← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6336

التحبير شرح التحرير

المرداوي

Полный текст (4 267 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

فصل ﴿الْأَرْبَعَة وَغَيرهم: الْمجَاز وَاقع، وَخَالف الإستاذ، وَالشَّيْخ [وَجمع] ، وردوه إِلَى المتواطئ﴾ . الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِير الْعلمَاء: أَن الْمجَاز وَاقع فِي اللُّغَة، وَمِمَّنْ نقل أَن الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة قَالُوا بِأَن الْمجَاز وَاقع: ابْن مُفْلِح فِي " أُصُوله "، وَاحْتج لذَلِك، بالأسد للشجاع، وَالْحمار للبليد، وَقَامَت الْحَرْب على سَاق، وشابت لمة اللَّيْل، وَغير ذَلِك مِمَّا لَا يُحْصى وَلَا يحصر. قَالَ فِي " التَّمْهِيد " وَغَيره: (كتب اللُّغَة مَمْلُوءَة بهما) .

стр. 457

قَالَ الْآمِدِيّ: (لم تزل أهل الْأَعْصَار تنقل عَن أهل الْوَضع تَسْمِيَة هَذَا حَقِيقَة وَهَذَا مجَازًا) . وَخَالف فِي ذَلِك الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق الأسفراييني، وَأَتْبَاعه، وَالشَّيْخ تَقِيّ الدّين. قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (وردوه إِلَى المتواطئ) . وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين كَمَا تقدم عَنهُ: (الْمَشْهُور أَن الْحَقِيقَة وَالْمجَاز من عوراض الْأَلْفَاظ، وَهَذَا التَّقْسِيم اصْطِلَاح حَادث بعد الْقُرُون الثَّلَاثَة، وَأول من عرف أَنه تكلم بالمجاز [أَبُو عُبَيْدَة] ، وَلم يعن بالمجاز: مَا هُوَ قسيم الْحَقِيقَة، وَإِنَّمَا عَنى بمجاز الْآيَة: مَا يعبر بِهِ عَنْهَا، وَلم يتَكَلَّم الشَّافِعِي، وَمُحَمّد بن الْحسن. .

стр. 458

/ بِلَفْظ الْحَقِيقَة وَالْمجَاز) . وَقَالَت هَذِه الطَّائِفَة: هَذَا الْمُدعى أَنه مجَاز حقائق. رد: يلْزم الِاشْتِرَاك، وَلَو كَانَت مُشْتَركَة لم يسْبق مِنْهَا مَا يسْبق عِنْد إِطْلَاقهَا، ضَرُورَة التَّسَاوِي. قَوْلهم: هِيَ مَعَ الْقَرِينَة حَقِيقَة. رد: فالنزاع لَفْظِي، زَاد بعض أَصْحَابنَا والآمدي: (كَيفَ والحقيقة وَالْمجَاز صفتا اللَّفْظ دون الْقَرَائِن المعنوية، فَلَا تكون الْحَقِيقَة صفة للمجموع) . قَوْلهم: فِيهِ عدُول عَن الْحَقِيقَة بِلَا حَاجَة. رد: لفوائد فِي علم الْبَيَان، سبق ذكرهَا. قَوْلهم: يخل بالتفاهم. مَمْنُوع، ثمَّ استبعاد لوُقُوعه. قَوْله: ﴿وعَلى الأول: لَيْسَ الْمجَاز بأغلب فِي الْأَصَح﴾ .

стр. 459

أَكثر الْعلمَاء ذَهَبُوا إِلَى أَن الْمجَاز لَيْسَ بأغلب فِي اللُّغَة من الْحَقِيقَة. وَذهب ابْن جني: أَنه أغلب، وَنَقله السَّمْعَانِيّ عَن أبي زيد الدبوسي الْحَنَفِيّ، وَظَاهر كَلَام ابْن الْحَاجِب، وَابْن مُفْلِح، وَجمع: تَرْجِيح كَلَام ابْن جني فِي بحثهم فِي اللَّفْظ إِذا دَار بَين الْمجَاز والاشتراك. قَوْله: ﴿وَهُوَ فِي الْقُرْآن عِنْد أَحْمد، وَأكْثر أَصْحَابه، وَالْأَكْثَر، وَعنهُ: لَا؛ [اخْتَارَهُ ابْن حَامِد] ، والتميمي،

стр. 460

والخرزي، [وَجمع] ، وَقيل: وَلَا فِي الحَدِيث أَيْضا﴾ . قَالَ القَاضِي: (نَص الإِمَام أَحْمد على أَن الْمجَاز فِي الْقُرْآن، فَقَالَ فِي

стр. 461

قَوْله: ﴿إِنَّا نَحن نحي ونميت﴾ [ق: ٤٣] ، و " نعلم "، و " منتقمون ": هَذَا من مجَاز اللُّغَة، يَقُول الرجل: إِنَّا سنجري عَلَيْك رزقك) . وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: (مَقْصُوده: مَعْنَاهُ: أَنه يجوز فِي اللُّغَة) . احْتج الْقَائِلُونَ بِوُقُوعِهِ فِي الْقُرْآن بقوله تَعَالَى: ﴿تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار﴾ ، ﴿الْحَج أشهر مَعْلُومَات﴾ [الْبَقَرَة: ١٩٧] ، ﴿واخفض لَهما جنَاح الذل﴾ [الْإِسْرَاء: ٢٤] ، ﴿واشتعل الرَّأْس شيباً﴾ [مَرْيَم: ٤] ، ﴿وجزاؤا سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا﴾ [الشورى: ٤٠] ، ﴿الله يستهزئ بهم﴾ [الْبَقَرَة: ١٥] ، وَغير ذَلِك كثير. وَأما قَوْله تَعَالَى: ﴿وَسُئِلَ الْقرْيَة﴾ [يُوسُف: ٨٢] ، ﴿يُرِيد أَن ينْقض﴾ [الْكَهْف: ٧٧] . فَقيل: الْقرْيَة: مجمع النَّاس كَمَا تقدم، ثمَّ إنطاق الْجِدَار وَخلق الْإِرَادَة فِيهِ مُمكن.

стр. 462

رد: بِأَن الْقرْيَة مَكَان الِاجْتِمَاع، لَا نفس المجتمعين. وَعَن الثَّانِي: / بِأَنَّهُ معْجزَة يسْتَلْزم التحدي؛ وَفِيه نظر. وَقَوله: ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ [الشورى: ١١] ، تقدم الْكَلَام فِيهِ فِي مجَاز الزِّيَادَة. وَعَن أَحْمد: لَيْسَ فِي الْقُرْآن مِنْهُ شَيْء، حَكَاهَا الْفَخر إِسْمَاعِيل، وَاخْتَارَهُ ابْن حَامِد. قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (وَمنع ابْن حَامِد، والتميمي، والخرزي) . وَحَكَاهُ أَبُو الْفضل بن أبي الْحسن التَّمِيمِي عَن أَصْحَابنَا. اخْتَارَهُ ابْن الْقَاص من الشَّافِعِيَّة على مَا يَأْتِي، وَمن الْمَالِكِيَّة مُحَمَّد

стр. 463

ابْن خويز منداد وَغَيره، وَحَكَاهُ ابْن برهَان عَن الظَّاهِرِيَّة، والإمامية، وَأبي بكر الْأَصْفَهَانِي. قَالَ ابْن مُفْلِح: (وللتابعين قَولَانِ) .

стр. 464

وَقَالَ ابْن الْحَاجِب فِي الْإِضَافَة من " شرح الْمفصل ": (ذهب القَاضِي إِلَى أَنه لَا مجَاز فِي الْقُرْآن) . وَقيل: (إِنَّمَا أنْكرت الظَّاهِرِيَّة مجَاز الِاسْتِعَارَة، لِأَنَّهَا لَا تكون إِلَّا فِي الضّيق، وَهُوَ منزه عَن ذَلِك) . وَقيل: وَلَا فِي الحَدِيث أَيْضا -، وَحكي عَن ابْن دَاوُد الظَّاهِرِيّ. وَفِي " الْمَحْصُول ": (منعت الظَّاهِرِيَّة من وُقُوعه فِي الْكتاب وَالسّنة) . وَفِي " الإحكام " لِابْنِ حزم: (عَن قوم مَنعه فِي الْقُرْآن وَالسّنة) . وَفِي " طَبَقَات الْعَبَّادِيّ ": (عَن أبي الْعَبَّاس ابْن الْقَاص مَنعه فِي الْقُرْآن والْحَدِيث) .

стр. 465

قَالَ المانعون: لَو جَوَّزنَا لزم تَسْمِيَته متجوزاً. رد: بِأَن أسماءه توقيفية، وَلِهَذَا لم يسم [مُحَقّق] ، ويوهم التسمح فِي الْقَبِيح، وَالْتَزَمَهُ بعض أَصْحَابنَا. قَوْله: ﴿وَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا عَرَبِيّ، [عِنْد الْأَكْثَر من أَصْحَابنَا، وَغَيرهم] ، وَعَن ابْن عَبَّاس وَغَيره: فِيهِ من غَيره، قَالَ ابْن الزَّاغُونِيّ، والموفق، وَابْن برهَان: فِيهِ المعرب، وَهُوَ: مَا استعملته الْعَرَب فِي معنى [وضع] لَهُ فِي غير لغتهم، [وَمحل الْخلاف فِي مُفْرد] غير علم﴾ . الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَر: أَنه لَيْسَ فِيهِ إِلَّا عَرَبِيّ، اخْتَارَهُ من أَصْحَابنَا أَبُو بكر عبد الْعَزِيز، وَالْقَاضِي، وَأَبُو الْخطاب، وَابْن عقيل،

стр. 466

وَالْمجد، وَأكْثر الْعلمَاء، مِنْهُم: الشَّافِعِي، [وَأَبُو عُبَيْدَة] ، وَابْن جرير، والباقلاني، وَابْن فَارس، / وَغَيرهم، للآيات الْكَثِيرَة الْوَارِدَة فِي الْقُرْآن مِمَّا يدل على ذَلِك، وَذكره القَاضِي، وَابْن عقيل، قَول عَامَّة الْفُقَهَاء والمتكلمين. وَذهب ابْن عَبَّاس، وَعِكْرِمَة، وَمُجاهد، وَسَعِيد بن

стр. 467

جُبَير، وَعَطَاء، وَغَيرهم: إِلَى أَن فِيهِ ألفاظاً بِغَيْر الْعَرَبيَّة. قَالَ أَبُو ميسرَة: (فِي الْقُرْآن من كل لِسَان) ، وَمثله عَن سعيد بن جُبَير ووهب بن مُنَبّه. قَالَ ابْن الزَّاغُونِيّ، والموفق: (فِيهِ المعرب) ، وَنَصره ابْن

стр. 468

برهَان، وَجَمَاعَة، وَذكره أَبُو عبيد قَول أهل الْعلم من الْفُقَهَاء، وَأَن الأول قَول أهل الْعَرَبيَّة، وَجمع بَينهمَا بتعريب لَهَا فَصَارَت عَرَبِيَّة فَقَالَ: (وَالصَّوَاب عِنْدِي مَذْهَب فِيهِ تَصْدِيق الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا، وَذَلِكَ أَن هَذِه أُصُولهَا أَعْجَمِيَّة كَمَا قَالَ الْفُقَهَاء، لَكِنَّهَا وَقعت للْعَرَب فعربت بألسنتها، وحولتها عَن أَلْفَاظ الْعَجم إِلَى ألفاظها، فَصَارَت عَرَبِيَّة، ثمَّ نزل الْقُرْآن وَقد اخْتلطت هَذِه الْحُرُوف بِكَلَام الْعَرَب، فَمن قَالَ: إِنَّهَا عَرَبِيَّة، فَهُوَ صَادِق) . وَمَال إِلَى هَذَا القَوْل الجواليقي، وَابْن الْجَوْزِيّ، وَآخَرُونَ.

стр. 469

اسْتدلَّ الْمُثبت على أَن فِيهِ غير الْعَرَبِيّ: بِأَن مشكاة هندية، وقسطاساً رُومِية واستبرقاً وسجيلاً فارسية. رد ذَلِك: بِأَنَّهُ مِمَّا اتّفق فِيهِ اللغتان، كالدواة والمنارة والصابون والتنور. رد ذَلِك: بِأَنَّهُ بعيد، وَالْأَصْل عَدمه؛ وَفِيه نظر. وَاسْتدلَّ الْمَانِع بِمَا سبق فِي الشَّرْعِيَّة، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ءأعجمي وعربي﴾ [فصلت: ٤٤] ، فنفى تنوعه. رد: بِمَنْع نَفْيه، فَإِن الْمَفْهُوم إِنْكَار كَون الْقُرْآن أعجمياً مَعَ كَون الْمُخَاطب بِهِ عَرَبيا لَا يفهمهُ، وَإِن كَانَ الأعجمي والعربي صِفَتي الْكَلَام لم يلْزم نَفْيه مُطلقًا، لجَوَاز كَون بعضه أعجمياً يفهم. قَالُوا: لَا يتحداهم بِغَيْر لسانهم كَغَيْرِهِ. رد: بالمتشابه. رد: هَذَا مجَاز لصرفه عَن ظَاهره، فَهُوَ عَرَبِيّ. وَبِأَنَّهُ إِنَّمَا تحداهم بلغتهم، وَصَارَ لَهَا حكم الْعَرَبيَّة بتعريبها.

стр. 470

تَنْبِيهَانِ: أَحدهمَا: / على القَوْل بِأَن فِيهِ المعرب، تتبع التَّاج السُّبْكِيّ مَا وَقع فِي الْقُرْآن من ذَلِك، فَوَجَدَهَا سبعا وَعشْرين لَفْظَة، ذكرهَا فِي " شرح مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب " ونظمها، وَزَاد عَلَيْهَا الْحَافِظ شهَاب الدّين ابْن حجر فِي " شرح البُخَارِيّ ": أَرْبعا وَعشْرين لَفْظَة، ونظمها على زنة نظمه، فَذكر أَولا بَيْتا لنَفسِهِ تَوْطِئَة، ثمَّ ثنى بِأَبْيَات السُّبْكِيّ وَهِي خَمْسَة، ثمَّ كملها بأبياته، فَقَالَ: (من المعرب عد التَّاج (كز) وَقد ... ألحقت (كد) وضمتها الأساطير) (السلسبيل وطه كورت بيع ... استبرق صلوَات سندس طور) (الزنجبيل ومشكاة سرادق مَعَ ... روم وطوبى وسجيل وكافور) (كَذَا قَرَاطِيس ربانيهم [وغساق] ... ثمَّ دِينَار القسطاس مَشْهُور) (كَذَاك قسورة واليم ناشئة ... وَيُؤْت كِفْلَيْنِ مَذْكُور [ومنظور] ) (لَهُ مقاليد فردوس [فعد] كَذَا ... فِيمَا حكى ابْن دُرَيْد مِنْهُ تنور)

стр. 471

(وزدت حرم ومهل والسجل كَذَا ... السّري وَالْأَب ثمَّ الجبت مَذْكُور) (وقطنا وإناه ثمَّ متكأ ... دارست يصهر مِنْهُ فَهُوَ مصهور) (وهيت وَالسكر والأواه مَعَ حصب ... وأوبي مَعَه والطاغوت مَنْظُور) (صرهن إصري غيض المَاء مَعَ وزر ... ثمَّ الرقيم مناص والسنا النُّور) وَالْمرَاد بقوله: (كز) بالجمل سَبْعَة وَعِشْرُونَ موضعا، و (كد) بالجمل أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ موضعا؛ لِأَن الْكَاف بِعشْرين وَالزَّاي بسبعة، وَالدَّال فِي الثَّانِي بأَرْبعَة، وَلَا اعْتِبَار هُنَا بالتضعيف فِي الزَّاي وَالدَّال، فيكمل أحدا وَخمسين موضعا. قَالَ الْحَافِظ: (وَأَنا معترف أَنِّي مَا استوعبت مَا يسْتَدرك عَلَيْهِ، فقد ظَفرت بعد نظمي بأَشْيَاء، مِنْهَا: الرَّحْمَن، وراعنا، وَقد عزمت على أَنِّي إِذا أتيت على آخر شرح التَّفْسِير ألحق مَا وقفت عَلَيْهِ من / الزِّيَادَة فِي ذَلِك منظوماً) انْتهى. وَلم يفعل بعد ذَلِك شَيْئا، إِمَّا نِسْيَانا، وَإِمَّا مَا ظفر بِشَيْء، فيكمل مَا ذكره ثَلَاثَة وَخَمْسُونَ موضعا. قلت: وَقد ظَفرت بِبَعْض زِيَادَة عَلَيْهِمَا، مِنْهَا: مرجان، ذكره الْبرمَاوِيّ فِي " شرح منظومته ". وَمِنْهَا: السراط، ذكره الطوفي فِي شرح مُخْتَصره فِي الْأُصُول.

стр. 472

وَمِنْهَا: الِاسْم الْجَلِيل - وَهُوَ الله - على أحد الْوَجْهَيْنِ للشَّافِعِيَّة، فقد ذكر ابْن الملقن فِي [الإشارات] أَنهم اخْتلفُوا فِيهِ، (هَل هُوَ اسْم عَرَبِيّ ابتدأت بِهِ الْعَرَب، أَو عبراني نقلته الْعَرَب إِلَى لغتها؟ على وَجْهَيْن) انْتهى. وَقد تقدم ذَلِك فِي الْخطْبَة. وَمِنْهَا: يَأْجُوج وَمَأْجُوج، فَإِن الْأَصَح الَّذِي عَلَيْهِ أَكثر الْعلمَاء: أَنه غير عَرَبِيّ، [ذكره] الْحَافِظ شهَاب الدّين ابْن حجر فِي " الشَّرْح "، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال: إِن الِاسْم الْجَلِيل كإبراهيم وَغَيره من الْأَسْمَاء الأعجمية الْأَعْلَام، وَقد تقدم ذَلِك وَأَن الصَّحِيح: أَنه علم فِي أثْنَاء الْكَلَام على الْخطْبَة، فيكمل الْأَسْمَاء ثَمَانِيَة وَخمسين اسْما، وَلَيْسَ كل هَذِه الْأَسْمَاء على الصَّحِيح مِنْهَا، فَإِن فِيهَا خلافًا، وَرُبمَا كَانَ الصَّحِيح فِي بَعْضهَا: أَنَّهَا عَرَبِيَّة. وَقَول الْحَافِظ فِي الْبَيْت الَّذِي قبل الْأَخير: وَالسكر، هُوَ مَا فِي سُورَة النَّحْل فِي قَوْله: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سكرا وَرِزْقًا حسنا﴾ [النَّحْل: ٦٧] فِيمَا يظْهر لَا قَوْله ﴿اعْمَلُوا ءال دَاوُد شكرا﴾ [سبأ: ١٣] .

стр. 473

قلت: ثمَّ ظَفرت بتصنيف لعلامة زَمَانه، الشَّيْخ جلال الدّين عبد الرَّحْمَن بن السُّيُوطِيّ، ناظم " جمع الْجَوَامِع "، فَإِنَّهُ شَرحه، وَذكر كَلَام السُّبْكِيّ، وَابْن حجر، ثمَّ زَاد على ذَلِك تِسْعَة وَعشْرين لفظا، أَو ثَلَاثِينَ، ونظمه على زنة النظمين، فَقَالَ: (وزدت [يس] والرحمن مَعَ ملكوت ... ثمَّ سينين شطر الْبَيْت مَشْهُور) (ثمَّ الصِّرَاط ودري يحور ومرجان ... [اليم] مَعَ القنطار مَذْكُور) (وراعنا طفقا [هدنا] أبلعي وورا ... والأرائك والأكواب مأثور) (هود وقسط وَكفر زمرة سقر ... هونا يصدون والمنساة مسطور) (شهر مجوس / وأقفال يهود حواريون ... وكنز وسجين وتتبير) (بعير آزر حوب وردة عرم ... إل وَمن تحتهَا عبدت والصور) (ولينة فومها [رهو] وأخلد مزجاة ... وسيدها القيوم موفور) (وقمل ثمَّ أسفار عني كتابا ... وَسجدا ثمَّ ربيون [تَكْثِير] ) (وحطة وطوى والرس نون كَذَا ... عدن ومنفطر الأسباط مَذْكُور) (مسك أَبَارِيق ياقوت رووا فَهُنَا ... مَا فَاتَ عَن عدد الْأَلْفَاظ مَحْصُور) (وَبَعْضهمْ عد الأولى مَعَ بطائنها ... وَالْآخِرَة لمعاني الضِّدّ مَقْصُور) انْتهى.

стр. 474

ثمَّ صنف كتابا سَمَّاهُ " الإتقان فِي عُلُوم الْقُرْآن "، وَزَاد على الأبيات، وأوصلها إِلَى ربعين، أَو أَزِيد، وَهِي الَّتِي ذَكرنَاهَا هُنَا آخرا، وَنسب فِيهِ كل قَول إِلَى قَائِله، وَمن نَقله عَنهُ، وَلَقَد أَجَاد وَأفَاد وروى الأكباد بِمَا لَا مزِيد عَلَيْهِ، وَالله أعلم. الثَّانِي: قد عني جمَاعَة بِجمع مَا فِي لُغَة الْعَرَب مُطلقًا، من ذَلِك ابْن الجواليقي. رُبمَا جعل بعض اللغويين وَغَيرهم لكثير من المعرب ضوابط، كَقَوْل ابْن جني، وَغَيره من النُّحَاة: (مَتى خلا اسْم رباعي الْأُصُول أَو خماسيها عَن بعض حُرُوف الذلاقة السِّتَّة الْمَجْمُوعَة فِي: " فر من لب "، يكون أعجمياً) . وَقَالَ الْجَوْهَرِي وَغَيره: (مَتى اجْتمع جِيم وقاف فِي كلمة فَهِيَ أَعْجَمِيَّة كنجنيق وجردق وَنَحْوهمَا) ، إِلَى غير ذَلِك من الضوابط. وَقَوله: المعرب مَا استعملته الْعَرَب فِي معنى وضع لَهُ فِي غير لغتهم.

стр. 475

وَقَالَ فِي " جمع الْجَوَامِع ": (لفظ غير علم. .) إِلَى آخِره، فانتقد عَلَيْهِ: بِأَنَّهُ إِنَّمَا يخرج من الْخلاف فِي وُقُوعه، لَا من تَسْمِيَته معرباً، لِأَنَّهُ أعجمي استعملته الْعَرَب، وَهَذَا معنى التعريب. قَالَ الْبرمَاوِيّ: (وَعِنْدِي أَنَّهَا خَارِجَة من المعرب، وَذَلِكَ [أَنه] حِكَايَة أَلْفَاظ الْأَعْلَام كَمَا هِيَ، [كَمَا] أَن الْعَجم إِذا / حكت أعلاماً، عندنَا كمحمد وَأحمد لَا يصير بذلك وضعا أعجمياً؛ إِذْ لَا سَبِيل إِلَى أَن [يعبر] فِي الْأَعْلَام عَن مدلولها إِلَّا بهَا، بِخِلَاف أَسمَاء الْأَجْنَاس، لكَون الْعلم وضع لِمَعْنى لَا يتَنَاوَل غَيره) . وَقَوله: وَمحل الْخلاف فِي مُفْرد غير علم. اتّفق الْعلمَاء على أَنه لَيْسَ فِي الْقُرْآن كَلَام مركب على أساليب غير الْعَرَبيَّة، وَأَن فِيهِ أعلاماً بِغَيْر الْعَرَبيَّة، وَإِنَّمَا مَحل الْخلاف فِي أَلْفَاظ مُفْردَة غير أَعْلَام، وَهِي أَسمَاء الْأَجْنَاس، كاللجام، والفرند، والفيروزج، والياقوت، والسمور، والسنجاب، والإبريق، والطست،

стр. 476

والخوان، والفلفل، والقرفة، والخولنجان، والياسمين، والكافور، وَنَحْوه.

стр. 477

قَوْله: ﴿فصل﴾ أَبُو يُوسُف، والقرافي، وَابْن حمدَان، وَابْن قَاضِي الْجَبَل: مجَاز رَاجع أولى من حَقِيقَة مرجوحة، وَأَبُو حنيفَة، وَابْن الْحَاجِب، وَابْن مُفْلِح: هِيَ مَا لم تهجر، والرازي، والبيضاوي: مُجمل، والأصفهاني: مَحَله إِن منع حمله على حَقِيقَته ومجازه مَعًا، وَابْن الرّفْعَة: مَحَله فِي إِثْبَات، وَفِي نفي يعْمل بالمجاز قطعا﴾ .

стр. 478

إِذا تَعَارَضَت الْحَقِيقَة وَالْمجَاز فالحقيقة أولى فِي الْجُمْلَة؛ لِأَنَّهَا الأَصْل، وَإِنَّمَا مَحل الْخلاف: إِذا ترجح الْمجَاز حَتَّى يصير معادلاً للْحَقِيقَة لاشتهاره، فَيصير حَقِيقَة شَرْعِيَّة أَو عرفية، أَو تدل قَرَائِن على ضعف الْحَقِيقَة اللُّغَوِيَّة بِحَيْثُ لَا تمات أصلا وَإِنَّمَا تتساوى مَعَ الْمجَاز، وَهِي الْمَسْأَلَة الْمَذْكُورَة هُنَا، وفيهَا مَذَاهِب: أَحدهَا: تقدم الْحَقِيقَة اللُّغَوِيَّة المرجوحة لِأَنَّهَا الأَصْل، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَمن تبعه، وَذَلِكَ كَمَا لَو حلف ليشربن من هَذَا النَّهر، فَإِن

стр. 479

حَقِيقَته: أَن يكرع مِنْهُ، ومجازه الرَّاجِح المعادل للْحَقِيقَة: أَن يغترف بِإِنَاء مِنْهُ وَيشْرب، فالحقيقة لَيست مماتة أصلا، لِأَن كثيرا من الرُّعَاة وَغَيرهم يكرع بِفِيهِ. وَالْمذهب الثَّانِي: يقدم الْمجَاز؛ لغلبته، وَهُوَ قَول أبي يُوسُف وَمن تبعه، لِأَنَّهُ الظَّاهِر، والتكليف إِنَّمَا هُوَ بالظهور، وَهُوَ قَول أبي / الْخطاب فِي الْحلف على أكل الرؤوس وَالْبيض، ذكره ابْن حمدَان فِي " مقنعه "، وَنسبه صَاحب " الْقَوَاعِد الْأُصُولِيَّة " إِلَى الْأَصْحَاب، فِيمَا إِذا حلف لَا يشرب من دجلة أَو من الْفُرَات، فَقَالَ: (من قدم الْمجَاز الرَّاجِح يَقُول: يَحْنَث باغترافه مِنْهُ بِإِنَاء وَنَحْوه وشربه مِنْهُ) . - قَالَ وَهَذَا قَول أَصْحَابنَا، وَقَول أبي يُوسُف. وَمن قَالَ: تقدم الْحَقِيقَة المرجوحة، قَالَ: لَا يَحْنَث إِلَّا بِأَن يكرع مِنْهُ، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة) انْتهى. وَالْمذهب الثَّالِث: أَنه مُجمل، اخْتَارَهُ الرَّازِيّ فِي المعالم،

стр. 480

والبيضاوي وَجمع وعزي إِلَى الشَّافِعِي، للتعارض؛ لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا رَاجِح من وَجه. وَقَالَ الْأَصْفَهَانِي: (مَحل الْخلاف إِذا لم يحمل اللَّفْظ على حَقِيقَته ومجازه عِنْد عدم الْقَرِينَة، أما إِذا جَوَّزنَا الْحمل حمل عَلَيْهِمَا مَعًا وَهُوَ الظَّاهِر والأقوى "، وَحَكَاهُ الْبرمَاوِيّ قولا فِي الْمَسْأَلَة: وَالْأولَى: أَن يكون ذَلِك مُقَيّدا لمحل الْخلاف. وَقيل: مَحل الْخلاف فِي الْإِثْبَات، أما فِي النَّفْي فَيعْمل بالمجاز الرَّاجِح قطعا، قَالَه ابْن الرّفْعَة الشَّافِعِي فِي الْمطلب، فِي بَاب الْإِيلَاء. فَائِدَة: حرر الْحَنَفِيَّة فِي كتبهمْ مَحل النزاع فِي هَذِه الْمَسْأَلَة، فَإِن مرجعها إِلَيْهِم، فَقَالُوا: الْمجَاز أَقسَام: أَحدهَا: أَن يكون الْمجَاز مرجوحاً لَا يفهم إِلَّا بِقَرِينَة، كالأسد للشجاع، فَتقدم الْحَقِيقَة. الثَّانِي: أَن يغلب اسْتِعْمَاله حَتَّى يُسَاوِي الْحَقِيقَة، فاتفق أَبُو حنيفَة،

стр. 481

وَأَبُو يُوسُف على تَقْدِيم الْحَقِيقَة، وَجعل ابْن التلمساني فِي " شرح المعالم " هَذِه الصُّورَة مَحل الْخلاف. الثَّالِث: أَن يكون راجحاً والحقيقة مماتة لَا ترَاد فِي الْعرف، فقد اتفقَا على تَقْدِيم الْمجَاز؛ لِأَنَّهُ إِمَّا حَقِيقَة شَرْعِيَّة كَالصَّلَاةِ، أَو عرفية كالدابة، وَلَا خلاف فِي تَقْدِيمهَا على الْحَقِيقَة اللُّغَوِيَّة. مِثَاله: لَو حلف لَا يَأْكُل من هَذِه النَّخْلَة فَأكل من ثَمَرهَا، حنث، وَإِن أكل من خشبها لم يَحْنَث، وَإِن كَانَ / الْخشب هُوَ الْحَقِيقَة؛ لِأَنَّهَا قد أميتت. الرَّابِع: أَن يكون راجحاً والحقيقة تتعاهد فِي بعض الْأَوْقَات، فَهَذِهِ مَحل الْخلاف عِنْد الْأَكْثَر، كَمَا لَو حلف ليشربن من هَذَا النَّهر، فَهُوَ حَقِيقَة فِي الكرع مِنْهُ بِفِيهِ، وَلَو اغترف بكوز وَشرب فَهُوَ مجَاز، لِأَنَّهُ شرب من الْكوز لَا من النَّهر، لكنه مجَاز رَاجِح متبادر إِلَى الْفَهم، والحقيقة قد ترَاد، لِأَن كثيرا من الرعاء وَغَيرهم يكرع [بِفِيهِ] . وَقَالَ الْأَصْفَهَانِي فِي " شرح الْمَحْصُول ": (مَحل الْخلاف: أَن يكون

стр. 482

الْمجَاز راجحاً على الْحَقِيقَة، بِحَيْثُ يكون هُوَ الْمُتَبَادر إِلَى الذِّهْن عِنْد الْإِطْلَاق، كالمنقول الشَّرْعِيّ والعرفي، وَورد اللَّفْظ من غير الشَّرْع وَالْعرْف، أما إِن ورد من أَحدهمَا فَإِنَّهُ يحمل على مَا وضع [لَهُ] انْتهى؛ وَهُوَ أظهر، وَالظَّاهِر أَنه مُرَادهم، وَلذَلِك يَقُولُونَ: اللَّفْظ يحمل على عرف الْمُتَكَلّم بِهِ، وَيَأْتِي فِي التَّرْجِيح تَقْدِيم الْمجَاز على الْمُشْتَرك فِي الْأَصَح. قَوْله: ﴿وَلَو لم يَنْتَظِم الْكَلَام إِلَّا بارتكاب [مجَاز] زِيَادَة أَو نُقْصَان، فالنقصان أولى﴾ . وَذَلِكَ؛ لِأَن الْحَذف فِي كَلَام الْعَرَب أَكثر من الزِّيَادَة، قَالَه كثير من الْعلمَاء. وَيتَفَرَّع على ذَلِك: إِذا قَالَ لزوجتيه: إِن حضتما حَيْضَة فأنتما طالقتان، إِذْ لَا شكّ فِي اسْتِحَالَة اشتراكهما فِي حَيْضَة، وَتَصْحِيح الْكَلَام، هُنَا، إِمَّا بِدَعْوَى الزِّيَادَة وَهُوَ قَوْله: حَيْضَة، وَإِمَّا بِدَعْوَى الْإِضْمَار وَتَقْدِيره: إِن حَاضَت كل وَاحِدَة مِنْكُمَا حَيْضَة. وَفِي الْمَسْأَلَة لِأَصْحَابِنَا أَرْبَعَة أوجه:

стр. 483

أَحدهَا: سلوك الزِّيَادَة، وَيصير التَّقْدِير: إِن حضتما فأنتما طالقتان، فَإِذا طعنتا فِي الْحيض طلقتا، وَهُوَ قَول القَاضِي أبي يعلى وَغَيره، وَهُوَ الْمَشْهُور فِي الْمَذْهَب. وَالْوَجْه الثَّانِي: سلوك النَّقْص - وَهُوَ الْإِضْمَار - فَلَا تطلق وَاحِدَة مِنْهُمَا، حَتَّى تحيض كل وَاحِدَة حَيْضَة، وَيكون التَّقْدِير كَمَا تقدم: إِن حَاضَت كل وَاحِدَة مِنْكُمَا / حَيْضَة فأنتما طالقتان نَظِيره قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جلدَة﴾ [النُّور: ٤] ، أَي: اجلدوا كل [وَاحِد] مِنْهُم ثَمَانِينَ جلدَة، وَهُوَ قَول الْمُوفق، وَالْمجد، وَالشَّارِح، وَابْن حمدَان، وَغَيرهم، وَهُوَ مُوَافق للقاعدة.

стр. 484

وَالْوَجْه الثَّالِث: تطلقان بِحَيْضَة من إِحْدَاهمَا؛ لِأَنَّهُ لما تعذر وجود الْفِعْل مِنْهُمَا، وَجب إِضَافَته إِلَى إِحْدَاهمَا، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿يخرج مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤ والمرجان﴾ [الرَّحْمَن: ٢٢] ، وَإِنَّمَا يخرج من أَحدهمَا. وَالْوَجْه الرَّابِع: لَا يطلقان بِحَال، بِنَاء على أَنه لَا يَقع الطَّلَاق الْمُعَلق على الْمحَال. قَوْله: ﴿فَائِدَة: الْكِنَايَة حَقِيقَة إِن اسْتعْمل اللَّفْظ فِي مَعْنَاهُ وَأُرِيد لَازم الْمَعْنى، ومجاز إِن لم يرد الْمَعْنى وَإِنَّمَا عبر بالملزوم عَن اللَّازِم، و [عِنْد الْأَكْثَر:] حَقِيقَة مُطلقًا، وَقيل: عَكسه، وَقيل: بنفيهما﴾ . الْكَلَام على الْكِنَايَة والتعريض من وَظِيفَة عُلَمَاء الْمعَانِي وَالْبَيَان لَا عُلَمَاء الْأُصُول، لَكِن لما كَانَت مُخْتَلفا فِيهَا هَل هِيَ حَقِيقَة أَو مجَاز؟ ذكر [ا] اسْتِطْرَادًا، وَأَيْضًا فقد يلتبسان على السَّامع، وَلذَلِك لم يذكرهما إِلَّا الْقَلِيل من الْأُصُولِيِّينَ.

стр. 485

فَقَالَ عُلَمَاء هَذَا الْفَنّ: اللَّفْظ يَنْقَسِم إِلَى: تَصْرِيح، وكناية، وتعريض، وَاخْتلف فِي الْكِنَايَة هَل هِيَ حَقِيقِيَّة أم مجَاز، أَو لَا وَاحِد مِنْهُمَا، أَو [فِيهَا] حَقِيقَة ومجاز؟ على أَقْوَال. أَحدهَا: أَنَّهَا تَنْقَسِم إِلَى حَقِيقَة ومجاز، اخْتَارَهُ السُّبْكِيّ، وَولده التَّاج، والبرماوي، وقبلهم جمَاعَة. فالكناية: القَوْل الْمُسْتَعْمل فِي مَعْنَاهُ الْمَوْضُوع لَهُ حَقِيقَة، وَلَكِن أُرِيد بِإِطْلَاقِهِ لَازم الْمَعْنى، كَقَوْلِهِم: كثير الرماد، يكنون عَن كرمه، فكثرة الرماد مُسْتَعْمل فِي مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيّ، وَلَكِن أُرِيد بِهِ لَازمه وَهُوَ الْكَرم، وَإِن كَانَ بِوَاسِطَة لَازم آخر؛ لِأَن لَازم كَثْرَة الرماد كَثْرَة الطَّبْخ، ولازم كَثْرَة الطَّبْخ كَثْرَة الضيفان، ولازم كَثْرَة الضيفان / الْكَرم، فَكل ذَلِك عَادَة، فالدلالة على الْمَعْنى الْأَصْلِيّ بِالْوَضْعِ، وعَلى اللَّازِم بانتقال الذِّهْن من الْمَلْزُوم إِلَيْهِ. وَمثله قَوْلهم: طَوِيل النجاد، كِنَايَة عَن طول الْقَامَة؛ لِأَن نجاد الطَّوِيل يكون طَويلا بِحَسب الْعَادة، وعَلى هَذَا فَهُوَ حَقِيقَة؛ لِأَنَّهُ اسْتعْمل فِي مَعْنَاهُ وَإِن أُرِيد بِهِ اللَّازِم، فَلَا تنَافِي بَينهمَا. وَإِن لم يرد الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ، وَإِنَّمَا عبر بالملزوم عَن اللَّازِم، بِأَن يُطلق الْمُتَكَلّم كَثْرَة الرماد على اللَّازِم وَهُوَ الْكَرم، وَطول النجاد على اللَّازِم وَهُوَ طول الْقَامَة، من غير مُلَاحظَة الْحَقِيقَة أصلا، فَهُوَ مجَاز؛ لِأَنَّهُ اسْتعْمل فِي غير

стр. 486

مَعْنَاهُ، والعلاقة فِيهِ إِطْلَاق الْمَلْزُوم على اللَّازِم. ورده: الكوراني من وُجُوه: مِنْهَا: (أَن الْمَشْهُور: أَن الْفرق بَين الْمجَاز وَالْكِنَايَة: إِنَّمَا هُوَ بِأَن الِانْتِقَال فِي الْمجَاز من الْمَلْزُوم إِلَى اللَّازِم، وَفِي الْكِنَايَة من اللَّازِم إِلَى الْمَلْزُوم، أطبق عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ، وَكَلَام المُصَنّف يُخَالِفهُ صَرِيحًا) . وَالْقَوْل الثَّانِي: - وَهُوَ الْأَصَح -: أَنه حَقِيقَة فِيهَا، وَإِلَيْهِ جنح كثير من البيانيين، بل قَالَ الكوراني: (الْجُمْهُور أَنَّهَا من الْحَقِيقَة) ، وتبعهم ابْن عبد السَّلَام فِي كتاب " الْمجَاز " فَقَالَ: (الظَّاهِر أَن الْكِنَايَة لَيست من الْمجَاز، لِأَنَّهَا وَإِن اسْتعْملت فِيمَا وضع لَهُ لَكِن أُرِيد بهَا الدّلَالَة على غَيره، [كدليل الْخطاب] فِي قَوْله: ﴿فَلَا تقل لَهما أُفٍّ﴾ [الْإِسْرَاء: ٢٣] ، وَكَذَا

стр. 487

نَهْيه ﷺ َ - عَن التَّضْحِيَة بالعوراء والعرجاء) انْتهى. وَنَحْوه: النَّهْي عَن الدُّبَّاء، والحنتم، والمقير، فَإِنَّهُ ينصب إِلَى مَا يلْزم مِنْهُ، وَهُوَ النَّبِيذ .

стр. 488

وَالْقَوْل الثَّالِث: أَنه مجَاز مُطلقًا، نظرا إِلَى المُرَاد مِنْهُ، وَهُوَ مُقْتَضى قَول صَاحب " الْكَشَّاف " عِنْد قَوْله: ﴿وَلَا جنَاح عَلَيْكُم فِيمَا عرضتم بِهِ من خطْبَة النِّسَاء أَو أكننتم فِي أَنفسكُم﴾ [الْبَقَرَة: ٢٣٥] ، حَيْثُ فسر الْكِنَايَة: (بِأَن يذكر الشَّيْء بِغَيْر لَفظه الْمَوْضُوع لَهُ) . وَالْقَوْل الرَّابِع: أَنَّهَا لَيست بِحَقِيقَة وَلَا مجَاز، وَهُوَ قَول السكاكي، / وَتَبعهُ فِي " التَّلْخِيص ". قَوْله: ﴿والتعريض حَقِيقَة وَهُوَ: لفظ مُسْتَعْمل فِي مَعْنَاهُ مَعَ التَّلْوِيح بِغَيْرِهِ﴾ . قَالَ الكوراني: (التَّعْرِيض: اللَّفْظ الدَّال على معنى لَا من جِهَة الْوَضع الْحَقِيقِيّ وَلَا الْمجَازِي، بل يفهم الْمَعْنى من جَانب اللَّفْظ. و" الْعرض " بِالضَّمِّ - الْجَانِب، فَلَمَّا لم يسْتَعْمل اللَّفْظ فِي الْمَعْنى المعرض بِهِ كَأَنَّهُ وَقع اللَّفْظ منحرفاً عَنهُ، فَكل مِنْهُمَا فِي جَانب، بِخِلَاف مَا إِذا اسْتعْمل فِيهِ حَقِيقَة أَو مجَازًا) وَهُوَ الْمَقْصُود، كَقَوْل إِبْرَاهِيم ﵇: ﴿بل فعله كَبِيرهمْ هَذَا﴾ [الْأَنْبِيَاء: ٦٣] ، غضب أَن عبدت هَذِه

стр. 489

الْأَصْنَام مَعَه فَكَسرهَا، وَإِنَّمَا الْقَصْد: التَّلْوِيح بِأَن الله تَعَالَى يغْضب لعبادة غَيره مِمَّن لَيْسَ بإله من طَرِيق الأولى مِمَّا ذكر. وَبِذَلِك يعلم: أَن اللَّفْظ إِذا لم يُطَابق فِي الْخَارِج مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيّ لَا يكون كذبا، إِذا كَانَ المُرَاد بِهِ التَّوَصُّل إِلَى غَيره بكناية - كَمَا سبق - أَو تَعْرِيض كَمَا هُنَا -، وَإِن سمي كذبا فمجاز بِاعْتِبَار الصُّورَة، كَمَا جَاءَ: " لم يكذب إِبْرَاهِيم إِلَّا ثَلَاث كذبات " المُرَاد: صُورَة ذَلِك، وَهُوَ نَفسه حق وَصدق، وَقد علم من تَفْسِير التَّعْرِيض بذلك أَنه حَقِيقَة لَا مجَاز، لِأَنَّهُ مُسْتَعْمل فِيمَا وضع لَهُ أَولا. وَالْفرق بَين التَّعْرِيض وَأحد قسمي الْكِنَايَة: أَن الْمُلَازمَة هُنَاكَ وَاضِحَة بانتقال الذِّهْن إِلَيْهَا سَرِيعا.

стр. 490

قَوْله: ﴿فصل﴾ ﴿الْأَرْبَعَة، وَالْأَكْثَر: الْحَقِيقَة الشَّرْعِيَّة وَاقعَة منقولة، [والمعتزلة: وَاقعَة بِلَا نقل، والدينية عِنْدهم: مَا تعلق بأصول الدّين فِي الْأَصَح، وَقوم: وَقعت إِلَّا الدِّينِيَّة، وَقيل: إِلَّا الْإِيمَان] وَالْقَاضِي، وَأَبُو الْفرج، وَالْمجد، والباقلاني: اللُّغَوِيَّة بَاقِيَة وزيدت شُرُوطًا، فَهِيَ حَقِيقَة لغوية ومجاز شَرْعِي، [والآمدي وقف] ، [و] الشَّيْخ، وَغَيره: لم تنقل وَلم يزدْ فِيهَا، بل الشَّارِع استعملها على وَجه اخْتصَّ بمراده﴾ .

стр. 491

اعْلَم أَن اللَّفْظ إِذا وضع لِمَعْنى، ثمَّ نقل / فِي الشَّرْع إِلَى معنى ثَان لمناسبة بَينهمَا، وَغلب اسْتِعْمَاله فِي الْمَعْنى الثَّانِي، يُسمى: مَنْقُولًا شَرْعِيًّا. إِذا علم ذَلِك؛ فَاخْتلف الْعلمَاء فِي الْحَقِيقَة الشَّرْعِيَّة، هَل هِيَ وَاقعَة منقولة أم لَا؟ على أَقْوَال. وَالصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة، وَأكْثر الْعلمَاء، - حَتَّى قَالَ ابْن برهَان: (قَالَ بِهِ الْفُقَهَاء قاطبة) -: أَنَّهَا وَاقعَة، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع وضع الشَّارِع اسْما لِمَعْنى، لِأَن دلَالَته لَيست ذاتية، وَلَا يجب اسْم لمسمى؛ لجَوَاز إِبْدَاله أول الْوَضع وانتفائه قبل التَّسْمِيَة، وَالْقطع أَن الصَّلَاة لُغَة: الدُّعَاء أَو الِاتِّبَاع، وَالزَّكَاة: النَّمَاء، وَالصَّوْم: إمْسَاك مُطلق، وَالْحج: قصد مُطلق، وَشرعا لأمور مَعْرُوفَة. قَالَ فِي " التَّمْهِيد " وَغَيره: (تَارَة يُسَمِّي ﵊ اسْما لمعاني لَا تعرفها الْعَرَب، وَتارَة لشبه من معنى الِاسْم لُغَة) .

стр. 492

وَقَالَت الْمُعْتَزلَة: وَقعت مُطلقًا، يعنون: الشَّرْعِيَّة والدينية مَوْضُوعَات مبتدآت، ابتدأها الشَّارِع وَلم ينقلها عَن الْحَقِيقَة اللُّغَوِيَّة، فَلَيْسَتْ حقائق لغوية وَلَا مجازات عَنْهَا. قَالَ الْبرمَاوِيّ: (أثبتهما الْمُعْتَزلَة [مَعًا] ، لَكِن على معنى أَن الشَّارِع اخترع أَسمَاء خَارِجَة عَن اللُّغَة لمعان أثبتها شرعا، فمخالفتهم فِي إِثْبَات الشَّرْع للأمرين على الْوَجْه الْمَذْكُور، وَإِن أوهمت عبارَة ابْن الْحَاجِب بعض شراحه: أَنهم يثبتون الدِّينِيَّة ومخالفون فِي الشَّرْعِيَّة؛ فَالصَّوَاب: أَن خلافهم فِي الدِّينِيَّة، وَإِنَّمَا لم يُصَرح ابْن الْحَاجِب فِي نصب الْأَدِلَّة بذلك؛ لِأَنَّهُ مَحل وفَاق) . قَوْله: (وَهِي مَا تعلق بأصول الدّين فِي الْأَصَح) . اخْتلف النَّقْل عَن الْمُعْتَزلَة فِي تَفْسِير الدِّينِيَّة، وَالأَصَح: أَنه مَا تعلق بأصول الدّين، كالإيمان، وَالْكفْر، وَالْفِسْق، وَنَحْوهَا، بِخِلَاف نَحْو: الصَّلَاة، وَالزَّكَاة، وَالصَّوْم، وَالْحج، وَنَحْوهَا، وَهُوَ الَّذِي نَقله عَنْهُم ابْن الباقلاني فِي " التَّقْرِيب "، وَأَبُو الْمَعَالِي فِي " التَّلْخِيص "، و " الْبُرْهَان "،

стр. 493

والقشيري، وَالْغَزالِيّ، وَغَيرهم. وَنقل / الرَّازِيّ وَجمع عَنْهُم: أَن الديني: أَسمَاء الفاعلين، كالمؤمن، وَالْفَاسِق، وَالْمُصَلي، والصائم، بِخِلَاف الْإِيمَان، وَالْفِسْق، وَالصَّلَاة، وَالصَّوْم، فَإِن ذَلِك شَرْعِي لَا ديني. ورد: بِأَنَّهُ يلْزم تَسْمِيَة اللَّفْظ باسم لَا يجْرِي فِي الْمُشْتَقّ مِنْهُ. وَقيل: وَقعت إِلَّا الدِّينِيَّة، فالشرعية وَقعت، وَلم تقع الدِّينِيَّة. قَالَ الْبرمَاوِيّ فِي " شرح منظومته ": (وَالْمُخْتَار وفَاقا للشَّيْخ أبي إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ، وَابْن الصّباغ، وَأكْثر أَصْحَابنَا: أَن النَّقْل إِنَّمَا وَقع فِي الشَّرْعِيَّة لَا فِي الدِّينِيَّة، وَاخْتَارَهُ ابْن الْحَاجِب وَغَيره، وَمِنْهُم من يَجْعَل الْخلاف فِي الْإِيمَان فَقَط، لَا فِي كل ديني) انْتهى.

стр. 494

وَقَالَ الباقلاني، وَالْقَاضِي أَبُو يعلى، وَأَبُو الْفرج الْمَقْدِسِي، وَالْمجد ابْن تَيْمِية، وَابْن السَّمْعَانِيّ، وَغَيرهم: اللُّغَوِيَّة بَاقِيَة وزيدت شُرُوطًا، فَهِيَ حَقِيقَة لغوية مجَاز شَرْعِي، حَكَاهُ فِي " التَّمْهِيد " عَن الأشعرية، وَأَن للشَّافِعِيّ قَوْلَيْنِ.

стр. 495

قَالَ القَاضِي أَبُو يعلى فِي " الْجَامِع ": (الْإِيمَان لُغَة: التَّصْدِيق وَأقرهُ الشَّارِع وَزَاد عَلَيْهِ الطَّاعَات الظَّاهِرَة، كَصَلَاة وَغَيرهَا) . وَنقل ابْن مَنْصُور عَن الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل أَنه قَالَ: (كَانَ بَدْء الْإِيمَان نَاقِصا فَجعل يزِيد) ، وَظَاهره: أَنه زيد عَلَيْهِ وَلم ينْقل عَنهُ. قَالَ: ويفيد هَذَا: إِن ثَبت نَقله، زَالَ الِاسْم بِوُجُود ضِدّه وَهُوَ الْمعاصِي، وَإِن لم ينْقل، لم يزل الِاسْم، لِأَنَّهُ لم يُوجد ضِدّه، بل ينْقل اسْم الْكَمَال) انْتهى.
следующие страницы →