. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال: فإنه إما أن يكون ظاهرًا في الوجوب أو الندب، أو هو متردّد بينهما على وجه لا خروج له عنهما على اختلاف المذاهب، وحمله على التأكيد خلاف ما هو الظَّاهر من الأمر.
واعتمد المصنّف في "المختصر الكبير" هذا الجواب تبعًا للآمدي، واختار وجوب العمل بهما، ولم يذكر هذه المعارضة في "المختصر الكبير"؛ كأنه وضح له ضعفها.
ووجه ضعفها: أنه إنما يلزم مُخَالفة ظاهر الأمر لو حمل على غير مدلول الأمر، وحمله للتَّأكيد ليس حملًا له على غير مَدْلوله؛ وذلك لأن الأمر الثاني إذا حمل على التأكيد فالأول: إن كان للوجوب فالثاني كذلك، وإن كان للنَّدْب فالثَّاني كذلك، وهو حينئذ تابع للأول، فأين مخالفة الظاهر؟
فإن قلت: بل مخالفة الظَّاهر لازمة للتوكيد من جهة أن الأمر الثاني لمَّا لم يفد شيئًا مستأنفًا - صار كأنه خولف به مدلوله.
قلت: إن كان هذا المعنى بخلاف الطاهر، فهو بعينه الترجيح الأول، وهو ظهور فائدة التأسيس، فليس حينئذ ترجيحًا غير الترجيح الأول.
والقسم الثاني: أن يتعاطفا، وإليه أشار بقوله: "وفي المعطوف العمل أرجح"؛ لأن الترجيح بظهور التأسيس (١) ينضم إليه ترجيح آخر، وهو اقتضاء العَطف التغاير.
وهذا الذي اختاره المصنف أحد القولين في المسألة.
وذكر القاضي عبد الوَهَّاب المالكي: أنه الذي يجيء على أصول أصحابهم.
والثاني: الحمل على التأكيد، حكاه عبد الوَهَّاب.
ولم يفرق القاضي أبو بكر في "التقريب" بين حالة العطف وعدمها.
وهذا كله إذا لم يترجّح التأكيد.
"فإن رجح التأكيد بعادي" كما تقدّم - "قدم الأرجح، وإلا فالوقف"، للتكافؤ من [الجانبين] (٢). والله أعلم.
(١) التأسيس: عبارة عن إفادة معنى آخر لم يكن حاصلًا قبله، فالتأسيس خير من التأكيد؛ لأن حمل الكلام على الإفادة خير من حمله على الإعادة. ينظر تعريفات الجرجاني.
(٢) في أ: الحالتين.
стр. 1122
تمّ الجزء الثاني من كتاب رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب ويليه الجزء الثالث وأوله مسألة تعريف النهي
стр. 1123
رَفعُ الحَاجِبِ عَن مُختَصَر ابْن الحَاجِب
تأليف
تَاج الدّين أبي نَصر
عَبْد الوهَّاب بن عَلي بن عَبْد الكافي السُّبْكي
(٧٢٧ - ٧٧١ هـ)
تحَقيق وَتعِليق وَدِرَاسَة
الشيخ عَلي محمَّد معَوض
الشيخ عَادِل أحمد عَبد المَوجُود
الجزءُ الثالث
عالم الكتب
стр. 1124
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 1125
رَفعُ الحَاجِبِ عَن مُختَصَر ابْن الحَاجِب
стр. 1126
عالم الكتب
للطباعة والنشر والتوزيع
بيروت - لبنان
ص. ب: ٨٧٢٣ - ١١، برقيًا: نابعلبكي
هاتف: ٨١٩٦٨٤ - ٣١٥١٤٢ - ٦٠٣٢٠٣ (٠١)
خليوي: ٣٨١٨٣١ (٠٣)
فاكس: ٦٠٣٢٠٣ - ١ (٩٦١)
جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة للدار
الطبعة الأولى
١٤١٩ هـ - ١٩٩٩ مـ
يمنع طبع هنا الكتاب، أو أي جزء منه، أو اختزال مادته بطريقة الاسترجاع، كما يمنع الاقتباس منه أو التمثيل أو الترجمة لأية لغه أخرى، أو نقله على أي نحو، وبأية طريقة، سواء كانت إلكترونية أو ميكانيكية أو بالتصوير أو بالتسجيل أو خلاف ذلك، إلا بموافقة خطية مسبقة من الناشر.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"مسألة"
الشرح: "النهي: اقتضاء (١) كَفّ عَنْ فعل (٢) على جهة الاستعلاء".
ولا يخفى عليك الاحتراز بقيود هذا التعريف بعد معرفتك ذلك في تعريف الأمر.
"وما قيل في حَدّ الأمر من مزيف وغيره، فقد قيل مقابله في حَدّ النهي (٣) ".
والكلام في صيغته (٤)، والخلاف في ظهور الحظر لا [الكراهية] (٥) "وبالعكس، أو مشتركة، أو مَوْقُوفة كما تقدم".
والظَّاهرُ أن بقية المذاهب المَنْقُولة في الأمر لم يَقُلْ بها هنا؛ فلأجل ذلك نَصَّ المصنّف على هذه المذاهب.
"وحكمها: التكرار والفور"، أي: ينسحب حكمها على جميع الأزمان.
كذا قاله في "المختصر الكبير"، وما أحسن قوله: "وحكمها"، ولم يقل: "ومدلولها"؛ وذلك لأن التكرار والفور إنما تجيء صيغة النهي في ضرورة الواقع، لا من
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الصِّيغة، فإنك إذا قلت: لا تزن، فمعناه: النهي عن إيجاد (١) ماهية الزِّنَا، ويلزم من وجودها ولو مرة ارتكاب المَنْهِيّ، فإذًا النهي حكمه التكْرَار بهذه الطريق، ولا حاجة مع ذكر التّكرار إلى ذكر الفَوْرِ.
ونقل ابنُ بَرْهَان الإجماع على أن النهي للتكرار.
وفي ثبوته نظر، فإن جماعة نقلوا الخلاف فيه، منهم الآمدي.
"وفي" كون "تقدم الوجوب" على النَّهي "قرينة"؛ لكون النهي الوارد بعده للحظر.
نقل الأستاذ أبو إسحاق الإجماع على ذلك، وأن كل من حمل مطلق النهي على التحريم فقد حمله عند تقدم الأمر أيضًا، ولم يجعله قرينةً تنتهض صارفة النهي عن ظاهره.
وهذه أعنى دعوى الوفاق هنا طريقة القاضي، وابن السَّمْعَاني، وغيرهما.
وتوقف الإمام فقال في "البرهان": ذكر الأستاذ أبو إسحاق: أن صيغة النهي بعد تقدم الوجوب محمولة على الحظْر والوجوب السَّابق لا ينتهض قرينةً في حمل النهي على رفع الوجوب، وداعى الوفاق في ذلك، ولست أرى ذلك مسلمًا.
أما أنا فأحسب ذيل الوقف عليه؛ كما قدمته في صيغة الأمر بعد الحَظْر، وما أرى المخالفين يسلمون ذلك. انتهى.
والذي يجوز أن القائلين أن الأمر بعد التحريم للإباحة، اختلفوا في النهي بعد الوجوب قرينة للحظر - عبارة قَلِقَة تحتمل معنيين:
أحدهما: وهو ظاهره أن تقدم الوجوب على النهي قرينة تدل على أن النهي للحظر.
"ونقل الأستاذ الإجماع" على ذلك.
وهذا لا يستقيم؛ لأن أحدًا لم يقل: إن تقدم الوجوب قرينةٌ تدل على أن النهي للحظر، بل [القول] (٢): إنها قرينه، مضعفة لذلك؛ "و" لهذا "توقّف الإمام"؛ كما أن تقدّم الأمر على الحَظْر مضعّف له أيضًا.
والثاني: أن تقدّم الوجوب قرينةٌ تدل على أن النهي ليس للحظر، وأن الأستاذ نقل الإجماع على ذلك، وهو ظاهر الفَسَاد؛ لأن الأستاذ نقل الإجماع على خلاف ذلك، فكان
стр. 1132
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأولى أن نقول: وفي كون تقدم الوجوب ليس قرينةً ناقلة للحظر حتى يطابق كلامه ما صرَّح به الأستاذ.
"فائدة"
عرفت فيما سبق حكم الأمر بعد الحظر، وبعد الاستئذان، والآن حكم النهي بعد الوجوب.
وأما الأمر والنهي إذا وَرَدَا جوابًا عن سؤال؛ كما في حديث كَيْفِيّة الصّلاة على النبي ﷺ كَيْفَ نصلّي عليك؟ فقال: "قُولُوا … " الحديث (١).
وقول المِقْدَادِ ﵁: يا رسول الله، أرأيت إن لقيت رجلًا من الكُفّار فقاتلني فضرب إِحدى يدي فقطعها، ثم لاذَ مني بشجرة فقال: أسلمت لله، أفأقتله يا رسول الله؟ بعد أن قالها؟ قال: "لا".
ومن هذا قولهم: أينحني بعضنا لبعض إذا التقينا؟ قال: "لا" قال أَيُصَافح بعضنا بعضًا؟ قال: "نَعَمْ".
وقول سعد ﵁: أفأتصدق بمالي كله؟ قال: "لا".
وقوله ﷺ وقد سئل عن بيع الرُّطَبُ بالتمر: "أَيَنْقُصُ الرّطَبُ إِذَا جَفَّ؟ " قيل: نعم قال: "لا".
وقولهم: أَنصلّي في مَبَارك الإبل؟ قال: "لا".
قالوا: أنصلّي في مَرَابِضِ الغَنَم؟ قال: "نَعَم".
وكل هذه أوامر ونواهٍ بعد استئذان، وقد اختلفت الأحكام فيها.
فقوله في الصلاة: "قُولُوا كَذَا"، وفي المُصَافحة "نَعَمْ" محمول على الاستحباب، بخلاف قوله في مرابض الغنم؛ فإنه للإباحة، وقوله في بيع الرطب بالتمر: "لا" فإنه محمول على التحريم، وفي الانحناء والصّلاة في مَبَارك الإبل على الكراهة، والوصيّة بما زاد على الثلث، صرح القاضي الحسين بأنها حَرَام.
стр. 1133
مَسْأَلة: النَّهْيُ عَنِ الشَّيْء لِعَيْنهِ يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ شَرْعًا لا لغَةً وَقِيلَ: لُغَةً.
وثَالثُهَا: فِي الإجْزَاءِ لا الْسَبَبِيَّةِ.
وعبارة الرَّافعي: لا ينبغي أن يوصى بأكثر من الثلث.
وتحقيق القَوْل في هذا أن ينظر في كل مكان بحسب ما يرشد فيه السِّياق إليه، فتأمّله.
واعلم أنّ الوارد من مسائل الأمر والنهي ما عددناه من المَسَائِل.
"وله" - أي: وللنهي - "مسائل مختصّة" به ثلاث وهي هذه الآتية.
الشرح: مسألة "النَّهي عن الشيء إما أن يكون لغيره وهو ضَرْبان (١):
أحدهما ما نهي عنه [لمعنى] (٢) جاوره جمعًا؛ كوطء الرَّجُل زوجته وهي حَائِض (٣)،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فكلّ ذلك منهي [للمعنى] (١) المجاور؛ فوطء الحائض لمجاورة الأذى، والبيع وقت النِّداء؛ للاشتغال عن السَّعي إلي الجمعة بعد ما لزم وهو [معنى] (٢) يجاور البيع ولا يتصل به وصفًا، والصلاة في المَغْصُوبة منهية؛ لأنها تشغل ملك الغير المجاور للصَّلاة جمعًا غير متّصل به [وصفا] (٣).
والأكثرون في هذا الضرب على أنه لا يدل على الفساد، وقد مضى الكلام عليه في مَسْالة الصَّلاة في الدار المَغْصُوبة".
الضَّرب الثاني: ما نهى عنه لمعنى اتّصل به وصفًا كما ذكرنا؛ كأن (٤) وطئ غير مملوك فكان قبيحًا شرعًا؛ لأن الشَّارع قصد ابتغاء النَّسْل بالوَطْءِ على محلّ مملوك، وكالرِّبَا فإنه قبيح لمعنى اتّصل به وصفًا وهو انعدام المُسَاواة التي هي شَرْط جواز البيع في هذه [الأحوال] (٥) شرعًا، وكصوم يوم النَّحر، وأيّام التَّشْرِيق، فإنه لمعنى اتّصل بالوَقْت الذي هو محلّ الأداء وصفًا، وهو أنه يوم عيد ضِيَافة.
وسيأتي الكلام على هذا الضَّرب - إن شاء الله تعالى - في المسألة الثانية لهذه.
وأما أن يكون [لعينه] (٦) كفعل اللُّوطي، فإن مقصود الشَّارع بالوطء النسل، وهذا المحملُ ليس محلًّا له أصلًا فكان قبيحًا شرعًا (٧).
وكبيع المَلاقِيحِ والمَضَامِين؛ فإن البيع مقابلة مال بمال، والماء في الصّلب والرحم لا مالية له فكان قبيحًا شرعًا؛ لأنه ليس محلًّا للبيع، وكالصَّلاة بغير طَهَارة مع القدرة؛ لأن الشارع قصر الأَهْلِية في هذه الحالة عليها، فتنعدم الأهلية بانعدامها، فقبحت شرعًا.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هذا معنى النَّهي عن الشَّيء "لعينه"، وليس معناه أن ينهي عنه غير مقيد بقيد؛ كما وَهِمَ الشِّيرازي نحو: لا تَصُمْ ولا تَبِعْ.
وهذه مسألة الكتاب وفيها مذاهب (١):
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال ابن السمعاني: ويمكن أن يقال: يقتضي الفساد من حيث المعنى، لا من حيث اللَّفظ قال: وقد ذهب إلى هذا المذهب جماعة من أصحاب أبي حنيفة.
وثانيها: لا يدلّ عليه أصلًا.
وهو قول الشَّيخ أبي الحسن الأشعري، والقاضيين أبي بكر، وعبد الجَبَّار.
واختاره من أصحابنا القَفّال الكبير، وأبو جعفر السَّمعاني، وحجّة الإسلام الغزالي، قالوا: وإنما الاعتماد في فساده على اعتماد الشَّرع على فوات شرط، ويعرف الشرط بدليل يدلّ عليه، وعلى ارتباط الصِّحة به، نص الغَزَالي على ذلك، وأنه يخالف في المَنْهي عنه لعينه؛ كما يخالف في المَنْهي عنه لوصفه.
ولا تحسبن المصنّف أهمل حكاية هذا المذهب، بل قد أشار إليه إذ قال: ثالثها والثالث ظاهره أنه قول في المسألة، ويدلّ له أيضًا قوله بعد ذلك: [الثَّاني] (١).
"وثالثها في الإجزاء" أي: العبادات - عبّر عنها بذلك؛ لأن معنى الصِّحة في العبادات كونها [مجزئة] (٢)، "لا السَّببية" - أي: المُعَاملات. وعبّر عنها بذلك؛ لأن معنى الصِّحّة في المُعَاملات كونها سببًا لترتيب الآثار.
وهذا رأي أبي الحُسَين، والإمام الرازي (٣).
وأبو الحُسَين أطلق اختياره في "المعتمد" (٤)، ولم يقيد كلامه بالمنهي عنه لعينه ولوصفه.
وهنا مهم، وهو أن قول المصنّف بعد ذلك القَائل يدلّ على الصحّة يقتضي أن القائلين بأن النهى عن الشَّيء لعينه لا يدلُّ على الفساد.
стр. 1148
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اختلفوا في أنّه هل يدلّ على الصحة؟ وإن هذا دليل [قائلهم] (١) بالصِّحة - وعلى ذلك حمله الشَّارحون، ونقلوا ذلك عن أبي حَنِيفَةَ، ومحمد بن الحسن.
وفيه نظر، فإن القول بدلالة النَّهي عن الصِّحة لا يُعْرَف في قسم المَنْهِي لعينه، بل في المنهى لوصفه.
وقد صرَّح شمس الأئمة وغيره من الحنفية؛ بأنَّ المنهي لعينه غير مشروع أصلًا (٢)، وأن النهي فيه إخبار عن عدمه بدون محلّه، أو بدون شرطه، أو بدون سببه، ونحو ذلك، فيكون في الحقيقة نفيًا عبر بالمَنْهِيّ عنه مجازًا؛ بمنزلة قولك: لا رجل في الدَّار.
وكذلك نقل عنهم ابن السَّمعاني نقلًا [مجردًا] (٣)؛ لأنه كان من أئمة الحنفية قبل انتقاله إلى مذهبنا فقال: قال المعبرون عن طريقة أبي زيد: النَّهي المطلق نوعان: نهي عن الأفعال الحسّية (٤)؛ مثل الزنا، والقتل، والشرب، فيدلّ على قُبحها في نفسها لا في أعيانها، إلا أن يقوم دليلٌ على خلاف ذلك (٥).
ونهى عن التصرُّفات الشرعية؛ مثل: الصوم، والصلاة، والبيع فيقتضي قبحًا لمعنى في غير المنهي عنه، لكن متصلًا بالمنهي عنه فينتفي صفة المَشْرُوعية عن المنهي عنه من وجه مع تصوُّره في نفسه.
стр. 1149
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والحاصلُ: أن المنهي عنه لعينه لا يختلف [الحنفية] (١) في فَسَاده، فاحفظ ذلك. وما سيذكره المصنّف من أدلّة القائلين بأنه يدلّ على الصِّحة، يدل على أن خلافهم إنما هو في المَنْهِيّ عنه لوصف، وسنبيّنه إن شاء الله تعالى.
стр. 1150
لَنَا: أَنَّ فَسَادَهُ سَلْبُ أَحْكَامِهِ، وَلَيْسَ فِي اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ لُغَةً قَطْعًا.
وَأَمَّا كَوْنُهُ يَدُلُّ شَرْعًا؛ فلِأَنَّ الْعُلَمَاءَ لَمْ تَزَلْ تَسْتَدِلُّ عَلَى الْفَسَادِ بِالنَّهْيِ فِي الرِّبَوِيَّاتِ وَالأَنْكِحَةِ وَغَيْرِهَا.
وَأَيْضًا: لَوْ لَمْ يَفْسَدْ، لَزِمَ مِنْ نَفْيِهِ حِكْمَةٌ لِلنَّهْيِ، وَمِنْ ثُبُوتِهِ حِكْمَةٌ، لِلصِّحَّةِ، وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهَا فِي التَّسَاوِي وَمَرْجُوحِيَّةِ النَّهْيِ، وَيَمْتَنِعُ الْنَّهْيُ لِخُلُوِّهِ عَنِ الْحِكْمَةِ، وَفِي رُجْحَانِ الْنَّهْيِ تَمْتَنِعُ الصِّحَّةُ لِذَلِكَ.
الشرح: "لنا": على أن النهي لا يقتضي الفَسَاد لغةً، ويقتضيه شرعًا "أن فساده" (١) معناه: "سلب أَحْكامه"، "وليس في اللَّفظ" - لفظ النهي - "ما يدلُّ عليه لغة قطعًا" - لا بالمُطَابقة، لأن الصيغة إنما وضعت للزَّجْرِ، لا لسلب الأحكام، ولا بالتضمن؛ لأن سلب
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأحكام [ليس] (١) جزءًا من الموضوع، ولا بالالتزام؛ لأن الذهن لا ينتقلُ عند سَمَاعِ النَّهي إلى فهم سلب الأحكام، فانتفت الثلاث، فانتفت الدلالة اللغوية.
"وأما كونه يدل شرعًا، فلأن العلماء لم تزل تستدلّ على الفساد بالنهي في الرِّبويات والأنكحة وغيرها" شائعًا ذائعًا من غير نَكِيرٍ، فكان إجماعًا منهم على الدّلالة الشرعية.
"وأيضًا": فإنه "لو لم يفسد" للنَّهي عنه شرعًا "لزم من نفيه حكمة للنَّهْيِ"؛ لكونه مطلوب الكَفّ، "ومن ثبوته حكمة للصِّحة، واللازم باطلٌ" فالملزوم مثله.
بيان المُلَازمة: أن النهي طلبُ التَّرك، فلو لم يكن لحكمة كان عبثًا، وهو قبيح عند المعتزلة، وعندنا غير واقع؛ لأنا وإن جوزنا خلوّ الأحكام عن الحكم فلا نقول: وقع شيء إلا على وفق الحِكْمَةِ، ولو سلّم خلوّ بعضها فهو نادر، والحكم للغالب، وأما انتفاء اللازم فلأن حكمتي النهي والصحة؛ إما أن يكونا متساويين، أو يترجّح حكمة الصّحة أو بالعكس، والأقسام باطلةٌ؛ "لأنها" "في" قسمي "التَّسَاوي" "ومرجوحية النهي"، "ويمتنع النّهي لخلوّه عن الحِكْمَةِ" الراجحة حينئذ.
"وفي رجحان النهي"، ومرجوحيّة الصِّحة "تمتنع الصِّحة لذلك" - أي: لخلوها عن الحكمة الرَّاجحة والمساوية.
стр. 1153
اللُّغَةُ: لَمْ تَزَلِ الْعُلَمَاءُ.
وَأُجِيبَ: لِفَهْمِهِمْ شَرْعًا. بِمَا تَقَدَّمَ.
قَالُوا: الأَمْرُ يَقْتَضِي الصِّحَّةَ، وَالنَّهْيُ نَقِيضُهُ؛ فَيَقْتَضِي نَقِيضَهَا.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ لَا يَقْتَضِيهَا لُغَةً، وَلَوْ سُلِّمَ فَلا يَلْزَمُ اخْتِلَافُ أَحْكَامِ الْمُتَقَابِلَاتِ، وَلَوْ سُلِّمَ فَإِنَّمَا يَلْزَمُ أَلَّا يَكُونَ لِلصِّحَّةِ لَا أَنْ يَقْتَضِيَ الْفَسَادَا.
النَّافِي لَوْ دَلَّ، لَنَاقَضَ تَصْرِيحَ الصِّحَّةِ، وَ"نَهَيْتُكَ عَنِ الرِّبَا لِعَيْنِهِ"، وَ"تَمَلَّكْ بِه" - يَصِحُّ.
وَأُجِيبَ بِالْمَنْعِ بِمَا سَبَقَ.
الشرح: واحتجّ من ذهب إلى أن الفَسَاد تقتضيه "اللُّغة" بوجهين:
أحدهما: أنه "لم تزل العلماء" تستدلّ بالنهي على الفساد، فدلّ أنهم فهموه منه.
"وأجيب": إنما ذلك "لفهمهم" الفَسَاد "شرعًا" لا لغةً، "لما تقدّم" من أنه لا يدلّ على الفساد لغة.
والثاني: "قالوا: الأمر يقتضي الصحة" صحة المأمور به، "والنهي يقتضيه فيقتضى نقيضها"، وهو الفساد؛ لأن مقتضى النقيضين نقيضان.
"وأجيب" "بأنه لا يقتضيهما لغةً" بل ولا شرعًا، وإنما الصِّحة أمر عَقْلي على أصل المصنّف، وإنما يقتضيهما شرعًا، ونحن قائلون به في النَّهي.
"ولو سلّم" أنه يقتضيها لغةً "فلا يلزم اختلاف أحكام المُتَقَابلات"، حتى تثبت للنهي الذي هو مقابل الأمر ضد ما ثبت للأمر، بل جاز اشتراك المُتَقَابلات في بعض اللوازم.
"ولو سلّم" لزوم اختلاف أحكامها؛ "فإنما يلزم ألّا يكون للصحة، لا أن" يكون للفساد؛ لأن مقابل اقتضاء الصّحة، عدم اقتضاء الصّحة، وذلك أعم من "اقتضاء" "الفساد"، ولا إشعار للأعم بالأخصّ.
الشرح: واحتجّ "النَّافي "لدلالة النَّهي على الفَسَاد مطلقًا؛ بأنه "لو دلّ لناقض تصريح الصحة" "و "الملازمة ظاهرة، واللازم منتفٍ، فإنه لو قال: "نهيتك عن الرِّبَا لعينه"، فإن وقع صحّ "وتملك به" المبيع، "يصح" هذا القول، ولا مُنَاقَضة فيه عرفًا ولا شرعًا ولا لغةً.
стр. 1154
الْقَائِلُ يَدُلُّ عَلَى الصِّحَّةِ: لَوْ لَمْ يَدُلَّ، لَكَانَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ غَيْرَ الشَّرْعِيِّ، وَالشَّرْعِيُّ الصَّحِيحُ؛ كَصَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَالصَّلَاةِ فِي الأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الشَّرْعِيَّ لَيْسَ مَعْنَاهُ الْمُعْتَبَرَ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ : "دَعي الصَّلَاةَ"، وَلِلُزُومِ دُخُولِ الْوُضُوءِ وَغَيْرِهِ فِي مُسَمَّى الصَّلَاةِ.
قَالُوا: لَوْ كَانَ مُمْتَنِعًا، لَمْ يُمْنَعْ.
[وَ] أُجِيبَ: بِأَنَّ الْمَنْعَ لِلنَّهْيِ، وَبِالنَّقْضِ بِمِثْلِ: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٢١]، وَ"دَعِي الصَّلَاةَ".
قَوْلُهُمْ: نَحْمِلُهُ عَلَى اللُّغَوِيِّ - يُوقِعُهُمْ فِي مُخَالَفَةِ أَنَّ الْمُمْتَنِعَ لَا يُمْنَع، ثُمَّ هُوَ مُتَعَذِّرٌ فِي الْحَائِضِ
"وأجيب بالمنع" - منع الملازمة - "لما سبق" مرارًا كما في مسألة التكرار؛ أنه لا تناقض بين الصريح والظاهر.
ولقائل أن يقول: أمّا الدليل فليس في محلّ النزاع؛ لأن النَّهي في الرِّبا لوصفه لا لعينه، ومعنى النهي عن الشيء لعينه ما أسلفناه من انعدام محله، وهذا ليس موجودًا هنا.
وقولهم هنا: "لعينه" المراد به عين الربا الذي هو الزيادة، وهو وصف قائم بذلك البيع، ويحترز به عن النهي [المجاور] (١) "النَّهي عن البيع وقت النداء"؛ فإن ذلك لا يقتضي الفساد عند الأكثرين.
وأما منع المُلَازمة: فقضيّتها أن يكون النّهي ظاهرًا في الفساد، لا صريحًا فيه، وقد صرّح في "المختصر الكبير" في المسألة التي بعده بأن الفَسَاد في المَنْهى لعينه يقتضي الفَسَاد بالصَّراحة، بخلاف المنهي لوصفه.
الشرح: واحتجّ "القائل" بأنه "يدلّ على الصِّحة"، بأنه "لو لم يدلّ" عليها "لكان المنهى عنه غير الشرعي"، "و "الملازمة بيّنة؛ إذ "الشرعي" هو "الصحيح" - أي: الذي يوجد صورته في الخارج على الوجه الشَّرعي المعتبر؛ لأن النهي عما لا يكون لغوًا؛ إذ لا
стр. 1155
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يستقيم أن يقال للأعمى: لا تبصر، واللازم منتفٍ؛ لأن المنهي "كصوم يوم النَّحْرِ، والصلاة في الأوقات المكروهة" ليس الّلغوي، لجوازه، هذا تقريره فاعتمده.
وعليه يدلّ كلام أبي زيد الدبوسي؛ إذ يقول ما حاصله: النَّهي لا يصح عن غير المتكون؛ لأن النَّهي يرد، والمراد به انعدام الفِعْل مضافًا إلى اختيار العباد وكسبهم؛ فلا بد من تكون المَنْهِيّ عنه ليكون العبد دائرًا بين أن يكفّ عنه باختياره فيثاب، أو يفعله فيعاقب؛ ولهذا لا يصحّ أن يقال للأعمى: لا تبصر، وللآدمي: لا تَطِرْ، وربما قالوا: النَّهي يطلب الامتناع من المنهى عنه.
ولا بد من تصوّر المنهى عنه حتّى يتحقّق فعل النهي عنه، فعلى هذا المنهى عنه هو الصوم في يومي العيد، وأيام التَّشريق، وكذا الصَّلاة عند غروب الشَّمس، والصَّوم اسم لفعل مخصوص، وكذا الصّلاة، فوجب تصوّرهما بعد النهي؛ ليتحقق النهي عنهما شرعًا.
قال: ولا يجوز أن يقال: يتصور بصورة الامتثال، وصورة أفعال الصّلاة؛ لأن الصوم إنما صار صومًا بصورته ومعناه، وكذلك الصَّلاة، وإذا لم يوجد المعنى لم يوجد النَّهي، [والحذق أن] الذي تخيلتموه موجودًا ليس بصلاة ولا صوم.
وأما ما قرره الشَّارحون في بيان المُلازمة من أن المنهى عنه إذا لم يكن صحيحًا لم يكن [شرعيًّا] (١) معتبرًا؛ لأن الشرعي المعتبر، هو الصحيح، فما لا يكون صحيحًا معتبرًا لا يكون شرعيًّا؛ كصوم يوم النَّحْر (٢) ................................
стр. 1156
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والصَّلاة في الأوقات المكروهة (١)، فإنهما لمَّا لم يكونا صحيحين معتبرين في نظر الشَّرع لم يكونا شَرْعيين، فإنه لا يتأتى على أصول الحَنَفِيّة؛ لأن من أصلهم أن الصَّوْم مشروع، وإن كونه محظورًا لا ينافي مَشروعيته.
стр. 1157
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بلفظ "نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس … الحديث" يتبين من هذا أن الأوقات التي جاءت الأحاديث بالنهي عن الصلاة فيها خمسة:
عند طلوع الشمس حتى ترتفع قدر رمح أو رمحين، ويستدلى سلطانها بظهور شعاعها، وعند استوائها حتى تزول، وعند اصفرارها حتى يتم غروبها "الرابع" بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس. "والخامس" بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس.
فقال الحنفية: إن النهي عن الصلاة في الأوقات الثلاثة الأولى قد أفاد فيها كراهة التحريم؛ لأن النهي ظني الثبوت ولم يصرفه عن مقتضاه صارف؛ وفرّعوا على ذلك أن قضاء الفرائض والواجبات لا يصح في هذه الأوقات، ولا يصح الصبح إن طلعت عليه الشمس وهو يصليه؛ بخلاف عصر اليوم إن بدأ فيه قبل مغيب الشمس فغابت وهو يصليه إذ يصح مع الكراهة، بخلاف النوافل فإنه يصح الشروع فيها في هذه الأوقات، غير أنه ينبغي أن يقطعها، فإن قطعها وجب عليه القضاء في وقت غير مكروه، وإن أتمها أجزأه مع الكراهة. وقالوا إن عدم صحة الفرائض في هذه الأوقات ليس ناشئًا من كراهة التحريم وحدها، بل لأنها في الصلاة لما كانت لنقصان في الوقت منعت أن يصح فيه ما تسبب عن وقت لا نقص فيه؛ إذ لا يتأدى ما وجب كاملًا بالناقص، وذلك أن حديث مالك المتقدم في الموطأ أفاد كون المنع لما اتصل بالوقت مما يستلزم كون فعل الأركان فيه تشبهًا بعبادة الكفار، وهذا هو المراد بنقصان الوقت، وإلا فالوقت في ذاته لا نقص فيه، بل هو وقت كسائر الأوقات، وإنما النقص في الأركان المقومة للحقيقة، فلا يتأدى بها ما وجب كاملًا، ولكون الوقت نفسه لا نقص فيه لو أسلم الكافر، أو بلغ الصبي، أو أفاق المجنون في الجزء المكروه فلم يؤد الفرض حتى خرج الوقت، فإن السبب في حقهم لا يمكن جعله كل الوقت حين خرج؛ إذ لم يدركوا مع الأهلية إلا ذلك الجزء، فليس السبب في حقهم إلا إياه، ومع هذا لو قضوا في وقت مكروه لا يجوز؛ لأن الثابت في ذمتهم كامل لا نقص فيه؛ إذ لا نقص في نفس الوقت، بل المفعول فيه يقع ناقصًا، غير أن تحمل ذلك النقص لو أدى فيه العصر ضروري، وهو في نفسه كامل، فيثبت في ذمته كذلك، فلا يخرج عن عهدته إلا بكامل. وكذلك لا تصح سجدة التلاوة، ولا صلاة الجنازة في الوقت المكروه إذا حصل سببهما في وقت غير مكروه، أما إذا وجد السبب في وقت مكروه فإنها تصح فيه ويصح قضاؤها في مثله، وذلك لأنه عند التلاوة مثلًا يخاطب بالأداء موسعًا، ومن ضرورته تحمل ما يلزمه من النقص لو أدى عندها، بخلاف ما إذا تليت في وقت غير منهى عنه فإن الخطاب لم يتوجه بأدائها في وقت مكروه، فلا يجوز قضاؤها في مكروه، وكذا لو قضى في الوقت المكروه ما قطعه من النفل المشروع فيه في وقت مكروه، فإنه يخرجه عن العهدة وإن كان آثمًا؛ لأن وجوبه ضرورة صيانة المؤدي عن البطلان ليس غير، والصون عن =