← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6336

التحبير شرح التحرير

المرداوي

Полный текст (4 267 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

والجذام، وَمَعَ ذَلِك لَا يجوز إِطْلَاقه لغير الشجَاعَة، وَلَو كَانَت المشابهة كَافِيَة من غير نقل لما امْتنع. وللخصم أَن يَقُول: المشابهة كَافِيَة فِي صفة ظَاهِرَة، وَهَذِه لَا يتَبَادَر الذِّهْن إِلَيْهَا. قَالَ الْقَرَافِيّ: (وَالْخلاف إِنَّمَا هُوَ فِي الْأَنْوَاع، لَا فِي جزيئات النَّوْع الْوَاحِد، فالقائل بالاشتراط يَقُول: لابد أَن تضع الْعَرَب نوع التَّجَوُّز) . وَقَالَ ابْن الْعِرَاقِيّ: (هَل يشْتَرط أَن يكون بَين الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ والمجازي علاقَة اعتبرتها الْعَرَب؟ اجْمَعُوا على أَنه لَا يعْتَبر شخص العلاقة وَأَنه لَا بُد من جِنْسهَا، وَاخْتلفُوا فِي النَّوْع، اخْتَار جمَاعَة اشْتِرَاطه، وَجَمَاعَة [مُقَابلَة] ، فعلى الأول لَا يحْتَاج إِلَى اسْتِعْمَال الْعَرَب) انْتهى. قَالَ القَاضِي عضد الدّين: (أَقُول: بعد الِاتِّفَاق على وجوب العلاقة فِي الْمجَاز، هَل [يشْتَرط] فِي آحَاد المجازات أَن تنقل بِأَعْيَانِهَا عَن أهل اللُّغَة أم لَا؟ بل يَكْتَفِي بالعلاقة، قد اخْتلف فِيهِ) . قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (إِطْلَاق اسْم على مُسَمَّاهُ الْمجَازِي لَا يفْتَقر فِي الْآحَاد إِلَى النَّقْل عَن الْعَرَب، بل الْمُعْتَبر ظُهُور العلاقة على الْأَصَح، وَأما فِي الْأَنْوَاع فمعتبر وفَاقا) انْتهى.

стр. 422

وَقَالَ القطب: (هَل يفْتَقر فِي كل صُورَة إِلَى كَونه مَنْقُولًا عَن الْعَرَب، أَو يَكْفِي فِيهِ ظُهُور / العلاقة الْمُعْتَبرَة فِي التَّجَوُّز؟ - حكى الْخلاف - قَالَ: وَإِنَّمَا قَالَ فِي " التَّلْخِيص ": فِي الْآحَاد، لِأَن النَّقْل فِي غير آحَاد الصُّور، كنقل جَوَاز إِطْلَاق اسْم الْمَلْزُوم على اللَّازِم مثلا، وَغَيره من الْأَنْوَاع الْمَذْكُورَة، مُعْتَبر وفَاقا) وَعلله. وَقَالَ ابْن الْحَاجِب: (وَلَا يشْتَرط النَّقْل فِي الْآحَاد على الْأَصَح) . قَالَ الْأَصْفَهَانِي فِي " شَرحه ": (الْمَطْلُوب: أَنه لَا يشْتَرط فِي اسْتِعْمَال اللَّفْظ فِي كل وَاحِدَة من الصُّور الَّتِي يُوجد فِيهَا أحد أَنْوَاع العلاقة الْمُعْتَبرَة، النَّقْل عَن أهل اللُّغَة باستعمالهم فِيهَا، بل يَكْفِي فِي اسْتِعْمَال اللَّفْظ فِي كل صُورَة ظُهُور نوع من العلاقة الْمُعْتَبرَة) انْتهى. فتلخص أَن الْمُحَقق أَن مَحل الْخلاف فِي النَّوْع، وَإِن كَانَ ظَاهر كَلَام بَعضهم أَن مَحَله فِي الْآحَاد، وَأَن النَّوْع لَا خلاف فِيهِ كالجنس، وَصرح بِهِ بَعضهم.

стр. 423

قَوْله: ﴿وَهُوَ لغَوِيّ: كأسد لشجاع، ﴿وعرفي عَام: كدابة] لمُطلق مَا دب، وخاص: كجوهر لنفيس، وشرعي: كَصَلَاة لدعاء﴾ . يَنْقَسِم الْمجَاز بِحَسب جِهَة وَضعه إِلَى ثَلَاثَة أَقسَام: لغَوِيّ، وعرفي، وشرعي، كَمَا انقسمت الْحَقِيقَة إِلَى ذَلِك. فاللغوي: كالأسد للشجاع، لعلاقة الْوَصْف الَّذِي هُوَ الجرأة، فَكَأَن أهل اللُّغَة باعتبارهم النَّقْل لهَذِهِ الْمُنَاسبَة، وضعُوا الِاسْم ثَانِيًا للمجاز. والعرفي قِسْمَانِ: عَام، وخاص، فالعام: كالدابة لمُطلق مَا دب، فَهُوَ حَقِيقَة لُغَة، مجَاز عرفا، لِأَن حَقِيقَة الدَّابَّة فِي الْعرف لذات الْحَافِر، ولمطلق مَا دب مجَاز عِنْدهم، وَالْخَاص: كالجوهر للنفيس، انتقالاً فِي الْعرف من ذَات الْحَافِر للمعنى المضمن لَهَا من الدب فِي الأَرْض، وَكَذَا فِي الْخَاص. والشرعي: كَالصَّلَاةِ لمُطلق الدُّعَاء، انتقالاً من ذَات الْأَركان للمعنى المضمن لَهَا من الخضوع وَالسُّؤَال بِالْفِعْلِ أَو الْقُوَّة، فَكَأَن الشَّارِع بِهَذَا الِاعْتِبَار وضع الِاسْم ثَانِيًا، لما كَانَ بَينه وَبَين اللّغَوِيّ هَذِه الْمُنَاسبَة. / فَكل معنى حَقِيقِيّ فِي وضع، هُوَ مجَاز بِالنِّسْبَةِ إِلَى وضع آخر، فَيكون حَقِيقَة ومجازاً باعتبارين، كَمَا تقدم، أَن الْحَقِيقَة قد تصير مجَازًا، وَأَن الْمجَاز قد يصير حَقِيقَة، عِنْد أَصْحَابنَا وَغَيرهم.

стр. 424

قَوْله: ﴿وَيعرف بِصِحَّة النَّفْي، وَقيل: دور، وبتبادر غَيره لَوْلَا الْقَرِينَة، وَعدم وجوب اطراده، [قيل] : وَجمعه على خلاف جمع الْحَقِيقَة، وَقيل: لَا يجمع، وبالتزام تَقْيِيده ك " جنَاح الذل " وَنَحْوه، وتوقفه على مُقَابِله، وإضافته إِلَى غير قَابل، ك " اسْأَل الْقرْيَة "، وَعدم الِاشْتِقَاق مِنْهُ بِلَا منع، عِنْد الباقلاني، وَالْغَزالِيّ، والموفق، والطوفي، وَابْن مُفْلِح، وَابْن قَاضِي الْجَبَل، [وَأَجَازَهُ] الْأَكْثَر، [و] فِي " الْفُنُون " [وَغَيره] : الْمجَاز لَا يُؤَكد﴾ .

стр. 425

ذكرُوا أَشْيَاء يعرف بهَا الْمجَاز من الْحَقِيقَة، وَالْمجَاز تَارَة يعرف بتصريح أهل اللُّغَة بِهِ، وَهُوَ قَلِيل جدا، أَو بحده، أَو بِخَاصَّة من خواصه، وَتارَة يعرف بالاستدلال، فتركوا الْأَقْسَام الأول؛ لوضوحها، وَذكروا للأخير وُجُوهًا. مِنْهَا: صِحَة النَّفْي، كَقَوْلِك للبليد: لَيْسَ بِحِمَار، وللجد: لَيْسَ بأب، بِخِلَاف الْحَقِيقَة فَإِنَّهَا لَا تنفى، فَلَا يُقَال للحمار: لَيْسَ بِحِمَار، وَلَا للبليد: لَيْسَ بِإِنْسَان، وَلَا للْأَب: لَيْسَ بأب. زَاد بَعضهم: فِي نفس الْأَمر، احْتِرَازًا عَمَّا إِذا كَانَ ذَلِك لظن ظان، فَإِنَّهُ لَا يدل عَلَيْهِ. قَالَ الْعَضُد: (ليندفع: مَا أَنْت بِإِنْسَان، لصِحَّته لُغَة) . وَقيل: دور؛ لِأَنَّهُ يلْزم سبق الْعلم بالمجاز، قَالَه ابْن الْحَاجِب وَغَيره. قَالَ الْأَصْفَهَانِي: (وَذَلِكَ لِأَن صِحَة النَّفْي وامتناعه تتَوَقَّف على معرفَة الْحَقِيقَة وَالْمجَاز، فَلَو عرفناهما بِصِحَّة النَّفْي وامتناعه لزم الدّور) ، وَإِنَّمَا يلْزم الدّور إِن أُرِيد نفي الْمُسْتَعْمل لَا نفي الْوَاضِع.

стр. 426

وَقيل: هُوَ حكم نَقله ابْن مُفْلِح. وَمِنْهَا: تبادر غَيره لَوْلَا الْقَرِينَة الْحَاضِرَة هُنَاكَ، بِخِلَاف الْحَقِيقَة فَإِنَّهَا المتبادرة إِذا كَانَت وَاحِدَة. فَإِن قيل: الْمجَاز الرَّاجِع يتَبَادَر أَيْضا. قيل: إِن رجح قرينَة، فَالْكَلَام حَيْثُ لَا قرينَة، أَو رجح باشتهاره فقد صَار حَقِيقَة بِحَسب مَا اشْتهر فِيهِ من عرف أَو شرع، فَمَا تبادر إِلَّا لكَونه حَقِيقَة، وَإِن كَانَ مجَازًا بِاعْتِبَار / وضع آخر، فَلم يتَبَادَر من كَونه مجَازًا. وَأورد على (الْحَقِيقَة تتبادر عِنْد الْإِطْلَاق) : بِأَن اللَّفْظ الْمُشْتَرك بِالنِّسْبَةِ إِلَى كل وَاحِد من معنييه حَقِيقَة، مَعَ أَنه إِذا أطلق على أَحدهمَا بِدُونِ الْقَرِينَة لم تتبادر الْحَقِيقَة إِلَى الذِّهْن. وَأجِيب: بِأَن اللَّفْظ الْمُشْتَرك حَقِيقَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى أحد معنييه، لَا على التَّعْيِين، وَقد يتَبَادَر أَحدهمَا لَا على التَّعْيِين عِنْد إِطْلَاق اللَّفْظ بِدُونِ الْقَرِينَة، فَلم يلْزم عدم انعكاس التَّعْرِيف، وَلزِمَ حِينَئِذٍ أَن يكون اللَّفْظ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كل وَاحِد من معنييه على التَّعْيِين مجَازًا؛ لِأَن غَيره تبادر إِلَى الذِّهْن عِنْد إِطْلَاق اللَّفْظ بِدُونِ الْقَرِينَة، و - أَيْضا - لزم أَن يكون إِطْلَاق اللَّفْظ الْمُشْتَرك فِي كل

стр. 427

وَاحِد من معنييه بالتواطؤ، ضَرُورَة كَون اللَّفْظ مَوْضُوعا للقدر الْمُشْتَرك بَينهمَا، وَهُوَ أَحدهمَا لَا على التَّعْيِين. وَلقَائِل أَن يُجيب عَن أصل الْإِيرَاد: بِأَن مَا ذكرنَا عَلامَة الْحَقِيقِيَّة لَا تَعْرِيفهَا الْحَقِيقِيّ، والعلامة جَازَ أَن تكون خَاصَّة مُفَارقَة، فَلَا يجب الْعَكْس فِيهَا، وَفِيه نظر. وَمِنْهَا: عدم وجوب اضطراده، بل قد يطرد تَارَة كالأسد للشجاع، وَلَا يطرد تَارَة أُخْرَى، نَحْو: ﴿وَسُئِلَ الْقرْيَة﴾ [يُوسُف: ٨٢] ، أَي: أَهلهَا، فَلَا يُقَال: اسْأَل الْبسَاط، أَي: أَهله، بِخِلَاف الْحَقِيقَة، فَإِنَّهَا وَاجِبَة الاطراد. وَقَول ابْن الْحَاجِب: الاطراد لَيْسَ دَلِيل الْحَقِيقَة؛ لِأَن الْمجَاز قد يطرد، فَمُسلم، لَكِن الَّذِي هُوَ عَلامَة الْحَقِيقَة إِنَّمَا هُوَ وجوب الاطراد، عكس الْمجَاز، فَإِنَّهُ لَا يجب، وَقد يطرد. فَإِن قيل: فالحقيقة قد لَا تطرد، كالقارورة للزجاج مَعَ كَونهَا من الْقَرار، والدبران لمنزلة الْقَمَر مَعَ كَونهَا من الدبور، فَلَا يُسمى كل مَا فِيهِ

стр. 428

قَرَار قَارُورَة / وَلَا مَا فِيهِ دبور [دبرانا] ، وَكَذَلِكَ السخي حَقِيقَة فِي الْكَرِيم، والفاضل فِي الْعَالم، وهما موجودان فِي الله تَعَالَى، مَعَ عدم إطلاقهما عَلَيْهِ. قيل: عدم اطراده لكَون الْمحل الْمعِين قد اعْتبر فِي وضع الِاسْم، فَلَا يُسمى مَا وجد أصل الْمَعْنى فِيهِ - غير هَذَا - بذلك الِاسْم، لفقدان تَمام مُوجب التَّسْمِيَة. وَالْحَاصِل: الْفرق بَين تَسْمِيَة غير ذَلِك، لوُجُود الْمَعْنى، أَو بِوُجُود الْمَعْنى فِيهِ، وَالْمرَاد الثَّانِي، فَلَا يتَعَدَّى. وَنَظِيره: لَو علل فِي بَاب الْقيَاس بِالْمحل، أَو جزئه، أَو لَازمه، لم يقس غَيره عَلَيْهِ، كجوهرة النقدية الْغَالِبَة فِي الرِّبَا فِي الذَّهَب أَو الْفضة، وَإِنَّمَا لم تطرد، وَلم تعد إِلَى شَيْء آخر؛ لتعذر وجود الْعلَّة فِيهِ. وأَيْضا - أَسمَاء الله تَعَالَى توقيفية. وَمِنْهَا على قَول: جمعه على خلاف جمع الْحَقِيقَة، كالأمر يجمع إِذا كَانَ بِمَعْنى القَوْل الَّذِي هُوَ حَقِيقِيَّة، على (أوَامِر) ، وَإِذا كَانَ بِمَعْنى الْفِعْل، على (أُمُور) ، وَهَذَا قَول الْجَوْهَرِي، وَلَا يعرف ذَلِك لغيره، وَتَابعه على ذَلِك

стр. 429

كثير من الْأُصُولِيِّينَ تقليداً لَهُ، وَالْمَعْرُوف فِي اللُّغَة خلاف ذَلِك. قَالَ الْأَزْهَرِي فِي " التَّهْذِيب ": (الْأَمر ضد النَّهْي وَاحِد الْأُمُور) . وَقَالَ ابْن سَيّده فِي " الْمُحكم ": (الْأَمر لَا يكسر على غير الْأُمُور) . وَقَالَ فِي " الْقَامُوس ": (الْأَمر ضد النَّهْي، جمعه أُمُور) . وَأما أَئِمَّة النَّحْو فَلم يقل أحد مِنْهُم: أَن " فعلا " يجمع على " فواعل "، مَعَ ذكرهم الصِّيَغ الشاذة، وَمَعَ ذَلِك لم يذكروه مِنْهَا. وَمِمَّنْ نبه على أَن قَول الْجَوْهَرِي شَاذ، الأبياري فِي " شرح الْبُرْهَان "، ثمَّ حكى عَن بَعضهم: أَن " أوَامِر " جمع " آمُر " بِوَزْن فَاعل، قَالَ: (وَفِيه تجوز؛ لِأَن الْآمِر هُوَ الْمُتَكَلّم، فإطلاقه على الْمصدر أَو الصِّيغَة مجَاز، وَإِن كَانَت صِيغَة " فَاعل " أَو " فاعلة " تجمع على " فواعل "، اسْما كَانَ كفواطم، أَو صفة ككواتب) انْتهى.

стр. 430

[وَتعقب على ابْن جني] فِي كتاب " التَّعَاقُب " / ذكر مَا يَقْتَضِي أَن جمع " أَمر " و " نهي " على " أوَامِر " و " نواهي " [سَائِغ] ، وَذكر لَهُ نظيراً. وَأما جعل " أوَامِر " جمعا ل " آمُر " بِوَزْن فَاعل، وَإِن كَانَ فِيهِ تجوز، إِلَّا أَنه عرف شَائِع، وَلِهَذَا يُقَال فِي صِيغ الْقُرْآن وَالسّنة: إِنَّهَا آمرة بِكَذَا، أَو ناهية عَن كَذَا. وَقَالَ الْأَصْفَهَانِي: (قَالَ بَعضهم: إِن " أوَامِر " جمع الْجمع، فَجمع أَولا جمع قلَّة على " أفعل "، ثمَّ جمع " أفعل " على " أفَاعِل "، كَمَا فعل فِي كلب وأكلب وأكالب) ، وَضعف: بِأَن " أوَامِر " فواعل لَا أفَاعِل، فَلَيْسَ مثله، وَلَكِن فِيهِ نظر؛ فقد يدعى أَنه أفَاعِل لَا فواعل، وَأما إِذا قُلْنَا: إِنَّه جمع " آمُر "، فَهُوَ أفَاعِل والهمزة الَّتِي هِيَ فَاء " آمُر "، هِيَ المبدلة واواً من " أوَامِر "، فَهُوَ وزن أكالب سَوَاء، لَكِن هَذَا وَإِن كَانَ مُحْتملا فَجعله على فواعل كضوارب أوضح. انْتهى.

стр. 431

وَقَالَ فِي " الْبَدْر الْمُنِير ": (أَمر بِكَذَا أمرا، وَجمع الْأَمر " أوَامِر "، هَكَذَا يتَكَلَّم بِهِ النَّاس، وَمن الْأَئِمَّة من يُصَحِّحهُ، وَيَقُول فِي تَأْوِيله: إِن الْأَمر مَأْمُور بِهِ، ثمَّ حول الْمَفْعُول إِلَى فَاعل، كَمَا قيل: أَمر عَارِف، وَأَصله: مَعْرُوف، وعيشة راضية، وَالْأَصْل: مرضية، إِلَى غير ذَلِك، ثمَّ جمع فَاعل على فواعل فأوامر جمع مَأْمُور، وَبَعْضهمْ يَقُول: جمع على " أوَامِر " فرقا بَينه وَبَين الْأَمر بِمَعْنى الْحَال، فَإِنَّهُ يجمع على فعول) انْتهى. قَوْله: وَقيل: لَا يجمع. قَالَ بعض الْعلمَاء: إِن الْمجَاز لَا يجمع، وأبطله الْآمِدِيّ، بِأَن لفظ الْحمار للبليد يثنى وَيجمع إِجْمَاعًا. وَمِنْهَا: الْتِزَام تَقْيِيده ك " جنَاح الذل "، ونار الْحَرْب، فَإِن الْجنَاح وَالنَّار يستعملان فِي مدلولهما الْحَقِيقِيّ من غير قيد، وَإِنَّمَا قيل: بِالْتِزَام تَقْيِيده، وَلم يقل: بتقييده، لِأَن الْمُشْتَرك قد يُقيد فِي بعض الصُّور، كَقَوْلِك: عين جَارِيَة، لكنه لم يلْزم التَّقْيِيد فِيهِ. وَمِنْهَا: توقفه على مُقَابِله، يَعْنِي: توقف اسْتِعْمَاله على الْمُسَمّى الآخر الْحَقِيقِيّ، سَوَاء كَانَ ملفوظاً / بِهِ كَقَوْلِه تَعَالَى: (ومكروا ومكر الله

стр. 432

وَالله﴾ [آل عمرَان: ٥٤] ، فَلَا يُقَال: مكر الله ابْتِدَاء، أَو مُقَدرا كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿قل الله أسْرع مكراً﴾ [يُونُس: ٢١] ، وَلم يتَقَدَّم لمكرهم ذكر فِي اللَّفْظ، لَكِن تضمنه الْمَعْنى، والعلاقة: المصاحبة فِي الذّكر. وَزعم بَعضهم: أَنه لابد من سبق الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ كَمَا مثلنَا، وَهُوَ مَرْدُود بِنَحْوِ مَا فِي الحَدِيث: " فَإِن الله لَا يمل حَتَّى تملوا " فَإِن الْمجَازِي فِيهِ مُتَقَدم لمقابلة الْحَقِيقِيّ الْمُتَأَخر. وَمِنْهَا: إِضَافَته إِلَى غير قَابل، ك " اسْأَل الْقرْيَة "، واسأل العير، وَبَعْضهمْ يعبر عَنهُ بِالْإِطْلَاقِ على المستحيل، فَإِن الإستحالة تَقْتَضِي أَنه غير مَوْضُوع لَهُ، فَيكون مجَازًا. وَأورد: أَن الْمجَاز الْعقلِيّ كَذَلِك، مَعَ أَنه حَقِيقَة لغوية.

стр. 433

وَأجِيب: بِأَن المُرَاد معرفَة اسْتِحَالَة ذَلِك بهديهية، والامتناع فِي الْمجَاز الْعقلِيّ نَظَرِي. وَمِنْهَا: عدم الِاشْتِقَاق مِنْهُ، بِلَا منع عِنْد القَاضِي أبي بكر ابْن الباقلاني، وَالْغَزالِيّ، وَالشَّيْخ الْمُوفق، والطوفي، وَابْن مُفْلِح، وَابْن قَاضِي الْجَبَل، وَغَيرهم، وَقَالَ أَكثر الْعلمَاء: يجوز الِاشْتِقَاق من الْمجَاز.

стр. 434

هَذَا الْمَسْأَلَة مِمَّا اخْتلف فِيهَا الْعلمَاء، وَهِي أَن الْمجَاز هَل يشتق مِنْهُ، أَو لَا يكون الِاشْتِقَاق إِلَّا من حَقِيقَة؟ فنحو: الصَّلَاة، إِذْ قُلْنَا: حَقِيقَتهَا الدُّعَاء، ومجازها ذَات الرُّكُوع وَالسُّجُود، فَهَل يُقَال من الثَّانِي: صلى وَيُصلي ومصل من حَيْثُ كَونه مجَازًا قبل أَن يصير حَقِيقَة شَرْعِيَّة، أَو يقدر: أَن هَذَا أَخذ من الصَّلَاة بِمَعْنى الدُّعَاء، ثمَّ تجوز بِهِ كَمَا تجوز بِأَصْلِهِ؟ الْجُمْهُور على الأول، وَخَالف جمَاعَة مِنْهُم القَاضِي ابْن الباقلاني، وَغَيره، فمنعوا الِاشْتِقَاق من المجازات، وَأَنه لَا اشتقاق إِلَّا من الْحَقَائِق. قَالَ الْغَزالِيّ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَمر فِرْعَوْن برشيد﴾ [هود: ٩٧] : بِمَعْنى الشَّأْن مجَازًا، فَلَا يشتق مِنْهُ آمُر وَلَا مَأْمُور وَلَا غَيرهمَا. وَيدل لِلْجُمْهُورِ: إِجْمَاع البيانيين على صِحَة الِاسْتِعَارَة بالتبعية، وَهِي مُشْتَقَّة من الْمجَاز، لِأَن الِاسْتِعَارَة تكون فِي الْمصدر، ثمَّ يشتق مِنْهُ. قَالَ الكوراني: (وَالدَّلِيل على الِاشْتِقَاق / من الْمجَاز قَوْلهم: نطقت الْحَال بِكَذَا، أَي: دلّت، لِأَن النُّطْق مُسْتَعْمل فِي الدّلَالَة أَولا، ثمَّ اشتق مِنْهُ اسْم الْفَاعِل على مَا هُوَ الْقَاعِدَة فِي الِاسْتِعَارَة [التّبعِيَّة] فِي المشتقات) انْتهى.

стр. 435

وَمِنْهَا: مَا ذكره ابْن عقيل فِي " الْفُنُون " وَغَيره: أَن الْمجَاز لَا يُؤَكد، وَرَأَيْت ذَلِك فِي كَلَام ابْن الْعِرَاقِيّ فِي " شرح جمع الْجَوَامِع "، وَالظَّاهِر أَنه تَابع أَصله وَهُوَ " شرح الزَّرْكَشِيّ ". قلت: ثمَّ رَأَيْت ذَلِك فِي كَلَام ابْن مُفْلِح فِي " فروعه ": أَن أهل اللُّغَة ذَكرُوهُ، مِنْهُم: ابْن قُتَيْبَة، وَغَيره، وَتقدم ذَلِك فِي قَوْله: (التوكيد يُقَوي وينفي احْتِمَال الْمجَاز) . قَوْله: ﴿تَنْبِيه: إِنَّمَا صير إِلَيْهِ: لبلاغته، أَو ثقلهَا، [وَنَحْوهمَا] ﴾ . قَالَ الْعلمَاء: إِنَّمَا عدل عَن الْحَقِيقَة إِلَى الْمجَاز لفوائد كَثِيرَة حَسَنَة.

стр. 436

مِنْهَا: بلاغة لفظ الْمجَاز، لصلاحيته للسجع والتجنيس، وَسَائِر أَنْوَاع البديع، دون الْحَقِيقَة، وَفِيه نظر. وَمِنْهَا: ثقل لفظ الْحَقِيقَة على اللِّسَان، كالخنفقيق - بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون وَفتح الْفَاء وَكسر الْقَاف وَإِسْكَان الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت وَآخره قَاف - اسْم للداهية، يعدل عَنهُ إِلَى النائبة، أَو الْحَادِثَة، وَنَحْوهمَا. وَمِنْهَا: بشاعة اللَّفْظ، كالتعبير بالغائط عَن الْخَارِج. وَمِنْهَا: جهل الْمُتَكَلّم والمخاطب لفظ الْحَقِيقَة. وَمِنْهَا: كَون الْمجَاز أشهر من الْحَقِيقَة. وَمِنْهَا: أَن يكون مَعْلُوما عِنْد المتخاطبين، ويقصدان إخفاءه عَن غَيرهمَا. وَمِنْهَا: عظم مَعْنَاهُ، كَقَوْلِه: سَلام الله على الْمجْلس العالي، فَهُوَ أرفع فِي الْمَعْنى من قَوْله: سَلام عَلَيْك. وَمِنْهَا: كَونه أَدخل فِي التحقير , وَمِنْهَا: [أَلا] يكون للمعنى الَّذِي عبر عَنهُ [بالمجاز] لفظ حَقِيقِيّ. فَهَذِهِ تسع فَوَائِد فِي الْعُدُول عَن الْحَقِيقَة إِلَى الْمجَاز.

стр. 437

قَوْله: ﴿فصل﴾ ﴿الْأَرْبَعَة، وَغَيرهم: الْحَقِيقَة لَا تَسْتَلْزِم الْمجَاز، وَالْمجَاز يستلزمها، [خلافًا للآمدي، وَجمع] ﴾ . ذهب الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة، وأتباعهم، إِلَى أَن الْحَقِيقَة / لَا تَسْتَلْزِم الْمجَاز، وَحكي إِجْمَاعًا، فتوجد الْحَقِيقَة وَلَا يُوجد لَهَا مجَاز. وَحكى القَاضِي أَبُو بكر الباقلاني عَن بعض الْقَدَرِيَّة أَنَّهَا تستلزمه، وَأَنه مَا لَا مجَاز لَهُ لَا يُقَال لَهُ: حَقِيقَة، وَهُوَ مَرْدُود بالواقع، واللغة طافحة بحقائق لَا مجازات لَهَا. وَأما الْعَكْس، وَهُوَ أَن الْمجَاز هَل يسْتَلْزم الْحَقِيقَة أم لَا؟ اخْتلف فِي ذَلِك.

стр. 438

فَذهب أَكثر الْعلمَاء إِلَى أَنه يستلزمها، وَأَنه مَتى وجد الْمجَاز وجدت الْحَقِيقَة، اخْتَارَهُ أَبُو الْخطاب فِي " التَّمْهِيد "، وَابْن عقيل فِي " الْوَاضِح "، والموفق فِي " الرَّوْضَة "، والطوفي فِي " مختصرها "، وَأَبُو الحيسن الْبَصْرِيّ، وَابْن السَّمْعَانِيّ، وَالْفَخْر الرَّازِيّ فِي مَوضِع، وَغَيرهم. وَاحْتَجُّوا على ذَلِك: بِأَن الْمجَاز فرع، والحقيقة أصل، وَمَتى وجد الْفَرْع وجد الأَصْل. وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ لَو لم يسْتَلْزم لعري الْوَضع عَن الْفَائِدَة. وَاخْتَارَ الْآمِدِيّ: أَنه لَا يستلزمها، وَنَقله صَاحب " البديع "

стр. 439

عَن الْمُحَقِّقين، وَاخْتَارَهُ الرَّازِيّ فِي مَوضِع آخر من " الْمَحْصُول "، نظرا إِلَى أَنه لَو استلزم الْمجَاز الْحَقِيقَة لَكَانَ لنَحْو: قَامَت الْحَرْب على سَاق، وشابت لمة اللَّيْل، من المجازات الإسنادية حَقِيقَة، وَلَيْسَ كَذَلِك؛ لِأَنَّهَا لَيست مَوْضُوعَة أَولا لمعان أخر، حَتَّى يدعى أَنَّهَا منقولة عَنْهَا. ورد: بِأَنَّهُ مُشْتَرك الْإِلْزَام للُزُوم الْوَضع لَهما، وَبِأَنَّهُ لَا مجَاز فِي التَّرْكِيب. وَقَوْلهمْ: لَو لم يسْتَلْزم لعري الْوَضع عَن فَائِدَة، غير مُسلم؛ فَإِن الْفَائِدَة لَا تَنْحَصِر فِي اسْتِعْمَاله فِيمَا وضع لَهُ أَولا، وَقد يتجوز فَتحصل الْفَائِدَة بالمجاز. قَالَ ابْن مُفْلِح: (وَقد يسْتَعْمل بعد الْمجَاز) . وَقد حكى ابْن الْعِرَاقِيّ فِيهَا ثَلَاثَة أَقْوَال، الثَّالِث: أَن الْمجَاز لَا يستلزمها فِي غير الْمصدر، قَالَ: (اخْتَارَهُ الْآمِدِيّ والتاج السُّبْكِيّ) . ورد ذَلِك الكوراني ردا بليغاً، وَقَالَ: (هَذَا لَا يساعده عَلَيْهِ عقل وَلَا نقل) .

стр. 440

قَوْله: ﴿ [وَلَفْظهمَا] حقيقتان / عرفا، مجازان لُغَة﴾ . لَا شكّ أَن لَفْظهمَا حقيقتان عرفيتان، لِأَن استعمالهما فِي ذَلِك باصطلاح أهل الْعرف، لَا من مَوضِع اللُّغَة، وهما مجازان لُغَة؛ لِأَن الْحَقِيقَة الْعُرْفِيَّة مجَاز لُغَة، وَقد تقدم أَنَّهُمَا منقولتان، وَذكرنَا كَيْفيَّة نقلهما وتصريفهما، فليعاود أول الْحَقِيقَة، وَأول الْمجَاز. قَوْله: ﴿ [وهما] من عوارض الْأَلْفَاظ فِي الْأَشْهر﴾ . قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين لما تكلم على أَن الْمجَاز هَل هُوَ وَاقع أم لَا؟ : (الْمَشْهُور أَن الْحَقِيقَة وَالْمجَاز من عوارض الْأَلْفَاظ، وَهَذَا التَّقْسِيم حَادث بعد الْقُرُون الثَّلَاثَة) . يَعْنِي: تَقْسِيم اللَّفْظ إِلَى: حَقِيقَة، ومجاز، وَيَأْتِي هَذَا هُنَاكَ. قَوْله: ﴿وَاللَّفْظ قبل اسْتِعْمَاله لَيْسَ حَقِيقَة وَلَا مجَازًا﴾ . إِذا وضع اللَّفْظ لِمَعْنى، وَلم يتَّفق اسْتِعْمَاله لَا فِيمَا وضع لَهُ أَولا وَلَا فِي غَيره، لم يكن حَقِيقَة وَلَا مجَازًا، لعدم ركن تعريفهما وَهُوَ الِاسْتِعْمَال؛ لِأَن الِاسْتِعْمَال جُزْء من مَفْهُوم كل مِنْهُمَا، وَانْتِفَاء الْجُزْء يُوجب انْتِفَاء الْكل.

стр. 441

﴿زَاد ابْن حمدَان، وَالشَّيْخ﴾ تَقِيّ الدّين: ﴿إِن قُلْنَا: اللُّغَة اصْطِلَاح﴾ ، كأسماء الْأَعْلَام وَالصِّفَات. وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين أَيْضا: (إِنَّمَا يَصح إِن كَانَت اللُّغَة اصطلاحية، وَإِن الْمَعْرُوف بالتواتر اسْتِعْمَال هَذِه الْأَلْفَاظ فِيمَا عنوه بهَا من الْمعَانِي، فَإِن ادّعى مُدع أَنه يعلم وضعا يتَقَدَّم ذَلِك فَهُوَ مُبْطل، فَإِنَّهُ لم يَنْقُلهُ أحد) . وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ: (لَو قَالَ الْوَاضِع: سميت هَذَا حَائِطا، أَو قَالَ: سموا هَذَا حَائِطا، لَا يكون قَوْله فِي تِلْكَ الْحَال حَقِيقَة وَلَا مجَازًا؛ لِأَنَّهُ لم يتَقَدَّم ذَلِك مواضعة واصطلاح) . قَالَ أَبُو الْخطاب فِي " التَّمْهِيد ": (وَهَذَا خطأ، لِأَن الْكَلَام إِذا خلا عَن حَقِيقَة ومجاز مهمل، وَهَذَا كَلَام مَفْهُوم غير مهمل) . قَوْله: ﴿وَكَذَا الْعلم المتجدد، وَقَالَ ابْن عقيل: [حَقِيقَة] ، وَقيل: فِيهِ مجَاز، وَالْغَزالِيّ: فِي متلمح الصّفة﴾ .

стр. 442

الْعلم تَارَة يكون من وضع اللُّغَة، وَتارَة يكون متجدداً. فَإِن كَانَ من وضع اللُّغَة فحقيقة، صرح بِهِ بَعضهم، واستثناء من عُمُوم / كَلَامهم. وَإِن كَانَ الْعلم متجدداً، فَالْأَصَحّ لَيْسَ بِحَقِيقَة وَلَا مجَاز، اخْتَارَهُ الْأَكْثَر، لَا بِالْأَصَالَةِ وَلَا بالتبعية، لِأَن الْأَعْلَام وضعت للْفرق بَين ذَات وَذَات، فَلَو تجوز فِيهَا لبطل هَذَا الْغَرَض، و - أَيْضا - فتقلها إِلَى مُسَمّى آخر إِنَّمَا هُوَ بِوَضْع مُسْتَقل، لَا لعلاقة، وَشرط الْمجَاز العلاقة. وَقَالَ فِي " التَّمْهِيد ": (أَسمَاء الألقاب لَا يدخلهَا حَقِيقَة وَلَا مجَاز، لِأَنَّهَا لم تقع على [مسمياتها] الْمعينَة بِوَضْع لغَوِيّ أَو شَرْعِي، فَلم يقل: إِن مستعملها اتبع حَقِيقَتهَا أَو مجازها) . وَقَالَ ابْن عقيل فِي " الْوَاضِح ": (أَسمَاء الْأَعْلَام حَقِيقَة لَا مجَاز فِيهَا، وضعت للْفرق بَين الْأَشْخَاص لَا فِي الصِّفَات، وإفادة معنى فِي الْمُسَمّى، حَتَّى إِذا [أجري] على من لَيست لَهُ تِلْكَ الصّفة قيل: مجَاز) انْتهى. وَقيل: يجْرِي فِيهَا الْمجَاز مُطلقًا، حَكَاهُ الأبياري، كَمَا يُقَال قَرَأت

стр. 443

سِيبَوَيْهٍ: إِذا نقلت علم صَاحبه إِلَيْهِ مجَازًا. ورد: بِأَنَّهُ على حذف مُضَاف، فَهُوَ من مجَاز الْإِضْمَار. وَقَالَ ابْن عقيل - أَيْضا -: (وَقد يجوز فِي مَوضِع أَن يتجوز بِالِاسْمِ لمعناه [وَحَقِيقَته] ، كَقَوْلِك للنحوي: هَذَا سِيبَوَيْهٍ زَمَانه، وللجواد: هَذَا حَاتِم، وللشجاع: هَذَا عَليّ، وَهَذَا قِيَاس على الْوَضع اللّغَوِيّ بِالْمَعْنَى الَّذِي سلكه أهل اللُّغَة) انْتهى. وَحكى الْقَوْلَيْنِ فِيهِ عبد الْوَهَّاب فِي " الملخص "، وَصَاحب " الْمِيزَان " من الْحَنَفِيَّة، وَقَالَ: (الْأَكْثَر على دُخُول الْمجَاز فِيهِ) ، لَكِن قَالَ

стр. 444

الْهِنْدِيّ: (إِن الْخلاف جَار فِي الْأَعْلَام المنقولة) ، وَقَالَ غَيره: (الصَّوَاب جَرَيَانه فِي الْأَعَمّ من الْمَنْقُول والمرتجل) ، وَنقل بعض أَصْحَابنَا أَن الْآمِدِيّ قَالَ: (أَسمَاء الألقاب قد تصير حَقِيقَة ومجازاً) . قَالَ بعض أَصْحَابنَا: (وَهُوَ غَرِيب بعيد) . وَقيل: بِالْفرقِ بَين مَا تلمح فِيهِ الصّفة، فَيجوز، كأسود وحارث وَنَحْوهمَا، دون الْعلم الَّذِي وضع للْفرق الْمَحْض بَين الذوات، كزيد وَعَمْرو / وَبِه قَالَ الْغَزالِيّ. قَالَ الكوراني لما قدم التَّاج السُّبْكِيّ: أَن الْمجَاز لَا يكون فِي الْأَعْلَام مُطلقًا: (مَا ذهب إِلَيْهِ المُصَنّف خلاف مَا عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ. إِذْ قَالُوا: إِذا قلت: رَأَيْت حاتماً، وَأَرَدْت شخصا معينا، وَإِنَّمَا أطلقت عَلَيْهِ لفظ حَاتِم بعد التَّشْبِيه بِهِ فِي الْجُود مجَاز؛ لكَونه اسْتِعَارَة تصريحية، وَهِي مجَاز لغَوِيّ عِنْد الْمُحَقِّقين، وَكَذَلِكَ إِذا قلت: رَأَيْت الْيَوْم أَبَا لَهب،

стр. 445

وَأَرَدْت شخصا معينا، وقصدت كَافِرًا مثله، يكون اسْتِعَارَة، فَمَا ذكره الْغَزالِيّ هُوَ كَلَام فِي غَايَة الْحسن والدقة، فَلَا وَجه لعدم قبُوله) انْتهى. قَوْله: ﴿وَيكون فِي مُفْرد﴾ . بِلَا نزاع عِنْد الْقَائِل بالمجاز، كإطلاق لفظ الْأسد على الشجاع، وَالْحمار على البليد، وَالْبَحْر على الْعَالم والجواد، وَالْفرس [الشَّديد] الجري، فِي قَوْله ﷺ َ - فِي فرس أبي طَلْحَة لماركبه: " وَجَدْنَاهُ بحراً "، وَنَحْوه. قَوْله: ﴿ [وَفِي] إِسْنَاد، خلافًا لقوم﴾ . يكون الْمجَاز فِي الْإِسْنَاد على الصَّحِيح، وَعَلِيهِ الْمُعظم، وَكثير من أَصْحَابنَا فَيجْرِي فِيهِ وَإِن لم يكن فِي لَفْظِي الْمسند والمسند إِلَيْهِ تجوز، وَذَلِكَ بِأَن يسند الشَّيْء إِلَى غير من هُوَ لَهُ بِضَرْب من التَّأْوِيل بِلَا وَاسِطَة وضع، كَقَوْلِه:

стр. 446

(أشاب الصَّغِير وأفنى الْكَبِير ... كرّ الْغَدَاة وَمر الْعشي) فَلفظ الإشابة حَقِيقَة فِي مَدْلُوله وَهُوَ تبييض الشّعْر، وَلَفظ الزَّمَان الَّذِي هُوَ مُرُور اللَّيْل وَالنَّهَار حَقِيقَة فِي مَدْلُوله أَيْضا، لَكِن إِسْنَاد الإشابة إِلَى الزَّمَان مجَاز، إِذْ المشيب للنَّاس فِي الْحَقِيقَة هُوَ الله تَعَالَى، فَهَذَا مجَاز فِي التَّرْكِيب، أَي: فِي إِسْنَاد [الْأَلْفَاظ] بَعْضهَا إِلَى بعض، لَا فِي نفس مدلولات الْأَلْفَاظ، وَهَكَذَا كل لفظ كَانَ مَوْضُوعا فِي اللُّغَة ليسند إِلَى لفظ آخر، فأسند إِلَى غير ذَلِك اللَّفْظ، فإسناده مجَاز تركيبي، وَمِنْه: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا تليت [عَلَيْهِم] ءايته زادتهم إِيمَانًا﴾ [الْأَنْفَال: ٢] ، ﴿رب إنَّهُنَّ أضللن كثيرا من النَّاس﴾ [إِبْرَاهِيم: ٣٦] ، فَكل من طرفِي الْإِسْنَاد حَقِيقَة، وَإِنَّمَا الْمجَاز / فِي الْإِسْنَاد الزِّيَادَة إِلَى الْآيَات، والإضلال إِلَى الْأَصْنَام، وَكَذَلِكَ نَحْو: ﴿ينْزع عَنْهُمَا لباسهما﴾ [الْأَعْرَاف: ٢٧] ، وَالْفَاعِل لذَلِك فِي الْكل هُوَ الله تَعَالَى. وَيُسمى الْمجَاز الْعقلِيّ، والحكمي، ومجاز التَّرْكِيب؛ لِأَن النِّسْبَة إِلَى الْمركب أَمر عَقْلِي، بِخِلَاف الْمجَاز فِي الْمُفْردَات فَإِنَّهُ وضعي فِي اللُّغَة.

стр. 447

وَأنكر السكاكي الْمجَاز الْعقلِيّ، ورده إِلَى الِاسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ، فنحو: أنبت الرّبيع البقل، اسْتِعَارَة عَن الْفَاعِل الْحَقِيقِيّ بِوَاسِطَة الْمُبَالغَة فِي التَّشْبِيه على قَاعِدَة الِاسْتِعَارَة، وَنسبَة الإنبات إِلَيْهِ قرينَة الِاسْتِعَارَة، وَهَكَذَا تصنع فِي بَقِيَّة الْأَمْثِلَة، [وَقَالَهُ] ابْن الْحَاجِب فِي " أَمَالِيهِ "، وَفِي مُخْتَصره الْكَبِير فِي أصُول الْفِقْه، واستبعده فِي الصَّغِير. وعَلى الْمَنْع فَقيل: الْمجَاز فِي الْمسند، فنحو: أنبت الرّبيع البقل، (أنبت) فِيهِ بِمَعْنى: (تسبب) ، وَالْمرَاد: التَّسَبُّب العادي، وَهُوَ رَأْي ابْن الْحَاجِب. وَقيل: فِي الْمسند إِلَيْهِ، فَهُوَ فِي الرّبيع من الْمِثَال، فَأطلق على الْفَاعِل الْحَقِيقِيّ مجَازًا، ثمَّ وَقع الْإِسْنَاد، وَهُوَ رَأْي السكاكي إِذْ جعله من الِاسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ. وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا: الْمجَاز فِي التَّرْكِيب عَقْلِي، نَحْو: ﴿وأخرجت الأَرْض أثقالها﴾ [الزلزلة: ٢] ، أسْند الْإِخْرَاج إِلَى الأَرْض، فَهُوَ فِي حكم الْعقل مُسْند إِلَى الله تَعَالَى، فالنقل عَن ذَلِك نقل لحكم عَقْلِي.

стр. 448

وَقيل: بل لَفْظِي؛ لِأَن (أخرج) مَوْضُوع لصدور الْخُرُوج عَن قَادر، فاستعماله فِي الأَرْض مجَاز. قَالَ بَعضهم: هَل الْمُسَمّى بالمجاز فِي الْعقلِيّ، نفس الْإِسْنَاد أَو الْكَلَام الْمُشْتَمل عَلَيْهِ. قَالَ صَاحب " الْكَشَّاف " بِالْأولِ، وَنَقله ابْن الْحَاجِب عَن عبد القاهر، لَكِن الْمَوْجُود فِي " دَلَائِل الإعجاز " لَهُ: أَن الْمُسَمّى بالمجاز الْكَلَام لَا الْإِسْنَاد، وَعَلِيهِ جرى السكاكي فِي " الْمِفْتَاح "، وَاخْتَارَ الرَّازِيّ فِي " نِهَايَة الإيجاز " مذهبا رَابِعا: (أَن هَذَا وَنَحْوه من بَاب التَّمْثِيل، فَلَا مجَاز فِيهِ وَلَا فِي الْمُفْرد وَلَا فِي الْإِسْنَاد، بل هُوَ كَلَام أورد ليتصور مَعْنَاهُ، فَينْتَقل الذِّهْن مِنْهُ / إِلَى إنبات الله تَعَالَى فِي الْمِثَال الْمَذْكُور، وَيُقَاس عَلَيْهِ غَيره) . وَقَالَ القَاضِي عضد الدّين: (وَالْحق أَنَّهَا تَصَرُّفَات عقلية، وَلَا حجر فِيهَا، وَالْكل مُمكن، وَالنَّظَر إِلَى قصد الْمُتَكَلّم) . قَوْله: ﴿وَفِيهِمَا مَعًا﴾ .

стр. 449

أَي: يكون الْمجَاز فِي الْمُفْردَات وَفِي الْإِسْنَاد مَعًا، كَقَوْلِهِم: أحياني اكتحالي بطلعتك، إِذْ حَقِيقَته: سرتني رؤيتك، لَكِن أطلق لفظ الْأَحْيَاء على السرُور مجَازًا إفرادياً، لِأَن الْحَيَاة شَرط صِحَة السرُور، وَهُوَ من آثارها، وَكَذَا لفظ الاكتحال على [الرُّؤْيَة] مجَاز إفرادي، لِأَن الاكتحال جعل الْعين مُشْتَمِلَة على الْكحل، كَمَا أَن الرُّؤْيَة جعل الْعين مُشْتَمِلَة على صُورَة المرئي، فَلفظ الْإِحْيَاء والاكتحال حَقِيقَة فِي مدلولهما، وَهُوَ سلوك الرّوح فِي الْجَسَد وَوضع الْكحل فِي الْعين، واستعماله - أَي: لفظ الْإِحْيَاء والاكتحال - فِي السرُور والرؤية مجَاز إفرادي، وَإسْنَاد الْإِحْيَاء إِلَى الاكتحال مجَاز تركيبي، لِأَن لفظ الْإِحْيَاء لم يوضع ليسند إِلَى الاكتحال، بل إِلَى الله تَعَالَى، لِأَن الْإِحْيَاء والإماتة الحقيقيين من خَواص قدرته . قَوْله: ﴿وَفِي فعل، ومشتق، وحرف، وفَاقا للنقشواني، وَابْن

стр. 450

عبد السَّلَام، وَمَعَ الرَّازِيّ الْحَرْف بِالْأَصَالَةِ، وَالْفِعْل والمشتق إِلَّا بالتبع﴾ . الصَّحِيح: أَن الْمجَاز يجْرِي فِي الْأَفْعَال وَمَا فِي مَعْنَاهَا من المشتقات، كاسم الْفَاعِل، وَالْمَفْعُول، وَالصّفة المشبهة، وَنَحْوهَا مِمَّا اشتق من الْمصدر، كَمَا يجْرِي فِي الجوامد. وَسَوَاء كَانَ الْمجَاز فِي الْأَفْعَال والمشتقات بطرِيق التّبعِيَّة للمصدر، كَمَا يُقَال: صلى بِمَعْنى: دَعَا، فَهُوَ مصل، بِمَعْنى: دَاع، تبعا لإِطْلَاق الصَّلَاة، وَقس على ذَلِك، أَو لَا بطرِيق التّبعِيَّة، كإطلاق الْفِعْل الْمَاضِي بِمَعْنى الِاسْتِقْبَال، نَحْو: ﴿وَنفخ فِي الصُّور﴾ ، و ﴿أَتَى أَمر الله﴾ [النَّحْل: ١] ، ﴿ونادى أَصْحَاب / الْجنَّة﴾ [الْأَعْرَاف: ٤٤] ، أَي: وينفخ، وَيَأْتِي، وينادي، وَإِطْلَاق الْمُضَارع بِمَعْنى الْمَاضِي، نَحْو: ﴿وَاتبعُوا مَا تتلوا الشَّيَاطِين﴾ [الْبَقَرَة: ١٠٢] ، ﴿فَلم تقتلون أَنْبيَاء الله﴾ [الْبَقَرَة: ٩١] ، أَي: مَا تلته، وَلم قَتَلْتُمُوهُمْ؟ وَالتَّعْبِير بالْخبر عَن الْأَمر، نَحْو: ﴿والوالدات يرضعن﴾ [الْبَقَرَة: ٢٣٣] ، وَعَكسه: ﴿فليمدد لَهُ الرَّحْمَن مدا﴾ [مَرْيَم: ٧٥] ، " فَليَتَبَوَّأ

стр. 451

مَقْعَده من النَّار "، " وَإِذا لم تَسْتَحي فَاصْنَعْ مَا شِئْت " على أحد الْأَقْوَال، وَالتَّعْبِير بالْخبر عَن النَّهْي: ﴿لَا يمسهُ إِلَّا الْمُطهرُونَ﴾ [الْوَاقِعَة: ٧٩] . قَالَ عُلَمَاء الْبَيَان: هُوَ أبلغ من صَرِيح الْأَمر وَالنَّهْي؛ لِأَن الْمُتَكَلّم لشدَّة تَأَكد طلبه نزل الْمَطْلُوب منزلَة الْوَاقِع لَا محَالة. وكإطلاق اسْم الْفَاعِل بِمَعْنى الِاسْتِقْبَال، أَو الْمَاضِي، على الرَّاجِح، كَمَا سَيَأْتِي فِي مسَائِل الِاشْتِقَاق. وَمنع الرَّازِيّ فِي " الْمَحْصُول ": دُخُول الْمجَاز فِي الْأَفْعَال والمشتقات إِلَّا بالتبع للمصدر الَّذِي هِيَ مُشْتَقَّة مِنْهُ، قَالَ: (لِأَن الْمصدر فِي ضمن الْفِعْل وكل مُشْتَقّ، فَيمْتَنع دُخُول الْمجَاز فِي ذَلِك إِلَّا بعد دُخُوله فِيمَا هُوَ فِي ضمنه) .

стр. 452

وَضعف بِمَا سبق من التَّجَوُّز فِي الْفِعْل بالاستقبال والمضي، وَكَذَا فِي الْأَوْصَاف، إِذْ لَا مدْخل للمصدر فِي التَّجَوُّز بذلك. وَقَوله: وَفِي حرف. أَي: يجْرِي الْمجَاز فِي الْحُرُوف كَمَا يجْرِي فِي الْأَفْعَال، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح كَمَا فِي (هَل) تجوزوا بهَا عَن الْأَمر فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَهَل أَنْتُم مُسلمُونَ﴾ [هود: ١٤، والأنبياء: ١٠٨] ، ﴿فَهَل أَنْتُم مُنْتَهُونَ﴾ [الْمَائِدَة: ٩١] ، أَي: فأسلموا وفانتهوا، وَعَن النَّفْي، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فَهَل ترى لَهُم من بَاقِيَة﴾ [الحاقة: ٨] ، أَي: مَا ترى لَهُم من بَاقِيَة، وَعَن التَّقْرِير، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿هَل لكم من مَا ملكت أَيْمَانكُم من شُرَكَاء فِي مارزقناكم﴾ [الرّوم: ٢٨] ، وَشبه ذَلِك، لَا سِيمَا على القَوْل بِأَن كل حرف لَيْسَ لَهُ إِلَّا معنى وَاحِد، وَإِذا اسْتعْمل فِي غَيره كَانَ مجَازًا، وَخَالف فِي ذَلِك الرَّازِيّ - أَيْضا - فِي " الْمَحْصُول "، وَقَالَ: لَا يجْرِي فِي الْحُرُوف إِلَّا بالتبع، كوقوع الْمجَاز فِي مُتَعَلقَة، قَالَ: (لِأَن مَفْهُوم الْحَرْف غير مُسْتَقل، فَإِن ضم إِلَى مَا يَنْبَغِي ضمه إِلَيْهِ كَانَ حَقِيقَة، وَإِلَّا كَانَ / من مجَاز التَّرْكِيب، لَا من مجَاز الْإِفْرَاد) . قَوْله: ﴿ويحتج بِهِ، ذكره القَاضِي، وَابْن عقيل، وَابْن الزَّاغُونِيّ

стр. 453

وَحكي إِجْمَاعًا﴾ . حَكَاهُ ابْن قَاضِي الْجَبَل وَغَيره إِجْمَاعًا، والناقل عَن هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَة بِأَنَّهُ يحْتَج بِهِ: الْمجد، وحفيده فِي " المسودة "، وَقطع بِهِ ابْن عقيل. قَالَ القَاضِي: (وَالدَّلِيل عَلَيْهِ: أَن الْمجَاز يُفِيد معنى من طَرِيق الْوَضع، كَمَا أَن الْحَقِيقَة تفِيد معنى من طَرِيق الْوَضع، أَلا ترى إِلَى قَوْله: ﴿أَو جَاءَ أحد مِنْكُم من الْغَائِط﴾ [النِّسَاء: ٤٣، والمائدة: ٦] ، فَإِنَّهُ يُفِيد الْمَعْنى وَإِن كَانَ مجَازًا، وَكَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وجوهٌ يَوْمئِذٍ ناضرة إِلَى رَبهَا ناظرة﴾ [الْقِيَامَة: ٢٢ - ٢٣] ، وَمَعْلُوم أَنه أَرَادَ: أعين الْوُجُوه ناظرة، لِأَن الْوُجُوه لَا تنظر، وَقد احْتج الإِمَام أَحْمد بِهَذِهِ الْآيَة على وجوب النّظر يَوْم الْقِيَامَة. وَأَيْضًا فَإِن الْمجَاز قد يكون أسبق إِلَى الْقلب، كَقَوْل الرجل: لزيد عَليّ دِرْهَم، فَإِنَّهُ مجَاز، وَهُوَ أسبق إِلَى الْفَهم من قَوْله: يلْزَمنِي لزيد دِرْهَم، وَإِذا كَانَ يَقع الْمجَاز أَكثر مِمَّا يَقع بِالْحَقِيقَةِ، صَحَّ الِاحْتِجَاج بِهِ) انْتهى. قَوْله: ﴿وَلَا يُقَاس عَلَيْهِ، فَلَا يُقَال: سل الْبسَاط وَنَحْوه، ذكره

стр. 454

ابْن عقيل، وَابْن الزَّاغُونِيّ، وَحكي إِجْمَاعًا، وَلنَا وَجه: يجوز﴾ . قَالَ أَبُو بكر الطرطوشي الْمَالِكِي: (أجمع الْعلمَاء أَن الْمجَاز لَا يُقَاس عَلَيْهِ فِي مَوضِع الْقيَاس) ، وَكَذَا قَالَ الْآمِدِيّ: (نسخت الْكتاب لَا يشبه الْإِزَالَة، فَهُوَ من النَّقْل، فَهُوَ حَقِيقَة فِي النَّقْل، لِأَن الْمجَاز لَا يتجوز بِهِ فِي غَيره بِإِجْمَاع أهل اللُّغَة) . وَقَالَ القَاضِي فِي مَسْأَلَة ثُبُوت الْأَسْمَاء قِيَاسا: (أهل اللُّغَة أجروا اسْم الشَّيْء على الشَّيْء؛ لوُجُود بعض مَعْنَاهُ فِيهِ، كالشجاع سبعا، وَلما لم تُوجد كل مَعَانِيه كَانَ مجَازًا، وَأما النَّبِيذ فتوجد فِي مَعَاني الْخمر كلهَا، وَكَذَا النباش، فَلهَذَا كَانَ حَقِيقَة) .

стр. 455

قَالَ بعض أَصْحَابنَا: (هَذَا تَصْرِيح بِثُبُوت الْأَسْمَاء حقائقها ومجازاتها قِيَاسا، لَكِن فِيهِ قِيَاس الْمجَاز بِالْحَقِيقَةِ، وَقِيَاس الْمجَاز بالمجاز مُقْتَضى كَلَامه إِن وجد فِيهِ مَعَاني الْمجَاز / المقاس عَلَيْهِ كلهَا جَازَ) . وَفِي " جمع الْجَوَامِع " وَغَيره: (هَل تثبت اللُّغَة قِيَاسا؟ أَقْوَال، ثَالِثهَا: تثبت الْحَقِيقَة لَا الْمجَاز) انْتهى. وَحكى ابْن الزَّاغُونِيّ وَجها لنا بِثُبُوتِهِ، بِنَاء على الثُّبُوت الْأَسْمَاء قِيَاسا. احْتج من مَنعه بِلُزُوم جَوَاز نَخْلَة لطويل غير إِنْسَان، وشبكة للصَّيْد، وَابْن للْأَب، وَبِالْعَكْسِ. [أُجِيب] : لوُجُود مَانع هُنَا، وَأَيْضًا: هِيَ دَعْوَى بِلَا دَلِيل. قَوْله: لَو جَازَ لَكَانَ قِيَاسا لُغَة - وَفِيه خلاف -، أَو اختراعاً، وَلَيْسَ بلغَة. أُجِيب: بِأَن العلاقة مصححة كرفع الْفَاعِل، وَسبق كَلَام أَصْحَابنَا , وَاحْتج من أجَازه بِعَدَمِ توقف أهل الْعَرَبيَّة، وَبِأَنَّهُ لَو كَانَ نقلياً لما احْتِيجَ إِلَى النّظر فِي علاقَة. أُجِيب: بِنَظَر الْوَاضِع، وَإِن نظر الْمُسْتَعْمل فليعرف الْحِكْمَة.،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

стр. 456

فصل ﴿الْأَرْبَعَة وَغَيرهم: الْمجَاز وَاقع، وَخَالف الإستاذ، وَالشَّيْخ [وَجمع] ، وردوه إِلَى المتواطئ﴾ . الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِير الْعلمَاء: أَن الْمجَاز وَاقع فِي اللُّغَة، وَمِمَّنْ نقل أَن الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة قَالُوا بِأَن الْمجَاز وَاقع: ابْن مُفْلِح فِي " أُصُوله "، وَاحْتج لذَلِك، بالأسد للشجاع، وَالْحمار للبليد، وَقَامَت الْحَرْب على سَاق، وشابت لمة اللَّيْل، وَغير ذَلِك مِمَّا لَا يُحْصى وَلَا يحصر. قَالَ فِي " التَّمْهِيد " وَغَيره: (كتب اللُّغَة مَمْلُوءَة بهما) .

стр. 457

قَالَ الْآمِدِيّ: (لم تزل أهل الْأَعْصَار تنقل عَن أهل الْوَضع تَسْمِيَة هَذَا حَقِيقَة وَهَذَا مجَازًا) . وَخَالف فِي ذَلِك الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق الأسفراييني، وَأَتْبَاعه، وَالشَّيْخ تَقِيّ الدّين. قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (وردوه إِلَى المتواطئ) . وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين كَمَا تقدم عَنهُ: (الْمَشْهُور أَن الْحَقِيقَة وَالْمجَاز من عوراض الْأَلْفَاظ، وَهَذَا التَّقْسِيم اصْطِلَاح حَادث بعد الْقُرُون الثَّلَاثَة، وَأول من عرف أَنه تكلم بالمجاز [أَبُو عُبَيْدَة] ، وَلم يعن بالمجاز: مَا هُوَ قسيم الْحَقِيقَة، وَإِنَّمَا عَنى بمجاز الْآيَة: مَا يعبر بِهِ عَنْهَا، وَلم يتَكَلَّم الشَّافِعِي، وَمُحَمّد بن الْحسن. .

стр. 458

/ بِلَفْظ الْحَقِيقَة وَالْمجَاز) . وَقَالَت هَذِه الطَّائِفَة: هَذَا الْمُدعى أَنه مجَاز حقائق. رد: يلْزم الِاشْتِرَاك، وَلَو كَانَت مُشْتَركَة لم يسْبق مِنْهَا مَا يسْبق عِنْد إِطْلَاقهَا، ضَرُورَة التَّسَاوِي. قَوْلهم: هِيَ مَعَ الْقَرِينَة حَقِيقَة. رد: فالنزاع لَفْظِي، زَاد بعض أَصْحَابنَا والآمدي: (كَيفَ والحقيقة وَالْمجَاز صفتا اللَّفْظ دون الْقَرَائِن المعنوية، فَلَا تكون الْحَقِيقَة صفة للمجموع) . قَوْلهم: فِيهِ عدُول عَن الْحَقِيقَة بِلَا حَاجَة. رد: لفوائد فِي علم الْبَيَان، سبق ذكرهَا. قَوْلهم: يخل بالتفاهم. مَمْنُوع، ثمَّ استبعاد لوُقُوعه. قَوْله: ﴿وعَلى الأول: لَيْسَ الْمجَاز بأغلب فِي الْأَصَح﴾ .

стр. 459

أَكثر الْعلمَاء ذَهَبُوا إِلَى أَن الْمجَاز لَيْسَ بأغلب فِي اللُّغَة من الْحَقِيقَة. وَذهب ابْن جني: أَنه أغلب، وَنَقله السَّمْعَانِيّ عَن أبي زيد الدبوسي الْحَنَفِيّ، وَظَاهر كَلَام ابْن الْحَاجِب، وَابْن مُفْلِح، وَجمع: تَرْجِيح كَلَام ابْن جني فِي بحثهم فِي اللَّفْظ إِذا دَار بَين الْمجَاز والاشتراك. قَوْله: ﴿وَهُوَ فِي الْقُرْآن عِنْد أَحْمد، وَأكْثر أَصْحَابه، وَالْأَكْثَر، وَعنهُ: لَا؛ [اخْتَارَهُ ابْن حَامِد] ، والتميمي،

стр. 460

والخرزي، [وَجمع] ، وَقيل: وَلَا فِي الحَدِيث أَيْضا﴾ . قَالَ القَاضِي: (نَص الإِمَام أَحْمد على أَن الْمجَاز فِي الْقُرْآن، فَقَالَ فِي
следующие страницы →