← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6338

رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (2 330 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

وَالْوَقْفُ لِتَعَارُضِ التَّرْجِيحَيْنِ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَعَمَّ، خُصَّ بِالآخَرِ، وَسَيَأْتِي. هذا كلام المصنّف، وللمعترض أن يقول: لو ثبتت راجِحِيّته لم يقع فيه تَرَاخٍ كما عرفت. ولقد أشار إليه المصنّف بقوله: والثانية إجماع - أي: أن تقديم الأضعف يمتنع بالإجماع. وذكر ابنُ السَّمعاني في رَدّ طريقة أبي الحسين المتقدمة: أن الخبر الواحدي في العمل بمنزلة الخَبَرِ المتواتر، فليقدم أيضًا على القياس، وهذا منه ادّعاء [الراجحيّة] (١) الخبر، والحالة هذه، وفيه نظر. الشرح: "و" أما "الوقف" أي: فيما توقّفنا فيه، وهي ما إذا كانت العلّة بنصّ راجح ووجودها في الفرع ظنيًّا فإنما ذهبنا إليه، "لتعارض التَّرجيحين" - ترجيح خبر القياس بما ذكرنا من كونه راجحًا، وترجيح الخبر الآخر، لعلّة المقدّمات؛ لعدم انضمام القياس إليه. وجميع ما سلف في الخبر المُعَارض للقياس من كلّ وجه، ويقلّ وجود نظير له في الأَحْكَام الفرعية، وليس منه حديث بَرْوَع بنت وَاشِقٍ (٢)، حيث نكحت بلا مَهْرٍ، فمات عنها زوجها قبل الفرض والمسيس، فقضى لها رسول الله ﷺ بِمَهْرِ نسائها؛ لأن من أوجب المَهْرَ يقول: الموت مقرّر كالدّخول، فلا ينافي القياس، ولا حديث "مَنْ مَسّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ".

стр. 1017

" المُرْسَلُ وَالمُنْقَطِعُ" مَسْأَلَةٌ: الْمُرْسَلُ قَوْلُ غَيْرِ الصَّحَابِيِّ: قَالَ ﷺ . ثَالِثُهَا: قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: إِنْ أَسْنَدَهُ غَيْرُهُ أَوْ أَرْسَلَهُ وَشُيُوخُهُما مُخْتَلِفَةُ أَوْ عَضَدَهُ. وإذ لا مدخل للقياس في باب نواقض الوضوء، ولو دخل لعدم [حديث] (١) "إِنَّمَا هُوَ بُضْعَةٌ مِنْكَ" (٢)، لموافقته، ولم يكن مما نحن فيه؛ لأنه حديث موافق مع حديث مُخَالف، فيقدم الموافق، والذي فيه كلامنا حديث مخالف لقياس لا يعضده حديث. "فإن كان أحدهما أعمّ خصّ بالآخر، وسيأتي" في "التَّخْصيص" إن شاء الله تعالى. "مسألة" الشرح: "المرسل (٣) قول غير الصَّحابي: قال ﵊" في اصطلاح الأصوليين والشافعي ﵁ يطلق عليه المُنْقطع أيضًا.

стр. 1018

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي اصطلاح متأخّري المحدثين هو قول التَّابعي، فإن كان من تابعي التَّابعين، فمنقطعٌ، وإن كان ممن بعدهم فمُعْضَل. وفي المُرْسَل مذاهب: أحدها: قَبُوله وهو رأى مالك، وأبي حنيفة، وأشهر الرِّوَايتين عن أحمد، وعليه جمهور المعتزلة، واختاره الآمدي، ثم غَلَا بعض هؤلاء فزعم أنه أقوى من المسند. والثاني: ردّه، وبه قال الشَّافعي والقاضي، وهو الذي استقر عليه آراء جَهَابِذَة الحُفّاظ، ونقله مسلم بن الحَجّاج في صدر الصَّحيح عن قول أهل العلم بالأخبار. وقال الخَطِيب: هو قول أكثر الأئمّة من حفّاظ الحديث، ونقّاد الأثر. "وثالثها: قال الشَّافعي ﵁: إن أسنده غيره، أو أرسله، وشيوخهما مختلفة، أو عضّده".

стр. 1019

قَوْلُ صَحَابِيٍّ أَوْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَوْ عُرِفَ أَنَّهُ لَا يُرْسِلُ إِلَّا عَنْ عَدْلٍ قُبِلَ. وَرَابِعُهَا: إِنْ كَانَ مِنَ أَئِمَّةِ النَّقْلِ قُبِلَ وَإِلَّا فَلَا وَهُوَ الْمُخْتَارُ. لَنَا: أَنَّ إِرْسَالَ الْأَئِمَّةِ مِنَ التَّابِعِينَ كَانَ مَشْهُورًا مَقْبُولًا وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ كَابْنِ المُسَيَّبِ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَالْحَسَنِ وَغَيْرِهِمْ. فَإِنْ قِيلَ: يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ المُخَالِفُ خَارِقًا للإِجْمَاعِ. قُلْنَا: خَرْقُ الإِجْمَاعِ الْاسْتِدْلَالِيِّ أَوِ الظَّنِّيِّ لَا يَقْدَحُ. وَأَيْضًا: لَوْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا عِنْدَهُ لَكَانَ مُدَلِّسًا فِي الْحَدِيثِ. الشرح: "قول صحابي، أو أكثر العلماء، أو عرف أنه لا يرسل إلَّا عن عدل قبل"، كذا حكاه المصنّف عن الشَّافعي تبعًا للآمدي. "ورابعها: إن كان من أئمّة النقل قُبِل، وإلا فلا، وهو المختار" عند المصنّف سواء كان من التَّابعين، أو من غيرهم على خلاف ما فَهِمَ بعض الشَّارحين، وأراه مذهب عيسى بن أبان؛ حيث قبل مراسيل الصَّحابة والتابعين، وتابعي التابعين، ومن هو من أئمّة النقل مطلقًا، فاختصره المصنّف، وإلا فيلزم أن يكون اختار مذهبًا لم يسبق إليه. وكأن عيسى اعتقد أن التابعين وتابعيهم كلّهم من أئمة النقل، وإلا فيلزمه أن يقبل التابعين وتابعيهم مطلقًا، وردّ من عداهم إن لم يكن من أئمة النقل، وليس الأمر كما أعتقد، وسنذكر ذلك أيضًا. والصَّحيحُ عندنا: مذهب قُدْوتنا الذي هو سيّد المنكرين للمراسيل وهو أي: الإمام وأتباعه. وهنا نحن نَسْلك مع المصنّف مسلك الشَّارحين مع المُنَاضلة عن الحق المبين. وأول ما نُفَاتحه به أن نقول: لا حاصل لتفصيلك؛ إذ ليس الكلام إلا فيمن هو من أئمّة

стр. 1020

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . النَّقْل، والمراد بأئمّة النقل من لهم أهليّة الجَرْح والتعديل. وأما من ليس منهم فما نظنُّ بذي مُسْكَةٍ قبول مراسيله. وما نقله عن الشَّافعي ستعرف أنه ليس على وجهه، ولا نعرف أحدًا كذلك حكاه، بل المشهور عنه الرد رأسًا. ولإمام الحرمين نقل ستعرف ما فيه، وليس هو ما نقله المصنّف. وللشافعي نصوص سَنَحْكيها ليست دالّةً على ذلك. قال المصنّف: "لنا: إرسال الأمة من التابعين كان مشهورًا مقبولًا، ولم ينكره أحد؛ كابن المسيّب، والنَّخعي، والشَّعبي، وغيرهم". "فإن قيل: يلزم أن يكون المخالف خارقًا للإجماع". "قلنا: خَرْق الإجماع الاستدلالي (١)، والظني لا يقدح"، والإجماع الذي ادّعيناه من ذلك، فلا يقدح خَرْقه في خارقه. هذا كلام المصنّف، وخرق الإجماع حرام مطلقًا، ولكنا لا نسلّم وقوع الإجماع على قَبُول المراسيل، وهيهات ومن سَمّاهم كانوا يرسلون، ولكن لم قال: إن إرسالهم كان حجة؟ وإن أتى بصورة، فتلك قد عرف أنها مسندةٌ من وجه، وإذًا الحُجّة عليه لا له؛ لأنهم احتجوا بالمسند. فإن قلت: قال الإمام محمد بن جرير: إنكار المرسل بدعة حدثت بعد المائتين. إنما قلت: إن ثبت هذا عنه، فَمُرَاده حدث القَوْل به لما احتيج إليه؛ لأنّ أحدًا قبل ذلك لم يكن يعمل بالمَرَاسيل، فلما تطاول إلى العمل به احْتِيج إلى إنكاره، فكانت بدعة واجبةً، وهذا [ككثير] (٢) من الكلام في الصِّفات وأصول الديات.

стр. 1021

قَالُوا: لَوْ قُبِلَ لَقُبِلَ مَعَ الشَّكِّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ سُئِلَ، لَجَازَ أَلَّا يَعْدِلَ. قُلْنَا: فِي غَيْرِ الأَئِمَّةِ. إنما احتاج الأئمّة إلى إنكاره وقت وقوع قوم فيه، وذلك بعد صدر الإسلام، ويوضح هذا أن ابن جرير مع إمامته في الفِقْهِ والحديث كان من أجلاء الشافغية، فيبعد عليه نسبة إمامه الذي هو أدرى بمواقع الإجماع، والاختلاف من أمثاله إلى خرق الإجماع. وإن أراد ابن جرير ما فهم عنه فهو كلام رديء، محجوج بكلام مسلم بن الحَجَّاج الذي قدمناه، والخطيب، وغيرهما. والذي نعرف ذكره قديمًا للقائلين بالمراسيل، دعواهم الإجماع على قبول مرسل الصحابي. أما مرسل التابعي، فلا نعرفه عن إمام من أئمّة النقل ممن يقبل المرسل دعوى الإجماع فيه. ونحن نقول بمرسل الصَّحابي، ولا نسمّيه مرسلًا أيضًا، خلافًا للقاضي أبي بكر؛ حيث ردّه كما عرفت. قال: "وأيضًا مما يدلّ على قبول المرسل أن الأصل الذي سكت مرسل الحديث عن ذكره، "لو لم يكن عدلًا عنده لكان" الرَّاوي بسكوته عنه "مدلّسًا في الحديث"، وهو قادح، وهذا أضعف من الأول، فإن التدليس إنّما يحصل لو أوهم عَدَالته، ولم يجر منه غير ترك ذكره، وترك ذكره سكوت عنه لا يَدُلّ على شيء. وإن دلّ على عدالته عنده، فلم يلزم من عدالته عنده أن يكون عدلًا. الشرح: ولذلك إن علماءنا "قالوا: لو قُبل لقبل مع الشّك" في عدالة الرَّاوي؛ "لأنه لو سُئِلَ جاز ألا يعدل"، وقد جرى هذا لطوائف من الأئمة، منهم الزهري أرسل حديثًا ثم سُئِلَ من حَدَّثك به قال: رجل على باب عبد الملك بن مروان. ولو عدل فلم قلت: إن من هو عدل في نظره عدل عندنا؟

стр. 1022

قالوا لَوْ قُبِلَ لَقُبِلَ فِي عَصْرِنَا. قُلْنَا: لِغَلَبَةِ الْخِلَافِ فِيهِ، أَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَئِمَّةِ النَّقْلِ وَلَا رِيبَةَ تَمْنَع، قُبِلَ. والمصنّف أجاب عما ذكره علماؤنا بقوله: "قلنا في غير الأئمة"؛ لأن الأئمة لا يروون إلا عن عَدْلٍ، ولا يسكتون إلا عنه. وهذا جوابٌ سَاقِطٌ، فإن الإمام قد يروي، ويسكت عن غير العدل، وقد ذكرنا ابن شهاب وهو من هو. ولقد روى شعبة، وسفيان عن جَابِرٍ الجعفي (١) مع ظهور أمره في الكذب، وسكوتهم في بعض الروايات عن جرحه. ثم أكثر المراسيل عن الحَسَن، والنّخعي، وعطاء، ومكحول (٢)، وابن المسيّب، والشعبي، والزهري، ولقد أكثروا الرواية عن المَجَاهيل، ثم غاية الأمر أن يسلم لهم أن الأئمة لا يروون إلا عن عدل. ونقول: رُبّ عدل في اجتهاد الرَّاوي مُتّهم، غير عَدْل في اجتهادنا كما عرفناك، وهذا لأن أسباب الجرح والتَّعْديل مختلف فيها، فليبح باسمه ليعلم أهو عدل عندنا أم لا؟ الشرح: ثم إن علماءنا "قالوا" ثانيًا: "لو قُبِلَ لَقُبِلَ في عصرنا" لكان التَّالي منتفيًا

стр. 1023

قَالُوا: لَا يَكُونُ لِلإِسْنَادِ مَعْنًى. قُلْنَا: فَائِدَتُهُ فِي أَئِمَّةِ النَّقْلِ تَفَاوُتُهُمْ وَرَفْعُ الْخِلَافِ. لموافقة هذا الخصم فالمقدم مثله، والمُلَازمة واضحة؛ لأن علّة قبول المرسل [مع] (١) ظهور عدالة المُرْسل، وأنه على ما زعمتم لا يروى إلا عن عَدْل، وذلك معنى لا يختص بغير عَصْرنا. ودفع المصنّف هذا بقوله: "قلنا: لعلّ الخلاف فيه" - أي: الفرق أن غلبة الخلاف في عصرنا تمنع قَبُوله، وهذا الفرق ضعيف؛ لأن غلبة الخِلَاف لا تُصَيّر المقبول مردودًا. ثم قال: "أما إن كان من أئمة النّقل، ولا رِيبةَ تمنع قُبِلَ". ولك أن تقول: قد يوجد في عَصْرنا مَنْ هو من أئمة النقل، ثم انتفاء الرّيبة إن حصل لكونه من أئمّة النقل، فقولكم: ولا رِيبَة تمنع حَشْوه، وإلا فيعود على مذهبكم بالتَّخصيص؛ لأنكم: قلتم: مرسل أئمة النقل، ولم تشترطوا انتفاء الرِّيبَة. الشرح: ثم إن علماءنا "قالوا" ثالثًا: "لا يكون للإسناد معنى" لو قبل المُرْسل، بل يكون الإسناد تطويلًا بلا فائدة. وهذا من معتمدات أصحابنا وهو حسن؛ فإن هذه الأمة خَصّها الله - تعالى - بالأسانيد وهو من محاسنها. وما زال سلف الأمة يَتَطَلَّبونه، ويركبون القِفَارَ في تحصيله، ويسمون الأحاديث العارية عن الإسناد بَتْرًا. ولقد جعل إسحاق بن أبي فَرْوَةَ يومًا يرسل ويقول: قال رسول الله ﷺ وعنده الزهري، فقال: قاتلك الله يا بن أبي فَرْوَةَ ما أَجْرَأَكَ على الله، ألا تُسْند حديثك؟! قال حملة الشَّريعة: وترك الإسناد يذهب رُوَاء الحديث، وطَلَاوته وحَلَاوته. وقال عبد اللَّهِ بن المُبَارك، وغيره من العلماء: الإسناد يزيّن الحديث. وقال غيره الإسناد من الدِّين، لولا الإسناد لقال مَنْ شَاءَ ما شَاءَ.

стр. 1024

الْقَائِلُ مُطْلَقًا: تَمَسَّكُوا بِمَرَاسِيلِ التَّابِعِينَ وَلَا يُفِيدُهُمْ تَعْمِيمًا. قَالُوا: إِرْسَالُ الْعَدْلِ يَدُلُّ عَلَى تَعْدِيلِهِ. قُلْنَا: نَقْطَعُ بأَنَّ الْجَاهِلَ يُرْسِلُ وَلَا يَدْرِي مَنْ رَوَاهُ. والمصنف دفع هذا الدليل بقوله: "قلنا: فائدته في أئمة النقل تفاوتهم" … أي: إنما يذكرون ليعرف تفاوت دَرَجاتهم، "ورفع الخلاف" الواقع في المرسل. ولك أن تقول: كان التابعون يُسْندون قبل الخلاف في المُرْسل بالاتّفاق منا ومنك. أما منك فلدعواك أن القَبُول كان مجمعًا عليه. وأما منّا فلدعوانا أن الرد كان مجمعًا عليه. وهذا جواب جَدَلِيّ، والإنصاف، أنا على قطع بأنهم كانوا يسندون لَا لِوَاحِدٍ من هذين الأمرين، بل لمجرّد تصريح المرء بذكر شَيْخِهِ الذي حَدّثه. الشرح: واحتجّ "القائل" بالمَرَاسيل "مطلقًا" بأنّ العلماء "تمسّكوا بمراسيل التَّابعين"، فإنها قبلت كما مَرّ تقريره. قال المصنّف: "ولا يفيدهم تعميمًا"؛ فإنه يجوز اختصاص التَّابعين بمعنى يوجب قَبُول مراسيلهم، وهو كونهم من أئمّة الحديث. وهذا ضعيف؛ فإنه ليس كلّ تابعي من أئمّة النقل، بل فيهم الجاهل وغيره، والمصنف إنما أجاب بهذا؛ ليتمشّى له تفصيله الذي ذهب إليه، ونحن جوابنا عن هذا قدمناه، وهو المَنْع. ومن جواب المصنّف هذا أخذ بعض الشَّارحين أنَّ مراده بأئمّة النقل التابعون وهو عجيب، فإن في أئمة النقل من ليس بتابعي، وفي التَّابعين من ليس من أئمّة النقل. وأي معنى يوجب اخْتِصَاص التابعي، وإن كان عاميًّا، فالمأخذ إن كان كونه من أئمّة النقل لا اختصاص له بالتَّابعي، وإن كان كونه تابعيًّا لا وجه له، ثم لا نعرف أن أحدًا قال به، وإنما المصنف ظن أن جميع التابعين من أئمة النَّقْل، فقال: من احتج بهم لم يستفد تعميمًا، أي: في أئمة النقل وغيرهم؛ لأنّ غيرهم ليس في مَعْنَاهم. وهذا حينئذ واضح، وقد عرفت ما فيه.

стр. 1025

وَقَدْ أُخِذَ عَلَى الشَّافِعِيِّ ﵀، فَقِيْلَ: إِنْ أُسْنِدَ، فَالْعَمَلُ بِالْمُسْنَدِ؛ وَهُوَ وَارِدٌ، وَإِنْ لَمْ يُسْنَدْ، فَقَدِ انْضَمَّ غَيْرُ مَقْبُولٍ إِلَى مِثْلِهِ، وَلَا يَرِدُ؛ فَإِنَّ الظَّنَّ قَدْ يَحْصُلُ أَوْ يَقْوَى بِالانْضِمَامِ. ثم إن [الرَّاوين] (١) "قالوا: إرسال العَدْل يدلّ على تعديله". "قلنا: نقطع بأن الجَاهِلَ يرسل، ولا يدري من رواه"؛ فضلًا عن معرفته بعَدَالته. كذا أجاب المصنّف، ولك أن تقول: إذا كان المرسل بهذه المَثَابة، فما نرى أحدًا من الأئمة يقبل إرساله. وأما العالم، فمن أين لكم أن إرساله دالّ على تعديله؟ وهل جرى منه إلا السكوت؟ وللعدالة شرائط لا تحصل بمجرّد الرواية. وقد ذكرنا أن طوائف من الأمّة كانوا يروون عن المَجَاهيل، ولا أحفظ عن أحد ممن له بَصِيرَة بالحديث احتجر على العالم، وقال: لا يروى إلا عن العَدْل، ولو سلّم ذلك فالعَدْل عنده لا يلزم أن يكون عدلًا عندنا كما عرفت. الشرح: "وقد أخذ على الشَّافعي ﵀ " في قوله: إن أرسل ما أسنده غيره قُبل، "فقيل: إن أسنده"، "فالعمل بالمسند وهو وارد. وإن (٢) [لم] (٣) يُسْند فقد انضمّ غير مقبول إلى [مثله] (٤) ولا يرد، فإن الظَّن قد يحصل، أو يقوى بالانضمام". والآخذ على الشَّافعي هو القاضي أبو بَكْر، فأما اعتراضه فيما إذا أرسله راوٍ آخر، فقد أجاب عنه المصنّف. وأما فيما إذا أسنده آخر، وقول المصنف: إنه وارد فغير مقبول، وما الشَّافعي ممن ينال كلامه بالهُوَيني. ولقد وقف سلطان الكلام أبو المَعَالي وَقْفَة حائر، إذ استعظم اقتحام الأهوال، بمخالفة [الشَّافعي] (٥)، وتوقى منه بأن ذلك الخبر لا يرد إلا رأيًا مرذولًا فقال: مخالفة

стр. 1026

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الشَّافعي في الأصول شديدة، وهو ابن بَجْدَتها، وملازم أَرُومتها، ثم قال: الذي لاح لي أن الشَّافعي لا يرد المراسيل، ولكن يبقى فيها مزيد تأكيد يغلب الظن. قال: وقد عثرت من كلامه على أنه إذا لم يجد إلا المرسل مع الاقتران بالتَّعديل على الإجمال عمل به. قال: [فكان] (١) إضرابه عن المَرَاسيل في حكم تقديم المَسَانيد عليها. قلت: وهذا لا نعرفه عن الشَّافعي، والثابت عنه ردّ المراسيل رأسًا، وإنما هذا شيء ضعيف ذكره المَاوَردِيّ، وسنتكلّم عليه. ولقد تباهى ابنُ السَّمْعاني في التَّغليظ على إمام الحرمين، وقال: أجمع كل من نقل عن الشَّافعي من العراقيين والخراسانيين؛ أنّ أصله ردّ المراسيل، وأنها لا تقبل بنفسها بحال. وذكر الشَّيخ الإمام الوالد ﵀ في "باب الرّبا"، من "شرح المهذب" بعد أن حكى هذه الأماكن التي ادّعى قوم أن المُرْسل يقبل فيها في الرد عليها ما هو بليغ، ولكنه [لم] (٢) يَنُحُ نحو المصنف، فإنه يدعي أن الشَّافعي لا يقبله رأسًا، فإذا رد على هذه الأماكن لم يكن رادًّا على الشافعي في زعمه. وأنا سأحكي كلام الشَّيخ الإمام في الموضع المُنَاسب له، وذلك بعد مجادلة القاضي، فأقول: قبول المرسل إذا اعتضد بِمُسْند لا يعترض بما ذكر القَاضِي، فإنه غير وارد؛ لأن الاحتجاج إنما يكون بالمُسْند لو نهض بنفسه حُجّة. ولعلّ الشافعي أراد بالمُسْند المنضمّ إلى المرسل مسندًا لا ينهض بنفسه حُجّة، وإذا ضمّ إلى المرسل قام المرسل حجة، وهذا ليس عملًا بالمسند، بل بالمرسل إذا زالت التُّهمة عنه؛ وهذا لأنه لم يرد المراسيل بالتَّشَهِّي، بل للتُّهمة. فإذا زالت وجب قبوله، ولا يكون ذلك منه قبولًا لشيء من المراسيل؛ لأن المرسل بقيد انضمامه غير المُرْسل من حيث هو، والذي ردّه المرسل من حيث هو. وقد اتّفق العلماء قاطبةً على أنَّ الحجيج لو وقفوا يوم العَاشِرِ غلطًا أجزأهم، واستندوا

стр. 1027

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . إلى ما روى مرسلًا أن النبي ﷺ قال: "عَرَفَةُ الذي يعرف الناس فيه"؛ (١)؛ لأنه روى مسندًا "عَرَفَةُ يَوْمَ يُعْرَفُ الإمَامُ" (٢) وفي سنده محمد بن إسماعيل قاضي "فارس" تفرد به عن سفيان. ولئن سلمنا أنه أراد المسند المنضمّ مسندًا يحتج به، فلم قلتم: إن الاحتجاج؛ إذ ذاك إنما هو بالمسند، بل الإسناد يعرفنا أن الإرسال وقع عن عدل يحتج به؛ ويوجب لنا الاحتجاج [بكل منهما، ويصير هذا المرسل الذي عرف بالإسناد عدالة المتروك ذكره فيه دليلًا] (٣)؛ كالمسند المناظر الاحتجاج بما شاء منهما. وهذا قبول للمرسل أيضًا [بشريطة] (٤)، وليس هو من مذاهب القوم في شيء، ولأن العمل أيضًا بالمراسيل. ويحتمل أن يقال: إن الشافعي لم يرد بالمسند: أن يقع للحديث إسناد من وَجْه آخر. وإنما أراد أن عدلًا يخبرنا باسم الذي أهمل المُرْسل ذكره، فيصير كالمسند لمعرفتنا (٥) بالمتروك اسمه. ولذلك قال - كما نقله عنه القاضي -: المرسل إذا أسنده حافظ مأمونٌ - أي: أن الحافظ المأمون سمى لنا الرجل المتروك - فإذًا الإسناد واحد، ولنا: تسميته مرسلًا باعتبار رواية المرسل، ومسندًا باعتبار إسناد المسند، فإذا قبلناه. قلنا: المسند الذي هو مرسل، هذا غير ما تقدّم فافهمه، وهو مثل مرسل سعيد، وأبي

стр. 1028

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . سلمة؛ أن النبي ﷺ قال: "الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقَسَّمْ؛ فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ فَلَا شُفْعَةَ" (١) رواه الشَّافعي عن مالك عن سعيد، وأبي سلمة، واحتج به؛ لأنه روى بهذا الإسناد مسندًا، فروى أبو عاصم الضَّحاك (٢) بن [مخلد] الشَّيْبَاني، وابن أبي فتيلة، وعبد الملك بن المَاجِشُون (٣) عن مالك عن الزّهري عن سعيد، وأبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: وما هذا شأنه مرسل، مسند باعتبارين، وليس كما في مراسيل أبي داود بسند جَيّد إلى سعيد بن المسيّب قال: قال رسول الله ﷺ : "دِيَةُ كُلِّ ذِي عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ أَلْفُ دِينَارٍ" (٤)، فإنه لم يعتضد بأن صرح لنا باسم المَتْروك، بل عارضه أن سعيدًا نفسه قال فيما رواه الدَّارَقُطني: كان

стр. 1029

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . عمر ﵁ يجعل دِيَة اليَهُودي، والنصراني أربعة آلاف درهم، والمجوسي ثَمَانمائة درهم (١). وهذا وإن كان عند قوم منقطعًا؛ لأنّ ابن المسيّب لم يسمع من عمر، لكنه ينتهض معارضًا لمرسله؛ لأن المرسل في نفسه ليس بحجّة، فإذا لم ينضم إليه ما يقويه، ولكن بما يضعّفه كان أضعف. فإن قلت: ألستم تقبلون مراسيل سعيد بن المسيّب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن؟. قلت: ستعرف ما عندنا في ذلك، والحاصل أنا لا نقبلها إلّا عند اعتقاد أنها مُسْندة، وليس ما أوردنا منها.

стр. 1030

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وَلْنَحْكِ نَصّ الشَّافعي ﵁ على صُورته، قال ﵁ في "الرسالة (١): المنقطع مختلف، فمن شاهد أصحاب رسول الله ﷺ من التّابعين، فحدّث حديثًا عن رسول الله ﷺ اعتبر عليه بأمور. منها: أن ينظر إلى ما أرسل من الحديث، فإن شركه فيه الحُفَّاظ المأمونون، فأسندوه إلى رسول الله ﷺ بمثل معنى ما أرادوا - كانت هذه دلالة على صحة من قُبِلَ عنه وحفظه، انتهى. ومشاركتهم له فيه ظاهرها، أن يكون أسند السّند لا يمتاز عنه بالتصريح باسم المتروك. وقد وقع للقاضي في "التقريب" أنه نقل عن الشَّافعي؛ أنه قال في المواضع التي يقبلها من المراسيل: استحبّ قبولنا، ولا أستطيع أن أقول: إن الحجة [تثبت] (٢) بها ثبوتها بالمتصل، انتهى. قلت: وهذا النص مَسْطُور في "الرسالة". قال القاضي: فقد نصّ بذلك على أن القَبُول عند تلك الشروط مستحبّ لا واجب. قلت: وهذا كلامٌ ضعيف، فلم يُرِد الشَّافعي بالاستحباب قسيم الوجوب، ولا في الأدلّة ما يكون الأخذ به مستحبًّا؛ لأنه لا تخيير في إثبات الأحكام، بل إما أن يظهر موجبها فيجب، أو لا فيحرم. فإن كان المرسل عند الاقتران بشيء من ذلك حُجّة - وجب الأخذ به، وإلا حرم، ولا تعلّق للاستحباب بما نحن فيه. وإنما مراده: أن الحجة فيها ضعيفة ليست كحجة المتصل. وإذا انتهضت الحُجّة وجب الأخذ لا مَحَالة، لكن الحُجَج متفاوتة، وينفعك ذلك [عند] (٣) التَّعَارض، فإذا عارضه مُتَّصل كان المتصل مقدمًا عليه. وقال الشيخ الإمام ﵀: يحتمل أن يكون مراد الشَّافعي. أنه لا يجب العمل به بمجرّد اقترانه بمرسل آخر، وقول صحابي أو فُتْيا الأكثر، ولا يرد معها، ويطلب دليل آخر

стр. 1031

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مجرد كما لو يرد أصلًا، بل يجب النَّظر في ذلك وفيما يعارضه، أو يوافقه من بقيّة الأدّلة كالقياس وشبهه، فالعمل بما يترجّح من الظن. والله أعلم. وأما قبول الشافعي المرسل إذا عضده صحابي، فلو صح عنه لم يوجب قولًا بالمرسل كما عرفت. وأما إذا عضَده أكثر العلماء، فقد اعترضه القاضي بأنه إن أراد بالأكثر الأمة فهو الإجماع، والحجّة حينئذ فيه لا في المرسل، وإن أراد بعض الأمة، فقولها ليس بحُجّة، والكلام فيه كالكلام في اعتراضه الأوّل من التزام كلّ من الأمرين، ولا يرد ما ذكره. وعبارة الشَّافعي في "الرسالة"، ولذلك (١) إن وُجد عَوَامّ من أهل العلم يفتون بمثل معنى ما رووا عن رسول الله ﷺ . وأما إذا عرف أنه لا يروى إلا عن عَدْلٍ، فلا يتجه إلا قبوله. وقد نصّ عليه في "الرسالة"، ومرسلاته حينئذ مَسَانيد، فلا وَجْه لردّها، وهو كمن قال: إذا قلت لكم: قام زيدٌ فاعلموا أن عمرًا أخبرني، ثم قال: قام زيد، فهو ثانيًا مسند عن عمر، ومعنى بما مَهّده أولًا مسند لفظًا. ولكنّا نقول: ينبغي أن يكون هذا فيمن عرف منه أن الذي يطوى ذكره ممن لا رَيْبَ في عدالته كالصّحابي، أو أنه رجل معروف في نفسه حيث طوى ذكره، فلا يقال علينا: جاز أن يكون عدلًا عنده غير عَدْل عندنا. ومن هذا القَبِيل: سعيد بن المسيّب على ما ذكره طائفة من أئمّتنا، ذكروا أنه لا يرسل عن غير أبي هريرة، وأبو هريرة صَحَابي عَدْل رضا، فتكون مرسلات سعيد مَسَانيد وهذا في الغالب من حالة فإنَّ الخطيبَ الحافظَ أبا بكر وغيره من النقّادِ ذكروا أن له مَرَاسيل لم توجد مسندةً بحال من وجه يصح. ونحن قد قدمنا مرسله في دية الذمي، ورددناه بمثل هذا. ومن هنا نتنبه لدقيقة، وهي أن الشَّافعي على القول بقَبُول مرسلات سعيد، لم يقبلها لكونه اعتبرها فوجدها مسانيد - كما يظنّه بعض الضعفاء، فإن ذلك يوهم أن الإسناد حاصل عنده في المُرْسل بعينه، ويكون حينئذ الاحتجاج به احتجاجًا بالمسند كما تقدم، بل لما كان

стр. 1032

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . حال صاحبها أنه لا يروى إلا مسندًا عن ثِقَةٍ حمل هذا المرسل على ما عرف من عادته، فيحتج به لذلك، نبّه على هذا الشيخ الإمام ﵀. قلت: ولذلك ما ظهر فيه أنه على خلاف العادة كَمُرْسَله في دِيَةِ الذِّمِّي لا يقبله. ويؤيد هذا: أنا نقبل مَرَاسيل الصَّحابي، وإن احتمل روايته عن تابعي؛ لأن الغالب أنه لا يروى إلا عن النَّبي ﷺ لا سيما حالة الإطلاق فحمل حالة الإطلاق على الغالب المألوف من عادته. ويحتمل أن يقال: إن ثبت عن الشَّافعي؛ أنه قال: اعتبرت مراسيل سعيد، فوجدتها مسانيد، فأنا أحتج بها. فمراده المَرَاسيل التي سَاقَهَا في مذهبه، واحتج بها كمرسله في بيع اللَّحم بالحيوان (١)، ونحوه على أن ذلك لم يثبت عن الشَّافعي في الجديد. قال المَاوَرْدِيّ: حكى عن الشَّافعي؛ أنه أخذ بمراسيل سعيد في القديم، وجعلها بانفرادها حُجّة؛ لأنه لم يرسل حديثًا إلا وجد مسندًا، ولا يروي أخبار الآحاد فلا [يحدث] إلا بما سمعه من جَمَاعة، أو عضَده قول الصحابة، أو رآه منتشرًا عند الكافة، أو وافق فعل أهل العَصْر.

стр. 1033

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وكونه إنما أخذ عن أَكَابر الصحابة، ومراسيله سبرت، وكانت مأخوذة عن أبي هريرة، ومذهب الشَّافعي في الجديد أنّ مرسل سعيد، وغيره ليس بحجّة. قال الشيخ الإمام ﵀: وهذه الأمور التي ذكرها المَاوَرْدِي في حقّ سعيد أمور ضعيفةٌ، لم يثبت شيء منها ولا يعرف، بل قد روى سعيد في "الصّحيحين" عن أبيه المسيّب، فالصَّحيح ما قاله الخطيب، وهو الذي نسبه المَاوَرْدِي إلى الجديد. قلت: والذي قاله الخطيب بعد أن ذكر قول الشَّافعي في "المختصر" في مسألة بيع اللَّحم بالحيوان: وإرسال ابن المسيّب عندنا حسن، اختلف أصحابنا في [قوله] (١) هذا بيع. فمنهم من قال: أراد أن مرسله حجّة، لا أن مراسيله تتبعت فوجدت مسانيد عن الصحابة من جهة غيره. ومنهم من قال: لا فرق بين مرسل سعيد وغيره من التابعين، وإنما رجّح الشافعي، والترجيح بالمرسل صحيح وإن لم يكن حجّة بمفرده، وهذا هو الصّحيح؛ لأن في مراسيل سعيد ما لم يوجد مسندًا بحال من وجه يصح. ا. هـ كلام الخطيب ذكره في "الكفاية". قال الشيخ الإمام: وإنما يفعل الشَّافعي ذلك في كبار التابعين، وأما غيرهم فلا يقبل مرسله، لا منفردًا ولا مضمومًا. قلت: وأما في "الرسالة": وكل حديث كَتبْتُهُ منقطعًا، فقد سمعته متصلًا أو مشهورًا عمن روى عنه بنقل عامّة من أهل العلم يعرفونه عن عامّة، ولكن كرهت وضع حديث لا أتقنه حفظًا خفت طول [الكتاب] (٢)، وغاب عني بعض كتبي. انتهى. فَرَضِيَ الله عنه قد نبّه على أن كل ما يورده من المنقطعات فهو متّصل، سواء ابن المسيّب وغيره، فإذًا ما في كتبه من المَرَاسيل كلّها مسانيد، وقد انكشف عنَّا بهذه الفائدة الجليلة غمة، وهي: أنه ربّما رأينا في كتبه الاحتجاج بمرسل، فيحسبه من لم يحفظ هذه الفائدة مدخولًا؛ لأنه لا يحتجّ بالمراسيل، وقد أبانت هذه الفائدة عن أن ذلك الذي شاهدناه مرسلًا عنده متصل؛ فلذلك احتج به.

стр. 1034

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ثم ساق الشَّيخ الإمام كلام "الرسالة" الذي قدمنا بعضه، وهو قول الشافعي: المنقطع مختلف، فمن شاهد أصحاب رسول الله ﷺ من التابعين، فحدّث حديثًا منقطعًا عن النبي ﷺ اعتبر عليه بأمور. أن يسنده غيره من الحُفّاظ المأمونين بمثل معنى ما روى، أو مُوَافقة مرسل غيره، وهي أضعف من الأول، أو موافقة قول صَحَابي، أو عوامّ من أهل العلم يفتون بمثل معنى ما روى. فإذا وجدت الدلالة لصحة حديث بما وصفت، أحببت أن يقبل مرسله، ولا نستطيع أن نَزعم أن الحجة [تثبت] (١) به ثبوتها بالمتّصل. وأما من بعد كبار التابعين الذين كثرت مشاهدتهم لأصحاب رسول الله ﷺ - فلا أعلم منهم واحدًا يقبل مرسله. انتهى. ثم قال الشيخ الإمام علي قول المَاوَرْدِي: إن المرجّحات للمرسل التي إذا اعتضد به واحد منها صار معها حُجّة على الجديد أحد سبعة أشياء: قياس، أو قول صحابي، أو الأكثر، أو الانتشار بلا رافع، أو عمل أهل العصر، أو ألا يوجد دليل سواه. قلت: وهذا السَّابع الذي قدّمناه عن إمام الحرمين. قال الشيخ الإمام: وفي كلام الشَّافعي المنقول عن "الرسالة" اعتضاده بمرسل أو مسند آخر، وليس في كلام المَاوَرْدِي، فإذا جمعت بين الكلامين كانت المرجحات [تِسْعة] (٢)، ثم في بعضها أو أكثرها مشاحَّة. منها: قول المَاوَرْدِي: ألا يوجد دليل سواه، فإن المرسل إذا لم يكن في نفسه دليلًا، ولم يوجد دليل سواه كانت المسألة لا دليل فيها أصلًا، ولا يجوز إثبات حكم بشيء لا نعتقده دليلًا؛ لأنا لم نجد غيره. وإن قيل: إنه [في] (٣) هذه الحالة دليل دون غيرها، فنقول: في غير هذه الحالة إذا كان هناك دليل موافق الحكم ثابت بلا إشكال، ولا غرض في إسناده، أو مخالف راجح - قدم على المرسل مع القول بأنه حُجّة، وإن كان مرجوحًا لم يقدم عليه.

стр. 1035

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وحينئذ ينبغي لمن يعمل به عند فَقْد الدليل مطلقًا أن يعمل به هنا لِرُجْحَانه، وهو مصير إلى أن المرسل حجّة، والتفريع على خلافه، ولا ينفع التعليل بأنه حُجّة ضعيفة، فجاز أن يدفع بأَدْنَى معارض، وإن كان مرجوحًا؛ لأن ذلك بحث جَدَلِيّ لا طَائِل تَحْته. انتهى. قلت: قد يقال: إذا لم يوجد دليل سواه فيكون فائدته ألا يرد، ولا يكون الحال كحال لا دليل فيها أصلًا، بل ينظر كما قدمناه عن الشيخ الإمام في مراسيل من علم أن مراسيله غالبًا مسانيد. وتظهر فائدة ذلك فيما إذا روى شيئًا على خلاف البراءة الأصلية. فقد يقال: يجب الانْكِفَاف إلى اسْتِتْمَام البحث، ولا يحدث إثبات حكم، ولكن الوقف هناك من باب الاحتياط، وهذا كما قال إمام الحرمين في المجهول إذا روى خبرًا: إنه يجب الانْكِفَاف ويبحث عن حاله. وبهذا يندفع قول الشيخ الإمام: لا يجوز إثبات حكم بما لا نعتقده دليلًا. فنقول: نحن لا نثبت حكمًا، وإنما نكفّ عما كُنّا عاملين به إلى اسْتِتْمَام البحث، فإن أراد الماوردي، وإمام الحرمين بالعَمَلِ بالمرسلِ، إذا لم يوجد دليل غيره هذا، فلا بأس به، وإلا فالحق ما قاله الشيخ الإمام. وقوله: في غير هذه الحالة إن الحكم ثابت [بلا إشكال] (١)، ولا غرض في إسناده. صحيح، ولكن اجتماع دليلين حَسَن. وقوله: في المخالف المرجوح ينبغي العمل بالمرسل حينئذ، والتفريع على خلافه. قد يقال عليه: ليس التفريع على خلافه؛ لأن المَاوَرْدِي يدعي أن الشافعي يستثنى هذا الموضع من رد المراسيل. وأما كونه حجّة ضعيفة على القول به، فلا بد من ذلك، فإن الحجج مُتَفَاوتة. ثم قال الشيخ الإمام: وأما اعْتِضَاده بمسند، فإذا كان المسند صحيحًا، كان العمل به لا بالمرسل. وأما بمرسل آخر، فإذا لم يكن المرسل حجّة، لم يفد اقترانه بما ليس بحجّة، وكذلك قول الصَّحابي وفعله، وقول الأكثرين والانتشار.

стр. 1036

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وأما القياس فإن كان قياسًا صحيحًا فهو حُجّة في نَفْسِهِ غير مفتقر إلى المرسل، ولا يصير المرسل حجّة. كما لو اقترن بالقياس الصَّحيح قياس فاسد، وإن كان القياس لا يجوز التمسُّك به لو انفرد، فقد انضم ما ليس بحُجّة إلى ما ليس بحُجّة. وغاية ما يتخيل أنَّ الشافعي لم يلاحظ في ذلك إلا قوّة الظَّن، فإن المرسل يثير ظنًّا ضعيفًا، وليس كالقياس الفاسد. وما لا يثير ظنًّا أَصلًا، فإذا اقترن المرسل المثير للظَّن - بأمر مقوّ للظَّن جاز أن ينتهي إلى حد يتمسّك به. ثم ذلك الحدّ ليس مما يضبط بعبارة شاملةٍ، بل هو موكول إلى نظر المجتهد. وها هنا تتفاوت رتب العُلَماء، ويفارق المجتهدون من سواهم من الجامدين على أمور كلّية يطردونها في كل وِرْد وصَدْر. وإنما [جمد] على ذلك أكثر المتأخّرين؛ لبعدهم عن التكيُّف بِفَهْمِ نفس الشَّريعة، أو التمييز بين مَراتب الظُّنون، وما يقتضي نفس الشَّارع في اعتباره وإلغائه. وهذه رُتْبة عزيزة سبق إليها المتقدمون، ولو حاول محاول ضبط ما يحصل من اجتماع تلك الأمور بالموازنة بينه وبين الظّن المستفاد من قياس صَحِيح من أوّل درجات القياس، أو خبر واحد فما سَاوَاه كذلك اعتبر، وما نقص ألغى لم يكن مبعدًا، لكنه ليس كمال المَعْنَى المشار إليه، بل هو غاية ما تحيط به العِبَارة لمن يَبْغى ضبط ذلك بقواعد كلية، ويؤتى الله - تعالى - وراء ذاك لبعض عباده ما يقصر عنه الوَهْم. ومن جَدّ وجد، ومن ذَاقَ اعتقد، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [سورة النور: ٤٠]. انتهى كلام الشيخ الإمام ﵀. ولقد كان ﵁ كما وصف وأزيد، وقد تضمّن كلامه ما أشرت إليه من تأييد العمل بالمُرْسل في هذا الموضع؛ لانضمام ظنّ إلى ظنّ حصل بهما ظن متهيأ مثله في العمل بأوائل الأقيسة الصَّحيحة وخبر الواحد، وإياه أراد الشَّافعي إن شاء الله. وما قدمناه عن المَاوَرْدِي والخطيب من [قول] (١) الشَّافعي في الجديد في "كتاب

стр. 1037

" الحَدِيثُ المُنْقَطِعُ وَالمَوْقُوفُ" وَالْمُنْقَطِعُ: أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا رَجُلٌ؛ وَفِيهِ نَظَرٌ. وَالْمَوْقُوفُ أَنْ يَكُونَ قَوْلَ صَحَابِيٍّ أَوْ مَنْ دُونَهُ. الرهن" الصَّغير: إنه حجة، ويؤيد ذلك عبارة "المختصر": إنه حسن. قال الشيخ الإمام: ونظرت كتاب الرهن الصَّغير من "الأم"، فوجدت فيه ما يدلّ على ذلك دلالة قويّة، ثمّ ساق لفظ الشَّافعي. وفيه في حديث ابن المسيّب لا يغلق الرهن من صاحب الدين له غنمه وعليه غُرْمه، كيف قبلتم عن ابن المسيّب منقطعا، ولم تقبلوه عن غيره؟ قال الشَّافعي: لا نحفظ أن ابن المسيّب روى منقطعًا إلا وجدنا ما يدلّ على مسنده، فمن كان بمثل حاله قبل منقطعه، ثم قال مشيرًا إلى التابعين: ففرقنا بينهم لافتراق أحاديثهم ولم [نحابي] (١) أحدًا، ولكنا قلنا في ذلك بالدلالة البينة على ما وصفناه. قال الشيخ الإمام: وأشار شيخنا ابن الرِّفْعَة إلى أن الرّهن الصغير من القديم، وإن كان من كتب [الأم] (٢) قال: ولذلك نسب المَاوَرْدِي قبول رواية ابن المسيّب إلى القديم. قلت: فإن ثبت هذا لم يكن كلام الروياني مخالفًا لكلام المَاوَرْدِي، ولكنه لم يثبت، ولا يثبت أيضًا ما ادّعاه إمام الحرمين في كتاب الخُلْع من أن "الأم" كلها من القديم. ولقد أتى الشَّافعي ﵁ في دفع المَرَاسيل بلطيفة، وهي اعتبار الرّواية بالشَّهادة، فإنا أجمعنا على رَدّ الشَّهادة المرسلة، وهي إذا لم يذكر شهد على شهادة، ووجهه: أنّ الشَّاهدين إذا كانا عَدْلين، لم يجز أن يشهدا على شَهَادة شاهدين يخفيان ذكرهما، وهما غير عدلين مثل الرِّواية سواء، ومع ذلك لا يصير تركهما لذكرهما دليلًا على تعديلهما، بل لا بُدّ من ذكرهما مع الشَّهَادة على الشهادة، فكذا في الرواية لا بد من ذكر المَرْوِي عنه، ولا فرق بين الشَّهَادة والرواية فيما يرجع إلى العدالة، والخلاف في قبول المرسل وردّه راجع إلى العدالة. هذا تَمَام الكلام على المرسل، وبسطناه لاحتياج الشَّافعية إليه. الشرح: "والمنقطع: أن يكون بينهما" - أي: بين الروايتين - "رجل" لم يذكر، ولم

стр. 1038

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يعرف (١). "وفيه" - أي: في قبوله - "نَظَر" يعرف من الكلام في المُرْسل. "والموقوف: أن يكون قول صحابي، أو مَنْ دونه". ولا حُجّة فيه إذا لم يكن قول صحابي، وكذا إن كان [عند] (٢) علمائنا. "فائدة" حديث عُرْوَة البَارِقِي (٣) الذي أعطاه النبي ﷺ دينارًا ليشتري به شاةً، فاشترى شَاتَيْنِ،

стр. 1039

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فباع إحديهما بدينار، فجاء بدينار وشاة، فدعا له بالبَرَكَةِ في بيعه، في البخاري [من] (١) حديث سُفْيَان عن [شبيب بن غرقدة] (٢) قال: سمعت الحي يتحدثون عن عروة، ولكنه كما تراه بجَهَالَةِ الحَيِّ. فإن قلت: فلم احتجّ به الشَّافعي على أن [من] (٣) وُكِّل في شراء شَاةٍ بدينارين له أن يشتري شَاتَيْن بدينار، ولم يحتج به في جواز بيع الفضولي؟ قلت: لأنه في تلك موافق للقياس، وهو يحتج بالمرسل إذا وافق القِيَاس، وهو في بيع الفُضُولي مخالف للقياس، فلم يحتج به. ونظير احتجاجه به هنا لمُوَافقته القياس احتجاجه على المُسَافر لا يجب عليه قضاء صلاة صلّاها بالتيمُّم لِفَقْدِ الماء؛ لحديث عطاء بن يسار مرسلًا "خَرَجَ رَجُلَانِ في سفر فحضرت الصلاة، وليس معهما ماء فتيمَّما صعيدًا طيِّبًا وصلَّيا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما، ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله ﷺ فذكرا ذلك له فقال للذي لم يعد: "أَصَبْتَ السُّنَّةَ، وَأَجْزَأَتْكَ صَلَاتُكَ"، وقال للذي توضّأ وأعاد: "لَكَ الأَجْرُ مَرَّتَيْنِ" (٤) رواه أبو داود - فإنما احتجّ الشَّافعي بهذا المرسل لاعتضاده بالقياس على المَرِيضِ، وبإجماع الفقهاء السَّبعة والجمهور.

стр. 1040

" الكَلَامُ فِي الأَمْرِ" (١) الْأَمْرُ (أَ - مَ - رَ): حَقِيقَةٌ فِي القَوْلِ الْمَخْصُوصِ اتِّفَاقًا، وَفِي الْفِعْلِ: مَجَازٌ. وَقِيلَ: مُشْتَرَكٌ. وَقِيلَ: مُتَوَاطِئٌ. الشرح: "الأمر" (٢) - ولا نعني به مُسَمّاه؛ كما هو المتعارفُ في الألفاظ يلفظ بها، والمراد مسمياتها بل لفظة الأمر، وهو "أ" "م" "ر" حقيقة في القول المخصوص" - وهو صيغة افعل - "اتفاقًا".

стр. 1041

لَنَا: سَبْقُهُ إِلَى الْفَهْمِ، وَلَوْ كَانَ مُتَوَاطِئًا، لَمْ يُفْهَمْ مِنْهُ الأَخَصٌّ كَـ"حَيَوَانٍ" فِي "إِنْسَانٍ". "وفي الفعل مجاز" - ومنه قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٥٩] أي: الفعل الذي يعزم عليه. "وقيل: مشترك" بين القَوْل والفعل، وهو رأي طوائف. "وقيل: متواطئ" - أي: موضوع للقَدْرِ المشترك بين القول والفعل - وهو رأي الآمدي (١). فإن قلت: كيف ادّعى الاتفاق على أنه حقيقةٌ في القول المخصوص، ثم حكى القول بالتواطؤ، وهو يقتضي ألا يكون حقيقةً في القول المخصوص؛ وذلك لأن الوضع في التواطؤ للأعم، والقول المخصوص أخص منه، واستعمال الأعم في الأخص مجاز. قلت: لعلّه رأى قول التواطؤ حادثًا لا يَدْرأ الاتفاق؛ كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وقيل: مشتركٌ بين القول المخصوص والفعل والشَّأن؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٠] أي: شأننا وطريقنا. والصفة: مثل: لأمر ما يسود من يسود، أي: بصفة، والشيء مثل: لأمر ما جَدَع قصيرٌ أَنْفَه - أي: لشيء. وقال أبو الحسين في "المعتمد" (٢): مشترك بين الشيء والصِّفة، وبين جملة الشأن والطريق، وبين القول المخصوص. هذا كلامه وإذن لا يطلق عنده على الفِعْلِ إلا من حَيْث دخوله في الشَّأن؛ لا لأنه موضوع له بخصوصه على خلاف ما نقل عنه. الشرح: "لنا: سبقه" - أي سبق: القول - "إلى الفهم، ولو كان متواطئًا لم يفهم منه الأخص"؛ لأن القول حينئذ أخص من مَدْلوله "كحيوان في "عدم فهم "إنسان" منه، وهذا الدليل يذفع التواطؤ بما ذكرناه.

стр. 1042

وَاسْتُدِلَّ: لَوْ كَانَ حَقِيقَةً، لَزِمَ الاشتِرَاك، فَيُخِلُّ بِالتَّفَاهُمِ، فَعُورِضَ بِأنَّ الْمَجَازَ خِلافُ الْأصْلِ، فَيُخِلُّ بِالتَّفَاهُمِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثلُهُ. وَالتَّوَاطُؤُ: مُشْتَرِكَانِ فِي عَامٍّ، فَيُجْعَلُ اللَّفْظُ لَه، دَفْعًا لِلمَحْذُورَيْنِ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى رَفْعِهِمَا أبَدًا؛ فَإنَّ مِثْلَهُ لَا يَتَعَذَّرُ وَإلَى صِحَّةِ دَلَالَةِ الأَعَمِّ لِلْأخَصِّ. وَأَيْضًا: فَإنَّهُ قَوْلٌ حَادِثٌ هُنَا. الشرح: "واستدلّ لو كان حقيقة" في الفعل "لزم الاشتراك"، ضرورة كونه حقيقة في القول أيضًا، "فيخلّ بالتفاهم". "فعورض بأن المجاز خلاف الأصل فيخلّ بالتفاهم، وقد تقدّم مثله" في مسألة تعارض الاشتراك والمجاز. وتقدم أن المجاز التواطؤ خبر، فإذًا المعارضة ضعيفة. الشرح: "و "احتج قائل" [التواطؤ] " بأن القول والفعل "مشتركان في "أمر، "عام"، وهو الشَّيء والشَّأن، "فيجعل الَّلفظ له، دفعًا للمحذورين": الاشتراك والمجاز اللَّذين هما على خلاف الأصل. وقد كثر مثل هذا الدَّليل في أصول الفِقْه، واعترضه النَّقشواني وغيره من أئمّة المتأخَرين بأنه فرار من مجاز، ووقوع في مَجَازين، وذلك أن الوضع إذا كان للأعم فمتى استعمل في الأخصّ - كان استعمالًا للفظ في غير موضوعه، وهو مجاز. ثم إنه استعمل في الأخصّين، فيكون مجازًا بالنسبة إليهما. وأيضًا فالألفاظ موضوعة بإزاء المعاني الذِّهنية على رأي الإمام وأتباعه، فإذا استعمل فيما تشخّص منها في الخارج كان مجازًا، والبحث منقدح. فإن قلت هذا إنما هو إذا استعمل في الأخصّ باعتبار خصوصه. أما إذا استعمل فيه باعتبار ما فيه من القَدْر الأعم [وهو] حقيقة، وحينئذ يستعمل في الأخصّين بالحقيقة، ولا يلزم اشتراك ولا مجاز.

стр. 1043

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قلت: استعماله في الأخصِّ باعتبار ما فيه من القَدْر الأعم لا يخرج (١) عن استعمال العام في الخاص. وقوله: باعتبار سبب في الاستعمال، وهو كاستعمال الأَسَدِ في الشّجَاع باعتبار الشجاعة، وإن أراد بقوله: باعتبار [الشَّجاعة] (٢)؛ أنه لم يستعمل إلا في الأعمّ، فذلك إحالة لصورة المسألة؛ فإن صورتها أنه استعمل في (٣) الأخص. والمصنف قال في دفع التواطؤ: "وأجيب بأنه يؤدي إلى رفعهما أبدًا، فإن مثله لا يتعذّر"؛ إذ ما من شيئين إلا وبينهما قَدْر مشترك، فيجعل الوضع له دفعًا للاشتراك والمجاز، فلا يكون في اللغة مشترك ولا مجاز. قلت: إنما يلزم رفعهما عند نَقْد نصّ أهل اللغة، أما عند النص فلا. قلت: كلامنا حيث لا نَصّ من أهل اللغة. فإن قلت: فلا نسلّم حينئذ استحالة رفعهما. قلت: هذا المنع غير مسموعٍ بعد تقدّم الاتفاق على أنه حقيقة في القَوْل المخصوص، فلو سمع هذا المعنى، لأدّى إلى رفعهما أبدًا في مثله، وذلك حيث تعارضا في موضع وقع الاتفاق فيه على أحدهما والاختلاف في الآخر، ورفعهما في مثل هذه الحالة مستحيل؛ لأن رفعهما مع الاتِّفَاق على ثبوت أحدهما ممّا لا يجتمعان [عليه] (٤). وعبارته في "المختصر الكبير"، إنَّما يستقيم أن لو لم يدل دليل على خلافه، وإلا لزم رفع الاشتراك والمجاز أصلًا، فإنه لا يتعذر في كل موضع مثله. "و "أجيب بأنه يؤدي أيضًا" [إلى] (٥) صحّة دلالة الأعم للأخص" - أي: على الأخصّ، و"اللام" تستعمل بمعنى "على" كما في قوله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ [سورة الإسراء: الآية ١٠٩]. وإنما قلنا: يؤدي إلى ذلك، لسَبْق القول المخصوص إلى الفهم.

стр. 1044

حَدُّ الأمْرِ: اقْتِضَاءُ فِعْلٍ غَيْرِ كَفٍّ؛ عَلَى جِهَةِ الاِسْتِعْلاءِ [فَقَطْ]. وَ: قَالَ الْقَاضِي وَالإمَامُ: الْقَوْلُ الْمُقْتَضِي طَاعَةَ الْمَأْمُورِ بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ. وَرُدَّ: أَنَّ الْمَأْمُورَ مُشَتَقٌّ مِنْه، وَأَنَّ الطَّاعَةَ: مُوَافَقَةُ الأمْرِ، فَيَجِيءُ الدَّوْرُ فِيهِمَا. وَقِيلَ: خَبَرٌ عَنِ الثَّوَابِ عَلَى الْفِعْلِ. وَقيلَ: عَنِ اسْتِحْقَاقِ الثَّوَابِ. وَرُدَّ: بِأنَّ الْخَبَرَ يَسْتَلْزِمُ الصِّدْقَ أَوِ الْكَذِبَ، وَالأمْرُ يَأبَاهُمَا. "وأيضًا: فإنه قول حادث هنا"، مسبوق بالإجماع على الأقوال التي قدمناها، فيكون باطلًا. فإن قلت: قد قال الآمدي (١): إن القَدْر المشترك بين القول والفعل هو الشّأن والضفة. وقال أبو الحسين: إن الأمر حقيقة فيهما، فليس قول الآمدي حادثًا. وقلت: لم يقل أبو الحسين: إنه حقيقة فيهما دون غيرهما؛ كما قال الآمدي، نعم قد يقال: إنه لا يلزم من قول الآمدي رفع مجمع عليه. الشرح: "حدّ الأمر: اقتضاء فعل غير كَف على جهة الاسْتِعْلَاءِ". فـ "الْاقْتِضَاء" جنس، "وغير كَف" مخرج للنهي؛ لاقتضائه الكَفّ، والكفُّ فعل. وقوله: "على سبيل الاستعلاء": يخرج ما على سبيل التسفُّل والتساوي. وقد وافق في اعتبار الاستعلاء أبا الحُسَين والآمدي، وهو رأي الإمام في "المحصول" - وشرط جمهور المعتزلة العلو. وتابعهم من أصحابنا أبو إسحاق الشِّيرَازي، وأبو نصر بن الصَّبَّاغ، وأبو المظفّر بن السَّمعاني. والعلو من صفاتِ النَّاطق، فيكون في نفس الأمر عاليًا، وقد لا يتعالى، والاسْتعلاء

стр. 1045

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . من صفات فعله، فيجعل نفسه عاليًا بكبرياء، أو غيره. ولم يعتبر أكثر أصحابنا علوًّا ولا استعلاء، وقالوا: مجرد الطّلب أمر، وهو المختار. واعلم أن التعريف للأمر النَّفساني، لا للساني، يدلّ عليه قوله: اقتضاء، والاقتضاء هو الطلب، والطلب أمر قائم بالنفس، وهو أعنى الطلب قدر مشترك بين الجازم وغيره، فيدخل فيه الواجب والمندوب، وقد قدَّم هذا؛ حيث قال: المندوب مأمور به خلافًا للكَرْخي والرَّازي. والكلام عند أصحابنا يطلق على اللساني والنَّفْسَاني، [ثم هو حقيقة فيهما عند الجمهور. وقيل في النَّفساني] (١) فقط، وهو أحد قولي الشَّيخ وإياه يختار. وقيل: في اللساني فقط. وقول الإمام في "المحصول" (٢): هنا إنه حقيقة في الّلسانى فقط، [لا يُغاير] (٣) المختار ولا رأي الجمهور؛ لأن كلامه هنا على ما ذكر في أول اللغات، إنما هو في اللساني. وقال: فقط، لينبِّه على أنه ليس حقيقة في الشيء والشأن على خلاف قول أبى الحسين، وأورد على قول المصنف: اقتضاء فعل غير كفّ. قولنا: كُفَّ نفسك؛ فإنه أمر وهو يكف وهو مُنْقدح (٤). وعلى طرده - قولنا: أنا طالب منك كذا، أو أَوْجبت عليك كذا، ولا يرد؛ لأن هذا خبر عن الإنشاء القائم بالنّفس لا نفس الإنشاء. و"قال القَاضي والإمام: القول المقتضى" بنفسه "طاعة المأمور بفعل المأمور به". وحذف المصنف لفظ "بنفسه"، وقد ذكراها، ليتبيّن أن المحدود الأمر النفسي.

стр. 1046

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قال الإمام في "البرهان": فإن العبارة لا تقتضي بنفسها، وإنما تشعر بمعناها. "ورد" هذا التعريف بـ "أن المأمور مشتقّ منه" - أي: من الأمر، فيتوقف معرفته على معرفته؛ لأن معنى المشتقّ منه موجود في المشتقّ مع زيادة. "وأن الطاعة موافقة الأمر" - والمضاف من حيث هو مضاف لا يعرف إلا بمعرفة المضاف إليه، "فيجيء الدور فيهما" - بحسب لفظ المَأمور والطَّاعة. وأجاب النَّقْشَوَاني. بأن المراد بالمأمور، والمأمور به المخاطب والمخاطب به، وبالطاعة الموافقة. وأما كون ذلك موافقة الأمر الوارد، فذاك أخص من هذا. قال: على أن الدور مندفع، لأن ماهية الأمر وإن كانت مجهولة، واحتاجت إلى تعريف حَدّي مشتمل على الجنس والفصل - لكنها معلومة لهم من حيث يمكن أن [يشتق] (١) منه المأمور، والمأمور به، فإن الأمر معروف لكل أحد علمًا ضروريًا بوجه ما. وهذا القدر كافٍ في معرفة المأمور والمأمور به. فتعرف بهما الماهية رسميًّا ولا دور. واعترضه الشيخ الأصبهاني في "شرح المحصول" فقال: قوله: المأمور المخاطب. قلنا: إن عني بلفظه ما ذكرت، فالإشكال وارد على أنَّه، والعناية لا تدفع الورود وإن لم يعنه، بل عني به ظاهر ما يشعر به لفظه، فورود الإشكال أظهر. وأيضًا فاستعمال المأمور وإرادة المخاطب مجاز؛ لأن المخاطب أعم. وقوله: المراد بالطَّاعة الموافقة التي هي أعم من موافقة الأمر. قلنا: صاحب الحد قد فسّر الطاعة بموافقة الأمر، فالإشكال يتوجّه عليه. قوله: الأمر معلوم علمًا ضروريًا بوجه ما. قلنا: ذلك الوجه هو تميزه عن النهي، وسائر أقسام الكلام، وهو مجهول التفصيل لا محالة للجهل بجنسه وفصله إن كان مركبًا منهما.

стр. 1047

الْمُعْتَزِلَةُ: لَمَّا أَنْكَرُوا كَلَامَ النَّفْسِ قَالُوا: قَوْلُ الْقَائِلِ لِمَنْ دُونَهُ: "افْعَلْ" وَنَحْوَهُ. وَيَرِدُ التَّهْدِيدُ وَغَيْرُهُ وَالمُبَلِّغُ وَالْحَاكِي وَالْأدْنَي. وَقَالَ قَوْمٌ: صِيغَةُ "افْعَلْ" بِتَجَرُّدِهَا عَنِ الْقَرَائِنِ الصَّارِفَةِ عَنِ الأَمْرِ، وَفِيهِ تَعْرِيفُ الْأَمْرِ بِالْأَمْرِ، وَإنْ أَسْقَطَهُ بَقِيَتْ صِيغَةُ "أفْعَلْ" مُجَرَّدَةً. وَقَالَ قَوْمٌ: صِيغَةُ "افْعَلْ" بِإِرَادَاتٍ ثَلَاثٍ: وَجُودِ اللَّفْظِ، وَدَلَالَتِهِ عَلَى الْأَمْرِ، وَالاِمْتِثَالِ: فَالْأَوَّلُ: عَنِ النَّائِمِ، وَالثَّانِي: عَنِ التَّهْدِيدِ وَنَحْوِهِ، وَالثَّالِثُ: عَنِ المُبَلِّغِ، وَفِيهِ تَهَافُتٌ؛ لأِنَّ المُرَادَ: إِنْ كَانَ اللَّفْظَ - فَسَدَ؛ لِقَوْلِهِ: "وَإرَادَةِ دَلَالَتِهَا عَلَى الْأمْرِ"، وَإنْ كَانَ الْمَعْنَى فَسَدَ؛ لِقَوْلِهِ: "الْأمْرُ صِيغَةُ "أفْعَلْ". وَقَالَ قَوْمٌ: الأَمْرُ إِرَادَةُ الْفِعْلِ. وَرُدَّ: بِأَنَّ السُّلْطَانَ لَوْ أَنْكَرَ - مُتَوَعِّدًا بِالإهْلَاكِ - ضَرْبَ سَيِّدٍ لِعَبْدِهِ، فَادَّعَى مُخَالفَتَه، فَطَلَبَ تَمْهِيدَ عُذْرِهِ بِمُشَاهَدَتِهِ - فَإنَّهُ يَأْمُرُ وَلَا يُرِيدُ؛ لأِنَّ الْعَاقِلَ لَا يُرِيدُ هَلَاكَ أو بماهيّته البسيطة إن لم يكن كذلك. والمأمور والمأمور به أيضًا متميّزان إجمالًا، [ومجهولان] (١) تفصيلًا؛ ضرورة أن معرفتهما تابعة لمعرفة الأمر إجمالًا، وتفصيلًا، فتعريف الأمر بالمأمور والمأمور به حينئذ؛ إِمَّا أن يكون إجماليًّا، أو تفصيليًّا. فإن كان الأول كان ذلك تعريفًا للمعرّف؛ ضرورة أنه تعريف للأمر من الوجه الضَّروري معرفته منه. وإن كان الثاني: فالمأمور والمأمور به لا يفيدان ذلك التفصيل؛ لتقدم العلم بالأمر تفصيلًا على العلم بالمأمور والمأمور به كذلك، ضرورة كونهما مركبين منه ومن غيره، وتوقف الحلم بالمركّب تفصيلًا على العلم بأجزائه تفصيلًا فيجيء الدور حينئذٍ. "وقيل": في حد الأمر: "خبر عن الثَّوَاب على الفعل". "وقيل": بل "عن استحقاق الثواب"؛ لأنه قد يقع العَفْو، فيلزم الخُلْف. "وردّا" جميعًا "بأن الخبر يستلزم الصدق أو الكذب، والأمر يأباهما".

стр. 1048

نَفْسِهِ، وَأُورِدَ مِثْلُهُ عَلَى الطَّلَبِ؛ لأِنَّ الْعَاقِلَ لَا يَطْلُبُ هَلَاكَ نَفْسِهِ، وَهُوَ لَازِمٌ. والأَوْلَى لَوْ كَانَ إِرَادَة، لَوَقَعَتِ الْمَأمُورَاتُ كُلُّهَا؛ لأَنَّ مَعْنَى الإرَادَةِ تَخْصِيصُهُ بِحَالِ حُدُوثِهِ، فَإذَا لَمْ يُوجَدْ، لَمْ يَتَخَصَّصْ. الشرح: وأما "المعتزلة" فإنهم "لما أنكروا كلام النَّفس"، وكان الطَّلب نوعًا منه لم يمكنهم أن يحدّوه به، فتارةً حدوه باعتبار اللفظ، وتارةً باقتران صفة الإرادة، وتارة جعلوه صفة الإرادة. أما باعتبار اللفظ فإنهم "قالوا": الأمر "قول القائل لمن دونه: افعل ونحوه"، فقولهم: افعل لتبيّنوا أن المحدود عندهم اللساني. وقولهم: ونحوه، ليتناول حَدَّ الأمر كسائر اللُّغَات. "ويرد التّهديد وغيره" - كالتعجيز، والتسخير، وغيرهما - "المبلغ، والحاكي" - أمر غيره - "والأدنى" للأعلى؛ إذ لا يصدق عليه قول القائل لمن دونه. والاعتراض الأول مُنْقدحٌ. وقول من دفعه: المراد: افعل مرادًا به ما يتبادر منه عند الإطلاق [اعتبار] (١) لا يدفع الإيراد. وأيضًا: فالخَصْمُ يمنع تبَادر الوجوب والندب وغيرهما على الاختلاف في أنه حقيقة في ماذا؟ وقد تَجَوَّز عنه الزَّمخشري في "الكشاف" (٢)؛ حيث قال في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٧]: إنه طلب الفعل ممّن هو دونه وبعثه عليه. فإن قوله: وبعثه عليه يخرج التهديد، ويدل على اعتباره إرادة الامتثال، فلقد وَفَّى بقواعد أشياخه. وأما المبلغ فقد يمنع وروده؛ إذ هو ﵇ أمر؛ كما قال تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٥٧].

стр. 1049

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وأما الحاكي فلا يرد [به] (١)؛ إذ لا يصدق عليه قول القائل لمن دونه؛ لأنه ليس القائل، إنما القائل المحكي عنه. وأما إيراد الأدنى، فليس بشيء؛ إذ أمر الأدنى للأعلى ليس بأمر عندهم؛ فإنهم يعتبرون العلو؛ كما قدمناه عنهم. "وقال قوم: صيغة "افعل" بتجرّدها عن القَرَائن الصَّارفة عن الأمر". "وفيه تعريف الأمر بالأمر، فإن أسقطه" - أي: أسقط قَيْد القرائن الصَّارفة من التعريف "بقي صيغة "افعل" مجردة". كذا قال، ويمكن تقريره (٢) على وجهين: أحدهما: أن صيغة "افعل" تكون مجردة عما بعدها، أي: خالية عن قَيْد التجرُّد؛ فكأنه قال الأمر صيغة "افعل" ويرد التهديد، ونحوه مما فيه صيغة "افعل"، وليس بأمر. والثاني: أنه يبقي صيغة "افعل" مجردة، أي: بقيد التجرُّد؛ فكأنه قال: الأمر صيغة "افعل" بتجردها عن القرائن، فيلزم التجرّد مطلقًا حتى عما يؤكّده فيه كونه أمرًا. وأما تعريفهم الأمر باعتبار ما يقترن بالصِّيغة من الإرادة - فإليه الإشارة بقوله: وقال "قوم: صيغة "افعل" بإرادات ثلاثة". إرادة "وجود اللَّفظ"، وإرادة "دلالته على الأمر"، "و "إرادة "الامتثال". الأول: احتراز "عن النَّائم. والثاني: عن التهديد ونحوه. والثالث: عن المبلِّغ". "وفيه تهافت؛ لأن المراد" بالأمر في قوله: دلالتها على الأمر، "إن كان اللفظ فسد لقوله"، "وإرادة دلالتها على الأمر"، واللفظ غير مَدْلول عليه فكأنه اشترط دلالة الشيء على نفسه، "وقال هكذا: الأمر صيغة "افعل" بشرط دلالتها على صيغة "افعل".

стр. 1050

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . "وإن كان المعنى" - أي: معنى الصيغة - "فسد" لقوله: الأمر صيغة "افعل". وهم يقولون: الأمر الصيغة، والأمر على تقدير إرادة المعنى يكون غير صيغة "افعل". ولقائل أن يقول: المراد بالأمر أولًا: اللفظ؛ لأنهم يحدُّون اللساني، وبالثاني المعنى؛ وهذا لأن صيغة "افعل" لا بد لها من مدلول لكنهم يقولون: مدلولها: إرادة وقوع ذلك الشرح، وتلك الإرادة أمر؛ لأن الأمر عندهم الإرادة. ونحن نقول: مدلولها: طلب الفعل، وكأنه قيل: إرادة دلالة الصيغة على إرادة وقوع الفعل. وأما باعتبار نفس الإرادة، وإليه أشار بقوله: "وقال قوم": الأمر "إرادة الفِعْلِ". "ورد بأن السلطان لو أنكر متوعدًا بالإهلاك ضرب سيّد لعبده" - أي: كان السيد يضرب عبده، فتوعّد السلطان السيد بالإهلاك بضربه العبد - "فادّعى" السيّد "مُخَالفته" فيما يأمره، "فطلب تمهيد عُذْره لمشاهدته، فإنه يأمر" عبده بأمر "ولا يريد؛ لأن العاقل لا يريد هَلاك نفسه"، فانفكَّ الأمر عن الإرادة. ولك أن تقول: الموجود هنا صيغة الأمبر، لا نفس الأمر فأين انفكاك حقيقة الأمر عن الإرادة؟ والتجربة حاصلة بما يوهم الأمر، ولا يفتقر إلى وجدان نفس الأمر. "وأورد مثل" ذلك - أي: مثل الدليل المذكور - "على الطلب؛ لأن العاقل" كما لا يريد كذلك "لا يطلب هلاك نفسه"، وهذا أورده الآمدي. قال المصنف: "وهو لازم". ولك أن تقول: لا نسلّم وجود الطلب، وإنما الموجود الصِّيغة كما ذكرناه، سلمنا ولكن قولكم: العاقل لا يطلب هلاك نفسه - إن عنيتم به طلبًا مقرونًا بإرادة فمسلَّم، ولا نسلّم أنه موجود هنا. وإن عنيتم طلبًا عاريًا عن الإرادة فممنوع، وهو الموجود هنا والحاصل: أن طلب

стр. 1051

الْقَائِلُونَ بِالنَّفْسِيِّ: اخْتَلَفُوا فِي كَوْنِ الأَمْرِ لَهُ صِيغَةٌ تَخُصُّهُ. وَالْخِلَافُ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ فِي صِيغَةِ "افْعَلْ". المضرّة لا ينافي [الفَرْض] (١) إذا عُرّى عن الإرادة، بخلاف الإرادة فإنها توجب وقع المضرّة؛ ضرورة أن الإرادة صفة تقتضي وقوع المُرَاد، ذكر [هذا] (٢) الشيخ الهندي. "الأولى" في الرد عليهم في دعوى أن الأمر الإرادة - وجه ذكره الآمدي فقال: "لو كان إرادة [لوقعت] (٣) المأمورات كلها؛ لأن [معنى] (٤) الإرادة تخصيصه" - أي: تخصيص الفعل "بحال حدوثه فإذا لم يوجد" الفعل "لم يتخصّص". ولك أن تقول: لو أنهم يفسرون الإرادة بما ذكر [وضح] (٥) هذا، ولكنهم لا يفسرونها بذلك، بل قال البَلْخي منهم: معنى كونه مريدًا لأفعال نفسه كونه موجدًا لها ولأفعال غيره - كونه آمرًا بها. وقال أبو الحسين: معنى كونه مريدًا لأفعال نفسه؛ أنه دعاه الداعي إلى إيجادها، ولأفعال غيره ودعا به الداعي إلى الحث عليها. ومعنى الداعي: أن المرء إذا علم أو اعتقد أو ظن أن له في الفعل مصلحة راجحة فعند حصول إحدى هذه الثلاث يحصل في قلبه مَيْل جَازِم إلى الفعل، فإن كانت أعضاؤه سليمة صدر عنه الفعل إذ ذاك. الشرح: "القائلون بالنفس اختلفوا في كون الأمر له صيغة تخصّه". فالمنقول عن شيخنا أبي الحسن ﵁؛ أنه لا صيغة له تخصّه. وأن قول القائل: افعل متردّد بين الأمر والنَّهي، وجميع المحتملات. ثم اختلف أصحابه في تنزيل مذهبه. فقيل: اللَّفْظُ صالح لجميع المحامل صلاحية المشترك لمعانيه.

стр. 1052

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقيل: إنه واقف بمعنى أنه لا يدري موضوع قول القائل: افعل. ثم نقل ناقلون استمراره على القول بالوَقفِ مع القرائن. قال إمام الحرمين: هو زَلَل وْإن ترقّى النَّاقل إلى القرائن الحالية فهي مُكَابرة. ثم قال: والذي أراه قاطعًا به أن أبا الحَسَن لا ينكر صيغة مُشْعرة بالوجوب نحو: أَوْجَبْت وألزمت، وإنما الذي يتردّد فيه مجرّد صيغة "افعل" من حيث [أَلْفَاه] (١) في وضع اللسان مترددًا. ثم قال: وهذا هو التَّنبيه على سرّ مذهب أبي الحسن والقاضي وطبقة الوَاقِفِيّة. وإلى هذا أشار المصنّف بقوله: "والخلاف عند المحقّقين في صيغة "افعل"". واعلم أنها ترد لِمَعَانٍ: الأول: الوجوب: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٤٣]. الثاني: مطلق الندب: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [سورة النور: الآية ٣٣]. الثالث: التّأديب؛ كقوله ﷺ لعمر بن أبي سلمة (٢): "كُلْ مِمّا يَلِيكَ" (٣) وهذا المثال صحيح، وإن كان الشَّافعي نصّ على أن الآكل ممّا لا يليه مع علمه بالنهي عاص؛ وهذا لأن النَّص إنما هو في المكلّفين، والنبي ﷺ إنما خاطب بهذا غلامًا دون البُلوغ، وهو تأديب مَحْضٌ. الرَّابع: الإرشاد: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٢].

стр. 1053

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الخامس: الإباحة: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [سورة المؤمنون. الآية ٥١]. السَّادس: التهديد: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [سورة فصلت: الآية ٤٠]. السَّابع: الإنذار: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ [سورة إبراهيم: الآية ٣٠]. الثامن: الامتنان: ﴿كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة المائدة: الآية ٨٨]. التاسع: الإكرام: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ﴾ [سورة الحجر: الآية ٤٦]. العاشر: "التسخير - وسماه الشيخ أبو إسحاق، وإمام الحرمين بالتكوين. ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٦٦]. الحادي عشر: التكوين - وسمّاه الغزالي والآمدي - كمال القُدْرة: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [سورة يس: الآية ٨٢]. الثَّاني عشر: التَّعْجيز: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٣]. الثالث عشر: الإهانة: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [سورة الدخان: الآية ٤٩]. الرابع عشر: التّسوية: ﴿اصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ [سورة الطور: الآية ١٦]. الخامس عشر: الدُّعَاءِ: ﴿افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ الأعراف: [سورة الأعراف: الآية ٨٩]. السادس عشر: التمني: [الطويل] أَلَا أَيُهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَلَا أنْجَلِ … ....................... السّابع عشر: الاحتقار: ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ الشعراء: [سورة الشعراء: الآية ٤٣]. الثامن عشر: الخبر؛ مثل قوله ﵇: "إِذَا لَمْ تَسْتَحي فَاصنَعْ مَا شِئْتَ" (١) أي: صنعت. التاسع عشر: الإنعام: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [سورة القرة: الآية ١٧٢]- ذكره إمام الحرمين - ولعله قسيم الامتنان.

стр. 1054

والْجُمْهُورُ: حَقِيقَةٌ فِي الْوُجُوبِ. أَبُو هَاشِمٍ: فِي النَّدْبِ. وَقِيلَ: لِلطَّلَبِ المُشْتَرَكِ. وَقِيلَ: مُشْتَرَكٌ. الأَشْعَرِيُّ وَالْقاضِي: بِالْوَقْفِ فِيهِمَا. وَقِيلَ: مُشْتَرَكٌ فِيهِمَا، وَفِي الإبَاحَةِ. وَقِيلَ: لِلإذْنِ الْمُشْتَرَكِ فِي الثَّلاثَةِ. الشِّيعَةُ: مُشْتَرَكٌ فِي الثَّلاثَةِ وَالتَّهْدِيدِ. العشرون: التفويض: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [سورة طه: الآية ٧٢]، ذكره إمام الحرمين أيضًا. الحادي والعشرون: التعجب: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٤٨]. الثاني والعشرون: التكذيب: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٩٣]. الثالث والعشرون: المَشُورة: ﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [سورة الصافات: الآية ١٠٢]. الرابع والعشرون: الاعتبار: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٩٩]. والتعجّب والتكذيب والمشورة والاعتبار، ذكرها أبو عاصم العَبّادي في "طبقاته". وأنت إذا تأمّلت الأقسام تَأَمُّل مُحَقّق، نقصت وتداخل أكثرها. الشرح: و"الجمهور" على أنها "حقيقة في الوجوب". (١) وهو المحكي عن الشَّافعى، وحكى عنه الندب، والوَقْف، وغيرهما ولكن الوجوب هو الأظهر عنه.

стр. 1055

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وذكر أبو إسحاق الشِّيرَازي؛ أنه الذي أملاه شيخنا أبو الحَسَن على أصحاب أبي إسحاق - يعني [المَرْوَزِي] (١) بـ "بغداد". ثم اختلف القائلون بالوجوب في أن اقتضاء الصِّيغة [لذلك] (٢)، هل هو بالوضع أم بالشرع، أم بالعَقْل؟ على مذاهب حكاها القاضي في "التقريب". وقال "أبو هاشم: في النَّدْب". والقول بالنَّدب مذهب محقّق. وأما عَزْوه إلى أبي هَاشِمٍ ففيه نظر؛ فإن الذي تحققناه عن أبي هاشم أنه لا يقول بأنها موضوعة للنَّدب بخصوصه، ولكن يقول: إنها تقتضي الإرادة. وإذا كان القائل حكيمًا وجب كون الفعل على صفة زائدةٍ على حُسْنه يستحق لأجلها المَدْح. وإذا كان المَقُول له في دار التَّكليف احتملت الصِّيغة الوجوب والندب، ثمّ خصوص الوجوب لا دليل عليه، فيثبت المحقق، وهو الندب. "وقيل: للطَّلب المشترك" بين الوجوب والندب.
следующие страницы →