← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6336

التحبير شرح التحرير

المرداوي

Полный текст (4 267 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وَقيل: بِالْفَتْح فِي الْأَعْيَان، وبالكسر فِي الْمعَانِي، كَمَا تقدم. وَمعنى الدّلَالَة: الْإِرْشَاد إِلَى الشَّيْء، وَتقدم مَعْنَاهُ فِي الدَّلِيل، فَإِنَّهُ من الْمَادَّة. وَهِي هُنَا: كَون الشَّيْء بِحَيْثُ يلْزم من فهمه فهم شَيْء آخر، فالشيء الأول هُوَ الدَّال، وَالثَّانِي هُوَ الْمَدْلُول. وَقَالَ بَعضهم: هِيَ كَون الشَّيْء بِحَالَة يلْزم من الْعلم بِهِ الْعلم بِشَيْء آخر، وَسَوَاء كَانَ ذَلِك بِلَفْظ أَو غَيره؛ لِأَن الدّلَالَة تَارَة تكون لفظية، وَتارَة تكون غير لفظية. فاللفظية: هِيَ [المستندة] لوُجُود اللَّفْظ، إِذا ذكر وجدت، وتنقسم ثَلَاثَة أَقسَام: طبعية، وعقلية، ووضعية. فالطبعية: كدلالة (أح أح) على وجع فِي الصَّدْر. والعقلية: كدلالة الصَّوْت على حَيَاة صَاحبه. والوضعية: وَهِي كَون اللَّفْظ إِذا أطلق فهم الْمَعْنى الَّذِي هُوَ لَهُ بِالْوَضْعِ، سَوَاء كَانَ بِوَضْع اللُّغَة، أَو الشَّرْع، أَو الْعرف، لذَلِك اللَّفْظ، فَهِيَ غير الوضعية الَّتِي هِيَ [قسيم] اللفظية.

стр. 317

فالوضعية هُنَا من الدلالات اللفظية، وَهِي المرادة، وَهِي ثَلَاثَة أَقسَام، وَلذَلِك قُلْنَا: (ودلالته الوضعية) ، أَي: وَدلَالَة اللَّفْظ الوضعية على مُسَمَّاهُ: مُطَابقَة، أَي: دلَالَة مُطَابقَة، كدلالة الْإِنْسَان على الْحَيَوَان النَّاطِق، وَيَقَع فِي عبارَة [كثير] من الْعلمَاء كالرازي، والبيضاوي، وَابْن / الْحَاجِب، والهندي، والأبهري، وَابْن مُفْلِح، وَغَيرهم: على تَمام مُسَمَّاهُ، وَهِي قَاصِرَة لخُرُوج مَا لَا جُزْء لَهُ كاسم الله، والجوهر الْفَرد، وَسَائِر البسائط، فَلَا يُقَال فِيهِ: تَمام، فَإِنَّهُ لَا جُزْء لَهُ.

стр. 318

وَإِنَّمَا سميت هَذِه الدّلَالَة مُطَابقَة؛ لِأَن اللَّفْظ مُوَافق لتَمام مَا وضع لَهُ، من قَوْلهم: طابق النَّعْل النَّعْل: إِذا توافقتا، فاللفظ مُوَافق للمعنى لكَونه مَوْضُوعا بإزائه. وَدلَالَة اللَّفْظ على جُزْء مُسَمَّاهُ: دلَالَة تضمن، كدلالة الْإِنْسَان على حَيَوَان فَقَط، أَو نَاطِق فَقَط، سمي بذلك لتَضَمّنه إِيَّاه؛ لِأَنَّهُ يدل على الْجُزْء الَّذِي فِي ضمنه، فَيكون دَالا على مَا فِي ضمنه. وَدلَالَة اللَّفْظ على لَازمه الْخَارِج - كدلالة الْإِنْسَان على كَونه ضَاحِكا أَو قَابلا صَنْعَة الْكِتَابَة -: دلَالَة الْتِزَام؛ لِأَنَّهَا دلّت على مَا هُوَ خَارج عَن الْمُسَمّى لكنه لَازم لَهُ، كَمَا مثلناه، لِأَن اللَّفْظ لَا يدل على كل أَمر خَارج عَنهُ بل على الْأَمر الْخَارِج اللَّازِم لَهُ. وَقَوله: (وَقيل الذهْنِي) ، لم يشْتَرط أَكثر الْأُصُولِيِّينَ وأرباب الْبَيَان اللُّزُوم الذهْنِي فِي دلَالَة الِالْتِزَام؛ بل قَالُوا باللزوم مُطلقًا أَعم أَن يكون ذهنياً أَو خارجياً، وَسَوَاء كَانَ الذهْنِي فِي ذهن كل أحد كَمَا فِي الْعَدَم والملكة، أَو عِنْد الْعَالم بِالْوَضْعِ، أَو غير ذَلِك، وَلِهَذَا يجْرِي فِيهَا الوضوح والخفاء بِحَسب اخْتِلَاف الْأَشْخَاص وَالْأَحْوَال، وَذَلِكَ كدلالة الْقَرِينَة على الْمَعْنى الْمجَازِي. وَلَكِن عِنْد التَّحْقِيق؛ ترى أَرْبَاب هَذَا القَوْل يرجعُونَ إِلَى لُزُوم ذهني وَلَو بِقَرِينَة تدل عَلَيْهِ وَأَصله خارجي، وَذَلِكَ [ينْقل] الذِّهْن، وفَاقا لمن

стр. 319

قَالَه وهم المناطقة، فَإِنَّهُم هم وَقوم من الْأُصُولِيِّينَ اشترطوا اللُّزُوم الذهْنِي ليحصل الْفَهم، لَا الْخَارِجِي، فَقَوْلهم أخص، وَذَلِكَ لِأَن اللَّفْظ غير مَوْضُوع للازم، فَلَو لم يكن كَانَ اللَّازِم بِحَيْثُ يلْزم من تصور مُسَمّى اللَّفْظ تصَوره لما فهم. / تَنْبِيه: اسْتشْكل انحصار الدّلَالَة فِي الثَّلَاثَة بِدلَالَة الْعَام على جزئي مِنْهُ، كدلالة الْمُشْركين على زيد مِنْهُم، فَإِنَّهُ لَيْسَ مُطَابقَة إِذْ لَيْسَ هُوَ جَمِيع الْمُشْركين، وَلَا تضمناً؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ جُزْءا مِنْهُم بل جزئياً - وَسَيَأْتِي الْفرق بَينهمَا - وَلَا التزاماً؛ لِأَنَّهُ دخل فِي لفظ الْمُشْركين [بِوَصْف] الشّرك. وَقد يُجَاب: بادعاء كَونه من الْمُطَابقَة: بِاعْتِبَار صدق الْمُشرك عَلَيْهِ من حَيْثُ هُوَ، وَهُوَ مَوْضُوع اللَّفْظ، والكمية فِيهِ بِالْكُلِّيَّةِ والجزئية خَارِجَة عَمَّا وضع لَهُ اللَّفْظ الَّذِي هُوَ كلي. وبادعاء كَونه من الِالْتِزَام: لِأَن لَازم هَذِه الْمَاهِيّة الْمَوْضُوع لَهَا الْعُمُوم كل فَرد فَرد، فالفرد لَازم.

стр. 320

قَوْله: ﴿وَهِي [- دلَالَة الِالْتِزَام -] عقلية، وَقَالَ الرَّازِيّ وَغَيره: والتضمن أَيْضا، وَقيل: الثَّلَاثَة لفظية﴾ . هَذَا إِشَارَة إِلَى تَحْقِيق الْخلاف الْمَشْهُور فِي الدلالات الثَّلَاث، هَل هِيَ كلهَا لفظية، أَو الْمُطَابقَة فَقَط والأخريان عقليتان، أَو الْمُطَابقَة والتضمن لفظيتان والالتزام عقلية؟ ثَلَاثَة مَذَاهِب: الْمَذْهَب الأول - وَهُوَ أَنَّهَا كلهَا لفظية - قَول الْأَكْثَر، لِأَن الِاسْتِنَاد للفظ فِي كل من الثَّلَاث، إِذْ هُوَ وَاسِطَة فِي الدّلَالَة على الْجُزْء وَاللَّازِم، فَكَانَ كالمطابقة. الْمَذْهَب الثَّانِي - وَهُوَ أَن الْمُطَابقَة فَقَط لفظية والتضمن والالتزام عقليتان - قَول الرَّازِيّ، والتلمساني، والهندي، وَغَيرهم، لِأَن اللَّفْظ الْمَوْضُوع للْكُلّ لم يوضع للجزء وَلَا للازم، فَمَا دلّ إِلَّا بِوَاسِطَة تضمنه لَهُ

стр. 321

عقلا ولازميته لَهُ عقلا، فَلذَلِك ينْتَقل الذِّهْن من الْمُسَمّى إِلَيْهِمَا انتقالاً من الْمَلْزُوم إِلَى اللَّازِم، فهما عقليتان تابعتان للوضع، وَلَا يعْتَبر اللُّزُوم الْعقلِيّ، إِذْ يَصح إِطْلَاق الْمُطلق على الْمُقَيد والجزء على الْكل، والأعم لَا يسْتَلْزم الْأَخَص والجزء لَا يسْتَلْزم الْكل. وَالْمذهب الثَّالِث / - وَهُوَ كَون الْمُطَابقَة والتضمن لفظيتين والالتزام عقلية - قَول الْآمِدِيّ، وَابْن الْحَاجِب، وَابْن مُفْلِح، وَابْن قَاضِي الْجَبَل، وَهُوَ الَّذِي قدمْنَاهُ فِي الْمَتْن؛ لِأَن الْجُزْء دَاخل فِيمَا وضع لَهُ اللَّفْظ بِخِلَاف اللَّازِم فَإِنَّهُ خَارج عَنهُ. وَقَالَ بَعضهم: (الْخلاف لَفْظِي وَإنَّهُ لَا خلاف فِي الْمَعْنى، وَلأَجل ذَلِك كَانَ تَقْسِيم الدّلَالَة اللفظية إِلَى الثَّلَاثَة، فاللفظ مُعْتَبر فِيهَا قطعا وَإِلَّا فَكَانَ يلْزم أَن يدْخل فِي الْمقسم مَا لَيْسَ مِنْهُ) . قَوْله: ﴿ [والمطابقة أَعم، وَيُوجد مَعهَا تضمن بِلَا الْتِزَام، وَعَكسه، وَقَالَ الرَّازِيّ: الِالْتِزَام لَازم لَهَا] ، وهما أَعم من التضمن﴾ .

стр. 322

دلَالَة الْمُطَابقَة أَعم من دلَالَة التضمن والالتزام، لجَوَاز كَون الْمُطَابقَة بسيطة لَا تضمن فِيهَا وَلَا لَازم لَهَا ذهني، وَدلَالَة التضمن قد تُوجد مَعَ الْمُطَابقَة وَلَا يُوجد الْتِزَام، وَعَكسه، وَهُوَ وجود الْتِزَام مَعهَا وَلَا يُوجد تضمن، وَصرح بِهِ الشريف الْجِرْجَانِيّ فِي مقدمته فِي " الْمنطق " فَقَالَ: (إِذا كَانَ اللَّفْظ مَوْضُوعا لِمَعْنى بسيط وَلَيْسَ لَهُ لَازم ذهني فتوجد الْمُطَابقَة بِدُونِ التضمن والالتزام، فَإِن كَانَ لَهُ لَازم ذهني فتوجد مَعَ الْمُطَابقَة دلَالَة الِالْتِزَام بِدُونِ دلَالَة التضمن، وَإِذا كَانَ اللَّفْظ مَوْضُوعا لِمَعْنى مركب وَلَا يكون لَهُ لَازم ذهني فيوجد مَعَ الْمُطَابقَة دلَالَة التضمن بِدُونِ دلَالَة الِالْتِزَام) انْتهى. وَلم يحضرني الْآن مِثَال للآخرين. قَالَ الْقَرَافِيّ: (بَين الدلالات الثَّلَاث عُمُوم وخصوص، فالمطابقة أعلم مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ كلما وجدت دلَالَة التضمن أَو الِالْتِزَام وجدت دلَالَة الْمُطَابقَة؛ لِأَن ثمَّ مُسَمّى حِينَئِذٍ، فاللفظ يدل عَلَيْهِ مُطَابقَة، وَقد تُوجد دلَالَة الْمُطَابقَة وَلَا يوجدان فِي اللَّفْظ الْمَوْضُوع للبسائط الَّتِي لَيست لَهَا لَوَازِم بَيِّنَة.

стр. 323

وَأما هما؛ فَكل وَاحِد أعلم من الآخر واخص من وَجه، فيوجد التضمن بِدُونِ الِالْتِزَام فِي اللَّفْظ الْمَوْضُوع للمركبات الَّتِي لَيست لَهَا لَوَازِم / بَيِّنَة، والإلتزام بِدُونِ التضمن فِي اللَّفْظ الْمَوْضُوع للبسائط الَّتِي لَهَا لَوَازِم بَيِّنَة، ويجتمعان فِي اللَّفْظ الْمَوْضُوع للمركبات الَّتِي لَهَا لَوَازِم بَيِّنَة) انْتهى. وَقَالَ الْقَرَافِيّ أَيْضا: (وَقع للْإِمَام وَغَيره: أَن دلَالَة الْمُطَابقَة حَقِيقَة والأخريين مجازان، قَالَ: وَهُوَ غير مُسْتَقِيم) ، وَبَين ذَلِك، ذكره الأسيوطي فِي " شرح منظومة جمع الْجَوَامِع " لَهُ. وَمَا قُلْنَا: (إِن دلَالَة الْمُطَابقَة أَعم من الدلالتين) ، هُوَ الصَّحِيح عِنْدهم، وَنَصره القطب الشِّيرَازِيّ وَغَيره فَقَالَ: (لجَوَاز أَن يكون من الماهيات مَا لَا يسْتَلْزم شَيْئا كَذَلِك، فَإِذا كَانَ لفظا مَوْضُوعا لتِلْك الْمَاهِيّة كَانَ دلَالَته عَلَيْهَا مُطَابقَة وَلَا الْتِزَام لانْتِفَاء شَرطه) .

стр. 324

وَزعم الرَّازِيّ - وَتَبعهُ ابْن قَاضِي الْجَبَل، وَحَكَاهُ الْهِنْدِيّ عَن الْأَكْثَر -؛ أَن الْمُطَابقَة مستلزمة للالتزام، لِأَن تصور كل مَاهِيَّة يسْتَلْزم تصور لَازم من لوازمها، وَأقله أَنَّهَا لَيست غَيرهَا، وَاللَّفْظ إِذا دلّ على الْمَلْزُوم بالمطابقة دلّ على اللَّازِم فِي التَّصَوُّر بالالتزام. وَجَوَابه: أَنا لَا نسلم أَن تصور كل مَا هية يسْتَلْزم تصور أَنَّهَا لَيست غَيرهَا، فكثيراً مَا نتصور ماهيات وَلم يخْطر ببالنا غَيرهَا فضلا عَن أَنَّهَا لَيست غَيرهَا، وَمن هُنَا تبين عدم استلزام التضمن الِالْتِزَام؛ لِأَنَّهُ كَمَا لَا يعلم وجود لَازم ذهني لكل مَا هية لم يعلم [أَيْضا] وجود لَازم ذهني لكل مَاهِيَّة مركبة، فَجَاز أَن يكون فِي الماهيات المركبة مَا لَا يكون لَهُ لَازم ذهني، فاللفظ الْمَوْضُوع بإزائه دَال على أَجْزَائِهِ بالتضمن والالتزام) ، قَالَه القطب. قَالَ ابْن مُفْلِح: (دلَالَة الِالْتِزَام مُسَاوِيَة لدلَالَة الْمُطَابقَة، وهما أَعم من التضمن لجَوَاز كَون الْمَدْلُول وَاللَّازِم بسيطاً لَا جُزْء لَهُ) انْتهى. قَوْله: ﴿وَغير اللفظية [وضعية وعقلية] ﴾ . تقدم أَن الدّلَالَة تَنْقَسِم إِلَى قسمَيْنِ / إِلَى لفظية، وَإِلَى غير لفظية، وَتقدم الْكَلَام على الدّلَالَة اللفظية وأنواعها وأحكامها.

стр. 325

وَأما الدّلَالَة غير اللفظية فَهِيَ قِسْمَانِ: وضعية، وعقلية. فالوضعية: كدلالة الأقدار على مقدوراتها، وَمِنْه دلَالَة السَّبَب على الْمُسَبّب ك (الدلوك) على وجوب الصَّلَاة، وكدلالة الْمَشْرُوط على وجود الشَّرْط كَالصَّلَاةِ على الطَّهَارَة وَإِلَّا لما صحت. قَالَ القطب الشِّيرَازِيّ فِي " شرح الشمسية ": ( [الدّلَالَة] الوضعية غير اللفظية كدلالة الْخط وَالْعقد وَالْإِشَارَة وَالنّصب) انْتهى. والعقلية: كدلالة الْأَثر على الْمُؤثر، وَمِنْه دلَالَة الْعَالم على موجده وَهُوَ الله تَعَالَى، وَنَحْو ذَلِك. قَوْله: ﴿وَالدّلَالَة بِاللَّفْظِ: اسْتِعْمَاله فِي الْحَقِيقَة وَالْمجَاز﴾ . الدّلَالَة اللفظية تَنْقَسِم إِلَى قسمَيْنِ:

стр. 326

أَحدهمَا: دلَالَة اللَّفْظ، وَالثَّانِي: الدّلَالَة بِاللَّفْظِ. قَالَ الخسروشاهي: (وَقد خَفِي على ابْن الْخَطِيب الْفرق بَين دلَالَة اللَّفْظ، وَالدّلَالَة بِاللَّفْظِ) انْتهى. فَمَا تقدم من الدلالات اللفظية هِيَ دلَالَة اللَّفْظ، وَأما الدّلَالَة بِاللَّفْظِ، فَهُوَ: اسْتِعْمَاله إِمَّا فِي مَوْضُوعه وَهُوَ الْحَقِيقَة، أَو فِي غير [مَوْضُوعه] لعلاقة وَهُوَ الْمجَاز. وَالْبَاء فِي قَوْله: (بِاللَّفْظِ) ، للاستعانة والسببية لِأَن الْإِنْسَان يدلنا على مَا فِي بِإِطْلَاق لَفظه، فإطلاق اللَّفْظ آلَة للدلالة، كالقلم للكتابة. إِذا علم ذَلِك؛ فَالْفرق بَين دلَالَة اللَّفْظ وَالدّلَالَة بِاللَّفْظِ من وُجُوه: أَحدهَا: من الْمحل، فَمحل دلَالَة اللَّفْظ الْقلب، وَمحل الدّلَالَة بِاللَّفْظِ وَاللِّسَان وَغَيره من المخارج.

стр. 327

الثَّانِي: من جِهَة الْمَوْصُوف، فدلالة اللَّفْظ صفة السَّامع، وَالدّلَالَة بِاللَّفْظِ صفة الْمُتَكَلّم. الثَّالِث: من جِهَة السَّبَب، فالدلالة بِاللَّفْظِ سَبَب، وَدلَالَة اللَّفْظ مسبب عَنْهَا. الرَّابِع: من جِهَة الْوُجُود، فَكلما وجدت دلَالَة اللَّفْظ وجدت الدّلَالَة بِاللَّفْظِ، بِخِلَاف الْعَكْس. الْخَامِس: من جِهَة / الْأَنْوَاع، فدلالة اللَّفْظ ثَلَاثَة أَنْوَاع: مُطَابقَة وتضمن والتزام، وَالدّلَالَة بِاللَّفْظِ نَوْعَانِ: حَقِيقَة ومجاز. قَالَ الْقَرَافِيّ: (فدلالة اللَّفْظ: فهم السَّامع من كَلَام الْمُتَكَلّم كَمَال الْمُسَمّى أَو جزءه أَو لَازمه، أَو كَونه بِحَيْثُ إِذا أطلق فهم السَّامع مِنْهُ ذَلِك، عبارتان للْمُتَقَدِّمين، وَالدّلَالَة بِاللَّفْظِ، هِيَ اسْتِعْمَاله فِي مَوْضُوعه أَو غَيره لعلاقة. قَالَ: وَالْفرق بَينهمَا وَاقع من خَمْسَة عشر وَجها: فَإِن الأولى صفة للسامع، وَالثَّانيَِة صفة للمتكلم. وَالْأولَى محلهَا الْقلب؛ لِأَنَّهُ موطن الْعلم والظنون، وَالْأُخْرَى محلهَا اللِّسَان وقصبة الرئة. وَالْأولَى علم أَو ظن، وَالْأُخْرَى أصوات مقطعَة. وَالْأولَى مَشْرُوط فِيهَا الْحَيَاة، وَالْأُخْرَى يَصح قِيَامهَا بالجماد، فَإِن الْأَصْوَات لَا تشْتَرط فِيهَا الْحَيَاة. وَالْأولَى تتنوع إِلَى مُطَابقَة وتضمن والتزام، وَلَا تعرض لِلْأُخْرَى. وَالثَّانيَِة إِلَى حَقِيقَة ومجاز، وَلَا يعرضان لتِلْك.

стр. 328

وَالثَّانيَِة سَبَب، وَالْأولَى مسببة عَنْهَا. وَكلما وجدت الأولى وجدت الثَّانِيَة، لِأَن فهم مُسَمّى اللَّفْظ مِنْهُ فرع النُّطْق بِهِ وَلَا عكس، فقد يُوجد النُّطْق وَلَا يفهم الْمَدْلُول؛ لمَانع فِي السَّامع من غَفلَة، أَو جهل باللغة، وَنَحْو ذَلِك. وَالْأولَى حَقِيقَة وَاحِدَة لَا تخْتَلف فِي نَفسهَا؛ لِأَنَّهَا علم أَو ظن، وهما أَبَد الدَّهْر على حَالَة، وَالثَّانيَِة تخْتَلف لاخْتِلَاف الِاسْتِعْمَال بِوُجُوب التَّقْدِيم تَارَة وَمنعه أُخْرَى، إِلَى غير ذَلِك من اخْتِلَاف أوضاع اللُّغَات الْعَرَبيَّة وَغَيرهَا. وَالْأولَى لَا تدْرك بالحس، وَالثَّانيَِة تسمع. وَالثَّانيَِة بِاتِّفَاق الْعُقَلَاء من المصادر السيالة الَّتِي لَا تبقى زمانين، وَالْأولَى مُخْتَلف فِيهَا هَل تبقى أَو لَا؟ وَالْأولَى دَائِما مُسَمّى وَاحِد وَهِي علم أَو ظن، وَالثَّانيَِة [لَا تسمع غَالِبا إِلَّا من مسموعات عديدة] ، والنطق بالحرف الْوَاحِد نَحْو (ق) و (ع) نَادِر. وَالْأولَى تَأتي / من [الْأَخْرَس] ، بِخِلَاف الْأُخْرَى. وَالْأولَى يُمكن قِيَامهَا بِغَيْر المتحيز، وَالثَّانيَِة لَا تقوم إِلَّا بالمتحيز،

стр. 329

وَلذَلِك أحلنا الْأَصْوَات على الله، وَله الْعلم الْمُتَعَلّق بِجَمِيعِ المعلومات؟ وَالْأولَى لَا تتَصَوَّر من غير سميع فَإِن فهم معنى اللَّفْظ فرع سَمَاعه، بِخِلَاف الْأُخْرَى. وَالْأولَى لَا تُوصَف بِشَيْء مِمَّا تُوصَف بِهِ الثَّانِيَة من صِفَات الْكَلَام من الفصاحة واللكنة والتمتمة والجهورية وَغير ذَلِك) انْتهى كَلَام الْقَرَافِيّ. قَوْله: ﴿والملازمة: عقلية، وشرعية، وعادية﴾ . فالعقلية: كالزوجية للاثنين، والشرعية: كالوجوب للمكلف، والعادية كالسرير للارتفاع. قَوْله: ﴿وَتَكون قَطْعِيَّة، وضعيفة جدا، وكلية، وجزئية﴾ . فالقطعية: كالزوجية للاثنين أَيْضا، والضعيفة جدا: ككون عَادَة زيد [إِذا أَتَى يَحْجُبهُ عَمْرو] ، والكلية، كالزوجية للعشرة، والجزئية: كملازمة الْمُؤثر للأثر حَال حُدُوثه.

стр. 330

قَوْله ﴿فصل﴾ ﴿إِذا اتَّحد اللَّفْظ ومدلوله﴾ - أَي: مَعْنَاهُ - ﴿واشترك فِي مَفْهُومه كثير﴾ - يحملهُ عَلَيْهِم إِيجَابا لَا سلباً، لِأَن الجزئي يشْتَرك بَين كثيرين بسلبه عَنْهَا فَالْمُعْتَبر الْإِيجَاب - ﴿وَلَو بِالْقُوَّةِ: فكلي، وَهُوَ ذاتي، وعرضي﴾ . اعْلَم أَن معنى اللَّفْظ إِن لم يمْنَع تصَوره من وُقُوع الشّركَة فكلي كإنسان. والكلي لَهُ تقسيمات؛ لِأَنَّهُ: إِمَّا أَن يُوجد مِنْهُ فِي الْخَارِج، أَو لَا يُوجد، فَإِن وجد: فَأَما أَن يُوجد وَاحِد فَقَط، أَو كثير، وَمَا وجد مِنْهُ وَاحِد: إِمَّا أَن يكون غَيره مُمْتَنعا وجوده، أَو جَائِزا، وَمَا وجد مِنْهُ كثير: فإمَّا أَن يكون متناهياً، أَو غير متناه، وَالَّذِي لم يُوجد مِنْهُ شَيْء: إِمَّا أَن يُمكن وجوده، أَو يَسْتَحِيل، فَهَذِهِ سِتَّة أَقسَام. وَبِهَذَا يعلم أَن التَّعْبِير بقولنَا: (إِن لم يمْنَع) إِلَى آخِره /، أولى من نَحْو قَول ابْن الْحَاجِب: (إِن اشْترك فِي مَفْهُومه [كَثِيرُونَ] ) ، لخُرُوج بعض

стр. 331

هَذِه الْأَقْسَام عَن تَعْبِيره، إِلَّا أَن يحمل قَوْله (إِن اشْترك) على الْأَعَمّ من الِاشْتِرَاك بِالْفِعْلِ أَو بِالْقُوَّةِ، لذَلِك قُلْنَا فِي الْمَتْن: (وَلَو بِالْقُوَّةِ) ، لأجل مَا يرد عَلَيْهِ. مِثَال مَا وجد مِنْهُ وَاحِد وَامْتنع غَيره: " إِلَه "، فَإِن الله لَا إِلَه غَيره، وَلَا يُمكن وجود إِلَه غَيره، لقَوْله تَعَالَى: ﴿لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا﴾ [الْأَنْبِيَاء: ٢٢] ، وَمعنى دُخُول " إِلَه " فِي تَعْرِيف الْكُلِّي: أَنه لَا يمْنَع تصور مَعْنَاهُ من الشّركَة فِي مَعْنَاهُ بِاعْتِبَار التَّصَوُّر فِي الذِّهْن، لَا بِاعْتِبَار الْمُمكن فِي الْخَارِج، فَلهَذَا ضل من ضل [بالإشتراك] . وَمِثَال مَا وجد مِنْهُ وَاحِد وَلَا يمْتَنع وجود غَيره: الشَّمْس. وَمِثَال مَا وجد مِنْهُ كثير فِي الْخَارِج وَهُوَ متناه: إِنْسَان، وَغير المتناهي مُتَعَذر على قَول أهل السّنة؛ إِذْ لَا يُوجد فِي الْعَالم شَيْء من الموجودات إِلَّا وَهُوَ متناه. وَمِثَال مَا لَا يُوجد مِنْهُ شَيْء أصلا وَيُمكن وجوده: بَحر من زئبق. وَمِثَال مَا يَسْتَحِيل: شريك الْبَارِي ، فَإِنَّهُ محَال، وَلَا يخفى مَا فِي التَّمْثِيل بِهِ وَبِمَا قبله من إساءة الْأَدَب، وَهَذَا من اصْطِلَاحَات المناطقة. وَقَوله: وَهُوَ ذاتي، وعرضي، يَعْنِي: أَن الْكُلِّي يَنْقَسِم إِلَى: ذاتي، وعرضي.

стр. 332

فالذاتي: هُوَ الَّذِي لم يخرج عَن حَقِيقَة الشَّيْء، مثل: الْحَيَوَان بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِنْسَان، والعرضي: هُوَ الَّذِي يخرج عَن حَقِيقَته، مثل: الضاحك. قَوْله: ﴿فَإِن تفَاوت فمشكك، وَإِلَّا فمتواط﴾ . إِذا تفَاوت أَفْرَاد الْكُلِّي فِي مَدْلُوله بأولوية وَعدمهَا، أَو شدَّة وَضعف، أَو تقدم وَتَأَخر، - كالوجود للخالق والمخلوق، فَإِنَّهُ يتَفَاوَت فيهمَا بالاعتبارات [الثَّلَاثَة؛ فَإِنَّهُ] فِي الْخَالِق أَشد واقدم وَأولى - فمشكك، فأفراد الْكُلِّي تَتَفَاوَت بِاعْتِبَار الْوُجُوب والإمكان، كالوجود للقديم والحادث كَمَا مثلنَا، وَبِاعْتِبَار الِاسْتِغْنَاء والافتقار، كالموجود الْمُمكن للجوهر المستغني عَن مَحل وَالْعرض / المفتقر إِلَى مَحل يقوم بِهِ. وَبِاعْتِبَار الشدَّة والضعف، كبياض الثَّلج وَبَيَاض العاج، وكالنور لضوء الشَّمْس وضوء السراج. وَسمي مشككاً: لما فِيهِ من تشكيك النَّاظر فِي مَعْنَاهُ، هَل هُوَ متواط لوُجُود الْكُلِّي فِي أَفْرَاده، أَو مُشْتَرك لتغاير أَفْرَاده؟ فَهُوَ اسْم فَاعل من (شكك) المضاعف من (شكّ) إِذا تردد.

стр. 333

وتمثيلنا بالوجود للخالق والمخلوق للمشكك، ذكره بعض أَصْحَابنَا وَغَيرهم، تبعا للآمدي، وَابْن الْحَاجِب؛ لكَونه حَقِيقَة فيهمَا عِنْد أَصْحَابنَا وَغَيرهم، وَذكره الْآمِدِيّ إِجْمَاعًا، وَذكر أَصْحَابنَا فِي كتب الْفِقْه أَنه حَقِيقَة فِي الْخَالِق، مجَاز فِي الْمَخْلُوق، وَقَالَهُ النَّاشِئ المعتزلي، وَعَن جهم وَمن تبعه عكس ذَلِك، يَعْنِي: حَقِيقَة فِي الْمَخْلُوق، مجَاز فِي الْخَالِق.

стр. 334

وَقَوله: وَإِلَّا فمتواط، يَعْنِي: وَإِن لم تَتَفَاوَت أَفْرَاد الْكُلِّي فمتواط، لِأَنَّهُ الَّذِي يتساوى أَفْرَاده بِاعْتِبَار ذَلِك الْكُلِّي الَّذِي تشاركت فِيهِ، كالإنسان بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَفْرَاده؛ فَإِن الْكُلِّي فِيهَا وَهُوَ الحيوانية والناطقية لَا تَتَفَاوَت فِيهَا بِزِيَادَة وَلَا نقص. وَسمي بذلك من التواطؤ وَهُوَ التوافق، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿ليواطئوا عدَّة مَا حرم الله﴾ [التَّوْبَة: ٣٧] ، أَي: ليوافقوا. فإطلاق لفظ (المبدأ) على النقطة - أول خطّ - أَو على آن - أول زمَان - متواط، وَقيل: مُشْتَرك، وَالْمرَاد: إِن أضيف إِلَى الْخط. وَإِطْلَاق لفظ (الخمري) على التَّمْر وَالْعِنَب والدواء لعُمُوم النِّسْبَة إِلَى

стр. 335

الْخمر متواط، وباختلاف النّسَب مُشْتَرك، وَلَفظ (أسود) لقار وزنجي متواط، ولرجل مُسَمّى بأسود وقار مُشْتَرك. تَنْبِيه: اشْتِرَاط عدم التَّفَاوُت فِي المتواطئ كَيفَ يُجَامع قَوْلهم: سمي مشككاً لشك النَّاظر فِي كَونه متواطئاً؟ كَيفَ يَقع الشَّك وَالْفَرْض أَنه متفاوت وَقد شَرط فِي المتواطئ عدم التَّفَاوُت؟ وَيُمكن الْجَواب عَنهُ: بِأَن تقَابل المتواطئ / والمشكك تقَابل الْأَعَمّ والأخص، فالمتواطئ أَعم من المشكك، فَيكون المُرَاد بقَوْلهمْ: (إِن تَسَاوَت أَفْرَاده) أَي: لم يشْتَرط فِيهَا تفَاوت بل سَوَاء اتّفق فِيهَا وُقُوع تفَاوت، [أَو لَا؛ لِأَن] النّظر إِلَى كَونه متواطئاً من حَيْثُ الِاشْتِرَاك. وَبِذَلِك يجمع بَين قَول ابْن الْحَاجِب: (فَإِن تفَاوت كالوجود للخالق والمخلوق فمشكك وَإِلَّا فمتواط) ، وَقَوله فِي مَسْأَلَة وُقُوع الْمُشْتَرك، فِي جَوَاب اسْتِدْلَال لَا يرتضيه: (وَأجِيب بِأَن الْوُجُوب والإمكان لايمنع التواطؤ) فَجعله متواطئاً مرّة، ومشككاً أُخْرَى، فَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا لما ذكرنَا لَا تناقضاً.

стр. 336

وَمن هُنَا يعلم جَوَاب سُؤال ابْن التلمساني الْمَشْهُور: أَنه لَا حَقِيقَة للمشكك، لِأَن مَا حصل بِهِ الِاخْتِلَاف إِن دخل فِي التَّسْمِيَة كَانَ اللَّفْظ مُشْتَركا، وَإِلَّا كَانَ متواطئاً؛ لأَنا نقُول: [هُوَ دَاخل] فِي التَّسْمِيَة، وَلَا يلْزم أَن يكون مُشْتَركا؛ لِأَن الْمُشْتَرك مَا لَيْسَ بَين معنييه قدر مُشْتَرك سمي بذلك الِاسْم، وَلَا يكون خَارِجا من المتواطئ؛ لِأَن [المتواطئ] أَعم مِمَّا تَسَاوَت أَفْرَاده أَو تفاوتت، إِلَّا أَنه إِذا كَانَ فِيهِ تفَاوت فَهُوَ مشكك، وَهَذَا أحسن من جَوَاب الْقَرَافِيّ عَنهُ: بِأَن كلا من المتواطئ والمشترك مَوْضُوع للقدر الْمُشْتَرك، وَلَكِن الِاخْتِلَاف إِن كَانَ بِأُمُور من جنس الْمُسَمّى فمشكك أَو بِأَمْر خَارج فمتواط؛ لِأَن ذَلِك إِنَّمَا يمشي فِيمَا فِيهِ التَّفَاوُت [بالشدة] والضعف فَقَط، لَا فِيمَا هُوَ مُخْتَلف بالإمكان وَالْوُجُوب، أَو بالاستغناء والافتقار، وَنَحْو ذَلِك، وَالله أعلم. قَوْله: ﴿وَإِن لم يشْتَرك فجزئي﴾ . أَي: وَإِن لم يشْتَرك فِي مَفْهُومه كثير فجزئي، مثل: زيد، وَعَمْرو، وَهَذَا الْإِنْسَان. والجزئي يُقَال على المندرج تَحت الْكُلِّي.

стр. 337

﴿وَيُسمى النَّوْع جزئياً إضافياً﴾ ، مثل: الْإِنْسَان، [جزئي] ، لِأَنَّهُ مندرج تَحت كلي، فَهُوَ كالجنس، فَكل جنس وَنَوع عَال أَو وسط أَو سافل كلي لما تَحْتَهُ جزئي لما فَوْقه، لَكِن لابد فِي الجزئي من مُلَاحظَة قيد الشَّخْص وَالتَّعْيِين / فِي التَّصَوُّر، وَإِلَّا لصدق أَنه لم يمْنَع تصَوره من وُقُوع الشّركَة فِيهِ، إِذْ لابد من اشْتِرَاك وَلَو فِي أخص صِفَات النَّفس. قَوْله: ﴿ [كمضمر فِي الْأَصَح] ﴾ . اخْتلف فِي مُسَمّى لفظ الْمُضمر حَيْثُ وجد، هَل هُوَ كلي أَو جزئي؟ قَالَ الْقَرَافِيّ: (فَرَأَيْت الْأَكْثَر على أَن مُسَمَّاهُ جزئي، وَاحْتَجُّوا على ذَلِك بِوَجْهَيْنِ. الأول: أَن النُّحَاة أَجمعُوا على أَن الْمُضمر معرفَة، وَالصَّحِيح: أَنه أعرف المعارف، فَلَو كَانَ مُسَمَّاهُ كلياً لَكَانَ نكرَة فَإِن النكرَة إِنَّمَا كَانَت نكرَة؛ لِأَن مسماها كلي مُشْتَرك فِيهِ بَين أَفْرَاد غير متناهية لَا يخْتَص بِهِ وَاحِد مِنْهَا دون الآخر، والمضمر لَيْسَ كَذَلِك.

стр. 338

الثَّانِي: أَن مُسَمّى الْمُضمر إِذا كَانَ كلياً كَانَ دَالا على مَا هُوَ أَعم من الشَّخْص الْمعِين، وَالْقَاعِدَة الْعَقْلِيَّة: أَن الدَّال على الْأَعَمّ غير دَال على الْأَخَص، فَيلْزم أَن لَا يدل الْمُضمر على شخص خَاص أَلْبَتَّة، وَلَيْسَ كَذَلِك. قَالَ: وَالصَّحِيح خلاف هَذَا الْمَذْهَب، وَعَلِيهِ الأقلون، وَهُوَ الَّذِي أَجْزم بِصِحَّتِهِ، وَهُوَ أَن مُسَمَّاهُ كلي، وَالدَّلِيل [عَلَيْهِ] أَنه لَو كَانَ مُسَمَّاهُ جزئياً لما صدق على شخص آخر إِلَّا بِوَضْع آخر كالأعلام، فَإِنَّهَا لما كَانَ مسماها جزئياً لم تصدق على غير من وضعت لَهُ إِلَّا بِوَضْع ثَان) وَأطَال فِي ذَلِك وَفِي الرَّد على القَوْل الأول. تَنْبِيه: قد قسم الجزئي إِلَى: نكرَة، وَمَعْرِفَة؛ وَاعْترض: إِذا كَانَت النكرَة فِيهَا شيوع كَانَت مِمَّا لَا يمْنَع تصَوره من وُقُوع الشّركَة فِيهِ. وَأجِيب: أَن المُرَاد بِالشّركَةِ فِي الْكُلِّي التَّعَدُّد لمحاله، وَإِذا كَانَت النكرَة فَردا وَاحِدًا، وَاللَّفْظ إِنَّمَا دلّ عَلَيْهِ من حَيْثُ هُوَ فَرد، فقد منع تصَوره من وُقُوع الشّركَة فِيهِ من حَيْثُ فرديته، وَلِهَذَا كَانَ دَاخِلا فِي الْجمع وَنَحْوه، وَفِي الْأَعْدَاد نَحْو ثَلَاثَة وَعشرَة؛ لِأَن الْجمع لَيْسَ قَابلا لِأَن يكون جمعين، وَلَا الْعشْرَة عشرتين، فَتَأمل ذَلِك فَإِنَّهُ دَقِيق / وَالله أعلم. ﴿وَإِن تعددا فمتباينة﴾ .

стр. 339

يَعْنِي: إِن تعدد اللَّفْظ وَالْمعْنَى فأساه متباينة لتباينها، لكَون كل وَاحِد مِنْهَا مبايناً للْآخر فِي مَعْنَاهُ. سَوَاء ﴿ [تفاصلت] ﴾ . أَي: لَيْسَ لأَحَدهمَا ارتباط بِالْآخرِ، كإنسان وَفرس، وَضرب زيد عمرا. ﴿ [أَو تواصلت] ﴾ . بِأَن كَانَ بعض الْمعَانِي صفة للْبَعْض الآخر، كالسيف والصارم، فَإِن السَّيْف اسْم للحديدة الْمَعْرُوفَة وَلَو مَعَ كَونهَا كالة، والصارم اسْم للقاطعة، وكالناطق والفصيح والبليغ، وَالْمرَاد: أَنه يُمكن اجْتِمَاعهمَا فِي شَيْء وَاحِد، وَنَحْوه لَو كَانَ أَحدهمَا جُزْءا من الآخر كالإنسان وَالْحَيَوَان. قَوْله: ﴿وَإِن اتَّحد اللَّفْظ وتعدد الْمَعْنى: إِن كَانَ حَقِيقَة [للمتعدد] فمشترك [مُطلقًا] ، وَإِلَّا فحقيقة ومجاز﴾ . إِذا اتَّحد اللَّفْظ وتعدد الْمَعْنى يَنْقَسِم قسمَيْنِ: إِن كَانَ اللَّفْظ حَقِيقَة للمتعدد فَهُوَ مُشْتَرك، سَوَاء تباينت المسميات أَو لَا، على مَا يَأْتِي فِي الْمُشْتَرك: مثل: الْعين والشفق والجون وَنَحْوهَا، وَلِهَذَا قُلْنَا: (مُطلقًا) .

стр. 340

وَإِن لم يكن حَقِيقَة للمتعدد، أَي: لَا يكون مَوْضُوعا بِإِزَاءِ كل وَاحِد مِنْهَا وضعا حَقِيقَة أَولا، بل يكون مَوْضُوعا لأحدها ثمَّ نقل للْبَاقِي لمناسبة، فَهُوَ حَقِيقَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَوْضُوع لَهُ، مجَاز بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَنْقُول إِلَيْهِ، كالأسد فَإِنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحَيَوَان المفترس حَقِيقَة، وبالنسبة إِلَى الرجل الشجاع مجَاز. قَالَ القَاضِي عضد الدّين: (وَهَذَا بِنَاء على أَن الْمجَاز يسْتَلْزم الْحَقِيقَة، وَإِلَّا فقد يكون لَهما مجازين) . قَالَ ابْن الْعِرَاقِيّ فِي " شرح جمع الْجَوَامِع ": (إِذا اتَّحد اللَّفْظ وتعدد الْمَعْنى وَوضع لأَحَدهمَا ثمَّ نقل إِلَى الآخر لعلاقة سمي بِالنِّسْبَةِ إِلَى الأول مَنْقُولًا عَنهُ، وبالنسبة إِلَى الثَّانِي مَنْقُولًا إِلَيْهِ. وَمُقْتَضى هَذَا: أَنه لَا يُطلق عَلَيْهِ اسْم الْحَقِيقَة وَالْمجَاز، وَهُوَ مُخَالف لقَولهم: إِنَّه قد تكون الْحَقِيقَة مرجوحة وَالْمجَاز راجحاً) . قَوْله: / ﴿وَعَكسه مترادفة﴾ . أَي: عكس الَّذِي قبله، وَالْعَكْس: إِذا تعدد اللَّفْظ واتحد الْمَعْنى، تكون متردافة، كالأسد والغضنفر وَاللَّيْث وَنَحْوه، وَإِن كَانَ كل وَاحِد مِنْهَا وضع للحيوان المفترس. قَوْله: ﴿وَكلهَا: مُشْتَقّ﴾ : إِن دلّ على ذِي صفة مُعينَة، كضارب وعالم

стр. 341

وَنَحْوهمَا، ﴿وَغير مُشْتَقّ﴾ : إِن لم يكن كَذَلِك كالجسم وَالْإِنْسَان وَالرجل. وَأَيْضًا كل وَاحِد مِنْهَا ﴿صفة﴾ : إِن دلّ على معنى قَائِم بِذَات، كالضحك وَالْعلم وَالْكِتَابَة، وَقَالَ الْعَضُد هُنَا: (الصّفة مَا يدل على ذَات غير مُعينَة بِاعْتِبَار معنى معِين كضارب) . ﴿وَغير صفة﴾ : كالجسم وَالْإِنْسَان وَالرجل وَنَحْوهَا. قَوْله: ﴿وَيكون اللَّفْظ الْوَاحِد: متواطئاً، ومشتركاً، ومتبايناً، ومترادفاً، باعتبارات﴾ . يكون اللَّفْظ الْوَاحِد: متواطئاً، ومشتركاً، باعتبارين، كَمَا تقدم فِي إِطْلَاق لفظ (الْخمر) على التَّمْر وَالْعِنَب والدواء لعُمُوم النِّسْبَة إِلَى الْخمر متواط، وباختلاف النّسَب مُشْتَرك، وَلَفظ (أسود) لقار وزنجي متواط، ولرجل مُسَمّى بأسود وقار مُشْتَرك. وَيكون - أَيْضا -: متبايناً، ومترادفاً، باعتبارين، قَالَه ابْن قَاضِي الْجَبَل فِي " أُصُوله "، وَالظَّاهِر أَن مُرَاده: مَا قَالَه ابْن حمدَان فِي مقنعه "، وَابْن مُفْلِح فِي " أُصُوله "، وَغَيرهمَا، فِي صارم ومهند: (فَإِنَّهُمَا مُتَرَادِفَانِ على الذَّات

стр. 342

كسيف، ومتباينان صفة، وناطق وفصيح متباينان؛ لاختلافهما معنى، ومترادفان، على موصوفهما من لِسَان أَو إِنْسَان) انْتهى. قَوْله: فَائِدَة: ﴿الْعلم: اسْم يعين مُسَمَّاهُ مُطلقًا﴾ . تقدم أَن الْعلم من أَقسَام الجزئي، فَهُوَ دَاخل فِي أَحْكَام الجزئي، وَإِنَّمَا ذَكرْنَاهُ هُنَا لأحكام تخْتَص بِهِ، قد عَرفْنَاهُ بِأَنَّهُ: اسْم يعين مُسَمَّاهُ مُطلقًا. فقولنا: (اسْم) ، جنس. و (يعين مُسَمَّاهُ) ، فصل مخرج للنكرات. و (مُطلق) ، مخرج لما سوى الْعلم من المعارف، فَإِنَّهُ لَا يُعينهُ إِلَّا بِقَرِينَة: إِمَّا لفظية / ك (أل) ، أَو معنوية كالحضور والغيبة فِي (أَنْت) و (هُوَ) . وَهَذَا الْحَد لِابْنِ مَالك فِي " ألفيته "، وَهُوَ أحسن من حد ابْن الْحَاجِب فِي " الكافية "، وَمن تبعه، لقَوْله: (هُوَ مَا وضع لمُعين لَا يتَنَاوَل غَيره) ، لما عَلَيْهِ من الاعتراضات.

стр. 343

قَالَ ابْن الْعِرَاقِيّ وَغَيره: (وَاعْترض عَلَيْهِ فِي قَوْله: لَا يتَنَاوَل غَيره، بِأَنَّهُ إِذا قصد بذلك إِخْرَاج الضَّمِير كَأَنْت مثلا، فَإِنَّهُ يَصح أَن يُخَاطب بِهِ زيد وَعَمْرو وَغَيرهمَا، يُقَال لَهُ: وَالْعلم كَذَلِك، فَكَمَا أَنه قد يعرض الِاشْتِرَاك فِي لفظ الضَّمِير بِحَسب الْمُخَاطب، قد يعرض للْعلم بِاعْتِبَار تعدد التَّسْمِيَة، لَكِن كل مِنْهُمَا لم يوضع إِلَّا لوحد بِخِلَاف النكرات - قَالَ -: وَلَو تبع فِي " جمع الْجَوَامِع " لِابْنِ مَالك فِي تَعْرِيفه كَانَ أحسن) انْتهى. قَوْله: ﴿فَإِن كَانَ التَّعْيِين خارجياً فَعلم شخص، وَإِلَّا فَعلم جنس، والموضوع للماهية من حَيْثُ هِيَ اسْم جنس﴾ . الْعلم يَنْقَسِم إِلَى قسمَيْنِ: أَحدهمَا: علم شخص، كزيد وَنَحْوه. الثَّانِي: علم جنس، كأسامة علم على الْأسد وَنَحْوه. وَالْفرق بَينهمَا: بِأَن التَّعْيِين فِي الشخصي خارجي، وَفِي الجنسي ذهني. وَتَقْرِير الْفرق: أَن علم الشَّخْص مَوْضُوع للْحَقِيقَة بِقَيْد الشَّخْص الْخَارِجِي، وَعلم الْجِنْس مَوْضُوع للماهية بِقَيْد الشَّخْص الذهْنِي. وَإِنَّمَا وضع علما لبَعض الْأَجْنَاس الَّتِي لَا تؤلف غَالِبا كالسباع

стр. 344

والوحوش، وَقد يَأْتِي فِي بعض المألوفات كَأبي المضا لجنس الْفرس. وَعلم الْجِنْس يُسَاوِي علم الشَّخْص فِي أَحْكَامه اللفظية، فَإِنَّهُ لَا يُضَاف، وَلَا يدْخل عَلَيْهِ حرف التَّعْرِيف، وَلَا ينعَت بنكرة، وَلَا يقبح مَجِيئه مُبْتَدأ، وَلَا انتصاب النكرَة بعده على الْحَال، وَلَا يصرف مِنْهُ مَا فِيهِ سَبَب زَائِد على العلمية كأسامة. ويفارقه من جِهَة الْمَعْنى لعمومه، إِذْ لَيْسَ بعض الْأَشْخَاص أولى بِهِ من بعض، أَلا ترى أَن أُسَامَة صَالح لكل أَسد بِخِلَاف الْعلم الشخصي. فَإِن قلت: مَا الْفرق بَينه وَبَين اسْم الْجِنْس النكرَة من جِهَة الْمَعْنى؟ قلت: ذهب ابْن مَالك، وَجمع: إِلَى أَن أُسَامَة / لَا يُخَالف فِي مَعْنَاهُ دلَالَة أَسد، وَإِنَّمَا يُخَالِفهُ فِي أحاكم لفظية، وَإِنَّمَا أطلق عَلَيْهِ أَنه معرفَة مجَازًا. قَالَ ابْن مَالك: (أُسَامَة نكرَة معنى، معرفَة لفظا، وَإنَّهُ فِي [الشياع] كأسد) .

стр. 345

قَالَ الْمرَادِي فِي " شرح ألفيته ": (وَأَقُول: تَفْرِقَة الْوَاضِع بَين " أُسَامَة " و " أَسد " فِي الْأَحْكَام اللفظية، يُؤذن بفرق من جِهَة الْمَعْنى. وَمِمَّا قيل فِي ذَلِك: إِن " أسداً " وضع ليدل على شخص معِين، وَذَلِكَ الشَّخْص لَا يمْتَنع أَن يُوجد مِنْهُ أَمْثَاله، فَوضع على [الشياع] فِي جُمْلَتهَا / وَوضع " أُسَامَة " لَا بِالنّظرِ إِلَى شخص، بل على معنى الأَسدِية المعقولة، الَّتِي [لَا يُمكن] أَن تُوجد خَارج الذِّهْن، بل هِيَ مَوْجُودَة فِي النَّفس، وَلَا يُمكن أَن يُوجد مِنْهَا اثْنَان أصلا فِي الذِّهْن، ثمَّ صَار أُسَامَة يَقع على الْأَشْخَاص، لوُجُود مَاهِيَّة ذَلِك الْمَعْنى الْمُفْرد الْكُلِّي فِي الْأَشْخَاص. وَالتَّحْقِيق فِي ذَلِك أَن نقُول: اسْم الْجِنْس: هُوَ الْمَوْضُوع للْحَقِيقَة الذهنية من حَيْثُ هِيَ هِيَ، فاسم أَسد مَوْضُوع للْحَقِيقَة من غير اعْتِبَار قيد مَعهَا أصلا، وَعلم الْجِنْس كأسامة مَوْضُوع للْحَقِيقَة بِاعْتِبَار حُضُورهَا الذهْنِي الَّذِي هُوَ نوع تشخيص لَهَا مَعَ قطع النّظر عَن أفرادها، وَنَظِيره الْمُعَرّف بِاللَّامِ الَّتِي للْحَقِيقَة والماهية. وَبَيَان ذَلِك: أَن الْحَقِيقَة الْحَاضِرَة فِي الذِّهْن وَإِن كَانَت عَامَّة بِالنِّسْبَةِ إِلَى أفرادها فَهِيَ بِاعْتِبَار حُضُورهَا فِيهِ أخص من مُطلق الْحَقِيقَة، فَإِذا استحضر الْوَاضِع صُورَة الْأسد فَإِن هَذِه الصُّورَة وَاقعَة لهَذَا الشَّخْص فِي زمَان، وَمثلهَا يَقع فِي زمَان آخر وَفِي ذهن آخر، والجميع يشْتَرك فِي مُطلق صُورَة

стр. 346

الْأسد، فَإِن وضع لَهَا من حَيْثُ خصوصها، فَهُوَ علم الْجِنْس أَو من حَيْثُ عمومها، فَهُوَ اسْم الْجِنْس) انْتهى. وَالْفرق بَين علم الْجِنْس وَاسم الْجِنْس من أغمض مسَائِل النَّحْو حَتَّى قَالَ الْقَرَافِيّ: (كَانَ الخسروشاهي يقرره، وَلم أسمعهُ من أحد إِلَّا مِنْهُ، وَكَانَ يَقُول: مَا فِي الْبِلَاد المصرية من يعرفهُ) انْتهى.

стр. 347

قَوْله: / ﴿فصل﴾ ﴿أَصْحَابنَا، وَالْحَنَفِيَّة، وَالشَّافِعِيَّة: الْمُشْتَرك وَاقع لُغَة جَوَازًا، تبايناً، أَو تواصلاً، [بِكَوْنِهِ جُزْءا لآخر، أَو لَازمه] ﴾ . قد تقدم: أَن الْمُشْتَرك مَا اتَّحد لَفظه وتعدد مَعْنَاهُ، وَله أَنْوَاع: الأول: أَن يوضع لكل وَاحِد من ذَلِك الْمَعْنى المتعدد، فيسمى

стр. 348

الْمُشْتَرك، وَأَصله أَن يُقَال: الْمُشْتَرك فِيهِ، فحذفت لَفْظَة (فِيهِ) توسعاً لِكَثْرَة دوره فِي الْكَلَام، أَو لكَونه صَار لقباً، كَمَا قَالَه ابْن الْحَاجِب فِي " شرح الْمفصل ". إِذا علم ذَلِك؛ فَهُوَ وَاقع لُغَة جَوَازًا، عندنَا، وَعند الْحَنَفِيَّة، وَالشَّافِعِيَّة، وَالْأَكْثَر من طوائف الْعلمَاء، فَيَقَع فِي الْأَسْمَاء كالقرء: للْحيض، وَالطُّهْر، وَالْعين: للباصرة، وَالْجَارِيَة، وَالذَّهَب، وَعين الشَّمْس، وَعين الْمِيزَان، [والربيئة] وَغير [هَا] ... ... ... ... ... ...

стр. 349

حَتَّى عدهَا ... ... ... ... وَفِي الْأَفْعَال: كعسعس: لأقبل، وَأدبر، وَعَسَى: للترجي، والإشفاق، والمضارع: للْحَال، والاستقبال، على أرجح الْمذَاهب فِيهِ، كَمَا تقدم، وَوُقُوع الْمَاضِي: خَبرا، وَدُعَاء، كغفر الله لنا، وإنشاء كبعت وَنَحْوه. وَفِي الْحُرُوف على طَريقَة الْأَكْثَر، كَمَا يَأْتِي، كالباء: للتَّبْعِيض، وَبَيَان الْجِنْس، والاستعانة، والسببية، وَنَحْوهَا. وَإِذا كَانَ وَاقعا فِي اللُّغَة، لزم مِنْهُ أَنه جَائِز الْوُقُوع؛ لِأَن من لَوَازِم الْوُقُوع الْجَوَاز بِالضَّرُورَةِ. وَاسْتدلَّ للْجُوَاز: بِأَنَّهُ لَا يمْتَنع وضع لفظ وَاحِد لمعنيين مُخْتَلفين على الْبَدَل من وَاضع أَو أَكثر ويشتهر الْوَضع.

стр. 350

وَلَفْظَة (عرض) فِي الْقُرْآن مُخْتَلفَة الْمَعْنى فِي قَوْله فِي: ﴿وجنة عرضهَا السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ [آل عمرَان: ١٣٣] ، ﴿وعرضنا جَهَنَّم يَوْمئِذٍ للْكَافِرِينَ عرضا﴾ [الْكَهْف: ١٠٠] . وَالْعرض وَاحِد الْعرُوض، [و] لِأَن الْمَوْجُود فِي الْقَدِيم والحادث حَقِيقَة، فَإِن كَانَ مَدْلُول الْمَوْجُود الذَّات فَهِيَ مُخَالفَة لما سواهَا من الْحَوَادِث، وَإِلَّا لوَجَبَ الِاشْتِرَاك فِي الْوُجُوب للتساوي فِي مَفْهُوم الذَّات. وَإِن كَانَ مَدْلُوله صفة زَائِدَة، فَإِن اتَّحد الْمَفْهُوم مِنْهَا وَمن / اسْم الْمَوْجُود فِي الْحَادِث، لزم مِنْهُ كَون مُسَمّى الْمَوْجُود فِي الْحَادِث وَاجِبا لذاته، أَو وجود الْقَدِيم مُمكنا. وَإِن اخْتلف المفهومان، وَقع الْمُشْتَرك، احْتج بِهِ الْآمِدِيّ، وَأَتْبَاعه، وَهُوَ معنى كَلَام القَاضِي فِي " الْعدة "، وَأبي الْخطاب فِي " التَّمْهِيد "، وَغَيرهمَا من أَصْحَابنَا فِي بَيَان الْكَلَام فِي عَالم للقديم والحادث، لاخْتِلَاف مَعْنَاهُمَا. ورد: بِأَن الْوُجُوب والإمكان لَا يمْنَع التواطؤ، وَدَعوى لُزُوم التَّرْكِيب مِمَّا بِهِ الِاشْتِرَاك وَمَا بِهِ الامتياز إِنَّمَا هُوَ فِي الذِّهْن.

стр. 351

وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: (مَا وضع لما بِهِ الِاشْتِرَاك فَقَط، وامتاز مَا بِهِ الامتياز بقرينه تَعْرِيف أَو إِضَافَة وَنَحْو ذَلِك، لَا من نفس اللَّفْظ الْمُفْرد، فَهُوَ حَقِيقَة فيهمَا كَمَا قُلْنَا فِي أَسمَاء الله تَعَالَى الَّتِي يُسمى بهَا غَيره) . وَقَالَ أَيْضا: (الْجُمْهُور أَنه متواط، قَالَ: فَقيل بالتواطؤ للتساوي، وَالأَصَح للتفاضل) . وَنقل الرَّازِيّ عَن الْأَشْعَرِيّ، وَأبي الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ: مُشْتَرك. وَيَأْتِي الْكَلَام فِي آخر الْمَسْأَلَة على قَوْلنَا: تبايناً، أَو تواصلاً. قَوْله: ﴿وَمنع ثَعْلَب، والباقلاني، والأبهري، والبلخي

стр. 352

وردوه إِلَى المتواطئ [أ] والحقيقة وَالْمجَاز﴾ . فَقَالُوا: عسعس: متواط؛ لاختلاط الظلام بالضياء، وَفِي الْعين: مَوْضُوعَة للصفاء وَقَالَ الرَّازِيّ فِي " تَفْسِيره ": (إِنَّه حَقِيقَة فِي الباصرة مجَاز فِي غَيرهَا) ، وَقَالُوا فِي الْقُرْء للطهر وَالْحيض: إنَّهُمَا حَقِيقَة ومجاز، وَاخْتلفُوا فِي أَيهمَا حَقِيقَة، فَقَالَ أَبُو الْخطاب فِي " الِانْتِصَار ": مجَاز فِي الطُّهْر، لمجاورته للْحيض؛ لِأَنَّهُ يَصح نَفْيه. وَقَالَ ثَعْلَب: للْوَقْت. وَقَالَ من منع الْوُقُوع: للانتقال.

стр. 353

وَقَالَ ابْن الباقلاني: (لَيْسَ فِي اللُّغَة لفظ مَوْضُوع لحقيقتين على طَرِيق الْبَدَل، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون اللَّفْظ مَوْضُوعا لِمَعْنى وَذَلِكَ الْمَعْنى يتَنَاوَل اسْمَيْنِ على طَرِيق التبع، كاسم الْقُرْء مَوْضُوع للانتقال) . قَالَ وَالِد الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: (وَيُسمى المتواطئ) / ﴿ [وَقَالَ الْفَخر الرَّازِيّ:] ﴾ بَين النقيضين﴾ . يَعْنِي: لَا يحصل الِاشْتِرَاك بَين النقيضين ﴿ [فَقَط] ﴾ ، لخلوه عَن الْفَائِدَة؛ لِأَن سَمَاعه لَا يُفِيد غير التَّرَدُّد بَين الْأَمريْنِ، وَهُوَ حَاصِل بِالْعقلِ، فالوضع لَهُ عَبث، لَكِن هَذَا إِنَّمَا يكون عِنْد اتِّحَاد الْوَاضِع، أما إِذا تعدد، وَهُوَ السَّبَب الأكثري، وَذَلِكَ كالسدفة، قَالَ فِي " الصِّحَاح ": (هِيَ لُغَة نجد الظلمَة، وَفِي لُغَة غَيرهم الضَّوْء) . وعَلى تَقْدِير أَن يكون الْوَاضِع وَاحِدًا لَا نسلم انْتِفَاء الْفَائِدَة، بل لَهُ فَوَائِد هِيَ لأصل وضع الْمُشْتَرك، مِنْهَا: غَرَض الْإِبْهَام على السَّامع حَيْثُ يكون التَّصْرِيح سَببا لمفسدة، وَمِنْهَا: استعداد الْمُكَلف للْبَيَان.

стр. 354

﴿و [قَالَ] الْمبرد وَابْن الْقيم من وَاضع وَاحِد﴾ . منع الْمبرد وُقُوعه من وَاضع وَاحِد، وَاخْتَارَهُ ابْن الْقيم فِي " جلاء الأفهام "، فَقَالَ: (لَا يُقَال: " الصَّلَاة لفظ مُشْتَرك يجوز أَن يسْتَعْمل فِي معنييه مَعًا "، لِأَن فِي ذَلِك محاذير مُتعَدِّدَة. أَحدهَا: أَن الِاشْتِرَاك خلاف الأَصْل بل لَا نعلم أَنه وَقع فِي اللُّغَة من وَاضع وَاحِد كَمَا نَص عَلَيْهِ أَئِمَّة اللُّغَة، مِنْهُم: الْمبرد وَغَيره، وَإِنَّمَا يَقع وقوعاً عارضاً اتفاقياً بِسَبَب تعدد الواضعين، ثمَّ تختلط اللُّغَة فَيعرض الإشتراك) انْتهى. ﴿و﴾ قَالَ ﴿ [قوم] : فِي الْقُرْآن، و﴾ قَالَ ﴿ [قوم: وَفِي الحَدِيث] ﴾ . أَي: منع قوم الْمُشْتَرك فِي الْقُرْآن، وَهُوَ ابْن دَاوُد الظَّاهِرِيّ، وَجَمَاعَة، ورد: بِنَحْوِ [الصريم] وعسعس وَغَيرهمَا.

стр. 355

وَنقل عَن قوم مَنعه فِي الحَدِيث - أَيْضا - ولعلهم المانعون فِي الْقُرْآن؛ لِأَن الشُّبْهَة فِي ذَلِك وَاحِدَة. إِذا علم ذَلِك؛ فالقائلون بالوقوع اخْتلفُوا. ﴿فَقَالَ بَعضهم: وَاجِب الْوُقُوع﴾ ؛ لِأَن الْأَلْفَاظ قَليلَة والمعاني كَثِيرَة، فَإِذا وزعت دخل الِاشْتِرَاك، وَهُوَ ظَاهر الْفساد، بل نمْنَع ذَلِك، ثمَّ الْمَقْصُود بِالْوَضْعِ منتهاه، وَلَا حَاجَة إِلَى الإطالة فِي رده. وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا: وَلَا يجب فِي اللُّغَة، وَقيل: بلَى. وَقَوْلنَا على الْمَذْهَب الأول: (تباينا، أَو تواصلاً بِكَوْنِهِ جُزْءا لآخر أَو لَازمه) ، لِأَنَّهُ لابد للمشترك من مفهومين / فَأكْثر، والمفهومان إِمَّا أَن يتباينا، أَو يتواصلا. فَإِن تباينا، لم يصدق أَحدهمَا على الآخر، فَإِن لم يَصح اجْتِمَاعهمَا فهما متضادان، كالقرء الْمَوْضُوع للطهر وَالْحيض عِنْد من يَقُول: إِنَّه مُشْتَرك، وَإِن صَحَّ اجْتِمَاعهمَا فهما متخالفان. قَالَ الْإِسْنَوِيّ: (وَلم يظفر لَهما بمثال) . وَإِن تواصلا، فقد يكون أَحدهمَا جُزْءا من الآخر، وَقد يكون لَازِما لَهُ.
следующие страницы →