← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6338

رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (2 330 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قلت: والإمام إنما أراد مُلازمة الحياة للعلم، وعبارته؛ كما تقتضي قيام العلم بالذوات قيام الحياة بها، والحياة لازمة للعلم، فلم يرد أن كلًّا منهما لازم للآخر. فإن قلت: والتمسُّك بالجوهر والعرض أوضح؛ لتلازمهما معًا، بخلاف الحياة والعلم. قلت: إنما يستقيم التمسُّك بالجوهر والعرض. لو قلنا: النهي عن الشيء أمر بضدّه. وكلامنا هنا في الأمر بالشيء، هل هو نهي عن ضده؟ فإذا استقر بنينا عليه عكسه. وقد عرفت ما فيه من الخلاف، فالتمسُّك بلزوم الحياة للعلم أوضح، وإذا تقرر هذا علمت أن من أَثْبَتَ القول النَّفسي اتفقوا على إثبات متعلقين، واختلفوا في المتعلّق فمنهم من وحَّده، وهو قائل: إن الأمر نفس النهي عن الضّد. ومنهم من ثناه، وجعل لكل متعلّق من هذين متعلقًا يتعلق به. وانفرد الإمام والغَزَالي من بين أصحابنا، فنفيا التعدُّد في المتعلّق، والمتعلق به، وهما يوحِّدان المتعلّق والمتعلق به. والقاضي آخرًا يثنيهما (١) جميعًا. ومنهم من يثني المتعلّق به ويوحِّد المتعلّق، وهم جماهير أئمّتنا. إذا عرفت هذا فنقول: قولكم: كلامه - تعالى - واحد فلا تتطرّق الغيرية إليه، فينبغي أن يكون نفس الأمر بالشَّيء نهيًا عن ضدّه بلا نَظَرٍ. قلنا: ليس هو في ذاته واحد بلا شَكّ، ولكنه متعدّد بالمتعلّقات، وكلامنا في الغيرية بهذا المعنى، وإلَّا فكل أمر من قِبَل الله - تعالى - قد [عرف] (٢) من قواعد أئمّتنا أنه بذاته عين النهي، والخبر، والاسْتِخْبار، وغير ذلك، فلم يكن لقولنا: الأمر بالشَّيء نَهْي عن ضدّه مَزِيَّة على قولنا: الأمر بالصّلاة خبر عن قصّة فرعون، ونهي عن الزنا إلى غير ذلك.

стр. 1087

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والخلاف في هذه المسألة إنما هو في أن المستفاد من الأمر ما هو؟ هل هو شيء واحد، أو متعدد؟ فشيخنا يقول: طلب الحركة هو نفس طلب انتفاء السّكون، فمن قام (١) بنفسه طلب الحركة، فالقيام بنفسه طلب انتفاء السكون، وهذا الشيء القائم في النفس متعلّقه في الخارج واحد؛ فإن انتفاء السُّكون هو نفس الحركة؛ إذ لا واسطة بينهما. وقاضينا [آخذًا يقول] (٢) طلب الحركة يتضمّن طلب انتفاء السُّكون، وليس هو هو. وإمامنا يقول: ليس هو ولا يتضمنه. وقال: من قال: الأمر هو النَّهي بعينه، فقوله عري عن التحصيل، فإن القول القائم. بالنفس الذي يعبر عنه بـ "افعل" مغاير للذي يعبر عنه بـ "لا تفعل". قال: ومن جحد هذا سقطت مُكَالمته، وعُدَّ مباهتًا. وهذا حَيْدٌ عن الإنصاف، والقول بهذا يتوارثه فُحُول النُّظَّار خلفًا عن سَلَفٍ، أَفَتَرَاهم يستمرُّون على جَحْدِ الضروريات (٣) والقوم لا يقولون هذا؟ وإنما يقولون: القول القائم بالنفس الذي هو "تحرك" [هو] (٤) القول الذي هو "لا تسكن"، لا أنه القول الذي هو "لا تتحرّك". وأمّا قولكم: وإن كان الكلام في المَخْلُوق، فكيف يقال: إنه هو أو يتضمّنه مع احتمال الذُّهول؛ فهي عُمْدة إمام الحرمين، ونحن نمنعها، ولا يجوز الذُّهول، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وأنا إن خرجت في هذا المكان عن طريق الاختصار، فيقال: يقل له أن يكتب سواد الليل على بياض النهار.

стр. 1088

لَنَا: لَوْ كَانَ الآمْرُ نَهْيًا عَنِ الضِّدِّ، أَوْ يَتَضَمَّنُهُ - لَمْ يَحْصُلْ بِدُونِ تَعَقُّلِ الضِّدِّ وَالْكَفِّ عَنْهُ؛ لأَنَّهُ مَطْلُوبُ النَّهْيِ، وَنَحْنُ نَقْطَعُ بِالطَّلَبِ مَعَ الذُّهُولِ عَنْهُمَا. وَاعْتُرِضَ: بِأَنَّ الْمُرَادَ الضِّدُّ الْعَامّ، وَتَعَقُّلُهُ حَاصِلٌ؛ لأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ (١) لَمْ يَطْلُبْهُ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ طَلَبَهُ فِي المُسْتقْبَلِ، وَلَوْ سُلِّمَ فَالْكَفُّ وَاضِحٌ. الشرح: "لنا: لو كان الأمر نهيًا عن الضِّدّ، أو يتضمّنه لم يحصل بدون تعقُّل الضد والكَفّ عنه" - أي: الكَفّ عن الضد - "مطلوب النهي"، ويمتنع أن يطلب المرء ما لا يشعر به، "ونحن نقطع بالطلب مع الذهول عنهما". "واعترض بأن المراد: الضد العام، وتعقله حاصل". وهذا اعتراض صحيح، ذكره طوائف وهو بالغ، فإنا نمنع الطلب مع الذهول عن الضِّد العام، وهو ما يمنع من ترك الفعل المأمور به، لا الضِّد من جهة التفصيل، فهنا ثلاثة أشياء: أحدها: نفس الترَّك، وهو واقع ولا خلاف فيه. والثاني: النَّهي عن ضدّ ما وجودي، وهو محل الخلاف. ونحن نقول: إن الأمر يستحضره من هذه الحَيْثِيّة. والثالث: استحضار ضدّ معين، ولا قائل به. وزاد المصنّف فذكر لهذا المنع مستندًا لم يذكره الآمدي، فقال دالًّا على أن تعقُّله حامل؛ "لأنه" - أي: الشخص المأمور - "لو كان عليه" - أي: على الفعل متلبسًا به - "لم يطلبه الآمر منه؛ لأنه طلب الحاصل، فإذن إنما يطلبه إذا علم أنه متلبّس بضدّه، لا به وذلك يستلزم تعقل ضده. "وأجيب بأنّ طلبه" للفعل من المأمور "في المستقبل"، فلا يمنع الالتباس به في الحال؛ فطلب منه أن يوجده في ثاني الحال؛ كما يوجده في الحال. "ولو سلم فالكَفّ واضح" أن الآمر لا يتعقّله حالة الأمر؛ لأن تعقّله للضّد حينئذ إنما

стр. 1089

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . هو من حيث أن ترك الضِّد شرط في امتثال ما أمر به، [إلا من حيث صحة] (١) [قصد] (٢) الكَفّ عنه حتى يستلزم ذلك تعقل الكَفّ. ومحلّ النزاع إنما هو الثاني، لا الأول، فإن النزاع في أن الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده الوجودي؟ لا في أنه هل هو نهي عن تركه؟ فإن ذلك واقع بلا شك. واعترض على الأول بأنه جواب عن المستند وهو غير مُرْضٍ عند أهل النظر، وقد جرى هذا للمصنّف غير مرّة، وفيه هذا النظر (٣). وبأن طلب الفعل من المأمور؛ إمَّا أن يكون حالة تلبُّسه به، أو في المستقبل. وأيًّا ما كان يلزم ألّا يكون متلبسًا به، وإلا يلزم تحصيل الحاصل؛ وهذا لأن المراد من قولنا: إن الأمر حالة الآمر بعلم أو بظن أن المأمور ليس متلبسًا بذلك الأمر، أي: في الوقت الذي طلب إيقاعه منه فيه، حالًا كان أو مستقبلًا؛ وهذا لأنه لو علم أو ظن أنه يدوم على ذلك الفِعْلِ في المستقبل، ثم طلب إيقاعه منه فيه - لزم تحصيل الحاصل أيضًا، وحينئذ فإذا طلب منه في المستقبل الفعل الذي هو متلبّس به في الحال وجب أن يعلم أو يظن أنه يكون في المستقبل متلبسًا بما يضادّ ذلك الفعل، وإلا لزم تحصيل الحاصل كما مَرّ. وعلى الثاني بأنه مُقَابلة المَنعْ بالمنع، وهو غير مقبول عند الجَدَليين، وبأنا لا نسلّم أن تعقّل الآمر الكَفّ عن الضدّ شرط في كون أمره نهيًا عن الضِّدِّ أو مستلزمًا له، وإنما يلزم ذلك لو كان النَّهي عن الضِّد مقصودًا بالذات، وليس كذلك وإنما هو مقصود [بالعرض] (٤)؛ وهذا لأن النهي عن الضِّد حينئذ ليس لأمر يرجع إلى الضِّد، وإنما ذلك لكون الإتيان بالضِّد وسيلةً إلى ترك الواجب، فلم قلتم: إن النهي عن الشيء بالعرض يستلزم تعقُّل الكَفّ عنه كما يستلزمه في النهي عنه؛ بالذات؟ وعند هذا نقول: الآن حَصْحَصَ الحق، والمختار عندنا في المسألة أن المأمور بشيء منهي عن جميع أضداده، وأنَّ الآمر (٥) به ناهٍ عن الأضداد. وقد نقل القاضي الإجماع على ذلك.

стр. 1090

الْقَاضِي: لَوْ لَمْ يَكُنْ إِيَّاه، لَكَانَ ضِدًّا أَوْ مِثْلًا أَوْ خِلَافًّا؛ لأَنَّهُمَا إِمَّا أَن يَتَسَاوَيَا فِي صِفَاتِ النَّفْسِ أَوْ لَا: وقال أبو نصر القُشَيري: أَنَا لا أَشُك أن هذا ممنوع، ثم ذكر أن القاضي قال: إن منع ذلك مانع قِيل له هذا خَرْقُ ما عليه الكَافّة، مع أنا نُلْجِئُه إلى ما لا قِبل له به، فنقول: إذا ورد الأمر على الجَزْم بشيء، وهو مقيد بالفَوْرِ، وانتفى عنه سِمَةُ التخيير، فتحريم ضدّ الامتثال لا شَكّ فيه؛ إذ لو لم يجزم فما معنى وجوب الامتثال؟. انهى. وأما أن الأمر بالشيء هل هو نهي؟ فلا سبيل إلى القول به مع تجويز عدم خُطُوره بالبال، وعلى تقدير الخطور، فليس الضِّدّ مقصودًا بذاته، وإنما هو ضروري دعا إليه تحقيق المأمور به، فليس كل ما كان ضروريًا للشيء يقال: إنه مدلول الشيء، ولا أن الشَّيء يتضمّنه، فمن أمر غيره بالقيام، كان التخلِّي عن أضداد القيام ممّا يقع ضرورة ليتحقق القيام، وليس ما يقع ضرورةً مندرجًا تحت الاقتضاء الَّذِي هو الأمر، ومن ضرورة الأمر بالشيء، العلم به والقدرة عليه والحياة. ثم لا يُقَال: الأمر يتضمّن هذه الأشياء، بل لا بد [منها] (١)، فإن كان من يطلق أن الأمر يتضمن النَّهي يريد هذا المعنى، فهو مسلّم وقد توافقنا. وإن كان يقول: من أمر غيره بالقيام فقد الْتَمَسَ منه التخلِّي عن الأضداد؛ كما استدعى منه القيام، وإلا لم يخطر الضِّدُّ بباله - فذلك محال. [فهذا] (٢) ما نرتضيه في المسألة. وإياه ذكر الأستاذ أبو نَصْرٍ القشيري، وقال: هذا التَّحْقيق يجري في أن الآمر بالشيء ليس ناهيًا عن أضداده؛ لأن الآمر [بالقيام] (٣) طالب له، وقد لا يخطر له ضدّه، فكيف يطلبه؟ قلت: وعلى تقدير الخُطُور، فليس هو المقصود بالذات كما عرفت. الشرح: واحتج "القاضي" في كتاب "التقريب" على أن الأمر بالشيء نفس النهي عن ضدّه بأنه "لو لم يكن إياه لكان" غيرًا، وهذا واضح.

стр. 1091

الثَّانِي: إِمَّا أَنْ يَتَنَافَيَا بِأَنْفُسِهِمْ أَوْ لَا: فَلَوْ كَانَا مِثْلَيْنِ أَوْ ضِدَّيْنِ، لَمْ يَجْتَمِعَا. وَلَوْ كَانَا خِلافَيْنِ، لَجَازَ أَحَدُهُمَا مَعَ ضِدِّ الآخَرِ وَخِلافِهِ؛ لأِنَّهُ حُكْمُ الْخِلافَيْنِ، وَيَسْتَحِيلُ الآمْرُ مَعَ ضِدِّ النَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ، وَهُوَ الآمْرُ بِضِدِّهِ؛ لأِنَّهُمْ نَقِيضَانِ أَوْ تَكْلِيفٌ بِغَيْرِ الْمُمْكِنِ. وَأُجِيبَ: إِنْ أَرَادَ بِطَلَبِ تَرْكِ ضِدِّهِ طَلَبَ الْكَفِّ مُنِعَ لَازِمُهُمَا عِنْدَه، فَقَدْ يَتَلَازَمُ الْخِلافَانِ؛ فَيَسْتَحِيلُ ذَلِكَ، وَقَدْ، يَكُونُ كُلٌ مِنْهُمَا ضِدَّ ضِدِّ الآخَرِ؛ كَالظَّنِّ وَالشَّكِّ فَإنَّهُمَا مَعًا ضِدُّ الْعِلْمِ. وَإنْ أَرَادَ بِتَرْكِ ضِدِّهِ عَيْنَ الْفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ - رَجَعَ النِّزَاعُ لَفْظِيًّا فِي تَسْمِيَتِهِ تَرْكًا، ثُمَّ فِي تَسْمِيَةِ طَلَبِهِ نَهْيًا. الْقَاضِي: أَيْضًا السُّكُونُ عَيْنُ تَرْكِ الْحَرَكَةِ، فَطَلَبُ الشُكُونِ طَلَبُ تَرْكِ الْحَرَكَةِ. وَأُجِيبَ: بِمَا تَقَدَّمَ. ولو كان غيرًا لكان "ضدًّا" له، "أو مثلًا، أو خلافًا". واللازم باطل. وإلى بيان الملازمة أشار بقوله: "لأنهما" - أي: كل متغايرين - "إما أن يَتَسَاوَيَا في صفات النفس" - أي: في الذَّتيات - وهو تمام المَاهِيّه، والمعنى بصفات النفس ما "لا" يحتاج الوَصْف به إلى تعقل أمر زائد؛ كالإنسانية للإنسان، والحقيقة والوجود والنسبية له، بخلاف الحدوث والتحيُّز، فإن تساويا فيها [فمثلان] (١) كَسَوَادَيْن أو بَيَاضين. "الثّاني": وهو ألّا يَتَسَاويا في صفات النفس، "إما أن يتنافيا بأنفسهما" - أي: يمتنع اجتماعهما في محل واحد بالنظر إلى ذاتهما فضدان كالسواد والبياض - "أو لا" فخلافان كالسَّوَاد والحَلاوة، وإلى انتفاء اللازم أشار بقوله: "فلو كانا مِثْلين أو ضدّين لم يجتمعا" في محل واحد؛ لاستحالة اجتماع المِثْلين والضِّدين، وهما يجتمعان؛ إذ جواز الأمر بالشَّيء والنهي عن ضدِّه معًا، ووقوعه ضروري. والقاضي في "التقريب لم [يُعَرّج] (٢) على استحالة اجتماع المِثْلين، بل علل بأنه كان

стр. 1092

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يستغني عن الأمر به؛ لأنه ساد مَسَدّه. ولعل هذا أوجه؛ لأن المعتزلة ينازعون في اسْتِحَالة اجتماع المثلين. "ولو كانا خِلافَيْن لجاز أحدهما مع ضد الآخر، وخلافه" - أي: يجوز اجتماع كل منهما مع ضد الآخر ومع خلافه؛ "لأنه" - أي: لأن هذا - "حكم الخلافين" [أن] (١) كما يجتمع السواد، وهو خلاف الحلاوة مع الحموضة ومع الرائحة، فكان يجوز أن يجتمع الأمر بالشيء مع ضدّ النهي عن ضدّه، وهو الأمر بضده. وإليه أشار بقوله: "ويستحيل الأمر مع ضد النهي عن ضده وهو الأمر بضده"، إما "لأنهما نقيضان"؛ إذ [يُعَدُّ] الأمر بفعل شيء، وبفعل ضده أمرًا متناقضًا؛ كما يعد خبر فعله، وفعل ضده. خبرًا متناقضًا، "أو "لأنه "تكليف بغير الممكن". واعلم أن القاضي [أطلق] (٢) الضّدين، وأراد بهما ما يَتَنَافيان لذاتيهما كما عرفته، وذلك أعم من الضِّدَّين بالمعنى المصطلح والنقيضين والعدم والملكة. وبيان ذلك: أن المُتَنَافيين لذاتيهما؛ إما أن يكونا وُجُوديين بينهما غاية الخلاف، فهما الضَدَّان بالمعنى المُصْطلح كالسَّوَاد والبياض، أم لا يكونا وجوديين. فإن كان (٣) أحدهما وجوديًّا والآخر عدميًّا، فإن نظر إليهما بشرط وجود موضوع مستعد لذلك الأمر الوجودي، فهما العدم والملكة كالبَصَر والعَمَى، وإن نظر إليهما [لا] (٤) بشرط وجود الموضوع المستعدّ للإيجاب فهما السَّلب والإِيجاب، وهو المعنى بالنَّقيضين كالإِنسانية واللإنسانية. "وأجيب: بأن أراد" القاضي "بطلب ترك ضدّه" - حيث يقول: الأمر بالشيء "طلب" لترك الضد - طلب "الكَفّ" عن ضدّه "منع لازمهما عنده" - أي: يختار حينئذ أنهما خلافان، ويمنع لازم الخلافين عند القاضي، أو عند هذا التفسير، وهو اجتماع كل ضدّ مع ضد الآخر وخلافه.

стр. 1093

التَّضَمُّنُ: أَمْرُ الإيجَابِ: طَلَبُ فِعْلٍ يُذَمُّ عَلَى تَرْكِهِ اتّفَاقًا، ............ "فقد يتلازم الخلافان" كالعلّة مع معلولها المُسَاوي، "فيستحيل" فيهما "ذلك" - أي: جواز اجتماع أحدهما مع ضد الآخر؛ لأن اجتماع أَحَدِ المتلازمين مع الشيء لا يوجب اجتماع الآخر معه، فيلزم اجتماع كل مع ضدّه، وهو مُحَال. "و "أيضًا: "قد يكون كل منهما" - أي: الخلافين - "ضدّ ضدّ الآخر كالظن والشَّك، فإنهما" خلافان، وهما "معًا ضدّ العلم"، فيكون كل منهما ضّد ضدّ الآخر، وإذا جاز ذلك، فلا يجب اجتماعه مع ضد الآخر. "وإن أراد بترك ضدّه عين الفعل المأمور به" أي: فعل ضد ضدّه، أي: عين الفعل المأمور به؛ كما يشعر به استدلاله الثاني، "رجع النِّزاع لفظيًّا في تسميته" - أي: تسمية المأمور به "تركًا" لضدّه، "ثم في تسمية طلبه نهيًا". قال في "المختصر الكبير" بعد هذا: ويكون حاصله أن له عبارة أخرى كالأُحْجِيَةِ؛ مثل: أخوك ابن أخت خالتك، وذلك شبه اللَّعِبِ. والآمدي اقتصر على اختيار قِسْم الخلافين، ومنع لزوم عدم التَّلازم بينهما، كأنه جزم بإرادة القاضي الأوّل (١). واحتجّ "القاضي أيضًا" بأن "السكون عين ترك الحركة"؛ إذ البقاء في [الحيز] (٢) الأول هو بعينه عدم الانتقال إلى الحيز الثاني، وإنما يختلف التعبير، "فطلب السكون (٣). طلب ترك الحركة". "وأجيب بما تقدّم" من رجوع الخلاف لفظيًّا. الشرح: "التّضمّن: أمر الإيجاب طلب فعل يذمّ على تركه اتفاقًا، ولا يُذَم

стр. 1094

وَلا يُذَمُّ إِلَّا عَلَى فِعْلٍ وَهُوَ الْكَفُّ أَوِ الضِّدُّ فَيَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ. وَأُجِيبَ: بأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنّهُ مِنْ مَعْقُوله لا بِدَلِيل خَارِجِيّ. وَإنْ سُلِّمَ فَالذَّمُّ عَلَى أَنهُ. "لَمْ يَفْعَلْ"، لا عَلَى "فَعَلَ". وَإنْ سُلِّمَ فَالنَّهْيُ: طَلَبُ كَفّ عَنْ فِعْلٍ لا عَنْ كَفٍّ، وَإلَّا أَدَّى إِلَى وُجُوبِ تَصَوُّرِ الْكَفِّ عَنِ الْكَفِّ لِكُل آمِرٍ؛ وَهُو بَاطِلٌ قَطْعًا. قَالُوا: لا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِتَرْكِ ضِدِّهِ وَهُوَ الْكَفُّ عَنْ ضِدِّهِ، أَوْ نَفْيُهُ؛ فَيَكُونُ مَطْلُوبًا، وَهُوَ مَعْنَي النَّهْي، وَقَدْ تَقَدَّمَ. [المكلّف] (١) إلا على فعل"؛ لأنه المقدور، "و" ما "هو "هنا إلا "الكَف" عن "الضِّدّ" وفعل الضد - أي: ضدّ المأمور به. وكلاهما ضدّ الفعل، والذم يحصل بأيهما كأن [يستلزم] (٢) كل منهما [المنهي] (٣) عنه. "وأجيب بأنه مَبْنِي على أنه" - أي: الذم بالترك -["من] (٤) معقوله" - أي: معقول الإيجاب فلا ينفك عنه تعقلًا، "لا بدليل خارجي". وأما من يجوز الإيجاب، وهو الاقتضاء الجازم من غير حَظْرِ الذَّم بالترك على الثاني، وإن كان الذَّم لازمًا له في الواقع، فلا يلزم ذلك. "وإن سلم" أنه من معقوله، "فالذَّم على أنه لم يفعل" المأمور به "لا على فعل". "وإن سلم فالنهي طلب كَفّ عن فعل، لا عن كَفّ"؛ كما أنّ الأمر طلب فعل غير كَفّ، "وإلا" فلو بطلت هذه المُنُوع، وانتهض دليلكم "لأدّى إلى وجوب تصوّر الكَفّ عن الكف لكل أمر" بشيء؛ "وهو باطل قطعًا"؛ فإن الآمر بالشيء قد لا يخطر الكَفّ عن الكَفّ بباله. ولقائل أن يقول على الأول: الذّم من معقوله بحكم أهل اللغة بعصيان تارك الأمر. ولهذا التفات على أنّ اقتضاء صيغة "افعل" للوجوب، هل هو بالوضع أو الشَّرع أو العقل؟، وفيه خلاف قدمته.

стр. 1095

الطَّارِدُونَ: مُتَمَسَّكَا الْقَاضِي الْمُتَقَدِّمَانِ. وَأَيْضًا: النَّهْيُ: طَلَبُ تَرْكِ فِعْل، وَالترْكُ: فِعْلُ الضدِّ؛ فَيَكُونُ أَمْرًا بِالضدِّ. قُلْنَا: فَيَكُونُ الزِّنَا وَاجِبًا مِنْ حَيْثُ هُوَ تَرْكُ - لِوَاطٍ، [وَ] بِالْعَكْسِ؛ وَهُوَ بَاطِلٌ قطعًا، وَبِأَنْ لا مُبَاحَ، وَبِأَنَّ النَّهْيَ طَلَبُ الْكَفِّ لا الضِّدِّ الْمُرَادِ. فَإنْ قُلْتُمْ: فَالْكَفُّ فِعْل، فَيَكُونُ أمْرًا بِالضدِّ - رَجَعَ النِّزَاعُ لَفْظِيًّا؛ وَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ النهي نَوْعًا مِنَ الآمْرِ؛ وَمِنْ ثَمَّةَ قِيلَ: الآمْرُ طَلَبُ فِعْل لا كَفٍّ. وعلى الثَّاني: أن المكلّف به في النهي إنما هو فعل، لا انتفاء فعل، خلافًا لأبي هَاشِمٍ على ما عرف. وعلى الثالث: أن الكَفّ فعل، فلا يحسن قولكم: كفّ عن فعل لا عن كفّ؛ لأن الفعل أعم من الكف. قولكم: يلزم تصوّر الكف عن الكف لكل أمر. قلنا: إنما يلزم لو كان النَّهي عن الضّد مقصودًا بالذّات، لا بالعرض. "قالوا: لا يتم الواجب إلا بترك ضدّه، وهو "إما "الكَف عن ضده أو نفيه" - أي: انتفاء ضده على اختلاف الرَّأيين في أن المكلف به في النهي ما هو؟ "فيكون" الكفّ عن الضد انتفاؤه "مطلوبًا، وهو معنى النهي، وقد تقدم" منع أن ما لا يتم الواجب إلا به من عقلي، أو عرفي - واجبٌ. نعم هو لا بُدّ منه في الإتيان بالواجب، ولا يلزم من كونه لا بُدّ منه وقوعًا أن يرد عليه الوجوب. الشرح: "الطَّاردون" (١) حكم الأمر في النَّهي؛ حيث قالوا: النَّهي أمر بالضد: لهم "ممسَّكا القاضِي المتقدمان"، وقد عرفا تقريرًا وجوابًا. "وأيضًا: النهي: طلب ترك فعل، والترك فعل الضدِّ"، إما أنه فعل؛ فلأن الفعل هو المقدور، وإما أنه فعل الضِّدّ؛ فلأن غير الضِّدّ لا يكون تركًا له، وهو فعل أحد الأضداد، "فيكون" النَّهي، أمرًا بالضد".

стр. 1096

الطَّارِدُونَ فِي التَّضَمُّنِ: لا يَتِمُّ الْمَطْلُوبُ بِالنَّهْى إلَّا بِأَحَدِ أَضْدَادَهِ كَالأمْرِ. وَأُجِيبَ بِالإلْزَامِ الْفَظيعِ وَبِأَنْ لا مُبَاحَ. "قلنا": أولًا، "فيكون" - أي: لو كان النَّهي أمرًا بالضِّد لكان "الزنا واجبًا من حيث هو ترك لِوَاط"؛ لأنه ضده، "وبالعكس وهو باطل قطعًا". ولك أن تقول: لازم؛ لأن معنى قولنا: النهي عن الشيء أمر بأحد أضداده، أي: مما ليس [نهيًا] (١). سلمنا: أن أيَّ ضدّ حصل يقع مأمورًا به، ولكن هذه الحَيْثِيةَ فقط، وأي عظيم في هذا، وهو لازم للقائل بأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، وأولى باللزوم له؛ لأنه يجعله نهيًا عن جميع الأضداد. "و "ثانيًا: "بأن لا مباح" - أي: يستلزم انتفاء المباح بالنظر إلى ذاته، بل غايته أن كل مباح، فيلزمه ترك حرام، وينتفي بهذه الحَيْثِيَّة. "و" نحن نلتزم ذلك، ونختاره على ما عرف في مسألة الكَعْبِى. وثالثًا: "بأن النهي طلب الكف" - أي: الكَفّ هو المطلوب بالنهي - "لا الضِّد المراد"، أي: لا يلزم وجود ضدّ من الأضداد الجُزْئية الَّذي هو المراد، وفيه البحث. "فإن قلتم: فالكَفّ فعلًا، محقق "فيكون" ضدًّا، فيحقق "أمرًا بالضّد رَجَعَ النزاع لفظيًا" حينئذ في تسمية الكَفّ فعلًا، ثم في تسمية طلبه أمرًا كما تقدّم. "ولزم أن يكون النهي نوعًا من الأمر"، ولا قائل بذلك، فإنه قسيمه فكيف يكون نوعًا منه. "ومن ثَمّ قيل الأمر: طلب فعل لا كَفّ"، ولو كان النَّهي نوعًا منه لما قيل: لا كَفّ. فاعتمد هذا التقرير. الشرح: "الطاردون في التضمّن" - أي: القائلون بأن النهي عن الشيء يتضمن الأمر بضده، كما قالوا: الأمر يتضمّن النَّهي احتجوا بأنه "لا يتمّ المطلوب بالنهي إلّا بأحد أضداده".

стр. 1097

وَالْفَارُّ مِنَ الطَّرْدِ إِمَّا لأَنَّ النَّهْيَ طَلَبُ نَفْي، وَإمَّا للإلْزَامِ الْفَظِيعِ، وَإمَّا لأَنَّ أَمْرَ الإيجَابِ يَسْتَلْزِمُ الذَّمَّ عَلَى التَّرْكِ، وَهُوَ فِعْلٌ، فَاسْتلزمَ؛ كَمَا تَقَدَّمَ. وَالنَّهْيُ: طَلَبُ كَفَّ عَنْ فِعْلٍ؛ فَلَمْ يَسْتَلْزِمِ الآمْرَ؛ لأَنَّهُ طَلَبُ فِعْل لا كَفٍّ، وَإمَّا لإِبْطَالِ الْمُبَاحِ. وتقريره: لو لم يتضمّن النهي الأمر لما وجب ما لا يتم الواجب إلا به؛ لأن المطلوب من النهي التلبُّس بالضدّ الذي هو الكَفّ، أو ضدّ أخصّ من الكف؛ لما مَرّ من أن المكلف به في النهي فعل، والكف والأخص منه ضدّان للنهي عنه جزمًا. وإذا كان المكلف به أحدهما فهو المطلوب، فيكون النهي عن الشيء أمرًا بأحدهما، فلا يتمّ المطلوب من النهي إلا بأحدهما. وقوله: "كالأمر" - يوهم أن هذا الدليل هنا [متقرّر] (١)؛ كما تقرر به في الأمر. وليس كذلك؛ لأنه جعل الضدِّ في الأمر، إما الكَفّ، أو انتفاء الفعل، ولا يستقيم جعل الضد هنا انتفاء الفعل، فإنه لا تصحّ الملازمة حينئذ، إذ يكون النهي عن الشيء حينئذ أمرًا بضدّه؛ ولهذا جعل هذا من أَعْذَار الفَارّ من الطرد كما سيقول؛ وإما لأن النهي نفي. "وأجيب بالإلزام الفظيع " - وهو وجوب الزِّنا؛ لكونه ترك اللِّواط مثلًا. "وبألَّا مباح"، وقد عرفت ما فيهما. الشرح: "الفَارّ من الطَّرْدِ إما" أن يكون فَرّ من ذلك، "لأن النهي طلب نفي "عنده - كما هو رأي أبي هاشم - فَلا يكون أمرًا بالضِّد؛ لتصوّر الإتيان به دونه، ولا كذلك الأمر؛ لأنه طلب فعل فلا يتصوّر إلا بالكَفّ عن ضدّه، أو بنفيه. ولك أن تمنع أن النفي المحض لا يفتقر الإتيان به إلى فعل الضِّدّ؛ وهذا لأن المنهى عنه إن لم يكن له ضدّ فلا يكلّف به إلا على القول بتكليف المحال، وإن كان فلا نسلّم أن الإتيان بالنفي لا يفتقر إليه؛ وهذا لأن حالة عدم ذلك الفعل المَنْهِي عنه لا بد أن يكون متلبسًا فيها بضدّ من أضداده.

стр. 1098

وَالْمُخَصِّصُ الْوُجُوبُ لِلْأَمْرَيْنِ الآخَرَيْنِ. مَسْألَة: الإجْزَاءُ: الْامْتِثَال، فَالإتْيَانُ بِالْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ يُحَقِّقُهُ اتِّفَاقًا. "وإما" [لأن] (١) يكون فَرّ "للإلزام [الفظيع] (٢) "في أمر الزِّنا واللِّوَاط. "وإما لأن أمر الإيجاب يستلزم الدم على الترك، وهو فعل [فاستلزم] (٣) النَّهْي عن فعل ينافي المأمور به، وهو معنى الضد "كما تقدم". "و "أما "النهي"، فهو "طلب كَفّ عن فعل"، فلم "يستلزم الأمر؛ لأنه طلب فعل لا كَفّ وإما لإبطال المباح" كما تقدم. الشرح: "المخصّص الوجوب" - أي: الذين خصّصوا الحكم بأمر الوجوب دون الندب - استندوا "للأمرين الآخرين" أن أمر الإيجاب طلب فعل يذمّ على تركه، وإبطال المباح. "فرع" إذا قال: إن خالفت نهيي فأنتِ طالق، ثم قال: قومي فقعدت، ففي وقوع الطلاق خلاف، يستند إلى هذا الأصل، وإذا طلّق امرأته وهي حائض، استحب له مراجعتها على ما قال ﷺ : "مُرْ عَبْدَ اللهِ فَلْيُرَاجِعْهَا" (٤). قال الإمام: ولا نقول: ترك المُرَاجعة مكروه، ونازعه النوَوِيّ. قلت: الإمام ماشٍ على أصله من أنّ المكروه ما ورد به نهي مخصوص، وأنّ الأمر بالشيء [ليس] (٥) نهيًا عن ضده، ولا مستلزمًا. "مسألة" الشرح: "الإجزاء: الامتثال (٦)، فالإتيان بالمأمور به على وجهه يحققه" - أي: يحقق

стр. 1099

وَقِيلَ: الإِجْزَاءُ: إِسْقَاطُ الْقَضَاءِ فَيَسْتَلْزِمُهُ. وَقَال عَبْدُ الْجَبَّارِ: لا يَسْتَلْزِمُهُ. الإجزاء - "اتفاقًا" من غير خلاف على هذا التفسير. "قيل: الإجزاء: إسقاط القضاء، فيستلزمه". "وقال" القاضي "عبد الجبّار: لا يستلزمه" (١). أي: اختلفوا على هذا التفسير في أن الإتيان بالمأمور به على الوجه الذي أمر به، هل يستلزم سقوط القضاء؟ فقال المعظم: يستلزمه. وذهب أبو هاشم، والقاضي عبد الجَبّار إلى أنه لا يستلزمه، بمعنى أنه لا يمتنع أن يقول الحكيم: افعل كذا، فإذا فعلت [كذا] (٢) أديت الواجب، ويلزمك مع ذلك القضاء قال القاضي عبد الجَبّار في "العمد": وهذا هو معنى قولنا: إنه غير مُجْزئ، ولا نعني به أنه لم يمتثل، ولا أنه يجب القضاء فيه، ولا يكون وقع موقع الصحيح الذي لا يقضي، فقد أشار القاضي عبد الجَبّار إلى أنه لم يخالف في الإجزاء، بالتفسير الأول؛ كما ذكره المصنّف من الاتفاق، وإنما خالف فيه بالتفسير الثاني.

стр. 1100

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وليس على الإطلاق كما يفهم من كلام المصنّف، بل بمعنى أن فعل المأمور به لا. يمنع من الأمر بالقضاء على ما صرّح به في "العمد". فحاصل ما يقوله: أنه لا يدل على الإجزاء، وإنما الإجزاء مستفاد من عدم دليل يدلّ على وجوب الإعادة، ولا خلاف بين عبد الجَبّار، وغيره في بَرَاءة الذِّمة عند الإتيان بالمأمور به. وشَبَّه القَرَافي هذا الخلاف بالخلاف في مفهوم الشَّرْط؛ كقوله: إن دخلت الدار فأنتَ حرّ، فمن نفاه قال: عدم عتقه ما لم يأت بالمَشْروط المستفاد من المِلْك السابق، ومن أثبته قال: هو مُسْتَفاد من ذلك من مفهوم الشرط أيضًا. وإذا عرفت هذا وضح لك أن الخلاف فيما نحن فيه لفظي؛ إذ الغرض أنه أتى بالمأمور به على وجهه، وإذا كان كذلك فلا خلاف في أنه يمكن أن يراد أمر ثانٍ بعبارة يوقعها المأمور على حسب ما أوقع الأولى؛ لأن هذا كاستئناف شرع وتعبد ثانٍ؛ إذ الأمر الأول لا تعلّق له بهذا الثاني؛ لأن محل النزاع إنما هو في أمر واحد [بعبارة] (١) واحدة غير متكرّرة. وأما النزاع في تَسْمِيَةِ هذا الأمر الثاني قضاء للأول. فالجمهور لا يسمّونه قضاء؛ كما عرفت أول الكتاب أن القضاء ما فعل بعد وقت الأداء استدراكًا لما سبق وجوبه، وهذا ليس كذلك؛ لما مَرّ أنه ممتثل بفعله الأول لما وجب عليه اتفاقًا. وأبو هاشم وعبد الجَبّار يسميانه قضاء، فلا يعرفان القضاء حينئذ بهذا التعريف؛ الأنَّ القضاء حينئذ عندهما أعم منه، بل يجعلان ذلك أحد قسمي القضاء. فقد تبيّن لك أن الخلاف في هذه المسألة لَفْظي. وبه يندفع بناء من بنى عليه صلاة فاقد الطّهورين إذا تمكن من أحدهما، هل يعيدها قائلًا نفي الإعادة مستمد من أن المصلي - أوقع هذه الصلاة على الوجه المأمور به، [فليجز] (٢) وإثباتها مستمد من أن الامتثال لا يقتضي الإجزاء، ووجه اندفاعه لائح مما قدمته.

стр. 1101

لنَا: لَوْ لَمْ يَسْتَلْزِمْه، لَمْ يُعْلَمِ امْتِثَالٌ. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْقَضَاءَ اسْتِدْرَاكٌ لِمَا فَاتَ مِنَ الأَدَاءِ، فَيَكُونُ تَحْصِيلًا لَلْحَاصِلِ. وقد قال المصنف في "المختصر الكبير": إن أراد - يعني عبد الجَبّار - أنه لا يمتنع أن يراد أمر بعده بمثله فمسلَّم، ويرجع النزاع في تسميته قضاء، وإن أراد أنه لا يدلّ على سقوطه فساقط. قلت: ومع سقوطه لفظي أيضًا؛ لأن القضاء الموصوف بالاستدراك، لا خلاف أن الإتيان بالمأمور به على وجهه يدل على سقوطه؛ كما عرفت من كلام عبد الجَبَّار، وإنما الخلاف في القَضَاء، بمعنى أن فعل المأمور به على وجهه لا يمنع من الأمر بالقضاء، أي: من ورود أمر ثانٍ بمثل العبارة الأولى، ولا شَك أن هذا أمر ثانٍ [على ما عرفته، ولا خلاف في أن الإِتيان بالفعل الأول على نحو ما أمر به لا يدل على سقوط أمر ثانٍ] (١) بمثله، فيرجع النِّزَاع حينئذ إلى تسميته قضاء على ما عرفت. الشرح: "لنا: لو لم يستلزمه لم يعلم امتثال" أبدًا، واللازم منتفٍ قطعًا واتفاقًا. وبيان المُلازمة: أنه حينئذ يجوز أَنْ يأتى بالمأمور به، ولا يسقط عنه، بل يجب عليه فعله مرة أخرى قضاء، وكذلك القضاء إذا فعله لم يسقط كذلك. ولقائل أن يقول: أليس يعنون بالقضاء الذي لو لم يكن الإتيان بالمأمور به على وجهه مستلزمًا لإسقاطه لزم عدم الامتثال إن عنيتم به القضاء الذي يجب استدراكًا لما فَاتَ. فنقول: بموجب الدَّليل، ولا يتناول مَحَلّ النزاع؛ لما عرفت في صَدْرِ المسألة. وإن عنيتم به القضاء بمعنى أن الإتيان بالمأمور به على وجهه لا يمنع من ورود أمر ثانٍ متّصف بِصِفَةِ القضاء، فلا نسلّم الملازمة؛ لما مَرّ أنه حينئذٍ يكون ممتثلًا للأمر الأول - وقد صرح به عبد الجَبّار - كما نقلناه عنه. أو نقول: ماذا نعني بالامتثال الذي ليس بمعلوم؟ إن عنيت امتثال الأمر الأول فالملازمةُ ممنوعة؛ لما مَرّ من تصريح عبد الجَبَّار بامتثاله، وليس محل النزاع.

стр. 1102

قَالُوا: لَوْ كَانَ لَكَانَ الْمُصَلِّي بِظَنِّ الطَّهَارَةِ آثِمًا، أَوْ سَاقِطًا عَنْهُ الْقَضَاءُ إِذَا تَبيَّنَ الحَدَثُ. وَأُجِيبَ: بِالسُّقُوطِ لِلْخِلافِ، وَبِأَنَّ الْوَاجِبَ مِثْلُهُ بِأَمْرٍ آخَرَ عِنْدَ التَّبَيُّنِ، وَإتْمَامُ الْحَجِّ الْفَاسِدِ وَاضِحٌ. وإن عنيت امتثال أمر ثانٍ بمثل الفعل الأول فالملازمة صدق، لكن نفي الَّلازم ممنوع، بل لا نزاعَ فيه، وإنما النزاع في تسميته قضاء. ["و" قال] (١) "أيضًا فإن القضاء استدراك لما فات من الأداء"، والفرض أنه جاء بالمأمور به على وجهه، ولم يثبت شيء حصل المطلوب بتمامه، "فيكون" الإتيان [به] استدراكًا، "تحصيلًا للحاصل". ولـ "عبد الجَبَّار" أن يقول: ليس القضاء عبارة عن استدراك الفائت، بل ذلك أحد قسمي القضاء؛ كما عرفت من مذهبه، وحينئذ فلا نسلّم أنّ ورود أمر ثانٍ بمثل الفعل الأول تحصيل للحاصل، والمنع واضح؛ لأن مثل الشيء مغاير لذلك الشيء، وقد مَرَّ الاتِّفَاق على جواز ذلك، وإنما النزاع في تسميته قضاء. الشرح: "قالوا: لو كان" مسقطًا للقضاء لكان "المصلي يظن الطَّهارة" إمَّا "آثمًا أو ساقطًا عنه القضاء إذا تبيّن الحدث"، واللازمُ منتفٍ بالاتفاق. وبيان المُلازمة: أنه إن كان مأمورًا بصلاة بيقين الطهَارة، فيكون لم يأت بما أمر به فيأثم، وإن أمر بصلاة بظن الطهارة، فقد أتى بها على وجهها، والمفروض أنه يسقط القضاء، فكان ساقطًا عنه. "وأجيب بالسّقوط للخلاف" - أي: بمنع انتفاء اللازم، ونقول بأحد شِقّيه، وهو سقوط القضاء عنه، فلا يصلّى مثلها؛ لأن المسألة مختلف فيها. وعبارة الآمدي: لا نسلّم وجوب القضاء على قولنا. وأنا لا أحفظ هذا القول عن أحد، ولعلّ الوَهْم سري إليه من اختلاف قول الشَّافعي في الذي يتيقّن الخطأ في القِبْلَةِ بعد ما صلّى بالاجتهاد، هل يلزمه الإعادة؟

стр. 1103

" مَدْلُولُ صِيغَةِ الأَمْرِ بَعْدَ الحَظْرِ" (١) مَسْالَةٌ: صِيغَةُ الأَمْرِ بَعْدَ الْحَظْرِ للإِبَاحَةِ؛ عَلَى الأَكْثَر. قال: "وبأن الواجب" إذا تبيّن الحدث ليس عين الأول، بل "مثله بأمر آخر" غير الأمر الأول عرف "عند التبيّن"، وهذا الجواب ذكره الغَزَالي وغيره. وأنت بعد إحاطتك بما قَدَّمنا تعرف أن هذا الدليل مع جوابه منصوبان لا في محلّ النزاع، ثم أشار المصنّف إلى جوابه عن سؤال مقدّر، فقال: "وإتمام الحج الفاسد واضح". وتقريره: لو كان الإتيان بالمأمور به على وجهه مسقطًا [للقضاء] (٢) - لما وجب القضاء على من أفسد حجّه، واللازم منتفٍ، ووجه المُلازمة أن من أفسد حجّه مأمور بالتمادي عليه، فإذا تَمَادى فقد امتثل بما أمر به على وجهه، فليستلزم ذلك إسقاط القضاء. وجوابه: واضح كما ذكر؛ لأن الأمر بإتمام الفاسد، أمر ثانٍ غير الأول، ولم يؤمر حينئذ بقضاء هذا التَّمادي المأمور به ثانيًا، وإنما أمر بقضاء ما أمر به أولًا؛ لأنه لم يوقعه على الوجْهِ الذي أمر به. وقد مَرّ في صدر المَسْالة أنّ هذا ليس في محل النزاع، فجوابه في غاية الإيضاح. "مسألة" الشرح: "صيغة" "الأمر"، أسلفنا أنها للوجوب، وذلك عند التجرّد عن القرائن، فإذا

стр. 1104

لنَا: غَلَبَتُهَا شَرْعًا، ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ﴾ [المائدة: ٢]، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ [الجمعة: ١٠]. قَالُوا: لَوْ كَانَ مَانِعًا لَمُنِعَ مِنَ التَّصْرِيحِ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ التَّصْرِيحَ قَدْ يَكُونُ بِخِلافِ الظَّاهِرِ. وردت "بعد الحَظْرِ" فهي للإباحة" "عند الأكثر"، وتقدم الحَظْر قرينة اقتضت ذلك، وهو المنقول عن الشَّافعي ﵁. ونقله [الجلابي] (١) عن أصحابنا جميعًا. وقيل: باقية على اقتضائها الوجووب - وهو رأي القاضي أبي الطيب الطبري، وأبي إِسْحَاق الشيرازي، وأبي المُظَفَّر بن السَّمْعَاني، والإمام، وغيرهم من أصحابنا. وبه قال تفريعًا على القول بالصيغ، وتوقف إمام الحرمين. "لنا [غلبتها] " (٢) - أي: [غلبة] (٣) استعمال الصيغة بعد الحظر "شرعًا" - في الإباحة شرعًا دليل أنها العرف الشرعي فيقدم على الوجوب الذي هو مدلولها لغة؛ لأن الشرعي يقدم على اللغوي. ودليل [غلبتها] (٤) شرعًا آياتٌ وآثارٌ كثيرة؛ مثل: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ [الجمعة: ١٠]. ومثل: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. وقوله ﵇: "كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ ادِّخَارِ الأَضَاحِي فكُلُوا وَادَّخِرُوا" (٥)، [وأمثلة] (٦) تكثر.

стр. 1105

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولقائل أن يقول: تقدم الحَظْر لا يصلح معارضًا لحمل الصيغة على موضوعها؛ ولهذا يصح حمل الصيغة بعده على الوجوب. وأيضًا لو كان معارضًا للزم التَّعَارض بين المقتضي والمانع والأصل عدمه. قولكم: عرف الشرع. قلنا: لا نسلّم، بل العرف مختلفٌ فيه شرعًا. قال تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]. وقال ﵇: "فَإِذَا أَدْبَرَتِ الحَيْضَةُ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي" (١)، وأمثلته أيضًا تكثر. وإذا اختلفت العادة وجب الرُّجوع إلى نفس اللفظ. قال ابن السَّمعاني: ألا ترى أن لفظ الإيجاب كذلك، وهو قول القائل: "أوجبت"، أو "ألزمت"، لا فرق بين وروده ابتداء أو بعد حظر، كذلك لفظ الأمر. "قالوا: لو كان" تقدّم الحَظْر "مانعًا" من ظهور الصِّيغة في الوجوب - "المنع من التصريح" بكونها للوجوب، واللازم منتف. أما الملازمة فقياسًا للصريح على الظاهر. وأمّا انتفاء اللَّازم فللإجماع على جَوَاز التَّصْريح بالوجوب بعد الحَظْر بأن يقول الشارع: كذا أفعل واجبًا، أويقول: افعل وأنا مزيدٌ بهذه الصِّيغة الوجوب. وقرَّر الشارحون: جواز التَّصْريح بقول الشَارع مثلًا: أوجبت عليك، وقد قَدَّمنا نحوه عن ابن السَّمعاني. وفيه نظر؛ لأن النزاع إنما هو في صيغة "افعل" التي مِنْ مواردها الإباحة مجازًا على المختار، وحقيقة عند قوم.

стр. 1106

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وأما نحو: "أوجبت عليك" فهو للوجوب تقدّمه حظر، أم لم يتقدمه؛ لأن مثله لا يستعمل في الإباحة بوجه، وهذا لا خلاف فيه، وقد قدّمته عن ابن السَّمْعاني، وأشار إليه الغزالي. [قال] (١): "وأجيب بأن التصريح قد يكون بخلاف الظاهر" - أي: يمنع الملازمة، فإن قيام الدَّليل الظاهر على معنى، لا يمنع التَّصْريح بخلافه، ويكون التَّصريح حينئذ دليلًا على أن الظاهر من الصِّيغة غير مراد. ومن فروع الأمر بعد الحَظْر الكتابة، ورد الأمر بها بعد الحَظْر، فإن السيد يمتنع أن يعامل عبده، وهي مستحبّة. وحكى صاحب "التقريب" قولًا: أنها واجبةٌ إذا طلب العبد. والنظر إلى المخطوبة بعد العَزْمِ على نكاحها مستحب. وفي وجه. مباح مجرّد. ولم يقل أحد من أصحابنا بالوجوب مع ورود الأمر به في قوله ﵇ للمغيرة: "انْظُرْ إِلَيْهَا؛ فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤدَمَ بَيْنَكُمَا" (٢) وهو وارد بعد الحظر في تحريم النَّظر إلى الأَجْنَبِيَّة. وقالت الظاهرية بالوجوب. وإذا قال لعبده: اتَّجر صار مأذونًا، ويجب عليه امتثال أمر سيّده، وهو أمر وارد بعد حَظْر، وهو الحجر على العَبْدِ في التَّصرف في مال سَيّده.

стр. 1107

هَلِ القَضَاءُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ؟ مَسْأَلَةٌ: الْقَضَاءُ؛ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ، وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِالْأَوَّلِ. لنَا: لَوْ وَجَبَ بِهِ لاقْتَضَاهُ وَصُمْ يَوْمَ الْخَمِيسِ. لا يَقْتَضِي يَوْمَ الْجُمُعَةِ. وَأَيْضًا: لَوِ اقْتَضَاهُ لَكانَ أَدَاءً، وَلَكَانَا سَوَاءً؛ حَتَّى لا يَأثَمَ بِالاقْتِصَارِ عَلَى الثاني. "فائدة" صَرَّحَ الإمام الرازي بأن حكم الأمر الوارد بعد الاستئذان حكمه بعد التحريم حتى يجري فيه الخلاف، فاستفده، وسنذكر فيه قولًا بليغًا - إن شاء الله تعالى. "مسألة" الشرح: "القضاء" - أي: قضاء العبادة المؤقتة إذا فاتت ولم تفعل في وقتها - "بأمر جديد" عند جماعة من المحققين من أصحابنا (١)، ومن الحنفية، والمالكية ومنهم المصنف. "و" عند "بعض الفقهاء بالأول"، وعليه أبو بكر الرَّازي من الحَنَفِيّة، وأبو إسحاق الشِّيرَازي وغيره من الشِّافعية، والحَنَابلة، والقَاضي عبد الجَبَّار؛ وأبو الحسين البَصْري (٢).

стр. 1108

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ومعنى هذا الخلاف: أنه هل يستفاد من الأمر ضمنا الأمر بالقضاء؟ أي: يستلزم ذلك كما يستفاد منه جميع الفَوَائد الضِّمنية أو لا يستفاد؟ وهؤلاء يقولون: يستفاد والخطاب الأول - اقتضى إيجاب الأداء، واقتضى تضمنًا القضاء إذا أخذ المكلّف بالعبادة إما بأصلها أو بشرطها؛ ولذلك نجد الفرق بين استفادة القضاء وما أمر به ابتداء، بخلاف أمرين مبتدأين، ولا يزعمون أن الأول دل عليه مطابقة بل تضمنًا. وأولئك يقولون: لا يستفاد منه ذلك بوجه. وقد زعم الأصفهاني شارح "المحصول" أن الذَّاهبين إلى أن القَضَاء بالأمر الأول يقولون: إنه يدل عليه مطابقة، وإن هذا هو محلّ الخلاف. وهو وهم، والصَّواب ما ذكرناه. وهو ما ذكره المَازرِيّ. وهذا في العبادة المؤقتة كما ذكرناه. وأما المطلقة إذا لم تفعل في أوّل أزمنة الإمكان - على رأي من يجعل الأمر للفور - فإن فعله بعده ليس قضاء عند الجُمْهور. خلافًا للقاضي أبي بكر؛ كما عرف في موضعه. وذكر المصنّف لما اختاره دلائل فقال: "لنا لو وجب" القضاء "به" - أي: بالأمر الأول، - "لاقتضاه" الأمر الأول، والملازمة ظاهرة؛ إذ يستحيل أن يجب بالشَّيء ما لا يقتضي واللازم منتفٍ؛ لأن صوم يوم الخميس [لا يقتضى] (١) الأمر بصوم "يوم الجمعة"، فإن هذه الصيغة إنما وضعت لطلب الفعل يوم الخميس، وذلك لا يدلّ على طلبه يوم الجمعة. ولقائل أن يقول: لا نسلّم أن صم يوم الخميس لا يقتضي يوم الجمعة عند تفويت يوم الخميس.

стр. 1109

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قولكم: لأنه إنما وضع لطلب الفِعْلِ يوم الخميس. "قلنا: ذلك [في] (١) وضعه بالمُطَابقة، ولكنه مع ذلك يدلّ بالالتزام على طلب عوض اليوم عند فواته. واعلم أن المصنّف نقص من دليل الجماعة ما يزيده إيضاحًا، فإنهم حَقَّقُوا دعواهم بأن قالوا: ينبغي أن يفهم متعلّق الخطاب قبل الشُّروع في العمل، فإذا تعلّق الطَّلب بفعل مخصوص لم يكن له تعلّق بغيره، فلو تعذر فعل المطلوب لم يصحّ للمكلف أن يفعل غير ذلك الفعل الَّذي لا يتعلّق به الطلب لأجل فوات المَطْلُوب، وهو بمثابة مفوت الصلاة المطلوبة، لا يصحّ [له] (٢) أن يأتي بالصّوم بدلًا عنها اقتصارًا على الخطاب الأول؛ ولذلك إذا طلبت الصلاة على وجه مخصوص فتعذر لا يتمكن المكلّف بهذا الخطاب خاصّة من أن يصلّى على غير ذلك الوجه. قالوا: [فكذلك] (٣) إذا قال: صُمْ يوم الخميس؛ إذ ليس له تعلّق بالجمعة، وإذا تقاعد الخطاب عنهما جميعًا تقاعدًا واحدًا، فإذا لم يرتبط الطَّلب بالفعل مطلقًا، ولم يرد خطاب جديد يتضمن القضاء امتنع إيقاعه امثثالًا. وإلى - هذا الجزء أشار الأستاذ أبو إسحاق، فإنه قال: إنّما يملك من منافع الدَّار وغيرها بالإجارة ما كان بينه وبين العَقْد نسبة، وإذا استأجر الدَّار شهرًا بعينه فإنما [يملك] (٤) من المَنَافع ما يكون الشَّهر المعين ظرفًا ووعاءً، وليس بين العَقْد ومنافع تضاف إلى شهر آخر نسبة بحال، فإذا فات الشَّهر فليس إلا الحكم بفوات متعلّق العقد، فيجب فسخه. قال: "وأيضًا لو اقتضاه" - أي: لو اقتضى الأمر الأول إيقاع الفعل ثانيًا - بعد خروج الوقت [المقيّد] (٥) به "لكان أداء"؛ لأن الفرض أن الأمر يقتضيه فيكون مساويًا لإيقاعه في الوقت، واللازم منتفٍ؛ للاتفاق على تسميته قضاء. ولقائل أن يقول: إنما تصدق المُلازمة، لو قلنا: إنه يقتضيه بالمطابقة، ونحن إنما نقول: إنه يستلزمه، وحينئذ لا يلزم من تسمية ما اقتضاه الأمر مطابقة، إذ تسمية ما اقتضاه استلزامًا كذلك سلمناه، لكنا نقول: إنما يسمى قضاء؛ لأنه استدراك لما فات؛ إذ هذا هو

стр. 1110

قالُوا: الزَّمَانُ ظَرْفٌ؛ فَاخْتِلالُهُ لا يُؤَثِّرُ فِي السُّقُوطِ. [وَ] رُدَّ بِأَنَّ الْكَلامَ فِي مُقَيَّدٍ لَوْ قُدِّمَ، لَمْ يَصِحَّ. قَالُوا: كَأجَلِ الدَّيْنِ. رُدَّ: بِالمَنْعِ، وَبِمَا تَقَدَّمَ. قَالُوا: فَيَكُونُ أَدَاءً. قُلْنَا: سُمِّيَ قَضَاءً، لأَنَّهُ يَجِب اسْتِدْرَاكًا لِمَا فَاتَ. المميز للقضاء على ما مَرّ في تعريفه في أوّل الكتاب، وهذا ليس موجودًا في إيقاعه في الوقت، بل الموجود فيه [فعل] (١) الأداء، وهو إيقاعه في الوَقْتِ المقدّر له أولًا شرعًا؛ فلهذا سمي هذا أداء. والعجب من المصنف يجيب بهذا الجواب عن دليل خَصْمه بعد هذا، لما استدل عليه بنحو هذا الدَّليل، وهو قوله: قالوا: فيكون أداء، ويغفل عن وروده عليه هنا. قال: "ولكانا سواء" - أي: ولو كان الأمر الأول مقتضيًا للقضاء، لكان هو والأداء سواء؛ لأن [الفرض] (٢) أن الأمر الأول يقتضيه الأداء، فيكون التكليف حينئذ بالفعل، إما أداء وإما قضاء، فيكونان حينئذ سواء؛ لاقتضاء الأمر لهما اقتضاء واحدًا، واللَّازم منتفٍ لاستلزام القضاء الإثم، دون الأداء. ولقائل أن يقول: لا نسلّم أن اقتضاء الأمر لهما اقتضاء واحدًا؛ لما عرفت من أنه يقتضي الأداء بالوَضْعِ والقضاء بالضمن، وحينئذ فلا يلزم تساويهما في الحكم؛ لافتراقهما في اقتضاء الأمر لهما. الشرح: "قالوا: الزَّمان ظرف" للفعل المأمور به، ولا شَيء مما هو ظرف للفعل المأمور به يكون مطلوبًا من الأمر بذلك الفعل، ينتج الزمان ليس مطلوبًا من الأمر بالفعل. ثم نقول: ليس مطلوبًا من الأمر بالفعل، ولا شيء ممّا لا يكون مطلوبًا من الأمر بالفعل يؤثر "اختلاله" في سقوط ذلك الفعل ينتج، فاختلاله أي: الزمان - "لا يؤثر في السُّقوط" - أي: سقوط ذلك الفعل.

стр. 1111

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أما صغري القياس الأول فظاهرة. وأما كبراه، فلأن الظرف غير مقدور للمكلّف؛ فلا يكون مطلوبًا منه. وأما مقدمتا القياس الثاني فظاهرتان. "ورد بأنّ الكلام في معيّن لو قدم لم يصحّ". وحاصله: منع كُبْرَى القياس الأول. وتقريره: أَنّا لا نسلّم أن ما هو ظرف للفعل المأمور به لا يكون مطلوبًا بالأمر إذا كان الأمر، مقيدًا بذلك الظَّرف المعين، بحيث لو قدم عليه لم يصحّ، والمعنى يطلبه حينئذ من الأمر طلب إيقاع الفعل فيه؛ لأن المكلّف مأمور بتحصيل الظرف. وحينئذ اتضح أن الزمان مقصود واتجه منع قياسكم الثاني حيث قلتم: الزَّمان ليس مطلوبًا من الأمر. وسند المنع ما عرفت من أن المعنى به تطلبه طلب إيقاع الفعل فيه، لا طلب إيجاده، وحينئذ فاختلاله [لا] (١) يؤثر في السُّقوط، وإلا لم يكن لتقييد الأمر به فائدة. "قالوا": تَوْقيت الفِعْل بوقت تأجيل له، فيجب قضاء الفعل بعد التأجيل بالأمر الأول "كأجل الدَّين" - أي: قياسًا على وجوب قضاء الدّيون المؤجلة به بعد التأجيل، أو نقول: الفعل المؤقت دين لله - تعالى - مؤجّل على [الكَفّ] (٢)، فوجب قضاؤه بعد ذلك بالأمر الأول؛ كديون الآدميين المؤجّلة. "رُدَّ بالمنع" - أي: لا نسلم أن الزمان المقدر للمأمور به كأجل الدين؛ وذلك لأن مخرج المأمور به عن وقته يَأْثَم، ومخرج الدين عن الأجل لا يأثم. "ومما تقدم" - أي: الكلام إنما هو في مقيد لو [قدم] (٣) لم يصح، ولا كذلك الدَّين المؤجّل فإنه يجوز تأديته قبل الأجل، وعطف الجواب الثَّاني على الأول يعطي تغايرهما. وفي "المختصر الكبير" جعل الثاني سندًا للأول. "قالوا: فيكون أداء" - أي: لو كان القضاء بأمر جديد لكان الإتيان به أداء؛ لأن الفعل

стр. 1112

" الأَمْرُ بِالأَمْرِ بِالشَّيْءِ" مَسْأَلَةٌ: الأَمْر بِالأَمْر بِالشَّيْء لَيْسَ أَمْرًا بِالشَّيْءِ. لنَا: لَوْ كَانَ لَكَانَ "مُرْ عَبْدَكَ بِكَذَا" - تَعَدِّيًا، وَلَكَانَ يُنَاقِضُ قَوْلَكَ لِلْعَبْدِ: "لا تَفْعَلْ". قَالُوا: فُهِمَ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى رَسُولَهُ بِأَمْرِنَا، وَمِنْ قَوْلِ الْمَلكٍ لِوَزِيرِهِ: "قُلْ لِفُلانٍ: افْعَلْ". قُلْنَا: لِلْعِلْمِ بِأنَّهُ مُبَلِّغٌ. حينئذ إنما وجب بالأمر الثاني، فإذا فعله لم يكن فعله بعد وقته، فلا يكون قضاء، وهذا الدَّليل نوع من دليل المصنف الثاني كما نبَّهناك عليه. ثم "قلنا: سمي قضاء؛ لأنه يجب استدراكًا لما فات"، وقد عرفناك أن هذا جواب صحيح، وأنه جواب عن دليل المصنف الثاني. "مسألة" الشرح: "الأمر بالأمر بالشَّيء ليس أمرًا" بذلك "الشَّيء" على المُخْتَار. ومحلّ النزاع قول القائل: مُرْ فلانًا بكذا (١). أما لو قال: قل لفلان "افعل كذا"، فالأول آمر، والثاني مبلّغ [بلا] (٢) نزاع، وصرَّحَ به المصنّف في "المنتهى".

стр. 1113

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ومن أمثلة المسألة: قوله ﵇ في الصِّبيان: "مُرُوهُمْ بِالصَّلاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سنين" (١). وقوله ﵇ لعمر ﵁ وقد طلق ابنه عبد الله امرأته: "مُرْ عَبْدَ اللهِ فَلْيُرَاجِعْهَا". "لنا: لو كان" آمرًا بذلك الشيء "لكان" قول القائل: "مُرْ عبدك بكذا تعدَّيًا"؛ لأنه يكون حينئذ أمرًا لعبد الغير، وليس ذلك عدوانًا بالاتفاق. "ولكان" أيضًا "يناقض قولك للعبد: لا تفعل" هذا الفعل؛ لأنه حينئذٍ يكون آمرًا للعبد بذلك الفعل، وبعدمه، وهو تناقض. قال المصنّف في "المنتهى": ونحن نقطعُ أنه لا تناقض في ذلك. ولقائل أن يقول على الأول: إنما يكون متعديًا لو كان أمره لعبد الغير ليس لازمًا لأمر السَّيد لعبده بذلك، ولكنه هنا لازم له؛ وهذا لأن قول القائل: مُرْ عبدك بكذا يدلّ على أمرين: أحدهما: أمر القائل للسَّيد يأمر عبده بذلك. والثاني: أمره هو العَبْد بذلك. وهذا الثَّاني لازم للأول، بمعنى أن آمر القائل للعبد بذلك يتوقف على أمر السَّيد إياه به لازم له، وحينئذ لا يكون أمره للعَبْدِ تعديًّا؛ لأنه موافق لأمر السَّيد له بذلك، وهو أمر للعبد بما أمره به سيّده. سلّمنا أنه متعدّ، لكن لا نسلّم أن التعدي لأجل أن الصِّيغة لم تقتضه، بل لوجوب المانع من ذلك وهو التصرّف في ملك الغير من غير سُلْطان عليه؛ ولهذا يمتنع أمر من لا سلطان للآمر عليه، كما قرّرتم به، وهذا المانع ليس بموجود في أوامر الشَّرع؛ لوجود سُلْطان التكليف له علينا، فلا تعدّي حينئذ.

стр. 1114

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولقائل أن يقول أيضًا على الثَّاني: إنما يلزم التَّناقض لو كان الأمر مستلزمًا للإرادة، وجاز أن يكون أحد الأمرين غير مراد فلا تناقض. فإن قلت: [نفرض] (١) إرادته لكل منهما. قلت: يمتنع حينئذ صدور ذَيْنك الأمرين من عاقل فضلًا عن الشَّارع، إلا عند مجوّز تكليف المُحَال، وحينئذ نقول: جاز التَّكليفُ بالنقيضين. "قالوا" دليلين صرح بهما في "المختصر الكبير": أحدهما: أنه "فهم ذلك من أمر الله - تعالى - رسوله ﷺ بأمرنا"؛ مثل قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢]. فإنا نفهم من هذا أمر الله - تعالى - لأهل بيته ﷺ بالصلاة، وفهم ذلك أيضًا من أمر رسوله ﷺ غيره بأمرنا كما فهمنا أمره ﵊ الصَّبي بالصَّلاة، وهو ابن سبع في الحديث السَّابق. "و" الدَّليل الثاني: أنا نفهم ذلك "من قول الملك لوزيره: قُلْ لفلان: افعل"، وإليه الإشارة بقوله: ومن قول اليلك لوزيره: قل لفلان: افعل. وقوله: قل لفلان: افعل معمول لقوله: قول الملك لوزيره خاصّة. "قلنا" جوابًا عن الدَّليلين جميعًا: إنما فهم ذلك من أمر الله - تعالى - رسوله ﷺ ، ومن قول الملك لوزيره، "للعلم بأنه" - أي: بأن المأمور في الجميع "مبلّغ" ما أمر الله - تَعَالى - نبيه ﷺ فلقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧]. وأما أمر النبي ﷺ غيره بأمرنا بشيء فظاهر؛ لأن غيره لا أمر له علينا إلَّا بأمره ﷺ وهو مبلّغ عنه. وأما قول الملك لوزيره: قل لفلان: افعل، فغير محلّ النزاع علي ما عرفت (٢).

стр. 1115

" المَطْلُوبُ بِأَمْرِ فِعْلٍ مُطْلَقٍ (١)، مَا هُوَ؟ " مَسْأَلَةٌ: إِذَا أُمِرَ بِفِعْلِ مُطْلَقٍ فَالْمَطْلُوبُ الْفِعْلُ الْمُمْكِن، الْمُطَابِقُ لِلْمَاهِيّةِ، لا الْمَاهِيّةُ. لنَا: أَنَّ الْمَاهِيّةَ يَسْتَحِيلُ وُجُودُهَا فِي الأَعْيَانِ؛ لِمَا يَلْزَمُ مِنْ تَعَدُّدِهَا، فَيَكُونَ كُلَيًّا جُزْئِيًّا، وَهُوَ مُحَالٌ. قَالُوا: الْمَطْلُوبُ مُطْلَقٌ، وَالْجُزْئِيُّ مُقَيدٌ، فَالْمُشْتَرَكُ هُوَ الْمَطْلُوبُ. قُلْنَا: يَسْتَحِيلُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ. "مسألة" الشرح: "إذا أمر بفعل مطلق فالمطلوب" - عند الآمدي والمصنف - "الفعل الممكن المطابق للماهيّة، لا الماهيّة". (٢). وعند الإمام الرَّازي: أن الأمر بالماهية الكلية ليس أمرًا بِشَيْءٍ من جزئياتها (٣). وهو الحَق، وذلك كالمأمور بالبيع مأذون أن يصدر عنه بيع أعم من كونه بثمن المِثْل، أو بِغَبْنٍ فاحش، أو غير ذلك؛ لأن البيع قدر مشترك بين هذه الأمور، وما به الاشتراك هو

стр. 1116

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الذي وقع مأذونًا به، وهو غير ما به الامتياز، وتعيّن البيع بثمن المثل إنما هو لأمر فقهي، وهو الحجر على الوكيل في التَّصرّف على موكله بما يضرُّ به مما لا يقع مأذونًا. ونحن نقدم مقدمة يتحرّر بها موضع النِّزَاع بين الإِمام والآمدي، ويلوح وجه الصواب فنقول: الكلي؛ إما طبيعي، أو منطقي، أو عقلي، وهذا لأنك إذا قلت: هذا كلي مشيرًا إلى البيع (١) مثلًا، فهناك أمور ثلاثة: أحدها: الطبيعة من حيث هي؛ كماهية البيع مثلًا، وهو الطبيعي. والثاني: قيد كونه كليًّا، أي: يشترك في مفهومه كثيرون، وهو المَنْطقي. والثالث: تلك الماهية بقيد كونها كليًّا، وهو العقلي، وهذا مما لا خفاء به، فإنك تارةً توجّه النظر إلى الطبيعة، وتارة إلى قيد كونها يشترك في مفهومها كثيرون، وتارة إلى مجموع الأمرين. والطبيعي موجود في الأعيان بلا شَك، فالبيع بثمن المِثْل موجود في الأعيان ضرورة، وجزؤه البيع من حيث هو بيع، وجزء الموجود موجود. وأما المَنْطقي والعَقْلي، ففي وجودهما في الخارج خلاف مبني على أن الأمور [النسبية] (٢) هل لها وجود في الخارج؟ ومحلّ النزاع في مسألتنا، إنما هو الكُلِّي الطبيعي، وستعرف إن شاء الله - تعالى - ضعف دليل المصنّف بعرفانك محل النّزاع. قال: "لنا: أن الماهية يستحيل وجودها في الأعيان؛ لما يلزم من تعددها فيكون كليًّا جزئيًّا وهو محال". وتقرير هذا أن يقال: لو كان الأمر بالماهيّة الكُلّية أمرًا بها لا بشيء من جزئياتها لزم أن يكون كليًّا جزئيًّا معًا، وهو مُحَال. وبيان المُلازمة: أن الماهية من حيث هي هي معنى كلي، لو وجدت في الأعيان لكانت إنما توجد في جزئياتها، فتكون حينئذ متعدّدة لتعدّد جزئياتها التي وجدت فيها،

стр. 1117

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فتكون حينئذ جزئية، وهي كلية من حيث إن الأمر بها لا بشيء من جزئياتها، فتكون كلية جزئية. ولقائل أن يقول: لا نسلّم الملازمة، وهذا لما مَرّ أن الماهية من حيث هي هي كلي طبيعي، ولا يستحيل وجود الطبيعي في الأعيان. وقوله: لا يوجد إلا في جزئياته. قلنا: مسلّم، قوله: فتكون الماهية حينئذ متعددة لتعدُّد جزئياتها. قلنا: ممنوع؛ وهذا لأن الماهيّة الموجودة في جزئي هي [بعينها] (١) الموجودة في الآخر (٢)، وإنما المتعدد الجزئيات؛ لتغاير فصولها المميّزة لها. أما أن الماهيّة حينئذ من حيث هي هي متعدّدة فلا تعم الماهية التي يستحيل وجودها في الأعيان هي الماهية بقيد كونها كلية على خلاف في ذلك، لكن هذا ليس محلّ النزاع؛ لأنه كلي عقلي، والكلام إنما هو في الطَّبيعي. والإمام وأتباعه "قالوا: المطلوب مطلق، والجُزئي مقيّد، فالمشترك هو المطلوب"، ولا دلالة له على شيء من الخُصوصيّات. وأجاب عنه في الكتاب بقوله: "قلنا: يستحيل" وجوده في الخَارجِ "مِمَّا ذكرناه". وهذا ضعيف، فقد عرفناك أنه ليس بمستحيل، بل هو الواقع. والحاصل: أنه أُجيب أن كلامنا في غَيْرِ الطبيعي، وليس كذلك.

стр. 1118

" الأَمْرَانِ المُتَعَاقِبَانِ" مَسْأَلَةٌ: الأَمْرَانِ الْمُتَعَاقِبَانِ بِمُتَمَاثِلَيْنِ، وَلا مَانِعَ عَادَةً مِنَ التكْرَارِ مِنْ تَعرِيفِ أَوْ غَيْرِهِ، وَالثَّانِي غَيْرُ مَعْطُوفٍ مِثْلُ: صَل رَكْعَتَيْنِ صَل رَكْعَتَيْنِ. قِيلَ: مَعْمُولٌ بِهِمَا. وَقِيلَ: تَأكِيدٌ. وَقِيلَ: بِالْوَقْفِ. الأولُ: فَائِدَةُ التأْسِيسِ أظْهَرُ؛ فكَانَ أَوْلَى. الثانِي: كَثُرَ فِي التأكيدِ، وَيَلْزَمُ مِنَ الْعَمَلِ مُخَالَفَةُ بَرَاءَةِ الذمَّةِ، وَفِي الْمَعْطُوفِ: الْعَمَلُ أَرْجَح، فَإنْ رُجِّحَ التأْكِيدُ بِعَادِيَّ، قُدِّمَ الأرْجَح، وَإلَّا فَالْوَقْفُ. "مسألة" الشرح: "الأمران" من أمر؛ إما أن يكونا متعاقبين، أو غير مُتَعَاقبين بأن يصدر أحدهما بعد سَكْتة طويلة، أو بعد وقوع الآخر من المأمور: (١).

стр. 1119

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فإن كان الثاني [فَهُوَ] هو أمر مُسْتَأنف، ولا يحمل على التكرار بلا شَك. وإن كان الأول، وإليه أشار بقوله: "المُتَعَاقبان". فإن كانا بغير متماثلين، فالثاني مستأنف بلا شك، مثل: اضرب زيدًا، أعط زيدًا درهمًا. وإن كانا "بمتماثلين". فإما أن ثَمّ ما يمنع من التَّكْرار عادة، أو لا، فإن كان ثَمّ ما يمنع حمل على التَّأكيد، والمانع من التّكْرَار؛ إما تعريف الثاني مثل: صَل ركعتين، صَل الركعتين. أو عادة التّخَاطب للقرينة؛ مثل: اسقني ماء، اسقني ماء، فِإنَّ دفع الحاجة بمرة واحدة غالبًا يمنع تكرار السقي. أو الاستحالة العادية؛ مثل: "اقتل زيدًا، اقتل زيدًا. أو الاستحالة الشَّرعية؛ مثل: أعتق زيدًا، أعتق زيدًا. وكون الأمر الأول مستغرقًا للجنس مستوعبًا له؛ إذ لا يمكن زيادة على استغراق الجنس! كقولك: اجلد الزُّنَاة، اجلد الزُّنَاة. قال القاضي في "التقريب": وكذلك إذا عهد الأمر إلى المأمور، فقال له: إذا كررت أمرك بضرب زيد وبالصلاة، فاعلم أني أريد بالمتكرّر منه فعلًا واحدًا. وإلى هذه الموانع أشار بقوله: "ولا مانع عادة من التكرار من تعريف أو غيره"، [أي] (١): غير التعريف. وإن لم يكن ثَمّ مانع من التكّرار.

стр. 1120

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فإما أن يكونا متعاطفين، أو لا، فإن تعاطفا فهو القسم الثاني، وإلا فالأول. وإليه الإشارة بقوله: "والثاني غير معطوف، مثل: صل ركعتين، صل ركعتين. قيل: معمول بهما، وهو قول الأكثرين منا ومن غيرنا. "وقيل: تأكيد"، وهو رأي بعض أصحابنا، والجُبّائي، والقاضي عبد الجَبَّار من المعتزلة. "وقيل بالوقف" - وهو رأي أبي بكر الصَّيرفي، وأبي الحسين البَصْري. ومن فروع المسألة: قول أصحابنا فيما إذا قال للمدخول بها: أنت طالق، أنت طالق، إن سكت بينهما سَكْتة فوق سَكْتة التَّنفس ونحوه وقع طلقتان. وإن قال: أردت التأكيد، لم يقبل ظاهرًا ويدَيَّن، وإن لم يَسْكت وقصد التأكيد، قبل ولم يقع إلا طلقة، وإن قصد الاستئناف، وقع طلقتان، وكذا إن أطلق على الصَّحيح. وكل هذا فيما إذا كرّرت صيغة الأمر؛ مثل: صلّ ركعتين، صل ركعتين. فإن كرر المأمور به دون صيغة الأمر: مثلْ صل ركعتين، صل ركعتين - فلم أره مصرّحًا به في الأصول، والظَّاهر أنه لا فرق عند الأكثرين، خلافًا للقاضي الحسين؛ لأن أصحابنا اختلفوا في قوله: أنت طالق طالق. فقال الجُمْهُور: لا فرق بينه وبين إعادة الضَّمير. وقال القاضي حسين: يقع طلقة قطعًا. احتج "الأول" - يعني: القائل بالمُغَايرة في صلّ ركعتين، صلّ ركعتين - "فائدة التأسيس أظهر فكان أولى". "الثَّاني: كثر" ورود الأمر الثَّاني من الأمرين على الصيغة المذكورة "في التأكيد" فيلحمل عليه؛ لأن الأكثرية راجحة. "و "أيضًا: "يلزم من العمل" بالثَّاني، وصيرورته للاستئناف "مخالفة براءة الذمَّة" فإنها الأصل، والتكرار غير متحقّق. وهذا قد اعترضه الآمدي؛ بأنه لو حمل على التأكيد لزم مخالفة ظاهر الأمر.

стр. 1121

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قال: فإنه إما أن يكون ظاهرًا في الوجوب أو الندب، أو هو متردّد بينهما على وجه لا خروج له عنهما على اختلاف المذاهب، وحمله على التأكيد خلاف ما هو الظَّاهر من الأمر. واعتمد المصنّف في "المختصر الكبير" هذا الجواب تبعًا للآمدي، واختار وجوب العمل بهما، ولم يذكر هذه المعارضة في "المختصر الكبير"؛ كأنه وضح له ضعفها. ووجه ضعفها: أنه إنما يلزم مُخَالفة ظاهر الأمر لو حمل على غير مدلول الأمر، وحمله للتَّأكيد ليس حملًا له على غير مَدْلوله؛ وذلك لأن الأمر الثاني إذا حمل على التأكيد فالأول: إن كان للوجوب فالثاني كذلك، وإن كان للنَّدْب فالثَّاني كذلك، وهو حينئذ تابع للأول، فأين مخالفة الظاهر؟ فإن قلت: بل مخالفة الظَّاهر لازمة للتوكيد من جهة أن الأمر الثاني لمَّا لم يفد شيئًا مستأنفًا - صار كأنه خولف به مدلوله. قلت: إن كان هذا المعنى بخلاف الطاهر، فهو بعينه الترجيح الأول، وهو ظهور فائدة التأسيس، فليس حينئذ ترجيحًا غير الترجيح الأول. والقسم الثاني: أن يتعاطفا، وإليه أشار بقوله: "وفي المعطوف العمل أرجح"؛ لأن الترجيح بظهور التأسيس (١) ينضم إليه ترجيح آخر، وهو اقتضاء العَطف التغاير. وهذا الذي اختاره المصنف أحد القولين في المسألة. وذكر القاضي عبد الوَهَّاب المالكي: أنه الذي يجيء على أصول أصحابهم. والثاني: الحمل على التأكيد، حكاه عبد الوَهَّاب. ولم يفرق القاضي أبو بكر في "التقريب" بين حالة العطف وعدمها. وهذا كله إذا لم يترجّح التأكيد. "فإن رجح التأكيد بعادي" كما تقدّم - "قدم الأرجح، وإلا فالوقف"، للتكافؤ من [الجانبين] (٢). والله أعلم. (١) التأسيس: عبارة عن إفادة معنى آخر لم يكن حاصلًا قبله، فالتأسيس خير من التأكيد؛ لأن حمل الكلام على الإفادة خير من حمله على الإعادة. ينظر تعريفات الجرجاني. (٢) في أ: الحالتين.

стр. 1122

تمّ الجزء الثاني من كتاب رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب ويليه الجزء الثالث وأوله مسألة تعريف النهي

стр. 1123

رَفعُ الحَاجِبِ عَن مُختَصَر ابْن الحَاجِب تأليف تَاج الدّين أبي نَصر عَبْد الوهَّاب بن عَلي بن عَبْد الكافي السُّبْكي (٧٢٧ - ٧٧١ هـ) تحَقيق وَتعِليق وَدِرَاسَة الشيخ عَلي محمَّد معَوض الشيخ عَادِل أحمد عَبد المَوجُود الجزءُ الثالث عالم الكتب

стр. 1124

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1125

رَفعُ الحَاجِبِ عَن مُختَصَر ابْن الحَاجِب
следующие страницы →