← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6336

التحبير شرح التحرير

المرداوي

Полный текст (4 267 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وَأما كَونه أيسر؛ فَلِأَنَّهُ مُوَافق لِلْأَمْرِ الطبيعي؛ لِأَن الْحُرُوف كيفيات تعرض للنَّفس الضَّرُورِيّ؟ قَالَ الْمَاوَرْدِيّ: (وَإِنَّمَا كَانَ نوع الْإِنْسَان أَكثر حَاجَة من جَمِيع الْحَيَوَانَات، لِأَن غَيره قد يسْتَقلّ بِنَفسِهِ عَن جنسه، وَأما الْإِنْسَان فمطبوع على الافتقار إِلَى جنسه فِي الِاسْتِعَانَة، فَهُوَ صفة لَازِمَة لطبعه، وخلقة قَائِمَة فِي جوهره) . قَالَ ابْن مُفْلِح وَغَيره: (سَبَب وجودهَا: حَاجَة الْإِنْسَان، ليعرف بَعضهم مُرَاد بعض، للتساعد والتعاضد بِمَا لَا مُؤنَة فِيهِ، لخفتها وَكَثْرَة فائدتها، وَلَا مَحْذُور) . وَهَذِه من نعم الله تَعَالَى / على عباده، فَمن تَمام نعمه علينا أَن جعل ذَلِك بالنطق دون غَيره. قَوْله: ﴿وَهِي: أَلْفَاظ وضعت لمعان﴾ . أَي: اللُّغَة أَلْفَاظ، وَقَوله: (أَلْفَاظ) يَشْمَل الْمَوْضُوع والمهمل. وَقَوله (وضعت لمعان) ليخرج المهمل؛ لِأَنَّهُ لم يوضع لِمَعْنى، وَيَأْتِي قَرِيبا أَنه مَوْجُود، وَلَكِن لم تضعه الْعَرَب قطعا.

стр. 282

قَوْله: ﴿فَمَا احتاجه [الْإِنْسَان] لم تخل من لفظ لَهُ﴾ . قد تقرر الِاحْتِيَاج إِلَى الْوَضع، فَكلما اشتدت الْحَاجة إِلَيْهِ افْتقر إِلَى مَا يوضع لَهُ، فَلَا بُد لَهُم من وَضعه. قَوْله: ﴿وَالظَّاهِر عدم خلوها مِمَّا كثرت حَاجته، وَعَكسه [فيهمَا] يجوز [خلوها] ﴾ . الظَّاهِر من اسْتِعْمَال الْعَرَب: عدم خلو اللُّغَة مِمَّا كثرت الْحَاجة إِلَيْهِ، قَالَه الْعلمَاء، وَهُوَ وَاضح، لَا سِيمَا وَهِي أوسع اللُّغَات وأفصحها. وَعَكسه فيهمَا، يجوز خلوها عَنهُ، يَعْنِي: أَن مَا لَا يحْتَاج أَلْبَتَّة، أَو يحْتَاج إِلَيْهِ فِي النَّادِر، يجوز خلوها مِنْهُ، وَلَيْسَ بممتنع. قَالَ ابْن حمدَان فِي " مقنعه ": (مَا احْتَاجَ النَّاس إِلَيْهِ لم تخل اللُّغَة من لفظ يفِيدهُ، وَمَا لم يحتاجوا إِلَيْهِ يجوز خلوها عَمَّا يدل عَلَيْهِ، وَمَا دعت الْحَاجة إِلَيْهِ غَالِبا فَالظَّاهِر عدم خلوها عَنهُ، وَعَكسه بعكسه) انْتهى. وَحَاصِله: أَن مَعنا أَرْبَعَة أَقسَام: أَحدهَا: احتاجه النَّاس واضطروا إِلَيْهِ، فَلَا بُد لَهُم من وَضعه. الثَّانِي: عَكسه، مَا لَا يحْتَاج إِلَيْهِ أَلْبَتَّة، يجوز خلوها، وخلوها - وَالله أعلم - أَكثر.

стр. 283

الثَّالِث: مَا كثرت الْحَاجة إِلَيْهِ الظَّاهِر عدم خلوها، بل هُوَ كالمقطوع بِهِ. الرَّابِع: عَكسه، مَا قلت الْحَاجة [إِلَيْهِ] ، يجوز خلوها مِنْهُ، وَلَيْسَ بممتنع. قَوْله: ﴿فالصوت: عرض مسموع﴾ . شرعنا فِي تَبْيِين الملفوظ بِهِ، فَأول مَا يلفظ بِهِ الصَّوْت، ورسمه: عرض مسموع يحصل عِنْد اصطكاك الأجرام، وَسَببه: انضغاط / الْهَوَاء بَين الجرمين، فيتموج تموجاً شَدِيدا، فَيخرج، فيقرع صماخ الآذان، فَتُدْرِكهُ قُوَّة السّمع، وَلِهَذَا تخْتَلف الْأَصْوَات فِي الظُّهُور والخفاء؛ لاخْتِلَاف الْأَجْسَام المتصاككة فِي الصلابة والرخاوة، فصوت الْمُتَكَلّم: عرض حَاصِل عَن

стр. 284

اصطكاك أجرام الْفَم - وَهِي مخارج الْحُرُوف - وَرفع النَّفس للهواء حَتَّى أذن السَّامع متكيفاً بِصُورَة كَلَام الْمُتَكَلّم. وَقَوْلنَا: (الصَّوْت عرض) ، هُوَ جنس يتَنَاوَل جَمِيع الْأَعْرَاض الحيوانية وَغَيرهَا، كالحركات، والألوان والطعوم. وَقَوْلنَا: (مسموع) ، خرج جَمِيعهَا إِلَّا الْعرض الَّذِي يدْرك بِالسَّمْعِ وَهُوَ الصَّوْت، وَإِنَّمَا بدأنا بالصوت؛ لِأَنَّهُ الْجِنْس الْأَعْلَى للْكَلَام الَّذِي نَحن بصدد الْكَلَام عَلَيْهِ. قَوْله: ﴿وَاللَّفْظ: صَوت مُعْتَمد على بعض مخارج الْحُرُوف﴾ . اللَّفْظ لُغَة: الرَّمْي، يُقَال: لفظت النواة: إِذا رميتها، ولفظت النخامة: إِذا نفثتها من فِيك، ثمَّ سمي بِهِ الصَّوْت الْمُعْتَمد على مخرج الْحُرُوف؛ لِأَن الصَّوْت لِخُرُوجِهِ من الْفَم صَار كالجوهر الملفوظ الْملقى، فَهُوَ ملفوظ حَقِيقَة أَو مجَازًا فإطلاق اللَّفْظ عَلَيْهِ من بَاب تَسْمِيَة الْمَفْعُول باسم الْمصدر، كَقَوْلِهِم: نسج الْيمن، وَهَذَا الدِّرْهَم ضرب الْأَمِير، أَي: منسوج الْيمن، ومضروب الْأَمِير. إِذا عرفت ذَلِك؛ فاللفظ الاصطلاحي نوع للصوت؛ لِأَنَّهُ صَوت مَخْصُوص؛ وَلِهَذَا أَخذ الصَّوْت فِي حد اللَّفْظ؛ وَإِنَّمَا يُؤْخَذ فِي الشَّيْء جنس ذَلِك الشَّيْء.

стр. 285

وَالْمرَاد بالمخرج: الْقدر الْمُشْتَرك بَين الْمخْرج الْوَاحِد وَجَمِيع المخارج، وَهُوَ بعض المخارج. فَلَو قيل: (اللَّفْظ صَوت مُعْتَمد على بعض مخارج الْحُرُوف) كَانَ أَجود وَأبين، قَالَه الطوفي فِي " شَرحه "؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْمَتْن: (اللَّفْظ صَوت مُعْتَمد على مخرج من مخارج الْحُرُوف) . / فَلهَذَا قُلْنَا ذَلِك فِي الْمَتْن. قَوْله: ﴿ [وَالْقَوْل: لفظ] وضع لِمَعْنى [ذهني، وَقَالَ الشِّيرَازِيّ، وَابْن مَالك: لخارجي] ، والسبكي: للمعنى من حَيْثُ هُوَ﴾ . تقدم الْكَلَام على الصَّوْت، وَهُوَ أَعم من اللَّفْظ، وعَلى اللَّفْظ، وَهُوَ أَعم من القَوْل. وَالْقَوْل فِي اللُّغَة: مصدر قَالَ يَقُول قولا، إِذا نطق، ثمَّ نقل اصْطِلَاحا إِلَى الْمَقُول من اللَّفْظ الْمُسْتَعْمل. فَالْقَوْل فِي الِاصْطِلَاح: هُوَ اللَّفْظ الْمَوْضُوع لِمَعْنى.

стр. 286

وَإِنَّمَا قُلْنَا: (لِمَعْنى) ليخرج اللَّفْظ المهمل، فاللفظ أَعم من القَوْل - كَمَا تقدم - مُطلقًا عِنْد الْأَكْثَر، وَقطع بِهِ أَكثر الْأُصُولِيِّينَ. وَذهب بعض النُّحَاة إِلَى أَنَّهُمَا مُتَرَادِفَانِ، ذكره الْمرَادِي فِي " شرح ألفية ابْن مَالك "، فيستعمل القَوْل فِي المهمل - أَيْضا - على هَذَا. ثمَّ اخْتلف الْعلمَاء فِي القَوْل إِذا وضع لِمَعْنى، هَل هُوَ مَوْضُوع للمعنى الذهْنِي - وَهُوَ مَا يتصوره الْعقل - سَوَاء طابق فِي الْخَارِج أَو لَا، أَو للمعنى الْخَارِجِي، أَي: الْمَوْجُود فِي الْخَارِج، أَو للمعنى من حَيْثُ هُوَ من غير مُلَاحظَة كَونه فِي الذِّهْن أَو فِي الْخَارِج؟ على ثَلَاثَة أَقْوَال، أولاها القَوْل الأول، وَهُوَ: كَونه مَوْضُوعا للمعنى الذهْنِي، اخْتَارَهُ الرَّازِيّ،

стр. 287

وَأَتْبَاعه، وَابْن حمدَان، وَابْن قَاضِي الْجَبَل من أَصْحَابنَا؛ لدوران الْأَلْفَاظ مَعَ الْمعَانِي الذهنية وجودا وعدماً، فَإِن الْإِنْسَان إِذا رأى شخصا من بعيد تخيله طللاً سَمَّاهُ بذلك، فَإِذا قرب مِنْهُ وظنه شَجرا سَمَّاهُ بِهِ، فَإِذا دنا مِنْهُ وَرَآهُ رجلا سَمَّاهُ بِهِ. ورد: بِأَن ذَلِك إِنَّمَا هُوَ لاعتقاد مُطَابقَة الذهْنِي للخارجي، فالمدار على الْخَارِجِي. قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (لَكِن الْأُمُور الذهنية إِن طابقت الخارجية دلّت الْأَلْفَاظ عَلَيْهَا بِوَاسِطَة تِلْكَ الْمُطَابقَة) . وَالْقَوْل الثَّانِي: كَونه مَوْضُوعا للمعنى الْخَارِجِي، وَبِه قطع أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ فِي " شرح اللمع "؛ لِأَنَّهُ بِهِ تَسْتَقِر الْأَحْكَام، / وَنَصره ابْن مَالك فِي كتاب " الفيصل "، وَاخْتَارَهُ الْبرمَاوِيّ فِي " شرح منظومته ".

стр. 288

وَالْقَوْل الثَّالِث: اخْتَارَهُ السُّبْكِيّ الْكَبِير، وأفرد الْمَسْأَلَة بالتصنيف، وَاخْتَارَهُ - أَيْضا - الْإِسْنَوِيّ فِي " شرح منهاج الْبَيْضَاوِيّ "، والجاربردي فِي " شَرحه ". تنيبه: مَحل الْخلاف فِي الِاسْم النكرَة لَا الْمعرفَة. قَوْله: ﴿والوضع خَاص، وَهُوَ: جعل اللَّفْظ دَلِيلا على الْمَعْنى [وَلَو مجَازًا، وعام، وَهُوَ: تَخْصِيص شَيْء بِشَيْء يدل عَلَيْهِ كالمقادير﴾ . ذكرنَا ثَلَاثَة أَشْيَاء تشتبه على السَّامع، وَهِي: الْوَضع، والاستعمال، وَالْحمل، فَمن المهم معرفَة الْفرق بَينهَا.

стр. 289

إِذا علم ذَلِك؛ فللوضع إطلاقان: خَاص: وَهُوَ جعل اللَّفْظ دَلِيلا على الْمَعْنى مُطلقًا، وَالْمرَاد جعله متهيئاً لِأَن يُفِيد ذَلِك الْمَعْنى عِنْد اسْتِعْمَال الْمُتَكَلّم لَهُ على وَجه مَخْصُوص. وَقَوْلنَا: (وَلَو مجَازًا) ليشْمل الْمَنْقُول من شَرْعِي وعرفي، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح، أَعنِي: أَن الْمجَاز مَوْضُوع. وعام: وَهُوَ تَخْصِيص شَيْء بِشَيْء بِحَيْثُ يدل عَلَيْهِ، كجعل الْمَقَادِير دَالَّة على مقدارتها من مَكِيل وموزون ومزروع ومعدود وَغَيرهَا. وَفِي كلا الْقسمَيْنِ الْوَضع أَمر مُتَعَلق بالواضع. قَوْله: ﴿والاستعمال: إِطْلَاق اللَّفْظ وَإِرَادَة الْمَعْنى، وَالْحمل: اعْتِقَاد السَّامع مُرَاد الْمُتَكَلّم من لَفظه﴾ . تقدم الْكَلَام على الْوَضع، وَالْكَلَام الْآن على الِاسْتِعْمَال وَالْحمل، وَذكرنَا أَن الْوَضع: جعل اللَّفْظ دَلِيلا على الْمَعْنى مُطلقًا. وَإِن شِئْت قلت: الْوَضع: اخْتِصَاص شَيْء بِشَيْء، بِحَيْثُ إِذا أطلق الشَّيْء الأول فهم مِنْهُ الشَّيْء الثَّانِي، كتسمية الْوَلَد زيدا، وَهَذَا أَمر مُتَعَلق بالواضع.

стр. 290

وَيُقَال - أَيْضا - على: غَلَبَة اسْتِعْمَال اللَّفْظ فِي الْمَعْنى حَتَّى يصير أشهر فِيهِ من غَيره، وَهَذَا هُوَ وضع المنقولات الثَّلَاثَة: الشَّرْعِيّ، والعرفي الْعَام، والعرفي الْخَاص. والاستعمال: إِطْلَاق اللَّفْظ وَإِرَادَة مُسَمَّاهُ بالحكم / وَهُوَ الْحَقِيقَة، أَو غير مُسَمَّاهُ لعلاقة بَينهمَا وَهُوَ الْمجَاز، وَهُوَ من صِفَات الْمُتَكَلّم. وَالْحمل: اعْتِقَاد السَّامع مُرَاد الْمُتَكَلّم من لَفظه، أَو مَا اشْتَمَل على مُرَاده. فَالْمُرَاد كاعتقاد الْحَنْبَلِيّ والحنفي: أَن الله تَعَالَى أَرَادَ بِلَفْظ الْقُرْء الْحيض، والمالكي وَالشَّافِعِيّ: أَن الله تَعَالَى أَرَادَ الطُّهْر، وَهَذَا من صِفَات السَّامع. فالوضع سَابق، وَالْحمل لَاحق، والاستعمال متوسط. قَوْله: ﴿وَهِي: مُفْرد ومركب، فالمفرد: كلمة وَاحِدَة، وَقيل: مَا وضع لِمَعْنى وَلَا جُزْء لَهُ، [أَوله وَلَا يدل فِيهِ] ﴾ .

стр. 291

أَي: اللُّغَة: مُفْرد ومركب. أما الْمُفْرد، فَلَا نزاع فِي وضع الْعَرَب لَهُ. وَأما الْمركب، فَالصَّحِيح أَنه فِي اللُّغَة وَعَلِيهِ الْأَكْثَر، وَيَأْتِي ذكر الْخلاف فِيهِ قَرِيبا، وَالْكَلَام هُنَا فِي حد الْمُفْرد والمركب. فالمفرد عِنْد النُّحَاة: كلمة وَاحِدَة. [و] عِنْد المناطقة وَغَيرهم من الْأُصُولِيِّينَ: لفظ وضع لِمَعْنى وَلَا جُزْء لذَلِك اللَّفْظ يدل على الْمَعْنى الْمَوْضُوع لَهُ. وَقَوْلنَا: (وَلَا جُزْء لَهُ أَوله وَلَا يدل فِيهِ) شَمل أَرْبَعَة أَقسَام: الأول: مَا لَا جُزْء لَهُ أَلْبَتَّة، كباء الْجَرّ وَنَحْوهَا، فَإِنَّهَا مُفْرد وَإِن لم يسْتَقلّ بالنطق. الثَّانِي: مَا لَهُ جُزْء وَلَكِن لَا يدل مُطلقًا، كزاي زيد مثلا، فَإِن الزَّاي مِنْهُ لَا تدل على شَيْء مِنْهُ. الثَّالِث: مَا لَهُ جُزْء وَيدل لَكَانَ لَا على جُزْء الْمَعْنى كإنسان، فَإِن (إِن) فِي أَوله لَا تدل على بعض الْإِنْسَان، وَإِن كَانَت بانفرادها تدل على الشَّرْط أَو النَّفْي.

стр. 292

الرَّابِع: مَا لَهُ جُزْء وَيدل على جُزْء الْمَعْنى لَكِن فِي وضع آخر لَا فِي ذَلِك الْوَضع، كَقَوْلِنَا: حَيَوَان نَاطِق علما على شخص. وَقَوْلنَا: (فِيهِ) أَي: يدل على شَيْء حِين هُوَ جزؤه وداخل فِيهِ، فالجار وَالْمَجْرُور وَهُوَ (فِيهِ) مُتَعَلق بِمَحْذُوف كَمَا قدرناه، ذكره فِي الْعَضُد على كَلَام ابْن الْحَاجِب، وَذكر غَيره مَعْنَاهُ. قَوْله: ﴿والمركب بِخِلَافِهِ فيهمَا، / فعبد الله - علما - مركب على الأول لَا الثَّانِي، و " يضْرب " عَكسه﴾ . عِنْد النُّحَاة الْمركب: مَا كَانَ أَكثر من كلمة، فَيشْمَل تركيب المزج كبعلبك وسيبويه وَخَمْسَة عشر وَنَحْوهَا، والمضاف - وَلَو علما وَنَحْوه - كَعبد الله وَغُلَام زيد. وَعند المناطقة والأصوليين الْمركب: مَا دلّ جزؤه على جُزْء مَعْنَاهُ الَّذِي وضع لَهُ، سَوَاء كَانَ تركيبه إسنادياً كقام زيد وَزيد قَائِم، أَو إضافياً كغلام زيد، أَو تقييدياً كزيد الْعَالم، أَو مُضَافا إِذا كَانَ علما كَعبد الله، بِخِلَاف (يضْرب) فَإِن الْيَاء - وَهُوَ جزؤه - يدل على جُزْء مَعْنَاهُ، لِأَنَّهَا تدل على المضارعة.

стр. 293

فَائِدَة: الْمُؤلف والمركب مُتَرَادِفَانِ، فالمؤلف بِمَعْنى الْمركب، وَعَكسه. وَبَعض النُّحَاة وَغَيرهم فرق بَينهمَا: بِأَن الْمُؤلف يكون بَين جزئيه ألفة، بِخِلَاف الْمركب. ورد: بِأَن المُرَاد بالتركيب إِنَّمَا هُوَ على الْوَجْه الْمُعْتَبر فِي كَلَام الْعَرَب، لَا مُطلق انضمام لفظ إِلَى آخر، فَحِينَئِذٍ لَا يُوجد مركب إِلَّا وَبَين جزئيه ألفة. قَوْله: ﴿ثمَّ الْمُفْرد [مهمل ومستعمل، فَإِن] اسْتَقل بِمَعْنَاهُ وَدلّ بهيئته على أحد الْأَزْمِنَة الثَّلَاثَة [فَهُوَ الْفِعْل] ، وَهُوَ مَاض، كقام، ويعرض لَهُ الِاسْتِقْبَال بِالشّرطِ، وَلم يضْرب عَكسه، ومضارع كيقوم، وَأمر [كقم] ﴾ . الْمُفْرد يَنْقَسِم إِلَى قسمَيْنِ: مهمل، ومستعمل. فالمهمل كأسماء حُرُوف الهجاء، أَي: كمدلولاتها، فَإِن مَدْلُول الْألف أَو مَدْلُول [الْبَاء] وَهَذِه المدلولات لم تُوضَع بِإِزَاءِ شَيْء. قَالَ ابْن الْعِرَاقِيّ وَغَيره: (أَلا ترى أَن الصَّاد مَوْضُوع لهَذَا

стр. 294

الْحَرْف، وَهُوَ مهمل لَا معنى لَهُ، وَإِنَّمَا يتعلمه الصغار فِي الِابْتِدَاء للتوصل بِهِ إِلَى معرفَة غَيره) . والمستعمل يَنْقَسِم إِلَى: اسْم، وَفعل، وحرف، وَوجه الْحصْر فِي ذَلِك أَن يُقَال: إِن اسْتَقل الْمُفْرد بِمَعْنَاهُ / وَدلّ بهيئته على أحد الْأَزْمِنَة الثَّلَاثَة، وَهِي: الْمَاضِي، وَالْحَال، والمستقبل، فَهُوَ الْفِعْل، وَهُوَ ثَلَاثَة أَنْوَاع: أَحدهَا: ماضي، كقام وَنَحْوه، ويعرض لَهُ الِاسْتِقْبَال بِالشّرطِ، نَحْو: إِن قَامَ زيد قُمْت، فَأصل وَضعه للماضي، وَقد يخرج عَن أَصله لعَارض، وَعَكسه (يضْرب) ، فَأصل (يضْرب) للْحَال أَو للاستقبال، ويصرفه إِلَى الْمَاضِي دُخُول حرف (لم) فيخرجه عَن أَصله وَيبقى للماضي، وَأحسن مِنْهُ مِثَالا (لَو) فَإِنَّهَا شَرط للماضي، وَإِن دخلت على الْمُضَارع صرفته إِلَيْهِ، كَمَا يَأْتِي بَيَانه فِي معنى (لَو) . وَالثَّانِي: مضارع كيقوم وَنَحْوه، وَفِيه مَذَاهِب: أَحدهَا: أَنه للْحَال. وَالثَّانِي: للاستقبال.

стр. 295

وَالثَّالِث - وَهُوَ الْأَشْهر هُوَ ظَاهر كَلَامه فِي " التسهيل " -: أَنه حَقِيقَة فيهمَا، فَيكون مُشْتَركا، فَمَتَى اسْتعْمل فِي الْمَاضِي كَانَ مجَازًا قطعا، وَكَذَا لَو اسْتعْمل فِي غير مَا وضع لَهُ عِنْد الْقَائِل بِهِ. وَقَالَ الْبرمَاوِيّ فِي " شرح منظومته ": (فِي الْمُضَارع خَمْسَة مَذَاهِب: كَونه للْحَال لَا للاستقبال، عَكسه، كَونه حَقِيقَة فِي الْحَال مجَازًا فِي الِاسْتِقْبَال، عَكسه، حَقِيقَة فيهمَا) انْتهى. وأفصح بهَا أَبُو حَيَّان فَقَالَ: (الْمَشْهُور أَنه مُشْتَرك بَين الْحَال والاستقبال، قَالَ ابْن مَالك: إِلَّا أَن الْحَال يتَرَجَّح عِنْد التجرد، وَفِيه نظر، وَقيل: حَقِيقَة فِي الْحَال مجَاز فِي الِاسْتِقْبَال، وَقيل عَكسه، وَقيل: حَقِيقَة فِي الْحَال وَلَا يسْتَعْمل فِي الِاسْتِقْبَال أصلا، لَا حَقِيقَة وَلَا مجَازًا، وَقيل عَكسه) انْتهى. وَالثَّالِث: أَمر ك (قُم) ، وَهُوَ وَاضح، وَأما ل (يقم) فَإِنَّهُ مضارع دخلت لَام الْأَمر عَلَيْهِ. وَقَوله: ﴿وتجرده عَن الزَّمَان عَارض للإنشاء، وَقد يلْزمه ك (عَسى) ، وَقد لَا [يلْزمه] ك (نعم) وَبئسَ﴾ . الأَصْل فِي الْأَفْعَال: أَن يكون لأحد الْأَزْمِنَة الثَّلَاثَة، وَقد يتجرد عَن الزَّمَان، فَيكون للإنشاء بِوَضْع الْعرف، وَقد يلْزم التجرد عَن الزَّمَان

стр. 296

ك (عَسى) ، فَإِنَّهُ وضع أَولا للماضي، وَلم يسْتَعْمل / فِيهِ قطّ، بل فِي الْإِنْشَاء. قَالَ القَاضِي عضد الدّين: (وَكَذَا حبذا، فَإِنَّهُ لَا معنى لَهَا فِي الْأَزْمِنَة) . وَقد لَا يلْزم التجرد فيستعمل فِي الأَصْل وَهُوَ الْمَاضِي، ويتجرد عَن الزَّمَان - أَيْضا - للإنشاء ك (نعم) و (بئس) ، فَيُقَال: نعم زيد أمس، وَبئسَ زيد أمس، وَنعم زيد، وَبئسَ، من غير نظر إِلَى زمَان. قَوْله: ﴿وَإِلَّا فالاسم﴾ . يَعْنِي: أَن الْمُفْرد إِن اسْتَقل بِمَعْنَاهُ لم يدل على أحد الْأَزْمِنَة الثَّلَاثَة فَهُوَ الِاسْم، فصبوح أمس، وغبوق غَد، وضارب أمس، وَنَحْوه يدل بِنَفسِهِ، لَكِن لم يدل وضعا، بل لعَارض كاللفظ بِالِاسْمِ ومدلوله؛ فَإِنَّهَا لَازم كالمكان. وَنَحْو: (صه) دلّ على اسْكُتْ، وبواسطته على سكُوت مقترن بالاستقبال. والمضارع إِن قيل: مُشْتَرك بَين الْحَال والاستقبال، فَوَضعه لأَحَدهمَا، واللبس عِنْد السَّامع. قَوْله: ﴿وَإِن لم يسْتَقلّ فالحرف، وَهُوَ: مَا دلّ على معنى فِي غَيره: وَقيل: لَا يحْتَاج إِلَى حد، وَسكت [جمع] عَن حَده﴾ .

стр. 297

يَعْنِي: أَن الْمُفْرد إِذا لم يسْتَقلّ بِنَفسِهِ بِالْمَعْنَى فَهُوَ الْحَرْف، وَالصَّحِيح أَنه يحد، وَحده: مَا دلّ على معنى فِي غَيره؛ ليخرج الِاسْم وَالْفِعْل. وَقَالَ بَعضهم: هُوَ لفظ لَا يدل على معنى فِي نَفسه. وَقَالَ بَعضهم: لفظ لَا يسْتَقلّ بِالْمَعْنَى، ومعانيها مُتَقَارِبَة. وَقيل: لَا يحْتَاج إِلَى حد لَهُ؛ لِأَن ترك الْعَلامَة لَهُ عَلامَة، وَهَذَا اخْتَارَهُ جمَاعَة مِنْهُم الحريري. ورد: بِأَنَّهُ لتعريف حَقِيقَة الْمَحْدُود. وَسكت جمَاعَة عَن حَده، فَيحْتَمل أَن لَهُ حدا عِنْدهم وَلَكِن لم يذكروه، وَيحْتَمل أَنه كالقول الثَّانِي. قَوْله: ﴿والمركب: مهمل مَوْجُود، خلافًا للرازي وَغَيره﴾ .

стр. 298

الصَّحِيح: أَن الْمركب يَنْقَسِم إِلَى: مهمل، ومستعمل، وَأَن المهمل مَوْجُود، اخْتَارَهُ الْبَيْضَاوِيّ، والتاج السُّبْكِيّ، ومثلوه بالهذيان، فَإِنَّهُ لفظ مدوله لفظ مركب مهمل. / قَالَ الكوراني: (وَهُوَ بعيد؛ لِأَن وجود مركب إسنادي لَا يكون لَهُ معنى، فِي غَايَة الْبعد) . وَقَالَ الرَّازِيّ وَصَاحب " التَّحْصِيل " و " الْحَاصِل ": (الْأَشْبَه أَنه غير مَوْجُود؛ لِأَن الْغَرَض من التراكيب للإفادة) ، وَهَذَا إِنَّمَا يدل على أَن المهمل غير مَوْضُوع، لَا على أَنه لم يوضع لَهُ اسْم. قَوْله: ﴿وَلم تضعه الْعَرَب قطعا﴾ . قَالَ شرَّاح " جمع الْجَوَامِع ": (نفس ذَلِك اللَّفْظ المهمل لم تضعه الْعَرَب، وَلَا تجوز نسبته إِلَيْهَا لَا حَقِيقَة وَلَا مجَازًا، وَهَذَا لَا خلاف فِيهِ) . قَوْله: ﴿ومستعمل وَضعته الْعَرَب، خلافًا للرازي، وَابْن مَالك، [وَجمع] ﴾ .

стр. 299

تقدم أَن الْمُفْردَات وَضَعتهَا الْعَرَب بِلَا نزاع، وَأَن الْمركب قِسْمَانِ: مهمل تقدم حكمه. ومستعمل اخْتلف الْعلمَاء: هَل وَضعته الْعَرَب كالمفرد، أم لَا، واستغنوا بالمفردات؟ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: لم يضعوه، فَلَيْسَ بموضوع، وَلِهَذَا لم يتَكَلَّم أهل اللُّغَة فِيهِ وَلَا فِي أَنْوَاع تأليفه؛ لكَون الْأَمر موكولاً إِلَى الْمُتَكَلّم، وَاخْتَارَ هَذَا الْفَخر الرَّازِيّ، وَهُوَ ظَاهر كَلَام ابْن مَالك حَيْثُ قَالَ: (إِن دلَالَة الْكَلَام عقلية) ، وَاحْتج لَهُ فِي الفيصل على الْمفصل: (بِأَن من يعرف لفظين لَا يفْتَقر عِنْد سماعهما مَعَ إِسْنَاد إِلَى معرف لِمَعْنى الِاسْتِنَاد، بل يُدْرِكهُ ضَرُورَة؛ لِأَنَّهُ لَو كَانَ الْمركب مَوْضُوعا لافتقر كل مركب إِلَى سَماع من الْعَرَب كالمفردات) . وَحكى ابْن إياز عَن ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .

стр. 300

شَيْخه نَحوه. وَالصَّحِيح: أَنه مَوْضُوع، بِدَلِيل أَن لَهُ قوانين فِي الْعَرَبيَّة لَا يجوز تغييرها، وَمَتى غيرت حكم عَلَيْهَا بِأَنَّهَا لَيست عَرَبِيَّة، كتقديم الْمُضَاف إِلَيْهِ على الْمُضَاف، وَإِن قدم فِي غير لُغَة الْعَرَب، وكتقديم الصِّلَة أَو معمولها على الْمَوْصُول، وَغير ذَلِك مِمَّا لَا ينْحَصر، فحجروا فِي التَّرْكِيب كَمَا فِي الْمُفْردَات، وَاخْتَارَهُ ابْن الْحَاجِب وَغَيره / حَيْثُ قَالَ: (وأقسامها مُفْرد ومركب) ، وَكَذَا ابْن مُفْلِح، وَابْن قَاضِي الْجَبَل وَغَيرهمَا من أَصْحَابنَا. قَالَ الْقَرَافِيّ: (وَهُوَ الصَّحِيح) ، وَعَزاهُ غَيره إِلَى الْجُمْهُور.

стр. 301

وَقَالَ الْبرمَاوِيّ: (وَالتَّحْقِيق أَن يُقَال: إِن أُرِيد أَنْوَاع المركبات فَالْحق أَنَّهَا مَوْضُوعَة، أَو جزيئات النَّوْع فَالْحق الْمَنْع، وَيَنْبَغِي أَن ينزل المذهبان على ذَلِك) . وَمِمَّا يتَفَرَّع على الْخلاف مَا سَيَأْتِي أَن الْمجَاز، هَل يكون فِي التَّرْكِيب، وَأَن العلاقة هَل تشْتَرط فِي آحاده؟ وَنَحْو ذَلِك. قَوْله: ﴿وَمثله: الْمثنى وَالْجمع﴾ . الْمثنى وَالْجمع، هَل هما من قبيل الْمُفْرد فيكونان مَوْضُوعَيْنِ، أَو من قبيل الْمركب لشبههما بِهِ فَلَا يكونَانِ مَوْضُوعَيْنِ؟ على الْخلاف السَّابِق فِيهِ وَظَاهر كَلَام ابْن مَالك فِي " التسهيل " الثَّانِي، حَيْثُ قَالَ: (التَّثْنِيَة: جعل الِاسْم الْقَابِل دَلِيل اثْنَيْنِ متفقين) إِلَى آخِره. وَقَالَ فِي " الْجمع ": (جعله دَلِيل مَا فَوق اثْنَيْنِ) إِلَى آخِره. وَبَعْضهمْ يَقُول: الْمثنى: مَا وضع لاثْنَيْنِ، وَالْجمع: مَا وضع لأكْثر، فَيَقْتَضِي أَنه مَوْضُوع؛ لِأَنَّهُ [مُقَرر] على قوانين لَا يجوز الْإِخْلَال بهَا،

стр. 302

وَيَنْبَغِي أَن يجْرِي فِيهِ مَا سبق فِي المركبات، وَهُوَ الْوَضع فِي الْأَنْوَاع لَا فِي الجزئيات، وَيحمل كَلَام الْفَرِيقَيْنِ على ذَلِك، وَيَأْتِي هَل الْمجَاز الْمركب مَوْضُوع فِي الْكَلَام على اشْتِرَاط النَّقْل فِي الْآحَاد؟ قَوْله: ﴿وَهُوَ جملَة: وَهِي مَا وضع لإِفَادَة نِسْبَة، وَهُوَ الْكَلَام﴾ . يَعْنِي: أَن الْمركب يكون جملَة وَغير جملَة، وَالْجُمْلَة [إِن أَفَادَ نِسْبَة فَهُوَ الْكَلَام] ، وَإِلَّا فَلَا، وَلذَلِك قُلْنَا: وَهِي مَا وضع لإِفَادَة نِسْبَة، أَي: لفظ وضع لإِفَادَة نِسْبَة، أَي: إِسْنَاد إِحْدَى الْكَلِمَتَيْنِ إِلَى الْأُخْرَى لإِفَادَة الْمُخَاطب معنى يَصح سُكُوته عَلَيْهِ، مثل: زيد قَائِم، وَقَامَ زيد، فَيخرج الْمركب الإضافي كغلام زيد وَنَحْوه؛ لِأَنَّهُ لم يفد الْمُخَاطب معنى يَصح السُّكُوت عَلَيْهِ. وَاخْتَارَ أَبُو حَيَّان وَغَيره: أَن الْجُمْلَة وَالْكَلَام مُتَرَادِفَانِ، وَالصَّوَاب: أَن الْجُمْلَة أَعم؛ لصدقها على [مَا لَا يُفِيد] أَو لَا يُفِيد فَائِدَة / يحسن السُّكُوت عَلَيْهَا، كجملة الصِّلَة، وَجُمْلَة الشَّرْط، وَجُمْلَة الْجَزَاء وَنَحْوه.

стр. 303

قَوْله: ﴿وَلَا يتألف إِلَّا من اسْمَيْنِ، أَو اسْم وَفعل﴾ . وَذَلِكَ لِأَن الْجُمْلَة تَتَضَمَّن الْإِسْنَاد، والإسناد يَقْتَضِي مُسْندًا وَمُسْندًا إِلَيْهِ، وَالِاسْم يصلح لَهما، وَالْفِعْل يصلح أَن يكون مُسْندًا وَلَا يصلح أَن يكون مُسْندًا إِلَيْهِ، والحرف لَا يصلح لشَيْء مِنْهُمَا. والتركيب الْعقلِيّ من كَلِمَتَيْنِ يَشْمَل سِتّ صور: اسْم مَعَ اسْم، وَاسم مَعَ فعل، وَاسم مَعَ حرف، وَفعل مَعَ فعل، وَفعل مَعَ حرف، وحرف مَعَ حرف. فالأربعة الْأَخِيرَة لَا تتأتى مِنْهَا الْجُمْلَة، إِمَّا لعدم الْمسند، أَو لعدم الْمسند إِلَيْهِ، أَو [لعدمهما] . لَكِن خَالف الْجِرْجَانِيّ وَغَيره فِي حرف اسْم ك " يَا زيد "، وَقَالَهُ

стр. 304

الْمُوفق فِي " الرَّوْضَة " وَغَيره، وَحَكَاهُ ابْن مُفْلِح عَن الْكُوفِيّين. ورد: بِأَنَّهُ مفعول لفعل مَحْذُوف دلّ عَلَيْهِ حرف النداء، وَالتَّقْدِير: أَدْعُو، أَو أنادي زيدا. قَالَ الطوفي فِي " مُخْتَصره ": (وَيَا زيد، والشرطية نَحْو: إِن تقم أقِم، فعليتان) . فَلذَلِك لم أعرج على ذَلِك فِي الْمَتْن. وَقَالَ ابْن الباقلاني وَأَبُو الْمَعَالِي: يتركب من حرف وَفعل وتعلقا بإفادة نَحْو: قد قَامَ. ورد: بِأَن فِيهِ ضميراً مستتراً. ولضعف ذَلِك تَرَكْنَاهُ. قَوْله: ﴿من مُتَكَلم وَاحِد، قَالَه الباقلاني، وَالْغَزالِيّ، وَابْن

стр. 305

مُفْلِح، وَغَيرهم، وَخَالف [جمع] ﴾ . قَالَ ابْن مُفْلِح فِي " أُصُوله " - لما قَالَ: (وَلَا يتألف عِنْد النُّحَاة إِلَّا من اسْمَيْنِ أَو فعل وَاسم) -: (وَالْمرَاد من شخص وَاحِد، لِأَنَّهُ لابد من مُسْند ومسند إِلَيْهِ) . وَقَالَ جمع: يجوز أَن يكون من متكلمين فَأكْثر بِأَن يصطلح اثْنَان بِأَن يذكر هَذَا الْفِعْل وَهَذَا الْفَاعِل، أَو أحدهماالمبتدأ وَالْآخر الْخَبَر وَقَالَهُ ابْن مَالك، ورد الأول: (بِأَن الْخط لَا يَتَعَدَّد بِتَعَدُّد الْكَاتِب مَعَ كَونه كِتَابَة فَكَذَلِك هُنَا) ، وَكَذَلِكَ أَبُو حَيَّان فِي " الارتشاف ". وَأجَاب ابْن مَالك بِجَوَاب آخر وَهُوَ التَّحْقِيق: (أَن الْكَلَام لَا بُد لَهُ من إِسْنَاد، وَهُوَ لَا يكون إِلَّا من وَاحِد، فَإِن وجد من كل وَاحِد مِنْهُمَا / إِسْنَاد بالإرادة، فَكل وَاحِد مِنْهُمَا مُتَكَلم بِكَلَام مركب، وَلَكِن حذف بعضه لدلَالَة الآخر عَلَيْهِ، فَلم يُوجد كَلَام من متكلمين، بل كلامان من اثْنَيْنِ) انْتهى

стр. 306

قلت: قَالَ أَبُو حَيَّان فِي " الارتشاف ": (لَا يشْتَرط فثي كَلَام أَن يكون من نَاطِق وَاحِد على الصَّحِيح) انْتهى. وَذكر أَصْحَابنَا فرعا مترتبا على ذَلِك وَهُوَ مَا إِذا قَالَ رجل: امْرَأَة فلَان طَالِق، فَقَالَ الزَّوْج: ثَلَاثًا وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: (هِيَ تشبه مَا لَو قَالَ: لي عَلَيْك ألف، فَقَالَ: صِحَاح، وفيهَا وَجْهَان، - قَالَ -: وَهَذَا أصل فِي الْكَلَام من اثْنَيْنِ إِن أَتَى الثَّانِي بِالصّفةِ وَنَحْوهَا هَل يكون متمماً [للْأولِ] أم لَا؟ انْتهى. قَوْله: ﴿وحيوان نَاطِق، و " كَاتب " فِي زيد كَاتب، [لم يفد] نِسْبَة﴾ . هَذَا جَوَاب عَن سُؤال مُقَدّر تَقْدِيره: إِن الْحَد الْمَذْكُور للجملة غير مطرد، ضَرُورَة صدقه على الْمركب التقييدي، وعَلى نَحْو (كَاتب) فِي قَوْله: زيد كَاتب، وَالْمرَاد بالمركب التقييدي: الْمركب من اسْمَيْنِ، أَو اسْم وَفعل، يكون الثَّانِي قيدا فِي الأول، وَيقوم مقامهما لفظ مُفْرد مثل: حَيَوَان نَاطِق، وَالَّذِي يكْتب، فَإِنَّهُ يقوم مقَام الأول الْإِنْسَان، ومقام الثَّانِي الْكَاتِب. وَإِنَّمَا قُلْنَا: (الْحَد يصدق عَلَيْهِمَا) ؛ لِأَن الأول لفظ وضع لإِفَادَة نِسْبَة تقييدية، وَالثَّانِي وضع لإِفَادَة نِسْبَة اسْم الْفَاعِل إِلَى الضَّمِير الَّذِي هُوَ فَاعله.

стр. 307

وَالْجَوَاب أَن يُقَال: لَا نسلم أَن الْحَد يصدق عَلَيْهِمَا؛ لِأَن المُرَاد بإفادة النِّسْبَة: إِفَادَة نِسْبَة يحسن السُّكُوت عَلَيْهَا، وهما لم يوضعا لإِفَادَة نِسْبَة كَذَلِك. قَوْله: ﴿وَغير جملَة بخلافة﴾ . أَي: الْمركب يَنْقَسِم إِلَى جملَة، وَغير جملَة، فَتقدم الْكَلَام على الْجُمْلَة: وَهُوَ مَا وضع لإِفَادَة نِسْبَة، وَالَّذِي لم يوضع [لإِفَادَة] نِسْبَة هُوَ غير جملَة، فيندرج فِيهِ المركبات التقييدية، و (كَاتب) فِي زيد كَاتب، وَنَحْوهمَا كغلام زيد وَنَحْوه. قَوْله: ﴿وَيُسمى مُفردا أَيْضا﴾ . وَإِنَّمَا قُلْنَا: (أَيْضا) ؛ لِأَن الْمُفْرد يصدق وَيُطلق على مُقَابل الْجُمْلَة، / وعَلى مُقَابل الْمثنى وَالْجمع، وعَلى مُقَابل الْمركب. فَيُقَال: مُفْرد وَجُمْلَة، ومفرد ومثنى ومجموع، ومفرد ومركب، إطلاقاً متعارفاً. قَوْله: ﴿وَيُرَاد بِالْكَلِمَةِ: الْكَلَام، [و] بالْكلَام: الْكَلِمَة، والكلم الَّذِي لم يفد﴾ .

стр. 308

ورد تَسْمِيَة الْكَلَام بِكَلِمَة فِي الْكتاب، وَالسّنة، وَكَلَام الْعَرَب. قَالَ تَعَالَى: ﴿قَالَ رب ارْجِعُونِ لعَلي أعمل صلحا فِيمَا تركت كلا أَنَّهَا كلمة هُوَ قَائِلهَا﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٩٩ - ١٠٠] ، فَسمى ذَلِك كُله كلمة. وَقَالَ النَّبِي ﷺ َ -: " أصدق كلمة قَالَهَا [شَاعِر] كلمة لبيد أَلا كل شَيْء مَا خلا الله بَاطِل "، فَسمى ذَلِك كُله كلمة. وَهُوَ مجَاز مهمل فِي عرف النُّحَاة، فَقيل: هُوَ من تَسْمِيَة الشَّيْء باسم بعضه، وَقيل: لما ارْتبط أَجزَاء الْكَلَام بَعْضهَا بِبَعْض حصل لَهُ بذلك وحدة، فشابه بهَا الْكَلِمَة ، فَأطلق عَلَيْهِ كلمة. وَقَوله: (وبالكلام الْكَلِمَة) ، أَي: يُرَاد بالْكلَام الْكَلِمَة، عكس الأول.

стр. 309

فَيُقَال: تكلم بِكَلَام، ومرادهم بِكَلِمَة. قَالَ ابْن مُفْلِح: (وَقَالَ بَعضهم: يُرَاد بالْكلَام الْكَلِمَة، قَالَ سِيبَوَيْهٍ فِي قَوْلهم: من أَنْت زيد؟ : " مَعْنَاهُ: من أَنْت كلامك زيد؟ " وَقَالَهُ أَبُو الْحُسَيْن وَغَيره) . وَيُرَاد بالْكلَام - أَيْضا - الْكَلم الَّذِي لم يفد، فَلَو أَفَادَ سمي كلَاما وَكلما، وَحَكَاهُ ابْن مُفْلِح قولا. وَاعْلَم أَن للْكَلَام فِي اللُّغَة إطلاقات، أَحدهَا: إِطْلَاق الْكَلَام على مُطلق التَّلَفُّظ وَلَو بِكَلِمَة وَاحِدَة، وَمِنْه حَدِيث الْبَراء بن عَازِب ﵁: (أمرنَا بِالسُّكُوتِ ونهينا عَن الْكَلَام) ، فَيشْمَل الْكَلِمَة الْوَاحِدَة.

стр. 310

وَحَدِيث ابْن مَسْعُود ﵁: " وَإِن مِمَّا أحدث أَن لَا تكلمُوا فِي الصَّلَاة ". وَتقول: تكلم الصَّبِي، تُرِيدُ أصل التَّلَفُّظ وَإِن لم يفد. وَلَو حلف أَن لَا يتَكَلَّم، حنث بِمُطلق اللَّفْظ.

стр. 311

وَهَذَا المُرَاد بقولنَا: (وبالكلام الْكَلِمَة والكلم الَّذِي لم يفد) . الثَّانِي: الْخط، وَمِنْه: قَوْلهم: مَا بَين دفتي الْمُصحف / كَلَام الله. الثَّالِث: الرَّمْز، وَمِنْه: قَوْله تَعَالَى: ﴿ءايتك أَلا تكلم النَّاس ثَلَاثَة أَيَّام إِلَّا رمزاً﴾ [آل عمرَان: ٤١] ، فاستثنى الرَّمْز من الْكَلَام، قَالَه الْبرمَاوِيّ. قلت: الْجُمْهُور قَالُوا: إِن الاستثاء مُنْقَطع، فَلَا يكون مِمَّا نَحن فِيهِ. الرَّابِع: مَا يفهم من حَال الشَّيْء كَقَوْل الشَّاعِر: (امْتَلَأَ الْحَوْض وَقَالَ قطني ... ) (مهلا رويداً قد مَلَأت بَطْني ... ) قَوْله: ﴿قَالَ الشَّيْخ: [مُسَمّى] الْكَلَام وَالْقَوْل عِنْد الْإِطْلَاق يتَنَاوَل اللَّفْظ وَالْمعْنَى جَمِيعًا، [كتناول] الْإِنْسَان الرّوح وَالْبدن، عِنْد السّلف والفققهاء، وَالْأَكْثَر، وَقَالَ كثير من أهل الْكَلَام: مُسَمَّاهُ اللَّفْظ، وَالْمعْنَى [لَيْسَ

стр. 312

جزءه بل مَدْلُوله، وَقَالَهُ] النُّحَاة؛ لتَعلق صناعتهم بِاللَّفْظِ، وَقَالَ ابْن كلاب وَأَتْبَاعه: مُسَمَّاهُ الْمَعْنى، وَبَعض أَصْحَابه: مُشْتَرك بَينهمَا، وَعَن الْأَشْعَرِيّ وَغَيره، مجَاز فِي كَلَام الله تَعَالَى﴾ . ذكر الشَّيْخ تَقِيّ الدّين كَلَامه هَذَا فِي أَمَاكِن كَثِيرَة من تصانيفه، كالرد على الرافضي، وَغَيره، وَقَالَ فِي مَوضِع: (كَمَا أَن لفظ الْإِنْسَان قيل: هُوَ حَقِيقَة فِي الْبدن فَقَط، وَقيل: فِي الرّوح فَقَط، وَالصَّوَاب: أَنه حَقِيقَة فِي الْمَجْمُوع فالنزاع فِي النَّاطِق كالنزاع فِي منْطقَة) انْتهى. وَقَالَ كثير من أهل الْكَلَام: مُسَمّى الْكَلَام هُوَ اللَّفْظ، وَأما الْمَعْنى فَلَيْسَ جزءه بل مَدْلُوله، وَقَالَهُ ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . .

стр. 313

النحاه وَغَيرهم وَذَلِكَ لتَعلق صناعتهم بِاللَّفْظِ فَقَط. وَعكس عبد الله بن كلاب وَأَتْبَاعه ذَلِك، فَقَالُوا: مُسَمّى الْكَلَام الْمَعْنى فَقَط لَا اللَّفْظ. وَقَالَ بعض أَصْحَاب ابْن كلاب: مُشْتَرك بَين اللَّفْظ وَالْمعْنَى، فيسمى اللَّفْظ كلَاما حَقِيقَة، وَيُسمى الْمَعْنى كلَاما حَقِيقَة. وَرُوِيَ عَن الْأَشْعَرِيّ وَبَعض الْكلابِيَّة: مجَاز فِي كَلَام الله تَعَالَى؛ لِأَن الْكَلَام الْعَرَبِيّ عِنْدهم لَا يقوم بِهِ تَعَالَى، وَهُوَ حَقِيقَة فِي كَلَام الْآدَمِيّين؛ لِأَن حُرُوف الْآدَمِيّين تقوم بهم. قَالَ / الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: (اتّفق الْمُسلمُونَ على أَن الْقُرْآن كَلَام الله، فَإِن كَانَ كَلَامه هُوَ الْمَعْنى فَقَط [وَالنّظم الْعَرَبِيّ الَّذِي] يدل على الْمَعْنى لَيْسَ كَلَام الله، كَانَ مخلوقاً خلقه الله تَعَالَى فِي غَيره، فَيكون كلَاما لذَلِك الْغَيْر، لِأَن الْكَلَام إِذا خلق فِي مَحل كَانَ كلَاما لذَلِك الْمحل، فَيكون الْكَلَام الْعَرَبِيّ لَيْسَ كَلَام الله بل كَلَام غَيره، وَمن الْمَعْلُوم بالاضطرار من دين الْمُسلمين أَن الْكَلَام الْعَرَبِيّ الَّذِي بلغه مُحَمَّد ﷺ َ - عَن الله تَعَالَى أعلم أمته أَنه كَلَام الله تَعَالَى لَا كَلَام غَيره، وَهَذَا يبطل قَول من قَالَ من الْمُتَأَخِّرين: إِن الْكَلَام يُقَال بالاشتراك على اللَّفْظ وَالْمعْنَى، فَيُقَال لَهُم: إِذا كَانَ كل مِنْهُمَا يُسمى كلَاما

стр. 314

حَقِيقَة امْتنع أَن يكون وَاحِد مِنْهُمَا مخلوقاً، إِذْ لَو كَانَ مخلوقاً لَكَانَ كلَاما للمحل الَّذِي خلق فِيهِ، وَلِهَذَا لم يكن قدماء الْكلابِيَّة يَقُولُونَ بالاشتراك، لِأَنَّهُ يبطل حجتهم على الْمُعْتَزلَة وَيُوجب عَلَيْهِم القَوْل بِأَن كَلَام الله مَخْلُوق، لَكِن يَقُولُونَ: إِن إِطْلَاق الْكَلَام على اللَّفْظ بطرِيق الْمجَاز، وعَلى الْمَعْنى بطرِيق الْحَقِيقَة، فَعلم متأخرهم أَن هَذَا فَاسد بِالضَّرُورَةِ، وَأَن اسْم الْكَلَام يتَنَاوَل اللَّفْظ حَقِيقَة فجعلوه مُشْتَركا، فلزمهم أَن يكون كَلَام الله مخلوقاً، فهم بَين محذورين: إِمَّا القَوْل بِأَن كَلَام [الله] مَخْلُوق، وَإِمَّا القَوْل بِأَن الْقُرْآن الْعَرَبِيّ لَيْسَ [كَلَام] الله، وكلا الْأَمريْنِ مَعْلُوم الْفساد. وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بعد ذَلِك: (لَا نمْنَع الْمَعْنى وَحده أَن يُسمى كلَاما كَمَا يُسمى اللَّفْظ وَحده كلَاما، لَكِن الْكَلَام فِي الْقُرْآن الَّذِي هُوَ لفظ وَمعنى، هَل جَمِيعه كَلَام الله؟ أَو لَفظه كَلَام الله دون مَعْنَاهُ؟ أَو مَعْنَاهُ كَلَام الله دون لَفظه؟ وَمن الْمَعْلُوم بالاضطرار من دين الْإِسْلَام أَن الْجَمِيع كَلَام الله) انْتهى. وَيَأْتِي الْكَلَام / على هَذَا وَغَيره فِي أَوَائِل الْكَلَام على الْكتاب بأتم من هَذَا.

стр. 315

قَوْله: ﴿فصل﴾ ﴿الدّلَالَة: مصدر دلّ، وَهِي [مَا] يلْزم من فهمه فهم شَيْء آخر [بِلَفْظ] أَو غَيره] ، [فاللفظية] : طبعية، وعقلية، ووضعية، [وَهِي - أَي الوضعية -: كَون اللَّفْظ إِذا أطلق فهم الْمَعْنى الَّذِي لَهُ بِالْوَضْعِ] ، فدلالته -[أَي اللَّفْظ]- الوضعية على مُسَمَّاهُ: [مُطَابقَة] ، وعَلى جزئه: تضمن، [وعَلى لَازمه الْخَارِج، وَقيل: الذهْنِي: الْتِزَام] ﴾ . لَا شكّ أَن الدّلَالَة مصدر دلّ، إِذْ قد يُقَال: دلّ يدل دلَالَة بِفَتْح الدَّال على الْأَفْصَح وبكسرها.

стр. 316

وَقيل: بِالْفَتْح فِي الْأَعْيَان، وبالكسر فِي الْمعَانِي، كَمَا تقدم. وَمعنى الدّلَالَة: الْإِرْشَاد إِلَى الشَّيْء، وَتقدم مَعْنَاهُ فِي الدَّلِيل، فَإِنَّهُ من الْمَادَّة. وَهِي هُنَا: كَون الشَّيْء بِحَيْثُ يلْزم من فهمه فهم شَيْء آخر، فالشيء الأول هُوَ الدَّال، وَالثَّانِي هُوَ الْمَدْلُول. وَقَالَ بَعضهم: هِيَ كَون الشَّيْء بِحَالَة يلْزم من الْعلم بِهِ الْعلم بِشَيْء آخر، وَسَوَاء كَانَ ذَلِك بِلَفْظ أَو غَيره؛ لِأَن الدّلَالَة تَارَة تكون لفظية، وَتارَة تكون غير لفظية. فاللفظية: هِيَ [المستندة] لوُجُود اللَّفْظ، إِذا ذكر وجدت، وتنقسم ثَلَاثَة أَقسَام: طبعية، وعقلية، ووضعية. فالطبعية: كدلالة (أح أح) على وجع فِي الصَّدْر. والعقلية: كدلالة الصَّوْت على حَيَاة صَاحبه. والوضعية: وَهِي كَون اللَّفْظ إِذا أطلق فهم الْمَعْنى الَّذِي هُوَ لَهُ بِالْوَضْعِ، سَوَاء كَانَ بِوَضْع اللُّغَة، أَو الشَّرْع، أَو الْعرف، لذَلِك اللَّفْظ، فَهِيَ غير الوضعية الَّتِي هِيَ [قسيم] اللفظية.

стр. 317

فالوضعية هُنَا من الدلالات اللفظية، وَهِي المرادة، وَهِي ثَلَاثَة أَقسَام، وَلذَلِك قُلْنَا: (ودلالته الوضعية) ، أَي: وَدلَالَة اللَّفْظ الوضعية على مُسَمَّاهُ: مُطَابقَة، أَي: دلَالَة مُطَابقَة، كدلالة الْإِنْسَان على الْحَيَوَان النَّاطِق، وَيَقَع فِي عبارَة [كثير] من الْعلمَاء كالرازي، والبيضاوي، وَابْن / الْحَاجِب، والهندي، والأبهري، وَابْن مُفْلِح، وَغَيرهم: على تَمام مُسَمَّاهُ، وَهِي قَاصِرَة لخُرُوج مَا لَا جُزْء لَهُ كاسم الله، والجوهر الْفَرد، وَسَائِر البسائط، فَلَا يُقَال فِيهِ: تَمام، فَإِنَّهُ لَا جُزْء لَهُ.

стр. 318

وَإِنَّمَا سميت هَذِه الدّلَالَة مُطَابقَة؛ لِأَن اللَّفْظ مُوَافق لتَمام مَا وضع لَهُ، من قَوْلهم: طابق النَّعْل النَّعْل: إِذا توافقتا، فاللفظ مُوَافق للمعنى لكَونه مَوْضُوعا بإزائه. وَدلَالَة اللَّفْظ على جُزْء مُسَمَّاهُ: دلَالَة تضمن، كدلالة الْإِنْسَان على حَيَوَان فَقَط، أَو نَاطِق فَقَط، سمي بذلك لتَضَمّنه إِيَّاه؛ لِأَنَّهُ يدل على الْجُزْء الَّذِي فِي ضمنه، فَيكون دَالا على مَا فِي ضمنه. وَدلَالَة اللَّفْظ على لَازمه الْخَارِج - كدلالة الْإِنْسَان على كَونه ضَاحِكا أَو قَابلا صَنْعَة الْكِتَابَة -: دلَالَة الْتِزَام؛ لِأَنَّهَا دلّت على مَا هُوَ خَارج عَن الْمُسَمّى لكنه لَازم لَهُ، كَمَا مثلناه، لِأَن اللَّفْظ لَا يدل على كل أَمر خَارج عَنهُ بل على الْأَمر الْخَارِج اللَّازِم لَهُ. وَقَوله: (وَقيل الذهْنِي) ، لم يشْتَرط أَكثر الْأُصُولِيِّينَ وأرباب الْبَيَان اللُّزُوم الذهْنِي فِي دلَالَة الِالْتِزَام؛ بل قَالُوا باللزوم مُطلقًا أَعم أَن يكون ذهنياً أَو خارجياً، وَسَوَاء كَانَ الذهْنِي فِي ذهن كل أحد كَمَا فِي الْعَدَم والملكة، أَو عِنْد الْعَالم بِالْوَضْعِ، أَو غير ذَلِك، وَلِهَذَا يجْرِي فِيهَا الوضوح والخفاء بِحَسب اخْتِلَاف الْأَشْخَاص وَالْأَحْوَال، وَذَلِكَ كدلالة الْقَرِينَة على الْمَعْنى الْمجَازِي. وَلَكِن عِنْد التَّحْقِيق؛ ترى أَرْبَاب هَذَا القَوْل يرجعُونَ إِلَى لُزُوم ذهني وَلَو بِقَرِينَة تدل عَلَيْهِ وَأَصله خارجي، وَذَلِكَ [ينْقل] الذِّهْن، وفَاقا لمن

стр. 319

قَالَه وهم المناطقة، فَإِنَّهُم هم وَقوم من الْأُصُولِيِّينَ اشترطوا اللُّزُوم الذهْنِي ليحصل الْفَهم، لَا الْخَارِجِي، فَقَوْلهم أخص، وَذَلِكَ لِأَن اللَّفْظ غير مَوْضُوع للازم، فَلَو لم يكن كَانَ اللَّازِم بِحَيْثُ يلْزم من تصور مُسَمّى اللَّفْظ تصَوره لما فهم. / تَنْبِيه: اسْتشْكل انحصار الدّلَالَة فِي الثَّلَاثَة بِدلَالَة الْعَام على جزئي مِنْهُ، كدلالة الْمُشْركين على زيد مِنْهُم، فَإِنَّهُ لَيْسَ مُطَابقَة إِذْ لَيْسَ هُوَ جَمِيع الْمُشْركين، وَلَا تضمناً؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ جُزْءا مِنْهُم بل جزئياً - وَسَيَأْتِي الْفرق بَينهمَا - وَلَا التزاماً؛ لِأَنَّهُ دخل فِي لفظ الْمُشْركين [بِوَصْف] الشّرك. وَقد يُجَاب: بادعاء كَونه من الْمُطَابقَة: بِاعْتِبَار صدق الْمُشرك عَلَيْهِ من حَيْثُ هُوَ، وَهُوَ مَوْضُوع اللَّفْظ، والكمية فِيهِ بِالْكُلِّيَّةِ والجزئية خَارِجَة عَمَّا وضع لَهُ اللَّفْظ الَّذِي هُوَ كلي. وبادعاء كَونه من الِالْتِزَام: لِأَن لَازم هَذِه الْمَاهِيّة الْمَوْضُوع لَهَا الْعُمُوم كل فَرد فَرد، فالفرد لَازم.

стр. 320

قَوْله: ﴿وَهِي [- دلَالَة الِالْتِزَام -] عقلية، وَقَالَ الرَّازِيّ وَغَيره: والتضمن أَيْضا، وَقيل: الثَّلَاثَة لفظية﴾ . هَذَا إِشَارَة إِلَى تَحْقِيق الْخلاف الْمَشْهُور فِي الدلالات الثَّلَاث، هَل هِيَ كلهَا لفظية، أَو الْمُطَابقَة فَقَط والأخريان عقليتان، أَو الْمُطَابقَة والتضمن لفظيتان والالتزام عقلية؟ ثَلَاثَة مَذَاهِب: الْمَذْهَب الأول - وَهُوَ أَنَّهَا كلهَا لفظية - قَول الْأَكْثَر، لِأَن الِاسْتِنَاد للفظ فِي كل من الثَّلَاث، إِذْ هُوَ وَاسِطَة فِي الدّلَالَة على الْجُزْء وَاللَّازِم، فَكَانَ كالمطابقة. الْمَذْهَب الثَّانِي - وَهُوَ أَن الْمُطَابقَة فَقَط لفظية والتضمن والالتزام عقليتان - قَول الرَّازِيّ، والتلمساني، والهندي، وَغَيرهم، لِأَن اللَّفْظ الْمَوْضُوع للْكُلّ لم يوضع للجزء وَلَا للازم، فَمَا دلّ إِلَّا بِوَاسِطَة تضمنه لَهُ
следующие страницы →