← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6338

رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (2 330 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

الْقَائِلُونَ بِالنَّفْسِيِّ: اخْتَلَفُوا فِي كَوْنِ الأَمْرِ لَهُ صِيغَةٌ تَخُصُّهُ. وَالْخِلَافُ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ فِي صِيغَةِ "افْعَلْ". المضرّة لا ينافي [الفَرْض] (١) إذا عُرّى عن الإرادة، بخلاف الإرادة فإنها توجب وقع المضرّة؛ ضرورة أن الإرادة صفة تقتضي وقوع المُرَاد، ذكر [هذا] (٢) الشيخ الهندي. "الأولى" في الرد عليهم في دعوى أن الأمر الإرادة - وجه ذكره الآمدي فقال: "لو كان إرادة [لوقعت] (٣) المأمورات كلها؛ لأن [معنى] (٤) الإرادة تخصيصه" - أي: تخصيص الفعل "بحال حدوثه فإذا لم يوجد" الفعل "لم يتخصّص". ولك أن تقول: لو أنهم يفسرون الإرادة بما ذكر [وضح] (٥) هذا، ولكنهم لا يفسرونها بذلك، بل قال البَلْخي منهم: معنى كونه مريدًا لأفعال نفسه كونه موجدًا لها ولأفعال غيره - كونه آمرًا بها. وقال أبو الحسين: معنى كونه مريدًا لأفعال نفسه؛ أنه دعاه الداعي إلى إيجادها، ولأفعال غيره ودعا به الداعي إلى الحث عليها. ومعنى الداعي: أن المرء إذا علم أو اعتقد أو ظن أن له في الفعل مصلحة راجحة فعند حصول إحدى هذه الثلاث يحصل في قلبه مَيْل جَازِم إلى الفعل، فإن كانت أعضاؤه سليمة صدر عنه الفعل إذ ذاك. الشرح: "القائلون بالنفس اختلفوا في كون الأمر له صيغة تخصّه". فالمنقول عن شيخنا أبي الحسن ﵁؛ أنه لا صيغة له تخصّه. وأن قول القائل: افعل متردّد بين الأمر والنَّهي، وجميع المحتملات. ثم اختلف أصحابه في تنزيل مذهبه. فقيل: اللَّفْظُ صالح لجميع المحامل صلاحية المشترك لمعانيه.

стр. 1052

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقيل: إنه واقف بمعنى أنه لا يدري موضوع قول القائل: افعل. ثم نقل ناقلون استمراره على القول بالوَقفِ مع القرائن. قال إمام الحرمين: هو زَلَل وْإن ترقّى النَّاقل إلى القرائن الحالية فهي مُكَابرة. ثم قال: والذي أراه قاطعًا به أن أبا الحَسَن لا ينكر صيغة مُشْعرة بالوجوب نحو: أَوْجَبْت وألزمت، وإنما الذي يتردّد فيه مجرّد صيغة "افعل" من حيث [أَلْفَاه] (١) في وضع اللسان مترددًا. ثم قال: وهذا هو التَّنبيه على سرّ مذهب أبي الحسن والقاضي وطبقة الوَاقِفِيّة. وإلى هذا أشار المصنّف بقوله: "والخلاف عند المحقّقين في صيغة "افعل"". واعلم أنها ترد لِمَعَانٍ: الأول: الوجوب: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٤٣]. الثاني: مطلق الندب: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [سورة النور: الآية ٣٣]. الثالث: التّأديب؛ كقوله ﷺ لعمر بن أبي سلمة (٢): "كُلْ مِمّا يَلِيكَ" (٣) وهذا المثال صحيح، وإن كان الشَّافعي نصّ على أن الآكل ممّا لا يليه مع علمه بالنهي عاص؛ وهذا لأن النَّص إنما هو في المكلّفين، والنبي ﷺ إنما خاطب بهذا غلامًا دون البُلوغ، وهو تأديب مَحْضٌ. الرَّابع: الإرشاد: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٢].

стр. 1053

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الخامس: الإباحة: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [سورة المؤمنون. الآية ٥١]. السَّادس: التهديد: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [سورة فصلت: الآية ٤٠]. السَّابع: الإنذار: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ [سورة إبراهيم: الآية ٣٠]. الثامن: الامتنان: ﴿كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة المائدة: الآية ٨٨]. التاسع: الإكرام: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ﴾ [سورة الحجر: الآية ٤٦]. العاشر: "التسخير - وسماه الشيخ أبو إسحاق، وإمام الحرمين بالتكوين. ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٦٦]. الحادي عشر: التكوين - وسمّاه الغزالي والآمدي - كمال القُدْرة: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [سورة يس: الآية ٨٢]. الثَّاني عشر: التَّعْجيز: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٣]. الثالث عشر: الإهانة: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [سورة الدخان: الآية ٤٩]. الرابع عشر: التّسوية: ﴿اصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ [سورة الطور: الآية ١٦]. الخامس عشر: الدُّعَاءِ: ﴿افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ الأعراف: [سورة الأعراف: الآية ٨٩]. السادس عشر: التمني: [الطويل] أَلَا أَيُهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَلَا أنْجَلِ … ....................... السّابع عشر: الاحتقار: ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ الشعراء: [سورة الشعراء: الآية ٤٣]. الثامن عشر: الخبر؛ مثل قوله ﵇: "إِذَا لَمْ تَسْتَحي فَاصنَعْ مَا شِئْتَ" (١) أي: صنعت. التاسع عشر: الإنعام: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [سورة القرة: الآية ١٧٢]- ذكره إمام الحرمين - ولعله قسيم الامتنان.

стр. 1054

والْجُمْهُورُ: حَقِيقَةٌ فِي الْوُجُوبِ. أَبُو هَاشِمٍ: فِي النَّدْبِ. وَقِيلَ: لِلطَّلَبِ المُشْتَرَكِ. وَقِيلَ: مُشْتَرَكٌ. الأَشْعَرِيُّ وَالْقاضِي: بِالْوَقْفِ فِيهِمَا. وَقِيلَ: مُشْتَرَكٌ فِيهِمَا، وَفِي الإبَاحَةِ. وَقِيلَ: لِلإذْنِ الْمُشْتَرَكِ فِي الثَّلاثَةِ. الشِّيعَةُ: مُشْتَرَكٌ فِي الثَّلاثَةِ وَالتَّهْدِيدِ. العشرون: التفويض: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [سورة طه: الآية ٧٢]، ذكره إمام الحرمين أيضًا. الحادي والعشرون: التعجب: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٤٨]. الثاني والعشرون: التكذيب: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٩٣]. الثالث والعشرون: المَشُورة: ﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [سورة الصافات: الآية ١٠٢]. الرابع والعشرون: الاعتبار: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٩٩]. والتعجّب والتكذيب والمشورة والاعتبار، ذكرها أبو عاصم العَبّادي في "طبقاته". وأنت إذا تأمّلت الأقسام تَأَمُّل مُحَقّق، نقصت وتداخل أكثرها. الشرح: و"الجمهور" على أنها "حقيقة في الوجوب". (١) وهو المحكي عن الشَّافعى، وحكى عنه الندب، والوَقْف، وغيرهما ولكن الوجوب هو الأظهر عنه.

стр. 1055

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وذكر أبو إسحاق الشِّيرَازي؛ أنه الذي أملاه شيخنا أبو الحَسَن على أصحاب أبي إسحاق - يعني [المَرْوَزِي] (١) بـ "بغداد". ثم اختلف القائلون بالوجوب في أن اقتضاء الصِّيغة [لذلك] (٢)، هل هو بالوضع أم بالشرع، أم بالعَقْل؟ على مذاهب حكاها القاضي في "التقريب". وقال "أبو هاشم: في النَّدْب". والقول بالنَّدب مذهب محقّق. وأما عَزْوه إلى أبي هَاشِمٍ ففيه نظر؛ فإن الذي تحققناه عن أبي هاشم أنه لا يقول بأنها موضوعة للنَّدب بخصوصه، ولكن يقول: إنها تقتضي الإرادة. وإذا كان القائل حكيمًا وجب كون الفعل على صفة زائدةٍ على حُسْنه يستحق لأجلها المَدْح. وإذا كان المَقُول له في دار التَّكليف احتملت الصِّيغة الوجوب والندب، ثمّ خصوص الوجوب لا دليل عليه، فيثبت المحقق، وهو الندب. "وقيل: للطَّلب المشترك" بين الوجوب والندب.

стр. 1056

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وهو رأي أبي منصور المَاترِيدي، ولَيْسَ هو عند التَّحقيق المذهب الذي حَققناه عن أبي هاشم، فليعد مذهبًا رابعًا. "وقيل: مشترك" بين الوجوب والندب بالاشتراك اللفظي - وحكى عن الشَّافعي -. وقال "الأشعري والقاضي: بالوقف فيهما" بمعنى أن الصِّيغة متردّدة بين أن تكون حقيقة في الوجوب فقط أو الندب، أو فيهما بالاشتراك اللَّفظي، لكنّنا لا ندري ما هو؟ وهذا [هو] (١) اختيار الغزالي والآمدي، وكلام القَاضِي في "التقريب" يدل له. ولعلّك تقول: قد سبق عن الشَّيخ والوَاقِفِيّة ما يقتضي خلاف هذا. والذي تحرّر لي أن الواقفيّة لا يقطعون بأن العرب وضعت صيغة خاصّة، وعلى تقدير الوضع لا يقطعون هل هو الوجوب أو الندب أو بالاشتراك [بينهما] (٢)؟ وقول الشيخ الذي قدمناه عن بعض أصحابه أن اللفظ صالح للمحامل يجب أن يحمل على مَحْمَلي الوجوب والندب. "وقيل: مشترك فيهما، وفي الإباحة". "وقيل: للإذن" - وهو القدر "المشترك بين الثلاثة - ولا نعرفه منقولًا في غير هذا المختصر. وقالت "الشِّيعة: مشترك في الثلاثة والتهديد" (٣). وقيل: حقيقةٌ في الإباحة فقط. وقال القاضي عبد الجَبَّار (٤): مقتضى الصِّيغة إرادة [لامتثال] (٥)، والإرادة تتضمّن طاعة الممتثل، ولا إشعار لها بشيء زائد. وقال أبو بكر الأبهري (٦) من المالكية في أحد قوليه: أمر الله - تعالى - للوجوب، وأمر نبيه ﷺ للندب إلا أن يكون بيانًا لمُجْمل، أو ما في معناه.

стр. 1057

لَنَا: ثبوتُ الاِسْتِدْلَالِ بِمُطْلَقِهَا عَلَى الْوُجُوبِ شَائِعًا مُتَكَرِّرًا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ كَالعَمَلِ بِالأَخْبَارِ. وَأعْتُرِضَ: بِأَنَّهُ ظَنٌّ. وقيل: مشترك بين الوجوب، والندب، والإباحة، والإرشاد، والتهديد. [وقيل: بين الوجوب والتهديد] (١). وقيل: بين الوجوب، والنَّدب، والإباحة، والكراهة، والتحريم. وقال الشيخ أبو حامد الإِسْفِرَايِيني، وإمام الحرمين: إن موضوعها الطَّلب الجازم وحصر المأمور على الفعل. وأما ثبوت الوجوب فيقع بِوَاسِطَةِ صُدور هذا الطلب من الشارع فيستفاد، الوجوب بهذا التَّرْكيب بين اللغة والشرع. وهذا ما نختاره، ولا يبعد أن يكون هو رأي الشَّافعي ﵁. وليس هذا هو مذهب القَائلين بأن الصِّيغة للوجوب بالشّرع، بل غيره؛ لأن ذلك يجعل جزم الطلب شرعًا. ونحن نقول: جزم الطَّلب لغوي، ثم هو إن ورد على لسان من له الإيجاب، وهو الشارع - أفاد الوجوب بهذه الضَّمِيمَةِ. ولا مذهب من قال: إنه بوضع اللغة أو العقل، وذلك ظاهر. الشرح: "لنا: ثبوت الاستدلال بمطلقها على الوجوب شائعًا متكررًا من غير نكير"، وذلك في أخبار لا تنحصر؛ مثل: إيجابهم غسل الإناء من وُلُوغ الكَلْب سبعًا؛ لقوله ﵇: "إِذَا وَلَغَ الكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ" (٢)، والغُسْل بالْتِقَاءِ الخِتَانَيْن من "إِذَا الْتَقَى

стр. 1058

وَأُجِيبَ: بِالْمَنْعِ، وَلَوْ سُلِّمَ فَيَكْفِي الظُّهُورُ فِي مَدْلُولِ اللَّفْظِ، وَإلَّا تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِأَكْثَرِ الظَّوَاهِرِ. وَأَيْضًا: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [سورة الأعراف الآية ١٢]، وَالْمُرَادُ قَوْلُهُ: "اسْجُدُوا". وَأَيْضًا: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا﴾ [سورة المرسلات: الآية ٤٨] ذَمٌّ عَلَى مُخَالَفَةِ أَمْرِهِ. وَأَيْضًا: تَارِكُ المَأْمُورِ به عَاصٍ؛ بِدَلِيلِ ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ [سورة طه. الآية ٩٣]. وَأَيْضًا: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [سورة النور. الآية ١٦٣] وَالتَّهْدِيدُ دَلِيلُ الْوُجُوبِ. وَاعْتُرِضَ بِأنَّ المُخَالَفَةَ حَمْلُهُ عَلَى مُخَالَقَةٍ مِنْ إِيجَابٍ، وَنَدْبٍ: وَهُوَ بَعِيدٌ. قَوْلُهُمْ: مُطْلَقٌ. قُلْنَا: بَلْ عَامٌّ. وَأَيْضًا: نَقْطَعُ بِأَنَّ السَّيِّدَ إِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: خِطْ هَذَا الثَّوْبَ وَلَوْ بِكِتَابَةٍ أَوْ إِشَارَةٍ فَلَمْ يَفْعَلْ - عُدَّ عَاصِيًا. = الخِتَانَانِ"، فكان "كالعمل بالأخبار" - أي: أخبار الآحاد، فقد ثبت العمل بها بهذه الطريقة. "واشترط بأنه ظن". "وأجيب بالمنع"، فإنا لا نسلّم أنه لا بفيد إلا الظَّن، بل هو مفيد للقَطْعِ. "ولو سلَّم" أنه إنما يفيد الظَّن، "فيكفي الظَّهور في مدلول الّلفظ، وإلا تعذّر العمل بأكثر الظواهر"؛ إذ المَقْدُور فيهما إنما هو تَحْصيل الطَّن. وقيل: بل عدم وِجْدَان قاطع فيها. وأعلم أن هذه المسألة مختلف في أنها قطعية أو ظنية، وهذا الجواب بناء على أنها

стр. 1059

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ظنية، والأول بناء على القطع، ولكنه ضعيف، فإن قُصَارى الإجماع السُّكوتي إفادة الظن … على أن الغَزَالي منع انعقاد الإجماع - ولا دفاع لهذا المَنَعِ. ولباحث أن يُعَارض الدَّليل من أصله قائلًا: قد وجدت أوامر غير مستعملة في الوجوب، فلو اقتضى مجرّد الأمر الإيجاب لزم؛ [إما] (١) التعارض بين الموجب، والمانع في بعض الصور؛ وإما الترك بالموجب السَّالم عن المانع؛ وإما ثبوت الوجوب في صور عدم الوجوب. وبيان المُلَازمة: أن اقتضاء الإبجاب؛ إما أن يترتب في تلك الصور المقول فيها بعدم الوجوب، فيلزم ثبوت الوجوب في صور عدم الوجوب، أو لا، فإن لم يكن لمانع لزم الترك بالموجب السَّالم عن المانع. فإن كان لمانع لزم التعارض بين الموجب والمانع، واللوازم منتفية. الأول بالإجماع. والثاني والثالث؛ لأن الأصل عدم كل واحد منهما. ولا جواب لهذا الاعتراض إلا بيان التَّعارض بين المقتضى والمانع، فيحتاج المستدلّ حينئذ إلى إثبات اقتضاء الصِّيغة للوجوب بدليل آخر غير الدَّليل الذي عورض، وإلى إبداء المانع من ترتّب الإيجاب في الصّور التي [يختلف] (٢) فيها، وهو متعذّرٌ. لا يقال: نحن نُعَارض هذه المُعَارضة، فنقول: الدَّليل دلّ على أن الصِّيغة للإيجاب، فإما أن يترتّب عليها الإيجاب فظاهرٌ، أو لا، فإما أن يكون لمانع، فيتعارض المقتضى والمانع، أو لا، فيلزم التَّرك بالمقتضى السَّالم. لأنا نقول: ماذا تعني بالدليل الدّال على أن الصيغة للإيجاب دليلًا غير هذا الذي عارضناه أو هو نفسه؟ فإن عَنَيت الأول، فلا يجديك نفعًا، وحاصله التمسك بدليل آخر ليقرّر به هذا الدَّليل المُعَارض، ولا يخفى فَسَاده؛ لأن التمسُّك بدليل تام في نفسه ليقرر به دليل آخر لا تعلّق له به - جليّ البطلان، ثم حاصله معارضة المعارض بدليل آخر، ونحن لا ننازع في هذا. وإن عنيت الثاني، فإما أن تعني بالدَّليل ما هو سَالِم عن المُعَارض، وما ذكرتموه ليس كذلك؛ لما ذكرناه من المُعَارضة، فلا يكون ذلك الدَّليل دليلًا لاعتراض المعارضة له، وإن

стр. 1060

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . عنيت به دليلًا يفيد النَّظر في مُقَدّماته [غَلَبَة الظن] (١) بالمدلول، فحينئذ يقول: هذا القدر معارض بالمثل، وسبيله أن تقول: الدليل دلّ على أن الصِّيغة ليست للإيجاب، فإما أن يترتب عليها حينئذ ذلك وهو ظاهر، أو لا، فإما أن يكون المانع، أو لا، وأيًّا ما كان لزم أحد الأمرين كما مَرّ. "وأيضًا: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٢]، والمراد" بقوله: إذ أمرتك ما خاطب به الملائكة، وهو "قوله: ﴿اسْجُدُوا﴾ " - قدم إبليس على ترك المأمور به؛ إذ ليس المراد من قوله: ما مَنَعَك؟ الاستفهام، فيكون للذَّم، وإنما يقع الذَّم على ترك الواجب فدلّ أن اسجدوا للوجوب. "وأيضًا: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا" لَا يَرْكَعُونَ﴾ [سورة المريلات: الآية ٤٨]، "ذم على مُخَالفة أمره" بصيغة "افعل" وهي ﴿ارْكَعُوا﴾. "وأيضًا: تارك المأمور به عاص؛ بدليل ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ ". والعاصي يستحق النَّار؛ بقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ﴾ [سورة الجن: الآية ٢٣]. ولك أن تقول: لو تم هذا لكان مخالف كل أمر عاصيًا، ويدخل فيه مخالفة المَنْدُوب؛ إذ هو مأمور به عند المصنّف والجمهور. "وأيضًا: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ" أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [سورة النور: الآية ٦٣]، هدّد على مخالفة الأمر "والتهديد دليل الوجوب". وفيه [النظر] (٢) المُشَار إليه من لزوم أن الأمر للوجوب، وهو أعم من الوُجُوب والندب "واعترض" أيضًا: "بأن المخالفة" ليست ترك المأمور به، بل "حمله" - أي: حمل المأمور به - "على مخالفته من إيجاب وندب" - أي: حمل مخالفة الأمر على خلاف ما هو عليه فإن كان للوجوب، فيحمل على النَّدب، وبالعكس "وهو بعيد"، فإن [الظَّاهر] (٣) المتبادر إلى الفهم من قولنا: خالف فلان أمر فلان - أنه ترك المأمور به. واعترض أيضًا بأن قوله: عن أمره مطلق فلا يعم، وإليه أشار بقوله: "قولهم مطلق. قلنا: بل عام"، فإنه مفرد مضاف فيعم، وآيته صحَّة الاستثناء.

стр. 1061

وَاسْتُدِلَّ بِأَنَّ الاِشْتِرَاكَ خِلَافُ الأَصْلِ، فَثَبَتَ ظُهُورُهُ فِي أَحَدِ الأرْبَعَةِ، وَالتَّهْدِيدُ وَالإبَاحَةُ بَعِيدٌ، وَالْقَطْعُ بِالْفَرْقِ بَيْنَ: "نَدَبْتُكَ إِلَى أَنْ تَسْقِيَني"، وَبَيْنَ: "اسْقِنِي"، وَلَا فَرْقَ إِلَّا اللَّوْم، وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ لأِنَّهمْ إِن سَلَّمُوا الْفَرْقَ؛ فَلِأَنَّ "نَدَبْتُكَ" نَصٌّ وَ"اسْقِنِي": مُحْتَمِلٌ. "و" لنا "أيضًا أنا "نقطع بأن السَّيد إذا قال لعبده: خِطْ هذا الثوب ولو بِكِتَابة، أو إشارة فلم يفعل عُدّ عاصيًا"، فدل على أن الأمر بصيغة "افعل" للوجوب. "ولو" هذه التي في كلام المصنف هي الدَّالة على أن ما قبلها جاء على سبيل الاستقصاء، وما بعدها جاء تنصيصًا على الحالة التي نظن أنها لا تندرج فيما قبلها؛ كقوله ﷺ : "رُدُّوا السَّائِلَ وَلَوْ بِظِلْفٍ مُحَرَّقٍ" (١). واعلم أن كلًّا من هذه الأدلة التي أوردها المصنّف قُصَارى إفادته على حدثه الظَّن لغة؛ فلذلك لم يشتغل بذكر الشّبه عليه؛ لأن الظّن مع الاحتمالات المَرْجُوحة قائم، وقد اكتفى المصنّف في المسألة بالطن، وما أتى به فيه مَقْنع وبَلَاغ. الشرح: "واستدلّ بأن الاشتراك خلاف الأصل فثبت ظهوره" - أي: كونه حقيقة - "في أحد الأربعة" التي هي الوجوب، والندب، والإباحة، والتهديد، "والتهديد، والإباحة بعيد" إذ يقتضي الأمر ترجيح الفعل قطعًا. "والقطع بالفرق بين "نَدَبْتُك إلى أن تسقني"، وبين "اسقني"، ولا فرق إلا اللَّوم" في "اسقني"، وعدمه في نَدَبتك، "وهو ضعيف". أما أولًا: فلأن من يجعلها حقيقةً في الندب لا يسلّم الفرق، كذا قال وفيه نظر، فقد قدّم هو أنا نقطع بأن السَّيد إذا قال لعبده: "خِطْ" ولم يفعل عُدّ عاصيًا، فليس استدلاله بقطعه ثَم أولى منه هنا. وأما ثانيًا: وإليه أشار بقوله: "لأنهم إن سلموا الفرق فلأن نَدَبتُك نصّ" في النَّدْبِ، "واسقني محتمل" للندب والوجوب.

стр. 1062

النَّدْبُ: "إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ، فأتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطعْتُمْ"، فَرَدَّهُ إِلَى مَشِيئَتِنَا. وَرُدَّ: بِأَنَّهُ إِنَّمَا رَدَّهُ إِلَى اسْتِطَاعَتِنَا، وَهُوَ مَعْنَى الْوُجُوبِ. مُطْلَقُ الطَّلَبِ يُثْبِتُ الرُّجْحَانَ، وَلا دَلِيلَ مُقَيِّدٌ؛ فَوَجَبَ جَعْلُهُ لِلْمُشْتَرَكِ؛ دَفْعًا لِلاشْتِرَاكِ. قُلْنَا: بَلْ يُثْبِتُ التَّقْيِيدَ، ثُمَّ فِيهِ إِثْبَاتُ اللُّغَةِ بِلَوَازِمِ المَاهِيَّاتِ. الشرح: واحتج قائل "الندب" بقوله ﵇: "إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ رواه البُخَاري ومسلم ولفظهما. "وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ" (١) "فردّه إلى مشيئتنا". "ورد بأنه إنما [رده] (٢) إلى استطاعتنا، وهو معنى الوجوب"، وقد نصّ القاضي في "التقريب" على هذا الجواب. الشرح: واحتج من قال: حقيقةٌ في "مطلق الطَّلب"، بأنه "يثبت الرُجْحَان، ولا دليل مقيّد" بخصوص وجوب أو ندب، "فوجب جعله للمشترك" بينهما، "دفعًا للاشتراك". "قلنا: بل يثبت التقييد" بخصوص الوجوب والتحكُّم، فإنه إن جعل حقيقة فيهما، كان مشتركًا، أو في أحدهما مع أنه لا دليل مقيّد لزم التحكّم، فاعتمد على هذا التقرير، ولا تَظُنّن المصنّف أهمل المجاز، [كما ظنه الشَّارحون، فإن المصنّف لا حاجة به إلى ذكره، لأنه لم يجعل الّلازم الثاني لزوم المجاز] (٣) وإلا كان قوله: ولا دليل مقيّد ضائعًا؛ لأن المجاز كما يلزم التَّقييد بمعنى عدم الدليل، كذلك يلزم عند وجوده، ولهذا حيث يجعل اللَّازم الثَّاني لزوم المجاز لا يذكر، بقي دليل التقييد؛ كما قال في أول الأمر يشتركان في عام، فيجعل اللفظ لهما دفعًا للمحذورين. قلنا: بل يثبت التقييد بخصوص الوجوب بما قدمناه من الأدلّة.

стр. 1063

الاِشْتِرَاكُ: ثَبَتَ الإطْلَاق، وَالأصْلُ الْحَقِيقَةُ. الْقَاضِي: لَوْ ثَبَتَ لَثَبَتَ بِدَلِيلٍ إِلَى آخِرِهِ. قُلْنَا: بِالاِسْتِقْرَاءَاتِ المُتقَدِّمَةِ. الإِذْنُ: المُشْتَرَكُ؛ كَمُطْلَقِ الطَّلَبِ. "ثم فيه إثبات اللغة بلوازم الماهيات" - أي: غاية ما أثبتم التواطؤ بما يلزم على غيره من التحكم، أو الاشتراك، واللغة لا تثبث بلوازم المَاهِيّات، وإنما تثبت بالنقل عن أهلها، فاعتمد [على] (١) هذا التقرير. ومنهم من قال: إنما يمتنع إثبات اللُّغة بلوازم المَاهِيّات؛ لأنه يوجب (٢) دفع المشترك؛ إذ ما من مشترك إلا ويشترك مفهوماته في لازم، فيجعل اللَّفظ لهما، دفعًا للاشتراك. وفيه نظر؛ إذ إنما يلزم دَفع الاشتراك (٣) حيث لا يوجد نَصّ من الواضع عليه، وكل مكان لا يوجد فيه نَص نقول بهذا الَّلازم فيه. ومنهم من قال: بل لأنه طريق عقل، ولا مجال له في إثبات اللغة. وفيه نظر، فقد يكون في الاستدلال بلوازم المَاهِيَّات مقدمة نقلية، ولا يكون عقليًّا صرفًا، وتثبت اللغة بالمركب من العقل والنقل. الشرح: واحتج قائل "الاشتراك" اللّفظي؛ بأنه "ثبت الإطلاق، والأصل الحقيقة". ولم يذكر المصنف جوابه لوضوحه؛ فإن المجاز أولى من الاشتراك. ولقد ذكرنا لصيغة "افعل" مَحَامل لم يقل أحد بأنها حقيقة فيها، فلو نظر إلى أصل الإطلاق، لجعلت حقيقة في كلّ منها. الشرح: واحتجّ "القاضي" على الوَقْف، بأنه "لو ثبت" كون الأمر لواحد من المعاني المذكورة - "لثبت بدليل إلى آخره" - أي: والدليل، إما العقل، ولا مدخل له، والنقل وهو إما مُتَوَاتر ولا وجود له هنا، أو آحاد أو هي لا تفيد العلم.

стр. 1064

مَسْألَةٌ: صِيغَةُ الأَمْرِ بِمُجَرَّدِهَا لَا تَدُلُّ عَلَى تَكرَارٍ وَلَا عَلَى مَرَّةٍ؛ وَهُو مختار الإمام. الأُسْتَاذُ: لِلتّكْرَارِ مُدَّةَ الْعُمْرِ مَعَ الإمْكَانِ. وَقَالَ كَثِيرٌ: لِلْمَرَّةِ، وَلَا يُحْتَمَلُ التَّكرَارُ. وَقِيلَ: بِالْوَقْفِ. "قلنا": ثَمَّ قسم آخر، وهو الثبوت بالاستقراءات المتقدمة"، ومرجعها تتبع مَظَانّ [استعمال] (١) اللفظ. والقاضى يقول هنا: هذا الاسْتِقْراء لا يفيد إلّا الظَّن، وهو لا يكتفى به، والمصنّف يقنع به كما عرفت. وأما قائل "الإذن" الذي هو القدر "المُشْترك" فحجتة "كمطلق الطلب"، والجواب كالجواب. «مسألة» الشرح: صيغة الأمر لا "تدل على تكرار ولا مرة (٢) ".

стр. 1065

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وإنما تفيد طلب الماهيّة من غير إِشْعَار بالوحدة والكثرة، ثم لا يمكن إدخال الماهيّة في الوجود بأقلّ من مرّة، فوقعت المرة ضرورية، وأراه رأي أكثر أصحابنا. وإن صرح أحد منهم باقتضائه المَرّة، فهذا مراده، ويظهر لك بتأمّل كلامه. واختاره الإمام وأتباعه، والآمدي. قال المصنّف: وهو مختار الإمام. وأنا أقول: اختلف القائلون بأنه لا يفيد التَّكْرَار. فمنهم من قال: إنه لا يحتمله أصلًا. ومنهم من قال: يحتمله، قال [قال] (١) ابن السَّمعاني: وهو الأولى. وقال الإمام في "البرهان": إنه في الزائد على المَرّة متوقف لا ينفيه ولا يثبته. وظاهر هذا أنه يحتمله؛ كما اختاره ابن السَّمْعَاني. وقد يقال: إنه لا وجه له؛ لأن الطلب لماهية من غير إِشْعَار بوحدة أو كثرة، والمرة وقعت ضرورية، واللفظ ليس محتملًا لها فضلًا عن احتماله للتكرار. والذي أراه: أن معنى توقفه في الزَّائد أن اللَّفظ من حيث دلالته على مُطْلق الماهيّة لا ينافيه شيء من قُيُودها، وإذا كان كذلك فلو بان بالآخرة التقييد بالتَّكْرار، أو عدمه، فاللَّفظ لا يَنْبُو عنه. وليس مراده بالتوقف أن اللفظ محتمل؛ لأن يكون موضوعًا لخصوص التكرار، أو لا وإذًا فما ذكره فهو المذهب المختار. ولعل المصنف لمح هذا، وأراد التنبيه عليه بقوله: وهو مختار الإمام، وإلا لم يكن لتخصيص الإمام من بين أكثر أصحابنا بالذّكر معنى. وقال الأستاذ، والشيخ أبو حامد القَزَوِيني وغيرهما من أئمتنا: للتكرار مدّة العمر مع الإمكان. ولا بد من قَيْدِ الإمكان لنخرج أزمنة ضروريات بالإنسان، وقد ذكره أبو إسحاق

стр. 1066

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الشِّيرازي، وإمام الحرمين، وابن الصَّباغ، والآمدي، وغيرهم. [وأغرب] (١) ابن السَّمعاني حيث زاد عليهم فقال: يلزم أن يقتضى الأمر الفعل على الدوام إلا القدر الذي يتعذّر عليه، ويمنعه من قضاء حاجته، وهذا لا يقوله أحد. انتهى. وهو صريح في أنه يستثنى شيء وراء الإمكان بالاتفاق. وقال كثير: للمرة نصًّا، ولا تحتمل التَّكرار. وقيل: تحتمله. والقول بأنه للمرة، ما ذكره الشيخ أبو حامد الإِسْفِرَاييني في كتابه في "أصول الفقه"؛ أنه الذي يدل عليه كلام الشَّافعي في الفروع، وعليه أكثر الأصحاب، وهو الصَّحيح الأشبه بمذاهب العلماء، وكذا نقله الشَّيخ أبو إسحاق عن أكثر أصحابنا. وأنا أقول: إن النَّقَلَة لهذا عن أصحابنا لا يفرقون بينه وبين الرَّأي المختار. وليس غرضهم إلا نفي التَّكْرَار والخروج عن العُهْدَة بالمَرّة؛ ولذلك لم يحك أحد منهم المذهب المختار مع حكاية هذا، وإنما اقتصروا على هذا؛ لأنه عندهم هو نفس ذلك المذهب. وقيل: بالوقف. وهو رأي القاضي أبي بكر وجماعة الواقفية بمعنى أنه محتمل للمَرّة، ومحتمل لعدد محصور زائد على المرة والمرتين، ومحتمل للتَّكرار في جميع الأوقات، كذا صرّح به في "التقريب"، ثم ادّعى قيام الإجماع على انتفاء ما عدا التكرار والمَرَّة، فانحصر الوَقْف حينئذ في التكرار والمرة، ثم ادّعى الاتفاق على أن فعل المرة متفق عليه، وهو واضح، ثم قال تفريعًا على القوم بعدم الوَقْف: إن المفهوم فعل مرّة واحدة. وقد حققنا لك مذهب القاضي من كلامه، فاطرح ما عداه من المحكى عنه. ولقد قال المصنّف في "المختصر الكبير": مختار القاضي بناء على القَوْل بالصِّيغة الوَقْف بالزِّيَادة على المَرّة، ومفهوم هذا أنه إذا جرى على أسلوبه في الوَقْف كان متوقفًا في

стр. 1067

لَنَا: أَنَّ الْمَدْلُولَ طَلَبُ حَقِيقَةِ الْفِعْلِ، وَالْمَرَّةُ وَالتَّكْرَارُ خَارِجِيٌّ؛ وَلِذَلِكَ يَبْرَأُ بِالْمَرَّةِ. وَأَيْضًا: فَإِنَّا قَاطِعُونَ بِأَنَّ المَرَّةَ وَالتَّكرَارَ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ، كَالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرٍ، وَلا دَلالَةَ لِلْمَوْصُوفِ عَلَى الصِّفَةِ. المرة أيضًا، وهو صحيح بمعنى أنه لا يدري أنه هل هو موضوع للمرة، أو للتكرار، أو بمعنى أنه مشترك بين المرة والتكرار؟ فهذا ما ذكره الإمام في "المحصول"، وهو مع ذلك يقول: فعل المرة متفق عليه؛ إذ هي ثابتة سواء كان الوضع لها بمفردها، أم للتكرار التي هي بعضه. ولذلك قال المَازِرِيّ: ذهب القاضي في جماعة الوَاقِفِيّة إلى الوَقْف فيما زاد على المَرّة الواحدة؛ لأن المرة الواحدة متفق على ثبوتها، ويستحيل ثبوت الأمر دونها. انتهى. والغرض أنه لم يقل أحد: إن المَرّة لا تعقل لا من الوَاقِفِيّة، ولا [من] (١) غيرهم. الشرح: "لنا: أن المدلول طلب حقيقة الفعل" - وهي المَصْدر - "فالمَرّة والتَّكْرَار" بالنسبة إليه "خارجي"، فيجب أن يحصل الامتثال بوجدان الحقيقة في [أيتهما] (٢) وجد، ولا يتقيد بأحدهما دون الآخر؛ "ولذلك" - أي: ولأجل أن التكرار خارج عن مدلول الصِّيغة "تبرأ بالمَرّة". وهذا عزاه ابنُ السَّمْعَاني إلى الأصحاب، وقال: ذكروا أن الطَّاعة والمعصية في الأوامر على مثال البِرِّ والحِنْث في الأيمان، ثم البِرّ والحِنْث في الأيمان يحصل بالفعل مرة، فكذا الطاعة والمعصية. وقد اعترضه الشيخ الأصبهاني شارح "المحصول"؛ بأنه لا يلزم من عدم دلالة المصدر على ذلك عدم دلالة فعل الأمر عليه؛ وهذا لأن الأفعال تتميّز بخصوصها؛ كما أن الفعل الماضي دلّ على المصدر مع خصوص المعنى، وكذا المضارع، فلم قلتم: إن فعل الأمر لا يدلّ بخصوصه على زيادة على المصدر وهي التَّكرار؟. وفيه نظر؛ لأن المرة والتَّكْرَار من صفات المصدر، وصيغة "افعل" لا تدلُّ على المصدر وإنما الذي يدلّ عليه حروفها، وهي الضَّاد والراء والباء في اضرب مثلًا.

стр. 1068

الأُسْتَاذُ: تَكْرَارُ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ. [وَ] رُدَّ بِأَنَّ التَّكْرَارَ مِنْ غَيْرِهِ. وَعُورِضَ بِالْحَجِّ، قَالُوا: ثَبَتَ فِي "لَا تَصُمْ"؛ فَوَجَبَ فِي "صُمْ"؛ لأِنَّهُمَا طَلَبٌ. رُدَّ: بِأنَّهُ قِيَاسٌ، وَبِالْفَرْقِ بِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي النَّفْيَ، وَبِأَنَّ التَّكْرَارَ فِي الأَمْرِ مَانِعٌ مِنْ غَيْرِهِ بِخِلَافِ النَّهْي. قَالُوا: الأَمْرُ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، وَالنَّهْيُ يَعُمُّ؛ فَيَلْزَمُ التَّكْرَارُ. وَرُدَّ: بِالمَنْعِ، وَبِأَنَّ اقْتِضَاءَ النَّهْيِ لِلْأَضْدَادِ دَائِمًا فَرْعٌ عَلَى تَكْرَارِ الأمْرِ. ولهذا قالت النحاة: الفِعْلُ يدل على المصدر بنفسه، وعلى الزمان بصيغته، وإذا لم تدلّ الصيغة على المصدر لم تدل على صفته؛ لاستحالة الدّلالة على صفة الشَّيء دون الشيء. "وأيضًا: فإنا قاطعون بأن المرّة والتَّكْرَار من صفات الفعل كالقليل والكثير، ولا دلالة للموصوف على" خصوص "الصِّفة"، فلا دلالة لقولنا: اضرب مثلًا على صفة للضرب من تَكْرار ومرة. وهذا الدليل كالأول سواء. الشرح: ودليل "الأستاذ" ومتابعيه أنه "تكرار الصَّوم والصَّلاة"، ولو أن الأمر للتَّكْرَار لما كان ذلك. "ورد" أولًا "بأن التَّكرار من غيره" لا منه. "وعورض ثانيًا بالحَجّ"؛ إذ لم يتكرر مع وجدان الأمر فيه. "قالوا: ثبت في" النَّهي. كقولنا: "لا تصم، فوجب" مثله "في صُم؛ لأنهما [طلب] (١) ". "ردّ بأنه قياس" والقياس في اللُّغة باطل. "وبالفرق" إما "بأن النَّهي يقتضي النَّفي"؛ فإن الحقيقة إنما تنتفي بانتفائها في جميع

стр. 1069

المَرَّةُ القَطْعُ بِأَنَّهُ إِذَا قَالَ: "ادْخُلْ"، فَدَخَلَ مَرَّةً - امْتَثَلَ. قُلْنَا: امْتَثَلَ؛ لِفِعْلِ مَا أُمِرَ بِهِ؛ لأِنَّهَا مِنْ ضَرُورَاتِهِ، لَا أَنَّ الأمْرَ ظَاهِرٌ فِيهَا وَلَا فِي التكْرَارِ. الْوَقْفُ. لَوْ ثَبَتَ … إِلَى آخِرِهِ. الأوقات، والأمر يقتضى إثباتها، وهو يحصل بمرّة عند التَّحقيق، لا فرق بين اللأمر والنهي؛ لأن كلًا منهما يوجه نحو شيء هو في الأمر يتم بمرّة، وفي النَّهي لا يتم إلا بالدَّوَام. وتخرج لك من هذا أنا لا نسلّم ثبوت التكْرَار في: "لا تصم"، وإنما التكرار جاء [في النهي] (١) من ضَرُورة تحقُق الامتثال في الانكفاف عن الحقيقة المأمور باجتنابها، وهذا هو الجواب المعتمد. "و" أما "بأن التكرار في الأمر مانع من "فعل "غيره" من المأمورات، "بخلاف" التكرَار في "النهي"؛ إذ التروك تجتمع وتجامع كلّ فعل، بخلاف الأفعال. قالوا: الأمر بالشيء نهي عن ضدّه، والنهي يعم، فيلزم التَّكْرَار في المأمور به. رد أولًا: بالمنع. وثانيًا: بأن اقتضاء النهي للأضداد، [وإنما] (٢) فرع على تكرر الأمر؛ وذلك لأن النهي بحسب الأمر، فإذا كان أمرًا بالفعل دائمًا كان نهيًا عن أضداده دائمًا. وإن كان أمرًا به في وقت كان نهيًا عن الأضداد في ذلك الوقت. فإذن كون النهي الذي تضمنه الأمر للتكرار فرع كون الأمر للتكرار فإثباته به دور. الشرح: ودليل قائل "المرّة القطع بأنه إذا قال: ادخل، فدخل مرّة امتثل. قلنا: امتثل [لفعل] (٣) ما أمر به؛ لأنها من ضروراته، لا أن الأمر" [داخل] (٤) فيها، ولا في التكرار". وقوله: ولا في التكرار يظهر في بَادِئ الرَّأي أنه مستغنى عنه، ويمكن أن يكون تنبيهًا على أنه لو أتى بالفِعْل وعدُّوه ممتثلًا، فليس لخصوص التكرار، بل لاشتماله على المأمور به كما في المرة.

стр. 1070

" تَعْلِيقُ الأَمْرِ" مَسْأَلَةٌ: الأَمْرُ: إِذَا عُلِّقَ عَلَى عِلَّةٍ ثَابِتَةٍ، وَجَبَ تَكَرُّرُهُ بَتَكَرُّرِهَا اتِّفَاقًا؛ لِلإجْمَاعِ عَلَى اتِّبَاعِ الْعِلَّةِ لَا لِلْأَمْرِ، فَإنْ عُلِّقَ عَلَى غَيْرِ عِلَّةٍ، فَالْمُخْتَارُ: لَا يَقْتَضِي. لَنَا: الْقَطْعُ بِأَنَّهُ إِذَا قَالَ: إِنْ دَخَلْتَ السُّوقَ فَاشْتَرِ كَذَا - عُدَّ مُمْتَثِلًا بِالْمَرَّةِ مُقْتَصِرًا. ثم هذا الجواب يتأتى للقائلين بالمختار. وأما القائلون بالتكرار فما أراهم يسلِّمون حصول امتثال الأمر بجملته وهو واضح على أصلهم، ولكنا لا نعرف خلافًا في مذهبنا فيمن قال: تزوج وأعتق، واشتر وطلق وبع، أنه يحصل الامتثال بمرة، بل لا تجوز الزيادة عليها، حتَّى لو ردّ البيع في الوِكَالَةِ بعَيْبٍ، أو أمره بشرط الخِيَار، فشرط ففسخ البيع لم يكن له البيع ثانيًا، جزم به الرافعي في الوكَالَةِ، ثم حكى فيه خلافًا فقيل: حكم المبيع قبل القَبْضِ وبعده. وفي الرهن أيضًا قال: أشار الإمام إلى أن الوكيل لو باع، ثم فسخ البيع هل يتمكن من البيع مرة أخرى؟ فيه خلاف. ولنا: خلاف مشهور فيما إذا قال لعبده: انكح، فنكح نكاحًا فاسدًا، هل له أن ينكح ثانيًا؟ ودليل قائل "الوَقْف": أنه "لو ثبت إلى آخره" - أي: لثبت بدليل، وهو إما عقلي، أو نقلي؛ كما تقدّم في المسألة قبلها وجوابه، ثم فرع إجابة المؤذن، هك تختص بالمؤذن الأول حتى لو سمع ثانيا، فلا يستحب إجابته؟ قد يقال: يتخرّج ذلك على أن الأمر يقتضي التكّرار، ومسألة تَكْرار الإجابة للأذان مختلف (١) فيها بين العلماء، ولا نقل فيها في المذهب. "مسألة" الشرح: "الأمر إذا علق عل علّة ثابتة" (٢) - أي: ثبت كون الحكم معللًا، بها - وإنما

стр. 1071

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قال: ثابتة؛ ليشير إلى أنه رب وصف لا يثبت كونه علّة، فإن الوصف في هذه المسألة يطلقه الأصوليون، ولا يريدون به العلَّة، بل أعم منها. وقال أبو الحسين في "المعتمد" (١): الصِّفة في هذا الموضع، ما علق بها الحكم من غير أن يتناوله لفظ تَعْلِيل، ولا لفظ شرط؛ مثل: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [سورة النساء: الآية ٩٢]. انتهى. فإذا كانت علّته تامّة "وجب تكرّره بتكررّها اتفاقًا". وأنا أقول: المراد بالتكرار ها هنا؛ [أنه متى وجد الوصف وجد أصل الأمر ثم لا يتكرّر، فليس التكرر هنا] (٢) هو التكرُّر المذكور في المسألة السابقة. ومثاله: اجلد الزَّاني، فحيث زنى وجب جَلْده مرة، ولا يجوز مرة أخرى إلا بزنا آخر. ومن هذا أقول: الأمر لا يقتضي التكرار، ولو علّق بعلّة ثابتة؛ لأني أريد بالتكرار هنا التكرار المراد في المسألة السابقة. وما ادّعاه المصنّف من الاتفاق، سبقه إليه القاضي في "التقريب"، وابنُ السَّمعاني، [والجماعة] (٣). والإمام في "المحصول" أطلق حكاية الخلاف فيه (٤). ولعلّه نصب الخلاف مع من ينكر اقْتِضَاء تَرْتيب الحكم على الوصف للعلّية؛ إذ لا تتأتى المخالفة هنا إلّا منه. واستند القائلون بالتَّكْرار "للإجماع" من القياسيين "على اتباع العفة لا للأمر. فإن علق على غير علة" - والكلام فيه مع من يقول: إن مطلق الأمر لا يقتضي التَّكرار، "فالمختار لا يقتضي" أيضًا.

стр. 1072

قَالُوا: ثَبت ذَلِكَ فِي أَوَامِرِ الشَّرْعِ: ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾ [سورة المائدة: الآية ٦]، ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [سورة النور: الآية ١٢] ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا﴾ [سورة المائدة: الآية ٦]. قُلْنَا: فِي غَيْرِ الْعِلَّةِ؛ بِدَلِيل خَاصٍّ. قَالُوا: تَكَرَّرَ؛ لِلْعِلَّةِ، فَالشَرْطُ أَوْلَى؛ لاِنْتِفَاءِ المَشْرُوطِ بِانْتِفَائِهِ. قُلْنَا: الْعِلَّةُ مُقْتَضِيَةٌ مَعْلُولَهَا. وصحّحه الشيخ أبو حامد، وأبو إسحاق الشِّيرَازي (١)، وغيرهما من أصحابنا. وشرطه كما قال القاضي عبد الوَهّاب المالكي ألّا يكون معلّقًا بلفظ يقتضي التَّكْرار، وإلا فلا شبهة في أنه يتكرر. وذلك مثل: كلما دخل زيد فاضربه فيتكرر، وذلك التَّكْرَار أيضًا ليس من لفظ الأمر كما عرفت. وقيل: يقتضيه مطلقًا. "لنا: القَطْع بأنه إذا قال" السيِّدُ لعبده: "إن دخلتَ السُّوق فاشْترِ كذا، عُدّ ممتثلًا بالمَرّة" في حال كونه "مقتصرًا" عليها. الشرح: "قالوا: ثبت ذلك" أي: تكرر الفعل بتكرُّر المعلّق به "في أوامر الشرع"، ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [سورة المائدة: الآية ٦]، ﴿"الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي" فَاجْلِدُوا﴾ [سورة النور: الآية ٢]، ﴿"وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا" فَاطَّهَّرُوا﴾ [سورة المائدة: الآية ٦] فكذا في اللغة. "قلنا": أما فيما تثبت علّيته كالزنا في الجنابة، فليس محلّ النزاع. وأما "في غير العلّة" فإنه "بدليل خاص"، لا مجرد الأمر؛ ولذلك لم يتكرّر الحَجّ وإن علّق بالاستطاعة. فإن قلت: عدم تكرّر الحَجّ [وإن علّق بالاستطاعة] (٢)؛ إنما هو من قوله ﷺ للرجل الذي سأله أكلَّ عامٍ يا رسول الله؟: "لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ" (٣).

стр. 1073

" عَلاقَةُ التَّعْلِيقِ بِالفَوْرِ" مَسْأَلَةٌ: الْقَائِلُونَ بِالتَّكرَارِ قَائِلُونَ بِالْفَوْرِ، وَمَنْ قَالَ: المَرَّةُ تُبْرِيءُ: قَالَ بَعْضُهُمْ: لِلْفَوْرِ. وَقَالَ الْقَاضِي: إِمَّا الْفَوْرُ أَوِ الْعَزْمُ. وَقَالَ الإمَامُ: بِالْوَقْفِ لُغَةً، فَإنْ بَادَرَ امْتَثَلَ. وَقِيلَ: بِالْوَقْفِ، وَإنْ بَادَرَ. وَعَنِ الشَّافِعِي ﵁: - مَا اخْتِيرَ فِي التَّكْرَارِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ. لَنَا: مَا تَقَدَّمَ. قلت: بل هذا الحديث دليلٌ على ما يدَّعيه؛ لأنه أضاف إيجاب التَّكرار في جواب السَّائل إلى قوله، فدلّ على أنه ليس من مجرّد الآية، ويوضحه أنَّ السَّائل عربي، فلو اقتضى المعلّق بشرط التَّكّرار بوضعه لما سأل. "قالوا: تكرّر للعلّة، فالشرط أولى"، أن يتكرّر فيه؛ لأنه يلزم من انتفائه "انتفاء المشروط"، بخلاف العلّة، لجواز أن تخلفها علّة أخرى؛ كما سيجيء - إن شاء الله تعالى - في جواز التعليل بعلّتين. "قلنا": إنما جاز التَّكرار في "العلّة،؛ لأنها "مقتضيةٌ معلولها"، بخلاف الشرط. "مسألة" الشرح: "القَائلون بالتَّكرار قائلون بَالْفَوْرِ" (١)؛ إذ هو من ضرورياته. "ومن قال: المرة تبريء"؛ إما لأن اللفظ اقتضاها؛ وإما لأنها ضرورية لتحقّق الماهية المأمور بها.

стр. 1074

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . "قال بعضهم": مطلق الأمر "للفور" - وهو رأي الحنفيّة، وجمهور المالكية. وقال أبو الخَطاب الحنبلي (١) في "التمهيد": إنه الذي يقتضيه ظاهر مذهبهم. واختاره من أصحابنا: أبو بكر الصَّيرفي، والقاضي أبو حامد المَرْوَزِي، وصاحب "التَّتمة" في كتاب "الزكاة". "وقال القاضي: إما للفَوْر، وإما العَزْم". وهذا على أصله في الموسّع، ونص في "التقريب" على بطلان القول بالوَقْفِ في هذا الموضع. قال إمام الحرمين في "مختصره": وهو الأصح؛ إذ المصير إلى الوقف هنا يعود إلى خرق الإجماع، أو يلزم ضربًا من التناقض. "وقال الإمام بالوَقْف لغة، فإن بَادَر امتثل، وإن لم يبادر فلا يقطع بخروجه عن العُهْدَةِ".

стр. 1075

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وربما أفهم إطلاق المصنّف أنه إن لم يبادر لم يمتثل، وإيَّاه نقل الآمدي. وليس كذلك، بل لا نقطع بالامتثال إذ ذاك، وإلَّا يلزم أن يكون هو [قول] (١) الفَوْر، وبما ذكرناه صرح في "البرهان". "وقيل: بالوَقْف وإن بادر". وصرح ابن الصَّباغ بأن قائل هذا لا يجوز فعله على الفور، وهو خلاف إجماع الأمة قبله؛ كما نقله غَيْرُ واحد. "وعن الشافعي ﵁ ما اختير في التَّكرار"، من أنه لا يقتضيه، ولا يدفعه، "وهو الصحيح". والأصوليون يعثرون عنه بأنه يقتضي التراخي بمعنى أن التأخير جائز، وأن مدلول "افعل" - طلب الفعل فقط من غير تعرّض للوقت، لا بمعنى أن البدار لا يجوز على ما يقتضيه ظاهر عبارة التَّرَاخي، فإن هذا لم يذهب إليه أحد منهم. ولذلك قال الشيخ أبو حامد: العبارة الفصيحة أن يقال: لا يقتضى الفور والتعجيل. وقال إمام الحرمين (٢): إن قول التراخي هو الَّلائق بتعريفات الشَّافعي في الفقه، وإن لم يصرح به. وقال ابن بَرْهَان: لم ينقل عن الشَّافعي، وأبي حنيفة نصٌّ، وإنما فروعهما تدل على ما نقل عنهما. قلت: وصرّح باختيار التَّرَاخي من أصحابنا ابن أبي هريرة، وأبو بكر القَفّال، وابن خَيْرَان، وأبو علي الطبري صاحب "الإفصاح" (٣) والشيخ أبو حامد الإسفراييني، والشيخ أبو إسحاق، وابن السمعاني، والمغزالي، والإمام، وأتباعه، والآمدي، وإياه [نصر] (٤) القاضي في "التقريب" على خلاف ما تقدَّم النقل عنه. وهذه عبارته: والوجه عندي في ذلك القول بأنه على التَّرَاخي دون الْفَوْرِ، [والوقف] (٥) انتهى.

стр. 1076

الْفَوْرُ: لَوْ قَالَ: "أسْقِنِي"، وَأَخَّرَ، عُدَّ عَاصِيًا. قُلْنَا: لِلْقَرِينَةِ. قَالُوا: كُلُّ مُخْبِرٍ أَوْ مُنْشِيءٍ، فَقَصْدُهُ الْحَاضِر، مِثْلُ: "زَيْدٌ قَائِمٌ"، "وَأَنْتِ طَالِقٌ". رُدَّ: بِأَنَّهُ قِيَاسٌ، وَبِالْفَرْقِ بِأَنَّ فِي هَذَا اسْتِقْبَالًا قَطعًا. قَالُوا: طَلَبٌ كَالنَّهْيِ، وَالآمْرُ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَا. قَالُوا: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٢]؛ فَذُمَّ عَلَى تَرْكِ الْبِدَارِ. قُلْنَا: لِقَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾ [سورة الحجر: الآية ٢٩]. قَالُوا: لَوْ كَانَ التَّأْخِيرُ مَشْرُوعًا، لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ إِلَى وَقْتٍ مُعَيَّنٍ. ثم أخذ يدل على فساد الوَقْف، والفور، [فأطنب] (١) في نُصْرة التراخي. واتفق القائلون بالتَّرَاخي على نفي الإثم ما لم يغلب على الظَّن الفوات. واختلفوا إذا مات والتَّأخير له سائغ اختلافًا ذكروه في كتاب الحَجّ وغيره، يعرف في موضعه، ولا يعترض ما ذكروه هنا؛ لأن التَّأثيم فيما إذا مات ولم يحجّ؛ لأنه أخرج المأمور عن جملة وقته، وهو العمر، فلم يفعل لا على الفور ولا التَّرَاخي، ولم يتبيّن لنا ذلك إلا بموته فعرفنا إثمه إذ ذاك. ثم اضطرب رأي الفقهاء في وقت تأثيمه على ما هو معروف في الفِقْهِ. واعلم أن الخلاف في مسألة الفور جار في الأمر المطلق، وإن كان أمر ندب نظرًا إلى أن الأمر هل يقتضي كون ذلك مندوبًا إليه عقيب الأمر فقط، أو يقتضي ذلك من غير تخصيص بوقت. "لنا: ما تقدم" - في التَّكرار من أن المدلول طلب حقيقة الفعل، والفَوْر والتَّرَاخي خارجي، وأن الفور والتَّراخي من صفات الفعل، فلا دلالة له عليها.

стр. 1077

وَرُدَّ: بِأنَّهُ يَلْزَمُ لَوْ صُرِّحَ بِالْجَوَازِ، وَبِأنَّهُ إِنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ لَوْ كَانَ التَّأْخِيرُ مُعَيَّنًا. وَأَمَّا فِي الجَوَازِ، فَلَا؛ لأِنَّهُ. مُتَمَكِّنٌ مِنَ الاِمْتِثَالِ. قَالُوا: قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَسَارِعُوا﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٣٣]، ﴿فَاسْتَبِقُوا﴾ [سورة البقرة: الآية ١٤٨]، قُلْنَا: مَحْمُولٌ عَلَى الأفْضَلِيَّةِ؛ وإلَّا لَمْ يَكُنْ مُسَارِعًا. الشرح: "الفور: لو قال: اسْقني فأخَّر" - من غير عُذْر - "عُذ عاصيًا، - ولو لم يكن للفور لما عُدّ. "قلنا": إنما ذلك "للقرينة"؛ فإن العادة للاستيفاء عند الحاجة، والكلام في الأمر المجرّد. "قالوا: كلّ مخبر" بخبر مقتضاه الزَّمان الحاضر "أو منشئ" فقصده الزمان "الحاضر؛ مثل زيد قائم" في الخبر، "وأنت طالق" في إنشاء، وقائل: "افعل" منشئ، فليكن قصده الزمان الحاضر؛ إلحاقًا للمفرد بالأعم. الأغلب، وقياسا على الخبر المقصود به الزَّمان الحاضر؛ "مثل: "زيد قائم". واعلم: أن المصنّف هنا ألحق المفرد بالأعم الأغلب في الإنشاء تبعًا للآمدي، وزاد عليه، فقاس على الخبر الخَاصّ، لا على مطلق الخبر؛ ولذلك مثل بـ "زيد قائم". والشَّارحون [فهموا] (١) أنه قاس على مطلق الخبر، وليس كذلك، وأنى يتأتى له هذا، والخبر قد يكون عن ماض ولا يُشَابه ما نحن فيه ألبتة، وقد يكون عن مستقبل. فإن قلت: فلم أطلق لفظ مخبر؟ قلت: لأن كلامه في الأمر المطلق المجرّد عن القرائن، [فلا] (٢) يتأتى قياسًا إلَّا على الخبر المُطْلق دون المقيّد، والخبر المطلق هو الَّذي لا تعرض له للزمان، وما ذلك إلا [الجملة] (٣) الاسمية في قولك: زيد قائم. أما الفعلية نحو: قام زيد، فليست بمطلقة؛ لأن الفعل دالّ بنفسه على الزمان، فلم يكن الخبر مجردًا فيه عن القرائن.

стр. 1078

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وكذلك قولنا: يقوم زيد، فيه دلالة على المستقبل عند من يجعل الفعل المُضَارع مجردًا للاستقبال. وهذا [أوجه] (١) أقوال النُّحَاة فيه. [فالحاصل] (٢): أنه لا يتأتى له القياس على الفعل، لأنه متعرض للزمان بذاته، فهو ذو قَرِينَةٍ، ولا كلام في ذي القَرَائن، إنما الكلام في المُجَرّد، وهو اسم الفاعل فلم يقس إلا على اسم الفاعل. أما الفعل فإنه إما ماض، أو مضارع، وفيهما قرينة المضي والاستقبال، أو فعل أمر، وهو المقيس. وفيه النزاع فشبهه باسم الفاعل الذي لا تعلق له بالزمان، بل هو مجرد - وذلك من محاسن المصنّف - وإنما أداه إلى ذلك تضلعه بعلم [العربية] (٣). فإن قلت: اسم الفاعل حقيقة في الحال، فهو إذًا قرينة تقتضي الحال. قلت: هو بذاته لا يتعرض للزمان، وإنما هو موضوع للدلالة على قيام الصّفة بالفاعل، ثم إن إطلاق الصِّفة على مَنْ لم يقم به مجاز، فكان اسم الفاعل حقيقة في الحال لذلك، فاسم الفاعل لا يدلّ على الزمان بذاته، بل بالعرض من حيث اشتماله على الفِعْلِ، عكس الفعل فإنه يراد منه وُقُوع الفعل المعيّن في الحال والاستقبال؛ ولذلك اختلف هل هو حقيقة في الحال أو الاستقبال، أو مشترك؟ أعني: المضارع الذي يشابه ما نحن فيه. وأما كونه وصفًا للفاعل، فلم يوضع له الفعل حقيقة، وإنما ذلك بالعَرْضِ. هذا الدليل، فاعتمده [دون غيره] (٤). وقد "ردّ بأنه قياس"، واللغة لا تثبت بالقياس. "وبالفرق بأن في هذا" - أي: في الأمر - "استقبالًا قطعًا"؛ لأن الفعل لا يصدر من المأمور مقارنًا لقول الآمر: "افعل"، بل هو متراخٍ عنه جزمًا؛ ولهذا أجمع النُّحاة على أن صيغة افعل حقيقة في الاستقبال.

стр. 1079

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وأما الإخبارات وسائر الإنشاءات التي يقصد بها الحاضر فلا استقبال فيهما قطعًا. أما الإنشاء: مثل: أنت طالق؛ فلأنه لا يدل على الاستقبال، فتعيّن إرادة الحال منه، وأما الخبر: فهو إن دل على الاستقبال فدلالة مرجوحة؛ لما عرف من أن إطلاق اسم الفاعل على المستقبل مجاز؛ فلهذا حمل على حقيقته، وهو الحال، وحينئذ لا يُقَاس ما لا دلالة له على الاسْتقبال بوجه ما، وهو الإنشاء، أو ما لا دلالة مرجوحة وهو الخبر، بما وضع دالًّا على الاستقبال قطعًا، وهو الأمر. ولقائل أن يقول: ليس المراد بالفَوْر إلَّا ما يتعقب الأمر، وإن كان [مستقلًا] (١) عنه وافعل وإن كان وضعها الاستقبال، والاستقبال حاصل وإن بادر المأمور عقب الأمر. "قالوا: طلب كالنَّهي، والأمر نهي عن ضده، وقد تقدّما". والجواب عنهما أيضا في مسألة التَّكرار. قالوا: قال تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٢]، "قدم على ترك البدار" إلى الفعل، فدل على وجوبه. "قلنا: لقوله: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ" وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [سورة الحجر: الآية ٢٩]. وتقرير فهم الفَوْر من هذه الآية أن العامل في "إذا" هو قوله: ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾، فيصير تقدير الآية حينئذ: فقعوا له ساجدين بتسويتي إياه، فوقتُ السجود حينئذ مضيق، فامتناع تأخيره عن خَبَرِ التسوية يستفاد من امتناع تأخير المظروف عن ظرفه الزماني لا من مجرد الأمر، فاعتمد على هذا التقرير، ولا تفهم الفَوْرِيّة من تَرْتيب السُّجود على ما ذكر من الأوصاف بالفاء، فإن ذلك إنما يتم لو كانت الفاء فيه للتَّعقيب. وقد نصَّ النحويون على أن الفاء إذا وقعت جوابًا للشرط لا تقتضي تعقيبًا. "قالوا: لو كان التأخير مشروعًا لوجب أن يكون إلى وقت معين" واللازمُ منتفٍ؛ إذ لا إشعار في الأمر به، ولا دليل من خارج. وبيان المُلازمة: أنه لو لم يكن إلى وقت معين لكان إما إلى وقت أصلا وهو خلاف

стр. 1080

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الإجماع ويلزم منه ألا يكون الواجب واجبًا لأن التأخير لا إلى وقت يستلزم جواز ترك المأمور به، فلا يكون واجبًا، أو إلى وقت غير معيّن للمكلف، فلزم التكليف بالمحال؛ لأنه يكون مكلّفًا بالفعل. "ورّد بأنه يلزم لو صرح بالجواز"، بأن يقول: افعل ولك التأخير؛ فإن هذا جائز إجماعًا، وما ذكر من الدَّليل جار فيه. "وبأنه إنما يلزم لو كان التأخير متعينًا"، يعني: أن المكلف لا يجوز له الفعل في أوّل أزمنة الإمكان، فيجب تعريف وقته الذي يؤخر إليه، ويفعله فيه. "أما في الجواز" - أي: إذا كان التأخير جائزا "فلا؛ لأنه متمكن من الامتثال" في سائر الأزمنة، فلا يلزم التكليف بالمحال. قال أصحابنا: وقد أوجب الله - سبحانه - الوصيّةَ في ابتداء الإِسلام عند حضور الموت، ولا يعرف حضوره إلَّا بغَلَبَةِ الظّن، وقد [بنى] (١) الشَّرع إيجاب الوصيّة، كذا هنا. "قالوا: قال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا" إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [سورة ال عمران: الآية ٣٤]، أوجب المسارعة إلى المغفرة التي هي فعل الله تعالى، [ويستحيل] (٢) المسارعة إلى فعل الغير، فوجب الحمل على المُسَارعة إلى أسباب المغفرة. وامتثال الأوامر من أسباب المغفرة، فيجب المسارعة إليها، ومن جملتها فعل المأمور به، فيجب المُسَارعة إليه. وقال: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [سورة المائدة: الآية ٤٨]، وفعل المأمور من الخيرات، فيجب الاستباق إليه، وإنما تتحقق المسارعة والاسْتِبَاقُ بالفَوْرِ. "قلنا": ذلك "محمول على الأفضليّة"، لا على الوجوب، "وإلا" وجب الفَوْر، وإذا وجب "لم يكن مسارعًا" ومُسْتبقًا؛ لأنهما إنما يتصوّران في الموسّع دون المضيق. ولا يقال له: [لمن] (٣) قيل له: "صُمْ غدًا" - أنه سارع إليه واستبق إذا صامه. وأيضًا: لو وجبت المسارعة والاستباق من الاثنين لم يكن من مجرد الأمر، وليس [ذلك] (٤) مدعى الخصوم.

стр. 1081

الْقَاضِي: مَا تَقَدَّمَ فِي المُوَسَّعِ. الإمَامُ: الطَّلبُ مُتَحَقِّقٌ، وَالتَّأْخِيرُ مَشْكُوكٌ؛ فَوَجَبَ البِدَارُ. وَأَجِيبَ: بِأنَّهُ غَيْرُ مَشْكُوكٍ. الشرح: وحجّة القاضي وجوابها ما تقدّم في "الواجب الموسّع". الشرح: وحجّة "الإمام" أن "الطَّلب متحقّقٌ، والتَّأخير مشكوك فوجب البِدَار". وأنا أقرر هذه العِبَارة على أن التأخير مشكوكٌ بالخروج فيه عن العهدة، فوجب كون البِدَارِ محققًا للخروج عنها، لا على أنه يجب البِدَار إلى الفِعْلِ؛ لأنا قدمنا عنه أنه لا يوجب البِدَار. [ولو] (١) تركنا وظاهر كلام المصنف من إيجاب المُبَادرة، لم يطابق رأي الإمام. "وأجيب بأنه غير مَشْكوك"؛ لأنّا [بَيّنا] (٢) أن الصِّيغة موضوعة للقَدْر المشترك، فالأخصُّ منها هو البِدَار، وضدّه من مدلولها فمن أين الشك؟ ولك أن تقول: البِدَار وقع الاتفاق على أنه من مدلولها، بخلاف التأخير، وهذا المراد بالشَّكّ. نعم الجواب أن هذا الشَّكّ يقتضي أن الاحتياط المبادرة، ونحن نقول بها، أما الوجوب فلا. "فرع" في اشتراط التعجيل في قَبُول الوِكالة، خلاف ملتفت [على] (٣) أن الأمر، هل يقتضي الفور؟ وذلك فيما إذا كانت الصِّيغة في "بع"، "واشتر"، ونحو ذلك لا في وكلتك مثلًا؛ إذ ليس فيه صيغة "افعل".

стр. 1082

" هَلِ الأَمْرُ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ (١)؟ "عَظِيمَةُ الإشْكَالِ مُتَشَعِّبَةُ الأَقْوَالِ" مَسْأَلَةٌ: اخْتِيَارُ الإمَامِ وَالْغَزَّالِيِّ رَحِمَهُمَا اللهُ: أَنَّ الأَمْرَ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ لَيْسَ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ، وَلَا يَقْتَضِيهِ عَقْلًا. وَقَالَ الْقَاضِي وَمُتَابِعُوهُ: نَهْيٌ عَنْ ضِدِّه، ثُمَّ قَالَ: يتَضَمَّنه، ثُمَّ اقْتَصَرَ قَوْمٌ. وَقَالَ الْقَاضِي: وَالنَّهْيُ كَذَلِكَ فِيهِمَا، ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ خَصَّ الْوُجُوبَ دُونَ النَّدْبِ. "مسألة" الشرح: "اختار الإمام والغَزَالي" "أن الأمر بشيء معيّن ليس نهيًا عن ضده" الوجودي، "ولا يقتضيه عقلًا". "وقال" شيخنا أبو الحسن، و "القاضي، ومتابعوه: نهي عن ضدّه". وأطنب القاضي في نُصْرته في "التقريب"، ونقله عن جميع أهل الحق النَّافين لخلق القرآن، "ثم قال" (٢) القاضي: "يتضمّنه".

стр. 1083

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . كذا نقله المصنف تبعًا للآمدي، وهو مأخوذ من إمام الحرمين؛ فإنه ذكر أن القاضي مال إليه في آخر مصنفاته. "ثم اقتصر قوم" على هذا في جانب الأمر، ولم يفعلوا في النهي مثله. "وقال القاضي: والنهي كذلك فيهما" - أي: في الوجهين، فقال أولًا: النهي عن الشَّيء نفس الأمر بضدّه، وثانيًا بل يتضمّنه. "ثُمّ منهم من خَصّ الوجوب" فجعله نهيًا عن الضّد، "دون النَّدب". ومنهم: من عَمَّم القول في أمر الوجوب والندب، وجعلهما نهيًا عن الضِّد تحريمًا وتنزيهًا، وهو رأي، القاضي، نص عليه في "التقريب". ونقل التخصيص عن بعض أهل الحَقّ، والقاضي عبد الوَهَّاب نقله عن الشيخ. وقوله في الكتابِ: "بشيء معين"، لفظة لا بد منها، والمراد: الاحتراز بها عن الواجب الموسّع والمخير، فإن الأمر بهما ليس نهيًا عن الضّد؛ فالمسألة إذًا مقصورة على الواجب على [التعيين] (١). وبذلك صرّح الشّيخ أبو حامد الإِسفراييني، والقاضي في "التقريب"، وغيرهما. ولنا فيه (٢) بحث ذكرناه في "شرح المنهاج". واعلم: أن الناس بين مُثْبت للكلام النفسي ونافٍ له. والشيخ - سَقَي الله عهده صُبُوبَ الرحمة والرّضوان - مقدّم المثبتين، ومعه أهل السُّنة أجمعين. وبين جاعل للأمر صيغة تخصّه ونافٍ لذلك. والشيخ والقاضي سيِّدا النَّافين. وتحقيق هذه المسألة أن الكلام فيها يَقَعُ على وجهين:

стр. 1084

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أحدهما: النَّفْسَاني، فاختلف المثبتون له في أن الأمر بالشيء هل هو نفس النهي عن ضدّه، أو يتضمّنه، أو ليس هو ولا يتضمّنه؟ وثانيهما: اللِّسَاني، وفيه مذهبان فقط. أحدهما: أن الأمر يتضمّن النهي عن الضّد. والثَّاني: أنه لا يتضمّنه. ولا يتمكن أحد هنا من أن يقول: إنه هو، فإن صيغة "تَحَرَّك" غير "لا تَسْكن" قطعًا. والشيخ والقاضي لم يتكلّما إلا في النَّفسي، وذكرا اتِّصاف الشَّيء بكونه أمرًا ونهيًا بمثابة اتِّصاف الكون الواحد بكونه قريبًا من شيء، بعيدًا عن غيره والإمام في "المحصول" اختار أن الأمر بالشيء يتضمن النهى عن ضدّه. وأظنّه لم يتكلّم إلَّا في اللِّساني، أو عبر بالصيغة. وهو رأي جماهير الفقهاء. والقاضي عبد الجَبَّار، وأبو الحُسَين، وغيرهما من المعتزلة اختاروه، وهم لا يتكلّمون إلا في اللِّسَاني؛ إذ الأمر عند المعتزلة العبارة فقط. وهنا موقف أنا ذاكره فأقول: قد يقال: إن كان الكلام في النَّفْسَاني بالنسبة إلى الله - تعالى - والله - تعالى - عليم بكل شيء وكلامه واحد، وهو أمر ونهي وخبر واحد بالذات متعدّد بالمتعلقات، وحينئذ فَأَمْر الله - تعالى -[غير] (١) نَهْيه، فكيف يتجه؟ فيه خلاف. وقد أشار الغزالي إلى هذا فقال: طلب القيام، هل هو بعينه طلب ترك القعود؟ وهذا لا يمكن فرضه في حق الله تَعَالى؟؛ فإن كلامه واحد، وهو أمر ونهي، ووعد ووعيد، فلا تتطرّق الغيرية إليه، فليفرض في المخلوق، وهو أن طلبه للحركة هل هو بعينه كراهة [للسكون] (٢) وطلب لتركه؟ انتهى. وكذلك الأستاذ أبو نصر القُشَيْري، وقال: أما الأمر المخلوق؛ ففيه الخلافُ، وإن كان بالنسبة إلى المخلوق كما ذكر الغَزَالي وابن القُشَيري، فكيف يقال: إنه هو أو يتضمّنه مع احتمال ذهوله عن الضِّد مطلقًا؟

стр. 1085

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وأنا أقول: ما ذكره الغَزَالي وابن القُشَيري غير معروف، ولنفصح [بسر] (١) القائلين بالنَّفسي، ثم نجيب عن هذا، فنقول: هو معنى عندهم ثابت في النفس، محسوس كالعلوم والقَدر، وقد علم أن العلم له تعلّق بمعلوم؛ كما أن القدرة لها تعلّق بمقدور، وكذلك الأمر الذي في النفس له تعلّق بمأمور به، [ويكون] (٢) العلم له متعلّقان متلازمان لا يصح أن يعلم أحد المعلومين دون الآخر، فكذلك الأمر النفسي يمكن أيضًا أن يكون للأمر به متعلّقان متلازمان: أحدهما: اقتضى الإيقاع، والثاني: النهي عن الكَفِّ. فمن قال: الأمر بالشّيء فهي، أجراه مجرى العلم المتعلّق بمتعلّقين متلازمين؛ كـ "يمين" وشمال، وفوق وتحت، فإنه يستحيل عنده أن يعلم الفوق ويجهل التحت، كذلك يستحيل أن يتعلق الأمر النفسي باقتضاء فعل، ولا يتعلق بالنهي عن تركه، ومن قال: [لا] (٣) النهي، كما مال إليه القاضي آخرًا فهذا في تصور مذهبه إشكال. وذكر إمام الحَرَمين (٤): أن هؤلاء لا يعنون بهذا الاقتضاء ما يعنونه المعتزلة، فإن الاقتضاء الَّذي ذهب إليه بعض المعتزلة راجع إلى فهم معنى من لفظ مُشْعِر. وهذا لا يتأتى في كلام النفس، وإنما هؤلاء يعتقدون أن الأمر النفسي [يقارنه] (٥) نَهْي نفسي أيضًا، فيكون وجود هذا القول النَّفسي الذي هو اقتضاء القيام، ويعبر عنه بـ "قم" - يتضمّن وجود قول آخر في النفس يعبر عنه بقولك: لا تقعد، ويكون هذا القول الذي يعبر عنه بـ "قم" - يتضمن القول الثاني، ويقارنه حتى لا يوجد أبدًا منفردًا عنه. ويجري ذلك مجرى الحياة والعلم، فإن العلم إذا وجد اقتضى وجود الحياة. وقد اعترض ابن الأنباري بأن ذلك إنما يجري مجرى الجوهر والعرض؛ إذ لا يمكن انفصالهما لا مجرى الحياة والعلم؛ لجواز وجود أحدهما دون الآخر، وهذ ما لا يصير إليه القاضي بحال؛ لأن أحد قوليه: اتّحاد الطلب. وثانيهما: التعدد مع التلازم عقلًا، فلا يصح الانفصال بوجه، فهذا يشبه افتقار الجَوْهر إلى العرض وبالعكس.

стр. 1086

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قلت: والإمام إنما أراد مُلازمة الحياة للعلم، وعبارته؛ كما تقتضي قيام العلم بالذوات قيام الحياة بها، والحياة لازمة للعلم، فلم يرد أن كلًّا منهما لازم للآخر. فإن قلت: والتمسُّك بالجوهر والعرض أوضح؛ لتلازمهما معًا، بخلاف الحياة والعلم. قلت: إنما يستقيم التمسُّك بالجوهر والعرض. لو قلنا: النهي عن الشيء أمر بضدّه. وكلامنا هنا في الأمر بالشيء، هل هو نهي عن ضده؟ فإذا استقر بنينا عليه عكسه. وقد عرفت ما فيه من الخلاف، فالتمسُّك بلزوم الحياة للعلم أوضح، وإذا تقرر هذا علمت أن من أَثْبَتَ القول النَّفسي اتفقوا على إثبات متعلقين، واختلفوا في المتعلّق فمنهم من وحَّده، وهو قائل: إن الأمر نفس النهي عن الضّد. ومنهم من ثناه، وجعل لكل متعلّق من هذين متعلقًا يتعلق به. وانفرد الإمام والغَزَالي من بين أصحابنا، فنفيا التعدُّد في المتعلّق، والمتعلق به، وهما يوحِّدان المتعلّق والمتعلق به. والقاضي آخرًا يثنيهما (١) جميعًا. ومنهم من يثني المتعلّق به ويوحِّد المتعلّق، وهم جماهير أئمّتنا. إذا عرفت هذا فنقول: قولكم: كلامه - تعالى - واحد فلا تتطرّق الغيرية إليه، فينبغي أن يكون نفس الأمر بالشَّيء نهيًا عن ضدّه بلا نَظَرٍ. قلنا: ليس هو في ذاته واحد بلا شَكّ، ولكنه متعدّد بالمتعلّقات، وكلامنا في الغيرية بهذا المعنى، وإلَّا فكل أمر من قِبَل الله - تعالى - قد [عرف] (٢) من قواعد أئمّتنا أنه بذاته عين النهي، والخبر، والاسْتِخْبار، وغير ذلك، فلم يكن لقولنا: الأمر بالشَّيء نَهْي عن ضدّه مَزِيَّة على قولنا: الأمر بالصّلاة خبر عن قصّة فرعون، ونهي عن الزنا إلى غير ذلك.

стр. 1087

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والخلاف في هذه المسألة إنما هو في أن المستفاد من الأمر ما هو؟ هل هو شيء واحد، أو متعدد؟ فشيخنا يقول: طلب الحركة هو نفس طلب انتفاء السّكون، فمن قام (١) بنفسه طلب الحركة، فالقيام بنفسه طلب انتفاء السكون، وهذا الشيء القائم في النفس متعلّقه في الخارج واحد؛ فإن انتفاء السُّكون هو نفس الحركة؛ إذ لا واسطة بينهما. وقاضينا [آخذًا يقول] (٢) طلب الحركة يتضمّن طلب انتفاء السُّكون، وليس هو هو. وإمامنا يقول: ليس هو ولا يتضمنه. وقال: من قال: الأمر هو النَّهي بعينه، فقوله عري عن التحصيل، فإن القول القائم. بالنفس الذي يعبر عنه بـ "افعل" مغاير للذي يعبر عنه بـ "لا تفعل". قال: ومن جحد هذا سقطت مُكَالمته، وعُدَّ مباهتًا. وهذا حَيْدٌ عن الإنصاف، والقول بهذا يتوارثه فُحُول النُّظَّار خلفًا عن سَلَفٍ، أَفَتَرَاهم يستمرُّون على جَحْدِ الضروريات (٣) والقوم لا يقولون هذا؟ وإنما يقولون: القول القائم بالنفس الذي هو "تحرك" [هو] (٤) القول الذي هو "لا تسكن"، لا أنه القول الذي هو "لا تتحرّك". وأمّا قولكم: وإن كان الكلام في المَخْلُوق، فكيف يقال: إنه هو أو يتضمّنه مع احتمال الذُّهول؛ فهي عُمْدة إمام الحرمين، ونحن نمنعها، ولا يجوز الذُّهول، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وأنا إن خرجت في هذا المكان عن طريق الاختصار، فيقال: يقل له أن يكتب سواد الليل على بياض النهار.

стр. 1088

لَنَا: لَوْ كَانَ الآمْرُ نَهْيًا عَنِ الضِّدِّ، أَوْ يَتَضَمَّنُهُ - لَمْ يَحْصُلْ بِدُونِ تَعَقُّلِ الضِّدِّ وَالْكَفِّ عَنْهُ؛ لأَنَّهُ مَطْلُوبُ النَّهْيِ، وَنَحْنُ نَقْطَعُ بِالطَّلَبِ مَعَ الذُّهُولِ عَنْهُمَا. وَاعْتُرِضَ: بِأَنَّ الْمُرَادَ الضِّدُّ الْعَامّ، وَتَعَقُّلُهُ حَاصِلٌ؛ لأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ (١) لَمْ يَطْلُبْهُ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ طَلَبَهُ فِي المُسْتقْبَلِ، وَلَوْ سُلِّمَ فَالْكَفُّ وَاضِحٌ. الشرح: "لنا: لو كان الأمر نهيًا عن الضِّدّ، أو يتضمّنه لم يحصل بدون تعقُّل الضد والكَفّ عنه" - أي: الكَفّ عن الضد - "مطلوب النهي"، ويمتنع أن يطلب المرء ما لا يشعر به، "ونحن نقطع بالطلب مع الذهول عنهما". "واعترض بأن المراد: الضد العام، وتعقله حاصل". وهذا اعتراض صحيح، ذكره طوائف وهو بالغ، فإنا نمنع الطلب مع الذهول عن الضِّد العام، وهو ما يمنع من ترك الفعل المأمور به، لا الضِّد من جهة التفصيل، فهنا ثلاثة أشياء: أحدها: نفس الترَّك، وهو واقع ولا خلاف فيه. والثاني: النَّهي عن ضدّ ما وجودي، وهو محل الخلاف. ونحن نقول: إن الأمر يستحضره من هذه الحَيْثِيّة. والثالث: استحضار ضدّ معين، ولا قائل به. وزاد المصنّف فذكر لهذا المنع مستندًا لم يذكره الآمدي، فقال دالًّا على أن تعقُّله حامل؛ "لأنه" - أي: الشخص المأمور - "لو كان عليه" - أي: على الفعل متلبسًا به - "لم يطلبه الآمر منه؛ لأنه طلب الحاصل، فإذن إنما يطلبه إذا علم أنه متلبّس بضدّه، لا به وذلك يستلزم تعقل ضده. "وأجيب بأنّ طلبه" للفعل من المأمور "في المستقبل"، فلا يمنع الالتباس به في الحال؛ فطلب منه أن يوجده في ثاني الحال؛ كما يوجده في الحال. "ولو سلم فالكَفّ واضح" أن الآمر لا يتعقّله حالة الأمر؛ لأن تعقّله للضّد حينئذ إنما

стр. 1089

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . هو من حيث أن ترك الضِّد شرط في امتثال ما أمر به، [إلا من حيث صحة] (١) [قصد] (٢) الكَفّ عنه حتى يستلزم ذلك تعقل الكَفّ. ومحلّ النزاع إنما هو الثاني، لا الأول، فإن النزاع في أن الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده الوجودي؟ لا في أنه هل هو نهي عن تركه؟ فإن ذلك واقع بلا شك. واعترض على الأول بأنه جواب عن المستند وهو غير مُرْضٍ عند أهل النظر، وقد جرى هذا للمصنّف غير مرّة، وفيه هذا النظر (٣). وبأن طلب الفعل من المأمور؛ إمَّا أن يكون حالة تلبُّسه به، أو في المستقبل. وأيًّا ما كان يلزم ألّا يكون متلبسًا به، وإلا يلزم تحصيل الحاصل؛ وهذا لأن المراد من قولنا: إن الأمر حالة الآمر بعلم أو بظن أن المأمور ليس متلبسًا بذلك الأمر، أي: في الوقت الذي طلب إيقاعه منه فيه، حالًا كان أو مستقبلًا؛ وهذا لأنه لو علم أو ظن أنه يدوم على ذلك الفِعْلِ في المستقبل، ثم طلب إيقاعه منه فيه - لزم تحصيل الحاصل أيضًا، وحينئذ فإذا طلب منه في المستقبل الفعل الذي هو متلبّس به في الحال وجب أن يعلم أو يظن أنه يكون في المستقبل متلبسًا بما يضادّ ذلك الفعل، وإلا لزم تحصيل الحاصل كما مَرّ. وعلى الثاني بأنه مُقَابلة المَنعْ بالمنع، وهو غير مقبول عند الجَدَليين، وبأنا لا نسلّم أن تعقّل الآمر الكَفّ عن الضدّ شرط في كون أمره نهيًا عن الضِّدِّ أو مستلزمًا له، وإنما يلزم ذلك لو كان النَّهي عن الضِّد مقصودًا بالذات، وليس كذلك وإنما هو مقصود [بالعرض] (٤)؛ وهذا لأن النهي عن الضِّد حينئذ ليس لأمر يرجع إلى الضِّد، وإنما ذلك لكون الإتيان بالضِّد وسيلةً إلى ترك الواجب، فلم قلتم: إن النهي عن الشيء بالعرض يستلزم تعقُّل الكَفّ عنه كما يستلزمه في النهي عنه؛ بالذات؟ وعند هذا نقول: الآن حَصْحَصَ الحق، والمختار عندنا في المسألة أن المأمور بشيء منهي عن جميع أضداده، وأنَّ الآمر (٥) به ناهٍ عن الأضداد. وقد نقل القاضي الإجماع على ذلك.

стр. 1090

الْقَاضِي: لَوْ لَمْ يَكُنْ إِيَّاه، لَكَانَ ضِدًّا أَوْ مِثْلًا أَوْ خِلَافًّا؛ لأَنَّهُمَا إِمَّا أَن يَتَسَاوَيَا فِي صِفَاتِ النَّفْسِ أَوْ لَا: وقال أبو نصر القُشَيري: أَنَا لا أَشُك أن هذا ممنوع، ثم ذكر أن القاضي قال: إن منع ذلك مانع قِيل له هذا خَرْقُ ما عليه الكَافّة، مع أنا نُلْجِئُه إلى ما لا قِبل له به، فنقول: إذا ورد الأمر على الجَزْم بشيء، وهو مقيد بالفَوْرِ، وانتفى عنه سِمَةُ التخيير، فتحريم ضدّ الامتثال لا شَكّ فيه؛ إذ لو لم يجزم فما معنى وجوب الامتثال؟. انهى. وأما أن الأمر بالشيء هل هو نهي؟ فلا سبيل إلى القول به مع تجويز عدم خُطُوره بالبال، وعلى تقدير الخطور، فليس الضِّدّ مقصودًا بذاته، وإنما هو ضروري دعا إليه تحقيق المأمور به، فليس كل ما كان ضروريًا للشيء يقال: إنه مدلول الشيء، ولا أن الشَّيء يتضمّنه، فمن أمر غيره بالقيام، كان التخلِّي عن أضداد القيام ممّا يقع ضرورة ليتحقق القيام، وليس ما يقع ضرورةً مندرجًا تحت الاقتضاء الَّذِي هو الأمر، ومن ضرورة الأمر بالشيء، العلم به والقدرة عليه والحياة. ثم لا يُقَال: الأمر يتضمّن هذه الأشياء، بل لا بد [منها] (١)، فإن كان من يطلق أن الأمر يتضمن النَّهي يريد هذا المعنى، فهو مسلّم وقد توافقنا. وإن كان يقول: من أمر غيره بالقيام فقد الْتَمَسَ منه التخلِّي عن الأضداد؛ كما استدعى منه القيام، وإلا لم يخطر الضِّدُّ بباله - فذلك محال. [فهذا] (٢) ما نرتضيه في المسألة. وإياه ذكر الأستاذ أبو نَصْرٍ القشيري، وقال: هذا التَّحْقيق يجري في أن الآمر بالشيء ليس ناهيًا عن أضداده؛ لأن الآمر [بالقيام] (٣) طالب له، وقد لا يخطر له ضدّه، فكيف يطلبه؟ قلت: وعلى تقدير الخُطُور، فليس هو المقصود بالذات كما عرفت. الشرح: واحتج "القاضي" في كتاب "التقريب" على أن الأمر بالشيء نفس النهي عن ضدّه بأنه "لو لم يكن إياه لكان" غيرًا، وهذا واضح.
следующие страницы →