← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6336

التحبير شرح التحرير

المرداوي

Полный текст (4 267 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: (مَا وضع لما بِهِ الِاشْتِرَاك فَقَط، وامتاز مَا بِهِ الامتياز بقرينه تَعْرِيف أَو إِضَافَة وَنَحْو ذَلِك، لَا من نفس اللَّفْظ الْمُفْرد، فَهُوَ حَقِيقَة فيهمَا كَمَا قُلْنَا فِي أَسمَاء الله تَعَالَى الَّتِي يُسمى بهَا غَيره) . وَقَالَ أَيْضا: (الْجُمْهُور أَنه متواط، قَالَ: فَقيل بالتواطؤ للتساوي، وَالأَصَح للتفاضل) . وَنقل الرَّازِيّ عَن الْأَشْعَرِيّ، وَأبي الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ: مُشْتَرك. وَيَأْتِي الْكَلَام فِي آخر الْمَسْأَلَة على قَوْلنَا: تبايناً، أَو تواصلاً. قَوْله: ﴿وَمنع ثَعْلَب، والباقلاني، والأبهري، والبلخي

стр. 352

وردوه إِلَى المتواطئ [أ] والحقيقة وَالْمجَاز﴾ . فَقَالُوا: عسعس: متواط؛ لاختلاط الظلام بالضياء، وَفِي الْعين: مَوْضُوعَة للصفاء وَقَالَ الرَّازِيّ فِي " تَفْسِيره ": (إِنَّه حَقِيقَة فِي الباصرة مجَاز فِي غَيرهَا) ، وَقَالُوا فِي الْقُرْء للطهر وَالْحيض: إنَّهُمَا حَقِيقَة ومجاز، وَاخْتلفُوا فِي أَيهمَا حَقِيقَة، فَقَالَ أَبُو الْخطاب فِي " الِانْتِصَار ": مجَاز فِي الطُّهْر، لمجاورته للْحيض؛ لِأَنَّهُ يَصح نَفْيه. وَقَالَ ثَعْلَب: للْوَقْت. وَقَالَ من منع الْوُقُوع: للانتقال.

стр. 353

وَقَالَ ابْن الباقلاني: (لَيْسَ فِي اللُّغَة لفظ مَوْضُوع لحقيقتين على طَرِيق الْبَدَل، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون اللَّفْظ مَوْضُوعا لِمَعْنى وَذَلِكَ الْمَعْنى يتَنَاوَل اسْمَيْنِ على طَرِيق التبع، كاسم الْقُرْء مَوْضُوع للانتقال) . قَالَ وَالِد الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: (وَيُسمى المتواطئ) / ﴿ [وَقَالَ الْفَخر الرَّازِيّ:] ﴾ بَين النقيضين﴾ . يَعْنِي: لَا يحصل الِاشْتِرَاك بَين النقيضين ﴿ [فَقَط] ﴾ ، لخلوه عَن الْفَائِدَة؛ لِأَن سَمَاعه لَا يُفِيد غير التَّرَدُّد بَين الْأَمريْنِ، وَهُوَ حَاصِل بِالْعقلِ، فالوضع لَهُ عَبث، لَكِن هَذَا إِنَّمَا يكون عِنْد اتِّحَاد الْوَاضِع، أما إِذا تعدد، وَهُوَ السَّبَب الأكثري، وَذَلِكَ كالسدفة، قَالَ فِي " الصِّحَاح ": (هِيَ لُغَة نجد الظلمَة، وَفِي لُغَة غَيرهم الضَّوْء) . وعَلى تَقْدِير أَن يكون الْوَاضِع وَاحِدًا لَا نسلم انْتِفَاء الْفَائِدَة، بل لَهُ فَوَائِد هِيَ لأصل وضع الْمُشْتَرك، مِنْهَا: غَرَض الْإِبْهَام على السَّامع حَيْثُ يكون التَّصْرِيح سَببا لمفسدة، وَمِنْهَا: استعداد الْمُكَلف للْبَيَان.

стр. 354

﴿و [قَالَ] الْمبرد وَابْن الْقيم من وَاضع وَاحِد﴾ . منع الْمبرد وُقُوعه من وَاضع وَاحِد، وَاخْتَارَهُ ابْن الْقيم فِي " جلاء الأفهام "، فَقَالَ: (لَا يُقَال: " الصَّلَاة لفظ مُشْتَرك يجوز أَن يسْتَعْمل فِي معنييه مَعًا "، لِأَن فِي ذَلِك محاذير مُتعَدِّدَة. أَحدهَا: أَن الِاشْتِرَاك خلاف الأَصْل بل لَا نعلم أَنه وَقع فِي اللُّغَة من وَاضع وَاحِد كَمَا نَص عَلَيْهِ أَئِمَّة اللُّغَة، مِنْهُم: الْمبرد وَغَيره، وَإِنَّمَا يَقع وقوعاً عارضاً اتفاقياً بِسَبَب تعدد الواضعين، ثمَّ تختلط اللُّغَة فَيعرض الإشتراك) انْتهى. ﴿و﴾ قَالَ ﴿ [قوم] : فِي الْقُرْآن، و﴾ قَالَ ﴿ [قوم: وَفِي الحَدِيث] ﴾ . أَي: منع قوم الْمُشْتَرك فِي الْقُرْآن، وَهُوَ ابْن دَاوُد الظَّاهِرِيّ، وَجَمَاعَة، ورد: بِنَحْوِ [الصريم] وعسعس وَغَيرهمَا.

стр. 355

وَنقل عَن قوم مَنعه فِي الحَدِيث - أَيْضا - ولعلهم المانعون فِي الْقُرْآن؛ لِأَن الشُّبْهَة فِي ذَلِك وَاحِدَة. إِذا علم ذَلِك؛ فالقائلون بالوقوع اخْتلفُوا. ﴿فَقَالَ بَعضهم: وَاجِب الْوُقُوع﴾ ؛ لِأَن الْأَلْفَاظ قَليلَة والمعاني كَثِيرَة، فَإِذا وزعت دخل الِاشْتِرَاك، وَهُوَ ظَاهر الْفساد، بل نمْنَع ذَلِك، ثمَّ الْمَقْصُود بِالْوَضْعِ منتهاه، وَلَا حَاجَة إِلَى الإطالة فِي رده. وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا: وَلَا يجب فِي اللُّغَة، وَقيل: بلَى. وَقَوْلنَا على الْمَذْهَب الأول: (تباينا، أَو تواصلاً بِكَوْنِهِ جُزْءا لآخر أَو لَازمه) ، لِأَنَّهُ لابد للمشترك من مفهومين / فَأكْثر، والمفهومان إِمَّا أَن يتباينا، أَو يتواصلا. فَإِن تباينا، لم يصدق أَحدهمَا على الآخر، فَإِن لم يَصح اجْتِمَاعهمَا فهما متضادان، كالقرء الْمَوْضُوع للطهر وَالْحيض عِنْد من يَقُول: إِنَّه مُشْتَرك، وَإِن صَحَّ اجْتِمَاعهمَا فهما متخالفان. قَالَ الْإِسْنَوِيّ: (وَلم يظفر لَهما بمثال) . وَإِن تواصلا، فقد يكون أَحدهمَا جُزْءا من الآخر، وَقد يكون لَازِما لَهُ.

стр. 356

مِثَال الأول: لفظ الْمُمكن، فَإِنَّهُ مَوْضُوع للممكن بالإمكان الْعَام، والممكن بالإمكان الْخَاص فالإمكان الْخَاص: هُوَ سلب الضَّرُورَة عَن طرفِي الحكم، أَعنِي: الطّرف الْمُوَافق لَهُ والمخالف. وَمِثَال الثَّانِي: الشَّمْس، وَهُوَ تَمْثِيل للمشترك ولازمه، فَإِنَّهَا تطلق على الْكَوْكَب المضيء، تَقول: طلعت الشَّمْس، وعَلى ضوئه تَقول: جلسنا فِي الشَّمْس، مَعَ أَن الضَّوْء لَازم لَهُ. فَإِن توقف فِي هَذَا الْمِثَال مُتَوَقف، فليمثل بِهِ بالرحيم، فَإِن الْجَوْهَرِي نَص على أَنه تَارَة يكون بِمَعْنى المرحوم، وَتارَة بِمَعْنى الراحم، وكل مِنْهُمَا مُسْتَلْزم للْآخر، قَالَه الْإِسْنَوِيّ، وَفِيه مَا فِيهِ.

стр. 357

قَوْله: ﴿فصل﴾ ﴿أَصْحَابنَا، وَالْحَنَفِيَّة، وَالشَّافِعِيَّة: المترادف وَاقع﴾ . فِي الْأَسْمَاء، وَالْأَفْعَال، والحروف، فَفِي الْأَسْمَاء: كالأسد والسبع وَاللَّيْث والغضنفر [والضرغام] حَتَّى قيل: إِنَّه لَهُ سِتّمائَة وَثَلَاثِينَ اسْما، وَالْجُلُوس [وَالْقعُود] ، وصلهب وسلهب للطويل، وبحتر وحبتر وبهتر للقصير وَغَيرهَا.

стр. 358

وَفِي الْأَفْعَال: كجلس وَقعد، وَحبس وَمنع، وَمضى وَذهب، فِي الْمعَانِي وَشبههَا. وَفِي الْحُرُوف: كإلى وَحَتَّى لانْتِهَاء الْغَايَة. وَهَذَا أصح الْأَقْوَال فِي الْمَسْأَلَة، وَفِي " سنَن أبي دَاوُد "، وَالتِّرْمِذِيّ، وَابْن مَاجَه، من حَدِيث الْعَبَّاس ﵁ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْد النَّبِي ﷺ َ - بالبطحاء فمرت سَحَابَة، فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ -: " أَتَدْرُونَ مَا هَذِه؟ "، فَقُلْنَا: السَّحَاب، فَقَالَ: " والمزن "، قُلْنَا: والمزن، قَالَ: " والعنان "، قُلْنَا: والعنان ... . الحَدِيث.

стр. 359

وَلِأَنَّهُ لَا يمْتَنع من وَاضع، وَلَا من واضعين لَا يشْعر أَحدهمَا بِالْآخرِ ويشتهر ذَلِك. قَالَ ابْن الْقيم فِي " رَوْضَة المحبين ": (الْأَسْمَاء الدَّالَّة على مُسَمّى وَاحِد نَوْعَانِ:

стр. 360

أَحدهمَا: أَن يدل / عَلَيْهِ بِاعْتِبَار الذَّات فَقَط، فَهَذَا هُوَ المترادف ترادفاً مَحْضا، كالحنطة وَالْبر والقمح، واللقب إِذا لم يكن فِيهِ مدح وَلَا ذمّ، وَإِنَّمَا أَتَى لمُجَرّد التَّعْرِيف. وَالنَّوْع الثَّانِي: أَن يدل على ذَات وَاحِدَة بِاعْتِبَار تبَاين صفاتها، كأسماء الرب، وَأَسْمَاء كَلَامه، وَنبيه، وَأَسْمَاء الْيَوْم الآخر، فَهَذَا النَّوْع مترادف بِالنِّسْبَةِ إِلَى الذَّات، متباين بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصِّفَات، فالرب والرحمن والعزيز والقدير وَنَحْوهَا تدل على ذَات وَاحِدَة بِاعْتِبَار صِفَات مُتعَدِّدَة، وَكَذَلِكَ البشير والنذير والحاشر وَالْعَاقِب وَنَحْوهَا، وَكَذَلِكَ يَوْم الْقِيَامَة وَيَوْم الْبَعْث وَيَوْم الْجمع وَيَوْم التغابن وَيَوْم الآزفة وَنَحْوهَا، وَكَذَلِكَ الْقُرْآن وَالْفرْقَان وَالْكتاب وَالْهدى وَنَحْوهَا، وَكَذَلِكَ أَسمَاء السَّيْف فَإِن تعددها بِحَسب [أَوْصَاف] وإضافات مُخْتَلفَة كالمهند والعضب والصارم وَنَحْوهَا. قَالَ: وَقد أنكر كثير من النَّاس الترادف فِي اللُّغَة، وَكَأَنَّهُم أَرَادوا هَذَا الْمَعْنى، وَأَنه مَا من اسْمَيْنِ لمسمى وَاحِد إِلَّا وَبَينهمَا فرق فِي صفة أَو نِسْبَة أَو إِضَافَة، سَوَاء علمت لنا أَو لم تعلم، وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ صَحِيح بِاعْتِبَار الْوَاضِع الْوَاحِد، وَلَكِن قد يَقع الترادف بِاعْتِبَار واضعين مُخْتَلفين، يُسَمِّي أَحدهمَا الْمُسَمّى باسم، ويسميه الْوَاضِع الآخر باسم غَيره، ويشتهر الوضعان

стр. 361

عَن الْقَبِيلَة الْوَاحِدَة، وَهَذَا كثير، وَمن هَذَا يَقع الِاشْتِرَاك أَيْضا، فَالْأَصْل فِي اللُّغَة هُوَ التباين، وَهُوَ أَكثر اللُّغَة) انْتهى كَلَامه، وَهُوَ كَلَام حسن. قَوْله: ﴿ [وَمنع مِنْهُ] ثَعْلَب، والمبرد، وَابْن فَارس، والزجاج مُطلقًا﴾ . وصنف فِي رده كتابا سَمَّاهُ الفروق، كجلوس وقعود، فالقعود مَا كَانَ عَن قيام، وَالْجُلُوس مَا كَانَ عَن نوم، وَنَحْوه، لدلَالَة الْمَادَّة على

стр. 362

معنى الِارْتفَاع، قَالَ: (وَذهب إِلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ) . ورد: بِأَن اللُّغَة طافحة بذلك، لكنه على خلاف الأَصْل، وَاخْتَارَ هَذَا القَوْل - أَيْضا -[الخويي] فِي الْيَنَابِيع، وَقَالَ: (أَكثر مَا يظنّ أَنه مترادف مُخْتَلف، لَكِن وَجه / الِاخْتِلَاف خَفِي) انْتهى. قَالَ المانعون: لَا فَائِدَة فِي الترادف. أُجِيب: فَائِدَة توسعه تَكْثِير طرق موصلة إِلَى الْغَرَض، حَتَّى نقل عَن وَاصل بن عَطاء المعتزلي - وَكَانَ ألثغ الرَّاء - أَنه كَانَ يجتنبها بالإتيان

стр. 363

بالمترادف الَّذِي لَا رَاء فِيهِ، حَتَّى قيل لَهُ: قل: ارْمِ رمحك عَن فرسك، فَقَالَ: ألق قناتك عَن جوادك، أَو مَا هَذَا مَعْنَاهُ. وتيسير نظم ونثر للزنة والروي، وَهُوَ: الْحَرْف آخر القافية، والقافية: الْكَلِمَة آخر الْبَيْت. وتيسير تجنيس، وَهُوَ: تشابه لفظين، ومطابقة، وَهِي: جمع بَين ضدين، وَالْمرَاد: بِحَيْثُ يوازن أَحدهمَا الآخر. وَقَالُوا - أَيْضا -: لَا يجوز؛ لِأَنَّهُ تَعْرِيف للمعرف، وَهُوَ بَاطِل. أُجِيب: كل وَاحِد مِنْهُمَا عَلامَة، وتوارد العلامات جَائِز اتِّفَاقًا. ﴿و [قَالَ] ﴾ الْفَخر ﴿الرَّازِيّ﴾ : إِنَّه مُمْتَنع ﴿فِي﴾ الْأَسْمَاء ﴿الشَّرْعِيَّة﴾ .

стр. 364

وَهُوَ مُخَالف لقَوْله: (إِن الْفَرْض وَالْوَاجِب مُتَرَادِفَانِ) ، وَالْمُعْتَمد مَا قَالَه فِي الْأُصُول فِيمَا يظْهر فِي هَذِه الْمَسْأَلَة، ثمَّ وجدت الكوراني: قَالَ: (وَمن ذهب إِلَى أَنه لم يَقع فِي الْأَسْمَاء الشَّرْعِيَّة إِنَّمَا أخبر عَن وجدانه، يدل على ذَلِك عِبَارَته فِي " الْمَحْصُول " فِي آخر بحث الْحَقِيقَة الشَّرْعِيَّة: (الْأَظْهر أَنه لم يُوجد [فَيقدر] بِقَدرِهِ. وَمن رد عَلَيْهِ بِالْفَرْضِ وَالْوَاجِب، فقد اشْتبهَ عَلَيْهِ اصْطِلَاح الْفُقَهَاء بِالْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّة، إِذْ المُرَاد بهَا: مَا وَضعه الشَّارِع كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة وَالْحج وَنَحْوهَا، على مَا يَأْتِي تَحْقِيقه) انْتهى. تَنْبِيه: من ذهب إِلَى الْمَنْع قَالَ: مَا يظنّ أَنه من المترادف فَهُوَ من اخْتِلَاف الذَّات وَالصّفة كالإنسان والناطق، أَو اخْتِلَاف الصِّفَات كالمنشئ وَالْكَاتِب، أَو الصّفة وَصفَة الصّفة كالمتكلم والفصيح، أَو الذَّات وَصفَة الصّفة كالإنسان والفصيح، وكل هَذَا تكلّف، لَكِن تقدم كَلَام ابْن الْقيم وميله إِلَيْهِ.

стр. 365

قَالَ ابْن مُفْلِح وَغَيره: (أما مهند - نِسْبَة إِلَى الْهِنْد - وصارم فمترادفان على الذَّات كسيف، ومتباينان صفة، وناطق وفصيح مُتَرَادِفَانِ على موصوفهما من لِسَان / وإنسان متباينان معنى) انْتهى، كَمَا تقدم. ﴿وَقيل: لم يَقع﴾ . ذكره الْبرمَاوِيّ فِي " شرح منظومته "، زِيَادَة على الْأَقْوَال الْمُتَقَدّمَة، وَلَعَلَّ قَائِل ذَلِك عَنى: أَنه يجوز وُقُوعه فَلَيْسَ بممتنع وَلكنه لم يَقع، وَعلل ذَلِك: بِأَن وضع اللَّفْظَيْنِ لِمَعْنى وَاحِد غش يجل الْوَاضِع عَنهُ، وَيصْلح أَن يكون تعليلاً للْمَنْع مُطلقًا أَيْضا. تَنْبِيه: مَحل الْخلاف فِي الْوُقُوع وَعَدَمه، فِي الْمَنْع إِذا كَانَ من لُغَة وَاحِدَة أما من لغتين فَلَا يُنكره أحد، قَالَه الْأَصْفَهَانِي، والعسكري، مَعَ أَنه مِمَّن يُنكر المترادف.

стр. 366

قلت: هَذَا مِمَّا لَا يشك فِيهِ أحد، بل هُوَ الْوَاقِع قطعا. وَقَالَ الكوراني: (وَعلم أَن الْوَاضِع إِذا كَانَ وَاحِدًا وَقُلْنَا بِالْجَوَازِ فالفائدة مَا ذكر أَولا، وَأما إِذا كَانَ الْوَاضِع مُتَعَددًا فَالْأَمْر فِيهِ وَاضح؛ لِأَنَّهُ رُبمَا كَانَ أحد الواضعين، فِي الشرق وَالْآخر فِي الغرب، وَلَا علم لأَحَدهمَا بِوَضْع الآخر) انْتهى. وَتقدم كَلَام ابْن الْقيم فِي الواضعين، وَهُوَ أولى من هَذَا. قَوْله: ﴿وَالْحَد [غير اللَّفْظِيّ] والمحدود، وَنَحْو شذر مذر، غير متردافة فِي الْأَصَح، [كالتأكيد] ﴾ . ذكر هُنَا ثَلَاثَة أَشْيَاء مِمَّا يشبه المترادف وَلَيْسَ مِنْهُ. أَحدهَا: الْحَد والمحدود، كالإنسان حَيَوَان نَاطِق، وَالصَّحِيح: أَنه غير مترادف، لِأَن المترادف من عوارض الْمُفْردَات، لِأَنَّهَا الْمَوْضُوعَة، وَالْحَد مركب.

стр. 367

وَلَو سلم أَن الْمركب مَوْضُوع، فالمترادف مَا اتَّحد فِيهِ الْمَعْنى، وَلَا اتِّحَاد فِي الْحَد والمحدود؛ لِأَن دلالتهما باعتبارين: الْحَد يدل على الْأَجْزَاء بالمطابقة، والمحدود يدل عَلَيْهَا بالتضمن. قَالَ الْبرمَاوِيّ: (لِأَن الْمَحْدُود دلّ من حَيْثُ الْجُمْلَة والوحدة المجتمعة، وَالْحَد دلّ من حَيْثُ التَّفْصِيل بِذكر الْمَادَّة وَالصُّورَة من غير وحدة) . وَقَالَ الْغَزالِيّ فِي " الْمُسْتَصْفى " - وَتَبعهُ الْقَرَافِيّ -: (الْحَد غير الْمَحْدُود إِن أُرِيد اللَّفْظ، / وَنَفسه إِن أُرِيد الْمَعْنى) ، وَلَيْسَ ذَلِك خلافًا، بل من نظر إِلَى الْحَقِيقَة فِي الذِّهْن، قَالَ: إِنَّه نَفسه، وَمن نظر إِلَى الْعبارَة عَنْهَا، قَالَ: إِنَّه غَيره. وَقَوْلنَا: (غير اللَّفْظِيّ) ، أَعنِي: أَن الْحَد اللَّفْظِيّ مرادف بِلَا نزاع، كَمَا تقدم فِي أَقسَام الْحَد: (أَن اللَّفْظِيّ إِذا أنبأ عَنهُ بأظهر مرادف) فجعلوه مرادفاً، وَهُوَ وَاضح، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال: إِن اللَّفْظِيّ لَيْسَ بِحَدّ. الثَّانِي مِمَّا يشبه أَنه مترادف وَهُوَ غير مترادف على الصَّحِيح: التَّابِع على زنة متبوعه مثل: شذر مذر وَنَحْوه، فَإِنَّهُ غير مترادف، لِأَن التَّابِع

стр. 368

وَحده لَا يُفِيد شَيْئا، وَلَو كَانَ مترادفا وأفرد التابعى لأفاد، وَهُوَ لَا يُفِيد مَعَ الْإِفْرَاد وَقيل: إِنَّه من المترادف، قَالَه بَعضهم، ورد، وَله أَمْثِلَة كَثِيرَة جدا مثل: شذر مذر كَمَا تقدم، وَهُوَ بِفَتْح الشين وَالْمِيم والذالين، وبكسر أَولهمَا، وَحسن بسن، وعطشان نطشان، وشغر بغر، قَالَ الْجَوْهَرِي: (اسمان جعلا وَاحِدًا وبنيا على الْفَتْح) ، وَشَيْطَان ليطان، وخاز باز، وجائع نائع، وثقف لقف، وحياك الله ... ... ... ... . .

стр. 369

وبياك، وأسوان أتوان، أَي: حَزِين، وتافه نافه، وَحل بل، وحقير نقير، وَعين حدرة بدرة أَي: عَظِيمَة، وخضر مُضر، وخراب يباب، وسمج لمج، وسيغ ليغ، وشكس لكس وَيَوْم

стр. 370

عك [أك] ، إِذا كَانَ حاراً، وعفريت نفريت، وَكثير بثير، [وشقيح لقيح] ، [وَفقه نقه] ، وَهُوَ أشق أمق خبق: للطويل، وَفعلت ذَلِك على رغمه ودغمه، وَغير ذَلِك.

стр. 371

وَقد صنف فِيهِ ابْن خالويه كتابا سَمَّاهُ (الإتباع والإلباع) وَكَذَا عبد الْوَاحِد اللّغَوِيّ وَابْن فَارس وَقد ذكر مِنْهُ ابْن الْجَوْزِيّ جانبا كَبِيرا فِي كِتَابه المدهش. وَهُوَ كثير فِي ثَلَاثَة أَلْفَاظ: كحسن بسن قسن، وَلم يسمع فِي أَكثر من

стр. 372

خَمْسَة أَلْفَاظ نَحْو: كثير [بثير] برير بجير بذير، وَقيل: [مجير] . الثَّالِث: / الْمُؤَكّد، وَلَيْسَ من المترادف أَيْضا، وَلم أرهم حكوا فِيهِ خلافًا، لعدم استقلاله كَمَا قُلْنَا فِي الَّذِي قبله، صرح بذلك الْبرمَاوِيّ فِي " شرح منظومته " وَغَيره.

стр. 373

وَيَأْتِي - أَيْضا - فِي خَمْسَة أَلْفَاظ، وَلَا يَأْتِي فِي أَكثر فَتَقول: قَامَ الْقَوْم كلهم أَجْمَعُونَ أكتعون أبصعون أبتعون. قَوْله: ﴿وَأفَاد التَّابِع التقوية، خلافًا للآمدي، وَابْن حمدَان، [وَجمع] ﴾ . الْأَظْهر: أَن التَّابِع أَفَادَ التقوية؛ لِأَنَّهُ لم يوضع عَبَثا، وَاخْتَارَهُ التَّاج السُّبْكِيّ، وَجمع كثير. وَذهب الْآمِدِيّ، وَابْن حمدَان، وَجمع: أَنه لَا فَائِدَة للتابع، وَهُوَ ظَاهر كَلَام الْبَيْضَاوِيّ. قَوْله: ﴿وَهُوَ على رنة الْمَتْبُوع﴾ . وَهَذَا مَعْرُوف بالاستقراء، حَتَّى لَو وجد مَا لَيْسَ على زنته، لم يحكم بِأَنَّهُ من هَذَا الْبَاب. قَوْله: ﴿و [الْمُؤَكّد] يُقَوي، وينفي احْتِمَال الْمجَاز﴾ .

стр. 374

التوكيد هُوَ: التقوية بِاللَّفْظِ، وَأما اللَّفْظ: فَهُوَ الْمُؤَكّد، فَلذَلِك قُلْنَا: (الْمُؤَكّد يُفِيد التقوية بِلَا نزاع) ، وَيزِيد على ذَلِك بِكَوْنِهِ يَنْفِي احْتِمَال الْمجَاز، فَإِن قَوْلك: قَامَ الْقَوْم، يحْتَمل أَن بَعضهم قَامَ، أَو أَكْثَرهم، فَإِذا قلت: كلهم، انْتَفَى ذَلِك، وَإِذا قلت: جَاءَ زيد، احْتمل أَنه قد جَاءَ خَبره، أَو كِتَابه، فَإِذا قلت: جَاءَ زيد نَفسه، انْتَفَى ذَلِك، وَهُوَ ظَاهر، وَصرح بذلك ابْن عقيل - على مَا يَأْتِي - وَابْن الْعِرَاقِيّ، وَجمع، وَكَذَلِكَ النُّحَاة، وَكَذَلِكَ الْمثنى وَالْمَجْمُوع. قَوْله: ﴿وأنكرته الْمَلَاحِدَة﴾ . [أنْكرت] الْمَلَاحِدَة التَّأْكِيد، وهم محجوجون بِالْكتاب وَالسّنة وَكَلَام الْعَرَب، لَكِن الْمَلَاحِدَة طعنوا فِي الْقُرْآن بِسَبَب وُقُوع التَّأْكِيد فِيهِ، قَالَه الْهِنْدِيّ. وَقَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل وَغَيره: (وُقُوع التَّأْكِيد مَعْلُوم ضَرُورَة، خلافًا للملحدة) .

стр. 375

وَقَالَ ابْن مُفْلِح: (وَأنْكرت الْمَلَاحِدَة التَّأْكِيد، لعدم فَائِدَته. رد: جَوَازه ضَرُورِيّ، وَمَعْلُوم وُقُوعه) . قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (وَظَاهر / نقل الْخلاف أَنهم أَنْكَرُوا التَّأْكِيد مُطلقًا، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل نازعوا فِي كَون الْقُرْآن كَلَام الله بِسَبَب وُقُوع التَّأْكِيد فِيهِ، لزعمهم الْقُصُور عَن تأدية مَا فِي النَّفس، وَالله تَعَالَى منزه عَن ذَلِك، وجهلوا كَون الله تَعَالَى خَاطب عبَادَة على نهج لُغَة الْعَرَب وَهُوَ فِيهَا) . تَنْبِيهَانِ: أَحدهمَا: الْمَلَاحِدَة هم الإسماعيلية من الرافضة، قَالَه الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي الرَّد على الرافضي، وهم الباطنية. وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: (ملاحدة الشِّيعَة الَّذين يَعْتَقِدُونَ إلهية عَليّ ﵁ أَو نبوته، أَو يَعْتَقِدُونَ: أَن بَاطِن الشَّرِيعَة يُخَالف ظَاهرهَا، كَمَا يَقُوله ملاحدة الإسماعيلية والنصيرية وَغَيرهمَا: من أَنهم تسْقط عَنْهُم أَو عَن خواصهم الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالصَّوْم وَالْحج، وَيُنْكِرُونَ الْمعَاد؛ بل غلاتهم يجحدون الصَّانِع، ويعتقدون فِي مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل أَنه أفضل من مُحَمَّد بن

стр. 376

عبد الله، وَأَنه نسخ شَرِيعَته، ويعتقدون فِي أئمتهم أَنهم معصومون) . الثَّانِي: قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (التَّأْكِيد والتوكيد لُغَتَانِ، وَهُوَ: لَفْظِي، ومعنوي، فاللفظي يَجِيء؛ لخوف النسْيَان، وَلَا يكون فِي الْإِنْشَاء قطعا، وَلَا مزِيد على الأَصْل من حَيْثُ هُوَ توكيد، أَو لعدم الإصغاء، أَو للاعتناء، وَتارَة يكون بِإِعَادَة اللَّفْظ، كَقَوْلِه ﷺ َ -: " وَالله لأغزون قُريْشًا " وكرره ثَلَاثًا، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن عِكْرِمَة مُرْسلا ، ... ... ... ... ... . .

стр. 377

وَتارَة بِمَا يشبه الترادف. والمعنوي يكون لإِطْلَاق اللَّفْظ على أَسبَابه ومقدماته، فَيُقَال: جَاءَ الْبرد: إِذا جَاءَت أَسبَابه، وَجَاء زيد: إِذا جَاءَ كِتَابه، وَيُطلق أَيْضا اسْم الْكل على الْبَعْض، فَيُقَال: قبضت الدَّرَاهِم، وَالْمرَاد: بَعْضهَا) انْتهى. وَمن التَّأْكِيد مَا يكون للجملة ك (إِن) كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على النَّبِي﴾ [الْأَحْزَاب: ٥٦] ، وَالْقسم، وَاللَّام، وَيكون بالحروف الزَّائِدَة فِي الْقُرْآن وَغَيره. قَالَ ابْن جني: (كل حرف زَائِد فِي كَلَام الْعَرَب / فَإِنَّهُ للتَّأْكِيد) . قَوْله: ﴿وَيقوم كل مترادف مقَام الآخر فِي التَّرْكِيب، خلافًا للرازي مُطلقًا، وللبيضاوي، والهندي، [وَجمع] : إِن كَانَا من لغتين﴾ .

стр. 378

الصَّحِيح: أَنه يقوم كل مترادف مقَام الآخر فِي التَّرْكِيب، وَرُبمَا يعبر عَن ذَلِك باللزوم أَو الْوُجُوب، كَمَا قَالَ الرَّازِيّ فِي " الْمَحْصُول "، وَأَتْبَاعه، وَابْن الْحَاجِب. وَالْمرَاد: يلْزم أَن يَصح وُقُوع كل من الرديفين مَكَان الآخر؛ لِأَن معنى كل وَاحِد معنى الآخر؛ لِأَن الْمَقْصُود من التَّرْكِيب إِنَّمَا هُوَ الْمَعْنى دون اللَّفْظ، فَإِذا صَحَّ الْمَعْنى مَعَ أحد اللَّفْظَيْنِ وَجب أَن يَصح مَعَ الآخر؛ لِاتِّحَاد مَعْنَاهُمَا. وَمنعه الرَّازِيّ فِي " الْمَحْصُول " فِي مَوضِع مُطلقًا، وَتَبعهُ صَاحب " الْحَاصِل "، و " التَّحْصِيل ". قَالَ فِي " الْمَحْصُول ": (لِأَن صِحَة الضَّم قد تكون من عوارض الْأَلْفَاظ أَيْضا، فَإِذا عقلنا ذَلِك فِي لغتين فَلم لَا يجوز مثله فِي لُغَة؟) . وَمنع الْهِنْدِيّ، والبيضاوي، وَجمع: إِن كَانَا من لغتين، [لِأَن

стр. 379

اخْتِلَاط اللغتين يسْتَلْزم ضم مهمل إِلَى مُسْتَعْمل، فَإِن إِحْدَى اللغتين] بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللُّغَة الْأُخْرَى بِمَثَابَة المهمل. تَنْبِيه: قيد جمَاعَة الْمَسْأَلَة بقَوْلهمْ: (إِن لم يكن تعبد بِلَفْظِهِ) ، احْتِرَاز من التَّكْبِير وَنَحْوه، فِي أَنه لَا يقوم غَيره مقَامه قطعا. وَفِي هَذَا الْقَيْد نظر؛ لِأَن الْمَنْع هُنَاكَ لعَارض شَرْعِي، والبحث فِي هَذِه الْمَسْأَلَة إِنَّمَا هُوَ من حَيْثُ اللُّغَة، فَلذَلِك لم أذكرهُ فِي الْمَتْن، وَنبهَ عَلَيْهِ ابْن الْعِرَاقِيّ فِي " جمع الْجَوَامِع " وَقَالَ: (وَهَذَا هُوَ الْفرق بَين هَذِه الْمَسْأَلَة وَمَسْأَلَة الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى، فَإِنَّهُمَا متشابهتان، وَالْفرق بَينهمَا: أَن الْمُسْتَند هُنَا فِي الْجَوَاز أَو الْمَنْع اللُّغَة، وَهُنَاكَ الشَّرْع) وَقَالَ: (فِي عبارَة الْبَيْضَاوِيّ إِشَارَة إِلَى [أَن] الْخلاف فِي حَالَة التَّرْكِيب، فَأَما فِي حَالَة الْإِفْرَاد كَمَا فِي تعديد الْأَشْيَاء فَلَا خلاف فِي جَوَازه) انْتهى. قلت: وَهُوَ الَّذِي قطع بِهِ ابْن مُفْلِح فِي " أُصُوله "، تبعا للقطب الشِّيرَازِيّ، والأصفهاني / فِي " شرح مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب "،

стр. 380

والبيضاوي، والإسنوي، وتابعناهم على ذَلِك، وَكلهمْ تبعوا الْآمِدِيّ فِي " الْمُنْتَهى "، فَإِنَّهُ قَالَ: (يَصح إِطْلَاق كل من المترادفين مَكَان الآخر؛ لِأَنَّهُ لَازم معنى المترادفين) نَقله القطب. وَأما فِي التَّرْكِيب فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَجعل مَحل الْخلاف فِي التَّرْكِيب، وَظَاهر كَلَام كثير من الْعلمَاء الْإِطْلَاق، فَيشْمَل الْإِفْرَاد والتركيب، وَهُوَ بعيد جدا، فالإفراد كَمَا فِي تعديد الْأَشْيَاء من غير عَامل ملفوظ بِهِ وَلَا مُقَدّر، والمركب عَكسه.

стр. 381

قَوْله: ﴿فصل﴾ ﴿الْحَقِيقَة: قَول مُسْتَعْمل فِي وضع أول﴾ . لابد قبل [الشُّرُوع] فِي تَبْيِين احترازات الْحَد من تبين مَا هية الْحَقِيقَة.

стр. 382

سَيَأْتِي فِي الْمَتْن: أَن إِطْلَاق لفظ الْحَقِيقَة وَالْمجَاز على الْمَعْنى الْمَذْكُور حَقِيقَة عرفية، لِأَنَّهُ من الاصطلاحي لَا من وضع اللُّغَة، نعم، هِيَ منقولة مِنْهَا، وَاخْتلف فِي كَيْفيَّة النَّقْل. فَقَالَ الرَّازِيّ وَجمع: الْحَقِيقَة: فعلية من الْحق، بِمَعْنى: الثَّابِت، أَو الْمُثبت، اسْم فَاعل، أَو اسْم مفعول، نقل إِلَى الِاعْتِقَاد المطابق، ثمَّ إِلَى القَوْل المطابق، ثمَّ إِلَى الْمَعْنى الاصطلاحي. يُرِيدُونَ بذلك: أَن فعيلا مِنْهُ إِن كَانَ بِمَعْنى فَاعل فَمَعْنَاه: الثَّابِت، من حق الشَّيْء يحِق، بِالْكَسْرِ وَالضَّم، بِمَعْنى: ثَبت، وَالتَّاء حِينَئِذٍ على بَابهَا فِي إِفَادَة التَّأْنِيث. أَو بِمَعْنى مفعول: من حققت الشَّيْء أثْبته، فَهَذَا وَإِن كَانَ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذكر والمؤنث كجريح، لَكِن التَّاء فِيهِ لنقل اللَّفْظ من الوصفية إِلَى الاسمية، بِأَن يسْتَعْمل بِدُونِ موصوفه، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿والنطيحة﴾ [الْمَائِدَة: ٣] ، أَي: والبهيمة النطيحة، وَلَوْلَا إخْرَاجهَا للاسمية لقيل: الْبَهِيمَة النطيح، بِلَا تَاء. ثمَّ نقل هَذَا اللَّفْظ - وَهُوَ الْحَقِيقَة سَوَاء كَانَت بِمَعْنى الثَّابِت أَو الْمُثبت -

стр. 383

إِلَى العقيدة الْحق، ثمَّ نقل إِلَى النِّسْبَة الصادقة، ثمَّ إِلَى الْكَلِمَة الْبَاقِيَة على مدلولها الأول، قَالَه الْبرمَاوِيّ، وَقَالَ: (هَذَا أحسن مَا يُقرر [بِهِ] كَلَامه - يَعْنِي الرَّازِيّ - / وَإِلَّا فالعقيدة، وَالْقَوْل المطابق، وَاللَّفْظ الْمَوْضُوع أَولا، لَا تَأْنِيث فِي شَيْء مِنْهَا، فَكيف أَتَى بِالتَّاءِ وَلَا تَأْنِيث أصلا؟ نعم، تعقب على القَوْل بذلك: بِأَنَّهُ لم احْتِيجَ فِي النَّقْل إِلَى هَذِه الوسائط؟ وَلم لَا يُقَال: إِنَّه نقل إِلَى الاصطلاحي من الأول من غير ضَرُورَة إِلَى وسائط؟ بل مُقْتَضى كَلَام ابْن سَيّده أَنه لَا نقل أصلا، فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْمُحكم: (الْحَقِيقَة فِي اللُّغَة: مَا أقرّ فِي الِاسْتِعْمَال على أصل وَضعه، وَالْمجَاز بِخِلَافِهِ) وَحَكَاهُ فِي " الْمَحْصُول " عَن ابْن جني، وَاعْتَرضهُ: بِأَنَّهُ غير جَامع، لخُرُوج الشَّرْعِيَّة والعرفية، ورد: بِأَن المُرَاد أَنه فِي اللُّغَة: مَا بَقِي على وضع أول بِأَيّ وضع كَانَ لَا بِوَضْع اللَّفْظ، وَالله أعلم) انْتهى.

стр. 384

إِذا علم ذَلِك؛ فقولنا فِي الْحَد: (قَول) ، أولى من قَول من قَالَ: (لفظ) ؛ لِأَن القَوْل جنس قريب، لكَونه لم يَشْمَل المهمل؛ بِخِلَاف اللَّفْظ. وَخرج بقولنَا: (مُسْتَعْمل) ، اللَّفْظ قبل الِاسْتِعْمَال، فَإِنَّهُ لَا حَقِيقَة وَلَا مجَاز على مَا يَأْتِي، إِذْ الْمجَاز يعْتَبر لَهُ الِاسْتِعْمَال أَيْضا. وَخرج بقولنَا: (فِي وضع أول) ، الْمجَاز؛ فَإِنَّهُ بِوَضْع ثَان، بِنَاء على أَنه مَوْضُوع وَهُوَ الصَّحِيح على مَا يَأْتِي، أما من يَقُول: إِنَّه غير مَوْضُوع، فَيخرج بِقَيْد الْوَضع، وَلَا حَاجَة حِينَئِذٍ إِلَى التَّقْيِيد بِكَوْنِهِ أَولا. وَدخل فِي قَوْلنَا: (فِي وضع أول) مَا وضع لُغَة، أَو شرعا، أَو عرفا، والألفاظ الشَّرْعِيَّة والعرفية، هِيَ بِالْوَضْعِ الأول باصطلاح الشَّرْع وَالْعرْف، وَإِن كَانَت بِالْوَضْعِ الثَّانِي بِاعْتِبَار اللُّغَة، فَإِن الْوَضع الأول أَعم من الْوَضع بِاعْتِبَار اللُّغَة، فَحِينَئِذٍ تكون الْأَلْفَاظ المنقولة شَرْعِيَّة أَو عرفية، بِالْوَضْعِ الأول باصطلاح الشَّرْع وَالْعرْف، وَإِن كَانَت بِالْوَضْعِ الثَّانِي بِاعْتِبَار اللُّغَة.

стр. 385

فَإِن قيل: يرد على التَّعْرِيف الْعلم، فَإِنَّهُ يصدق على هَذَا التَّعْرِيف، وَلَيْسَ حَقِيقَة على مَا يَأْتِي. قيل: الَّذِي للْعلم تَعْلِيق اسْم يخص تِلْكَ الْحَقِيقَة بِهِ، لَا من حَيْثُ وضع الْوَاضِع فِي اللُّغَة، / بل كل أحد لَهُ جعل علم على مَا يُريدهُ، وَالَّذِي ذكر من الْوَضع إِنَّمَا هُوَ من جِهَة من يعْتَبر وَضعه للغات، وَلَكِن فِيهِ نظر؛ فَإِن الْأَعْلَام قد تكون بِوَضْع اللُّغَة. تَنْبِيه: قَالَ فِي " جمع الْجَوَامِع " وَجَمَاعَة فِي حد الْحَقِيقَة: (فِيمَا وضع لَهُ ابْتِدَاء) ، وَلم يَقُولُوا: فِي وضع أول. قَالُوا: وَإِنَّمَا عدل عَن ذَلِك، للْخلاف فِي أَن الأول هَل يسْتَلْزم ثَانِيًا؟ فَإِن قُلْنَا: يسْتَلْزم، لزم أَن الْحَقِيقَة تَسْتَلْزِم الْمجَاز. ورد ذَلِك الْأَصْفَهَانِي فِي " شرح الْمُخْتَصر " فَقَالَ: (وَمَا قيل: إِن فِي الْحَد نظرا؛ لِأَن الأول من الْأُمُور الإضافية الَّتِي لَا تعقل إِلَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى شَيْئَيْنِ، وَحِينَئِذٍ يكون حد الْحَقِيقَة مستلزماً للمجاز، لَيْسَ بِشَيْء، لِأَن الأول على تَقْدِير أَن يكون إضافياً لَا يسْتَلْزم إِلَّا الْوَضع الثَّانِي، وَهُوَ جُزْء من مَفْهُوم الْمجَاز إِن اعْتبر الْوَضع الثَّانِي فِي الْمجَاز، وَلَا امْتنَاع فِي ذَلِك، لجَوَاز أَن يعْتَبر فِي حد الشَّيْء جُزْء مُقَابِله) انْتهى.

стр. 386

قلت: الصَّحِيح من مَذْهَب الإِمَام أَحْمد وَأَصْحَابه: أَنه لَو قَالَ: أول مَمْلُوك اشتريه حر، وَلم يشتر غير وَاحِد، أَنه يعْتق عَلَيْهِ، فَسَموهُ: (أول) ، وَلَو لم يشتر غَيره. وَلنَا قَول: إِنَّه لَا يعْتق، بِنَاء على أَنه لَا يُسمى (أول) حَتَّى يُوجد ثَان. ﴿و﴾ قَالَ ابْن حمدَان ﴿فِي " الْمقنع "﴾ ، وَمَعْنَاهُ لِابْنِ عقيل، وَقَالَهُ الْقَرَافِيّ فِي " التَّنْقِيح ": الْحَقِيقَة: ﴿اسْتِعْمَال اللَّفْظ﴾ ورد قَالَ ﴿الْقَرَافِيّ﴾ فِي شرح التَّنْقِيح (الصَّوَاب: اللَّفْظ الْمُسْتَعْمل، وَفرق بَين اللَّفْظ الْمُسْتَعْمل، وَبَين اسْتِعْمَال اللَّفْظ، فَالْحق أَنَّهَا مَوْضُوعَة للفظ الْمُسْتَعْمل، لَا لنَفس اسْتِعْمَال اللَّفْظ، إِذْ الْمقْضِي عَلَيْهِ بِأَنَّهُ حَقِيقَة أَو مجَاز: هُوَ اللَّفْظ الْمَوْصُوف بِالِاسْتِعْمَالِ الْمَخْصُوص، لَا نفس الِاسْتِعْمَال) انْتهى. وَقَالَ الطوفي فِي " شَرحه ": (اللَّفْظ الْمُسْتَعْمل فِي حدهما أولى من قَول من يَقُول " اسْتِعْمَال اللَّفْظ "، لِأَن مَدْلُول الْحَقِيقَة وَالْمجَاز هِيَ الْأَلْفَاظ / لَا اسْتِعْمَال الْأَلْفَاظ، وَإِنَّمَا [اسْتِعْمَال] اللَّفْظ فِي مَوْضُوعه أَو غَيره يَنْبَغِي أَن يُقَال [لَهُ] : تَحْقِيق وَتجوز، لَا حَقِيقَة ومجاز، تعريفاً للمصادر بالمصادر، وللأسماء بالأسماء) انْتهى.

стр. 387

﴿و﴾ قَالَ القَاضِي ﴿فِي " الْعدة ": لفظ مُسْتَعْمل [فِي] مَوْضُوعه﴾ . وَلَفظه: اللَّفْظ الْمُسْتَعْمل فِي مَوْضُوعه، وَهَذَا الْحَد يتمشى على قَول من يَقُول: إِن الْمجَاز غير مَوْضُوع، فيكتفي فِي حَدهَا بقوله: فِي مَوْضُوعه كَمَا تقدم، وَلَا يحْتَاج إِلَى ذكر أول، وَمن يَقُول: إِنَّه مَوْضُوع، لَا يَكْتَفِي بذلك، وَهُوَ الصَّحِيح. ﴿و﴾ قَالَ أَبُو الْخطاب ﴿فِي " التَّمْهِيد ": اللَّفْظ الْبَاقِي على مَوْضُوعه﴾ ، وَفِيه نظر؛ لدُخُوله الْمجَاز إِذا قُلْنَا: إِنَّه مَوْضُوع. قَوْله: ﴿وَقد تصير مجَازًا وَبِالْعَكْسِ، ذكره أَصْحَابنَا وَغَيرهم﴾ . يَأْتِي فِي الْمَتْن: أَن الدَّابَّة لمُطلق مَا دب، مجَاز عرفا، وَهِي فِي

стр. 388

الأَصْل حَقِيقَة، وَأَن الصَّلَاة للدُّعَاء، مجَاز شرعا، وَهِي فِي الأَصْل حَقِيقَة، وَأَن الدَّابَّة لذوات الْأَرْبَع، حَقِيقَة عرفية، وَهِي مجَاز لغَوِيّ، وَأَن الصَّلَاة للأقوال وَالْأَفْعَال الْمَعْلُومَة، حَقِيقَة شَرْعِيَّة، وَهِي مجَاز لغَوِيّ، وَالظَّاهِر أَن هَذَا مُرَادهم هُنَا. قَوْله: ﴿وَهِي لغوية كأسد، وعرفية مَا خص عرفا بِبَعْض مسمياته، عَامَّة كدابة [للْفرس] ، وخاصة كمبتدأ وَنَحْوه، وشرعية، مَا اسْتَعْملهُ الشَّرْع كَصَلَاة للأقوال وَالْأَفْعَال﴾ . الْحَقِيقَة ثَلَاثَة أَنْوَاع: أَحدهَا: اللُّغَوِيَّة، وَهِي الأَصْل، كالأسد على الْحَيَوَان المفترس. الثَّانِي: الْحَقِيقَة الْعُرْفِيَّة، وَحدهَا: مَا خص عرفا بِبَعْض مسمياته، يَعْنِي: أَن أهل الْعرف خصوا أَشْيَاء كَثِيرَة بِبَعْض مسمياتها، وَإِن كَانَ وَضعهَا للْجَمِيع حَقِيقَة، وَهِي قِسْمَانِ: عَامَّة، وخاصة. فالعامة: مَا انْتَقَلت من مسماها اللّغَوِيّ إِلَى غَيره للاستعمال الْعَام بِحَيْثُ هجر الأول، وَذَلِكَ إِمَّا بتخصيص الِاسْم بِبَعْض مسمياته كالدابة /

стр. 389

بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَات الْحَافِر، فَإِن الدَّابَّة وضعت فِي أصل اللُّغَة لكل مَا يدب على الأَرْض [فخصصها] أهل الْعرف بِذَات الْحَافِر من الْخَيل وَالْبِغَال وَالْحمير. وَفِي " التَّمْهِيد " فِي الْحَقِيقَة الْعُرْفِيَّة: أَن الدَّابَّة اسْم للْفرس عرفا، عِنْد الْإِطْلَاق يصرف إِلَيْهِ، ذكره فِي " الْفُنُون " عَن أصولي يَعْنِي نَفسه، قَالَ: (لِأَن لَهَا نوع قُوَّة من الدبيب، وَلِأَنَّهُ ذُو كروفر) ، وَلِهَذَا مثلنَا بهَا. وَإِمَّا باشتهار الْمجَاز، كإضافتهم الْحُرْمَة إِلَى الْخمر، وَإِنَّمَا الْمحرم الشّرْب، وَكَذَلِكَ مَا يشيع اسْتِعْمَاله فِي غير مَوْضُوعه اللّغَوِيّ، كالغائط، والعذرة، [وَالرِّوَايَة] ، وحقيقتها: المطمئن من الأَرْض، وفناء الدَّار، والجمل الَّذِي يستقى عَلَيْهِ المَاء. والخاصة: مَا لكل طَائِفَة من الْعلمَاء من الاصطلاحات الَّتِي تخصهم، كاصطلاح النُّحَاة، والنظار، والأصوليين، وَغَيرهم على أَسمَاء خصوها بِشَيْء من مصطلحاتهم، كالمبتدأ، وَالْخَبَر، وَالْفَاعِل، وَالْمَفْعُول، والنقض،

стр. 390

وَالْكَسْر، وَالْقلب، وَغير ذَلِك مِمَّا اصْطلحَ عَلَيْهِ أَرْبَاب كل فن. ﴿وَالْمجَاز: قَول مُسْتَعْمل بِوَضْع ثَان لعلاقة﴾ . لابد قبل الشُّرُوع فِي ذكر احترازات الْحَد أَن نحرر مَا هية لفظ الْمجَاز وتصريفه، كَمَا تقدم فِي الْحَقِيقَة. أما لفظ الْمجَاز فِي الأَصْل فمفعل من الْجَوَاز وَهُوَ: العبور والانتقال، وَأَصله مجوز، نقلنا حَرَكَة الْوَاو إِلَى مَا قبلهَا وَهِي الْجِيم، فَبَقيَ الْوَاو سَاكِنا وَمَا قبله مَفْتُوح، قلبناه ألفا، فَبَقيَ مجَاز. والمفعل يكون مصدرا، وَاسم الْمَكَان، وَاسم زمَان، فالمجاز بِالْمَعْنَى الاصطلاحي: إِمَّا مَأْخُوذ من الأول، أَو من الثَّانِي، لَا من الثَّالِث، لعدم العلاقة فِيهِ بخلافهما.
следующие страницы →