← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6336

التحبير شرح التحرير

المرداوي

Полный текст (4 267 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

اعْلَم أَن اللَّفْظ إِذا وضع لِمَعْنى، ثمَّ نقل / فِي الشَّرْع إِلَى معنى ثَان لمناسبة بَينهمَا، وَغلب اسْتِعْمَاله فِي الْمَعْنى الثَّانِي، يُسمى: مَنْقُولًا شَرْعِيًّا. إِذا علم ذَلِك؛ فَاخْتلف الْعلمَاء فِي الْحَقِيقَة الشَّرْعِيَّة، هَل هِيَ وَاقعَة منقولة أم لَا؟ على أَقْوَال. وَالصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة، وَأكْثر الْعلمَاء، - حَتَّى قَالَ ابْن برهَان: (قَالَ بِهِ الْفُقَهَاء قاطبة) -: أَنَّهَا وَاقعَة، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع وضع الشَّارِع اسْما لِمَعْنى، لِأَن دلَالَته لَيست ذاتية، وَلَا يجب اسْم لمسمى؛ لجَوَاز إِبْدَاله أول الْوَضع وانتفائه قبل التَّسْمِيَة، وَالْقطع أَن الصَّلَاة لُغَة: الدُّعَاء أَو الِاتِّبَاع، وَالزَّكَاة: النَّمَاء، وَالصَّوْم: إمْسَاك مُطلق، وَالْحج: قصد مُطلق، وَشرعا لأمور مَعْرُوفَة. قَالَ فِي " التَّمْهِيد " وَغَيره: (تَارَة يُسَمِّي ﵊ اسْما لمعاني لَا تعرفها الْعَرَب، وَتارَة لشبه من معنى الِاسْم لُغَة) .

стр. 492

وَقَالَت الْمُعْتَزلَة: وَقعت مُطلقًا، يعنون: الشَّرْعِيَّة والدينية مَوْضُوعَات مبتدآت، ابتدأها الشَّارِع وَلم ينقلها عَن الْحَقِيقَة اللُّغَوِيَّة، فَلَيْسَتْ حقائق لغوية وَلَا مجازات عَنْهَا. قَالَ الْبرمَاوِيّ: (أثبتهما الْمُعْتَزلَة [مَعًا] ، لَكِن على معنى أَن الشَّارِع اخترع أَسمَاء خَارِجَة عَن اللُّغَة لمعان أثبتها شرعا، فمخالفتهم فِي إِثْبَات الشَّرْع للأمرين على الْوَجْه الْمَذْكُور، وَإِن أوهمت عبارَة ابْن الْحَاجِب بعض شراحه: أَنهم يثبتون الدِّينِيَّة ومخالفون فِي الشَّرْعِيَّة؛ فَالصَّوَاب: أَن خلافهم فِي الدِّينِيَّة، وَإِنَّمَا لم يُصَرح ابْن الْحَاجِب فِي نصب الْأَدِلَّة بذلك؛ لِأَنَّهُ مَحل وفَاق) . قَوْله: (وَهِي مَا تعلق بأصول الدّين فِي الْأَصَح) . اخْتلف النَّقْل عَن الْمُعْتَزلَة فِي تَفْسِير الدِّينِيَّة، وَالأَصَح: أَنه مَا تعلق بأصول الدّين، كالإيمان، وَالْكفْر، وَالْفِسْق، وَنَحْوهَا، بِخِلَاف نَحْو: الصَّلَاة، وَالزَّكَاة، وَالصَّوْم، وَالْحج، وَنَحْوهَا، وَهُوَ الَّذِي نَقله عَنْهُم ابْن الباقلاني فِي " التَّقْرِيب "، وَأَبُو الْمَعَالِي فِي " التَّلْخِيص "، و " الْبُرْهَان "،

стр. 493

والقشيري، وَالْغَزالِيّ، وَغَيرهم. وَنقل / الرَّازِيّ وَجمع عَنْهُم: أَن الديني: أَسمَاء الفاعلين، كالمؤمن، وَالْفَاسِق، وَالْمُصَلي، والصائم، بِخِلَاف الْإِيمَان، وَالْفِسْق، وَالصَّلَاة، وَالصَّوْم، فَإِن ذَلِك شَرْعِي لَا ديني. ورد: بِأَنَّهُ يلْزم تَسْمِيَة اللَّفْظ باسم لَا يجْرِي فِي الْمُشْتَقّ مِنْهُ. وَقيل: وَقعت إِلَّا الدِّينِيَّة، فالشرعية وَقعت، وَلم تقع الدِّينِيَّة. قَالَ الْبرمَاوِيّ فِي " شرح منظومته ": (وَالْمُخْتَار وفَاقا للشَّيْخ أبي إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ، وَابْن الصّباغ، وَأكْثر أَصْحَابنَا: أَن النَّقْل إِنَّمَا وَقع فِي الشَّرْعِيَّة لَا فِي الدِّينِيَّة، وَاخْتَارَهُ ابْن الْحَاجِب وَغَيره، وَمِنْهُم من يَجْعَل الْخلاف فِي الْإِيمَان فَقَط، لَا فِي كل ديني) انْتهى.

стр. 494

وَقَالَ الباقلاني، وَالْقَاضِي أَبُو يعلى، وَأَبُو الْفرج الْمَقْدِسِي، وَالْمجد ابْن تَيْمِية، وَابْن السَّمْعَانِيّ، وَغَيرهم: اللُّغَوِيَّة بَاقِيَة وزيدت شُرُوطًا، فَهِيَ حَقِيقَة لغوية مجَاز شَرْعِي، حَكَاهُ فِي " التَّمْهِيد " عَن الأشعرية، وَأَن للشَّافِعِيّ قَوْلَيْنِ.

стр. 495

قَالَ القَاضِي أَبُو يعلى فِي " الْجَامِع ": (الْإِيمَان لُغَة: التَّصْدِيق وَأقرهُ الشَّارِع وَزَاد عَلَيْهِ الطَّاعَات الظَّاهِرَة، كَصَلَاة وَغَيرهَا) . وَنقل ابْن مَنْصُور عَن الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل أَنه قَالَ: (كَانَ بَدْء الْإِيمَان نَاقِصا فَجعل يزِيد) ، وَظَاهره: أَنه زيد عَلَيْهِ وَلم ينْقل عَنهُ. قَالَ: ويفيد هَذَا: إِن ثَبت نَقله، زَالَ الِاسْم بِوُجُود ضِدّه وَهُوَ الْمعاصِي، وَإِن لم ينْقل، لم يزل الِاسْم، لِأَنَّهُ لم يُوجد ضِدّه، بل ينْقل اسْم الْكَمَال) انْتهى.

стр. 496

ووقف الْآمِدِيّ فِي " الْمُنْتَهى ". وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَجمع من الْعلمَاء: لم تنقل وَلم يزدْ فِيهَا، بل الشَّارِع استعملها على وَجه اخْتصَّ بمراده. اسْتدلَّ للْمَذْهَب الأول بِمَا تقدم، وَبِأَنَّهُ لَا يلْزم من ذَلِك محَال لذاته، وَالْقطع بالاستقراء، لِأَن الْعِبَادَات الْمُتَقَدّمَة للمعلوم شرعا، وَهِي لُغَة لغير ذَلِك. فَإِن قيل: هِيَ بَاقِيَة، والزيادات شُرُوط. قيل: إِطْلَاق الصَّلَوَات على الرَّكْعَات / يمنعهُ. فَإِن قيل: إِطْلَاق هَذِه الْمعَانِي عَلَيْهَا مجَاز، لكَون الدُّعَاء جُزْء مُسَمّى الصَّلَاة، وَالزَّكَاة سَبَب النَّمَاء. أُجِيب: إِن أردتم: أَن الشَّارِع استعملها فِي غير موضوعاتها اللُّغَوِيَّة فَهِيَ الْمُدعى، وَإِن أردتم: أَن أهل اللُّغَة استعملوها فِيهَا، فخلاف الظَّاهِر، لِأَن اسْتِعْمَالهَا فرع تعقلها، وَلم يتعقلوها وَلَا عرفوها؛ وَلِأَن هَذِه الْمعَانِي تفهم من هَذِه الْأَسْمَاء بِغَيْر قرينَة. لَا يُقَال: الْفَهم بِغَيْر قرينَة لكَونه مجَازًا راجحاً، لِأَن الْمجَاز الرَّاجِح لَا يَخْلُو عَن قرينَة عرفية، وَهِي ممتنعة هُنَا، أَو شَرْعِيَّة، وَهُوَ الْمُدعى.

стр. 497

وَاسْتدلَّ للْمَنْع بِوُجُوه: أَحدهَا: لَو وَقع ذَلِك لَكَانَ مُخَاطبا لَهُم بِغَيْر لغتهم، وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا أرسلنَا من رَسُول إِلَّا بِلِسَان قومه﴾ [إِبْرَاهِيم: ٤] . الثَّانِي: لَو وَضعهَا الشَّارِع لزمَه تَعْرِيفهَا، لِئَلَّا يلْزم مَا لَا يُطَاق، وَلَو عرفهَا لَكَانَ ذَلِك بالتواتر، لعدم قيام الْحجَّة بالآحاد هُنَا، وَلَا تَوَاتر. قيل: بعد تَسْلِيم مَا لَا يُطَاق، إِنَّهَا فهمت بالقرائن كتعليم الْأَطْفَال اللُّغَات من غير أَن يُصَرح مَعَهم بِوَضْع اللَّفْظ للمعنى، لامتناعه بِالنِّسْبَةِ إِلَى من لَا يعلم شَيْئا من الْأَلْفَاظ. قَالَ الْعَضُد: (وَهُوَ طَرِيق قَطْعِيّ لَا يُنكر) ، وَبَينهَا عَاما وَنقل خَاصّا كالأذان. الثَّالِث: لَو كَانَت لكَانَتْ غير عَرَبِيَّة لعدم وَضعهَا لُغَة، فَيلْزم: كَون الْقُرْآن غير عَرَبِيّ. أُجِيب: عَرَبِيَّة بِوَضْع الشَّارِع لَهَا مجَازًا، و (أَنزَلْنَاهُ) فِي قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة يُوسُف: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قرءاناً عَرَبيا﴾ [الْآيَة: ٢] يجوز عود الضَّمِير إِلَى السُّورَة، لِأَن الْقُرْآن يَصح إِطْلَاقه على السُّورَة وَالْآيَة. لَو حلف لَا يقْرَأ الْقُرْآن حنث بِقِرَاءَة آيَة.

стр. 498

وَصِحَّة الْإِطْلَاق لاشْتِرَاكهمَا فِي الْمَعْنى، لِأَن جُزْء الشَّيْء إِذا شَارك كُله معنى صَحَّ أَن يُقَال: هُوَ كَذَا، وَهُوَ بعضه، كَالْمَاءِ [وَالْعَسَل] ، وَاللَّحم، وَاللَّبن، وَنَحْوهَا. وَإِن لم يُشَارك لم يَصح، كالمائة، والرغيف، وَنَحْوهمَا، لعدم تَسْمِيَة الْأَجْزَاء بِالْمِائَةِ، والرغيف. / قلت: عوده إِلَى السُّورَة ضَعِيف، مَعَ توارد الْأُصُولِيِّينَ عَلَيْهِ، لكِنهمْ لَا يجزمون بِهِ إِنَّمَا يَقُولُونَ: يجوز أَن يعود، وَقد اخْتَار هَذِه الزّجاج، وَابْن الْقَاسِم، لَكِن مُعظم الْعلمَاء على أَنه عَائِد إِلَى الْكتاب، حكى الْخلاف ابْن الْجَوْزِيّ فِي " زَاد الْمسير ". [وَلَو] سلم عوده إِلَى الْقُرْآن لجَاز تَسْمِيَته عَرَبيا اعْتِبَارا بالغالب، كشعر عَرَبِيّ فِيهِ فارسية. قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل وَغَيره: (لكنه مجَاز لصِحَّة الِاسْتِثْنَاء) انْتهى. وَلما تَعَارَضَت الْأَدِلَّة عِنْد الْآمِدِيّ وقف.

стр. 499

وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين، وَجمع من الْعلمَاء: (لم تنقل وَلم يزدْ فِيهَا، بل الشَّارِع استعملها على وَجه اخْتصَّ بمراده) ، وَهُوَ أظهر وَأولى. قَوْله: ﴿فَائِدَة: الْإِيمَان: [التَّصْدِيق بِمَا غَابَ، لُغَة] ، وَشرعا: عقد بالجنان ونطق بِاللِّسَانِ وَعمل بالأركان، عِنْد [الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة] ، وَالسَّلَف، فَدخل كل الطَّاعَات، وَقَالَ الْأَشْعَرِيّ، وَأكْثر أَصْحَابه، وَهُوَ لُغَة وَشرعا: التَّصْدِيق، وَالْأَفْعَال من شرائعه، وَلَا يدْخل فِيهِ عمل الْقلب، وَيجوز الِاسْتِثْنَاء، وَأَبُو حنيفَة، والمرجئة، وَابْن كلاب، وَغَيرهم: تَصْدِيق بِالْقَلْبِ وَعمل بِاللِّسَانِ، وَيدخل بعض المرجئة عمل الْقلب فِيهِ، والجهمية وَغَيرهم: الْمعرفَة، والكرامية، قَول بِاللِّسَانِ فَقَط، والمعتزلة: فعل الْوَاجِبَات، [وَعند أبي حنيفَة وَأَصْحَابه، وَغَيرهم، لَا يزِيد وَلَا ينقص] ،

стр. 500

وَلَا اسْتثِْنَاء فِيهِ، [وَقَالَهُ] [أَبُو الْمَعَالِي فِي الأولى] ﴾ . إِنَّمَا ذكرت هَذِه الْمَسْأَلَة اسْتِطْرَادًا؛ لكَون لَهَا مدْخل فِي الْمَسْأَلَة الَّتِي قبلهَا، وَأَن بعض الْعلمَاء قَالَ: وَقعت إِلَّا الْإِيمَان، فَإِنَّهُ بَاقٍ على مَدْلُوله لُغَة. إِذا علم ذَلِك؛ فَفِي ضمن هَذَا الْكَلَام أَربع مسَائِل، مَسْأَلَة فِي معنى الْإِيمَان، وَمَسْأَلَة فِي زِيَادَته ونقصانه، وَمَسْأَلَة فِي جَوَاز الِاسْتِثْنَاء فِيهِ، وَمَسْأَلَة فِي الْخلاف فِي تباينه لِلْإِسْلَامِ وترادفه. أما الْمَسْأَلَة الأولى وَهُوَ مَعْنَاهُ فالإيمان لَهُ مَعْنيانِ: معنى فِي اللُّغَة، وَمعنى فِي الشَّرْع. فَمَعْنَاه فِي اللُّغَة: التَّصْدِيق بِمَا غَابَ، قولا كَانَ أَو فعلا، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنْت بِمُؤْمِن لنا وَلَو كُنَّا / صَادِقين﴾ [يُوسُف: ١٧] . [وَأما] مَعْنَاهُ فِي الشَّرْع [فَاخْتلف] الْعلمَاء فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا. فَذهب الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة وهم الإِمَام أَحْمد، وَالْإِمَام مَالك، وَالْإِمَام

стр. 501

الشَّافِعِي -، وَالسَّلَف، وجماهير الْعلمَاء، وَأهل الحَدِيث، والقلانسي، وَابْن مُجَاهِد، من الْمُتَكَلِّمين، وَغَيرهم، حَتَّى حَكَاهُ الإِمَام الشَّافِعِي إِجْمَاع الصَّحَابَة، وَالتَّابِعِينَ، وَمن بعدهمْ مِمَّن أدركهم، نَقله عَنهُ ابْن رَجَب. وَنقل حَرْب قَالَ: سُئِلَ الإِمَام أَحْمد عَن الْإِيمَان فَقَالَ: (قَول وَعمل، وَيزِيد وَينْقص) ، قيل: وَيسْتَثْنى مِنْهُ؟ قَالَ: (نعم) .

стр. 502

قَالَ الْحَافِظ أَبُو الْفضل ابْن حجر: (السّلف قَالُوا: هُوَ اعْتِقَاد بِالْقَلْبِ، ونطق بِاللِّسَانِ، وَعمل بالأركان، وَأَرَادُوا بذلك: أَن الْأَعْمَال شَرط فِي كَمَاله، وَمن هُنَا نَشأ لَهُم القَوْل بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَان) . قَالَ ابْن رَجَب: (وَأنكر السّلف على من أخرج الْأَعْمَال عَن الْإِيمَان إنكاراً شَدِيدا، وَمِمَّنْ أنكرهُ على قَائِله وَجعله قولا مُحدثا: سعيد بن جُبَير، وَمَيْمُون بن مهْرَان، وَقَتَادَة وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ، وَإِبْرَاهِيم

стр. 503

النَّخعِيّ، وَالزهْرِيّ، وَيحيى بن أبي كثير وَغَيرهم. قَالَ الثَّوْريّ: (هُوَ رَأْي مُحدث) .

стр. 504

وَكتاب عمر بن عبد الْعَزِيز فِي البُخَارِيّ، فَإِنَّهُ كتب إِلَى أهل الْأَمْصَار: (أما بعد، فَإِن الْإِيمَان فَرَائض وَشَرَائِع فَمن استكملها اسْتكْمل الْإِيمَان، وَمن لم يستكملها لم يستكمل الْإِيمَان) . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ: (كَانَ من مضى مِمَّن سلف لَا يفرقون بَين الْإِيمَان وَالْعَمَل) . وَقد دلّ على دُخُول الْأَعْمَال فِي الْإِيمَان قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذين إِذا ذكر الله وجلت قُلُوبهم وَإِذا تليت عَلَيْهِم ءاياته زادتهم إِيمَانًا وعَلى رَبهم يَتَوَكَّلُونَ الَّذين يُقِيمُونَ الصَّلَاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفقُونَ أُولَئِكَ هم الْمُؤْمِنُونَ حَقًا﴾ [الْأَنْفَال: ٢ - ٤] .

стр. 505

وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ لوفد عبد الْقَيْس: " آمركُم بِأَرْبَع: الْإِيمَان بِاللَّه، وَهل تَدْرُونَ مَا الْإِيمَان بِاللَّه؟ شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، وإقام الصَّلَاة، وإيتاء الزَّكَاة، وَصَوْم رَمَضَان، وَأَن تعطوا من الْمَغَانِم الْخمس) . وَفِيهِمَا / عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ: " الْإِيمَان بضع وَسِتُّونَ شُعْبَة، فأفضلها قَول لَا إِلَه إِلَّا الله، وَأَدْنَاهَا إمَاطَة الْأَذَى عَن الطَّرِيق، وَالْحيَاء شُعْبَة من الْإِيمَان ". وَفِيهِمَا عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ َ - أَنه قَالَ: " لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن ... " الحَدِيث .

стр. 506

فلولا أَن ترك هَذِه الْكَبَائِر من مُسَمّى الْإِيمَان لما انْتَفَى اسْم الْإِيمَان عَن مرتكب شَيْء مِنْهَا؛ لِأَن الِاسْم لَا يَنْتَفِي إِلَّا بِانْتِفَاء بعض أَرْكَان الْمُسَمّى أَو واجباته) انْتهى. وَقَالَ الْأَشْعَرِيّ وَأكْثر أَصْحَابه: هُوَ لُغَة وَشرعا: التَّصْدِيق، وَالْأَفْعَال من شرائعه لَا من نَفسه، ونصروا مَعَ ذَلِك أَنه يسْتَثْنى مِنْهُ، وَلَا تدخل أَعمال الْقُلُوب عِنْدهم فِي الْإِيمَان. وَاسْتَدَلُّوا على أَن الْأَعْمَال غير دَاخِلَة فِي الْإِيمَان بِوُجُوه: أَحدهَا: أَنه اسْم للتصديق، وَلَا دَلِيل على النَّقْل إِلَى غَيره. الثَّانِي: النَّص وَالْإِجْمَاع على أَنه لَا ينفع عِنْد مُعَاينَة الْعَذَاب، وَيُسمى إِيمَان الْيَأْس، وَلَا خَفَاء أَن ذَلِك التَّصْدِيق وَالْإِقْرَار، [إِذْ لَا مجَال للأعمال] . الثَّالِث: النُّصُوص الدَّالَّة على الْأَوَامِر والنواهي بعد إِثْبَات الْإِيمَان، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كتب عَلَيْكُم الصّيام﴾ [الْبَقَرَة: ١٨٣] . الرَّابِع: النُّصُوص الدَّالَّة على أَن الْإِيمَان والأعمال أَمْرَانِ يتفارقان، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات﴾ [الْبَقَرَة: ٢٧٧،

стр. 507

وَالْبَيِّنَة: ٧] ، ﴿وَمن يُؤمن بِاللَّه وَيعْمل صَالحا﴾ [التغابن: ٩، وَالطَّلَاق: ١١] ، ﴿وَمن يَأْته مُؤمنا قد عمل الصَّالِحَات﴾ [طه: ٧٥] ، ﴿وَمن يعْمل من الصَّالِحَات وَهُوَ مُؤمن﴾ [طه: ١١٢] . الْخَامِس: الْآيَات الدَّالَّة على أَن الْإِيمَان والمعاصي قد يَجْتَمِعَانِ، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿الَّذين آمنُوا وَلم يلبسوا إِيمَانهم بظُلْم﴾ [الْأَنْعَام: ٨٢] ، ﴿وَالَّذين أمنُوا وَلم يهاجروا﴾ [الْأَنْفَال: ٧٢] ، ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ من الْمُؤمنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] . السَّادِس: الْإِجْمَاع على أَن الْإِيمَان شَرط لصِحَّة الْعِبَادَات. وَخبر جِبْرِيل الَّذِي فِي مُسلم يدل على الْفرق، فَإِنَّهُ قَالَ: يَا مُحَمَّد أَخْبرنِي عَن الْإِسْلَام، فَقَالَ: " أَن تشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، / وتقيم الصَّلَاة، وتؤتي الزَّكَاة، وتصوم رَمَضَان، وتحج الْبَيْت إِن اسْتَطَعْت إِلَيْهِ سَبِيلا) ، قَالَ: صدقت، قَالَ: فَأَخْبرنِي عَن الْإِيمَان، قَالَ: " أَن تؤمن بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَالْيَوْم الآخر وتؤمن بِالْقدرِ خَيره وشره "، قَالَ: " صدقت ... " الحَدِيث. فَفرق ﷺ َ - بَين الْإِسْلَام وَالْإِيمَان، وَأدْخل الْأَعْمَال فِي مُسَمّى الْإِسْلَام، دون مُسَمّى الْإِيمَان. قَالَ الْعَلامَة ابْن رَجَب فِي " شرح النووية ": (وَجه الْجمع بَين النُّصُوص الْمُتَقَدّمَة، وَبَين حَدِيث سُؤال جِبْرِيل، يَتَّضِح بتقرير أصل، وَهُوَ:

стр. 508

أَن من الْأَسْمَاء مَا يكون شَامِلًا لمسميات مُتعَدِّدَة عِنْد إِفْرَاده وإطلاقه، فَإِذا قرن ذَلِك الِاسْم بِغَيْرِهِ صَار دَالا على بعض تِلْكَ المسميات، وَالِاسْم المقرون بِهِ دَالا على بَاقِيهَا، وَهَذَا كاسم الْفَقِير والمسكين، فَإِذا أفرد أَحدهمَا دخل فِيهِ كل من هُوَ مُحْتَاج، فَإِذا قرن أَحدهمَا بِالْآخرِ، دلّ أحد الاسمين على بعض أَنْوَاع ذَوي الْحَاجَات، وَالْآخر على بَاقِيه، فَهَكَذَا اسْم الْإِسْلَام وَالْإِيمَان، إِذا أفرد أَحدهمَا دخل فِيهِ الآخر، وَدلّ بِانْفِرَادِهِ على مَا يدل عَلَيْهِ الآخر بِانْفِرَادِهِ، فَإِذا قرن بَينهمَا، دلّ أَحدهمَا على بعض مَا يدل عَلَيْهِ بِانْفِرَادِهِ، وَدلّ الآخر على الْبَاقِي. وَقد صرح بِهَذَا الْمَعْنى جمَاعَة من الْأَئِمَّة، مِنْهُم أَبُو بكر الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رسَالَته إِلَى أهل الْجَبَل، وَمِنْهُم الْخطابِيّ فِي كِتَابه " معالم السّنَن " - وَذكر ابْن رَجَب لَفْظهمَا وتبعهما عَلَيْهِ جمَاعَة من الْعلمَاء.

стр. 509

وَيدل على صِحَة ذَلِك: أَن النَّبِي ﷺ َ - فسر الْإِيمَان عِنْد ذكره مُفردا فِي حَدِيث وَفد عبد الْقَيْس، بِمَا فسر بِهِ الْإِسْلَام المقرون بِالْإِيمَان، فِي حَدِيث جِبْرِيل، وَفسّر فِي حَدِيث آخر الْإِسْلَام بِمَا فسر بِهِ الْإِيمَان، كَمَا فِي " الْمسند " عَن عَمْرو بن عبسة، قَالَ: جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﷺ َ - فَقَالَ: يَا رَسُول الله مَا الْإِسْلَام؟ قَالَ: " أَن تسلم قَلْبك لله، وَأَن يسلم الْمُسلمُونَ من لسَانك ويدك "، قَالَ: فَأَي الْإِسْلَام أفضل؟ قَالَ: " الْإِيمَان "، قَالَ: وَمَا الْإِيمَان؟ قَالَ: أَن تؤمن بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله والبعث بعد الْمَوْت "، قَالَ: فَأَي الْإِيمَان أفضل؟ قَالَ: " الْهِجْرَة "، قَالَ: فَمَا الْهِجْرَة؟ قَالَ: " أَن تهجر / السوء " قَالَ: فَأَي الْهِجْرَة أفضل؟ قَالَ: " الْجِهَاد ". فَجعل النَّبِي ﷺ َ - الْإِيمَان أفضل الْإِسْلَام وَأدْخل فِيهِ الْأَعْمَال. - قَالَ ابْن رَجَب وَبِهَذَا التَّفْصِيل يظْهر تَحْقِيق القَوْل فِي مَسْأَلَة الْإِيمَان وَالْإِسْلَام، هَل هما وَاحِد، أَو مُخْتَلِفَانِ؟) . وَيَأْتِي ذَلِك فِي الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة .

стр. 510

وَقَالَ أَبُو حنيفَة، وَحَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان، والمرجئة، وَابْن كلاب، وَغَيرهم: هُوَ تَصْدِيق بِالْقَلْبِ وَعمل بِاللِّسَانِ. وَتبع أَبَا حنيفَة كثير من أَصْحَابه، وَعَزاهُ فِي " شرح الْمَقَاصِد " إِلَى كثير من الْمُحَقِّقين. وَمِنْهُم من يَقُول: الْإِقْرَار بِاللِّسَانِ ركن زَائِد لَيْسَ بأصلي، وَذهب إِلَيْهِ أَبُو مَنْصُور الماتريدي من الْحَنَفِيَّة، ويروى عَن أبي حنيفَة، نَقله

стр. 511

ابْن الْعِزّ فِي " شرح عقيدة الطَّحَاوِيّ "، وَقَالَ: (الِاخْتِلَاف بَين الْأَئِمَّة وَبَين أبي حنيفَة وَأَصْحَابه اخْتِلَاف صوري، فَإِن كَون أَعمال الْجَوَارِح لَازِمَة لإيمان الْقلب أَو جُزْءا من الْإِيمَان، مَعَ الِاتِّفَاق على أَن مرتكب الْكَبِيرَة لَا يخرج عَن الْإِيمَان، بل هُوَ فِي مَشِيئَة الله تَعَالَى، إِن شَاءَ عذبه، وَإِن شَاءَ عَفا عَنهُ، نزاع لَفْظِي، لَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ فَسَاد اعْتِقَاد) انْتهى. وَيدخل أَكثر فرق المرجئة أَعمال الْقُلُوب فِي الْإِيمَان، حَكَاهُ الْأَشْعَرِيّ عَنْهُم. قَالَ بعض المرجئة: كَمَا لَا ينفع مَعَ الْكفْر طَاعَة، لَا يضر مَعَ الْإِيمَان

стр. 512

مَعْصِيّة، وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي " تَارِيخه " عَن أبي حنيفَة، وَأبي يُوسُف. وَقَالَ بَعضهم: لَا يضر مَعَه صَغِيرَة. قَالَ الإِمَام عبد الله بن الْمُبَارك:.

стр. 513

(المرجئة تَقول: حَسَنَاتنَا متقبلة وسيئاتنا مغفورة) . وَقَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (مَذْهَب المرجئة: تَصْدِيق النَّبِي ﷺ َ - فِي كل أَمر ديني علم مَجِيئه بِهِ ضَرُورَة، فَيكون من الْحَقَائِق الشَّرْعِيَّة نَظِير الصَّوْم وَالصَّلَاة وَالْحج؛ لِأَنَّهُ تَصْدِيق خَاص) انْتهى. وَقَالَت الْجَهْمِية، والشيعة، أَبُو الْحُسَيْن الصَّالِحِي / من الْقَدَرِيَّة، وَغَيرهم: الْإِيمَان: الْمعرفَة، وَذكره بعض أَصْحَابنَا عَن الْأَشْعَرِيّ وَأكْثر أَصْحَابه، نَقله ابْن مُفْلِح.

стр. 514

قَالَ فِي " شرح الْمَقَاصِد ": (وَقد يمِيل إِلَيْهِ الْأَشْعَرِيّ) وَبَعْضهمْ فرق بَينهمَا، وَفِيه نظر. قَالَ ابْن الْعِزّ فِي " شرح عقيدة الطَّحَاوِيّ " وَغَيره: (قَول الْجَهْمِية بَاطِل، فَإِن لَازمه: أَن فِرْعَوْن وَقَومه كَانُوا مُؤمنين، فَإِنَّهُم عرفُوا صدق مُوسَى وَهَارُون صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِمَا -، وَلم يُؤمنُوا بهما، وَلِهَذَا قَالَ مُوسَى لفرعون: ﴿قَالَ لقد علمت مَا أنزل هَؤُلَاءِ إِلَّا رب السَّمَوَات وَالْأَرْض بصائر﴾ [الْإِسْرَاء: ١٠٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وجحدوا بهَا واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فَانْظُر كَيفَ كَانَ عَاقِبَة المفسدين﴾ [النَّمْل: ١٤] . وَأهل الْكتاب كَانُوا يعْرفُونَ النَّبِي ﷺ َ - كَمَا يعْرفُونَ أَبْنَاءَهُم، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿الَّذين أتيناهم الْكتاب يعرفونه كَمَا يعْرفُونَ أَبْنَاءَهُم وَإِن فريقاً مِنْهُم ليكتمون الْحق وهم يعلمُونَ﴾ [الْبَقَرَة: ١٤٦] ، وَقَالَ تَعَالَى: وَإِن الَّذين أُوتُوا الْكتاب ليعلمون أَنه الْحق من رَبهم﴾ [الْبَقَرَة: ١٤٤] ، وَلم يَكُونُوا مُؤمنين، بل كَانُوا كَافِرين معاندين لَهُ. وَكَذَلِكَ أَبُو طَالب يكون مُؤمنا عِنْدهم، فَإِنَّهُ قَالَ:

стр. 515

(وَلَقَد علمت بِأَن دين مُحَمَّد ... من خير أَدْيَان الْبَريَّة دينا) (لَوْلَا الْمَلَامَة أَو حذار مسَبَّة ... لَوَجَدْتنِي سَمحا بِذَاكَ مُبينًا) بل إِبْلِيس يكون عِنْد جهم مُؤمنا كَامِل الْإِيمَان، فَإِنَّهُ لم يجهل ربه بل هُوَ عَارِف، ﴿قَالَ رب فأنظرني إِلَى يَوْم يبعثون﴾ [الْحجر: ٣٦، ص: ٧٩] ، ﴿قَالَ رب بِمَا أغويتني﴾ [الْحجر: ٣٩] ، ﴿قَالَ فبعزتك لأغوينهم﴾ [ص: ٨٢] . وَالْكفْر عِنْد الجهم وشيعته هُوَ: الْجَهْل بالرب، وَلَا أحد أَجْهَل مِنْهُ بربه، فَإِنَّهُ جعله الْوُجُود الْمُطلق، وسلب عَنهُ جَمِيع صِفَاته، وَلَا جهل أَكثر من هَذَا، فَيكون كَافِرًا بِشَهَادَتِهِ على نَفسه. وَقَالَت الكرامية: الْإِيمَان هُوَ: القَوْل بِاللِّسَانِ فَقَط، لتنَاوله الْمُنَافِقين فِي أَحْكَام الدُّنْيَا، فهم عِنْدهم مُؤمنُونَ كاملو الْإِيمَان، ويستحقون الْوَعيد الَّذِي وعدهم الله بِهِ. قَالَ فِي " شرح الْمَقَاصِد ": / (فَمن أضمر الْكفْر وَأظْهر الْإِيمَان يكون

стр. 516

مُؤمنا، إِلَّا أَنه يسْتَحق الخلود فِي النَّار عِنْدهم، وَمن أضمر الْإِيمَان وَأظْهر الْكفْر لَا يكون مُؤمنا، وَمن أضمر الْإِيمَان وَلم يتَّفق مِنْهُ الْإِظْهَار وَالْإِقْرَار لم يسْتَحق الْجنَّة) . فَائِدَة: يمتاز التَّصْدِيق عَن الْمعرفَة وَالْعلم بربط الْقلب على الْمُؤمن بِهِ، وَلذَلِك يُثَاب عَلَيْهِ، وَحَاصِله: أَنه لَا يُجَامع الْإِنْكَار، بِخِلَاف الْمعرفَة وَالْعلم، قَالَ تَعَالَى: ﴿يعرفونه كَمَا يعْرفُونَ أَبْنَاءَهُم﴾ [الْبَقَرَة: ١٤٦، والأنعام: ٢٠] ، وَقَالَ مُوسَى لفرعون: ﴿لقد علمت مَا أنزل هَؤُلَاءِ إِلَّا رب السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ [الْإِسْرَاء: ١٠٢] ، فَمن صدق بِقَلْبِه وَلم يتَمَكَّن من التَّلَفُّظ فإيمانه منج عِنْد الله، وَكَذَا الَّذِي بِهِ آفَة كالخرس، وَأما غَيرهمَا من الْقَادِر المتمكن فَلَا يشْتَرط التَّلَفُّظ فِي حَقه إِلَّا لإجراء أَحْكَام الْمُسلمين عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا، من الصَّلَاة عَلَيْهِ، وَدَفنه فِي مَقَابِر الْمُسلمين؛ قَالَه فِي " شرح الْمَقَاصِد ". وَقَالَت الْمُعْتَزلَة: الْإِيمَان هُوَ فعل الْوَاجِبَات. قَالَ الْحَافِظ أَبُو الْفضل ابْن حجر: (قَالَت الْمُعْتَزلَة: هُوَ الْعَمَل والنطق والاعتقاد) انْتهى. وبسببه؛ ذَهَبُوا إِلَى إِثْبَات مرتبَة لِلْفَاسِقِ الملي، بَين مرتبَة الْكفْر وَالْإِيمَان.

стр. 517

قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (وَالْفرق بَين مَذْهَبهم وَمذهب السّلف من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن السّلف لَا يخرجُون الْفَاسِق عَن مُطلق الْإِيمَان. وَالثَّانِي: اندراج المندوبات فِي مُسَمّى الْإِيمَان) انْتهى. قَالَ الْحَافِظ أَبُو الْفضل: (والفارق بَينهم وَبَين السّلف: أَنهم جعلُوا الْأَعْمَال شرطا فِي صِحَّته، وَالسَّلَف جعلوها شرطا فِي كَمَاله. - قَالَ -: وَهَذَا كُله كَمَا قُلْنَا بِالنّظرِ إِلَى مَا عِنْد الله، أما بِالنّظرِ إِلَى مَا عندنَا، فالإيمان هُوَ: الْإِقْرَار فَقَط، فَمن أقرّ أجريت عَلَيْهِ الْأَحْكَام فِي الدُّنْيَا، وَلم يحكم عَلَيْهِ بِكفْر إِلَّا أَن اقْترن بِهِ فعل يدل على كفره / كالسجود للصنم، فَإِن كَانَ الْفِعْل لَا يدل على الْكفْر كالفسق، فَمن أطلق عَلَيْهِ الْإِيمَان فبالنظر إِلَى إِقْرَاره، وَمن نفى عَنهُ الْإِيمَان فبالنظر إِلَى كَمَاله، وَمن أطلق عَلَيْهِ الْكفْر فبالنظر إِلَى فعل الْكَافِر، وَمن نَفَاهُ عَنهُ فبالنظر إِلَى حَقِيقَته، وأثبتت الْمُعْتَزلَة الْوَاسِطَة فَقَالُوا: (الْفَاسِق لَا مُؤمن وَلَا كَافِر) انْتهى. قَوْله: وَعند أبي حنيفَة، وَأَصْحَابه، وَغَيرهم الْجَهْمِية، والمرجئة، والكرامية -: إِيمَان النَّاس كلهم سَوَاء، لَا يزِيد وَلَا ينقص، وَلَا اسْتثِْنَاء فِيهِ، وَقَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي فِي الأولى. فِي ضمن هَذَا الْكَلَام مَسْأَلَتَانِ: مَسْأَلَة زِيَادَة الْإِيمَان ونقصانه، وَمَسْأَلَة الِاسْتِثْنَاء فِيهِ، فَالْكَلَام الْمُتَقَدّم على معنى الْإِيمَان وَهِي الْمَسْأَلَة الأولى.

стр. 518

الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة من الْأَرْبَع، وَهِي: مَسْأَلَة زِيَادَة الْإِيمَان ونقصانه: وَمذهب السّلف قاطبة أَنه يزِيد وَينْقص، وَنَقله ابْن أبي حَاتِم، واللالكائي، بِالْأَسَانِيدِ عَن جمع من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، وَحَكَاهُ

стр. 519

الفضيل بن عِيَاض، ووركيع بن الْجراح، عَن أهل السّنة وَالْجَمَاعَة، وَنَقله عبد الرَّزَّاق عَن سُفْيَان الثَّوْريّ وَمَالك بن أنس

стр. 520

وَالْأَوْزَاعِيّ وَابْن جريج وَمعمر وَغَيرهم، وَهَؤُلَاء فُقَهَاء الْأَمْصَار فِي عصرهم. وَنَقله اللالكائي عَن الشَّافِعِي وَأحمد وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه

стр. 521

وَأبي عبيد وَغَيرهم من الْأَئِمَّة. وروى بِسَنَدِهِ الصَّحِيح عَن البُخَارِيّ قَالَ: (لقِيت أَكثر من ألف رجل من الْعلمَاء بالأمصار، فَمَا رَأَيْت أحدا مِنْهُم يخْتَلف فِي أَن الْإِيمَان قَول وَعمل يزِيد وَينْقص) . قَالَ النَّوَوِيّ: (وَالْأَظْهَر الْمُخْتَار: أَن التَّصْدِيق يزِيد وَينْقص بِكَثْرَة النّظر ووضوح الْأَدِلَّة، وَلِهَذَا كَانَ إِيمَان الصديقين أقوى من إِيمَان غَيرهم، بِحَيْثُ لَا يَعْتَرِيه شُبْهَة، وَيُؤَيِّدهُ: أَن كل أحد يعلم أَن مَا فِي قلبه [يتفاضل] حَتَّى إِنَّه يكون فِي بعض الأحيان أعظم يَقِينا وإخلاصاً وتوكلاً مِنْهُ فِي بَعْضهَا، وَكَذَلِكَ فِي التَّصْدِيق / والمعرفة بِحَسب ظُهُور الْبَرَاهِين وَكَثْرَتهَا. وَقد نقل مُحَمَّد بن نصر الْمروزِي عَن جمَاعَة من الْأَئِمَّة نَحْو

стр. 522

ذَلِك، قَالَه الْحَافِظ أَبُو الْفضل. وَقَالَ فِي " شرح الْمَقَاصِد ": (هُوَ مَذْهَب الأشاعرة والمعتزلة؛ لِأَن الْيَقِين يقبل التَّفَاوُت؛ لِأَنَّهُ مَرَاتِب من أجلى البديهيات إِلَى خَفِي النظريات، وَكَون التَّفَاوُت رَاجعا إِلَى مُجَرّد الْجلاء والخفاء غير مُسلم، بل عِنْد الْحُضُور وَزَوَال التَّرَدُّد، التَّفَاوُت [بِحَالهِ] ، وَكَفاك قَول الْخَلِيل ﵊ مَعَ مَا كَانَ لَهُ من التَّصْدِيق: ﴿وَلَكِن لِيَطمَئِن قلبِي﴾ [الْبَقَرَة: ٢٦٠] . وَعَن عَليّ ﵁ قَالَ: (لَو كشف الغطاء مَا ازدت يَقِينا) . [وَلَو لم] يتَفَاوَت لَكَانَ إِيمَان آحَاد الْأمة، بل المنهمكين فِي الْفسق، مُسَاوِيا لتصديق الْأَنْبِيَاء وَالْمَلَائِكَة، وَاللَّازِم بَاطِل قطعا) . وَقد وَردت النُّصُوص الْكَثِيرَة جدا بِزِيَادَة الْإِيمَان ونقصانه، وَمَا قيل من الْأَجْوِبَة عَن ذَلِك فمردود، والأدلة على ذَلِك كَثِيرَة، وَقد تقدم النَّقْل عَمَّن قَالَ بهَا.

стр. 523

وَذهب أَبُو حنيفَة، وَأَصْحَابه، وَكثير من الْعلمَاء، وَاخْتَارَهُ إِمَام الْحَرَمَيْنِ: أَنه لَا يزِيد وَلَا ينقص؛ لِأَنَّهُ اسْم للتصديق الْبَالِغ حد الْجَزْم والإذعان، وَلَا تتَصَوَّر فِيهِ الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان، والمصدق إِذا ضم الطَّاعَات إِلَيْهِ، أَو ارْتكب الْمعاصِي، فتصديقه بِحَالهِ لم يتَغَيَّر أصلا، وَإِنَّمَا يتَفَاوَت إِذا كَانَ اسْما للطاعات المتفاوتة قلَّة وَكَثْرَة، وَلِهَذَا قَالَ الرَّازِيّ وَغَيره: (هَذَا الْخلاف فرع تَفْسِير الْإِيمَان، فَإِن قُلْنَا: هُوَ التَّصْدِيق فَلَا تفَاوت، وَإِن قُلْنَا: هُوَ الْأَعْمَال فمتفاوت) . وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ: (إِذا حملنَا الْإِيمَان على التَّصْدِيق فَلَا يفضل تَصْدِيق تَصْدِيقًا، كَمَا لَا يفضل علم علما، وَمن حمله على الطَّاعَة سرا وعلنا - وَقد مَال إِلَيْهِ / القلانسي فَلَا يبعد إِطْلَاق القَوْل بِأَنَّهُ يزِيد بِالطَّاعَةِ وَينْقص بالمعصية، وَنحن لَا نؤثر هَذَا) . وَقَالَ الرَّازِيّ: (وَجه التَّوْفِيق: أَن مَا يدل على أَن الْإِيمَان لَا يتَفَاوَت مَصْرُوف إِلَى أَصله، وَمَا يدل على أَنه يتَفَاوَت مَصْرُوف إِلَى الْكَامِل مِنْهُ) . فَائِدَة: قَالَ الإِمَام أَحْمد: (وَمن قَالَ: الْإِيمَان مَخْلُوق، فقد كفر،

стр. 524

وَمن قَالَ: غير مَخْلُوق، ابتدع) . وَقيل: بِالْوَقْفِ مُطلقًا، وَقيل: فِي الْأَفْعَال، وَقيل: أَقْوَاله قديمَة وأفعاله مخلوقة، وَهُوَ أصح، ذكر ذَلِك كُله ابْن أبي مُوسَى وَغَيره. وَقيل: الْإِيمَان غير مَخْلُوق، وَفِي أَفعاله الْخلق، وَعَدَمه، وَالْوَقْف عَنْهَا. وَقيل: الْوَقْف فِي فعله، وتصديق الله نَفسه وَالْمُؤمنِينَ بِكَلَام غير مَخْلُوق، وَكَذَا تِلَاوَة الْقُرْآن وَذكر الله بِالتَّوْحِيدِ وَالثنَاء عَلَيْهِ غير مَخْلُوق، وَالْأَفْعَال مخلوقة. وَقيل: الْإِيمَان قديم من غير تَفْصِيل، وَلَيْسَ المُرَاد الْعَمَل، نَقله ابْن حمدَان. الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة: فِي الِاسْتِثْنَاء فِيهِ:

стр. 525

وَالصَّحِيح: أَنه يدْخلهُ الِاسْتِثْنَاء، فَتَقول: أَنا مُؤمن إِن شَاءَ الله. وَقد نَص عَلَيْهِ الإِمَام أَحْمد، وَغَيره من الْأَئِمَّة، كَالْإِمَامِ الشَّافِعِي، وَغَيره. وَحكي عَن ابْن مَسْعُود: أَنه يدْخلهُ الِاسْتِثْنَاء، فَيُقَال: أَنا مُؤمن إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قَالَ ابْن عقيل: (يسْتَحبّ أَن يَقُول: أَنا مُؤمن إِن شَاءَ الله، وَلَا يقطع لنَفسِهِ) .

стр. 526

وَمنعه كثير من الْعلمَاء، وَعَلِيهِ أَبُو حنيفَة، وَأَصْحَابه. قَالَ فِي " شرح الْمَقَاصِد ": (وَعَلِيهِ الْأَكْثَر؛ لِأَن التَّصْدِيق أَمر مَعْلُوم لَا يتَرَدَّد فِيهِ عِنْد تحَققه، وَمن تردد فِي تحَققه لم يكن مُؤمنا قطعا، وَإِذا لم يكن الشَّك والتردد فَالْأولى أَن يتْرك، بل يَقُول: أَنا مُؤمن حقاًدفعا للإيهام. قَالَ ابْن حمدَان: (وَلَا يكفر من قَالَ: أَنا مُؤمن حَقًا، نَص عَلَيْهِ أَحْمد) . وَقيل: يكره قَوْله ذَلِك. وللقائلين بِالْأولِ وُجُوه. الأول: أَنه للتبرك / بِذكر الله تَعَالَى، والتأدب بإحالة الْأُمُور إِلَى مَشِيئَة الله تَعَالَى، والتبري من تَزْكِيَة النَّفس والإعجاب بِحَالِهَا، والتردد فِي الْعَاقِبَة والمآل، وَهَذَا يُفِيد مُجَرّد الصِّحَّة، لَا إِيثَار قَوْلهم: أَنا مُؤمن إِن شَاءَ الله على أَنا مُؤمن حَقًا، وَلَا يدْفع مَا ذكر من دفع الْإِيهَام، وَلَا يبين وَجه اخْتِصَاص التأدب والتبرك بِالْإِيمَان دون غَيره من الطَّاعَات. الْوَجْه الثَّانِي: أَن التَّصْدِيق الإيماني المنوط بِهِ النجَاة أَمر قلبِي خَفِي، لَهُ معارضات خُفْيَة كَثِيرَة من الْهوى والشيطان والخذلان، فالمرء وَإِن كَانَ

стр. 527

جَازِمًا بحصوله، لَكِن لَا يُؤمن أَن يشوبه شَيْء من منافيات النجَاة، وَلَا سِيمَا عِنْد تفاصيل الْأَوَامِر والنواهي الصعبة، الْمُخَالفَة للهوى والمستلذات، من غير علم لَهُ بذلك، فَلذَلِك يُفَوض حُصُوله إِلَى مَشِيئَة الله. وَهَذَا قريب، لَوْلَا مُخَالفَته لما يَدعِيهِ الْقَوْم من الْإِجْمَاع، قَالَه فِي " شرح الْمَقَاصِد ". الْوَجْه الثَّالِث: - مَا قَالَه إِمَام الْحَرَمَيْنِ -: (أَن الْإِيمَان ثَابت فِي الْحَال قطعا من غير شكّ فِيهِ، لَكِن الْإِيمَان الَّذِي هُوَ علم الْفَوْز وَآيَة النجَاة: إِيمَان الموافاة، فاعتنى السّلف بِهِ وقرنوه بِالْمَشِيئَةِ، وَلم يقصدوا الشَّك فِي الْإِيمَان الناجز) . وَقَالَ بعض الْمُحَقِّقين: (النَّاس فِي هَذِه الْمَسْأَلَة على ثَلَاثَة أَقْوَال، طرفان ووسط: مِنْهُم من يُوجِبهُ، وَمِنْهُم من يحرمه، وَمِنْهُم من يُجِيزهُ بِاعْتِبَار ويمنعه بِاعْتِبَار، وَهَذَا أصح الْأَقْوَال. أما من يُوجِبهُ فَلهم مأخذان: أَحدهمَا: أَن الْإِيمَان هُوَ مَا مَاتَ عَلَيْهِ الْإِنْسَان، وَالْإِنْسَان إِنَّمَا يكون عِنْد الله مُؤمنا أَو كَافِرًا بِاعْتِبَار الموافاة، وَمَا سبق فِي علم الله أَن يكون عَلَيْهِ، وَمَا قبل ذَلِك لَا عِبْرَة بِهِ، وَالْإِيمَان الَّذِي يتعقبه الْكفْر فَيَمُوت صَاحبه كَافِرًا لَيْسَ بِالْإِيمَان، كَالصَّلَاةِ الَّتِي أفسدها صَاحبهَا قبل الْكَمَال، وَالصِّيَام الَّذِي يفْطر صَاحبه قبل الْغُرُوب، وَهَذَا مَأْخَذ كثير من الْكلابِيَّة وَغَيرهم، وَعند

стр. 528

هَؤُلَاءِ أَن الله يحب فِي الْأَزَل من كَانَ كَافِرًا إِذا علم مِنْهُ أَن يَمُوت مُؤمنا، فالصحابة / مازالوا محبوبين قبل إسْلَامهمْ، وإبليس وَمن ارْتَدَّ عَن دينه مَا زَالَ الله يبغضه وَإِن كَانَ لم يكفر بعد. [ورد] ذَلِك: بِأَن هَذَا لَيْسَ مُرَاد السّلف فِي الِاسْتِثْنَاء. ثمَّ صَار إِلَى هَذَا طَائِفَة غلوا فِيهِ، حَتَّى صَار الرجل مِنْهُم يَسْتَثْنِي فِي الْأَعْمَال الصَّالِحَة يَقُول: صليت إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَنَحْوه، يَعْنِي: الْقبُول، ثمَّ صَار كثير يستثنون فِي كل شَيْء، فَيَقُول أحدهم: هَذَا ثوب إِن شَاءَ الله تَعَالَى، هَذَا حَبل إِن شَاءَ الله، فَإِذا قيل لَهُم: هَذَا لَا شكّ فِيهِ، يَقُولُونَ: نعم، لَكِن إِذا شَاءَ الله أَن يُغَيِّرهُ غَيره. المأخذ الثَّانِي: أَن الْإِيمَان الْمُطلق يتَضَمَّن فعل مَا أَمر الله بِهِ عَبده كُله، وَترك مَا نَهَاهُ عَنهُ كُله، فَإِذا قَالَ الرجل: أَنا مُؤمن بِهَذَا الإعتبار فقد شهد لنَفسِهِ أَنه من الْأَبْرَار الْمُتَّقِينَ، القائمين بِجَمِيعِ مَا أَمر بِهِ وَترك مَا نهى الله عَنهُ، فَيكون من أَوْلِيَاء الله المقربين، وَهَذَا من تَزْكِيَة الْإِنْسَان لنَفسِهِ وَلَو كَانَت هَذِه الشَّهَادَة صَحِيحَة؛ لَكَانَ يَنْبَغِي أَن يشْهد لنَفسِهِ بِالْجنَّةِ إِن مَاتَ على هَذَا الْحَال، وَهَذَا مَأْخَذ عَامَّة السّلف الَّذين كَانُوا يستثنون، وَإِن جوزوا ترك الِاسْتِثْنَاء بِمَعْنى آخر. ويحتجون أَيْضا -: بِجَوَاز الِاسْتِثْنَاء فِيمَا لَا شكّ فِيهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لتدخلن الْمَسْجِد الْحَرَام إِن شَاءَ الله﴾ [الْفَتْح: ٢٧] ، وَقَالَ ﷺ َ - حِين وقف على الْمَقَابِر: " وَإِنَّا إِن شَاءَ الله بكم لاحقون ".

стр. 529

وَأما من يحرمه فَكل من جعل الْإِيمَان شَيْئا وَاحِدًا، فَيَقُول: أَنا أعلم أَنِّي مُؤمن، كَمَا أعلم أَنِّي تَكَلَّمت بِالشَّهَادَتَيْنِ، [فَقولِي: أَنا مُؤمن] [كَقَوْلي] : أَنا مُسلم، فَمن اسْتثْنى فِي إيمَانه فَهُوَ شَاك، فِيهِ، وَسموا الذيت يستثنون فِي إِيمَانهم: الشكاكة. وَأَجَابُوا عَن الِاسْتِثْنَاء الَّذِي فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لتدخلن الْمَسْجِد الْحَرَام إِن شَاءَ الله آمِنين﴾ [الْفَتْح: ٢٧] ، بِأَنَّهُ يعود إِلَى الْأَمْن وَالْخَوْف، فَأَما الدُّخُول فَلَا شكّ فِيهِ، وَقيل: لتدخلن جميعكم أَو بَعْضكُم؛ لِأَنَّهُ علم أَنه يَمُوت بَعضهم. وَفِي الْجَواب نظر: فَإِنَّهُم وَقَعُوا فِيمَا فروا مِنْهُ، فَأَما الْأَمْن وَالْخَوْف فقد أخبر أَنهم يدْخلُونَ آمِنين، مَعَ علمه بذلك، فَلَا شكّ فِي الدُّخُول، وَلَا فِي الْأَمْن، وَلَا فِي دُخُول الْجَمِيع أَو الْبَعْض، فَإِن الله تَعَالَى قد علم من يدْخل، فَلَا شكّ فِيهِ أَيْضا، فَكَانَ قَول (إِن شَاءَ الله) هُنَا / تَحْقِيقا للدخول، كَمَا

стр. 530

يَقُول الرجل فِيمَا عزم على أَن يَفْعَله لَا محَالة: وَالله لَأَفْعَلَنَّ كَذَا إِن شَاءَ الله، لَا يَقُولهَا لشك فِي إِرَادَته وعزمه. وَأجِيب بِجَوَاب آخر لَا بَأْس بِهِ وَهُوَ: أَنه قَالَ ذَلِك تَعْلِيما لنا كَيفَ نستثني إِذا أخبرنَا عَن مُسْتَقْبل، وَكَون هَذَا مرَادا من النَّص فِيهِ نظر. وَأما من يجوز الِاسْتِثْنَاء وَتَركه باعتبارين، فَهُوَ أسعد بِالدَّلِيلِ من الْفَرِيقَيْنِ. فَإِنَّهُ يَقُول: إِن أَرَادَ المستثني الشَّك فِي أصل إيمَانه منع من الِاسْتِثْنَاء، وَهَذَا لَا خلاف فِيهِ، وَإِن أَرَادَ أَنه مُؤمن من الْمُؤمنِينَ الَّذين وَصفهم الله فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذين إِذا ذكر الله وجلت قُلُوبهم وَإِذا تليت عَلَيْهِم آيَاته زادتهم إِيمَانًا وعَلى رَبهم يَتَوَكَّلُونَ الَّذين يُقِيمُونَ الصَّلَاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفقُونَ أُولَئِكَ هم الْمُؤْمِنُونَ حَقًا﴾ [الْأَنْفَال: ٢ - ٤] ، وَفِي قَوْله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذين آمنُوا بِاللَّه وَرَسُوله ثمَّ لم يرتابوا وَجَاهدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم فِي سَبِيل الله أُولَئِكَ هم الصادقون﴾ [الحجرات: ١٥] ، فالاستثناء حِينَئِذٍ جَائِز، وَكَذَلِكَ من اسْتثْنى وَأَرَادَ عدم علمه بالعاقبة، وَكَذَلِكَ من اسْتثْنى تَعْلِيقا لِلْأَمْرِ بِمَشِيئَة الله تَعَالَى، لَا شكا فِي إيمَانه) انْتهى. قَالَ: وَهَذَا غَايَة مَا يكون من التَّحْقِيق. تَنْبِيه: لَا يجوز الِاسْتِثْنَاء فِي الْإِسْلَام، فَيَقُول: أَنا مُسلم إِن شَاءَ الله
следующие страницы →