لَيْسَ دَاخِلا فِي الْمَاهِيّة لَا يكون جِنْسا فِي حَده، كَمَا قُلْنَا فِي حد الْفِقْه، وَلِأَن هَذَا الْحَد، وَهُوَ الْعلم بالقواعد بِعلم أصُول الْفِقْه أشبه مِنْهُ بأصول الْفِقْه، لِأَن أصُول الْفِقْه أدلته، وَالْعلم بالأدلة غير الْأَدِلَّة.
وَظهر من هَذَا أَن الأجود أَن يُقَال: أصُول الْفِقْه الْقَوَاعِد ... إِلَى آخِره كَمَا قدمْنَاهُ.
قَالَ الْإِسْنَوِيّ: (وَلَو كَانَ هُوَ معرفَة الْأَدِلَّة؛ لَكَانَ يلْزم من فقدان الْعَارِف بأصول الْفِقْه فقدان أصُول الْفِقْه، وَلَيْسَ كَذَلِك) انْتهى.
стр. 177
قلت: هَذِه الْمَسْأَلَة مِمَّا اخْتلف فِيهَا الْعلمَاء، فَذهب القَاضِي أَبُو يعلى - من أَصْحَابنَا - وَأَصْحَابه، وَالْقَاضِي أَبُو بكر بن الباقلاني، وَأَبُو الْمَعَالِي، والرازي، والآمدي، وَابْن حمدَان، وَابْن مُفْلِح، والإسنوي، وَابْن دَقِيق الْعِيد، وَغَيرهم، إِلَى أَن أصُول الْفِقْه: الْقَوَاعِد، وَهُوَ أظهر.
стр. 178
وَذهب ابْن الْحَاجِب، والأرموي، والبيضاوي، والطوفي، وَجمع، إِلَى أَن أصُول الْفِقْه: الْعلم بالقواعد.
قَالُوا: كَمَا أَن الْفِقْه متفرع عَن أدلته، هُوَ متفرع عَن الْعلم / بأدلته.
قَالَ التَّاج السُّبْكِيّ فِي " شرح منهاج الْبَيْضَاوِيّ ": (هَذِه الْأَدِلَّة الْكُلية لَهَا حقائق فِي [أَنْفسهَا] من حَيْثُ دلالتها وَتعلق الْعلم بهَا، فَهَل وضع أصُول الْفِقْه لتِلْك الْحَقَائِق فِي [أَنْفسهَا] أَو [للْعلم] بهَا؟ [قَولَانِ] ، وَلكُل مِنْهُمَا وَجه، فَإِن الْفِقْه كَمَا يتَوَقَّف على الْأَدِلَّة يتَوَقَّف على الْعلم بهَا.
стр. 179
قَالَ: وَقد يرجح مَا قَالَه الْبَيْضَاوِيّ؛ بِأَن الْعلم بالأدلة [يُوصل إِلَى الْمَدْلُول، والأدلة] لَا توصل إِلَى الْمَدْلُول إِلَّا بِوَاسِطَة الْعلم بهَا؛ لِأَن الْفِقْه علم.
لَكِن أهل الْعرف يسمون الْمَعْلُوم أصولاً، ويسمون الْمَعْلُوم فقهاً، وَتقول: هَذَا كتاب أصُول، وَكتاب فقه، وَالْأولَى: جعل الْأُصُول [للأدلة] ، وَالْفِقْه للْعلم؛ لِأَنَّهُ أقرب إِلَى الِاسْتِعْمَال اللّغَوِيّ) انْتهى.
قلت: وَهَذَا التَّعْرِيف قَالَه جمع من الْعلمَاء، وَهُوَ أَن الْفِقْه: الْعلم بِالْأَحْكَامِ، وأصول الْفِقْه: الْقَوَاعِد، لَا الْعلم بهَا، وَهُوَ الَّذِي قدمْنَاهُ، وَالله أعلم.
القَوْل الثَّالِث قَالَه الأرموي، والبيضاوي، وَغَيرهمَا، وَهُوَ قَوْلنَا: ﴿وَقيل: معرفَة [دَلَائِل الْفِقْه] إِجْمَالا، وَكَيْفِيَّة الاستفادة مِنْهَا، وَحَال المستفيد﴾ .
وكل وَاحِد من هَذِه الثَّلَاثَة وَهِي: معرفَة الْأَدِلَّة، وَمَعْرِفَة كَيْفيَّة الاستفادة، وَمَعْرِفَة حَال المستفيد، من أصُول الْفِقْه.
стр. 180
فأصول الْفِقْه عِنْد هَؤُلَاءِ: معرفَة هَذِه الثَّلَاثَة.
فمعرفة دلائله إِجْمَالا، وَاضح، ويحترز بِهِ عَن ثَلَاثَة أَشْيَاء أَحدهَا: عَن غير الْأَدِلَّة، كمعرفة الْفِقْه وَنَحْوه.
وَالثَّانِي: عَن معرفَة أَدِلَّة غير الْفِقْه، كأدلة النَّحْو وَالْكَلَام.
وَالثَّالِث: عَن معرفَة بعض أَدِلَّة الْفِقْه، كباب وَاحِد من أصُول الْفِقْه، فَإِنَّهُ جُزْء من أصُول الْفِقْه، فَلَا يكون أصُول الْفِقْه، وَلَا يُسمى الْعَارِف بِهِ أصولياً؛ لِأَن بعض الشَّيْء لَا يكون نفس الشَّيْء.
لَكِن جمع فِي " الْمِنْهَاج " وَغَيره، الدَّلِيل على دَلَائِل، وَهَذَا لَا يعرف.
قَالَ ابْن مَالك فِي " شرح الكافية ": (لم يَأْتِ " فعائل " جمعا لاسم جنس على وزن " فعيل " - فِيمَا أعلم - لكنه بِمُقْتَضى الْقيَاس جَائِز / فِي الْعلم الْمُؤَنَّث، ك " سعائد " جمع " سعيد " اسْم امْرَأَة) .
وَقَوْلهمْ: (وَكَيْفِيَّة الاستفادة مِنْهَا) مجرور بالْعَطْف على دَلَائِل.
أَي: معرفَة دَلَائِل الْفِقْه، وَمَعْرِفَة كَيْفيَّة الاستفادة من تِلْكَ الدَّلَائِل،
стр. 181
أَي: استنباط الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة مِنْهَا، وَذَلِكَ يرجع إِلَى معرفَة شَرَائِط الِاسْتِدْلَال، كتقديم النَّص على الظَّاهِر، والمتواتر على الْآحَاد، وَنَحْو مِمَّا سَيَأْتِي فِي التعادل وَالتَّرْجِيح، فَلَا بُد من معرفَة تعَارض الْأَدِلَّة، وَمَعْرِفَة الْأَسْبَاب الَّتِي يرجح بهَا بعض الْأَدِلَّة على بعض، وَإِنَّمَا جعل ذَلِك من أصُول الْفِقْه؛ لِأَن الْمَقْصُود من معرفَة أَدِلَّة الْفِقْه: استنباط الْأَحْكَام مِنْهَا، وَلَا يُمكن الاستنباط مِنْهَا إِلَّا بعد معرفَة التَّعَارُض وَالتَّرْجِيح؛ لِأَن دَلَائِل الْفِقْه مفيدة للظن غَالِبا، والمظنونات قَابِلَة للتعارض محتاجه إِلَى التَّرْجِيح، فَصَارَ معرفَة ذَلِك من أصُول الْفِقْه، قَالَه الْإِسْنَوِيّ.
وَقَوله: (وَحَال المستفيد) مجرور أَيْضا بالْعَطْف على دَلَائِل، أَي: وَمَعْرِفَة حَال المستفيد، وَهُوَ طَالب حكم الله تَعَالَى.
قَالَ الْإِسْنَوِيّ: (فَيدْخل الْمُجْتَهد والمقلد - كَمَا قَالَ فِي " الْحَاصِل " - لِأَن الْمُجْتَهد يَسْتَفِيد الْأَحْكَام من الْأَدِلَّة، والمقلد يستفيدها من الْمُجْتَهد.
وَإِنَّمَا كَانَ معرفَة تِلْكَ الشُّرُوط من أصُول الْفِقْه؛ لأَنا بَينا أَن الْأَدِلَّة قد تكون ظنية، وَلَيْسَ بَين الظني ومدلوله ارتباط عَقْلِي، لجَوَاز عدم دلَالَته عَلَيْهِ، فاحتيج إِلَى رابط وَهُوَ الِاجْتِهَاد.
стр. 182
فتلخص أَن معرفَة كل وَاحِد من هَذِه الثَّلَاثَة الْمَذْكُورَة من أصُول الْفِقْه) .
وَقَالَ التَّاج السُّبْكِيّ: (المُرَاد بالمستفيد: الْمُجْتَهد؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَسْتَفِيد الْأَحْكَام من أدلتها، [وَلَا يدْخل الْمُقَلّد؛ لِأَن الْفِقْه / لَيْسَ مَوْقُوفا على التَّقْلِيد بِوَجْه أصلا، فَلَا] يجوز أَن يكون جُزْءا من أصُول الْفِقْه، بِخِلَاف الِاجْتِهَاد؛ فَإِن الْفِقْه مَوْقُوف عَلَيْهِ، نعم إِذا عرف الْمُجْتَهد عرف أَن مَا سواهُ مقلد) انْتهى.
وَهُوَ أقعد من الَّذِي قبله.
القَوْل الرَّابِع قَالَه الرَّازِيّ وَمن تبعه: أَن أصُول الْفِقْه لقباً: (مَجْمُوع طرق الْفِقْه إِجْمَالا، وَكَيْفِيَّة الاستفادة مِنْهَا، وَحَال المستفيد) .
وَهُوَ أولى من [غَيره] لأوجه:
أَحدهَا: أَنه قَالَ: مَجْمُوع طرق الْفِقْه، وَلم يقل: معرفَة ذَلِك، وَقد تقدم أَن الْأَصَح أَن أصُول الْفِقْه: الْأَدِلَّة، لَا مَعْرفَتهَا.
стр. 183
الثَّانِي: أَن ذَلِك يَشْمَل الْقطعِي والظني، وَأما معرفَة الْأَدِلَّة فَلَا تَشْمَل إِلَّا الظني، إِلَّا على رَأْي يَأْتِي.
الثَّالِث: أَنه يَشْمَل كَيْفيَّة الإستفادة، وَحَال المستفيد، فَهُوَ أجمع من الْحَد الأول.
وَالْمرَاد بطرق الْفِقْه: أدلته، فَهِيَ موصلة إِلَيْهِ، وجمعت طرق لتنوع الْأَدِلَّة، ولإفادة أَن أصُول الْفِقْه أَنْوَاع يصدق على كل نوع مِنْهَا أَنه أصُول الْفِقْه؛ لِأَن طرق الْفِقْه إِذا كَانَت أنواعاً، وكل نوع مِنْهَا أصُول فقه، كَانَ كل من الْأُمُور الثَّلَاثَة كَذَلِك، فَكل من علم الطّرق، وَعلم الاستفادة، وَعلم حَال المستفيد، تَحْتَهُ أَنْوَاع.
إِذا علم ذَلِك، فانقسام أصُول الْفِقْه إِلَى كل أَنْوَاعه من قسْمَة الْكُلِّي إِلَى جزئياته، لَا من قسْمَة الْكل إِلَى أَجْزَائِهِ، وَلِهَذَا لم يصر علما بالغلبة إِلَّا جمعا مُلَاحظَة لهَذَا الْمَعْنى، فَتَأَمّله فَإِنَّهُ نَفِيس، قَالَه الْبرمَاوِيّ.
قَوْله: ﴿والأصولي: من عرفهَا﴾ .
هَذَا تَعْرِيف الأصولي من هُوَ؟ وَهُوَ نِسْبَة إِلَى الْأُصُول، وَهُوَ من قَامَ بِهِ
стр. 184
الْأُصُول، وَقيام الْأُصُول بِهِ مَعْنَاهُ: مَعْرفَته إِيَّاه، وَهُوَ الْجمع، لِأَنَّهُ مُسَمّى بِهِ كالأنصاري وَنَحْوه، وَلَو لم يسم بِهِ لم تجز النِّسْبَة إِلَّا إِلَى الْمُفْرد / فَيُقَال: أُصَلِّي.
إِذا علم ذَلِك؛ ونسبناه إِلَيْهَا، فَلَا بُد أَن يكون قد عرفهَا وحررها وأتقنها، فبذلك يُسمى أصولياً، كَمَا أَن من أتقن الْفِقْه وحرره يُسمى فَقِيها، وَمن أتقن الطِّبّ يُسمى طَبِيبا، وَنَحْو ذَلِك، وَهُوَ وَاضح.
قَوْله: ﴿وغايتها: معرفَة أَحْكَام الله تَعَالَى وَالْعَمَل بهَا﴾ .
قد تقدم أَنه لابد لكل من طلب علما أَن يتصوره بِوَجْه مَا، وَيعرف غَايَته، وَمَا يستمد مِنْهُ، فَذَكرنَا تصور أصُول الْفِقْه قبل، وَهُوَ مَا ذكر من حَده مُضَافا ومضافاً إِلَيْهِ، وَحَال كَونه مركبا لقباً.
وَأما معرفَة غَايَة أصُول الْفِقْه فَهُوَ فَائِدَته، وَهُوَ التَّوَصُّل إِلَى استنباط الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة، أَو معرفَة كَيفَ استنبطت إِذا تعذر إِمْكَان الاستنباط وَالِاجْتِهَاد، وليستند الْعلم إِلَى اصله، وَذَلِكَ موصل إِلَى الْعَمَل، وَالْعَمَل موصل إِلَى خيري الدُّنْيَا وَالْآخِرَة.
стр. 185
قَوْله: ﴿فَيجب [تَقْدِيم] مَعْرفَتهَا [على الْفُرُوع] عِنْد ابْن عقيل، وَابْن الْبَنَّا [وَجمع] ﴾ .
مِنْهُم: القَاضِي عبد الْجَبَّار المعتزلي، وَغَيرهم، ليتَمَكَّن بهَا من معرفَة الْفُرُوع.
قَوْله: ﴿وَهُوَ ظَاهر كَلَام أبي بكر، وَابْن أبي
стр. 186
مُوسَى، وَأبي الْبَقَاء﴾ .
قَالَ فِي " آدَاب الْمُفْتى " لما ذكر هَذَا القَوْل: (وَلِهَذَا ذكره القَاضِي، وَابْن أبي مُوسَى، وَابْن الْبَنَّا، وَأَبُو بكر عبد الْعَزِيز، فِي أَوَائِل كتبهمْ الفروعية) .
قَالَ أَبُو الْبَقَاء العكبري: (أبلغ مَا توصل بِهِ إِلَى إحكام الْأَحْكَام إتقان أصُول الْفِقْه وطرف من أصُول الدّين) انْتهى.
стр. 187
قَوْله: ﴿وَعكس القَاضِي، وَابْن حمدَان، وَجمع﴾ . فَذَهَبُوا إِلَى تَقْدِيم الْفُرُوع؛ ليتَمَكَّن الأصولي بهَا، ولتحصل لَهُ الدربة والملكة.
قلت: الَّذِي يظْهر أَنه لَا بُد للأصولي من معرفَة بعض الْفِقْه، وَلَا يُمكن معرفَة الْفِقْه على الْحَقِيقَة إِلَّا بِمَعْرِِفَة الْأُصُول.
قَوْله: ﴿وَحكى ابْن حمدَان، وَالشَّيْخ تَقِيّ الدّين، / وَابْن قَاضِي الْجَبَل، الْخلاف فِي الْأَوْلَوِيَّة، [وَهُوَ] أولى، أَو يحمل الأول عَلَيْهِ﴾ .
اخْتلف الْأَصْحَاب فِي مَحل الْخلاف فِي هَذِه الْمَسْأَلَة: هَل هُوَ الْوُجُوب، أَو الْأَوْلَوِيَّة؟
فَفِي " مسودة بني تَيْمِية "، وَقَالَهُ ابْن حمدَان فِي " رعايته "، وَابْن قَاضِي الْجَبَل: (أَن الْخلاف فِي الْأَوْلَوِيَّة لَا فِي الْوُجُوب) ، وَهُوَ أظهر؛ لِأَن غَالب طلبة الْعلم من أَرْبَاب الْمذَاهب الْأَرْبَعَة، لم نر أحدا مِنْهُم، وَلَا سمعنَا انه اشْتغل أَولا إِلَّا فِي الْفِقْه من غير نَكِير من الْعلمَاء، ثمَّ يشتغلون بعد ذَلِك فِي الْأُصُول وَفِي غَيرهَا.
قَالَ ابْن حمدَان فِي " آدَاب الْمُفْتِي "، وَابْن مُفْلِح فِي " أُصُوله " وَغَيرهمَا: (إِن مَحل الْخلاف فِي الْوُجُوب) ، ونقلوا ذَلِك عَمَّن اخْتَارَهُ قبل.
стр. 188
فَإِن أبقينا الْوُجُوب على ظَاهره، فَالْقَوْل بالأولوية أقوى وَأظْهر، وَإِن حملنَا كَلَامهم فِي الْوُجُوب على الْأَوْلَوِيَّة ارْتَفع الْخلاف، وَيصِح حمله على ذَلِك على مَا يَأْتِي، وَإِن كَانَ ظَاهره خلاف ذَلِك، وَإِنَّمَا أولنا ذَلِك ليُوَافق عمل النَّاس قَدِيما وحديثاً، وَالله أعلم.
قَوْله: ﴿ومعرفتها فرض كِفَايَة﴾ .
يَعْنِي: معرفَة أصُول الْفِقْه، وَهَذَا الصَّحِيح، وَعَلِيهِ أَكثر الْأَصْحَاب.
قَالَ فِي " آدَاب الْمُفْتِي ": (وَالْمذهب أَنه فرض كِفَايَة كالفقه) . ﴿وَقيل: فرض عين﴾ .
قَالَ فِي " آدَاب الْمُفْتِي ": (وَقد ذكر ابْن عقيل: أَنه فرض عين،
стр. 189
وَقَالَ العالمي الْحَنَفِيّ: هُوَ فرض عين على من أَرَادَ الِاجْتِهَاد وَالْفَتْوَى وَالْقَضَاء، فرض كِفَايَة على غَيرهم، وَهُوَ أولى إِن شَاءَ الله تَعَالَى) انْتهى.
وَاخْتَارَهُ أَيْضا ابْن الصقال من أَصْحَابنَا، وَالشَّيْخ تَقِيّ الدّين.
قَالَ ابْن مُفْلِح فِي " أُصُوله " لما حكى هَذَا القَوْل: (وَالْمرَاد للِاجْتِهَاد، وَهِي لفظية) .
وَهُوَ كَمَا قَالَ، فَإِن من أَرَادَ الِاجْتِهَاد لابد من معرفَة أصُول الْفِقْه، على مَا يَأْتِي فِي شُرُوط الِاجْتِهَاد، فَالْخِلَاف لَفْظِي.
قَوْله: ﴿وتستمد من أصُول الدّين - فَلهَذَا أذكر مِنْهَا بعض الْمُتَعَلّق بهَا - والعربية، وتصور / الْأَحْكَام﴾ .
стр. 190
يَعْنِي: تستمد أصُول الْفِقْه من ثَلَاثَة أَشْيَاء، وَوجه الْحصْر الاستقراء، وَأَيْضًا؛ فالتوقف إِمَّا أَن يكون من جِهَة ثُبُوت حجية [الْأَدِلَّة] فَهُوَ أصُول الدّين، وَإِمَّا أَن يكون التَّوَقُّف من جِهَة دلَالَة الْأَلْفَاظ على الْأَحْكَام فَهُوَ الْعَرَبيَّة بأنواعها، وَإِمَّا أَن يتَوَقَّف من جِهَة تصور مَا يدل بهَا عَلَيْهِ فَهُوَ الْأَحْكَام.
فَهَذِهِ ثَلَاثَة أَشْيَاء تستمد مِنْهَا أصُول الْفِقْه.
أَحدهَا: استمداده من أصُول الدّين؛ وَذَلِكَ لتوقف معرفَة كَون الْأَدِلَّة الْكُلية حجَّة شرعا على معرفَة الله تَعَالَى بصفاته، وَصدق رَسُول ﷺ َ - فِيمَا جَاءَ بِهِ عَنهُ، ويتوقف صدقه على دلَالَة المعجزة.
وَلِهَذَا ذكرت فِي هَذَا الْمُخْتَصر من أصُول الدّين بعض الْمُتَعَلّق بأصول الْفِقْه، كل مَسْأَلَة فِي مَكَانهَا الْمُتَعَلّق بهَا، وَقد ذكره الأصوليون ضمنا، لأجل التَّعَلُّق الْمَذْكُور.
الثَّانِي: استمداده من الْعَرَبيَّة؛ وَذَلِكَ [ لتوقف] فهم مَا يتَعَلَّق بهَا من الْكتاب وَالسّنة وَغَيرهمَا عَلَيْهَا.
стр. 191
فَإِن كَانَ من حَيْثُ الْمَدْلُول: فَهُوَ علم اللُّغَة، أَو من أَحْكَام تركيبها: فَعلم النَّحْو، أَو من أَحْكَام أفرادها: فَعلم التصريف، أَو من جِهَة مطابقته لمقْتَضى الْحَال وسلامته من التعقيد ووجوه الْحسن: فَعلم الْبَيَان بأنواعه الثَّلَاثَة.
الثَّالِث: استمداده من تصور الْأَحْكَام.
أَعنِي: تصور أَحْكَام التَّكْلِيف؛ فَإِنَّهُ لابد من تصورها ليتَمَكَّن من إِثْبَاتهَا ونفيها، ولتوقف معرفَة كَيْفيَّة الاستنباط عَلَيْهِ، وَالْحكم على الشَّيْء فرع تصَوره، دون إِثْبَات الْأَحْكَام فِي آحَاد الْمسَائِل، فَإِن ذَلِك من الْفِقْه، وَهُوَ يتَوَقَّف على الْأُصُول، فيدور.
стр. 192
قَوْله: ﴿فصل﴾
﴿الدَّال: الناصب للدليل، / قَالَه الإِمَام أَحْمد﴾ .
فَقَالَ: (الدَّال الله، وَالدَّلِيل الْقُرْآن) .
﴿و﴾ قَالَه ﴿أَبُو الْخطاب﴾ فِي " التَّمْهِيد "، فَقَالَ: (الدَّال الناصب للدليل، وَهُوَ صَاحب الشَّرْع، وَلِأَن كل من نصب الدَّلِيل يُسمى دَالا) .
﴿و﴾ قَالَه أَبُو إِسْحَاق ﴿الشِّيرَازِيّ﴾ فِي " اللمع " فَقَالَ: (الدَّلِيل المرشد إِلَى الْمَطْلُوب، وَأما الدَّال فَهُوَ الناصب للدليل، وَهُوَ الله .
﴿و﴾ قَالَه ﴿صَاحب رَوْضَة فقهنا﴾ فَقَالَ: (الدَّال هُوَ الناصب للدليل) . فَجعلُوا الدَّال غير الدَّلِيل.
стр. 193
قَالَ أَبُو الْفرج الْمَقْدِسِي فِي مُقَدّمَة إِيضَاح الْفِقْه: (وَقيل: الدَّلِيل هُوَ الله؛ لِأَنَّهُ هُوَ الناصب للأدلة والمظهر لَهَا، وَالدَّال: هُوَ الناصب للدليل) انْتهى.
﴿وَقَالَ كثير: الدَّلِيل﴾ .
أَي: قَالَ كثير من الْعلمَاء: إِن الدَّال هُوَ الدَّلِيل، وَعَلِيهِ أَكثر الْمُتَأَخِّرين، " فعيل " بِمَعْنى " فَاعل " كعليم وعالم وَسميع وسامع وَنَحْوهمَا، فالدليل بِمَعْنى الدَّال فهما بِمَعْنى وَاحِد، من دلّ دلَالَة، بِفَتْح الدَّال على الْأَفْصَح، وبكسرها.
وَقيل: بِالْفَتْح فِي الْأَعْيَان، وبالكسر فِي الْمعَانِي.
تَقول: دلّ على الطَّرِيق دلَالَة، وَدلّ الدَّلِيل على الحكم دلَالَة.
وَمعنى الدّلَالَة: الْإِرْشَاد إِلَى الشَّيْء.
﴿وَالدَّلِيل لُغَة﴾ : إِمَّا ﴿المرشد﴾ حَقِيقَة، ﴿و﴾ إِمَّا ﴿مَا بِهِ الْإِرْشَاد﴾ .
стр. 194
وَقد قسم الْآمِدِيّ وَمن تبعه الدَّلِيل إِلَى قسمَيْنِ.
أَحدهمَا: المرشد، وَالثَّانِي: مَا بِهِ الْإِرْشَاد.
والمرشد: هُوَ الناصب للعلامة والذاكر لَهَا.
قَالَ القَاضِي عضد الدّين بعد أَن ذكر كَلَام الْآمِدِيّ: (وَلَا يبعد أَن يَجْعَل للمرشد " مَا بِهِ الْإِرْشَاد " أَيْضا، وللمعاني الثَّلَاثَة، فَإِن " مَا بِهِ الْإِرْشَاد " يُقَال لَهُ: المرشد، مجَازًا فَيُقَال: الدَّلِيل على الصَّانِع: هُوَ الصَّانِع، أَو الْعَالم) .
وَقَالَ الْأَصْفَهَانِي: (الدَّلِيل المرشد، وَمَا بِهِ الْإِرْشَاد، والمرشد: هُوَ الناصب للعلامة أَو الذاكر لَهَا، وَمَا بِهِ الْإِرْشَاد: الْعَلامَة / الَّتِي نصبت للتعريف.
قَالَ: وَيُمكن أَن يكون " مَا بِهِ الْإِرْشَاد " فِي كَلَام ابْن الْحَاجِب مَعْطُوفًا على الذاكر، لِأَن المرشد كَمَا يُطلق على الناصب للعلامة، يُطلق على الْعَلامَة
стр. 195
المنصوبة، إِذْ الْفِعْل قد ينْسب إِلَى الْآلَة - كَمَا يُقَال: السكين قَاطع) انْتهى.
وَالْمَقْصُود أَن المرشد: إِمَّا الناصب، أَو الَّذِي بِهِ الْإِرْشَاد من العلامات مثلا، وَإِمَّا الذاكر لذَلِك.
فَفِيمَا نَحن فِيهِ: الناصب: هُوَ الله، والذاكر: هُوَ الرَّسُول ﷺ َ -، وَمَا بِهِ الْإِرْشَاد، هُوَ كتاب الله وَسنة رَسُوله ﷺ َ - وَمَا نَشأ عَنْهُمَا من الْإِجْمَاع وَالْقِيَاس وَغَيرهمَا.
تَنْبِيه: لما كَانَ أصُول الْفِقْه مستمداً من الْمَوَاضِع الثَّلَاثَة الْمُتَقَدّمَة، وَكَانَ مبادئه مِنْهَا، شرعنا فِي ذكرهَا، وَهُوَ مِمَّا لَهُ تعلق بأصول الدّين وَمِنْه الدَّلِيل، وَهَذِه هِيَ مبادئ أصُول الدّين.
ورده الْأَصْفَهَانِي وَقَالَ: (وَالْأولَى أَن يُقَال: لما ذكر ابْن الْحَاجِب فِي حدي أصُول الْفِقْه الدَّلِيل، وَلم يسْبق شَيْء يعرف مِنْهُ الدَّلِيل، أَرَادَ أَن يُشِير إِلَى مَعْنَاهُ) انْتهى.
قلت: الأول أولى.
وَقَالَ ابْن حمدَان فِي " مقنعة ": (قيل: يجب تَقْدِيم الْعلم؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُود من الْكل.
وَقيل: بل الْحَد؛ لِأَن بِهِ يعرف الْمَحْدُود وَغَيره.
وَقيل: بل النّظر؛ لتوقفهما عَلَيْهِ.
وَقيل: بل الْعقل؛ لتوقف الثَّلَاثَة عَلَيْهِ.
وَقيل: بأيها بَدَأَ جَازَ؛ لتَعلق بَعْضهَا بِبَعْض.
стр. 196
وَالدَّلِيل يقف على الْعقل وَالْحَد وَالنَّظَر، وَيقف عَلَيْهِ الْمَطْلُوب بِهِ وَهُوَ النتيجة) انْتهى.
قَوْله: ﴿وَشرعا﴾ .
أَي: الدَّلِيل عِنْد عُلَمَاء الشَّرِيعَة: ﴿مَا يُمكن التَّوَصُّل بِصَحِيح النّظر فِيهِ إِلَى مَطْلُوب خبري، عِنْد أَصْحَابنَا، وَغَيرهم﴾ ، مِنْهُم: أَكثر الْفُقَهَاء والأصوليين.
وَإِنَّمَا قَالُوا: مَا يُمكن، وَلم يَقُولُوا: مَا يتَوَصَّل، للْإِشَارَة إِلَى أَن الْمُعْتَبر التَّوَصُّل بِالْقُوَّةِ لَا بِالْفِعْلِ؛ لِأَن الدَّلِيل قد لَا ينظر فِيهِ / وَهُوَ دَلِيل.
وَخرج بقوله: (مَا يُمكن) ، مَا لَا يُمكن التَّوَصُّل بِهِ إِلَى الْمَطْلُوب، كالمطلوب نَفسه؛ فَإِنَّهُ لَا يُمكن التَّوَصُّل بِهِ إِلَيْهِ، أَو يُمكن التَّوَصُّل إِلَى الْمَطْلُوب لَكِن لَا بِالنّظرِ كسلوك طَرِيق يُمكن أَن يتَوَصَّل بهَا اتِّفَاقًا، أَو يُمكن لَا بِصَحِيح النّظر بل بفاسده ككاذب الْمَادَّة فِي اعْتِقَاد النَّاظر، أَو
стр. 197
يُمكن التَّوَصُّل بصحيحه لَكِن لمطلوب تصوري - لَا تصديقي خبري - وَهُوَ الْحَد والرسم، فَلَا يُسمى شَيْء من ذَلِك دَلِيلا، لَكِن يدْخل فِيهِ مَا يُفِيد الْقطع وَالظَّن، وَهُوَ مَذْهَب أَصْحَابنَا وَأكْثر الْفُقَهَاء والأصوليين كَمَا تقدم؛ لِأَن مطلوبهم عمل، وَهُوَ لَا يتَوَقَّف على الْيَقِين.
﴿وَقيل - وَجزم بِهِ﴾ ابْن عقيل ﴿فِي " الْوَاضِح " -: إِلَى الْعلم بِهِ﴾ .
أَي: مَا يُفِيد الظَّن لَا يُسمى دَلِيلا بل إِمَارَة، فَلَا يُسمى دَلِيلا إِلَّا مَا يُفِيد الْعلم، وَهُوَ اصْطِلَاح الْمُتَكَلِّمين، وَنَقله الْآمِدِيّ عَن الْأُصُولِيِّينَ، لِأَن مطلوبهم يَقِين، فيزاد فِي الْحَد: إِلَى الْعلم بالمطلوب.
فَيُقَال: مَا يُمكن التَّوَصُّل بِصَحِيح النّظر إِلَى الْعلم بالمطلوب الخبري.
стр. 198
وَخرج من التَّعْرِيف بذلك: الدَّلِيل بعد تَمَامه مُرَتبا صَحِيح الْمَادَّة وَالصُّورَة كَمَا تقدم، فَإِنَّهُ قد حصل بِهِ الْمَطْلُوب، أَي: فَلَا يحصل مَا هُوَ حَاصِل، وَلَا يُسمى دَلِيلا، وَلَا يتَوَصَّل بِهِ.
وَيدخل فِيهِ - أَيْضا -: مَا فسد فِيهِ الدَّلِيل لفساد صورته، لَكِن مادته صَحِيحَة.
﴿وَقيل: قَولَانِ فَصَاعِدا عَنهُ قَول آخر﴾ .
قَالَت المناطقة: الدَّلِيل تصديقان فَصَاعِدا يكون عَنهُ تَصْدِيق آخر، فَالْمُرَاد بالتصديقين الْقَوْلَانِ.
стр. 199
وَقَوله: فَصَاعِدا؛ مَبْنِيّ على جَوَاز الْقيَاس الْمركب، وَهُوَ مَا كَانَ فِيهِ أَكثر من مقدمتين، وعَلى ذَلِك جرى ابْن ابْن الْحَاجِب وَجمع.
وَأما من يرى أَن ذَلِك قياسان لَا قِيَاس وَاحِد لَا يحْتَاج أَن يَقُول: فَصَاعِدا، بل يَقُول: تصديقان عَنْهُمَا تَصْدِيق ثَالِث.
لَكِن لابد على الْقَوْلَيْنِ أَن يكون على وَجه ينْتج الحكم الْمَطْلُوب؛ بِأَن يكون على القانون الْمُبين فِي الْمنطق المبرهن / على صِحَّته، أَفَادَ الْقطع أَو الظَّن.
﴿وَقيل: يسْتَلْزم لنَفسِهِ﴾ يَعْنِي: يسْتَلْزم قولا آخر لنَفسِهِ، أَعم من أَن يكون الاستلزام بَينا أَو غَيره، فَيتَنَاوَل الأشكال الْأَرْبَعَة وَغَيرهَا.
وَيخرج بقوله: يسْتَلْزم لنَفسِهِ: الأمارة؛ فَإِنَّهَا لَا تَسْتَلْزِم لنَفسهَا قولا أخر؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَين الأمارة وَمَا تفيده ربط عَقْلِي يَقْتَضِي لُزُوم القَوْل الآخر عَنْهَا.
стр. 200
وَيخرج قِيَاس الْمُسَاوَاة، نَحْو: " أ " مساوٍ ل " ب " و " ب " مسَاوٍ ل " ج " فَيلْزم " أ " مسَاوٍ ل " ج "، وَلَكِن لَا لنَفسِهِ بل بِوَاسِطَة مُقَدّمَة أَجْنَبِيَّة، أَي: مُقَدّمَة غير لَازِمَة لإحدى مقدمتي الْقيَاس، وَهُوَ قَوْلنَا: كل مَا هُوَ مسَاوٍ ل " ب " مسَاوٍ ل " ج ".
﴿وَقيل: المُرَاد بالْقَوْل: تصور الْمَعْنى﴾ .
يَعْنِي بالْقَوْل الَّذِي فِي قَوْله: قَولَانِ فَصَاعِدا عَنهُ قَول آخر، قَالَ الْأَصْبَهَانِيّ فِي " شَرحه " - بعد مَا شرح مَا تقدم وَقيل يسْتَلْزم لنَفسِهِ فَتخرج الأمارة -: (وَقَول من قَالَ: إِن ذكر خُصُوصِيَّة القَوْل [ملغى] ؛ إِذْ استحضار الْمَعْنى على وَجه يكون ملزوماً - وَلَو لم يتخيل القَوْل، وَلم يتَلَفَّظ بِهِ - يكون دَلِيلا، إِلَّا إِذا كَانَ فِي الِاصْطِلَاح مَخْصُوصًا بالْقَوْل، وَحِينَئِذٍ يجب تَخْصِيص " مَا " فِي قَوْله " مَا يُمكن " أَيْضا بالْقَوْل فِيهِ مَا فِيهِ، لجَوَاز أَن يصطلح قوم على تَخْصِيص الدَّلِيل بالْقَوْل وَقوم على عدم [اخْتِصَاصه] بِهِ) انْتهى.
فَائِدَة: على القَوْل الأول للمناطقة سَوَاء قَالُوا: قَولَانِ فَصَاعِدا، أَو قَولَانِ فَقَط، يسمون ذَلِك قِيَاسا، أَفَادَ الْقطع أَو الظَّن وَالْقِيَاس نَوْعَانِ: اقتراني، واستثنائي.
стр. 201
فالاقتراني مَا كَانَت [مقدمتاه] خبريتين، نَحْو: (الْعَالم متغير، وكل متغير حَادث) ، ينْتج (الْعَالم حَادث) ؛ لِأَن الْمَحْكُوم عَلَيْهِ فِي الْمُقدمَة الأولى - وَهُوَ الْمُسَمّى بالموضوع - قد اندرج فِي الْمَحْكُوم بِهِ فِيهَا - وَهُوَ الْمُسَمّى الْمَحْمُول - وَهَذَا الْمَحْمُول مندرج تَحت مَحْمُول الثَّانِيَة؛ لِأَنَّهُ مَوْضُوع لَهُ، فَلَزِمَ اندراج مَوْضُوع الأولى: تَحت مَحْمُول الثَّانِيَة، وَسقط الْوسط المكرر. وَيُسمى مَوْضُوع الأول الْحَد الْأَصْغَر، ومحمول الثَّانِيَة: الْحَد الْأَكْبَر، وَالْوسط المكرر: الْحَد [الْأَوْسَط] .
وَتسَمى ذَات الْأَصْغَر: الصُّغْرَى، وَذَات الْأَكْبَر: الْكُبْرَى.
وَهَذَا هُوَ الشكل الأول الَّذِي هُوَ عِنْدهم ضَرُورِيّ الإنتاج بِشَرْطِهِ.
فَأَما إِذا كَانَ الْحَد المكرر مَوْضُوعا فِي الصُّغْرَى، مَحْمُولا فِي الْكُبْرَى، - عكس مَا سبق - فَهُوَ الشكل الرَّابِع، نَحْو: " أ " " ب " وكل [" ب " " أ "] أَو كَانَ مَحْمُولا فِي المقدمتين، فَهُوَ الشكل الثَّانِي، نَحْو: كل " أ " " ب " وكل " ج "
стр. 202
" ب "، أَو كَانَ مَوْضُوعا فِي المقدمتين، فَهُوَ الشكل الثَّالِث، نَحْو: كل " ب " " أ " وكل " ب " " ج ".
وَلَا ينْتج شَيْء من هَذِه الثَّلَاثَة إِلَّا بعد الرَّد إِلَى الأول الْمَلْزُوم غَالِبا على الْوَجْه الْمُبين فِي الْفَنّ.
وَأما الاستثنائي فَهُوَ مَا كَانَ بِشَرْط أَو تَقْسِيم، فَالْأول يُسمى الْمُتَّصِل نَحْو: إِن كَانَ هَذَا إنْسَانا فَهُوَ حَيَوَان، وَيُسمى الشَّرْط مقدما وَالْجَزَاء تالياً، ثمَّ يسْتَثْنى ب " لَكِن " فَيُقَال: لكنه لَيْسَ بحيوان فَلَيْسَ إنْسَانا، أَو لكنه إِنْسَان فَهُوَ حَيَوَان، فَيحصل الإنتاج باستثناء نقيض التَّالِي فينتج نقيض الْمُقدم، وباستثناء عين الْمُقدم فينتج عين التَّالِي كَمَا مثلناه.
[لِأَنَّهُ يلْزم] من ثُبُوت الملوزم ثُبُوت اللَّازِم، وَمن انْتِفَاء اللَّازِم انْتِفَاء الْمَلْزُوم غَالِبا، أما اسْتثِْنَاء عين التَّالِي أَو نقيض عين الْمُقدم فَلَا ينتجان؛ لجَوَاز أَن يكون اللَّازِم أَعم من الْمَلْزُوم، أما إِذا اسْتَوَى الْمُقدم والتالي فِي التلازم فينتج فِي الْأَرْبَعَة، نَحْو: لَو كَانَ بشرا لَكَانَ إنْسَانا.
وَالثَّانِي يُسمى الْمُنْفَصِل نَحْو: الْعدَد إِمَّا زوج أَو فَرد لكنه زوج فَلَيْسَ بفرد، أَو فَرد فَلَيْسَ بِزَوْج، أَو لكنه لَيْسَ بِزَوْج فَهُوَ فَرد، أَو لَيْسَ بفرد فَهُوَ زوج.
وَهَذَا مُبين فِي مَوْضِعه، وَإِنَّمَا ذكرته أنموذجاً، وَمن أَرَادَ بَسطه فليطلبه فِي مظانه.
стр. 203
تَنْبِيهَانِ:
أَحدهمَا: الْحَاصِل من الْفرق بَين تَعْرِيف الدَّلِيل على رَأْي الْفُقَهَاء، وتعريفه على رَأْي المناطقة: أَن الدَّلِيل عِنْد المناطقة / هُوَ الْمَادَّة وَالصُّورَة وَعند غَيرهم هُوَ الْمَادَّة فَقَط، فَإِذا أُرِيد الدَّلِيل على إِثْبَات الصَّانِع بحدوث مصنوعه - وَهُوَ الْعَالم - كَانَ مَجْمُوع قَوْلنَا: (الْعَالم حَادث وكل حَادث لَهُ صانع) هُوَ الدَّلِيل على أَن الْعَالم لَهُ صانع عِنْد المناطقة، وَالدَّلِيل عِنْد غَيرهم (الْعَالم) فَقَط؛ لِأَن النّظر فِيهِ يتَوَصَّل بِهِ إِلَى الْمَطْلُوب، أما بعد أَن يَتَرَتَّب وَيحصل الْمَطْلُوب [فَكيف] يكون دَلِيلا؟ وَرجح رَأْي المناطقة؛ بِأَن النّظر إِلَى دلَالَة الشَّيْء بِالْفِعْلِ أقوى من النّظر إِلَيْهِ بِاعْتِبَار دلَالَته بِالْقُوَّةِ، وَالله أعلم.
الثَّانِي: إِذا كَانَ مُقَدمَات الدَّلِيل كلهَا قَطْعِيَّة لم ينْتج إِلَّا [قَطْعِيا] ، وَيُسمى حِينَئِذٍ برهاناً، كَمَا تقدم فِي: (الْعَالم حَادث) ، وَإِن كَانَت مقدماته كلهَا أَو بَعْضهَا ظنية لم ينْتج إِلَّا ظنياً؛ لِأَن النتيجة دَائِما تتبع أدون المقدمتين.
مِثَاله: الْوضُوء عبَادَة، وكل عبَادَة بنية، ينْتج: أَن الْوضُوء بنية.
وَمِثَال مَا [إِحْدَى] مقدماته قَطْعِيَّة وَالْأُخْرَى ظنية: قَوْلنَا: صَلَاة الظّهْر فرض، وكل فرض يشرع لَهُ الْأَذَان، فَصَلَاة الظّهْر يشرع لَهَا الْأَذَان، فَالْأولى قَطْعِيَّة وَالثَّانيَِة ظنية.
стр. 204
قَوْله: ﴿وَيحصل الْمَطْلُوب عقبه عَادَة [مكتسباً] ، وَقيل: ضَرُورَة﴾ .
اخْتلف المتكلمون فِي حُصُول الْمَطْلُوب بعد الْإِتْيَان بِالدَّلِيلِ، هَل هُوَ مكتسب أَو ضَرُورِيّ؟ على قَوْلَيْنِ:
ذهب أَكْثَرهم إِلَى أَنه مكتسب بقدرة حَادِثَة، وَعَلِيهِ أَكثر الأشاعرة.
وَذهب الْأُسْتَاذ وَأَبُو الْمَعَالِي فِي " الْبُرْهَان " [إِلَى] أَنه وَاقع بقدرة الله اضراراً، إِذْ لَو لم يكن كَذَلِك لأمكنه تَركه، وَلَا يُمكنهُ تَركه، فَدلَّ أَنه اضطراري.
قلت: هَذِه الْمَسْأَلَة قريبَة من مَسْأَلَة التَّوَاتُر وَحُصُول الْعلم بِهِ، وَالصَّحِيح هُنَاكَ أَن خبر التَّوَاتُر لَا يُولد الْعلم، وَيَقَع عِنْده بِفعل الله تَعَالَى عِنْد الْفُقَهَاء وَغَيرهم، على مَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
وَقد أَطَالَ الكوراني فِي " شرح جمع الْجَوَامِع " هُنَا، وَذكر أَن فِي الْمَسْأَلَة
стр. 205
/ ثَلَاثَة أَقْوَال، قَول الأشاعرة، وَقَول الْمُعْتَزلَة، وَقَول الفلاسفة، فَقَالَ: قَالَت الأشاعرة: يجب عَادَة لَا عقلا، إِذْ لَا وجوب وَلَا إِيجَاب على الله تَعَالَى، لَكِن جرت الْعَادة بِأَن يفِيض على نفس الْمُسْتَدلّ - بعد النّظر الصَّحِيح مَادَّة وَصُورَة - مَطْلُوبَة الَّذِي توجه إِلَى تَحْصِيله.
وَذَهَبت الْمُعْتَزلَة إِلَى أَن حُصُوله بالتوليد، والتوليد هُوَ: أَن يُوجد وجود شَيْء وجود شَيْء آخر، كالنظر هُنَا فَإِنَّهُ وجد من النَّاظر بِلَا وَاسِطَة، وبواسطته تولد مِنْهُ الْمَطْلُوب، فالنظر فعل النَّاظر من غير وَاسِطَة، والنتيجة الْحَاصِلَة بعده فعله بِوَاسِطَة، فيسمى توليداً، فعندهم كل فعل صدر عَن الْحَيَوَان بِلَا وَاسِطَة يُسمى: مُبَاشرَة، وكل فعل احْتَاجَ فِي صدوره إِلَى وَاسِطَة: توليداً.
وَذَهَبت الفلاسفة إِلَى اللُّزُوم الْعقلِيّ، أَي: بعد اشْتِمَال النّظر على الشَّرَائِط الْمُعْتَبرَة لَا يجوز التَّخَلُّف بِوَجْه، لما تقرر عِنْدهم من أَن المبدأ [تَمام] الْفَيْض، وَالنَّفس بِوَاسِطَة الْمُقدمَات الْمرتبَة الْمُشْتَملَة على شَرَائِط الصِّحَّة مَادَّة وَصُورَة [قد] استعدت لقبُول الْفَيْض، فَلَا يجوز التَّخَلُّف، إِذْ لَا مَانع من الطَّرفَيْنِ.
وَالْجَوَاب: أَن الْمُخْتَار لَا يجب عَلَيْهِ شَيْء، وَقد أثبتنا فِي مَحَله أَنه مُخْتَار .
وَمِمَّا يجب التَّنْبِيه لَهُ: أَن الْمُعْتَزلَة وَإِن قَالُوا بالتوليد لَكِن وافقوا الفلاسفة، إِذْ التوليد لَازم للمباشرة، كحركة الْمِفْتَاح بحركة الْيَد) .
стр. 206
ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك: (لَا خلاف عِنْدهم فِي أَن الْعلم الْحَاصِل - أَو الظَّن - بعد النّظر فِي الدَّلِيل مكتسب، لِأَن كل استدلالي [كسبي] وَلَا عكس، وَمَا نقل عَن بعض الْمَشَايِخ: أَن الْعلم الْحَاصِل بعد النّظر ضَرُورِيّ، مَعْنَاهُ: انه لَا تَأْثِير لقدرة العَبْد فِيهِ، لَا أَنه لَا يحْتَاج إِلَى [الْكسْب] ، إِذْ كل نَظَرِي كسبي إِجْمَاعًا، / وَلَا عكس) انْتهى.
وَقَوْلنَا: (وَيحصل الْمَطْلُوب) ، أولى من قَول من قَالَ: (وَيحصل الْعلم) ؛ لِأَن الْمَطْلُوب يَشْمَل الْعلم وَالظَّن، لِأَن الدَّلِيل مُشْتَمل على كل مِنْهُمَا كَمَا تقدم، بِخِلَاف من قَالَ: الْعلم، فَإِنَّهُ يخرج من ذَلِك الظَّن.
قَوْله: ﴿والمستدل: الطَّالِب للدليل من سَائل ومسؤول، قَالَه﴾ القَاضِي ﴿فِي " الْعدة " و﴾ ، أَبُو الْخطاب فِي ﴿" التَّمْهِيد " و﴾ ، ابْن عقيل فِي ﴿" الْوَاضِح "﴾ .
стр. 207
ذكرنَا هُنَا مسَائِل لَهَا تعلق بِالدَّلِيلِ كالمستدل نَفسه، والمستدل بِهِ، والمستدل عَلَيْهِ، والمستدل لَهُ، وَنَحْوهَا فَإِنَّهَا من مَادَّة الدَّلِيل.
فالمستدل: اسْم فَاعل من اسْتدلَّ يسْتَدلّ فَهُوَ مستدل، وَالْفِعْل مِنْهُ مَبْنِيّ للطلب غَالِبا، كاستغفر واستخرج وَنَحْوهمَا، وَذَلِكَ لِأَن السَّائِل يطْلب الدَّلِيل من المسؤول، والمسؤول يطْلب الدَّلِيل من الْأُصُول، قَالَ أَبُو الْفرج الْمَقْدِسِي: (السَّائِل مستدل) .
قَوْله: ﴿قَالَ الإِمَام أَحْمد: الدَّال: الله، وَالدَّلِيل: الْقُرْآن، والمبين: الرَّسُول، الْمُسْتَدلّ: أولو الْعلم، هَذِه قَوَاعِد الْإِسْلَام﴾ .
إِنَّمَا أخرنا كَلَام الإِمَام إِلَى هَذَا الْمحل؛ لنستدل بِهِ على مَا ذَكرْنَاهُ قبل ذَلِك من الدَّال وَالدَّلِيل والمبين والمستدل.
وَقَوله: هَذِه قَوَاعِد الْإِسْلَام؛ الَّذِي يظْهر أَن مَعْنَاهُ: أَن قَوَاعِد الْإِسْلَام ترجع إِلَى الله تَعَالَى، وَإِلَى قَوْله وَهُوَ الْقُرْآن، وَإِلَى رَسُوله ﷺ َ - وَإِلَى عُلَمَاء الْأمة، لم يخرج شَيْء من أَحْكَام الْمُسلمين وَالْإِسْلَام عَنْهَا.
قَوْله: وَالدَّلِيل: الْقُرْآن.
قَالَ الْفَخر أَبُو مُحَمَّد إِسْمَاعِيل الْبَغْدَادِيّ: (هَذَا دَلِيل على أَن الدَّلِيل حَقِيقَة قَول الله تَعَالَى) .
стр. 208
قَوْله: ﴿والمستدل بِهِ: مَا يُوجب الحكم﴾ . الْمُسْتَدلّ بِهِ اسْم مفعول، لَكِن هَل هُوَ الدَّلِيل أَو أَعم مِنْهُ؟
فَإِن كَانَ هُوَ الدَّلِيل حصل التّكْرَار فِي الْمُخْتَصر، فَإِنَّهُ يُقَال مثلا: هَذِه الْآيَة دَلِيل كَذَا وَاسْتدلَّ بهَا لكذا.
وَإِن كَانَ غَيره فَيكون / أَعم من الدَّلِيل، فَذكر الْأَعَمّ بعد الْأَخَص، وَهُوَ كثير فِي كَلَامهم، وَعَكسه وَهُوَ ذكر الْأَخَص بعد الْأَعَمّ.
وتابعت فِي " الْمُخْتَصر " صَاحب " الرَّوْضَة فِي الْفِقْه " من أَصْحَابنَا؛ فَإِنَّهُ ذكر الدَّلِيل وَذكر الْمُسْتَدلّ بِهِ، فَقَالَ: (الدَّلِيل: هُوَ الْموصل إِلَى الْمَقْصُود والمرشد إِلَى الْمَطْلُوب، والمستدل بِهِ: هُوَ الْعلَّة الْمُوجبَة للْحكم) انْتهى.
وَظَاهره: أَن الدَّلِيل أَعم من الْمُسْتَدلّ بِهِ، خلافًا لما قُلْنَا أَولا.
وعَلى كل حَال حَيْثُ حصل التباين وَلَو بِوَجْه انْتَفَى التّكْرَار، وَالله أعلم.
قَوْله: ﴿والمستدل عَلَيْهِ: الحكم، فِي أَصَحهَا﴾ .
الْمُسْتَدلّ عَلَيْهِ - أَيْضا - اسْم مفعول، وَاخْتلفُوا فِيهِ، فَالْأَصَحّ أَنه الحكم، أَي: الحكم على الشَّيْء بِكَوْنِهِ حَلَالا أَو حَرَامًا أَو مُسْتَحبا أَو وَاجِبا وَنَحْوه، قطع بِهِ ابْن مُفْلِح فِي " أُصُوله "، وَغَيره.
وَحكى أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ فِي " شرح اللمع " فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال فَقَالَ: (أَحدهَا: أَنه الحكم، فَقَالَ: الْمُسْتَدلّ عَلَيْهِ: هُوَ الحكم الَّذِي هُوَ التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم؛ لِأَن الدَّلِيل يطْلب لَهُ، وَقيل: هُوَ الْخصم المناظر، وَقيل: هُوَ
стр. 209
مَذْهَب الْخصم الْمَطْلُوب فَسَاده) انْتهى.
قَوْله: ﴿والمستدل لَهُ: الْخصم، وَقيل: الحكم﴾ .
حكى الْقَوْلَيْنِ ابْن مُفْلِح وَغَيره، وَالَّذِي يظْهر أَن القَوْل الأول لَازم للثَّانِي، فَإِن الِاسْتِدْلَال فِي الْحَقِيقَة إِنَّمَا هُوَ للْحكم الَّذِي يَقُول بِهِ الْخصم، فالخصم يسْتَدلّ للْحكم الْقَائِل بِهِ وينصره، فَإِن الِاسْتِدْلَال لتَحْصِيل الحكم، أَو لكَون الْخصم قَائِلا بِهِ، فَهُوَ يسْتَدلّ لنَفسِهِ لَكِن لأجل الحكم الْقَائِل بِهِ.
قَوْله: ﴿وَتَأْتِي الدّلَالَة﴾ .
قَرِيبا، بعد الْكَلَام على الْمُفْرد والمركب، فِي الْكَلَام على اللُّغَة.
﴿وَالِاسْتِدْلَال﴾ بعد الجدل.
стр. 210
﴿والمدلول﴾ فِي التَّرْجِيح.
وَالْأَصْل فِي ذَلِك: أَن مَادَّة (دلّ) و (اسْتدلَّ) لكل مِنْهُمَا اسْم فَاعل وَاسم مفعول ومصدر.
فاسم الْفَاعِل من (دلّ) : (دَال) ، و (دَلِيل) - إِن قُلْنَا بِمَعْنى فَاعل -، وَاسم / الْمَفْعُول: (مَدْلُول) ، والمصدر: (دلَالَة) .
وَاسم الْفَاعِل من (اسْتدلَّ) : (مستدل) بِكَسْر الدَّال، وَاسم الْمَفْعُول بِفَتْحِهَا، والمصدر: (اسْتِدْلَال) ، لَكِن اسْم الْمَفْعُول مِنْهُ تَارَة يكون [مستدلاً] بِهِ و [مستدلاً] عَلَيْهِ، و [مستدلاً] لَهُ.
قَوْله: ﴿وَالنَّظَر - هُنَا -: فكر يطْلب بِهِ علم أَو ظن﴾ .
النّظر يُطلق لُغَة على الِانْتِظَار، وعَلى رُؤْيَة الْعين، وعَلى الْإِحْسَان، وعَلى الْمُقَابلَة، وعَلى الِاعْتِبَار.
стр. 211
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي الرَّد على [الجشت] : (النّظر لَهُ معَان عدَّة.
مِنْهَا: نظر الْعين كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وُجُوه يَوْمئِذٍ ناضرة، إِلَى رَبهَا ناظرة﴾ [الْقِيَامَة: ٢٢ - ٢٣] ، وَقَوله تَعَالَى: ﴿على الأرآئك ينظرُونَ﴾ [المطففين: ٢٣، و ٣٥] .
وَمِنْهَا نظر الْقلب كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿أولم ينْظرُوا فِي ملكوت السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ الْآيَة [الْأَعْرَاف: ١٨٥] .
وَمِنْهَا: معنى الْعَطف وَالرَّحْمَة كَقَوْلِه: ﴿وَلَا ينظر إِلَيْهِم﴾ [آل عمرَان: ٧٧] .
وَمِنْهَا: معنى الِانْتِظَار كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿هَل ينظرُونَ إِلَّا السَّاعَة﴾ [الزخرف: ٦٦] ، ﴿انظرونا نقتبس من نوركم﴾ [الْحَدِيد: ١٣] ، ﴿فناظرة بِمَ يرجع المُرْسَلُونَ﴾ [النَّمْل: ٣٥] .
وَمِنْهَا: معنى الْمُقَابلَة والمحاذاة، يُقَال: دَاري تناظر دَارك، أَي: تقَابلهَا، والموضع الْفُلَانِيّ ينظر إِلَى جِهَة كَذَا، أَي: يُقَابله ويحاذيه.
وَمِنْه النّظر: لِأَنَّهُ يُقَابل الآخر ويناظره، وَيُسمى المتحاجان: متناظرين؛ لِأَنَّهُمَا متقابلان تقَابل الشَّيْئَيْنِ المتواجهين، وَلِأَنَّهُمَا متعاونان على النّظر الَّذِي هُوَ التفكر وَالِاعْتِبَار، طلبا لإدراك الْعلم وَبَيَانه.
стр. 212
وَالْمعْنَى الأول أظهر عِنْد أهل الْعَرَبيَّة، وَإِلَى الْمَعْنى الثَّانِي صغو الجدليين) انْتهى.
إِذا علم ذَلِك؛ فالنظر فِي الِاصْطِلَاح مَا ذكرنَا، وَإِنَّمَا قُلْنَا: (هُنَا) ، لِأَن النّظر لَهُ معَان كَمَا تقدم، وَهُوَ - هُنَا - فكر يطْلب بِهِ علم أَو ظن، وَهَذَا التَّعْرِيف للْقَاضِي أبي بكر الباقلاني، وَتَبعهُ جمَاعَة.
وَقَالَ ابْن حمدَان فِي " الْمقنع ": (النّظر تفكر وَتَأمل، وَاعْتِبَار تَرْتِيب يعرف بِهِ الْمَطْلُوب من تصور وتصديق وحد وَدَلِيل / وأمارة) ، ثمَّ ذكر حد الباقلاني قولا، وَذكر أقوالاً غير ذَلِك.
وَنحن تابعنا الْجَمَاعَة، ونتكلم عَلَيْهِ.
فالفكر كالجنس، وَيُطلق على [ثَلَاثَة] معَان:
أَحدهَا: حَرَكَة النَّفس بِالْقُوَّةِ الَّتِي آلتها مقدم الْبَطن الْأَوْسَط من الدِّمَاغ، إِذا كَانَت تِلْكَ الْحَرَكَة فِي المعقولات، فَإِن كَانَت فِي المحسوسات سميت تخييلاً.
الثَّانِي - وَهُوَ المُرَاد بِالْحَدِّ وَهُوَ أخص من الأول -: حركتها من المطالب إِلَى المبادئ، ورجوعها من المبادئ إِلَى المطالب، ويرسم الْفِكر بِهَذَا الْمَعْنى بترتيب أُمُور حَاصِلَة فِي الذِّهْن، ليتوصل بهَا إِلَى تَحْصِيل غير الْحَاصِل.
стр. 213
الثَّالِث: إِطْلَاقه على جُزْء الثَّانِي، وَهُوَ الْحَرَكَة من المطالب إِلَى المبادئ، وَإِن كَانَ الْغَرَض مِنْهَا الرُّجُوع، وَهَذَا الَّذِي يسْتَعْمل [بإزائه] الحدس، وَهُوَ سرعَة الِانْتِقَال من المبادئ إِلَى المطالب.
قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (النّظر - عرفا -: الْفِكر الْمَطْلُوب بِهِ علم أَو ظن، فَينْتَقل من أُمُور حَاصِلَة ذهناً إِلَى أُمُور مستحصلة.
وَقد يُطلق على حَرَكَة النَّفس الَّتِي يَليهَا الْبَطن الْأَوْسَط من الدِّمَاغ، الْمُسَمّى بالدودة، أَي حَرَكَة كَانَت فِي المعقولات، وَفِي المحسات يُسمى تخييلاً لَا فكراً) انْتهى.
قَوْله: ﴿والإدراك بِلَا حكم تصور، وبحكم تَصْدِيق﴾ .
إِدْرَاك الْمَاهِيّة من غير حكم عَلَيْهَا يُسمى تصوراً، وَهُوَ حُصُول صُورَة الشَّيْء فِي الذِّهْن، وَمَعَ الحكم يُسمى تَصْدِيقًا.
فَالْأول ساذج، أَي: مَشْرُوط فِيهِ عدم الحكم، وَالثَّانِي مَشْرُوط فِيهِ الحكم.
стр. 214
وَمعنى الحكم فِي التَّصْدِيق: إِسْنَاد أَمر إِلَى آخر إِثْبَاتًا أَو نفيا، نَحْو: كَون زيد قَائِما أَو لَيْسَ بقائم.
وَقَالَ الطوفي فِي " شَرحه: (إِدْرَاك الْحَقَائِق مُجَرّدَة عَن الْأَحْكَام، وَقيل: حُصُول صُورَة الشَّيْء فِي الْعقل، والتصديق: نِسْبَة حكمِيَّة بَين الْحَقَائِق بِالْإِيجَابِ [أَو السَّلب] ، وَقيل: إِسْنَاد أَمر إِلَى آخر إِيجَابا أَو سلباً) انْتهى.
وَالْمعْنَى وَاحِد، فَكل تَصْدِيق / مُتَضَمّن من مُطلق التَّصَوُّر [ثَلَاثَة] تصورات: تصور الْمَحْكُوم عَلَيْهِ والمحكوم بِهِ من حَيْثُ هما، ثمَّ تصور نِسْبَة أَحدهمَا للْآخر، فَالْحكم يكون تصوراً رَابِعا على مَا قَالَه الْمُحَقِّقُونَ من أَرْبَاب هَذَا الْفَنّ، لِأَنَّهُ تصور تِلْكَ النِّسْبَة مُوجبَة، أَو تصورها منفية.
وَقَالَ ابْن سينا وَغَيره: (التَّصْدِيق: نفس الحكم كَيفَ فرضته؟ وَتلك التصورات الثَّلَاثَة السَّابِقَة عَلَيْهِ شَرط لَهُ) .
стр. 215
وَقَالَ الرَّازِيّ وَجمع: (الْمَجْمُوع هُوَ التَّصْدِيق، فالتصورات السَّابِقَة على الحكم شطر من التَّصْدِيق لَا شَرط) .
وَإِنَّمَا سمي التَّصَوُّر تصوراً لأَخذه من الصُّورَة، لِأَنَّهُ حُصُول صُورَة الشَّيْء فِي الذِّهْن، وَسمي التَّصْدِيق تَصْدِيقًا؛ لِأَن فِيهِ حكما يصدق فِيهِ أَو يكذب، سمي بأشرف لازمي الحكم فِي النِّسْبَة.
قَالَ ابْن مُفْلِح: (وَقسم المنطقيون الْعلم إِلَى: علم بمفرد يُسمى تصوراً، كَالْعلمِ بِمَعْنى الْإِنْسَان وَالْكَاتِب، وَعلم بِنِسْبَة يُسمى تَصْدِيقًا، وَهِي: إِسْنَاد شَيْء إِلَى آخر بِالنَّفْيِ أَو الْإِثْبَات؛ بِمَعْنى إيقاعها أَو انتزاعها، وَهُوَ الحكم. كَالْحكمِ بِأَن الإسان كَاتب أَو لَا.
وَأما بِمَعْنى: حُصُول صُورَة النِّسْبَة فِي الْعقل، فَإِنَّهُ من التَّصَوُّر.
- ثمَّ قَالَ -: وَلم يذكر أَصْحَابنَا هَذَا التَّقْسِيم، وَاعْترض بعض أَصْحَابنَا وَغَيرهم عَلَيْهِ - وَالظَّاهِر أَنه أَرَادَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين - بِأَن الْعلم [من مقوله أَن ينفعل، وَالْحكم وَهُوَ الْإِيقَاع أَو الانتزاع] من مقوله أَو يفعل، فَكيف يَصح تَقْسِيم الْعلم إِلَى التَّصَوُّر وَإِلَى التَّصْدِيق؟
وَأجِيب: لَا محيص عَنهُ إِلَّا بتقسيمه إِلَى التَّصَوُّر الساذج، وَإِلَى التَّصَوُّر مَعَ التَّصْدِيق، كَمَا فعله ابْن سينا فِي " الإشارات ".
следующие страницы →