← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6336

التحبير شرح التحرير

المرداوي

Полный текст (4 267 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

(لَا أَقُول فرضا إِلَّا مَا كَانَ فِي كتاب الله) . وَفِي رِوَايَة الْأَثْرَم: قيل لَهُ: (هَل يُقَال: بر الْوَالِدين فرض؟) ، فَقَالَ: (لَا، وَلَكِن أَقُول وَاجِب مَا لم يكن مَعْصِيّة) . قلت: وَلِهَذَا اخْتلفت الرِّوَايَة عَنهُ فِي الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق، هَل يسميان فرضا أم لَا؟ على الرِّوَايَتَيْنِ عَن الإِمَام أَحْمد، بِنَاء على تنَاول الْقُرْآن لَهَا. وَكَذَا الرِّوَايَتَانِ فِي زَكَاة الْفطر، فَقَالَ فِي رِوَايَة

стр. 842

مهنا: " صَدَقَة الْفطر وَاجِبَة، لِأَن النَّبِي ﷺ َ - فَرضهَا "، فسوى بَينهمَا، وَقَالَ فِي رِوَايَة الْمَرْوذِيّ: (ابْن عمر يَقُول: " فرض رَسُول الله ﷺ َ - صَدَقَة "، وَأَنا لَا أجترئ أَن أَقُول: إِنَّهَا فرض، وَقيس بن سعد يدْفع أَنَّهَا فرض) ، فَفِي هَذِه الرِّوَايَة فرق بَينهمَا.

стр. 843

قَوْله: ﴿ [وَعَلِيهِ أَيْضا] [- أَي: على القَوْل الثَّانِي أَيْضا -] [يَصح] أَن يُقَال: بعض [الْوَاجِب] آكِد من بعض، ذكره القَاضِي، والحلواني، [وَغَيرهمَا] ﴾ وَهُوَ صَحِيح. قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (وَهُوَ قَول الْحَنَفِيَّة) ، وَمَا ثمَّ مَانع من ذَلِك؛ وَأَن فَائِدَته: يُثَاب على أَحدهمَا أَكثر، وَأَن طَرِيق أَحدهمَا مَقْطُوع، وَالْآخر مظنون كَمَا تقدم. وَأما على الأول: فَلَيْسَ بَعْضهَا آكِد من بعض، بل سَوَاء، قَالَه ابْن مُفْلِح، وَبَعض الْمُتَكَلِّمين، وَابْن عقيل أَيْضا.

стр. 844

قَالَ ابْن مُفْلِح: (وَلَعَلَّ ابْن عقيل أَرَادَ بِمَا قَالَ راداً على من قَالَ: التَّفَاضُل فِي الْعقَاب وَالثَّوَاب يُعْطي التَّفَاضُل فِي حَقِيقَة الْإِيجَاب، الَّذِي هُوَ الاستدعاء، لِأَنَّهُ لَو رفع الْعقَاب وَالثَّوَاب رَأْسا، لما ارْتَفع صِحَة قَوْله: " أوجبت "، وَصَحَّ أَن يقوم الاستدعاء بِنَفسِهِ حَقِيقَة معقولة، وَكَذَا لَا يدل التَّفَاضُل على قُوَّة الاستدعاء) . وَقَالَ ابْن عقيل أَيْضا على هَذَا القَوْل وَهُوَ القَوْل الأول يَصح أَن يكون بَعْضهَا آكِد من بعض، وَأَن فَائِدَته: أَنه يُثَاب على أَحدهمَا أَكثر من الآخر، وَأَن طَرِيق أَحدهمَا مَقْطُوع بِهِ، وَطَرِيق الآخر مظنون، كَمَا قُلْنَا على القَوْل الثَّانِي، وأنهما متباينان. [قلت: وَالنَّفس تميل إِلَى هَذَا سَوَاء قُلْنَا بالتباين أَو الترادف -] أَنه لَا يمْتَنع أَن يكون أَحدهمَا آكِد من الآخر، وَأَنه يُثَاب عَلَيْهِ أَكثر من الآخر. قَوْله: ﴿ (فَائِدَة: صِيغَة الْفَرْض وَالْوُجُوب نَص فِي الْوُجُوب﴾ .

стр. 845

هَذَا الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ أَكثر الْعلمَاء] . قَالَ ابْن عقيل: (" أوجبت " صَرِيحَة فِي الْإِيجَاب، بِإِجْمَاع النَّاس) . قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي " المسودة ": (وَالْأَظْهَر أَن الْفَرْض نَص، وَقَوْلهمْ: فرض القَاضِي النَّفَقَة، وَفرض الصَدَاق، لَا يخرج عَن معنى الْوُجُوب، وَإِن انْضَمَّ إِلَيْهِ التَّقْدِير) انْتهى. وَقَالَ طَائِفَة من الْعلمَاء من أَصْحَابنَا وَغَيرهم مِنْهُم: القَاضِي أَبُو يعلى: (هِيَ ظَاهِرَة فِيهِ) نَقله ابْن عقيل. وَعَن البوشنجي أَنَّهُمَا كنايتان لَا صَرِيحًا، نَقله الْبرمَاوِيّ. وَقَالَ فِي " المسودة ": (قَالَ القَاضِي فِي " اخْتِلَاف الرِّوَايَتَيْنِ " فِي الْبَحْث مَعَ الواقفية: " وَمَا قَالُوهُ من أَن هَذِه اللَّفْظَة ترد مُشْتَركَة فِي الْوُجُوب

стр. 846

وَالنَّدْب وَغَيره، فَهَذَا لَا يمْنَع من الصِّيغَة كأسماء الْحَقَائِق: كالأسد، وَالْحمار فَإِنَّهُمَا حقيقتان فِي الْبَهَائِم، وَيُرَاد بهما الرجل بِقَرِينَة، وَمَعَ هَذَا فَلَا يمْتَنع أَن يكون إطلاقهما لحقيقة الْبَهِيمَة. وَيبْطل بقوله: " فرضت "، وَيرد وَالْمرَاد بِهِ الْوُجُوب، وَيُرَاد المُرَاد بِهِ النّدب، كَقَوْلِه: " غسل الْجُمُعَة وَاجِب على كل محتلم "، وَمَعْنَاهُ: وجوب اخْتِيَار، وَكَذَا " فرضت " يحْتَمل الْوُجُوب وَيحْتَمل التَّقْدِير. وَيحْتَمل توكيد الِاسْتِحْبَاب، وَحسن الِاسْتِفْهَام فَتَقول: أوجبته إلزاماً أَو اخْتِيَارا؟ وَذكره ابْن عقيل أَيْضا -، وَحمل على ذَلِك قَول النَّبِي ﷺ َ -: " غسل يَوْم الْجُمُعَة وَاجِب على كل محتلم "، كَمَا قَالَ القَاضِي، وَتقول: حَقك عَليّ وَاجِب. قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي " المسودة ": (وَذهب طَائِفَة من أَصْحَابنَا وَغَيرهم إِلَى أَنَّهَا تحْتَمل توكيد الِاسْتِحْبَاب) انْتهى .

стр. 847

﴿وَفِي كَلَام أبي الْفرج [الْمَقْدِسِي] وَأبي الْخطاب [فِي " التَّمْهِيد "] الْأَمْرَانِ أَيْضا﴾ . يعنيان: أَنَّهُمَا يأتيان لهَذَا الْمَعْنى وَلِهَذَا الْمَعْنى. قَوْله: ﴿وَإِطْلَاق الْوَعيد نَص فِيهِ﴾ . أَي: نَص فِي الْوُجُوب، وَهَذَا الصَّحِيح، اخْتَارَهُ القَاضِي وَالْأَكْثَر فَلَا يقبل تَأْوِيله لِأَنَّهُ خَاصَّة الْوَاجِب، وَلَا تُوجد خَاصَّة الشَّيْء بِدُونِهِ. قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: (الْوَعيد نَص فِي الْوُجُوب لَا يقبل التَّأْوِيل، فَإِن خَاصَّة الْوَاجِب: " مَا توعد بالعقاب على تَركه "، وَيمْتَنع وجود خَاصَّة الشَّيْء بِدُونِ ثُبُوته إِلَّا فِي كَلَام مجَاز) . وَذكر القَاضِي - أَيْضا -، وَابْن عقيل: إِطْلَاقه للْوُجُوب، ويعدل عَنهُ لدَلِيل.

стр. 848

قَالَ فِي " المسودة ": (إِطْلَاق الْوَعيد، يَقْتَضِي الْوُجُوب لفعل مَا توعد عَلَيْهِ، فَإِن عدلنا عَنهُ فِي مَوضِع فلدليل، وَكَلَام ابْن عقيل فِي " الْعُمْدَة " يُوَافق ذَلِك) ، ورده الشَّيْخ تَقِيّ الدّين. وَقَالَ فِي " المسودة " أَيْضا -: قَالَ القَاضِي: (أَلْفَاظ الْوَعيد ترد وَالْمرَاد [بهَا] الْوُجُوب وَالنَّدْب، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فويل للمصلين الَّذين هم عَن صلَاتهم ساهون الَّذين هم يراءون وَيمْنَعُونَ الماعون﴾ [الماعون: ٤ - ٧] ، وَذَلِكَ مَنْدُوب إِلَيْهِ، وَمَعَ هَذَا إِطْلَاقه يَقْتَضِي الْوُجُوب) .

стр. 849

قَوْله: ﴿و ﴿كتب عَلَيْكُم﴾ [الْبَقَرَة: ١٧٨] نَص [فِي الْوُجُوب أَيْضا -] ، ذكره القَاضِي﴾ وَغَيره. مَأْخُوذ من: " كتب الشَّيْء " إِذا حتمه وألزم بِهِ، وَتسَمى الصَّلَوَات المكتوبات لذَلِك، وَمِنْه حَدِيث: " خمس صلوَات كتبهن الله على العَبْد فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة "، وَقَوله تَعَالَى: ﴿كتب عَلَيْكُم الصّيام﴾ [الْبَقَرَة: ١٨٣] ، ﴿كتب عَلَيْكُم الْقِتَال﴾ [الْبَقَرَة: ٢١٦] .

стр. 850

أما قَوْله تَعَالَى: ﴿كتب عَلَيْكُم إِذا حضر أحدكُم الْمَوْت إِن ترك خيرا الْوَصِيَّة﴾ [الْبَقَرَة: ١٨٠] الْآيَة. فَقيل: المُرَاد: وَجب، وَكَانَت الْوَصِيَّة فرضا وَنسخت. وَقيل: المُرَاد بِالْوَصِيَّةِ مَا عَلَيْهِ من الدّين والوديعة وَنَحْوهمَا. وَقيل: المُرَاد فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ، فَلَا يكون مِمَّا نَحن فِيهِ. قلت: عَن الإِمَام أَحْمد رِوَايَة بِالْوُجُوب للقريب إِذا كَانَ غير وَارِث، اخْتَارَهَا أَبُو بكر من أَصْحَابنَا. وَنقل فِي " التَّبْصِرَة ": وُجُوبهَا عَن أبي بكر للْمَسَاكِين ووجوه الْبر، لَكِن الْمَذْهَب عدم الْوُجُوب، وَأَجَابُوا عَن الْآيَة: بِأَنَّهَا مَنْسُوخَة، قَالَه الْأَصْحَاب.

стр. 851

قَوْله: ﴿وَفِي " الْحَاوِي " وَغَيره: حتم ولازم كواجب﴾ . وَهُوَ صَحِيح، فالمحتوم من حتمت الشَّيْء أحتمه حتما إِذا قَضيته وأحكمته، وحتمته أَيْضا: أوجبته، قَالَه الْجَوْهَرِي. قَالَ تَعَالَى: ﴿كَانَ على رَبك حتما مقضياً﴾ [مَرْيَم: ٧١] ، أَي: وَاجِب الْوُقُوع لوعده الصَّادِق، وَإِلَّا فَهُوَ لَا يجب عَلَيْهِ شَيْء. فَيُقَال فِي الْوَاجِب: " حتم "، و " محتوم "، و " محتم "، وَنَحْو ذَلِك. قَالَ فِي " الْمِصْبَاح ": (حتم عَلَيْهِ الْأَمر حتما من بَاب ضرب -: أوجبه جزما وانحتم: الْأَمر، وتحتم: وَجب وجوبا لَا يُمكن سُقُوطه) انْتهى. وَقَالَ فِي " الْقَامُوس ": (الحتم: الْخَالِص، قلب المحت، وَالْقَضَاء، وإيجابه، وإحكام الْأَمر، وَجمعه: حتوم، وَقد حتمه يحتمه، والحاتم: القَاضِي) انْتهى.

стр. 852

وَاللَّازِم بِمَعْنى الْوَاجِب، وَلَا يقبل التَّأْوِيل عِنْد الْأَكْثَر، وَهُوَ من اللُّزُوم، وَهُوَ لُغَة: عدم الانفكاك عَن الشَّيْء، فَيُقَال للْوَاجِب: لَازم، وملزوم بِهِ، وَنَحْو ذَلِك، كَمَا فِي حَدِيث الصَّدَقَة: " وَمن لَزِمته بنت مَخَاض وَلَيْسَت عِنْده، أَخذ مِنْهُ ابْن لبون "، أَي: وَجب عَلَيْهِ ذَلِك، وَهُوَ شَائِع كثير، وَنقل عَن البوشنجي كَمَا تقدم من أَصْحَاب الشَّافِعِي: أَن جَمِيع ذَلِك كنايات إِلَّا [لَازم] لي فَإِنَّهُ صَرِيح عِنْد الْأَكْثَر. فَائِدَة جَامِعَة فِي تَقْسِيم الْوَاجِب: وَهُوَ بِاعْتِبَار مُلَابسَة الْمُكَلف إِيَّاه فِي وقته وخارجاً عَن وقته يَنْقَسِم إِلَى: أَدَاء، وَقَضَاء، وإعادة. وَبِاعْتِبَار سُقُوطه عَن الْمُكَلف بِفعل غَيره وَعدم سُقُوطه عَنهُ إِلَى: وَاجِب عين، وواجب كِفَايَة. وَبِاعْتِبَار كَونه أحد الْأَقْسَام المحصورة وَعَدَمه: إِلَى وَاجِب معِين، وَإِلَى وَاجِب مُخَيّر. وَبِاعْتِبَار كَون وقته الْمُقدر فَاضلا أَو غير فَاضل إِلَى: مضيق، وموسع، فالموسع وَاضح: كأوقات الصَّلَوَات، والمضيق تَارَة يكون مطابقاً: كَالصَّوْمِ، وَتارَة تكون الْعِبَادَة فاضلة: كَمَا لَو أدْرك رَكْعَة من الْمغرب، وَنَحْوهَا، قَالَه ابْن قَاضِي الْجَبَل، وَيَأْتِي ذَلِك مفصلا.

стр. 853

قَوْله: ﴿فصل﴾ ﴿الْعِبَادَة إِن لم يكن لَهَا وَقت معِين، لم تُوصَف بأَدَاء، وَلَا قَضَاء، وَلَا إِعَادَة﴾ .

стр. 854

كالنوافل الْمُطلقَة من صَلَاة وَصَوْم وَصدقَة وَحج وَنَحْوهَا، وَسَوَاء كَانَ لَهَا سَبَب: كتحية الْمَسْجِد وَسُجُود التِّلَاوَة أَو لَا. قَالَ الْبرمَاوِيّ: (وَقد يُوصف مَا لَهُ سَبَب بِالْإِعَادَةِ، كمن أَتَى بِذَات سَبَب مثلا مُخْتَلفَة، فتداركها حَيْثُ يُمكن التَّدَارُك ". قَوْله: ﴿وَإِلَّا فَمَا وَقتهَا غير مَحْدُود: كحج، وَزَكَاة [مَال] ، وَكَفَّارَة، تُوصَف بِالْأَدَاءِ﴾ . مَا وقته غير مَحْدُود الطَّرفَيْنِ: كَالْحَجِّ الْوَاجِب، وَزَكَاة المَال، وَالْكَفَّارَة يُوصف بِالْأَدَاءِ، وَلَو أخر عَن وقته شرعا، لعدم تعْيين وَقت الزَّكَاة وَنَحْوهَا، لوُجُوبهَا عِنْد تَمام الْحول على الْفَوْر، وَهُوَ وَقت وُجُوبهَا، فَلَو أخرت عَنهُ لغير عذر ثمَّ فعلت، لم تسم قَضَاء لوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: أَن وَقتهَا غير مَحْدُود الطَّرفَيْنِ، وَنحن قُلْنَا: (الْقَضَاء: هُوَ فعل الْوَاجِب خَارج الْوَقْت الْمُقدر لَهُ شرعا) . وَالثَّانِي: أَن كل وَقت من الْأَوْقَات الَّتِي يُؤَخر أَدَاؤُهَا فِيهَا هُوَ مُخَاطب بإخراجها فِيهِ، وَذَلِكَ وَاجِب عَلَيْهِ، فَلَو قُلْنَا: إِن أداءها فِي الْوَقْت الثَّانِي بعد تَأْخِيرهَا قَضَاء، لزم مثل ذَلِك فِي الثَّالِث وَالرَّابِع وَمَا بعده، وَكَذَلِكَ الْكَفَّارَة، وَالْحج، فَكَانَ أَدَاء على كل حَال.

стр. 855

وَقَوْلنَا: وَزَكَاة المَال، احْتِرَاز من زَكَاة الْفطر، فَإِنَّهَا تُوصَف بِالْأَدَاءِ وبالقضاء إِذا أَخّرهَا. ﴿وَلنَا وَجه﴾ : أَنَّهَا تُوصَف ﴿ [بِالْقضَاءِ] ﴾ إِذا أَخّرهُ عَن وقته، فَإِنَّهَا وَاجِبَة عندنَا على الْفَوْر. قَوْله: ﴿وَإِطْلَاق الْقَضَاء فِي الْحَج الْفَاسِد، لشبهه بالمقضي﴾ فِي استدراكه. وَذَلِكَ أَنه لما شرع وتلبس بأفعاله تضيق الْوَقْت عَلَيْهِ، وَذَلِكَ كَمَا لَو تلبس بِأَفْعَال الصَّلَاة، مَعَ أَن الصَّلَاة وَاجِب موسع. وَهَذَا جَوَاب عَن سُؤال مُقَدّر، تَقْدِيره: أَنْتُم قُلْتُمْ: إِن الْحَج لَا يُوصف بِالْقضَاءِ، وَقد وصفتموه هُنَا. قَوْله: ﴿وَفعل الصَّلَاة بعد تَأْخِير قَضَائهَا لَا يُسمى قَضَاء الْقَضَاء﴾ لامتناعه وتسلسله، كَمَا تقدم فِي الزَّكَاة وَغَيرهَا. قَوْله: ﴿وَمَا وقته مَحْدُود يُوصف بذلك [سوى الْجُمُعَة] ﴾ يَعْنِي: الَّذِي لَهُ وَقت مَحْدُود يُوصف بِالْأَدَاءِ وَالْقَضَاء والإعادة.

стр. 856

فَإِن فعل فِي وقته الْمَحْدُود مرّة كَانَ أَدَاء، وَإِلَّا كَانَ قَضَاء، وَإِن فعل ثَانِيًا كَانَ إِعَادَة: كالصلوات الْخمس، وسننها، وَالصَّوْم. وَقَوْلنَا: سوى الْجُمُعَة، فَإِن الْجُمُعَة لَو فَاتَت لَا تقضى، وَإِنَّمَا تصلى ظهرا، فالجمعة لَا تُوصَف بِالْقضَاءِ، فَلَا تسمى الْجُمُعَة بِالثَّلَاثَةِ بِالْأَدَاءِ وَالْقَضَاء والإعادة، أما الْأَدَاء فتسمى بِهِ، وَأما الْقَضَاء فَلَا تقضى، وَأما الْإِعَادَة فَإِن حصل ذَلِك فِي فعلهَا وَأمكن تداركها فِي وَقتهَا فعلت. قَوْله: ﴿فالأداء﴾ . لما علمت أَن مَا وقته مَحْدُود يُوصف بِالْأَدَاءِ وَالْقَضَاء والإعادة، شرعنا نبين الْأَدَاء مَا هُوَ؟ وَكَذَلِكَ الْقَضَاء والإعادة. فالأداء: ﴿مَا فعل فِي وقته الْمُقدر لَهُ أَولا شرعا﴾ . فقولنا: (مَا فعل) جنس للْأَدَاء وَغَيره. وَقَوْلنَا: (فِي وقته الْمُقدر) ، يخرج الْقَضَاء، وَمَا لم يقدر لَهُ وَقت: كإنكار الْمُنكر إِذا ظهر، وإنقاذ الغريق إِذا وجد، وَالْجهَاد إِذا تحرّك الْعَدو، والنوافل الْمُطلقَة، وتحية الْمَسْجِد، وَسُجُود التِّلَاوَة. وَقَوْلنَا: (أَولا) ، ليخرج مَا فعل فِي وقته الْمُقدر لَهُ شرعا، لكنه فِي غير الْوَقْت الَّذِي قدر لَهُ أَولا شرعا: كَالصَّلَاةِ إِذا ذكرهَا بعد خُرُوج وَقتهَا، أَو اسْتَيْقَظَ بعد خُرُوج الْوَقْت، لقَوْله عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَأتم السَّلَام -: " من نَام عَن صَلَاة أَو نَسِيَهَا فليصلها إِذا ذكرهَا " فَإِن ذَلِك وَقتهَا، فَإِذا فعلهَا فِي

стр. 857

ذَلِك الْوَقْت، فَهُوَ وَقت ثَان لَا أول، فَلم يكن أَدَاء، وَيخرج بِهِ أَيْضا قَضَاء الصَّوْم، فَإِن الشَّارِع جعل لَهُ وقتا مُقَدرا لَا يجوز تَأْخِيره عَنهُ، وَهُوَ من حِين الْفَوات إِلَى رَمَضَان السّنة الْآتِيَة، فَإِذا فعله كَانَ قَضَاء، لِأَنَّهُ فعله فِي وقته الْمُقدر لَهُ ثَانِيًا لَا أَولا. وَقَوْلنَا: (شرعا) ، ليخرج مَا قدر لَهُ وَقت لَا بِأَصْل الشَّرْع، كمن ضيق عَلَيْهِ [الْمَوْت] لعَارض ظَنّه الْفَوات إِن لم يُبَادر. وَقَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (الْأَدَاء: إِيقَاع الْعِبَادَة فِي وَقتهَا الْمُقدر شرعا لمصْلحَة اشْتَمَل عَلَيْهَا الْوَقْت. فتقييدها بِالْوَقْتِ، احْتِرَاز من تعين الْوَقْت لمصْلحَة الْمَكَان، كَمَا إِذا قُلْنَا: الْأَمر على الْفَوْر فَإِنَّهُ يتَعَيَّن الزَّمن الأول، وَلَا يُوصف بِكَوْنِهِ أَدَاء فِي وقته وَلَا قَضَاء بعد وقته. وَقَالَ ابْن الزَّاغُونِيّ: (هُوَ بعد وقته قَضَاء، وَالْقَضَاء لُغَة: نفس الْفِعْل، وَاصْطِلَاحا: فعل الْعِبَادَة خَارج وَقتهَا الْمعِين شرعا لمصْلحَة فِيهِ) . - ثمَّ قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل -: للْقَضَاء فِي اصْطِلَاح الْعلمَاء ثَلَاثَة معَان.

стр. 858

أَحدهَا: مَا تقدم. وَثَانِيها: مَا وَقع بعد فعله لسببه والشروع فِيهِ. وَثَالِثهَا: مَا فعل على خلاف نظامه: كقضاء الْفَوَائِت) انْتهى. - ثمَّ قَالَ -: تَنْبِيه: قَالَ ابْن الزَّاغُونِيّ: " اخْتلفت الرِّوَايَة عَن أَحْمد، هَل الْقَضَاء بَاقٍ أَو مَنْقُول؟ على رِوَايَتَيْنِ، فعلى الأولى: يَصح الْأَدَاء بنية الْقَضَاء وَعَكسه، وعَلى [الثَّانِيَة] : لَيْسَ كَذَلِك ") انْتهى. قَوْله: ﴿وَالْقَضَاء: مَا فعل بعد وَقت الْأَدَاء﴾ ، وَذَلِكَ كَفعل الصَّلَوَات الْخمس، وسننها، وَالصَّوْم، بعد خُرُوج وَقتهَا، وَهُوَ ظَاهر، وَهَذَا إِذا حصل التَّأْخِير بِغَيْر عذر فِي الْجُمْلَة، فَأَما إِن أخر لعذر، فَتَارَة يُمكن فعله: كَصَوْم الْمُسَافِر وَالْمَرِيض، وَتارَة لَا يُمكن فعله، إِمَّا ﴿لمَانع شَرْعِي: [كالحيض] ﴾ ، وَالنّفاس، ﴿أَو﴾ لمَانع [عَقْلِي: [كالنوم] ﴾ ، وَالْإِغْمَاء وَالسكر، وَنَحْوهَا.

стр. 859

وعَلى كل حَال فَالصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور: أَنه بعد ذَلِك إِذا زَالَ الْعذر وَفعل، كَانَ قَضَاء، وَذَلِكَ ﴿ [لوُجُوبه عَلَيْهِم] ﴾ حَالَة وجود الْعذر ﴿عِنْد الإِمَام أَحْمد وَأَصْحَابه [وَغَيرهم] ﴾ ، وَحَيْثُ كَانَ وَاجِبا

стр. 860

عَلَيْهِم مَعَ وجود الْعذر، كَانَ فعله بعد زَوَاله قَضَاء لخُرُوج وَقت الْأَدَاء. وَكَونه قَضَاء مَبْنِيّ على وُجُوبه عَلَيْهِم حَال الْعذر، وَلنَا فِي وُجُوبه عَلَيْهِم حَالَة الْعذر أَقْوَال، الصَّحِيح: الْوُجُوب، فَيكون قَضَاء بعد ذَلِك. ﴿وَحكي عَن الْفُقَهَاء﴾ . قَالَ ابْن برهَان: (هُوَ قَول الْفُقَهَاء قاطبة) . وَلقَوْل عَائِشَة ﵂: كُنَّا نحيض على عهد رَسُول الله ﷺ َ - فنؤمر بِقَضَاء الصَّوْم " مُتَّفق عَلَيْهِ .

стр. 861

﴿وَقيل﴾ : يجب ﴿على [الْمُسَافِر وَالْمَرِيض] ﴾ دون غَيرهم، فَيكون قَضَاء فِي حَقّهمَا، وَلَا يجب على حَائِض، فَيكون أَدَاء فِي حَقّهَا، وَالْفرق بَينهمَا: إِمْكَان الْفِعْل من الْمُسَافِر وَالْمَرِيض دون الْحَائِض شرعا. ﴿وَقيل﴾ : يجب ﴿على [الْمُسَافِر] [فَقَط] ﴾ ، فَلَا يجب على مَرِيض وحائض، وَلَعَلَّ الْفرق الْقُدْرَة على الْفِعْل من الْمُسَافِر، وَعَدَمه من الْمَرِيض قدرا، وَمن الْحَائِض شرعا. ﴿وَقيل: لَا يجب﴾ على الْجَمِيع، ﴿ [وَحَكَاهُ] ﴾ القَاضِي، وَابْن عقيل ﴿عَن الْحَنَفِيَّة﴾ ، لِأَنَّهُ تَكْلِيف بالممتنع، بل يقضون لتقدم السَّبَب.

стр. 862

﴿وَعَن [الْأَشْعَرِيّ] ، وَأهل الْعرَاق: يلْزمه أحد الشَّهْرَيْنِ﴾ ، يَعْنِي: رَمَضَان، وَالَّذِي يقْضِي فِيهِ، حَكَاهُ ابْن عقيل، والحلواني عَن الأشعرية، وَحَكَاهُ ابْن برهَان عَن أهل الْعرَاق، وَنَقله التَّاج السُّبْكِيّ عَن أبي الْمَعَالِي، وَنَقله ابْن الْعِرَاقِيّ عَن القَاضِي أبي بكر ابْن الباقلاني. قَوْله: ﴿وَهُوَ لَفْظِي فِي الْأَصَح﴾ . قطع جمَاعَة أَن الْخلاف لَفْظِي، مِنْهُم: أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ فَقَالَ: (لَا فَائِدَة لَهُ، وَتَأْخِير الصَّوْم حَالَة الْعذر جَائِز بِلَا خلاف، وَالْقَضَاء [بعد زَوَاله] وَاجِب بِلَا خلاف.

стр. 863

وَحكى ابْن الرّفْعَة من أَصْحَاب الشَّافِعِي عَن بَعضهم:) أَن فَائِدَة الْخلاف تظهر فِيمَا إِذا قُلْنَا: إِنَّه يجب التَّعَرُّض للْأَدَاء وَالْقَضَاء فِي النِّيَّة) انْتهى. وَقَالَ الزَّرْكَشِيّ فِي " شرح جمع الْجَوَامِع ": (فَائِدَته: فِي أَنه هَل وَجب بِأَمْر جَدِيد أَو بِالْأَمر الأول؟) . وَقَالَ ابْن الْعِرَاقِيّ: (وَقد تظهر فَائِدَته فِيمَا إِذا حَاضَت الْمَرْأَة بعد الطّواف، وَقبل أَن تصلي رَكْعَتَيْنِ، هَل تقضيهما؟ وَقد نقل النَّوَوِيّ فِي " شرح الْمُهَذّب " عَن ابْن الْقَاص والجرجاني:

стр. 864

أَنَّهَا تقضيهما وَأَن الشَّيْخ أَبَا عَليّ أنكرهُ، قَالَ: " وَهُوَ الصَّوَاب "، وَلكنه جزم فِي " شرح مُسلم " بمقالة ابْن الْقَاص والجرجاني، وَنَقله عَن الْأَصْحَاب) انْتهى. قلت: قَالَ صَاحب " الْفُرُوع " من أَصْحَابنَا فِي أول بَاب الْحيض من " فروعه ": (يمْنَع الْحيض الصَّلَاة، وَلَا تقضيها إِجْمَاعًا، ثمَّ قَالَ: وَلَعَلَّ المُرَاد إِلَّا رَكْعَتي الطّواف؛ لِأَنَّهَا نسك لَا آخر لوقته، فيعايا بهَا) انْتهى. وَقد رد عَلَيْهِ ابْن نصر الله، وَشَيخنَا البعلي فِي " حواشيهما ".

стр. 865

وَالَّذِي يظْهر أَن مُرَاده: أَنَّهَا طافت [وَهِي] حَائِض، فَإِذا طهرت هَل تقضيهما أم لَا؟ أَو أَنَّهَا طافت طَاهِرَة، ثمَّ بعد فراغها مِنْهُ حَاضَت، كَمَا قَالَه جمَاعَة الشَّافِعِيَّة، وَلَعَلَّه أَخذه من كَلَام النَّوَوِيّ فِي " شرح مُسلم "، فَإِنَّهُ كثيرا يَأْخُذ مِنْهُ ليخرج أحكاماً، فَيكون وجود سَبَب الصَّلَاة الطّواف وَهِي طَاهِرَة، وَلم تتمكن من فعلهمَا إِلَّا وَقد حَاضَت، فعلى هَذَا إِذا طهرت، هَل تقضيهما أم لَا؟ وَالله أعلم، وَعِنْده تقضيهما. [قَوْله] : ﴿ [وَعبادَة صَغِير لَا تسمى قَضَاء] [إِجْمَاعًا، قَالَ ابْن حمدَان] : وَلَا أَدَاء﴾ . قَالَ ابْن حمدَان فِي " الْمقنع ": (مَا لم ينْعَقد سَبَب وُجُوبه فِي الْأَوْقَات الْمقدرَة، فَإِذا فعل خَارج الْوَقْت لَا يُسمى قَضَاء. قَالَ الْمُؤلف: وَلَا أَدَاة كَظهر صبي) . قَالَ الطوفي فِي " شَرحه ": (الْفِعْل الْمُقدر وقته إِن لم ينْعَقد سَبَب وُجُوبه لم يكن فعله بعد الْوَقْت قَضَاء إِجْمَاعًا) .

стр. 866

قَالَ الْبرمَاوِيّ فِي " شرح منظومته ": (إِذا لم ينْعَقد سَبَب الْأَمر لم يكن فعله بعد [انْقِضَاء] الْوَقْت قَضَاء إِجْمَاعًا، لَا حَقِيقَة، وَلَا مجَازًا، كَمَا لَو صلى الصَّبِي الصَّلَوَات الْفَائِتَة فِي حَالَة الصِّبَا، وَلَيْسَ الصَّبِي مَأْمُورا بذلك شرعا حَتَّى يقْضِي، فثواب الصَّبِي على عِبَادَته من خطاب الْوَضع) انْتهى. وَفِي " فروع ابْن مُفْلِح ": (تصح الصَّلَاة من مُمَيّز نفلا، وَيُقَال لما فعله: صَلَاة كَذَا، وَفِي التَّعْلِيق: مجَاز) انْتهى. تَنْبِيه: الْأَدَاء وَالْقَضَاء إِنَّمَا هُوَ للْفِعْل لَا الْمَفْعُول، كَمَا وَقع ذَلِك فِي عبارتنا، وَعبارَة " مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب "، و " منهاج الْبَيْضَاوِيّ "، وَغَيرهمَا، وَإِنَّمَا الْمَفْعُول هُوَ الْمُؤَدى [والمقضي] ، وَقد فعل ذَلِك التَّاج السُّبْكِيّ فِي " جمع الْجَوَامِع " على الأَصْل، فَقَالَ: (الْأَدَاء وَالْقَضَاء الْفِعْل، والمؤدى والمقضي مَا فعل وَهُوَ الْمَفْعُول) .

стр. 867

قَالَ بعض الْمُحَقِّقين: (وَهُوَ تَحْقِيق لَا طائل تَحْتَهُ، [فَإِن] الْقَضَاء وَالْأَدَاء فِي عبارَة الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاء يُرَاد بِهِ الْمَفْعُول، من إِطْلَاق الْمصدر على الْمَفْعُول، واشتهر ذَلِك فِي استعمالهم حَتَّى صَار حَقِيقَة عرفية، وَأَيْضًا فالعبادة قبل إيقاعها لَيْسَ لَهَا وجود خارجي يَقع الْفِعْل عَلَيْهِ حَتَّى يكون مَفْعُولا حَقِيقَة، وَيَقَع الْفرق فِيهِ بَين الْفِعْل وَالْمَفْعُول. فَحِينَئِذٍ إِيقَاع الْعِبَادَة ووقوعها وفعلها وذاتها كلهَا وَاحِد، يَصح وصف الْعِبَادَة بِالْأَدَاءِ وبالمؤداة، وبالقضاء والمقضية) . وَالله أعلم. فَائِدَة: الْعِبَادَة قد تُوصَف بِالْأَدَاءِ وَالْقَضَاء: كالخمس، وَالصَّوْم، وَقد لَا تُوصَف بِهَذَا وَلَا بِهَذَا: كالنوافل الْمُطلقَة وَنَحْوهَا، وَقد تُوصَف بِالْأَدَاءِ وَحده: كَالْجُمُعَةِ، وَعدم الْقَضَاء فِيهَا للتوقيف أَو الْإِجْمَاع، [لَا] لامتناعه عقلا لَا شرعا. قَوْله: ﴿والإعادة: مَا فعل فِي وقته الْمُقدر ثَانِيًا، [زَاد] الْبَيْضَاوِيّ، وَابْن الْحَاجِب، والطوفي [وَجمع] : لخلل، وَبَعْضهمْ: لعذر، وَفِي مَذْهَب

стр. 868

مَالك: لَا تخْتَص بِالْوَقْتِ، [وَهُوَ ظَاهر] " الرَّوْضَة "﴾ . ظَاهر [الْعبارَة] الأولى وإطلاقها يَشْمَل: سَوَاء كَانَ الْخلَل فِي الأول، أَو لَا، لعذر، أَو لَا، فَيدْخل فِيهِ لَو صلى الصَّلَاة فِي وَقتهَا صَحِيحَة، ثمَّ أُقِيمَت الصَّلَاة وَهُوَ فِي الْمَسْجِد وصّى، فَإِن هَذِه الصَّلَاة تسمى معادة عِنْد الْأَصْحَاب، إِلَّا أَن يَقُول من يشْتَرط الْعذر: إِن قعوده فِي الْمَسْجِد عذر، وَهُوَ بعيد. قَالَ الشَّيْخ الْمُوفق: (الْإِعَادَة: فعل الشَّيْء مرّة أُخْرَى) . قَالَ الطوفي فِي " شَرحه " بعد حِكَايَة قَول الشَّيْخ -: (وَهَذَا أوفق للغة وَالْمذهب. أما اللُّغَة: فَإِن الْعَرَب على ذَلِك تطلق الْإِعَادَة، يَقُولُونَ: أَعدَدْت الكرة، إِذا كرّ مرّة بعد أُخْرَى، وأعدنا الْحَرْب [جَذَعَة] ، وَرجع عوده على بدئه، أَي: عَاد رَاجعا كَمَا ذهب، وإعادة الله للْعَالم: إنشاؤه مرّة

стр. 869

ثَانِيَة، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تعودُونَ﴾ [الْأَعْرَاف: ٢٩] ، ﴿كَمَا بدأنا أول خلق نعيده﴾ [الْأَنْبِيَاء: ١٠٤] ، ﴿وَهُوَ الَّذِي يبدؤا الْخلق ثمَّ يُعِيدهُ﴾ [الرّوم: ٢٧] ، وَلَيْسَ فِي ذَلِك كُله تعرض لوُقُوع الْخلَل فِي الْفِعْل الأول. وَأما الْمَذْهَب: فَإِن أَصْحَابنَا وَغَيرهم قَالُوا: من صلى ثمَّ حضر جمَاعَة سنّ لَهُ أَن يُعِيد مَعَهم، سَوَاء صلى الأولى مُنْفَردا أَو فِي جمَاعَة، فقد أثبتوا الْإِعَادَة مَعَ عدم الْخلَل فِي الأولى) انْتهى. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ، وَابْن الْحَاجِب، والطوفي فِي " مُخْتَصره "،

стр. 870

وَجمع: (لخلل فِي الأول) ، فخصوا الْإِعَادَة بذلك. وَقَالَ جمَاعَة من الْعلمَاء: (لعذر) ، فَهُوَ أخص من الَّذِي قبله. قَالَ ابْن مُفْلِح فِي " أُصُوله ": (مَا فعل فِي وقته الْمُقدر مرّة أُخْرَى، زَاد بَعضهم: لخلل، وَبَعْضهمْ: لعذر) انْتهى. وَفِي مَذْهَب مَالك: لَا تخْتَص الْإِعَادَة بِالْوَقْتِ، بل هِيَ فِي الْوَقْت لاستدراك المندوبات، وَبعد الْوَقْت لاستدراك الْوَاجِبَات. وَتقدم كَلَام الشَّيْخ موفق الدّين: أَن الْإِعَادَة فعل الشَّيْء مرّة بعد أُخْرَى، وَظَاهره: وَلَو كَانَ خَارج الْوَقْت.

стр. 871

قَوْله: ﴿فصل﴾ ﴿الْعِبَادَة ن طلب فعلهَا من كل وَاحِد بِالذَّاتِ: كالخمس والنوافل، أَو من وَاحِد معِين: كالخصائص، فَفرض عين، وَسنة عين، وَإِن طلب الْفِعْل فَقَط، فَفرض كِفَايَة [وَسنة كِفَايَة، قَالَه أَصْحَابنَا وَغَيرهم، كالسلام وَنَحْوه] ﴾ . هَذَا الْفَصْل فِيهِ تَقْسِيم الْوُجُوب وَالنَّدْب بِاعْتِبَار من يجب عَلَيْهِ وَمن ينْدب فِي حَقه. وَحَاصِله: أَن الْوُجُوب وَالنَّدْب يَنْقَسِم إِلَى: فرض عين، وَفرض كِفَايَة، وَسنة عين، وَسنة كِفَايَة.

стр. 872

فَفرض الْعين وَسنة الْعين: مَا تنَاول كل وَاحِد من الْمُكَلّفين فرضا ونفلاً: كَالصَّلَاةِ، وَالصَّوْم، وَنَحْوهمَا. وَقد يتناولان وَاحِدًا معينا: كخصائص النَّبِي ﷺ َ -، فَإِنَّهُ ﷺ َ - قد اخْتصَّ بفرائض وَسنَن. قَالَ الإِمَام أَحْمد: (خص النَّبِي ﷺ َ - بواجبات، ومحظورات، ومباحات، وكرامات) . وَفرض الْكِفَايَة: كالجهاد وَنَحْوه، وَهُوَ كثير، وَقد حصره وعده جمَاعَة من الْعلمَاء. وَسنة الْكِفَايَة: كابتداء السَّلَام، وتشميت الْعَاطِس على قَول ،

стр. 873

وَالْأُضْحِيَّة فِي حق أهل الْبَيْت، وَتَسْمِيَة أحد الآكلين عَن بَقِيَّتهمْ، نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي. وَقد ذكر النَّاظِم، وَابْن مُفْلِح، وَابْن قَاضِي الْجَبَل، وَغَيرهم: سنة الْكِفَايَة. وَسمي فرض الْكِفَايَة؛ لِأَن فعل الْبَعْض فِيهِ يَكْفِي فِي سُقُوط الْإِثْم. وَالْفرق بَينه وَبَين فرض الْعين: أَن فرض الْعين: مَا تَكَرَّرت مصْلحَته بتكرره كالصلوات الْخمس وَغَيرهَا، فَإِن مصلحتها الخضوع لله، وتعظيمه، ومناجاته، والتذلل والمثول بَين يَدَيْهِ، وَهَذِه الْآدَاب تكْثر كلما كررت الصَّلَاة. وَفرض الْكِفَايَة: مَا لَا تَتَكَرَّر مصْلحَته بتكرره: كإنجاء الغريق، وَغسل الْمَيِّت، وَدَفنه، وَنَحْوهَا. فهما متباينان تبَاين النَّوْعَيْنِ، خلافًا للمعتزلة فِي قَوْلهم: تبَاين الجنسين، إِذْ الْوَاجِب أَو الْمَنْدُوب صَادِق على الْأَمريْنِ بالتواطؤ، من حَيْثُ أَن كلا مِنْهُمَا لابد من وُقُوعه، أَو وُقُوعه مُحَصل لما يَتَرَتَّب عَلَيْهِ من الثَّوَاب، فَلَيْسَ لفظ الْفَرْض وَالسّنة مُشْتَركا بَينهمَا اشتراكاً لفظياً كَمَا يَزْعمُونَ.

стр. 874

قَوْله: ﴿ [وهما] : مُهِمّ يقْصد حُصُوله من غير نظر بِالذَّاتِ إِلَى فَاعله﴾ . وأصل هَذَا الْحَد للغزالي، إِلَّا أَنه قَالَ: (كل مُهِمّ ديني يقْصد الشَّرْع حُصُوله من غير نظر إِلَى فَاعله) ، حَكَاهُ عَنهُ الرَّافِعِيّ فِي كتاب " السّير "، وَمَعْنَاهُ: أَن فروض الْكِفَايَة أُمُور كُلية تتَعَلَّق بهَا مصَالح دينية ودنيوية لَا يَنْتَظِم الْأَمر إِلَّا بحصولها، فيقصد الشَّرْع حُصُولهَا، وَلَا يقْصد تَكْلِيف الْوَاحِد وامتحانه فِيهَا، بِخِلَاف فروض الْأَعْيَان فَإِن الْكل مكلفون بهَا ممتحنون بتحصيلها، وَهَذَا الْحَد " يَشْمَل سنة الْكِفَايَة، [فَإِنَّهُ] لم يقل: يقْصد الشَّارِع حُصُوله لُزُوما. والمهم قِسْمَانِ: مُهِمّ لابد من حُصُوله، ومهم الشَّرْع حُصُوله. وأسقطت من الْحَد لفظ: (كل) ؛ لِأَنَّهَا للأفراد، والتعريف للماهية. وأسقطت لَفْظَة: (ديني) ؛ ليدْخل نَحْو الْحَرْف والصناعات. وزدنا: (بِالذَّاتِ) من قَوْلنَا: (من غير نظر بِالذَّاتِ إِلَى فَاعله) ؛ لِأَن مَا من فعل يتَعَلَّق بِهِ الحكم إِلَّا وَينظر فِيهِ للْفَاعِل، حَتَّى يُثَاب على واجبه

стр. 875

ومندوبه، ويعاقب على ترك الْوَاجِب، وَإِنَّمَا يفترقان فِي كَون الْمَطْلُوب عينا يختبر فِيهِ الْفِعْل ويمتحن ليثاب أَو يُعَاقب، وَالْمَطْلُوب كِفَايَة يقْصد حُصُوله قصدا ذاتياً، وَقصد الْفَاعِل فِيهِ تبع لَا ذاتي. قَوْله: ﴿ [وَالْأول] وَاجِب على الْجَمِيع عِنْد الْأَرْبَعَة وَغَيرهم﴾ . هَذَا هُوَ الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِير الْعلمَاء، مِنْهُم الْأَرْبَعَة، نَقله عَنْهُم ابْن مُفْلِح فِي " أُصُوله " وَغَيره. قَالَ الإِمَام أَحْمد: (الْغَزْو وَاجِب على النَّاس كلهم، فَإِذا غزا بَعضهم أَجْزَأَ عَنْهُم) ، وَقَالَهُ أَصْحَابه. وَقَالَ الإِمَام الشَّافِعِي فِي " الْأُم ": (حق على النَّاس غسيل الْمَيِّت، وَالصَّلَاة عَلَيْهِ، وَدَفنه، لَا يسع عامتهم تَركه، وَإِذا قَامَ بِهِ من فِيهِ كِفَايَة أَجْزَأَ عَنْهُم إِن شَاءَ الله تَعَالَى) .

стр. 876

وَقَالَ مَعْنَاهُ فِي بَاب السّلف، وَجرى عَلَيْهِ أَصْحَابه. وَمن الْأُصُولِيِّينَ: الصَّيْرَفِي، والباقلاني، والشيرازي، وَالْغَزالِيّ، وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيّ، وَنَقله عَن أَصْحَابهم، وَابْن الْحَاجِب، وَغَيرهم. فَائِدَة: إِذا قُلْنَا: إِنَّه تعلق بِالْجَمِيعِ، فَهَل مَعْنَاهُ: أَنه يتَعَلَّق بِكُل وَاحِد، أَو بِالْجَمِيعِ من حَيْثُ هُوَ جَمِيع؟ مُقْتَضى كَلَام الباقلاني الأول، وَظَاهر كَلَام الْأَكْثَرين الثَّانِي. فَمَعْنَى الأول: أَن كل مُكَلّف مُخَاطب بِهِ، فَإِذا قَامَ بِهِ بعض سقط عَن غَيرهم رخصَة وتخفيفاً لحُصُول الْمَقْصُود. وَمعنى الثَّانِي: أَن الْجَمِيع مخاطبون بإيقاعه مِنْهُم، من أَي فَاعل فعله، وَلَا يلْزم على هَذَا أَن يكون الشَّخْص مُخَاطبا بِفعل غَيره. لأَنا نقُول: كلفوا بِمَا هُوَ أَعم من فعلهم وَفعل غَيرهم، وَذَلِكَ مَقْدُور تَحْصِيله مِنْهُم، لِأَن كلا قَادر عَلَيْهِ، وَلَو لم يَفْعَله غَيره، وَفرض الْعين الْمَقْصُود مِنْهُ امتحان كل وَاحِد بِمَا خُوطِبَ بِهِ لحُصُول ذَلِك الْفِعْل مِنْهُ بِنَفسِهِ.

стр. 877

وَقَالَ طَائِفَة من الْأُصُولِيِّينَ: يلْزم طَائِفَة مُبْهمَة، وَهُوَ مُقْتَضى كَلَام الرَّازِيّ فِي " الْمَحْصُول "، وَحكي عَن الْمُعْتَزلَة. [قَالَ] الْبرمَاوِيّ: (اخْتَار الرَّازِيّ وَأَتْبَاعه: أَنه على الْبَعْض، وَاخْتَارَهُ التَّاج السُّبْكِيّ. ورد هَذَا القَوْل: بإثم الْجَمِيع بِتَرْكِهِ إِجْمَاعًا، وإثم وَاحِد مِنْهُم لَا يعقل، لِأَنَّهُ لَا يُمكن عِقَابه، وَسُقُوط الْإِثْم بِفعل بَعضهم لَيْسَ مَانِعا. وَأما قَوْله تَعَالَى: ﴿فلولا نفر من كل فرقة مِنْهُم طَائِفَة ليتفقهوا فِي الدّين ولينذروا قَومهمْ إِذا رجعُوا إِلَيْهِم﴾ [التَّوْبَة: ١٢٢] ، فَالْمُرَاد بالطائفة: المسقطة للْوَاجِب. وَقيل: يجب على طَائِفَة مُعينَة عِنْد الله تَعَالَى دون النَّاس. وَقيل: مَا قَامَ بِهِ فَهُوَ الْوَاجِب عَلَيْهِ. وَهُوَ نَظِير الْخلاف فِي الْوَاجِب الْمُخَير.

стр. 878

قَوْله: ﴿قَالَ أَصْحَابنَا [وَغَيرهم] : وَمن ظن أَن غَيره لَا يقوم بِهِ وَجب عَلَيْهِ﴾ . وَذَلِكَ لِأَن الظَّن منَاط التَّعَبُّد. قَوْله: ﴿ [وَإِن] فعله الْجَمِيع مَعًا كَانَ فرضا إِجْمَاعًا﴾ . لعدم التَّمْيِيز، لَكِن رَأَيْت لإِمَام الْحَرَمَيْنِ احْتِمَالا أَن يَجْعَل كمسح الرَّأْس فِي الْوضُوء دفْعَة، هَل الْفَرْض الْكل، أَو مَا يَقع عَلَيْهِ الِاسْم؟ ثمَّ قَالَ: (وَقد يَقُول الفطن: رُتْبَة الْفَرْضِيَّة فَوق السّنيَّة، وكل مصل من الْجَمِيع يَنْبَغِي أَن لَا يحرم الْفَرْضِيَّة، وَقد قَامَ بِمَا أَمر بِهِ، وَهَذَا لطيف لَا يَصح مثله فِي الْمسْح) انْتهى. قلت: وَقَرِيب مِمَّا قَالَ، لَو وَجب عَلَيْهِ سبع بَدَنَة فأخرجها كَامِلَة، هَل يُوصف الْكل بِالْوُجُوب، أَو السَّبع وَالْبَاقِي سنة؟ لنا فِيهِ وَجْهَان.

стр. 879

قَوْله: ﴿وَيسْقط [الطّلب الْجَازِم] بِفعل من يَكْفِي كسقوط الْإِثْم إِجْمَاعًا﴾ . وَذَلِكَ لِأَن الْمَقْصُود مِنْهُ الْفِعْل، وَقد وجد، وَيَكْفِي فِي سُقُوطه غَلَبَة الظَّن، فَإِذا غلب على ظن طَائِفَة أَن غَيرهَا قَامَ بِهِ سقط، قَالَه القَاضِي، وَالشَّيْخ تَقِيّ الدّين، والطوفي، وَغَيرهم. قَالَ الطوفي: (لَو غلب على ظن طَائِفَة أَن غَيرهَا قَامَ بِهِ سقط عَنْهَا، وَإِن غلب على ظن كل من الطَّائِفَتَيْنِ أَو الطوائف أَن الْأُخْرَى قَامَت بِهِ سقط عَن الْجَمِيع، عملا بِمُوجب الظَّن؛ لِأَنَّهُ كَمَا يصلح مثبتاً للتكاليف يَصح مسْقطًا لَهَا) انْتهى. وَقَالَ الْإِسْنَوِيّ فِي " شرح منهاج الْبَيْضَاوِيّ ": (وَإِن ظنت طَائِفَة قيام غَيرهَا بِهِ، وظنت أُخْرَى عَكسه، سقط عَن الأولى، وَوَجَب على الثَّانِيَة. وَقَالَ: فلك أَن تَقول: هَذَا يشكل بِالِاجْتِهَادِ؛ فَإِنَّهُ من فروض الْكِفَايَة، وَلَا إِثْم فِي تَركه، وَإِلَّا لزم تأثيم أهل الدُّنْيَا. فَإِن قيل: إِنَّمَا انْتَفَى الْإِثْم لعدم الْقُدْرَة. قلتنا: فَيلْزم أَن لَا يكون فرضا) انْتهى.

стр. 880

﴿ [قيل] : الثَّانِي فرض أَيْضا، [وَجزم بِهِ ابْن عقيل فِي " الْوَاضِح "] ، فَلَا يُجزئ بنية [النَّفْل] [وفَاقا للشَّافِعِيَّة] ﴾ ، وذكروه أَيْضا فِي صَلَاة الْجِنَازَة مرّة أُخْرَى، [لتعيينها] بشروعه، لِأَنَّهَا شرعت لمصْلحَة، وَهِي قبُول الشَّفَاعَة، وَلم يعلم. ورد: يَكْفِي الظَّن بِدَلِيل سُقُوط الْإِثْم. وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: (إِذا بَاشر الْجِهَاد وَقد سقط الْفَرْض، فَهَل يَقع فرضا أَو نفلا؟ علىوجهين كالوجهين فِي صَلَاة الْجِنَازَة إِذا أَعَادَهَا بعد أَن صلاهَا غَيره، وانبنى على الْوَجْهَيْنِ جَوَاز فعلهَا بعد الْعَصْر وَالْفَجْر مرّة ثَانِيَة، وَالصَّحِيح: أَن ذَلِك يَقع فرضا، وَأَنه يجوز فعلهَا بعد الْعَصْر وَالْفَجْر، وَإِن كَانَ ابْتِدَاء الدُّخُول فِيهِ تَطَوّعا كَمَا فِي التَّطَوُّع الَّذِي يلْزم بِالشُّرُوعِ، فَإِنَّهُ كَانَ نفلا ثمَّ يصير إِتْمَامه وَاجِبا) انْتهى.
следующие страницы →