Полный текст (4 267 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
قلت: الصَّحِيح من مَذْهَب الإِمَام أَحْمد وَأَصْحَابه: أَنه لَو قَالَ: أول مَمْلُوك اشتريه حر، وَلم يشتر غير وَاحِد، أَنه يعْتق عَلَيْهِ، فَسَموهُ: (أول) ، وَلَو لم يشتر غَيره.
وَلنَا قَول: إِنَّه لَا يعْتق، بِنَاء على أَنه لَا يُسمى (أول) حَتَّى يُوجد ثَان.
﴿و﴾ قَالَ ابْن حمدَان ﴿فِي " الْمقنع "﴾ ، وَمَعْنَاهُ لِابْنِ عقيل، وَقَالَهُ الْقَرَافِيّ فِي " التَّنْقِيح ": الْحَقِيقَة: ﴿اسْتِعْمَال اللَّفْظ﴾ ورد قَالَ ﴿الْقَرَافِيّ﴾ فِي شرح التَّنْقِيح (الصَّوَاب: اللَّفْظ الْمُسْتَعْمل، وَفرق بَين اللَّفْظ الْمُسْتَعْمل، وَبَين اسْتِعْمَال اللَّفْظ، فَالْحق أَنَّهَا مَوْضُوعَة للفظ الْمُسْتَعْمل، لَا لنَفس اسْتِعْمَال اللَّفْظ، إِذْ الْمقْضِي عَلَيْهِ بِأَنَّهُ حَقِيقَة أَو مجَاز: هُوَ اللَّفْظ الْمَوْصُوف بِالِاسْتِعْمَالِ الْمَخْصُوص، لَا نفس الِاسْتِعْمَال) انْتهى.
وَقَالَ الطوفي فِي " شَرحه ": (اللَّفْظ الْمُسْتَعْمل فِي حدهما أولى من قَول من يَقُول " اسْتِعْمَال اللَّفْظ "، لِأَن مَدْلُول الْحَقِيقَة وَالْمجَاز هِيَ الْأَلْفَاظ / لَا اسْتِعْمَال الْأَلْفَاظ، وَإِنَّمَا [اسْتِعْمَال] اللَّفْظ فِي مَوْضُوعه أَو غَيره يَنْبَغِي أَن يُقَال [لَهُ] : تَحْقِيق وَتجوز، لَا حَقِيقَة ومجاز، تعريفاً للمصادر بالمصادر، وللأسماء بالأسماء) انْتهى.
стр. 387
﴿و﴾ قَالَ القَاضِي ﴿فِي " الْعدة ": لفظ مُسْتَعْمل [فِي] مَوْضُوعه﴾ .
وَلَفظه: اللَّفْظ الْمُسْتَعْمل فِي مَوْضُوعه، وَهَذَا الْحَد يتمشى على قَول من يَقُول: إِن الْمجَاز غير مَوْضُوع، فيكتفي فِي حَدهَا بقوله: فِي مَوْضُوعه كَمَا تقدم، وَلَا يحْتَاج إِلَى ذكر أول، وَمن يَقُول: إِنَّه مَوْضُوع، لَا يَكْتَفِي بذلك، وَهُوَ الصَّحِيح.
﴿و﴾ قَالَ أَبُو الْخطاب ﴿فِي " التَّمْهِيد ": اللَّفْظ الْبَاقِي على مَوْضُوعه﴾ ، وَفِيه نظر؛ لدُخُوله الْمجَاز إِذا قُلْنَا: إِنَّه مَوْضُوع.
قَوْله: ﴿وَقد تصير مجَازًا وَبِالْعَكْسِ، ذكره أَصْحَابنَا وَغَيرهم﴾ .
يَأْتِي فِي الْمَتْن: أَن الدَّابَّة لمُطلق مَا دب، مجَاز عرفا، وَهِي فِي
стр. 388
الأَصْل حَقِيقَة، وَأَن الصَّلَاة للدُّعَاء، مجَاز شرعا، وَهِي فِي الأَصْل حَقِيقَة، وَأَن الدَّابَّة لذوات الْأَرْبَع، حَقِيقَة عرفية، وَهِي مجَاز لغَوِيّ، وَأَن الصَّلَاة للأقوال وَالْأَفْعَال الْمَعْلُومَة، حَقِيقَة شَرْعِيَّة، وَهِي مجَاز لغَوِيّ، وَالظَّاهِر أَن هَذَا مُرَادهم هُنَا.
قَوْله: ﴿وَهِي لغوية كأسد، وعرفية مَا خص عرفا بِبَعْض مسمياته، عَامَّة كدابة [للْفرس] ، وخاصة كمبتدأ وَنَحْوه، وشرعية، مَا اسْتَعْملهُ الشَّرْع كَصَلَاة للأقوال وَالْأَفْعَال﴾ .
الْحَقِيقَة ثَلَاثَة أَنْوَاع:
أَحدهَا: اللُّغَوِيَّة، وَهِي الأَصْل، كالأسد على الْحَيَوَان المفترس.
الثَّانِي: الْحَقِيقَة الْعُرْفِيَّة، وَحدهَا: مَا خص عرفا بِبَعْض مسمياته، يَعْنِي: أَن أهل الْعرف خصوا أَشْيَاء كَثِيرَة بِبَعْض مسمياتها، وَإِن كَانَ وَضعهَا للْجَمِيع حَقِيقَة، وَهِي قِسْمَانِ: عَامَّة، وخاصة.
فالعامة: مَا انْتَقَلت من مسماها اللّغَوِيّ إِلَى غَيره للاستعمال الْعَام بِحَيْثُ هجر الأول، وَذَلِكَ إِمَّا بتخصيص الِاسْم بِبَعْض مسمياته كالدابة /
стр. 389
بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَات الْحَافِر، فَإِن الدَّابَّة وضعت فِي أصل اللُّغَة لكل مَا يدب على الأَرْض [فخصصها] أهل الْعرف بِذَات الْحَافِر من الْخَيل وَالْبِغَال وَالْحمير.
وَفِي " التَّمْهِيد " فِي الْحَقِيقَة الْعُرْفِيَّة: أَن الدَّابَّة اسْم للْفرس عرفا، عِنْد الْإِطْلَاق يصرف إِلَيْهِ، ذكره فِي " الْفُنُون " عَن أصولي يَعْنِي نَفسه، قَالَ: (لِأَن لَهَا نوع قُوَّة من الدبيب، وَلِأَنَّهُ ذُو كروفر) ، وَلِهَذَا مثلنَا بهَا.
وَإِمَّا باشتهار الْمجَاز، كإضافتهم الْحُرْمَة إِلَى الْخمر، وَإِنَّمَا الْمحرم الشّرْب، وَكَذَلِكَ مَا يشيع اسْتِعْمَاله فِي غير مَوْضُوعه اللّغَوِيّ، كالغائط، والعذرة، [وَالرِّوَايَة] ، وحقيقتها: المطمئن من الأَرْض، وفناء الدَّار، والجمل الَّذِي يستقى عَلَيْهِ المَاء.
والخاصة: مَا لكل طَائِفَة من الْعلمَاء من الاصطلاحات الَّتِي تخصهم، كاصطلاح النُّحَاة، والنظار، والأصوليين، وَغَيرهم على أَسمَاء خصوها بِشَيْء من مصطلحاتهم، كالمبتدأ، وَالْخَبَر، وَالْفَاعِل، وَالْمَفْعُول، والنقض،
стр. 390
وَالْكَسْر، وَالْقلب، وَغير ذَلِك مِمَّا اصْطلحَ عَلَيْهِ أَرْبَاب كل فن.
﴿وَالْمجَاز: قَول مُسْتَعْمل بِوَضْع ثَان لعلاقة﴾ .
لابد قبل الشُّرُوع فِي ذكر احترازات الْحَد أَن نحرر مَا هية لفظ الْمجَاز وتصريفه، كَمَا تقدم فِي الْحَقِيقَة.
أما لفظ الْمجَاز فِي الأَصْل فمفعل من الْجَوَاز وَهُوَ: العبور والانتقال، وَأَصله مجوز، نقلنا حَرَكَة الْوَاو إِلَى مَا قبلهَا وَهِي الْجِيم، فَبَقيَ الْوَاو سَاكِنا وَمَا قبله مَفْتُوح، قلبناه ألفا، فَبَقيَ مجَاز.
والمفعل يكون مصدرا، وَاسم الْمَكَان، وَاسم زمَان، فالمجاز بِالْمَعْنَى الاصطلاحي: إِمَّا مَأْخُوذ من الأول، أَو من الثَّانِي، لَا من الثَّالِث، لعدم العلاقة فِيهِ بخلافهما.
стр. 391
فَإِنَّهُ إِن كَانَ من الْمصدر فَهُوَ متجوز بِهِ إِلَى الْفَاعِل للملابسة، كَعدْل بِمَعْنى عَادل، أَو من الْمَكَان لَهُ فَهُوَ من إِطْلَاق الْمحل على الْحَال، وَمَعَ ذَلِك / فَفِيهِ تجوز آخر؛ لِأَن الْجَوَاز حَقِيقَة للجسم لَا للفظ، لِأَنَّهُ عرض لَا يقبل الِانْتِقَال، فَهُوَ مجَاز باعتبارين، لَا أَنه مجَاز مَنْقُول من مجَاز آخر فَيكون بمرتبتين كَمَا زَعمه الرَّازِيّ وَأَتْبَاعه، فالمجاز هُوَ: اللَّفْظ الْجَائِز من شَيْء إِلَى آخر، تَشْبِيها بالجسم الْمُنْتَقل من مَوضِع إِلَى آخر، فحقق ذَلِك.
إِذا علم ذَلِك؛ فقولنا فِي حَده: (قَول) ، جنس قريب، وَهُوَ أحسن من قَول من قَالَ: (لفظ) ، لِأَنَّهُ جنس بعيد كَمَا تقدم.
وَقَوْلنَا: (مُسْتَعْمل) ، احْتِرَاز من المهمل، وَمن اللَّفْظ قبل الِاسْتِعْمَال، فَإِنَّهُ لَا حَقِيقَة وَلَا مجَاز، كَمَا تقدم، وَيَأْتِي.
وَقَوْلنَا: (بِوَضْع ثَان) ، احْتِرَاز من الْحَقِيقَة، فَإِنَّهَا بِوَضْع أول كَمَا تقدم، وَمن لم ير الْمجَاز مَوْضُوعا يَقُول: فِي غير مَا وضع لَهُ، لَكِن الصَّحِيح: أَنه مَوْضُوع.
وَقَوْلنَا: (لعلاقة) ، خرج بهَا الْأَعْلَام المنقولة كبكر وكلب وَنَحْوهمَا، فَلَيْسَ بمجاز وَإِن كَانَ مَنْقُولًا؛ لكَونه لم ينْقل لعلاقة، وَلذَلِك خرج الْغَلَط.
стр. 392
تَنْبِيه: العلاقة هُنَا هِيَ المشابهة الْحَاصِلَة بَين الْمَعْنى الأول وَالْمعْنَى الثَّانِي، بِحَيْثُ ينْتَقل الذِّهْن بواسطتها عَن مَحل الْمجَاز إِلَى الْحَقِيقَة، فَكَانَ الْقيَاس فتح عينهَا؛ لِأَن الْفَتْح فِي الْمعَانِي، كَمَا يُقَال: علقت زَوْجَتي علاقَة، أَي: أحببتها حبا [شَدِيدا] ، وَالْكَسْر فِي الْأَجْسَام، وَمِنْه: علاقَة السَّوْط.
وَحِينَئِذٍ إِمَّا أَن تقْرَأ بِالْفَتْح على الأَصْل، أَو بِالْكَسْرِ على التَّشْبِيه بالجسم.
قَوْله: ﴿وَلَا يعْتَبر اللُّزُوم الذهْنِي بَين الْمَعْنيين، خلافًا لقوم﴾ .
لابد أَن يكون بَين الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ والمجازي علاقَة اعْتبرت فِي اصْطِلَاح التخاطب بِحَسب النَّوْع، وَإِلَّا لجَاز اسْتِعْمَال كل لفظ لكل معنى بالمجاز، وَهُوَ بَاطِل اتِّفَاقًا، وَلِأَنَّهُ لَو لم تكن العلاقة بَينهمَا، لَكَانَ الْوَضع بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَعْنى الثَّانِي [أَولا] ، فَيكون حَقِيقَة فيهمَا، وَهُوَ بَاطِل / وَقد اشْترط قوم: اللُّزُوم الذهْنِي بَين الْمَعْنيين، وَهُوَ بَاطِل، فَإِن أَكثر المجازات الْمُعْتَبرَة عَارِية عَن اللُّزُوم الذهْنِي.
قَوْله: ﴿ويتجوز بِسَبَب قابلي، وصوري، وفاعلي، وغائي، عَن مسبب، وبعلة عَن مَعْلُول، ولازم عَن ملزوم، وَأثر عَن مُؤثر، وَمحل عَن حَال، وَبِمَا بِالْقُوَّةِ على مَا بِالْفِعْلِ، وَبِكُل عَن بعض، [ومتعلق عَن
стр. 393
مُتَعَلق] ، وَبِالْعَكْسِ فِي الْكل، وَبِاعْتِبَار وصف زائل ف ﴿وأورثكم أَرضهم﴾ [الْأَحْزَاب: ٢٧] وَنَحْوه مجَاز خلافًا للشَّيْخ، بِشَرْط أَن لَا يكون متلبساً الْآن بضده، أَو آيل قطعا أَو ظنا بِفعل أَو قُوَّة، وَزِيَادَة، وَنقص، وشكل، وَصفَة ظَاهِرَة، وَاسم ضد، ومجاورة، وَنَحْوه﴾ .
ذكرنَا من أَنْوَاع العلاقة أَرْبَعَة وَعشْرين نوعا، وعدها الْآمِدِيّ، وَتَبعهُ ابْن الْحَاجِب، وَابْن مُفْلِح، وَجمع: خَمْسَة.
قَالَ الْآمِدِيّ: (كل جِهَات التَّجَوُّز لَا تخرج عَن هَذَا) .
وَقَالَ فِي " الْمَحْصُول ": (الَّذِي يحضرنا مِنْهَا اثْنَا عشر قسما) .
وَقَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل تبعا للقطب الشِّيرَازِيّ: (حصروا العلاقة بِنَاء على الاستقراء فِي خَمْسَة وَعشْرين نوعا) .
وأوصلها الصفي الْهِنْدِيّ إِلَى أحد وَثَلَاثِينَ نوعا، وَزَاد غَيره
стр. 394
عَلَيْهِ.
قَالَ بَعضهم: (فِيهَا تدَاخل) .
وَنحن نذْكر مَا قُلْنَاهُ فِي الْمَتْن، ونزيد مَا قيل فِي ذَلِك.
الأول: إِطْلَاق السَّبَب على الْمُسَبّب.
قَالَ الْإِسْنَوِيّ فِي " شرح الْمِنْهَاج ": (إِطْلَاق السَّبَب على الْمُسَبّب، أَي: الْعلَّة على الْمَعْلُول) ، فجعلهما إِطْلَاق الْعلَّة على الْمَعْلُول، وَسَيَأْتِي أَن إِطْلَاق الْعلَّة على الْمَعْلُول نوع آخر، وَلَعَلَّه آراد إِطْلَاق ذَلِك بِاعْتِبَار، وَإِطْلَاق غَيره بِاعْتِبَار آخر.
وَإِطْلَاق السَّبَب على الْمُسَبّب أَرْبَعَة أَقسَام:
الأول: القابلي، كتسمية الشَّيْء باسم قابله كَقَوْلِهِم: سَالَ الْوَادي، وَالْأَصْل: سَالَ المَاء فِي الْوَادي، لَكِن لما كَانَ الْوَادي سَببا قَابلا لسيلان المَاء
стр. 395
فِيهِ، صَار المَاء من حَيْثُ القابلية كالمسبب لَهُ، فَوضع لفظ وَادي مَوْضِعه، قَالَه / الْبَيْضَاوِيّ والطوفي.
قَالَ الْإِسْنَوِيّ: (ويعبر عَنهُ بالمادي) .
وَقَالَ - أَيْضا -: (فِي تَسْمِيَة هَذَا سَببا مَوضِع الْمُسَبّب نظر؛ فَإِن المادي فِي اصطلاحهم: جنس مَاهِيَّة الشَّيْء، كالخشب، مَعَ السرير، وَهنا لَيْسَ كَذَلِك، وَيظْهر أَن هَذَا من جنس تَسْمِيَة الْحَال باسم الْمحل، أَو من مجَاز النُّقْصَان، وَتَقْدِيره: سَالَ مَاء الْوَادي) انْتهى.
وَهُوَ مُحْتَمل.
الثَّانِي: الصُّورِي، كَقَوْلِهِم: هَذِه صُورَة الْأَمر وَالْحَال، أَي: حَقِيقَته.
الثَّالِث: الفاعلي، كَقَوْلِهِم: نزل السَّحَاب، أَي: الْمَطَر، لَكِن فاعليته بِاعْتِبَار الْعَادة، كَمَا تَقول: أحرقت النَّار، وَقَوْلهمْ للمطر: سَمَاء، لِأَن السَّمَاء فَاعل مجازي للمطر، بِدَلِيل قَوْلهم: أمْطرت السَّمَاء، وَقَالَ الشَّاعِر:
(إِذا نزل السَّمَاء بِأَرْض قوم ... رعيناه وَإِن كَانُوا غضاباً)
стр. 396
أَي: الْمَطَر.
الرَّابِع: الغائي، كتسميتهم الْعصير خمرًا، وَالْحَدِيد خَاتمًا، وَالْعقد نِكَاحا، لِأَنَّهُ غَايَته، وَبَعْضهمْ يردهُ إِلَى مجَاز مَا يؤول، لَكِن شَرط ذَلِك أَن يكون بِقطع أَو غَلَبَة لَا بِاحْتِمَال، نعم، يشبه مَا سَيَأْتِي من إِطْلَاق مَا بِالْفِعْلِ على مَا بِالْقُوَّةِ، على أَن فِيهِ نظرا من حَيْثُ أَن الْعلَّة الغائية إِنَّمَا هِيَ فِي الذِّهْن وَهِي معلولة فِي الْخَارِج، فَإِن روعي الْخَارِج فَهُوَ من إِطْلَاق الْمَعْلُول على الْعلَّة كتسمية الْخشب سريراً، أَو الذِّهْن فَهُوَ من إِطْلَاق الْعلَّة على الْمَعْلُول؛ لِأَن الْعلَّة حِينَئِذٍ إِرَادَة خمريته بالعصير، أَو إِرَادَة كَونه سريراً قبل عمله، لَكِن الْعلَّة فِي الْحَقِيقَة هِيَ إِرَادَة ذَلِك.
الثَّانِي: إِطْلَاق الْمُسَبّب على السَّبَب، عكس الَّذِي قبله، كإطلاق الْمَوْت على الْمَرَض الشَّديد، وَكَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ﴾ [الْبَقَرَة: ١٨٨] ، أَي: لَا تأخذوها، وَالْأكل مسبب عَن الْأَخْذ،
стр. 397
وكقول الشَّاعِر:
(شربت الْإِثْم حَتَّى ضل عَقْلِي ... كَذَاك الْإِثْم يذهب بالقعول)
سمي الْخمر إِثْمًا؛ لكَون الْإِثْم مسبباً عَنهُ.
الثَّالِث: إِطْلَاق الْعلَّة على الْمَعْلُول، / كَقَوْلِهِم: رَأَيْت الله فِي كل شَيْء، لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ موجد كل شَيْء وعلته فَأطلق لَفظه عَلَيْهِ، وَمَعْنَاهُ: رَأَيْت كل شَيْء فاستدللت بِهِ على الله.
الرَّابِع: عَكسه، وَهُوَ: إِطْلَاق الْمَعْلُول على الْعلَّة، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿إِذا قضى أمرا﴾ [آل عمرَان: ٤٧] ، أَي: إِذا أَرَادَ أَن يقْضِي أمرا، فالقضاء
стр. 398
مَعْلُول الْإِرَادَة، وَكَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَإِن حكمت فاحكم﴾ [الْمَائِدَة: ٤٢] ، أَي: إِذا أردْت أَن تحكم.
الْخَامِس: إِطْلَاق اللَّازِم على الْمَلْزُوم، كتسمية السّقف جداراً، وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
(قوم إِذا حَاربُوا شدو مآزرهم ... دون النِّسَاء وَلَو باتت بأظهار)
يُرِيد بشد الْإِزَار: الاعتزال عَن النِّسَاء، وَمِنْه: إِطْلَاق الْمس على الْجِمَاع غَالِبا، وَإِلَّا فقد يكون الْجِمَاع بِحَائِل.
السَّادِس: عَكسه، وَهُوَ: إِطْلَاق الْمَلْزُوم على اللَّازِم، كتسمية الْعلم حَيَاة، وَمِنْه: ﴿أم أنزلنَا عَلَيْهِم سُلْطَانا فَهُوَ يتَكَلَّم﴾ [الرّوم: ٣٥] ، أَي: برهاناً فَهُوَ يدلهم، سميت الدّلَالَة كلَاما؛ لِأَنَّهَا من لوازمه، وَمِنْه قَول
стр. 399
الْحُكَمَاء: كل صَامت نَاطِق بموجده، أَي: الصَّنْعَة فِيهِ تدل على محدثه فَكَأَنَّهُ ينْطق.
السَّابِع: إِطْلَاق الْأَثر على الْمُؤثر، كتسمية ملك الْمَوْت موتا، وكقول الشَّاعِر يصف ظَبْيَة:
(فَإِنَّمَا هِيَ أقبال وإدبار ... .
لِأَن الإقبال والإدبار من فعلهَا.
الثَّامِن: عَكسه، وَهُوَ: إِطْلَاق الْمُؤثر على الْأَثر، كَقَوْل الْقَائِل: رَأَيْت الله، أَو مَا أرى فِي الْوُجُود إِلَّا الله، يُرِيد آثاره [الدَّالَّة] عَلَيْهِ فِي الْعَالم، وكقولهم فِي الْأُمُور المهمة: هَذِه إِرَادَة الله، أَي: مُرَاده النَّاشِئ عَن إِرَادَته.
التَّاسِع: إِطْلَاق الْمحل على الْحَال، كَقَوْلِه ﷺ َ - للْعَبَّاس: " لَا يفضض الله فَاك "، أَي: أسنانك؛ إِذْ الْفَم مَحل ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .
стр. 400
الْأَسْنَان، وكتسمية المَال كيساً، كَقَوْلِهِم: هَات الْكيس، وَالْمرَاد: المَال الَّذِي فِيهِ، وكتسمية الْعصير كأساً.
الْعَاشِر: / عَكسه، وَهُوَ: إِطْلَاق الْحَال على الْمحل، كتسمية الْكيس مَالا، والكأس خمرًا، وَمِنْه: ﴿وَأما الَّذين ابْيَضَّتْ وُجُوههم فَفِي رَحْمَة الله هم فِيهَا خَالدُونَ﴾ [آل عمرَان: ١٠٧] ، أَي: فِي الْجنَّة؛ لِأَنَّهَا مَحل الرَّحْمَة.
الْحَادِي عشر: إِطْلَاق مَا بِالْقُوَّةِ على مَا بِالْفِعْلِ، كتسمية الْخمر فِي الدن مُسكرا، وَقَالَ ﷺ َ -: " كل مُسكر خمر "، لِأَن فِيهِ قُوَّة الْإِسْكَار .
стр. 401
الثَّانِي عشر: عَكسه، إطلاقاً مَا بِالْفِعْلِ على مَا بِالْقُوَّةِ. كتسمية الْإِنْسَان الْحَقِيقِيّ نُطْفَة، وَهَذَا الْمِثَال من نوع التَّسْمِيَة بِوَصْف زائل.
الثَّالِث عشر: إِطْلَاق الْكل على الْبَعْض، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿يجْعَلُونَ أَصَابِعهم فِي ءاذانهم﴾ [الْبَقَرَة: ١٩] ، أَي: أناملهم.
الرَّابِع عشر: عَكسه إِطْلَاق الْبَعْض الْكل، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِير رَقَبَة﴾ [النِّسَاء: ٩٢، والمجادلة: ٣] ، وَالْعِتْق إِنَّمَا هُوَ للْكُلّ لَا للرقبة، وَمِنْه: قَوْله: " [على] الْيَد مَا أخذت حَتَّى تُؤَدِّيه "، وَالْمرَاد: صَاحب
стр. 402
الْيَد بِكَمَالِهِ، وَقَوله تَعَالَى: ﴿كل شَيْء هَالك إِلَّا وَجهه] ﴾ [الْقَصَص: ٨٨] ، أَي: ذَاته.
الْخَامِس عشر: إِطْلَاق الْمُتَعَلّق - بِكَسْر اللَّام - على الْمُتَعَلّق - بِفَتْحِهَا -، وَالْمرَاد: التَّعَلُّق الْحَاصِل بَين الْمصدر وَاسم الْفَاعِل وَاسم الْمَفْعُول، فَشَمَلَ سِتَّة أَقسَام:
أَحدهَا: إِطْلَاق الْمصدر على اسْم الْمَفْعُول، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿هَذَا خلق الله﴾ [لُقْمَان: ١١] ، أَي: مخلوقه.
الثَّانِي: عَكسه، وَهُوَ: إِطْلَاق اسْم الْمَفْعُول على الْمصدر كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿بأييكم المتقون﴾ ﴿الْقَلَم: ٦﴾ أَي الْفِتْنَة. الثَّالِث: إِطْلَاق الْمصدر على اسْم الْفَاعِل، كَقَوْلِهِم: رجل عدل أَي عَادل. الرَّابِع: عَكسه، وَهُوَ إِطْلَاق اسْم الْفَاعِل على الْمصدر، كَقَوْلِهِم: قُم قَائِما، أَي: قيَاما، وكقولهم: يخْشَى اللائمة، يَعْنِي: اللوم.
стр. 403
الْخَامِس: إِطْلَاق اسْم الْفَاعِل على الْمَفْعُول، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿من مَاء دافق﴾ [الطارق: ٦] ، أَي: مدفوق، و: ﴿عيشة راضية﴾ [الحاقة: ٢١، وَالْقَارِعَة: ٧] ، أَي: مرضية.
السَّادِس: عَكسه، إِطْلَاق اسْم الْمَفْعُول على الْفَاعِل، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿حِجَابا مَسْتُورا﴾ [الْإِسْرَاء: ٤٥] ، أَي: ساتراً، وَجعله ابْن هُبَيْرَة على بَابه.
السَّادِس عشر: عَكسه، إِطْلَاق الْمُتَعَلّق / - بِفَتْح اللَّام - على الْمُتَعَلّق - بِالْكَسْرِ - كَقَوْلِه ﷺ َ -: " تحيضي - فِي علم الله - سِتا أَو سبعا "، فَإِن التَّقْدِير:
стр. 404
تحيضي سِتا أَو سبعا، وَهُوَ مَعْلُوم الله تَعَالَى.
السَّابِع عشر: اعْتِبَار وصف زائل، كإطلاق العَبْد على الْعَتِيق.
تَنْبِيه: قَوْله تَعَالَى: ﴿وأورثكم أَرضهم وديارهم وَأَمْوَالهمْ﴾ [الْأَحْزَاب: ٢٧] ، من هَذَا الْقَبِيل عِنْد الْأَكْثَر، فَإِنَّهَا قبل إرثنا لَهَا كَانَت أَرضهم وديارهم وَأَمْوَالهمْ، خلافًا للشَّيْخ تَقِيّ الدّين.
وَمثله قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلكم نصف مَا ترك أزواجكم﴾ [النِّسَاء: ١٢] ، فَإِنَّهَا زَوْجَة بِاعْتِبَار مَا كَانَ.
وَقَوله ﷺ َ -: " أَيّمَا رجل وجد مَاله عِنْد رجل قد أفلس فَصَاحب الْمَتَاع أَحَق بمتاعه "، قَالَ القَاضِي ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
стр. 405
وَغَيره: (أَي: الَّذِي كَانَ صَاحب الْمَتَاع، [وَالَّتِي كَانَت] أَرضهم، واللاتي كن أَزْوَاجًا، وَهُوَ مجَاز مُسْتَعْمل يجْرِي مجْرى الْحَقِيقَة، وَمِنْه قَوْلهم: درب فلَان، وَقَطِيعَة فلَان، ونهر فلَان) انْتهى.
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: (وَالصَّوَاب أَن هَذَا حَقِيقَة؛ لِأَن الْإِضَافَة يَكْفِي فِيهَا أدنى مُلَابسَة، لَكِن قد يكون عِنْد الْإِطْلَاق لَهُ معنى، وَعند الاقتران بِلَفْظ آخر لَهُ معنى، فَيرجع [إِلَى أَن] الْقَرِينَة اللفظية الدَّالَّة بِالْوَضْعِ، هَل يكون مَا اقْترن بهَا دَالا بِالْحَقِيقَةِ أَو الْمجَاز؟ وَالصَّوَاب الْمَقْطُوع بِهِ: أَنه حَقِيقَة، وَإِن كَانَ طَائِفَة من أَصْحَابنَا وَغَيرهم قَالُوا: إِنَّه مجَاز) انْتهى.
قَوْله: بِشَرْط أَن لَا يكون متلبساً الْآن بضده.
فَلَا يُقَال للشَّيْخ: طِفْل بِاعْتِبَار مَا كَانَ، وَلَا [للثوب] الْمَصْبُوغ: أَبيض بِاعْتِبَار مَا كَانَ، وَلَا لمن أسلم: كَافِر بِاعْتِبَار مَا كَانَ، وَكَأَنَّهُم يُرِيدُونَ بذلك: أَنه لَا يطْرَأ وصف وجودي محسوس قَائِم بِهِ، وَإِلَّا فَمَا الْفرق بَين ذَلِك وَبَين تَسْمِيَة الْعَتِيق عبدا بِاعْتِبَار مَا كَانَ؟ وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا يَخْلُو ذَلِك كُله من نظر قَالَه الْبرمَاوِيّ.
стр. 406
الثَّامِن عشر: إِطْلَاقه بِاعْتِبَار مَا يؤول بِنَفسِهِ، ليخرج: أَن العَبْد لَا يُطلق عَلَيْهِ حر بِاعْتِبَار مَا يؤول إِلَيْهِ.
وَقَوله: قطعا [أَو ظنا] .
إِشَارَة: إِلَى اعْتِبَار كَون الْمَآل مَقْطُوعًا بِوُجُودِهِ، نَحْو: ﴿إِنَّك ميت وَإِنَّهُم ميتون﴾ [الزمر: ٣٠] ، / أَو غَالِبا، كتسمية الْعصير خمرًا، فَإِن الْغَالِب إِذا بَقِي أَن يَنْقَلِب خمرًا إِلَّا مَا كَانَ نَادرا، أَو مُحْتملا على السوَاء، فَلذَلِك ضعف أَصْحَابنَا وَالشَّافِعِيَّة حمل الْحَنَفِيَّة " فنكاحها بَاطِل "، على أَن المُرَاد: يؤول إِلَى إِلَى الْبطلَان، لكَون الْوَلِيّ قد يردهُ ويفسخه، فَإِن ذَلِك لَيْسَ قَطْعِيا وَلَا غَالِبا، وَيَأْتِي.
стр. 407
وَقَوله: بِفعل أَو قُوَّة، فالفعل: كإطلاق الْخمر على الْعِنَب، وَالْقُوَّة: كإطلاق الْمُسكر على الْخمر.
التَّاسِع عشر: الزِّيَادَة، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ [الشورى: ١١] ، فالكاف زَائِدَة: أَي: لَيْسَ مثله شَيْء، وَقيل: الزَّائِد مثل، أَي: لَيْسَ كَهُوَ شَيْء، وَإِنَّمَا حكم بِزِيَادَة أَحدهمَا؛ لِئَلَّا يلْزم أَن يكون لله تَعَالَى مثل وَهُوَ منزه عَن ذَلِك، لِأَن نفي مثل الْمثل يَقْتَضِي ثُبُوت مثل، وَهُوَ محَال، أَو يلْزم نفي الذَّات، لِأَن مثل مثل الشَّيْء هُوَ ذَلِك الشَّيْء، وثبوته وَاجِب، فَتعين أَن [المُرَاد نفي الْمثل] وَذَلِكَ: إِمَّا بِزِيَادَة الْكَاف، أَو مثل.
وَقَالَ ابْن جني: (كل حرف زيد فِي الْكَلَام الْعَرَبِيّ، فَهُوَ قَائِم مقَام إِعَادَة الْجُمْلَة مرّة أُخْرَى) .
فَيكون معنى الْآيَة: (لَيْسَ مثله شَيْء) مرَّتَيْنِ للتَّأْكِيد.
وَقد ادّعى كثير من الْعلمَاء عدم الزِّيَادَة، والتخلص من الْمَحْذُور بِغَيْر ذَلِك، وَلَا سِيمَا على القَوْل بِأَنَّهُ لَا يُطلق فِي الْقرَان وَلَا فِي السّنة زَائِد، وَذَلِكَ من وُجُوه:
стр. 408
أَحدهَا: أَن سلب الْمَعْنى عَن الْمَعْدُوم جَائِز، كسلب الْكِتَابَة عَن ابْن فلَان الَّذِي هُوَ مَعْدُوم، وَلَا يلْزم من نفي الْمثل عَن الْمثل ثُبُوت الْمثل.
الثَّانِي: أَن المُرَاد هُنَا بِلَفْظ الْمثل: الصّفة، كالمثل - بِفتْحَتَيْنِ - كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مثل الْجنَّة الَّتِي وعد المتقون﴾ [الرَّعْد: ٣٥، وَمُحَمّد: ١٥] ، فالتقدير: لَيْسَ كصفته.
قَالَ الرَّاغِب: (الْمثل هُنَا بِمَعْنى الصّفة، وَمَعْنَاهُ: لَيْسَ كصفته صفة) .
قَالَ فِي " الْبَدْر الْمُنِير ": (مثل يُوصف بِهِ الْمُذكر والمؤنث وَالْجمع، وَخرج بَعضهم على هَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ [الشورى: ١١] ، أَي: لَيْسَ كوصفه، وَقَالَ: هُوَ أولى من القَوْل بزيادتها، لِأَنَّهَا / على خلاف الأَصْل) انْتهى.
الثَّالِث: أَن المُرَاد بِمثل: ذَات، كَقَوْلِك: مثلك لَا يبخل، أَي: أَنْت لَا تبخل، قَالَ الشَّاعِر:
(وَلم أقل مثلك أَعنِي بِهِ ... غَيْرك يَا فَردا بِلَا مشبه)
стр. 409
وَقَوله:
(أَيهَا العاذل دَعْنِي من عذلك ... مثلي لَا يصغى إِلَى مثلك﴾
وَقد قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِن ءامنوا بِمثل مَا ءامنتم بِهِ فقد اهتدوا﴾ [الْبَقَرَة: ١٣٧] ، أَي: بِالَّذِي آمنتم بِهِ، لِأَن إِيمَانهم لَا مثل لَهُ، وَهَذَا اخْتَارَهُ ابْن عبد السَّلَام، فالتقدير فِي الْآيَة: لَيْسَ كذاته شَيْء، بل هَذَا النَّوْع من الْكِنَايَة أبلغ من الصَّرِيح: لتَضَمّنه إِثْبَات الشَّيْء بدليله.
قَالَ فِي " الْبَدْر الْمُنِير ": (وَقيل: الْمَعْنى لَيْسَ كذاته شَيْء، كَمَا يُقَال: مثلك من يعرف الْجَمِيل، وَمثلك لَا يفعل كَذَا، أَي: أَنْت تكون كَذَا، وَعَلِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿كمن مثله فِي الظُّلُمَات﴾ [الْأَنْعَام: ١٢٢] ) .
الرَّابِع: أَنه لَو فرض لشَيْء مثل، وَلذَلِك الْمثل مثل، كَانَ كِلَاهُمَا مثلا
стр. 410
للْأَصْل، فَيلْزم من نفي مثل الْمثل، نفيهما مَعًا، وَيبقى الْمَسْكُوت عَنهُ، وَذَلِكَ بِالضَّرُورَةِ، لِأَنَّهُ الْمَوْضُوع، وكل مِنْهُمَا مُقَدّر مثليته، وَقد نفيا عَنهُ.
قَالَ شرف الدّين ابْن أبي الْفضل: (اجْعَل الْكَاف أَصْلِيَّة وَلَا يلْزم مَحْذُور، قَالَ: لِأَن نفي الْمثل لَهُ طَرِيقَانِ: إِمَّا بِنَفْي الشَّيْء، أَو بِنَفْي لَازمه، وَيلْزم من نفي اللَّازِم نفي الْمَلْزُوم، وَمن لَوَازِم الْمثل أَن لَهُ مثلا، فَإِذا نَفينَا مثل الْمثل انْتَفَى لَازم الْمثل، فَيَنْتَفِي الْمثل لنفي لَازمه) .
الْخَامِس: قَالَه يحيى بن إِبْرَاهِيم [السلماسي] فِي كتاب " الْعدْل فِي
стр. 411
منَازِل الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة ": (إِن الْكَاف لتسبيه الصِّفَات، وَمثل لتشبيه الذوات، فنفى الشبيهين كليهمَا عَن نَفسه تَعَالَى، فَقَالَ " ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ [الشورى: ١١] ، أَي: لَيْسَ لَهُ مثل، وَلَا كَهُوَ شَيْء) انْتهى.
وَقَالَ ابْن هُبَيْرَة من أَصْحَابنَا: (آلتا التَّشْبِيه فِي كَلَام الْعَرَب: الْكَاف وَمثل، تَقول: هَذَا مثل هَذَا، وَهَذَا كَهَذا، فَجمع الْحق / آلتي التَّشْبِيه، وَنفى عَنهُ بهما الشّبَه) .
تَنْبِيه: قَالَ القَاضِي عبد الْوَهَّاب الْمَالِكِي: (قَالَ الْجُمْهُور: الْكَلَام يصير بِالزِّيَادَةِ مجَازًا، وَقيل: إِن نفس الزِّيَادَة هِيَ الْمجَاز دون سَائِر الْكَلِمَات؛ لِأَن الْكَاف - مثلا - مستعملة فِي غير موضوعها، وَأما الْمثل فمستعمل فِي مَوْضُوعه، وَالصَّحِيح الأول) .
стр. 412
الْعشْرُونَ: علاقَة النُّقْصَان، أَن ينقص لفظ من الْمركب وَيكون كالموجود للافتقار، سَوَاء كَانَ مُفردا أَو مركبا، جملَة أَو غَيرهَا، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جزاؤا الَّذين يُحَاربُونَ الله﴾ [الْمَائِدَة: ٣٣] ، أَي: يُحَاربُونَ عباد الله وَأهل دينه، وَمثله: ﴿فقبضت قَبْضَة من أثر الرَّسُول﴾ طه: ٩٦] ، أَي: من أثر حافر فرس الرَّسُول، وَبِه قرئَ شاذاً، وَمثله: ﴿فَمن كَانَ مِنْكُم مَرِيضا أَو على سفر فَعدَّة من أَيَّام أخر﴾ [الْبَقَرَة: ١٨٤] ، أَي: فَأفْطر، وَمثل: ﴿وَسُئِلَ الْقرْيَة﴾ [يُوسُف: ٨٢] ، واسأل العير، و ﴿وَاشْرَبُوا فِي قُلُوبهم الْعجل﴾ [الْبَقَرَة: ٩٣] ، أَي: حبه. فاسأل الْقرْيَة من مجَاز النُّقْصَان عِنْد الْأَكْثَر، هَذَا إِذا لم نجْعَل الْقرْيَة اسْما للنَّاس المجتمعين بهَا، من قَرَأت الشَّيْء: جمعته، أَو الْقرْيَة مُشْتَركَة بَين الْأَبْنِيَة والمجتمعين بهَا وَأُرِيد الثَّانِي، أَو أَن نجْعَل الْمجَاز فِيهِ من إِطْلَاق الْمحل على الْحَال، أَو المُرَاد سُؤال الْأَبْنِيَة لتجيب وَيكون ذَلِك معْجزَة، والأرجح الأول، وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي فِي " الرسَالَة ".
стр. 413
الْحَادِي وَالْعشْرُونَ: علاقَة المشابهة بالشكل، كالأسد على مَا هُوَ بشكله من مجسد أَو منقوش، وَرُبمَا وجدت العلاقتان، ﴿فَأخْرج لَهُم عجلاً جسداً لَهُ خوار﴾ [طه: ٨٨] .
الثَّانِي وَالْعشْرُونَ: علاقَة المشابهة فِي معنى، كالأسد للشجاع، بِشَرْط أَن يكون صفة ظَاهِرَة لَا خُفْيَة، ليخرج إِطْلَاق الْأسد على الأبخر، لِأَن البخر فِيهِ خَفِي.
الثَّالِث وَالْعشْرُونَ: علاقَة المضادة، بِأَن يُطلق اسْم الضِّدّ على الضِّدّ، كإطلاق الْبَصِير على الْأَعْمَى، وَأكْثر مَا تقع هَذِه العلاقة عِنْد التقابل، نَحْو: ﴿وجزاؤا سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا﴾ [الشورى: ٤٠] ، ﴿فاعتدوا عَلَيْهِ بِمثل مَا اعْتدى عَلَيْكُم﴾ [الْبَقَرَة: ١٩٤] ، ﴿ومكروا ومكر الله﴾ [آل عمرَان: ٥٤] ، " لَا يمل الله حَتَّى تملوا ".
قَالَ الْإِسْنَوِيّ: (الأولى: التَّمْثِيل بالمفازة / للبرية الْمهْلكَة) .
стр. 414
قَالَ القَاضِي أَبُو يعلى: (كإطلاقهم السَّلِيم على اللديغ، والمفازة على الْمهْلكَة) .
الرَّابِع وَالْعشْرُونَ: علاقَة الْمُجَاورَة، وَهِي تَسْمِيَة الشَّيْء بِمَا جاوره، كإطلاق لفظ الرِّوَايَة على ظرف المَاء، وَإِنَّمَا هِيَ فِي الأَصْل للبعير، وَمِنْه: جرى النَّهر، وسال الْمِيزَاب، و ﴿تجرى من تحتهَا الْأَنْهَار﴾ [الْبَقَرَة: ٢٥، وَالْبَيِّنَة: ٨] ، إِذا لم يَجْعَل من مجَاز الْحَذف، أَي: مَاء الْمِيزَاب، أَو مَاء النَّهر.
قَوْله: (وَنَحْوه) .
أَي: وَنَحْو مَا ذكرنَا من العلاقة مِمَّا لم نذكرهُ، وَقد ذكر غير ذَلِك أَشْيَاء كَثِيرَة، نَحن ذاكروا بَعْضهَا.
مِنْهَا: إِطْلَاق الْمُنكر وَإِرَادَة الْمُعَرّف، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تذبحوا بقرة﴾ [الْبَقَرَة: ٦٧] ، إِن كَانَ المُرَاد بهَا مُعينَة، وَقد يُقَال: إِن الْمُعَرّف جزئي للْمُنكر، وَإِطْلَاق الْكُلِّي على الجزئي حَقِيقَة لَا مجَاز.
وَمِنْهَا: عَكسه، وَهُوَ إِطْلَاق الْمُعَرّف وَإِرَادَة الْمُنكر، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿ادخُلُوا الْبَاب سجدا﴾ [النِّسَاء: ١٥٤] ، إِن قُلْنَا: الْمَأْمُور دُخُول أَي بَاب كَانَ،
стр. 415
وَقد يُقَال: إِذا كَانَت اللَّام فِيهِ للْجِنْس، كَانَ المُرَاد ذَلِك، وَكَون اللَّام للْجِنْس حَقِيقَة.
وَمِنْهَا: إِطْلَاق الِاسْم الْمُقَيد على الْمُطلق، كَقَوْل القَاضِي شُرَيْح: (أَصبَحت وَنصف النَّاس عَليّ غَضْبَان) ، المُرَاد: مُطلق الْبَعْض، لَا خُصُوص النّصْف، لِأَن النَّاس بَين مَحْكُوم عَلَيْهِ ومحكوم لَهُ، وَنَحْوه قَول الشَّاعِر:
(إِذا مت كَانَ النَّاس صنفان ... )
стр. 416
وَمِنْهَا: عَكسه، وَهُوَ: إِطْلَاق الْمُطلق على الْمُقَيد، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِير رَقَبَة﴾ [المجادلة: ٣] ، عِنْد من يرى أَن المُرَاد بهَا مُؤمنَة، وَقد يُقَال: إِن التَّقْدِير: رَقَبَة مُؤمنَة، فحذفت الصّفة، فَيكون من مجَاز الْحَذف.
وَمِنْهَا: تَسْمِيَة الْبَدَل باسم الْمُبدل، كتسمية الدِّيَة دَمًا، كَقَوْلِه ﷺ َ -: " أتحلفون وتستحقون دم صَاحبكُم "، وَقد يُقَال: إِنَّه من مجَاز الْحَذف، أَي: بدل دَمه.
وَمِنْهَا: الْمَدْح فِي صُورَة / الذَّم، وَعَكسه، نَحْو: (مَا أشعره قَاتله الله) ، وَنَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿ذُقْ إِنَّك أَنْت الْعَزِيز الْكَرِيم﴾ [الدُّخان: ٤٩] ، وَيُمكن دخولهما تَحت مجَاز المضادة تمليحاً أَو تهكماً.
وَمِنْهَا: الِاسْتِثْنَاء الْمُنْقَطع من غير الْجِنْس، وَقد يُقَال: إِنَّه بتأويله بِدُخُولِهِ تَحت الْجِنْس يكون من مجَاز المشابهة أَو نَحوه، وَيَأْتِي.
стр. 417
وَمِنْهَا: وُرُود الْأَمر بِصُورَة الْخَبَر، وَعَكسه، نَحْو: ﴿والوالدات يرضعن أَوْلَادهنَّ﴾ [الْبَقَرَة: ٢٣٣] ، وَقَوله تَعَالَى: ﴿أسمع بهم وَأبْصر﴾ [مَرْيَم: ٣٨] ، وَقد يُقَال: إِن ذَلِك من الْمُبَالغَة والمضادة، بتنزيله منزلَة الَّذِي اسْتعْمل فِيهِ حَقِيقَة بِسَبَب اعْتِقَاده.
وَمِنْهَا: وُرُود الْوَاجِب أَو الْمحَال فِي صُورَة الْمُمكن، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿عَسى أَن يَبْعَثك رَبك مقَاما مَحْمُودًا﴾ [الْإِسْرَاء: ٧٩] ، وَقد يُقَال: إِنَّه لَا يخرج عَن إِطْلَاق الْمَلْزُوم [على] اللَّام لتعذر الْحَقِيقَة.
وَمِنْهَا: التَّقَدُّم والتأخر، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَالَّذِي أخرج المرعى فَجعله غثاء أحوى﴾ [الْأَعْلَى: ٤ - ٥] ، والغثاء: مَا احتمله السَّيْل من الْحَشِيش، والأحوى: الشَّديد الخضرة، وَذَلِكَ سَابق فِي الْوُجُود، ويكمن أَن يدعى أَنه من التَّجَوُّز بِمَا كَانَ عَلَيْهِ.
وَمِنْهَا: إِضَافَة الشَّيْء إِلَى مَا لَيْسَ لَهُ، نَحْو: ﴿بل مكر اللَّيْل وَالنَّهَار﴾ [سبأ: ٣٣] ، وَقد يدعى أَن الْإِضَافَة أدنى مُلَابسَة، فَلم تخرج عَن كَونهَا حَقِيقَة،
стр. 418
وَقد يُقَال: إِن هَذَا من بَاب التشكيك على الْمُخَاطب، فَلم يخرج عَن كَونه حَقِيقَة.
وَمِنْهَا: إِيرَاد الْمَعْلُوم مساق الْمَجْهُول، وَرُبمَا عبر عَنهُ: بتجاهل الْعَارِف، إِذا كَانَ فِي غير كَلَام الله، ومثلوا بِنَحْوِ: ﴿وَإِنَّا أَو إيَّاكُمْ لعلى هدى أَو فِي ضلال مُبين﴾ [سبأ: ٢٤] .
فَهَذِهِ اثْنَتَا عشرَة صُورَة ادعِي فِيهَا أَنَّهَا من الْمجَاز، وفيهَا مِمَّا تقدم.
فَائِدَة: يتَفَاوَت الْمجَاز قُوَّة وضعفاً بِحَسب تفَاوت ربط العلاقة بَين مَحل الْمجَاز والحقيقة، وَفِي ذَلِك فَائِدَتَانِ:
إِحْدَاهمَا: أَن الْمجَاز بالمجاورة قد / يكون بِدَرَجَة وَاحِدَة، كالرواية بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْجمل، وَالْغَائِط بِالنِّسْبَةِ إِلَى المطمئن من الأَرْض، وَقد يكون بِأَكْثَرَ من دَرَجَة، كتسميتهم الْغَيْث سَمَاء فِي قَول الشَّاعِر:
(إِذا نزل السَّمَاء بِأَرْض قوم ... رعيناه وَإِن كَانُوا غضاباً)
أَي: إِذا نزل الْغَيْث، وَفِيه مجازان:
стр. 419
أَحدهمَا: إفرادي بِأَكْثَرَ من دَرَجَة، من جِهَة أَنه سمى الْغَيْث سَمَاء؛ لحصوله عَن المَاء النَّازِل من السَّحَاب المجاور للسماء.
وَالثَّانِي: إسنادي، وَهُوَ وَصفه الْغَيْث بالنزول؛ لحصوله عَن المَاء المتصف بالنزول من الْغَمَام.
الْفَائِدَة الثَّانِيَة: الْمجَاز السببي يكون - أَيْضا - بمراتب، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿يَا بني ءادم قد أنزلنَا عَلَيْكُم لباساً يواري سوءتكم﴾ [الْأَعْرَاف: ٢٦] ، وَنَفس اللبَاس لم ينزل من السَّمَاء، وَإِنَّمَا أنزل المَاء الَّذِي يكون عَنهُ اللبَاس بوسائط.
مِثَاله: ثِيَاب الْكَتَّان، حَاصِلَة عَن الْكَتَّان، الْحَاصِل عَن بذره النَّابِت فِي الأَرْض، بِالْمَاءِ النَّازِل من السَّمَاء، وَنَحْوه.
وَمن هَذَا قَول الراجز:
(الْحَمد لله المليك الديَّان ... [صَار] الثَّرِيد فِي رُؤُوس العيدان)
يُرِيد بالثريد: السنبل الَّذِي فِي رُؤُوس الزَّرْع، وَهُوَ مَادَّة الثَّرِيد؛ لِأَن النسبلة يحصد، ثمَّ يدرس، ثمَّ يذرا، ويصفى، ثمَّ يطحن، ثمَّ يخبز، ثمَّ يطْبخ فَيصير ثريداً، فَهَذَا مجَاز بست مَرَاتِب، فَهَذَا وَأَمْثَاله من محَاسِن لُغَة الْعَرَب، وَيَنْبَغِي لمن حاول علم الشَّرِيعَة النّظر والارتياض فِيهِ؛ ليعرف مواقع أَلْفَاظ الْكتاب وَالسّنة وَكَلَام أهل الْعلم، وَالله أعلم.
стр. 420
قَوْله: ﴿وَلَا يشْتَرط النَّقْل فِي الْآحَاد، بل فِي النَّوْع فِي الْأَصَح﴾ .
هَل يَكْتَفِي بِوُجُود العلاقة مُطلقًا، أم لَا بُد من اعْتِبَار الْعَرَب لَهَا، أَي: بِأَن تستعملها فِيهِ؟ مذهبان، حَكَاهُمَا الْآمِدِيّ من غير تَرْجِيح، ويعبر عَنْهَا: بِأَن الْمجَاز هَل هُوَ مَوْضُوع أم لَا؟
أصَحهمَا عِنْد ابْن الْحَاجِب وَغَيره: أَنه لَا يشْتَرط؛ / لِأَن أهل الْعَرَبيَّة لَا يتوقفون على ذَلِك، بل يستعملون مجازات متجددة لم تسمع من أهل اللُّغَة وَلَا يخطئون صَاحبهَا، وَلذَلِك لم يدونوا المجازات تدوينهم الْحَقَائِق.
قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (الْعَرَب وضعت الْمجَاز فِي الْمُفْردَات، وَهل وضعت المركبات؟ على قَوْلَيْنِ: الْجُمْهُور على الْوَضع) انْتهى.
وَاخْتَارَ الرَّازِيّ، وَأَتْبَاعه، وَأَبُو الْمَعَالِي فِي " التَّلْخِيص ": أَنه يشْتَرط؛ لِأَن الْأسد لَهُ صِفَات، وَهِي: الشجَاعَة، والحمى، والبخر،
стр. 421
والجذام، وَمَعَ ذَلِك لَا يجوز إِطْلَاقه لغير الشجَاعَة، وَلَو كَانَت المشابهة كَافِيَة من غير نقل لما امْتنع.
وللخصم أَن يَقُول: المشابهة كَافِيَة فِي صفة ظَاهِرَة، وَهَذِه لَا يتَبَادَر الذِّهْن إِلَيْهَا.
قَالَ الْقَرَافِيّ: (وَالْخلاف إِنَّمَا هُوَ فِي الْأَنْوَاع، لَا فِي جزيئات النَّوْع الْوَاحِد، فالقائل بالاشتراط يَقُول: لابد أَن تضع الْعَرَب نوع التَّجَوُّز) .
وَقَالَ ابْن الْعِرَاقِيّ: (هَل يشْتَرط أَن يكون بَين الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ والمجازي علاقَة اعتبرتها الْعَرَب؟ اجْمَعُوا على أَنه لَا يعْتَبر شخص العلاقة وَأَنه لَا بُد من جِنْسهَا، وَاخْتلفُوا فِي النَّوْع، اخْتَار جمَاعَة اشْتِرَاطه، وَجَمَاعَة [مُقَابلَة] ، فعلى الأول لَا يحْتَاج إِلَى اسْتِعْمَال الْعَرَب) انْتهى.
قَالَ القَاضِي عضد الدّين: (أَقُول: بعد الِاتِّفَاق على وجوب العلاقة فِي الْمجَاز، هَل [يشْتَرط] فِي آحَاد المجازات أَن تنقل بِأَعْيَانِهَا عَن أهل اللُّغَة أم لَا؟ بل يَكْتَفِي بالعلاقة، قد اخْتلف فِيهِ) .
قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (إِطْلَاق اسْم على مُسَمَّاهُ الْمجَازِي لَا يفْتَقر فِي الْآحَاد إِلَى النَّقْل عَن الْعَرَب، بل الْمُعْتَبر ظُهُور العلاقة على الْأَصَح، وَأما فِي الْأَنْوَاع فمعتبر وفَاقا) انْتهى.
стр. 422
وَقَالَ القطب: (هَل يفْتَقر فِي كل صُورَة إِلَى كَونه مَنْقُولًا عَن الْعَرَب، أَو يَكْفِي فِيهِ ظُهُور / العلاقة الْمُعْتَبرَة فِي التَّجَوُّز؟ - حكى الْخلاف - قَالَ: وَإِنَّمَا قَالَ فِي " التَّلْخِيص ": فِي الْآحَاد، لِأَن النَّقْل فِي غير آحَاد الصُّور، كنقل جَوَاز إِطْلَاق اسْم الْمَلْزُوم على اللَّازِم مثلا، وَغَيره من الْأَنْوَاع الْمَذْكُورَة، مُعْتَبر وفَاقا) وَعلله.
وَقَالَ ابْن الْحَاجِب: (وَلَا يشْتَرط النَّقْل فِي الْآحَاد على الْأَصَح) .
قَالَ الْأَصْفَهَانِي فِي " شَرحه ": (الْمَطْلُوب: أَنه لَا يشْتَرط فِي اسْتِعْمَال اللَّفْظ فِي كل وَاحِدَة من الصُّور الَّتِي يُوجد فِيهَا أحد أَنْوَاع العلاقة الْمُعْتَبرَة، النَّقْل عَن أهل اللُّغَة باستعمالهم فِيهَا، بل يَكْفِي فِي اسْتِعْمَال اللَّفْظ فِي كل صُورَة ظُهُور نوع من العلاقة الْمُعْتَبرَة) انْتهى.
فتلخص أَن الْمُحَقق أَن مَحل الْخلاف فِي النَّوْع، وَإِن كَانَ ظَاهر كَلَام بَعضهم أَن مَحَله فِي الْآحَاد، وَأَن النَّوْع لَا خلاف فِيهِ كالجنس، وَصرح بِهِ بَعضهم.
стр. 423
قَوْله: ﴿وَهُوَ لغَوِيّ: كأسد لشجاع، ﴿وعرفي عَام: كدابة] لمُطلق مَا دب، وخاص: كجوهر لنفيس، وشرعي: كَصَلَاة لدعاء﴾ .
يَنْقَسِم الْمجَاز بِحَسب جِهَة وَضعه إِلَى ثَلَاثَة أَقسَام: لغَوِيّ، وعرفي، وشرعي، كَمَا انقسمت الْحَقِيقَة إِلَى ذَلِك.
فاللغوي: كالأسد للشجاع، لعلاقة الْوَصْف الَّذِي هُوَ الجرأة، فَكَأَن أهل اللُّغَة باعتبارهم النَّقْل لهَذِهِ الْمُنَاسبَة، وضعُوا الِاسْم ثَانِيًا للمجاز.
والعرفي قِسْمَانِ: عَام، وخاص، فالعام: كالدابة لمُطلق مَا دب، فَهُوَ حَقِيقَة لُغَة، مجَاز عرفا، لِأَن حَقِيقَة الدَّابَّة فِي الْعرف لذات الْحَافِر، ولمطلق مَا دب مجَاز عِنْدهم، وَالْخَاص: كالجوهر للنفيس، انتقالاً فِي الْعرف من ذَات الْحَافِر للمعنى المضمن لَهَا من الدب فِي الأَرْض، وَكَذَا فِي الْخَاص.
والشرعي: كَالصَّلَاةِ لمُطلق الدُّعَاء، انتقالاً من ذَات الْأَركان للمعنى المضمن لَهَا من الخضوع وَالسُّؤَال بِالْفِعْلِ أَو الْقُوَّة، فَكَأَن الشَّارِع بِهَذَا الِاعْتِبَار وضع الِاسْم ثَانِيًا، لما كَانَ بَينه وَبَين اللّغَوِيّ هَذِه الْمُنَاسبَة. /
فَكل معنى حَقِيقِيّ فِي وضع، هُوَ مجَاز بِالنِّسْبَةِ إِلَى وضع آخر، فَيكون حَقِيقَة ومجازاً باعتبارين، كَمَا تقدم، أَن الْحَقِيقَة قد تصير مجَازًا، وَأَن الْمجَاز قد يصير حَقِيقَة، عِنْد أَصْحَابنَا وَغَيرهم.
стр. 424
قَوْله: ﴿وَيعرف بِصِحَّة النَّفْي، وَقيل: دور، وبتبادر غَيره لَوْلَا الْقَرِينَة، وَعدم وجوب اطراده، [قيل] : وَجمعه على خلاف جمع الْحَقِيقَة، وَقيل: لَا يجمع، وبالتزام تَقْيِيده ك " جنَاح الذل " وَنَحْوه، وتوقفه على مُقَابِله، وإضافته إِلَى غير قَابل، ك " اسْأَل الْقرْيَة "، وَعدم الِاشْتِقَاق مِنْهُ بِلَا منع، عِنْد الباقلاني، وَالْغَزالِيّ، والموفق، والطوفي، وَابْن مُفْلِح، وَابْن قَاضِي الْجَبَل، [وَأَجَازَهُ] الْأَكْثَر، [و] فِي " الْفُنُون " [وَغَيره] : الْمجَاز لَا يُؤَكد﴾ .
стр. 425
ذكرُوا أَشْيَاء يعرف بهَا الْمجَاز من الْحَقِيقَة، وَالْمجَاز تَارَة يعرف بتصريح أهل اللُّغَة بِهِ، وَهُوَ قَلِيل جدا، أَو بحده، أَو بِخَاصَّة من خواصه، وَتارَة يعرف بالاستدلال، فتركوا الْأَقْسَام الأول؛ لوضوحها، وَذكروا للأخير وُجُوهًا.
مِنْهَا: صِحَة النَّفْي، كَقَوْلِك للبليد: لَيْسَ بِحِمَار، وللجد: لَيْسَ بأب، بِخِلَاف الْحَقِيقَة فَإِنَّهَا لَا تنفى، فَلَا يُقَال للحمار: لَيْسَ بِحِمَار، وَلَا للبليد: لَيْسَ بِإِنْسَان، وَلَا للْأَب: لَيْسَ بأب.
زَاد بَعضهم: فِي نفس الْأَمر، احْتِرَازًا عَمَّا إِذا كَانَ ذَلِك لظن ظان، فَإِنَّهُ لَا يدل عَلَيْهِ.
قَالَ الْعَضُد: (ليندفع: مَا أَنْت بِإِنْسَان، لصِحَّته لُغَة) .
وَقيل: دور؛ لِأَنَّهُ يلْزم سبق الْعلم بالمجاز، قَالَه ابْن الْحَاجِب وَغَيره.
قَالَ الْأَصْفَهَانِي: (وَذَلِكَ لِأَن صِحَة النَّفْي وامتناعه تتَوَقَّف على معرفَة الْحَقِيقَة وَالْمجَاز، فَلَو عرفناهما بِصِحَّة النَّفْي وامتناعه لزم الدّور) ، وَإِنَّمَا يلْزم الدّور إِن أُرِيد نفي الْمُسْتَعْمل لَا نفي الْوَاضِع.
следующие страницы →