Полный текст (4 267 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
(وَأعلم علم الْيَوْم والأمس قبله ... ولكنني عَن علم مَا فِي غَد عمي)
انْتهى، وَتقدم كَلَام النيلي.
قَوْله: ﴿وَتطلق على مُجَرّد التَّصَوُّر فتقابل الْعلم﴾ .
قد تقدم أَن الْعلم يُطلق على مُجَرّد التَّصْدِيق فَيشْمَل اليقيني والظني.
وَتطلق الْمعرفَة على مُجَرّد التَّصَوُّر الَّذِي لَا حكم مَعَه، فعلى هَذَا تكون الْمعرفَة قسيم الْعلم. وَقيل: الْمعرفَة فِيمَا يكون مشعوراً بالحواس، وَالْعلم غير ذَلِك، فَهُوَ مباين لَهَا، وَهَذَانِ فرقان - أَيْضا - بَين الْمعرفَة وَالْعلم.
فتلخص أَن الْعلم والمعرفة، هَل بَينهمَا عُمُوم وخصوص من وَجه، أَو مُتَرَادِفَانِ، أَو متباينان، أَو الْمعرفَة أَعم، أَو عَكسه؟ فِيهِ أَقْوَال.
стр. 247
قَوْله: ﴿فصل﴾
﴿مَا عَنهُ الذّكر الْحكمِي، إِمَّا أَن يحْتَمل مُتَعَلّقه النقيض بِوَجْه، أَو لَا، وَالثَّانِي: الْعلم، وَالْأول: إِمَّا أَن يحْتَمل النقيض عِنْد الذاكر لَو قدره، أَولا، وَالثَّانِي: الِاعْتِقَاد، فَإِن طابق فَصَحِيح، وَإِلَّا ففاسد، وَالْأول: الرَّاجِح مِنْهُ ظن، والمرجوح وهم، والمساوي شكّ، وَعلم بذلك حُدُودهَا﴾ .
اعْلَم أَن الذّكر الْحكمِي هُوَ الْكَلَام الخبري تخيله أَو تلفظ بِهِ، فَإِذا قلت: زيد قَائِم، أَو لَيْسَ بقائم، فقد ذكرت حكما، وَهُوَ الذّكر الْحكمِي، وَمَا عَنهُ الذّكر الْحكمِي: هُوَ مَفْهُوم الْكَلَام الخبري.
قَالَ القَاضِي عضد الدّين: (الذّكر الْحكمِي يُنبئ عَن أَمر فِي نَفسك، من إِثْبَات أَو نفي، وَهُوَ مَا عَنهُ الذّكر الْحكمِي) .
وَإِنَّمَا لم يَجْعَل الحكم مورد الْقِسْمَة؛ لِئَلَّا يلْزم خُرُوج الْوَهم وَالشَّكّ عَن موردها عِنْد من منع مقارنتهما للْحكم.
стр. 248
قَالَ القَاضِي عضد الدّين: (وَإِنَّمَا جعل المورد مَا عَنهُ الذّكر الْحكمِي دون الِاعْتِقَاد أَو الحكم، / ليتناول الشَّك وَالوهم مِمَّا لَا اعْتِقَاد وَلَا حكم للذهن فِيهِ.
وَأَشَارَ بقوله: (لَو قدره) إِلَى أَن الظَّن اعْتِقَاد بسيط، وَقد لَا يخْطر نقيضه بالبال، وَلَكِن يَنْبَغِي أَن يكون بِحَيْثُ لَو أخطر نقيضه بالبال لجوز، وَلَا يكون تَمْيِيزه فِي الْقُوَّة بِحَدّ لَو قدر نقيضه لمَنعه) انْتهى.
قَوْله: ومتعلقه. أَي: مُتَعَلق مَا عَنهُ الذّكر الْحكمِي، وَهُوَ النِّسْبَة الْوَاقِعَة بَين طرفِي الْخَبَر فِي الذِّهْن، فَإِن الحكم يتَعَلَّق بهَا.
فَمَا عَنهُ الذّكر الْحكمِي: إِمَّا أَن يحْتَمل مُتَعَلّقه النقيض بِوَجْه من الْوُجُوه، سَوَاء كَانَ فِي الْخَارِج، أَو عِنْد الذاكر، إِمَّا بتقديره بِنَفسِهِ، أَو بتشكيك مشكك إِيَّاه، أَو لَا يحْتَمل أصلا وَالثَّانِي: الْعلم.
وَالْأول: إِمَّا أَن يحْتَمل عِنْد الذاكر بتقديره فِي نَفسه، أَولا.
وَالثَّانِي: الِاعْتِقَاد، فَإِن طابق فَصَحِيح، وَإِلَّا ففاسد.
وَالْأول: إِمَّا أَن يكون الْمُتَعَلّق راجحاً عِنْد الذاكر على احْتِمَال النقيض وَهُوَ الظَّن، ويتفاوت حَتَّى يُقَال غَلَبَة الظَّن، أَولا.
وَحِينَئِذٍ إِمَّا أَن يكون مرجوحاً، أَو لَا، وَالْأول: الْوَهم.
стр. 249
وَالثَّانِي: الشَّك.
إِذا علم ذَلِك فالعلم قسيمه الِاعْتِقَاد الصَّحِيح وَالْفَاسِد.
وَالظَّن قسيمه الشَّك وَالوهم.
وَقَوله: وَعلم بذلك حُدُودهَا.
وَذَلِكَ [لما] ذكر الْمُشْتَرك الَّذِي هُوَ كالجنس، وَهُوَ مَا عَنهُ الذّكر الْحكمِي، وَقيد كل قسم بِمَا يميزه عَمَّا عداهُ، كَانَ ذَلِك حدا لكل وَاحِد من الْأَقْسَام، لِأَن الْحَد عِنْد الْأُصُولِيِّينَ، كل لفظ مركب يتَمَيَّز الْمَاهِيّة عَن أغيارها سَوَاء كَانَ بالذاتيات أَو بالعرضيات أَو بالمركب مِنْهُمَا. (فحد الْعلم: مَا عَنهُ ذكر حكمي لَا يحْتَمل مُتَعَلّقه النقيض بِوَجْه، لَا فِي الْوَاقِع، وَلَا عِنْد الذاكر، وَلَا بالتشكيك.
стр. 250
والاعتقاد الصَّحِيح: مَا عَنهُ ذكر حكمي يحْتَمل مُتَعَلّقه النقيض عِنْد الذاكر بتشكيك مشكك إِيَّاه فَقَط.
وَالْفَاسِد: مَا عَنهُ ذكر حكمي يحْتَمل مُتَعَلّقه النقيض عِنْد الذاكر بتشكيك مشكك، وَلَا يحْتَمل النقيض بتقديره، وَيكون غير مُطَابق للْوَاقِع. وَالظَّن: مَا عَنهُ ذكر حكمي يحْتَمل مُتَعَلّقه النقيض عِنْد الذاكر بتقديره، مَعَ كَونه راجحاً.
وَالوهم: مَا عَنهُ ذكر حكمي يحْتَمل مُتَعَلّقه / النقيض عِنْد الذاكر بتقديره، مَعَ كَونه مرجوحاً.
وَالشَّكّ: مَا عَنهُ ذكر حكمي يحْتَمل مُتَعَلّقه النقيض، مَعَ تَسَاوِي طَرفَيْهِ عِنْد الذاكر) وَالله أعلم.
قَوْله: ﴿فَائِدَة: الِاعْتِقَاد الْفَاسِد: الْجَهْل الْمركب، وَهُوَ: تصور
стр. 251
الشَّيْء على غير هَيئته﴾ ، وَذَلِكَ أَن حكم الْعقل بِأَمْر على أَمر جازم غير مُطَابق فِي الْخَارِج، هُوَ الِاعْتِقَاد الْفَاسِد. وَيُسمى الْجَهْل الْمركب؛ لِأَنَّهُ مركب من عدم الْعلم بالشَّيْء، واعتقاد غير مُطَابق.
قَوْله: ﴿وَالْجهل الْبَسِيط: عدم الْعلم﴾ .
الْجَهْل الْبَسِيط: هُوَ انْتِفَاء إِدْرَاك الشَّيْء بِالْكُلِّيَّةِ، بِحَيْثُ لَا يخْطر بالبال أصلا من الْقَابِل للْعلم.
فَإِذا قيل لشخص: هَل تجوز الصَّلَاة بِالتَّيَمُّمِ عِنْد عدم المَاء؟
فَإِن قَالَ: لَا أعلم، كَانَ ذَلِك جهلا بسيطاً، وَإِن قَالَ: لَا تجوز، كَانَ جهلا مركبا، لِأَنَّهُ مركب من عدم الْفتيا بالحكم الصَّحِيح، وَمن الْفتيا بالحكم الْبَاطِل.
قَوْله: ﴿وَمِنْه:﴾ - أَي من الْجَهْل الْبَسِيط - ﴿سَهْو وغفلة ونسيان، بِمَعْنى وَاحِد، وَهِي: ذُهُول الْقلب عَن مَعْلُوم، قَالَه فِي التَّمْهِيد فِي السَّهْو، وَقيل: لَا يُسمى نِسْيَانا إِلَّا إِذا طَال﴾ .
قَالَ فِي " التَّمْهِيد ": (حد السَّهْو: ذُهُول الْقلب عَن النّظر فِي الْمَعْلُوم) انْتهى.
وَقَوْلنَا: (وَهِي) ، عَائِد إِلَى السَّهْو والغفلة وَالنِّسْيَان.
وَاعْلَم أَن الْجَهْل الْبَسِيط يَنْقَسِم أَرْبَعَة أَقسَام: سَهْو، وغفلة،
стр. 252
ونسيان، وَغَيرهَا، وَذَلِكَ: إِن سبقه إِدْرَاك ثمَّ زَالَ سمي سَهوا، وَإِلَّا فَلَا، وَالْأول: إِن قصر فِيهِ زمَان [ذهَاب] الْإِدْرَاك اشْتهر تَسْمِيَته سَهوا، وَيُسمى - أَيْضا - غَفلَة.
قَالَ الْجَوْهَرِي: (السَّهْو: الْغَفْلَة) .
وَقَالَ فِي " الْقَامُوس ": (سَهَا فِي الْأَمر: نَسيَه، وغفل عَنهُ، وَذهب قلبه إِلَى غَيره، فَهُوَ ساه، وسهوان) .
وَقَالَ: (غفل عَنهُ غفولاً: تَركه وسها عَنهُ) انْتهى.
وَإِن طَال زَمَانه سمي مَعَ كَونه سَهوا نِسْيَانا، فَهُوَ أخص من مُطلق السَّهْو، وَمُطلق السَّهْو أخص من مُطلق الْجَهْل الْبَسِيط، وَهَذَا قَول جمَاعَة من الْعلمَاء، وَهُوَ أحسن [مَا فرق بِهِ بَينهمَا] إِذا قيل: هما متباينان.
وَقيل: النسْيَان: عدم ذكر مَا / كَانَ مَذْكُورا، والسهو: غَفلَة عَمَّا كَانَ مَذْكُورا وَعَما لم يكن مَذْكُورا، فعلى هَذَا النسْيَان أخص من السَّهْو مُطلقًا، فَهُوَ بِاعْتِبَار آخر غير الأول.
وَمِنْهُم من فرق بِغَيْر ذَلِك، قَالَ فِي " الْمِصْبَاح ": (فرقوا بَين الساهي وَالنَّاسِي: بِأَن النَّاسِي إِذا ذكر تذكر، والساهي بِخِلَافِهِ) انْتهى.
стр. 253
وَذهب كثير من الْعلمَاء إِلَى أَن مَعْنَاهُمَا وَاحِد، وَهُوَ الَّذِي قدمْنَاهُ وَقد تقدم كَلَامه فِي " الْقَامُوس ".
قَالَ القَاضِي عِيَاض فِي " الْمَشَارِق ": (السَّهْو فِي الصَّلَاة: النسْيَان فِيهَا) .
قَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد فِي " شرح الْعُمْدَة ": (الْفرق بَينهمَا من حَيْثُ اللُّغَة بعيد، وَهَذَا أظهر) انْتهى.
وَقَالَ الْحَافِظ ابْن حجر: (والسهو: الْغَفْلَة عَن الشَّيْء، وَذَهَاب الْقلب إِلَى غَيره، وَفرق بَعضهم بَين السَّهْو وَالنِّسْيَان وَلَيْسَ بِشَيْء) انْتهى.
стр. 254
قَوْله: ﴿فصل﴾
﴿الْعقل: مَا يحصل بِهِ الميز﴾ .
قَالَه صَاحب " رَوْضَة الْفِقْه " من أَصْحَابنَا، وَهُوَ شَامِل لأكْثر الْأَقْوَال الْآتِيَة.
وَعَن الإِمَام الشَّافِعِي ﵁ أَنه قَالَ: آلَة التَّمْيِيز.
قَوْله: ﴿وَهُوَ بعض الْعُلُوم الضرورية عِنْد أَصْحَابنَا وَالْأَكْثَر، [وغريزة نصا] البربهاري: لَيْسَ بجوهر وَلَا عرض وَلَا اكْتِسَاب، وَإِنَّمَا هُوَ
стр. 255
فضل من الله، [وظاهرهما: أَنه الْقُوَّة المدركة لَا الْإِدْرَاك] ، التَّمِيمِي وَابْن حمدَان: نور فِي الْقلب كَالْعلمِ، أَبُو الْفرج: قُوَّة يفصل بهَا بَين حقائق المعلومات، الْأَشْعَرِيّ وَجمع: الْعلم، الفلاسفة: اكْتِسَاب، المتكلمون: كل الْعُلُوم الضرورية، وَبَعْضهمْ: جَوْهَر بسيط، وَبَعْضهمْ: مَادَّة وطبيعة، وَبَعْضهمْ: عرض يُخَالف سَائِر الْأَعْرَاض والعلوم﴾ .
стр. 256
اعْلَم أَن عُلَمَاء هَذِه الْأمة وَغَيرهم اخْتلفُوا فِي مَاهِيَّة الْعقل اخْتِلَافا كثيرا بِحَيْثُ إِنَّه لَا ينْحَصر.
وَقد ذهب بعض أَصْحَابنَا وَالْأَكْثَر إِلَى أَنه: بعض الْعُلُوم الضرورية، يستعد بهَا لفهم دَقِيق الْعُلُوم، وتدبير الصَّنَائِع الفكرية.
وَمِمَّنْ قَالَ بذلك من غير أَصْحَابنَا: القَاضِي أَبُو بكر الباقلاني، وَابْن الصّباغ وسليم الرَّازِيّ.
فَخرجت الْعُلُوم الكسبية؛ لِأَن / الْعَاقِل يَتَّصِف بِكَوْنِهِ عَاقِلا مَعَ انْتِفَاء الْعُلُوم النظرية.
وَإِنَّمَا قَالُوا: بعض الْعُلُوم الضرورية، لِأَنَّهُ لَو كَانَ جَمِيعهَا لوَجَبَ أَن يكون الفاقد للْعلم بالمدركات لعدم الْإِدْرَاك الْمُعَلق عَلَيْهَا غير عَاقل.
стр. 257
قَالَ أَبُو الْخطاب فِي " التَّمْهِيد ": (وَمِمَّا يدل على أَنه لَيْسَ بِجَمِيعِ الْعُلُوم، لأَنا نقُول: الْعلم يشْتَمل على ضَرُورِيّ ومكتسب، وَمَعْلُوم أَن الْإِنْسَان إِذا لم يكْتَسب وَلم يفكر فِي الدَّلَائِل يُسمى عَاقِلا، فَإِذا خرج مِنْهُ الْعلم المكتسب لم يبْق إِلَّا أَنه علم ضَرُورِيّ، وَلَيْسَ بِجَمِيعِ الْعُلُوم الضرورية، لِأَن الْإِنْسَان لَو عدم الْحَواس الْخمس مَعَ أَنَّهَا يحصل بهَا علم ضَرُورِيّ، وَلَو عدمت يُسمى عَاقِلا وَيكون عَاقِلا، وَلِهَذَا لَو قيل لَهُ مَا يضرّهُ وَمَا يَنْفَعهُ اخْتَار مَا يَنْفَعهُ، وَعكس هَذَا الصَّبِي والبهيمة، فَإِنَّهُ يحصل لَهُم علم ضَرُورِيّ مثل حسهم بالألم وَغير ذَلِك، وَمَعَ هَذَا لَا يكونُونَ عقلاء، فَثَبت - أَيْضا - أَنه لَيْسَ بِجَمِيعِ الْعُلُوم الضرورية إِنَّمَا هُوَ بَعْضهَا، مثل: أَن يعلم الْإِنْسَان اسْتِحَالَة جمع الضدين، وَكَون الْجِسْم الْوَاحِد لَيْسَ فِي مكانين، وَعلمه أَن الْوَاحِد أقل من الِاثْنَيْنِ) انْتهى.
قَالَ الإِمَام أَحْمد: (الْعقل غريزة) .
стр. 258
وَقَالَهُ الْحَارِث المحاسبي فَقَالَ: (الْعقل غريزة يَتَأَتَّى بهَا إِدْرَاك الْعُلُوم) ، نَقله عَنهُ فِي " الْبُرْهَان ".
قَالَ فِي " نِهَايَة المبتدئين ": (الْعقل غريزة، لَيْسَ مكتسباً، بل خلقه الله تَعَالَى يُفَارق بِهِ الْإِنْسَان الْبَهِيمَة، ويستعد بِهِ لقبُول الْعلم وتدبير الصَّنَائِع الفكرية، فَكَأَنَّهُ نور يقذف فِي الْقلب كَالْعلمِ الضَّرُورِيّ، وَالصبَا وَنَحْوه حجاب لَهُ) .
قَالَ القَاضِي أَبُو يعلى: (إِنَّه غير مكتسب كالضروري) .
وَقَالَ الْحسن بن عَليّ البربهاري - من أَئِمَّة أَصْحَابنَا -: (لَيْسَ بجوهر وَلَا عرض وَلَا اكْتِسَاب، وَإِنَّمَا هُوَ فضل من الله تَعَالَى) .
стр. 259
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: (هَذَا يَقْتَضِي أَنه الْقُوَّة المدركة - كَمَا دلّ عَلَيْهِ كَلَام أَحْمد - لَا الْإِدْرَاك) .
وَقَالَ التَّمِيمِي، وَابْن حمدَان فِي " نِهَايَة المبتدئين ": (هُوَ نور فِي الْقلب كَالْعلمِ) .
وَقَالَ أَبُو الْفرج الشِّيرَازِيّ / فِي " مُقَدّمَة الْإِيضَاح ": (الْعقل قُوَّة يفصل بهَا بَين حقائق المعلومات) .
وَقَالَ الْأَشْعَرِيّ: هُوَ الْعلم، وَحَكَاهُ الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق الأسفراييني عَن أهل الْحق، وَأَنَّهُمْ قَالُوا بترادف الْعلم وَالْعقل.
وَقَالَ الكوراني فِي " شرح جمع الْجَوَامِع ": (وَالْحق أَنه مُغَاير للْعلم، وَهُوَ قُوَّة يدْرك بهَا المغيبات، كَمَا يدْرك بالبصر المشاهدات، وإطلاقه على الْعلم تسَامح، أَو أُرِيد بِهِ مصدر عقل يعقل عقلا، فَإِنَّهُ بِمَعْنى الْعلم
стр. 260
والإدراك، وَلَيْسَ الْكَلَام فِيهِ، بل الْكَلَام فِي تِلْكَ الْقُوَّة المودعة الَّتِي لَا تنفك عَن الْإِنْسَان نوماً وَلَا يقظة، وَقيل: هُوَ الضَّرُورِيّ من الْعلم، وَقيل: نور فِي بدن الْإِنْسَان مثله كَمثل الشَّمْس فِي ملكوت الأَرْض) انْتهى.
وَاخْتَارَ الْمَاوَرْدِيّ: (أَنه الْعلم بالمدركات الضرورية) .
وَقَالَت الفلاسفة: (هُوَ اكْتِسَاب) .
وَقَالَ المتكلمون: (هُوَ كل الْعُلُوم الضرورية) ، وَتقدم رده.
وَقَالَ بَعضهم: (هُوَ جَوْهَر بسيط) .
وَقَالَ بَعضهم: (هُوَ مَادَّة وطبيعة) .
وَقَالَ بَعضهم: (هُوَ عرض مُخَالف لسَائِر الْأَعْرَاض والعلوم) .
وَقَالَ بَعضهم: (مَا حسن مَعَه التَّكْلِيف) .
قَالَ فِي " التَّمْهِيد ": (وَهَذِه الْأَقْوَال الْعشْرَة مُتَقَارِبَة الْمَعْنى) .
стр. 261
وَلم يذكر مَا قَالَه الْأَشْعَرِيّ والكوراني.
وَقَالَ بَعضهم: (هُوَ شَيْء تدْرك بِهِ الْعُلُوم وَلَيْسَ علما كالمرآة) .
وَقَالَ بَعضهم: (هُوَ عُلُوم بديهية وكلية) .
وَقَالَ بَعضهم: (هُوَ عُلُوم ضَرُورِيَّة) .
وَقَالَ بَعضهم: (ملكة تدْرك بهَا الْعُلُوم، وَالْمرَاد بالملكة: هَيْئَة راسخة فِي النَّفس) .
وَقَالَ بَعضهم: (هُوَ غريزي وضروري وهما نظريان، وتجربي ونظري وهما مكتسبان.
وَلَيْسَ كل الْعُلُوم الضرورية، وَلَا مَا حصل بالحواس الْخمس، وَلَا الْعلم بِحسن الْحسن وَلَا بقبح الْقَبِيح) .
قلت: الْعقل وَالروح شَيْئَانِ لَا يطلع على كنه حقيقتهما إِلَّا الله تَعَالَى.
﴿وَمحله الْقلب عِنْد أَصْحَابنَا، وَالشَّافِعِيَّة، والأطباء، وَله اتِّصَال بالدماغ، قَالَه التَّمِيمِي، وَغَيره﴾ .
стр. 262
[قَالَ] ابْن الْأَعرَابِي / وَغَيره: الْعقل الْقلب، وَالْقلب الْعقل ,
وَاسْتدلَّ لذَلِك بقوله تَعَالَى: ﴿إِن فِي ذَلِك لذكرى لمن كَانَ لَهُ قلب﴾ [ق: ٣٧] ، أَي عقل، فَعبر بِالْقَلْبِ عَن الْعقل؛ لِأَنَّهُ مَحَله، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أفلم يَسِيرُوا فِي الأَرْض فَتكون لَهُم قُلُوب يعْقلُونَ بهَا﴾ [الْحَج: ٤٦] ، فَجعل الْعقل فِي الْقلب، وَبِقَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّهَا لَا تعمى الْأَبْصَار وَلَكِن تعمى الْقُلُوب الَّتِي فِي الصُّدُور﴾ [الْحَج: ٤٦] ، أَي: يتغطى على الْعقل الَّذِي فِي الصَّدْر.
стр. 263
فالفقه والفهم والمعرفة وَهَذِه الْأَشْيَاء هِيَ: الْعقل.
وَقَالَ النَّبِي ﷺ َ -: " أَلا إِن فِي الْجَسَد مُضْغَة إِذا صلحت صلح الْجَسَد كُله، أَلا وَهِي الْقلب) .
وَقد دللنا - أَيْضا - على أَن الْعقل بعضالعلوم الضرورية، والعلوم الضرورية لَا تكون إِلَّا فِي الْقلب، وَمَعَ هَذَا لَهُ اتِّصَال بالدماغ، قَالَه التَّمِيمِي من أَصْحَابنَا، وَغَيره من الْأَصْحَاب ، وَغَيرهم.
قَوْله: ﴿وَالْمَشْهُور عِنْد أَحْمد: [فِي] الدِّمَاغ، وَقَالَهُ الطوفي، وَالْحَنَفِيَّة، والفلاسفة، وَقيل: إِن قُلْنَا جَوْهَر وَإِلَّا فِي الْقلب، وَقيل: فِي كل الْبدن﴾ .
الْمَشْهُور عَن الإِمَام أَحْمد: (أَن الْعقل فِي الدِّمَاغ) نَقله ابْن حمدَان، لَكِن
стр. 264
أَكثر الْأَصْحَاب قطعُوا عَن أَحْمد: (فِي الدِّمَاغ) وَلم يحكوا عَنهُ فِيهِ خلافًا، [وَهَذَا] القَوْل اخْتَارَهُ من أَصْحَابنَا الطوفي، وَالْحَنَفِيَّة، والفلاسفة.
وَاحْتَجُّوا لَهُ: بِأَن الْعُقَلَاء تراهم يضيفون الْعقل إِلَى الرَّأْس، فَيَقُولُونَ: هَذَا ثقيل الرَّأْس، وَهَذَا فِي دماغه عقل، وَعكس هَذَا يَقُولُونَ: هَذَا فارغ الدِّمَاغ، وَهَذَا فِيمَا رَأسه دماغه عقل.
وَاحْتَجُّوا أَيْضا: بِأَنَّهُ إِذا ضرب على رَأسه يَزُول عقله، وَلَو ضرب على جَمِيع بدنه لم يزل عقله.
ورد: بِأَن الضَّرْب على غَيره يزِيل الْعقل أَيْضا.
وَقيل: إِن قُلْنَا: الْعقل جَوْهَر كَانَ فِي الرَّأْس، وَإِلَّا كَانَ فِي الْقلب.
وَقيل: هُوَ فِي كل الْبدن، حَكَاهُ ابْن حمدَان فِي " الْمقنع ".
وَقَالَ / ابْن السُّبْكِيّ فِي " قَوَاعِده ": (وَقيل: لكل حاسة مِنْهُ نصيب) .
стр. 265
قَالَ الْأُسْتَاذ: (وَهُوَ أحد قولي الْأَشْعَرِيّ) .
وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ فِي بَاب أَسْنَان إبل الْخَطَأ: (نقطع بِأَن الْعقل لَيْسَ مَحَله الْيَدَيْنِ) . وَذكر - أَيْضا - فِي النِّهَايَة فِي الْبَاب الْمَذْكُور: (أَنه لم يتَعَيَّن للشَّافِعِيّ مَحَله) .
تَنْبِيه: مَا نَقَلْنَاهُ عَن الْأَطِبَّاء، وَعَن الفلاسفة، تابعنا فِيهِ ابْن مُفْلِح فِي " أُصُوله "، وَالَّذِي قطع بِهِ أَبُو الْخطاب فِي " التَّمْهِيد " عَن الطَّائِفَتَيْنِ خلاف ذَلِك، وَلَعَلَّه الْحق، فَليُحرر ذَلِك من خَارج.
قَوْله: ﴿قَالَ الْأَصْحَاب: الْعقل يخْتَلف، فعقل بعض النَّاس أَكثر﴾ .
стр. 266
هَذَا الصَّحِيح؛ لِأَن كَمَال الشَّيْء ونقصه يعرف بِكَمَال آثاره وأفعاله ونقصها، وَنحن نشاهد قطعا تفَاوت آثَار الْعُقُول فِي الآراء وَالْحكم والحيل وَغَيرهَا، وَذَلِكَ يدل على تفَاوت الْعُقُول فِي نَفسهَا، وَأجْمع الْعُقَلَاء على صِحَة قَول الْقَائِل: فلَان أَعقل من فلَان، أَو أكمل عقلا، وَذَلِكَ يدل على مَا قُلْنَا.
وَلِحَدِيث أبي سعيد أَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ للنِّسَاء: " أَلَيْسَ شَهَادَة إحداكن مثل [نصف شَهَادَة] الرجل؟ " قُلْنَ: بلَى، قَالَ: " فَذَلِك من نُقْصَان عقلهَا ". ﴿ [وَخَالف ابْن] عقيل، والأشعرية، والمعتزلة، [وَقَالَهُ] الْمَاوَرْدِيّ فِي الغريزي لَا التجربي، وَحمل الطوفي الْخلاف على ذَلِك﴾ .
стр. 267
قَالَ ابْن عقيل، والأشاعرة، والمعتزلة: الْعقل لَا يخْتَلف؛ لِأَن الْعقل حجَّة عَامَّة يرجع إِلَيْهَا النَّاس عِنْد اخْتلَافهمْ، وَلَو تفاوتت الْعُقُول لما كَانَ كَذَلِك.
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ من أَصْحَاب الشَّافِعِي: (الغريزي لَا يخْتَلف والتجربي يخْتَلف) .
وَحمل الطوفي فِي " شرح مُخْتَصره " الْخلاف على ذَلِك فَقَالَ بعد أَن ذكر دَلِيل الْقَوْلَيْنِ: (وَهَذَا يَقْتَضِي أَن النزاع [لَيْسَ مورده وَاحِدًا] ، وَوجه الْجمع بَين الْقَوْلَيْنِ: أَن الْعقل على ضَرْبَيْنِ: طبيعي وَهُوَ الَّذِي لَا يتَفَاوَت [عِنْد] الْعُقَلَاء، وكسبي تجربي وَهُوَ الَّذِي يتفاوتون / فِيهِ، وَقد جَاءَ عَن عَليّ ﵁: (أَن الْعقل الطبيعي يتناهى إِلَى سبع وَعشْرين سنة، والتجربي لَا يتناهى إِلَّا بِالْمَوْتِ) .
стр. 268
وَقيل: ضعفه وقوته بِحَسب شكله ومزاجه.
قَوْله: ﴿فَائِدَة: قَالَ القَاضِي: الإحساس وَمَا يدْرك بالحواس لَا يخْتَلف، [بِخِلَاف مَا يدْرك بِالْعقلِ] ، وَقَالَ الشَّيْخ: يخْتَلف﴾ .
قَالَ القَاضِي (الإحساس وَمَا يدْرك بالحواس لَا يخْتَلف، بِخِلَاف مَا يدْرك بِالْعقلِ، فَإِنَّهُ يخْتَلف مَا يدْرك بِهِ وَهُوَ التَّمْيِيز والفكر، فَلهَذَا يخْتَلف) .
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: (يلْزم مِنْهُ: أَن الْعلم الْحسي لَيْسَ من الْعقل) .
قَالَ: وَلنَا فِي الْمعرفَة الإيمانية فِي الْقلب هَل تزيد وتنقص؟ رِوَايَتَانِ، فَإِذا قيل: (إِن النظري لَا يخْتَلف) ، فالضروري أولى.
وَهَذِه الْمَسْأَلَة من جنس مَسْأَلَة الْإِيمَان، وَأَن الأصوب: أَن القوى الَّتِي هِيَ الإحساس وَسَائِر الْعُلُوم والقوى تخْتَلف) انْتهى.
وَتقدم هَل يتَفَاوَت الْعلم أَو لَا؟
стр. 269
قَوْله: ﴿فصل﴾
﴿الْحَد لُغَة: الْمَنْع، وَاصْطِلَاحا: الْوَصْف الْمُحِيط بِمَعْنَاهُ الْمُمَيز لَهُ عَن غَيره﴾ .
الْحَد لَهُ مَعْنيانِ: معنى فِي اللُّغَة، وَمعنى فِي الِاصْطِلَاح.
فَمَعْنَاه فِي اللُّغَة: الْمَنْع، وَلذَلِك سمي البواب حداداً؛ لِأَنَّهُ يمْنَع من دُخُول الدَّار، وَسمي السجان حداداً؛ لمَنعه المعتقل من الْخُرُوج من السجْن، وَسميت الْحُدُود حدوداً، لِأَنَّهَا تمنع من الْعود، وَمِنْه: إحداد الْمَرْأَة فِي عدتهَا لِأَنَّهَا مَمْنُوعَة من الطّيب والزينة، وَسمي الْحَدِيد حديداً؛ لما فِيهِ من الْمَنْع
стр. 270
لِامْتِنَاع حامله، ولابسه، وَسمي التَّعْرِيف حدا؛ لمَنعه الدَّاخِل من الْخُرُوج، وَالْخَارِج من الدُّخُول.
وَمَعْنَاهُ فِي الِاصْطِلَاح - أَي: حَده فِي الِاصْطِلَاح -: (الْوَصْف الْمُحِيط بِمَعْنَاهُ، الْمُمَيز لَهُ عَن غَيره) . قَالَه العسقالني سارح الطوفي. قَالَ القَاضِي عضد الدّين فِي " شرح الْمُخْتَصر ": (الْحَد عَن الْأُصُولِيِّينَ مَا يمييز الشَّيْء عَن غَيره) قَالَ الْغَزالِيّ: (قيل: حد الشَّيْء نَفسه وذاته، وَقيل: هُوَ اللَّفْظ الْمُفَسّر لمعناه على وَجه يجمع وَيمْنَع) انْتهى.
وَقيل: (هُوَ شرح مَا دلّ عَلَيْهِ اللَّفْظ بطرِيق الْإِجْمَال) .
وَقدم فِي " نِهَايَة المبتدئين ": (أَنه قَول يكْشف حَقِيقَة الْمَحْدُود) وَذكر ثَمَانِيَة / أَقْوَال فِيهِ.
قَوْله: ﴿وَهُوَ أصل كل علم، قَالَه الْفَخر﴾ .
قَالَ الْفَخر إِسْمَاعِيل أَبُو مُحَمَّد الْبَغْدَادِيّ - من أَصْحَابنَا -: (الْحَد على الْحَقِيقَة أصل كل علم، فَمن لَا يُحِيط بِهِ علما لَا ثِقَة لَهُ بِمَا عِنْده) . انْتهى.
стр. 271
وَقَالَهُ غَيره، وَهُوَ صَحِيح.
قَوْله: ﴿شَرطه: أَن يكون مطرداً، وَهُوَ الْمَانِع: كلما وجد الْحَد وجد الْمَحْدُود، منعكساً، وَهُوَ الْجَامِع: كلما وجد الْمَحْدُود وجد الْحَد، وَيلْزمهُ: كلما انْتَفَى الْحَد انْتَفَى الْمَحْدُود﴾ .
وَحَقِيقَة الانعكاس هُنَا: كلما وجد الْمَحْدُود وجد الْحَد، فَإِنَّهُ عكس الاطراد، وَهُوَ: كلما وجد الْحَد وجد الْمَحْدُود، وَيلْزمهُ: كلما انْتَفَى الْحَد انْتَفَى الْمَحْدُود، فَإِنَّهُ إِذا وجد الْمَحْدُود وجد الْحَد، فَإِذا انْتَفَى انْتَفَى، صرح بِهِ القَاضِي عضد الدّين، وَغَيره، وَهُوَ وَاضح.
وَفَسرهُ ابْن الْحَاجِب وَغَيره بلازمه، فَقَالَ: (المنعكس كلما انْتَفَى الْحَد انْتَفَى الْمَحْدُود) ، وَالتَّحْقِيق الأول.
وَتجب مُسَاوَاة الْحَد للمحدود، لِأَنَّهُ إِن كَانَ أَعم فَلَا دلَالَة لَهُ على الْأَخَص، وَلَا يُفِيد التَّمْيِيز، وَإِن كَانَ أخص، فَلِأَنَّهُ أخْفى، لِأَنَّهُ أقل وجودا مِنْهُ.
стр. 272
وَكَون الْمَانِع تَفْسِيرا للمطرد، وَالْجَامِع تَفْسِيرا للمنعكس - كَمَا قُلْنَا - هُوَ الصَّحِيح عِنْدهم، وَعَلِيهِ الْأَكْثَر من أَصْحَابنَا.
﴿وَعكس الْقَرَافِيّ، وَغَيره﴾ .
وَهُوَ: أَبُو عَليّ التَّمِيمِي فِي " التَّذْكِرَة " فِي أصُول الدّين، والطوفي فِي " شَرحه "، فَقَالُوا: (كَونه مطرداً هُوَ الْجَامِع، وَكَونه منعكساً هُوَ الْمَانِع) .
قَوْله: ﴿وَقيل: وَلَو مجَازًا ومشتركاً بِقَرِينَة﴾ .
стр. 273
قَالَ الْأَكْثَر: لَا يجوز أَن يدْخل لفظ الْحَد الْمجَاز، وَقَالَ الْغَزالِيّ: يجوز إِذا عرف بالقرائن؛ لحُصُول الْبَيَان بهَا.
وَكَذَا لَا يجوز أَن يدْخل لفظ الْحَد الْمُشْتَرك عِنْد الْأَكْثَر، وَاخْتَارَ الْقَرَافِيّ الْجَوَاز إِذا وجدت قَرَائِن تدل عَلَيْهِ، وَمَا هما بِبَعِيد.
стр. 274
قَوْله: ﴿ [وَهُوَ حَقِيقِيّ تَامّ] : إِن أنبأ عَن ذاتيات الْمَحْدُود الْكُلية المركبة / لَهُ حد وَاحِد، وناقص: إِن كَانَ بفصل [قريب] أَو مَعَه جنس بعيد، [ورسمي: إِن أنبأ عَنهُ بِلَازِم لَهُ، تَامّ، وناقص، [ولفظي: إِن أنبأ عَنهُ بمرادف أظهر] ﴾ .
الْحَد يَنْقَسِم إِلَى خَمْسَة أَقسَام: أَحدهَا: حَقِيقِيّ تَامّ - وَهُوَ الأَصْل - وَذَلِكَ إِن أنبأ عَن ذاتيات الْمَحْدُود الْكُلية المركبة، كَقَوْلِنَا: مَا الْإِنْسَان؟
стр. 275
فَيُقَال: حَيَوَان نَاطِق، وَهَذَا وَشبهه لَيْسَ لَهُ إِلَّا حد وَاحِد؛ لِأَن ذَات الشَّيْء لَا يكون لَهُ حدان.
لَا يُقَال: جَمِيع ذاتيات الشَّيْء عين الشَّيْء، وَالشَّيْء لَا يُفَسر نَفسه؟
لأَنا نقُول: دلَالَة الْمَحْدُود من حَيْثُ الْإِجْمَال، وَدلَالَة الْحَد من حَيْثُ التَّفْصِيل، فَلَيْسَ عينه من كل وَجه، فصح تَعْرِيفه بِهِ، وَلذَلِك لم يَجْعَل اللفظان مترادفين - على الْمُرَجح، على مَا يَأْتِي - إِلَّا إِذا كَانَ الْحَد لفظياً.
الثَّانِي: حَقِيقِيّ نَاقص لَهُ صُورَتَانِ:
الأولى: أَن يكون بفصل قريب فَقَط، كَقَوْلِنَا: مَا الْإِنْسَان؟ فَيُقَال: النَّاطِق.
الثَّانِيَة: أَن يكون بفصل قريب مَعَ جنس بعيد، كَقَوْلِنَا فِي جَوَاب مَا الْإِنْسَان؟ جسم نَاطِق.
الثَّالِث: رسمي تَامّ.
стр. 276
الرَّابِع: رسمي نَاقص.
وَذَلِكَ إِن أنبأ بِلَازِم مُخْتَصّ بِهِ؟
فالتام مِنْهُ: أَن يُؤْتى بذلك اللَّازِم مَعَ الْجِنْس الْقَرِيب، ك (الْإِنْسَان حَيَوَان ضَاحِك) .
والناقص مِنْهُ: أَن يُؤْتِي بِتِلْكَ الْخَاصَّة وَحدهَا، أَو مَعَ الْجِنْس الْبعيد، وَله صُورَتَانِ أَيْضا، كالإنسان ضَاحِك، أَو جسم ضَاحِك.
الْخَامِس: اللَّفْظِيّ: أَن يُؤْتى بِلَفْظ مرادف لَكِن هُوَ أشهر عِنْد السَّامع من الْمَحْدُود، كَقَوْلِه: مَا الخندريس؟ فَيُقَال: الْخمر أَو نَحْو ذَلِك.
قَوْله: ﴿وَيرد عَلَيْهِ: النَّقْض، والمعارضة﴾ .
يرد على الْحَد: النَّقْض، والمعارضة، عِنْد الْأَكْثَر.
стр. 277
قَالَ الْقَرَافِيّ فِي " شرح التَّنْقِيح ": (فَإِن قلت: إِذا لم يُطَالب على صِحَة الْحَد بِالدَّلِيلِ وَنحن نعتقد بُطْلَانه، فَكيف الْحِيلَة فِي ذَلِك؟
قلت: الطَّرِيق فِي ذَلِك أَمْرَانِ، أَحدهمَا: النقيض، كَمَا لَو قَالَ: الْإِنْسَان عبارَة عَن الْحَيَوَان، فَيُقَال: ينْتَقض عَلَيْك بالفرس، فَإِنَّهُ حَيَوَان مَعَ أَنه لَيْسَ بِإِنْسَان.
وَثَانِيهمَا: الْمُعَارضَة كَمَا لَو قَالَ: الْغَاصِب من الْغَاصِب / يضمن لِأَنَّهُ غَاصِب، أَو ولد الْمَغْصُوب مَضْمُون لِأَنَّهُ مَغْصُوب، لِأَن حد الْغَاصِب: من وضع يَده بِغَيْر حق، وَهَذَا وضع يَده بِغَيْر حق، فَيكون غَاصبا.
فَيَقُول الْخصم: أعارض هَذَا الْحَد بِحَدّ آخر، وَهُوَ: أَن حد الْغَاصِب من رفع الْيَد المحقة وَوضع الْيَد المبطلة، وَهَذَا لم يرفع الْيَد المحقة فَلَا يكون غَاصبا) انْتهى.
فقد ورد عَلَيْهِ النَّقْض والمعارضة.
وَقيل: لَا تقبل الْمُعَارضَة فِيهِ؛ لشعورها بِصِحَّة الْمعَارض، وَلَيْسَ لوَاحِد حدان، فأحدهما حق، وَلم يبْق سوى النَّقْض.
قَوْله: ﴿لَا الْمَنْع فِي الْأَصَح﴾ .
يَعْنِي: أَن الْمَنْع هَل يرد على الْحَد أم لَا؟ فِيهِ قَولَانِ.
стр. 278
أَحدهمَا: يرد، لِأَن الْحَد دَعْوَى فَيمْنَع كَغَيْرِهِ، وَالأَصَح عدم الْوُرُود، وَمَا قيل بِالْجَوَازِ فخطأ، لعدم الْفَائِدَة غَالِبا، وَلِهَذَا لَا يجوز منع النَّقْل لتكذيب النَّاقِل وَبعده من الْفَائِدَة، وَلِأَنَّهُ لَا يُمكن إثْبَاته إِلَّا بالبرهان، وهما [مقدمتان] كل مِنْهُمَا مفردان، فطالب الْحَد يطْلب تصور كل مُفْرد، فَإِذا أَتَى المسؤول بحده وَمنع، احْتَاجَ فِي إثْبَاته إِلَى مثل الأول، وتسلسل، ثمَّ الجدل اصْطِلَاح يجب الرُّجُوع إِلَى أربابه.
стр. 279
قَوْله: ﴿فصل﴾
أَي: فِي اللُّغَة، قد سبق أَن أصُول الْفِقْه يستمد من اللُّغَة، وَذَلِكَ لما كَانَ الِاسْتِدْلَال من الْكتاب وَالسّنة اللَّذين هما أصل الْإِجْمَاع بل وأصل الْقيَاس مُحْتَاجا إِلَى معرفَة اللُّغَة - الَّتِي لَا تعرف دلالتهما إِلَّا بمعرفتها؛ لِأَنَّهُمَا عربيان، وَفهم معانيهما مُتَوَقف على معرفَة لُغَة الْعَرَب، بل هما أفْصح الْكَلَام الْعَرَبِيّ - احْتِيجَ إِلَى مَعْرفَتهَا.
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قرءاناً عَرَبيا﴾ [يُوسُف: ٢] ، ﴿وَهَذَا لِسَان عَرَبِيّ مُبين﴾ [النَّحْل: ١٠٣] ، ﴿وَمَا أرسلنَا من رَسُول إِلَّا بِلِسَان قومه﴾ [إِبْرَاهِيم: ٤] ، وَغير ذَلِك من الْآيَات.
فَإِن قيل: من سبق نَبينَا مُحَمَّدًا ﷺ َ - من الْأَنْبِيَاء الْمُرْسلين، / إِنَّمَا كَانَ مَبْعُوثًا لِقَوْمِهِ خَاصَّة، فَهُوَ مَبْعُوث بلسانهم، وَمُحَمّد ﷺ َ - مَبْعُوث لجَمِيع الْخلق، فَلم لم يبْعَث بِجَمِيعِ الْأَلْسِنَة، وَلم يبْعَث إِلَّا بِلِسَان بَعضهم وهم الْعَرَب؟
فَالْجَوَاب: أَنه لَو بعث بِلِسَان جَمِيعهم كَانَ كَلَامه خَارِجا عَن الْمَعْهُود، وَيبعد بل يَسْتَحِيل أَن ترد كل كلمة من الْقُرْآن مكررة بِكُل الْأَلْسِنَة، فَتعين الْبَعْض، وَكَانَ لِسَان الْعَرَب أَحَق؛ لِأَنَّهُ أوسع وأفصح، وَلِأَنَّهُ لِسَان المخاطبين وَإِن كَانَ الحكم عَلَيْهِم وعَلى غَيرهم، كَذَا قرر
стр. 280
ابْن السَّمْعَانِيّ السُّؤَال وَالْجَوَاب، وَهُوَ حسن.
قَوْله: ﴿سَبَب اللُّغَة حَاجَة النَّاس [إِلَيْهَا] ، ولخفتها، وَكَثْرَة فائدتها﴾ .
وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى لما خلق النَّوْع الإنساني وَجعله مُحْتَاجا لأمور لَا يسْتَقلّ بهَا، بل يحْتَاج فِيهَا إِلَى المعاونة، ولابد للمعاون من الإطلاع على مَا فِي [نفس] الْمُحْتَاج بِشَيْء يدل، وَذَلِكَ إِمَّا لفظ أَو إِشَارَة أَو كِتَابَة أَو مِثَال أَو نَحوه، وَكَانَ اللَّفْظ أَكثر إِفَادَة وأيسر.
فَأَما كَونه أَكثر إِفَادَة؛ فَلِأَن اللَّفْظ يَقع على الْمَعْدُوم وَالْمَوْجُود وَالْغَائِب والحاضر الْحسي والمعنوي، وَلَا شَيْء من [الْبَاقِي] يستوعب ذَلِك.
стр. 281
وَأما كَونه أيسر؛ فَلِأَنَّهُ مُوَافق لِلْأَمْرِ الطبيعي؛ لِأَن الْحُرُوف كيفيات تعرض للنَّفس الضَّرُورِيّ؟
قَالَ الْمَاوَرْدِيّ: (وَإِنَّمَا كَانَ نوع الْإِنْسَان أَكثر حَاجَة من جَمِيع الْحَيَوَانَات، لِأَن غَيره قد يسْتَقلّ بِنَفسِهِ عَن جنسه، وَأما الْإِنْسَان فمطبوع على الافتقار إِلَى جنسه فِي الِاسْتِعَانَة، فَهُوَ صفة لَازِمَة لطبعه، وخلقة قَائِمَة فِي جوهره) .
قَالَ ابْن مُفْلِح وَغَيره: (سَبَب وجودهَا: حَاجَة الْإِنْسَان، ليعرف بَعضهم مُرَاد بعض، للتساعد والتعاضد بِمَا لَا مُؤنَة فِيهِ، لخفتها وَكَثْرَة فائدتها، وَلَا مَحْذُور) .
وَهَذِه من نعم الله تَعَالَى / على عباده، فَمن تَمام نعمه علينا أَن جعل ذَلِك بالنطق دون غَيره.
قَوْله: ﴿وَهِي: أَلْفَاظ وضعت لمعان﴾ .
أَي: اللُّغَة أَلْفَاظ، وَقَوله: (أَلْفَاظ) يَشْمَل الْمَوْضُوع والمهمل.
وَقَوله (وضعت لمعان) ليخرج المهمل؛ لِأَنَّهُ لم يوضع لِمَعْنى، وَيَأْتِي قَرِيبا أَنه مَوْجُود، وَلَكِن لم تضعه الْعَرَب قطعا.
стр. 282
قَوْله: ﴿فَمَا احتاجه [الْإِنْسَان] لم تخل من لفظ لَهُ﴾ .
قد تقرر الِاحْتِيَاج إِلَى الْوَضع، فَكلما اشتدت الْحَاجة إِلَيْهِ افْتقر إِلَى مَا يوضع لَهُ، فَلَا بُد لَهُم من وَضعه.
قَوْله: ﴿وَالظَّاهِر عدم خلوها مِمَّا كثرت حَاجته، وَعَكسه [فيهمَا] يجوز [خلوها] ﴾ .
الظَّاهِر من اسْتِعْمَال الْعَرَب: عدم خلو اللُّغَة مِمَّا كثرت الْحَاجة إِلَيْهِ، قَالَه الْعلمَاء، وَهُوَ وَاضح، لَا سِيمَا وَهِي أوسع اللُّغَات وأفصحها.
وَعَكسه فيهمَا، يجوز خلوها عَنهُ، يَعْنِي: أَن مَا لَا يحْتَاج أَلْبَتَّة، أَو يحْتَاج إِلَيْهِ فِي النَّادِر، يجوز خلوها مِنْهُ، وَلَيْسَ بممتنع.
قَالَ ابْن حمدَان فِي " مقنعه ": (مَا احْتَاجَ النَّاس إِلَيْهِ لم تخل اللُّغَة من لفظ يفِيدهُ، وَمَا لم يحتاجوا إِلَيْهِ يجوز خلوها عَمَّا يدل عَلَيْهِ، وَمَا دعت الْحَاجة إِلَيْهِ غَالِبا فَالظَّاهِر عدم خلوها عَنهُ، وَعَكسه بعكسه) انْتهى.
وَحَاصِله: أَن مَعنا أَرْبَعَة أَقسَام:
أَحدهَا: احتاجه النَّاس واضطروا إِلَيْهِ، فَلَا بُد لَهُم من وَضعه.
الثَّانِي: عَكسه، مَا لَا يحْتَاج إِلَيْهِ أَلْبَتَّة، يجوز خلوها، وخلوها - وَالله أعلم - أَكثر.
стр. 283
الثَّالِث: مَا كثرت الْحَاجة إِلَيْهِ الظَّاهِر عدم خلوها، بل هُوَ كالمقطوع بِهِ.
الرَّابِع: عَكسه، مَا قلت الْحَاجة [إِلَيْهِ] ، يجوز خلوها مِنْهُ، وَلَيْسَ بممتنع.
قَوْله: ﴿فالصوت: عرض مسموع﴾ .
شرعنا فِي تَبْيِين الملفوظ بِهِ، فَأول مَا يلفظ بِهِ الصَّوْت، ورسمه: عرض مسموع يحصل عِنْد اصطكاك الأجرام، وَسَببه: انضغاط / الْهَوَاء بَين الجرمين، فيتموج تموجاً شَدِيدا، فَيخرج، فيقرع صماخ الآذان، فَتُدْرِكهُ قُوَّة السّمع، وَلِهَذَا تخْتَلف الْأَصْوَات فِي الظُّهُور والخفاء؛ لاخْتِلَاف الْأَجْسَام المتصاككة فِي الصلابة والرخاوة، فصوت الْمُتَكَلّم: عرض حَاصِل عَن
стр. 284
اصطكاك أجرام الْفَم - وَهِي مخارج الْحُرُوف - وَرفع النَّفس للهواء حَتَّى أذن السَّامع متكيفاً بِصُورَة كَلَام الْمُتَكَلّم.
وَقَوْلنَا: (الصَّوْت عرض) ، هُوَ جنس يتَنَاوَل جَمِيع الْأَعْرَاض الحيوانية وَغَيرهَا، كالحركات، والألوان والطعوم.
وَقَوْلنَا: (مسموع) ، خرج جَمِيعهَا إِلَّا الْعرض الَّذِي يدْرك بِالسَّمْعِ وَهُوَ الصَّوْت، وَإِنَّمَا بدأنا بالصوت؛ لِأَنَّهُ الْجِنْس الْأَعْلَى للْكَلَام الَّذِي نَحن بصدد الْكَلَام عَلَيْهِ.
قَوْله: ﴿وَاللَّفْظ: صَوت مُعْتَمد على بعض مخارج الْحُرُوف﴾ .
اللَّفْظ لُغَة: الرَّمْي، يُقَال: لفظت النواة: إِذا رميتها، ولفظت النخامة: إِذا نفثتها من فِيك، ثمَّ سمي بِهِ الصَّوْت الْمُعْتَمد على مخرج الْحُرُوف؛ لِأَن الصَّوْت لِخُرُوجِهِ من الْفَم صَار كالجوهر الملفوظ الْملقى، فَهُوَ ملفوظ حَقِيقَة أَو مجَازًا فإطلاق اللَّفْظ عَلَيْهِ من بَاب تَسْمِيَة الْمَفْعُول باسم الْمصدر، كَقَوْلِهِم: نسج الْيمن، وَهَذَا الدِّرْهَم ضرب الْأَمِير، أَي: منسوج الْيمن، ومضروب الْأَمِير.
إِذا عرفت ذَلِك؛ فاللفظ الاصطلاحي نوع للصوت؛ لِأَنَّهُ صَوت مَخْصُوص؛ وَلِهَذَا أَخذ الصَّوْت فِي حد اللَّفْظ؛ وَإِنَّمَا يُؤْخَذ فِي الشَّيْء جنس ذَلِك الشَّيْء.
стр. 285
وَالْمرَاد بالمخرج: الْقدر الْمُشْتَرك بَين الْمخْرج الْوَاحِد وَجَمِيع المخارج، وَهُوَ بعض المخارج.
فَلَو قيل: (اللَّفْظ صَوت مُعْتَمد على بعض مخارج الْحُرُوف) كَانَ أَجود وَأبين، قَالَه الطوفي فِي " شَرحه "؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْمَتْن: (اللَّفْظ صَوت مُعْتَمد على مخرج من مخارج الْحُرُوف) . /
فَلهَذَا قُلْنَا ذَلِك فِي الْمَتْن.
قَوْله: ﴿ [وَالْقَوْل: لفظ] وضع لِمَعْنى [ذهني، وَقَالَ الشِّيرَازِيّ، وَابْن مَالك: لخارجي] ، والسبكي: للمعنى من حَيْثُ هُوَ﴾ .
تقدم الْكَلَام على الصَّوْت، وَهُوَ أَعم من اللَّفْظ، وعَلى اللَّفْظ، وَهُوَ أَعم من القَوْل.
وَالْقَوْل فِي اللُّغَة: مصدر قَالَ يَقُول قولا، إِذا نطق، ثمَّ نقل اصْطِلَاحا إِلَى الْمَقُول من اللَّفْظ الْمُسْتَعْمل.
فَالْقَوْل فِي الِاصْطِلَاح: هُوَ اللَّفْظ الْمَوْضُوع لِمَعْنى.
следующие страницы →