← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6338

رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (2 330 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [سورة يونس: الآية ١٥]، ثم تكلَّم على خبر الحُجَّة، ومثَّل له، ثم على الإجْمَاع وحُجِّيَّته ودليله، ثم بَسَط ما أسْلَف من الاجتهاد، وقَفَّى على ذلك بالكَلام على القياسِ والاسْتِحْسَان، وما قيل في الاسْتِحْسَان. هذه خُلاصة ما في "رسالةِ الشَّافِعِيِّ" من قواعد، وقد أكْثَر فيها من التَّطْبِيق والاِستشهادِ بالآيَاتِ والأَحَادِيث، وهِيَ طريقةٌ أشْبَهُ بِعَهْد السَّلَف الذي عُنِيَ بالتَّطْبِيقِ، لا بِعَهْد الخَلَفِ الَّذِي عُنِيَ بِالقَوَاعد.

стр. 107

مَنَاهِجُ العُلَمَاءِ فِي الدِّرَاسَاتِ الأصُولِيَّةِ تعدَّدتْ مناهجُ العُلَمَاء بَعْد الشافعيِّ واختلفتْ كتُبُهم الأصوليَّة تبعًا لاخْتِلافِ مناهِجِهمْ ومشاربهمْ في الدِّراسات الأُصوليَّة. ويمكن إجْمال هذه المَذَاهِبِ فِي ثَلاث شُعَبٍ مختلفةٍ لكلٍّ منها ضوابطُ وقواعدُ خاصَّةٌ بها: أوَّلًا: الاتجاه النظريُّ المَحْضُ الَّذي لا يتأثَّر بِفُرُوعِ أيِّ مَذْهَبٍ فِقْهِيٍّ، وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ ومَنْ سَارَ عَلَيْه بَعْده، حيثُ إن الشَّافعيُّ ﵀ قد لاحظ في منهاجه الذي وضَعَه عن عِلْم الأصول أن يَكُونَ عِلْمُ الأُصُول مِيزانًا ضابِطًا وقانُونًا كُلِّيًّا تَجِبُ مراعاته عِنْد استِنْباطِ الأَحْكَام. ثانيًا: الاتجاهُ المتأثِّر بالفُرُوعِ الفقهيَّةِ، والَّذِي يَخْدمُ تِلك الفُرُوع، ويثْبِتُ سلامة الاجتهاد فيها. ثالثًا: المَذْهَب الجامعُ بَيْن الاتِّجاهَيْن السابِقَيْن، وظهر هذا المذهَبُ في مرحلةٍ متأخِّرة. والنَّاظِرُ لتاريخِ هذه المناهِجِ يُلاحظ أنَّها ظَهَرَت بَعْد تقرُّر المذاهِبِ الفقهيَّة. وفي ذلك يقول العلَّامة أبو زهرة: "وقد سار الفقهاء بعد تقرُّر المذاهب الفقهية في دراسَةِ أُصُول الفقه في اتِّجاهَيْنِ مختلفَيْنِ: أحدهما: اتِّجاهٌ نظريٌّ، وهو لا يتأَثَّر بفروعِ أيِّ مَذْهَبٍ … ثانيهما: اتِّجاهٌ متأثِّرٌ بالفروعِ وهو يتَّجه لخدْمَتِها، وإثبات سلامة الاجتهاد

стр. 108

فيها (١) .... وإلَيكَ الكلامَ عَلَيها بالتَّفْصيل: أوَّلًا: الاتِّجاهُ النَّظَريُّ: من المعلومِ أن الشافعيَّ ﵀ هُوَ واضعُ أساس هذا الاتِّجاهِ النَّظريّ الَّذي لا يتأثَّر بفروع أيِّ مَذْهَب، حَيْث كانَتْ عنايتُه متَّجِهةً إلى تَحْقيقِ القَواعدِ من غَيْر اعتبارٍ مذهبيٍّ، بل كانَ أكبَرُ همِّه هو كيفيَّة إنتاجِ القواعدِ، سواءٌ خدَمَ ذلك مذهَبَه أمْ لا. ويُعْتَبَر هذا الاتِّجاهُ النظريُّ هو أقْدمَ الاتَجاهاتِ الأُصُوليَّة لدراسة عِلْم الأُصُول. ويُطْلَق على هذا الاتجاه: "أصُول الشَّافِعِيَّة" على أساس أن الإمام الشافعيَّ أوَّلُ من سلكه، ويُطْلَق عَلَيْه أيضًا: "طريقةُ المتكلِّمين"؛ لأن كثيرًا من علماء الكلامِ لهُمْ بحوث في الأصول؛ على هذا الاتجاه النظريِّ ولهذا الاتجاه النظريِّ خصائصُ تميَّزه وتوضَح ملامحَه؛ حيثُ لا يَعْتَمِد البحْثُ فيه على تعصُّبٍ مذهبيٍّ، وذلك لأنَّ القواعد الأصوليَّة لا تَخْضع فيه للفُرُوع المذهبيَّة، بل كانَتِ القواعدُ تُدْرس باعتبارِها حاكمةً على الفروع، وباعتبارِهَا دعامة الفِقه، وطريق الاستنباط. ثمَّة مَيْزةٌ أُخْرى تَكْمُن في أنَّ الخلافاتِ الَّتيْ وقَعَتْ بَيْن الأصوليِّين على هذا الاتِّجاه كانَتْ تَسْتَنِدُ إلى دليلٍ مباشرٍ لا إلى فَرْعٍ من الفروعِ المذهبيَّة. والملاحظُ أن لهذا الاتجاهِ أنْصارًا مَتعدَّدين ومنْتَشِرِين في البلاد الإسلاميَّة، ويمكنُ أن نُجْمِلَهُم فيما يلي: ١ - الشَّافعِيَّةُ: وللشَّافعيِّ أصحابٌ كثيرونَ قَبِلُوا اتِّجاهَه النظر كما في دراسَةِ القَواعِد الأصوليَّة. ومن الملاحظِ أن أصحابَهُ البغدادِيِّين كَانُوا أَكْثَرَ اسْتِقلالًا مِنْ غيرهم لدرجةِ أن بَعْضَهم قَدْ وَصَلَ لِدَرَجَة الاجْتِهَادِ وتأْسِيسِ المَذَاهِب الفِقْهِيَّة. حيث نَجِدُ في "بغدادَ" الإمامَ أبا ثَوْرٍ الكلبيَّ البغداديَّ، والإمام أحمد بْن حَنْبل أحَدَ دَعَائِمِ الإسْلامِ الأرْبَعَة. ونجد في "مِصْرَ" الإمام أبا يَعْقُوبَ البُوَيْطِيَّ المِصْرِيِّ، والإمامَ أبا إبراهيم المُزَنِيَّ. وفي القَرْنِ الخامِسِ الهِجْريِّ ظَهَرَتْ كوكبةٌ من الشافِعِيِّين المُبَرِّزين الَذيق ألَّفوا كثيرًا من كُتُب الأصول على طَرِيقَةِ الشَّافعي، ومن أمثال هؤلاء العلماء الأجلَّاءِ القاضي عَبْد الجبَّار المعتزليُّ (٤١٥ هـ) صاحبُ "العمد" الذي شرَحَه أبو الحُسَيْن البَصْرِيُّ المعتزيُّ في كتابه "المُعْتَمَد". وأيضًا _________ (١) ينظر: أصول الفقه ١٧ - ١٨.

стр. 109

الإمامُ أبو إسحاقَ الشِّيرازيُّ الشَّافعيُّ (٤٧٦ هـ) صاحب "اللُّمَع" و"التَّبْصِرة" وظهر أيضًا إمامُ الحرمَيْنِ (٤٧٨ هـ) صاحبُ "البُرْهَان". قال ابن خلدون في "مقدمته" (١): "وكان مِنْ أحْسَن ما كتب فيه المتكلِّمون كتابُ "البُرْهَان" لإمامِ الحَرَمَيْنِ، و"المستَصْفَى" للغزاليِّ، وهما من الأشعريَّه، وكتابُ "العمد" لعَبْد الجَبَّار، وشَرْحُه "المُعْتَمَد" لأبي الحُسَيْن البَصْرِيِّ وهو من المعتزلة". كذلك كان القَرْنُ السَّادِسُ الهجريُّ حافِلًا بعلماء الأُصُول الشافعيَّة أصحابِ الاتِّجاه النظريِّ، وحافلًا بإنجازاتهم الأصولية. ومن أبْرزِ هؤلاءِ العلماء الإمامُ الغزاليُّ حجَّةُ الإسْلام (٥٠٥ هـ) وله كُتُبٌ كثيرةٌ في الأُصُول مثل: "المستَصْفَى"، و"المَنْخُولِ"، و"المَكْنُونِ"، و"شِفَاءِ العَلِيلِ" … الخ. يقول العلَّامة الخُضَريُّ (٢) عن كتاب "المستَصْفى": وعبارةُ المستَصْفَى راقيةٌ مِنْ حَيْثُ أُسْلُوبُهَا العربيُّ، ولم يَكُنِ الغزاليُّ ممن يَشِحُّ على القرْطَاس؛ فتَرَاه كما قال يُطْلِق فيه العِنَانَ حتَّى يبلغ الغايةَ ممَّا يُرِيد، ولم يَكُنْ قد جَاءَ في زَمَنِهِم دَوْرُ التَّلخيصِ والاخْتِصَار؛ لأنَّ همَّهم الوحيدَ كانَ تأْدِيةَ المَعْنَى إلى فِكْر السَّامِع، طالَ الكلام أو قَصُر". ثمَّ جاء الإمامُ فخْرُ الدِّينِ الرَّازيُّ (٥٤٤ - ٦٠٦ هـ) صاحبُ "المَحْصُول". قال الإسنويُّ: "و"المَحْصُول" استمدادُهُ من كِتابَيْن لا يَكَاد يَخْرُج عَنْهُما غَالِبًا: أحَدُهما: "المستَصْفَى" لحجَّة الإسْلام الغَزالِيِّ، والثَّاني: "المُعْتَمَد" لأبي الحُسَيْن البَصْرِيِّ" (٣). ثم الآمِدِي سيف الدِّين (٥٥١ - ٦٣١ هـ) صاحبُ "الإحْكَام فِي أُصُولِ الأَحْكَام". قال العلَّامة ابن خَلْدُونَ: "ثمَّ لَخَصَ هذه الكتبَ الأرْبَعَة "البُرْهَانَ"، و"المُسْتَصْفَى"، و"العُمَدَ"، و"المُعْتَمَدَ" - فَحْلان من المتكلِّمين المتأخِّرين، وهما الإمامُ فخْرُ الدِّينِ بنُ الخَطِيبِ في كتاب "المَحْصُول"، وسَيْفُ الدِّين الآمِدِيّ في كتاب "الإحْكَام"، واختلفت طرائِقُهما في الفنِّ بين التَّحْقِيق والحِجَاج، فابْنُ الخطيبِ أَمْيَلُ إِلَى الاستكثار من الأدلَّة والاحتجاجِ، والآمِدِيُّ مولَعٌ بتحقيق المَذاهِب وتَفْرِيع المَسَائل، وأما كتابُ "المَحْصُول" _________ (١) ينظر: المقدمة ٥٠٨. (٢) ينظر: أصول الفقه له ص ٧. (٣) ينظر: نهاية السول ١/ ٨.

стр. 110

فاختصَرَهُ تلميذُ الإمامِ سراجُ الدِّينِ الأرمويُّ في كتابِ "التَّحْصِيلِ"، وتاجُ الدِّين الأُرْمَويُّ في كتاب "التَّحْصِيل"" (١). أما كتابُ "الإحْكَامِ" للآمِدِيِّ فَقَد قام باخْتصاره العلَّامة أبو عَمْرٍو عثمانُ بنُ الحَاجِبِ (٦٤٦ هـ) وجَعَل ذلك في كتاب سَمَّاه: "مُنْتَهَى السُّولِ والأَمَلِ، فِي عِلْمَي الأُصُولِ والجَدَلِ"، ثمَّ قام بعد ذلك باختصارِ المختصر في كتابِ آخَرَ سماه: "مُخْتَصَرَ المُنْتَهَى" ثم جاء خاتمة المحققين العلَّامة البيضاويُّ فألف كتابًا أخَذَه من "الحاصل" لتاج الدِّين الأرمويِّ وسمَّاه: "مِنْهَاجَ الوُصُولِ إلى عِلْم الأُصُول". ٢ - المالكيَّة: ومِن أنْصَارِ الاتِّجاهِ النَّظريِّ من المالكيَّة ابنُ الحاجِبِ المالكيُّ (٦٤٦ هـ) صاحبُ "منتهى السُّولِ والأَمَلِ في عِلْمَي الأُصُولِ والحدَلِ"، وهو الكتاب الذي اختصره من كتاب "الإحْكَامِ في أُصُول الأَحْكَامِ للآمديِّ"، كما اختصر هذا المختصر - كما ذَكَرْنا - في كتاب سَمَّاه "مختصر المنتهى". خَوْضُ المُتَكَلِّمِينَ فِي الاتِّجَاهِ النَّظَرِيِّ: لقد وجد المتكلِّمون فِي هذا الاتِّجاه النظريِّ ما يتَّفقُ مع دراساتهم العَقْلِيَّة، وآرائِهِمُ الكلامِيَّة، ونظرهم إلى الحَقَائِق مجرَّدةً، لذا راحُوا يَبْحَثُون فيه كما يَبْحَثُون فِي عِلْم الكَلام. ولكثرة بُحُوثِ المتكلِّمين في الأصول على هذا الاتِّجاه النظريِّ - سُمَي هذا الاتجاه أيْضًا بـ "طَرِيقَة المتكلِّمين". وخلاصةُ طريقة المتكلِّمين هي البُعْدُ - ما أمْكَنَ - عن مسائلِ الفُرُوعِ، والاستدلالُ العقليُّ؛ لأن أصْل منهجهم هو البَحْثُ والنَّظَر، ولقد تركت هذه الطريقةُ آثارها واضحةً على القواعد الأصوليَّة. وهناك سؤَالٌ يطرح نَفْسَه عَلَيْنا وهُوَ مَتى دخَل المتكلِّمون في دراسة المَنَاهِج الأصوليَّة؟ ويجيبُ الشَّيحُ مصطفى عبد الرَّازِق إلى أن المتكلِّمين وضَعوا أيْدِيَهُم على عِلْمِ أُصُولِ الفِقْه مُنْذُ القَرْن الرَّابِع الهجريّ (٢). وفي المسألة آراء أُخْرى، ترى أنَّهم خاضُوا في المسائل الأصولية منذ القَرْنِ الثاني الهجريِّ، وليس هذا مَوْضِعَ البَسْط. _________ (١) ينظر: مقدمة ابن خلدون ٥٠٨. (٢) ينظر: تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية ص ٢٤٩.

стр. 111

ثانيًا: الاتِّجَاهُ المَذهَبِيُّ المتأَثِّرُ بِالفُرُوعِ: وأصحابُ هذا الاتِّجَاهِ قَامُوا باستنباطِ القواعدِ الأُصُوليَّة مِنَ الفُرُوع الفقهيَّة؛ لخدمةِ هذه الفُرُوع وإثباتِ سلامَةِ الاجْتِهَادِ فِيها، كما قَرَّرْنا آنفًا. يقولُ العلَّامة الخُضَريُّ: "هذا الاتِّجَاهُ يُراعى فيه تطبيقُ الفُرُوع المذهبيَّةِ على القَواعِد، حتَّى إنَّهم كانُوا يقرِّرون قواعِدَهم على مُقْتَضَى ما نُقِلَ من الفُرُوع عَنْ أئمَّتهم، وإذا كانَتِ القاعدةُ يترتَّب عليها مخالفةُ فَرْعٍ فقهيٍّ، شَكَّلُوها بالشَّكْل الَّذي يتَّفِق مَعه، فكأنَّهم إنَّما دوَّنوا الأُصُول الَّتي ظَنَّوا أن أئمَّةَ المَذْهَب اتَّبَعُوها في تَفْريع المَسَائل وإبْداء الحُكْم فِيها، وَقَدْ يُؤَدِّي بِهِمْ ذلكَ فِي بَعْضِ الأحْيَان إلى تَقْرِيرِ قَوَاعِدَ غَريبةِ الشَّكْل؛ لذلك نرى طريقَتَهُمْ مملوءَةً بالفُرُوع الكثيرة؛ لأنَّها في الحقيقة هي الأصولُ لتلك القَوَاعِد" (١). والمتتبع لتاريخِ ظُهورِ هذا الاتِّجاه المذهبيِّ المتأثِّرِ بالفُروع يُدْرِك بوضوحٍ السَّبَبَ الَّذِي دَفَع أصحابَهُ إلى ذلك الاستنباطِ. لقد كانَتْ للأئمَّةِ المُجْتهِدِينَ قَبْل الشَّافعي ﵀ مناهجُ يلاحظونها في الاسْتِنْباط، لكنَّهم لم يوَضِّحُوا هذه المَنَاهِجَ، ولم يُدَوِّنُوها. فمثلًا: لم تكنْ للحنفيَّةِ أصولٌ فقهيَّةٌ مفصَّلةٌ ومدوَّنةٌ، كذلك كان الإمامُ مالكٌ ﵁ حيْثُ لم يُرْوَ عَنْه تفصيلٌ لمناهجه. وحتَّى الإمامُ أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ ﵁ لم يُرْوَ عَنْه تفاصيلُ مناهِجِه، كما أنَّه ﵁ لم يُحَاوِلْ تدوينَها. وبعد أنْ شَرَع الإمامُ الشَّافعيُّ ﵁ في دراسةِ المَنَاهج الأصوليَّة وتدوِينها، وصارَ ذكْرُه مَعْرُوفًا في البِلادِ الإسْلاميَّة شرْقًا وغَرْبًا، أدْرَكَ كثيرٌ من العُلَماء أهميَّة مَعْرِفةِ أصُولِ إمامِهِمْ للدّفاع عن فُرُوعهم، كما أدْرَكُوا مَدى حاجَتِهِمْ إلى هذه الأُصُول؛ ليمكنَهُمْ أنْ يُخرِّجوا على المَذْهَب أحكامَ الفُرُوعِ الَّتِي لم يُعْرَفْ لأئمَّة المَذْهَب أحكامٌ فيها، حتَّى لا يَخْرُجوا عن مقَايِيسِ المَذْهَب. ولهذا المذهبِ خصائصُ ومميِّزاتٌ تميِّزه يُمْكِن أنْ نلخِّصها فيما يلي: ١ - لَيْسَتْ بحوثُه مجرَّدة، بل هي دراساتٌ مطبقةٌ في فروعٍ، وبحوثٌ كلِّيَّةٌ وقضايا عامَّةٌ، تُطَبَّقُ على فروع. _________ (١) ينظر: أصول الفقه ص ٧.

стр. 112

٢ - يُعْتَبَر هذا الاتِّجاهُ تفكيرًا فِقْهِيًّا، وقواعد مستقلَّةً يمكن الموازَنَةُ بينها وبَيْنَ غَيْرها مِنَ القَوَاعِد. ٣ - تُعْتَبَر دراسة فقهيَّةً كلِّيَّةً مقارنة، والموازَنَةُ فيها لا تكونُ بين الفُرُوع، بل بين أصولها. ٤ - تعتبر دراسةُ هذا الاتِّجاهِ ضَبْطًا لجزئيَّات المَذْهَب، وبهذا الضَّبْط يمكن مَعْرِفَةُ طُرُقِ التَّخْريجِ فيه، وتفريعِ فُرُوعِه، واسْتِخْراجِ أحْكَامٍ لمسائلَ قَدْ تَعْرِضُ لَمْ تقَعْ فِي عَصْر الأئمَّة. وجدير بالذِّكْر أن لهذا الاتِّجاهِ أعْوانًا وأنْصارًا مِنَ الأصوليِّين والعلماء من المَذَاهِبِ الفقهيَّة المختلِفَةِ بَعْد الإمام الشافعيِّ ﵁ منهم: ١ - الْحَنَفِيَّةُ: يرى بَعْضُ العلماءِ أن الحنفيَّة أوَّلُ من ارتادُوا هذا الاتِّجَاه، وسَلَكُوا هذه الطريقة. وفي هذا يقول الشَّيْخ أبو زهرة: "إنَّ أقْدَمَ كتابٍ على هذا من كُتُبِ الحنفيَّةِ كتابُ "أُصُول الجصَّاص" المُتوفَّى سَنَة ٢٧٠ هـ، ثم "أصول الكَرْخِيِّ" المُتوفَّى سنة ٣٤٠ هـ" (١). وهناك محاولات قديمة بدأَتْ في التأليف في عِلْم الأُصُول تَحْتَ هذا الاتِّجاه مثل كتاب "إثْباتِ القِياسِ"، و"خَبَرِ الوَاحِدِ"، و"اجْتِهاد الرأْي" لعيسَى بنِ أبَانَ (٢٢٠ هـ). وكتاب "أصولِ الشَّاشِيِّ" لأبي يعقوبَ الشاشيِّ (٣٢٥ هـ) وكتاب "مَأْخَذ الشَّرَائِع في الأُصُول" لأبي مَنْصُورِ الماتُرِيدِيِّ (٣٣٣ هـ) و"رسالة الكَرْخِيِّ" لأبي الحَسَن الكَرْخِيِّ (٣٤٠ هـ)، ذكر فيها الأصول، وعَلَيْها مدار كتب أصحاب أبي حنيفة. و"أصول الجَصَّاصِ" لأبي بَكْرٍ الجَصَّاصِ (٣٧٠ هـ)، وجعَلَه مُقَدِّمة لكتَّابه "أحْكَام القُرْآنِ". قال الشيخُ الخُضَرِيُّ: "أما طريقةُ الحنَفِيَّة فَقَدْ ألف فيها كَثيرُونَ من فَطَاحِلِهمْ قديمًا وحديثًا، فكَتَبَ فيها من المتقدِّمين أبو بَكْرٍ أحمد بنُ عليٍّ المعروفُ بالجَصَّاص" (٢). وفي غضون القرن الخامسِ الهجريِّ تواترت المؤلَّفات في عِلْم الأُصُول مثل كتاب "الأَسْرار"، و"تقويم الأَدِلَّة"، و"الأَمَد الأَقْصَى" لأبي زَيْد الدبوسيِّ (٤٣٠ هـ) … الخ. _________ (١) ينظر: أصول الفقه ص ١٧. (٢) ينظر: أصول الفقه ص ٩.

стр. 113

قال العلَّامة ابنُ خَلْدُونَ في "مقدِّمته" (١): "وأما طريقةُ الحنفيَّة فكَتَبُوا فيها كثيرًا، وكانَ من أحْسَنِ كتابةٍ فيها للمتقدِّمين تأليفُ أبي زَيْد الدبوسيِّ … ". والمُلاحَظ من نصِّ "المقدِّمة" أن ابن خلدون لم يذكر اسم كتاب أبِي زَيْدٍ في الأصول، بينما عيَّنه العلَّامة أبو زهرة في كتابه "أُصُول الفِقْه" بأنه "تأسيسُ النَّظَر"، وقال: "فيها إشاراتٌ موجَزَةٌ إلى الأُصُول التي اتَّفق فيها أئمَّة المَذْهَب الحنفي مع غيرهم، أو اختلفوا فيها" (٢). وجاء بعد هؤُلاء الإمامُ فَخْر الإسْلام البَزْدَوِيُّ (٤٨٢ هـ) صاحب "أُصُول البَزْدَوِيِّ". قال العلَّامة ابنُ خَلْدُونَ (٣): "وأحْسَنُ كتابةِ المتأَخِّرين فيها تأليفُ سَيْف الإسْلام البَزْدَوِيِّ من أئمَّتهم، وهو مستَوْعِبٌ". ثم الإمامُ محمَّد بن أحْمَدَ السَّرْخَسِيُّ صاحب "بُلُوغ السُّول في الأُصُول"، والمشتهر عند أهْل العِلْم أن اسم الكتاب هو "أُصُول السَّرْخَسِيّ". ٢ - المَالِكِيَّةُ: قُلْنا فيما سبق: إنَّ الإمام مالِكًا لم يُرْوَ عَنه تفصيلٌ لمناهجه في مصَادِرِ الأحْكَام، وطريقة فَهْم القُرْآن والسُّنَّة. ثم جاء أتْبَاع الإمامِ مَالِكٍ، فَاسْتَخْرَجُوا المَنَاهِجَ الَّيي انْتَهَجها الإمامُ مالكٌ في اجتهاده، لتكُونَ مقاييس لهم. ولقد سَلَك أنصارُ الإمام مالِكِ في اسْتِنْبَاطهم مناهجَ الإمَام مالِكٍ ﵁ مِثْل ما سَلَك عَلَيْه الحنفيَّة، فدَرَسُوا فُرُوعَه، واسْتَخْرجوا منها ما يَصِحُّ أن يَكُونَ أصُولًا، قام عليها الاستنباطُ في ذلِكَ المَذْهب. وها نَحْنُ نذكُرُ بَعْضَ الأصوليِّين مِنَ المالكتة مُنْذُ القَرْن الثَّالث الهجريِّ، مِثْلُ: أصْبَغ (٢٢٥ هـ) صاحِبِ كتاب "الأُصُول"، وأيضًا إسْمَاعيل بن إسحاقَ القاضي (٢٨٢ هـ). ونجد في القَرْن الرابعِ الهجْرِيِّ الإمام أبا الفَرَجِ المالكيَّ (٣٣١ هـ) صاحب كتاب "اللُّمَع". والإمام القُشَيْرِيّ (٣٤٤ هـ) صاحب "القياس"، وكتاب "أصول الفقه"، كذلك كان _________ (١) ينظر: المقدمة ٥٠٨ - ٥٠٩. (٢) ينظر: أصول الفقه ص ٢٢. (٣) ينظر: المقدمة ص ٥٠٩.

стр. 114

الإمامُ أبو بَكْرِ الأبهريُّ (٣٧٥ هـ) صاحب كتاب "الأصُولِ"، وكتاب "إجماع أهْلِ المَدِينَةِ". وألَّف ابنُ مُجَاهِدٍ الطائيُّ (٤٠٠ هـ) أيضًا في الأصول على المَذْهب المالكى، بَعْد ذلكَ نَجدُ الإمامَ أبا بكرِ الباقِلانيَّ (٤٠٣ هـ) صاحب "التَّمْهِيد" في أصُول الدِّين، و"المُقْنع" في أصول الفقه. ونجد أيضًا عبْد الوهَّاب البغداديَّ (٤٢٢ هـ) صاحب "الإفَادَةِ"، و"التَّلْخِيص"، و"أوَائِل الأَدِلَّة". وفي القَرْنِ السَّابعِ الهِجْريِّ نجد الإمام القرافيَّ المالكيَّ (٦٨٤ هـ) صاحب كتاب "نفائِس الأصُولِ"، و"تنقِيح الفُصُول في عِلْم الأُصُول" وفيه سَلَك طريقة الحنفيَّة في كيفيَّة اسْتِخْراج القواعِدِ الأصوليَّة من الفروع المذهبيَّة، حيثُ يبيِّن أصولَ المذهبِ المالكي مطبَّقة على فُرُوعِ هذا المَذْهَب. ٣ - الحنابلة: قُلْنا فيما سبق: إن الإمام أحْمَدَ بْنَ حنْبَل لم يَكُنْ حَرِيصًا على تَدْوِين آرَائِه وفتَاوِيه، وتَدْوِين مَناهِجِه الأُصوليَّة. وجاء بَعْده تلاميذُه وأنْصَارُه، فَقَامُوا بِجَمْع ما قالَه الإمام، واتبعُوا مَسْلَك الحنفيَّة مِن اسْتِخْراج المناهِجِ مِنَ الفُرُوع. ويُعْتَبَرُ أقْدَمُ كتابٍ في أصُولِ الفِقْهِ في المَذْهَبْ الحنبلي هو كِتَاب أبِي عَبْدِ اللَّهِ الوَرَّاقِ الحنبلي (٤٠٣ هـ)، ذكره المراغيُّ ﵀ في طَبقاتِ الأصُوليين. ثم جاء بَعْده أبو يَعْلى (٤٥٨ هـ) صاحب كتاب "العُدَّة في أصول الفِقْهِ"، و"مُخْتَصَر العُدَّة"، و"الكفاية" في أصول الفقه … الخ. كذلك الإمام أبو الخَطَّاب (٥١٠ هـ) صاحبُ "التمهيد"، ثم ابْنُ عَقِيل البغداديُّ (٥١٣ هـ). وكان بعد ذلك الإمامُ ابنُ قُدَامَةَ المَقْدِسِيُّ (٦٢٠ هـ) صاحب "رَوْضَةِ النَّاظِرِ وجنَّةِ المُنَاظِرِ". وآلُ ابْنِ تَيْمِيَّة ألَّفُوا مُسوَّدةً في عِلْم الأُصُول، وفي القرن الثَّامِن الهجريِّ نجد نجْم الدِّين الطوفيَّ الصَّرْصَرِيَّ (٧١٦ هـ) صاحب "مختصر روْضَة المُوَفَّق في الأُصُول"، و"المَصْلَحة" ثم ابن قَيِّم الجَوْزيَّة (٧٥١ هـ) صاحبَ "إعْلام المُوَقِّعين" … وغيرهم.

стр. 115

٤ - الشَّافِعِيَّةُ: ألْمَحْنَا فِيمَا سَبقَ إلى أن الشَّافعيَّة اتَّبَعُوا في تَقْرِير قَواعِدِهم الأصوليَّةِ الاتِّجاه النظريَّ، كما أنَّهم سَلَكُوا أيْضًا هذا الاتِّجاه المَذْهَبيَّ المتأثِّر بالفُرُوع في بَعْض مؤَلَّفاتهم. ولقد حَمَل هذا اللواءَ الإمامُ العلَّامة جمالُ الدِّين الإسْنويُّ (٧٧٢ هـ) في كتابه القَيِّم "التَّمْهِيد في تَخْرِيج الفُرُوع على الأُصُول". ثَالِثًا: الاتِّجَاهُ الْجَامِعُ بَيْنَ المَذْهَبَينِ: وهو الاتِّجاهُ الَّذِي يَجْمَع بَيْنَ المَذْهَبِ النَّظَريِّ، والمَذْهَب المُتأثِّر بالفُرُوع، وعُرِفَ هذا الاتِّجاه بـ "اتِّجاه المتأخِّرين"، أو "مَسْلَك المتأخِّرين". قال العلَّامة ابنُ خَلْدُونَ (١): "وجاء ابْنُ السَّاعَاتيِّ من فقهاءِ الحنفيَّة، فجمع بَيْن كتابِ "الإحْكَام" وكتاب البَزْدَوِيِّ في الطريقَتَيْنِ وسَمَّى كتابَهُ بـ "البَدَائِعِ"، فجاءَ مِنْ أحْسَنِ الأوضاع وأبْدَعِها، وأئمَّةُ العلماء لهذا العَهْد يتداولُونَه فراءةً وبَحْثًا، وأُولِعَ كثير من عُلَماءِ العَجَمِ بشَرْحِه". يقول ابن السَّاعَاتيِّ في مقدِّمة كتابه: "لَخَّصْتهُ مِنْ كِتَابِ "الإحكام"، ورَصَّعْتُهُ بِالْجَوَاهِرِ النَّقِيَّةِ مِنْ "أُصُول فَخْر الإِسْلامِ"، فَإِنَّهُمَا البَحْرَانِ المُحِيطَانِ بِجَمِيعِ الأُصُول الجامِعَانِ لِقَوَّاعِدِ المَعْقُولِ وَالمَنْقُولِ، هذا حَاوٍ لِلْقَواعِدِ الْكُلِّيَّةِ الأُصُوليَّةِ، وذاكَ مَشْمُولٌ بِالشَّواهِدِ الجُزْئيَّةِ الفَرْعِيَّةِ". ومن أنصارِ هذا الاتِّجاه الإمامُ صَدْرُ الشَّرِيعةِ (٧٤٧ هـ) صاحبُ "التّنقِيحِ"، وله شَرْحٌ عليه يُسمَّى "التَّوْضِيحَ"، حَيْثُ لخَّص فيه "أصول البَزْدَوِيِّ" على طريقة الحنفيَّةِ، و"المَحْصُولَ" للرَّازيِّ على طريقة الشافعيَّة والمتكلِّمين، و"المُخْتَصَر" لابْنِ الحَاجِبِ على طريقة الشَّافِعية والمتكلِّمين أيضًا. ثم جاء التَّفْتَازَانِيُّ (٧٧١ هـ) فَكَتَبَ على "التَّنْقِيحِ" قال في مقدِّمة كتابه: "وَسَيَحْمَدُ الغَائِصُ فِي بِحَارِ التَّحْقِيقِ، الفَائِضُ عَلَيْهِ أنْوَارُ التَّوْفِيقِ، مَا أَوْدَعْتُ هذا الكِتَابَ الَّذِي لا يَسْتكْشِفُ القِنَاعَ عَنْ حَقَائِقِهِ إلَّا المَاهِرُ مِنْ عُلَمَاءِ الفَرِيقَيْنِ - أيْ: الحَنَفِيَّةِ والشَّافِعِيَّةِ - وَلا يَسْتَأْهِلُ للاطِّلاعِ عَلَى دَقَائِقهِ إلَّا البَارعُ فِي أُصُولِ المَذْهَبَينِ، مَعَ بِضَاعَةٍ فِي صِنَاعَةِ التَّوْجِيهِ _________ (١) ينظر: المقدمة ٥٠٩.

стр. 116

والتَّعْدِيلِ، وإحَاطَةِ بِقَوَانِينِ الاكْتِسَابِ وَالتَّحْصِيل، واللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَليُّ الإعَانَةِ والتَّأْيِيد، وَالمَلِيُّ بإِفَاضَةِ الإصابةِ والتَّسْدِيدِ، وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الوَكِيلُ" (١). وكتب ابن السبكيِّ (٧٧١ هـ) مصنَّفًا في عِلْم الأُصُول أسماهُ: "جَمْعَ الجَوَامِعِ" وقال: إنَّه أخَذَه من زُهَاءِ مِائةٍ مصنَّف. وسيأتي الكلامُ عَلَيْه بِشيْءٍ من البَسْط في الحديث على آثار المصنِّف ﵀. ثم جاءَ الكَمَال بن الهُمَام (٨٦١ هـ) صاحبُ "التَّحْرِير"، قال في طليعة كتابه: "فإنِّي لَما أَنْ صَرَفْتُ طَائِفَةً مِنَ العُمُرِ لِلنَّظَرِ فِي طَرِيقَي الحَنَفِيَّةِ والشافِعِيَّة في الأُصُولِ خَطَر لي أَنْ أكتُبَ كِتابًا مُفْصِحًا عَنِ الاصْطِلاحَيْنِ بِحَيْثُ يَطِيرُ مَنْ أَتْقَنَهُ إلَيْهِمَا بِجَنَاحَيْنِ؛ إذْ كَانَ مَنْ عَلِمْتُهُ أَفاضَ فِي هذَا المَقْصِدِ لَمْ يُوَضحْهُمَا حَقَّ الإيضَاحِ، وَلَمْ يُنَادِ مُرْتَادَهُمَا بَيَانَهُ إلَيْهِمَا بـ "حَيَّ عَلَى الفَلاح"، فَشَرَعْتُ فِي هذا الغَرَضِ ضَامًّا إلَيْهِ مَا يَنْقَدِحُ لِي مِنْ بَحْثٍ وَتَحْرِيرٍ، فَظَهَرَ لِي بَعْدَ قَلِيلٍ أنَّهُ سِفْرٌ كَبِيرٌ، وعَرَفْتُ مِنْ أَهْلِ العَصْرِ انْصِرَافَ هِمَمِهِمْ فِي غَيْرِ الفِقْهِ إِلَى المُخْتَصَرَاتِ، وَإِعْرَاضَهُمْ عَنِ الكُتُبِ المُطَوَّلاتِ، فَعَدَلْتُ إلَى مُخْتَصَرٍ … ". ثمَّ جاء بعد ذلك العلَّامة محبُّ الدِّين عَبْدُ الشَّكُورِ الهِنْدِيُّ (١١١٩ هـ) صاحبُ "مُسَلَّم الثُّبوت"، وهو في نَظَرِنا من أدقِّ ما كَتَب المتأخِّرون، حَيْثُ نصَّ في مقدِّمته أنَّه حَاوٍ طريقَتَي الحَنَفيَّة والشَّافِعِيَّة. ولله الحمدُ والمِنَّةُ. رَابِعًا: حَوْلَ قَضِيَّةِ التَّجْدِيدِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ: مِنَ المَبَاحِثِ المهمَّةِ الَّتي تَطْرَح نَفْسَها بِشَكْلٍ حثيثٍ وفَعَّالٍ على ساحة أصولِ الفِقْه - قضية تجديد هذا الفنِّ الراسخ من فنون الشَّريعة الإسْلامية. ولقد خاضَ العلماءُ في هذه القضيَّة كثيرًا، وتَبايَنَتِ اتِّجاهاتهم ورُؤَاهم، وراح كلُّ فريقٍ يدْلِي بدَلْوِه، ويعبِّر عن رأْيِه وفكْرَتِه حَوْلَ قضيَّة تجديد أصول الفِقْهِ. ونَحْنُ في هذا المَبْحَث سَنَتعرَّض لهذه القَضِيَّة، ونُمِيطُ اللِّثَام عَن كثيرٍ من الاتِّجاهاتِ سواءٌ أكانَتْ على صوابٍ أم خطإٍ، أو سلكَتْ طريق الهُدَى أو الضَّلالِ، ولعل ذلك يكونُ بذْرةً ونواة لأبحاثٍ ودراساتٍ أعْمَقَ وأشْمَلَ؛ لكي نصلَ جميعًا إلَى ما يخدم تراثَنَا _________ (١) ينظر: التلويح على التوضيح ١/ ٣.

стр. 117

الإسلاميَّ بصفةٍ عامَّة، وأصولِ الفِقْهِ بصفةٍ خاصَّةٍ. إن المتَتبِّع لهذه القضيَّة قديمًا وحديثًا يُدْرِك - بلا عَنَاء - أن لهذه القضية أصولًا تَضْرِب بجذورها إلى أوائل هذا القرن الحالي، وكان حَامِلُ لواء هذه الدَّعْوَةِ مدرسة القَضاء الشرعيِّ ودارِ العُلُوم. كما أن متتبِّع هذه القضية يُدْرِك أنَّها اتَّخذت صورًا متعدِّدة، فالبَعْض دعا إلى التَّجْدِيد من ناحيةِ الشَّكْل، والبعضُ دعا إلى تجديد المضمون وذلك بإضافةِ أشياء جديدةٍ بتغيير الهَيْكَل … إلى آخر هذه القضايا والأبحاث الَّتي تَدْعو إلى تَعْميق البَحْث، وتَوْسِيع المَجَالِ والاسْتِخدام. لَقَدْ ظَهَرت الدَّعْوَةُ إلى تَجْديد العُلُوم بصفة عامَّةٍ منذ زَمَن بعيدٍ على يَدِ رِفَاعة الطَّهطاويِّ الذي دعا إلى التجْدِيد والاجتهاد، ونبذ التَّقْلِيد والاتِّباع، وكان ذلك واضِحًا بصُورةٍ ملحوظةٍ في مقالاته وكتبه، وبخاصَّةً كتابُه: "القولُ السَّدِيد في التَّجْدِيدِ والتَّقْلِيد" وقدِ ارتبطتْ لفظة "التَّجْدِيد" بكثيرٍ من الملابسات والشُّكوك، لا سيما وقد ارتبطَتْ هذه الدَّعوة بمحاولات بعْضِ المستغربين العَرَب طَمْسِ هُوِيَّتنا الإسلاميَّة، وتغْيِير معالِمِ حضارَتِنا العربية. ولا نعدو الحقيقة، إذا قُلْنا: إنَّ هذا اللَّوْن من التَّجديد مرفوضٌ أو كما يقول د. يوسف القرضاويّ: "إنه تبْدِيدٌ لا تَجْدِيد" (١). وسنَعْرِض الآن لِبَعْضِ الاتِّجاهاتِ والرُّؤَى الَّتي أبْرَرتْ دعاواها في قضيَّة "تجديد الأصول" وذلك بشَىْء مِنَ الإيجاز. أولًا: اتِّجاهٌ يَدْعُو إلى التَّجْديد من ناحِيَةِ الشَّكْل أيْ تجديد الأسْلُوب بطريقةٍ فيها شَيْءٌ من البساطة مع تَجْدِيد طريقةِ العَرْض، ليلْقَى أُصُولُ الفِقه قَبُولًا حَسَنًا لَدَى مُتَلَقِّيه. وعلى رأْسِ هذا الاتِّجاه الشَّيخُ محمَّد الخضريُّ حيثُ ألْمَح في آخر كتابِهِ "تاريخ التَّشْرِيعِ الإسْلاميِّ" إلى أن التَّدريسَ بطريق المتون والحواشي لا يُجْدِي شيئًا، ويجعل الفَرْق بين التلْمِيذ والمُدرِّس هو كثرة الفُرُوع أو قِلَّتَها" يقول: "أما عِنْدَنا فإنَّ المبتدئَ والمنتهى (٢) لا فرق بينهما إلا كثرةُ المسائِلِ وقلَّتُها" (٣). _________ (١) انظر: كتاب بينات الحل الإسلامي د. يوسف القرضاوي. (٢) أي: في المسائل الفقهية. (٣) ينظر: تاريخ التشريع الإسلامي ص ٢٥٤.

стр. 118

ولقد تكلَّم الدكتور محمَّد عبد اللَّطيف فرفور حَوْل هذا الاتِّجاه بِقَوْله: "إنَّ التَّجْدِيدَ في الكِتابَةِ المُعاصِرَةِ في هذا الفَنِّ، ألا وهُو أُصُول الفِقْه، ينبغي أن يكونَ في التَّحْقِيق العلميِّ للمَسَائِلِ وعرْضِ القضايا الأصوليَّة عَرْضًا موضوعيًّا مُبَسَّطًا قريبَ المأْخَذ … " (١). ثانيًا: اتِّجاهٌ خاضَ في مسألةِ التَّجْدِيد من زاوية حجيَّة السُّنَّة، والتَّشْكِيك فيها، وعلى رَأْسِه الشَّيخُ عبد الجليل عيسى وبخاصَّة في كتابه "اجْتِهاد الرَّسُول"، ود. عبد المنعم النّمر في كتابه "السُّنَّة والتَّشْرِيع". ثالثًا: اتِّجاه خَاضَ في هذه المسأَلة عن طريق التَّشْكِيك في ثبوت السُّنَّة نَفْسِها، وممَّن خاض في هذه المسأَلة محمود أبو ريَّة في كتابه "أَضْواء على السُّنَّة المُحَمَّدية". رابعًا: اتِّجاة دعا إلى التَّجْدِيد، ولكنْ من زاويةٍ أُخْرى، هي تجديد هَيْكَلِ أصُولِ الفِقْه، أو صياغَةِ هَيْكَلِه من جديد. وممَّن حَمَل لِواءَ هذا اللَّوْن من التجديد د. حسن التُّرابي، وجمال الدين عطيَّة وغيرهما. وفلسفةُ هذا الاتِّجاه تتلخَّص في أن "عِلْمَ الأصولِ التقليديَّ" الذي نلتمس فيه الهداية لَمْ يَعُدْ مناسبًا للوفاء بحاجَتِنا المُعَاصِرة حقَّ الوفاء؛ لأنَّه مطبوعٌ بأثَر الظُّروفِ التَّاريخيَّةِ الَّتِي نَشَأَ فيها، بل بطبيعة القضايا الفِقْهِيَّة الَّتِي كان يتوجَّه إليها البَحْثُ الفقهيُّ … " (٢). ويَنْطَلِقُ هذا الاتِّجاه أيْضًا محاولًا إيجاد تقْسِيماتٍ جديدةٍ وتفريعات لم تُطْرَقْ من ذي قَبْلُ؛ ليتيح ذلك للفقيه التوسُّع التَّفْريع في القضيَّةِ أو المَسْأَلَةِ الَّيي يَبْحَثُها ممَّا يَخْدُم أخيرًا صَرْحَ الفِقْهِ الإسْلاميِّ. كذلك، فإنَّ هذا الاتِّجاه يُحاوِلُ الرَّبْطَ الوثيقَ بَيْن علم أصولِ الفِقْه والعلوم الأخْرى؛ حيث يَدْعُو إلى الاسْتِفَادَةِ مِنْ مناهج العُلُوم الاجتماعيَّة والإنسانيَّةِ والدراساتِ اللُّغَوية الجديدة كعِلْم الدَّلالة (السِّمَانْتِيك) - أي: استخدام كُلِّ هذه المَنَاهِج كأدواتٍ لِتَوْسِيعِ دَائِرَةِ أصُول الفِقْه. خامسًا: وهناك اتجاة آخَرُ خاضَ في مسْأَلة التَّجْدِيد، ولكِنْ بمفْهُومٍ مغايرِ ومختلفٍ، ويُمْكِنُ أن نُطْلِق عَلَيْه اسْمَ اتِّجاه التَّبْدِيل والتَّغْيِير، أو اتِّجاهِ التَّبْدِيدِ لا التَّجْدِيد؛ لأنَّ ذلك _________ (١) الوجيز د. محمد عبد اللطيف ص ٨. (٢) ينظر: تجديد أصول الفقه الإسلامي د. حسن الترابي ص ١٣.

стр. 119

الاتِّجاه يَدْعُو إلى التحرُّر من النُّصُوصِ والانْسِلاخِ مِنَ المَدْلُولاتِ الَّتي تَعَارَفَ عَلَيْهَا النَّاسُ على أساسِ اللُّغة، وذلك في سَبِيل الوُصُول لإخْراج النُّصُوص الإسَلاميَّه عَنْ كلِّ مَعْنىً مألوفٍ، ورَذَ كلِّ مَعْنىً لغويٍّ شائعٍ لا يعرفه أصولُ الفِقْه، ويُمثِّل هذا الاتِّجاه سعيدٌ العشماويُّ، وحُسَيْن أحمد أمين، وحَسَن حَنَفِيّ. وهذا الاتجاه مرفوضٌ - بلا شكّ - لمخالفته ما تعارَفَ عليه المُسْلِمُون في دِينهم، ولتَفْرِيقه بَيْن السُّنَّة والشَّرِيعة، ومحاوَلَة الانْسِلاخ من التُّراث الإسلامي. وبعد هذا العَرْض المُوجَز والسَّريع لِبَعْض الاتِّجاهاتِ البَارزة الَّتي دعَتْ لتجديد أصول الفِقْه، وعَرْضِ أفكار كلِّ اتجاهٍ وفَلْسَفَتِه وبَعْض قادته الَّذين انْدَرَجُوا تَحْتَه - نتعرَّض إلى التَّجْديد الحقيقي الَّذي يَنْشُدُه الإسلام ويَدْعُو إلَيْه، بل يرَى الإسْلام أن مثل هذا التَّجديد البَنَّاء واجبٌ ومطلوبٌ؛ لكي يظل صَرْح التُّراثِ الإسلاميِّ شامخًا أبد الدَّهْر، إنَّ الإسلام في كثير من نصوصِهِ يَحْرِص على التَّجْدِيد بَلْ يَدْعُو إليه، رُوِيَ عن أبي هُرَيْرة عن ﷺ أنَّه قال: "إن الله يَبْعَثُ لِهذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دينَهَا" (١). ويَدْعُو إلى تَجْدِيدِ الإيمانِ، رُوِيَ عن عَبْد الله بْنِ عَمْرٍو أن النبيّ ﷺ قال: "إنَّ الإيمانَ لَيَخْلَقُ فِي جَوْفِ أحَدِكُمْ، كَمَا يَخْلَقُ الثَّوْبُ الخَلِق، فَاسْألوا الله أَنْ يُجَدِّدَ الإِيمانَ في قُلُوبِكُمْ" (٢) فما دام الشارعُ الحَكِيمُ قد حَضَّ عَلَى تَجْدِيد الإيمَانِ، وتَجْدِيد الدِّين نَفْسِه، فلا حَرَج عَلَيْنا من تَجْدِيد أُصُول الفِقْه. بِمَا يَرْتَفِع وشَأْنَ هذا العِلْم العَرِيق. ومن ناحيةٍ أخرى فإن علومَ الفِقْه، وعِلْمَ الكَلام، وعِلْمَ التَّصوُّف قابلةٌ للتَّجْدِيد، ومحتاجةٌ إلَيْه، فَلِمَ لا يَدْخُل عِلْمُ أصولِ الفِقْه في إطارِ هذِه الدَّائرة، ويكونُ قابلًا للتَّجديد والتَّطْوِير؟. ويدْعو د. يوسفُ القرضاويُّ إلى التَجْديد في عِلْم أُصُول الفِقْه، ويَلْفِتُ نَظَرنا إلَى أن أهمَّ جوانبِ التَّجْديدِ المَنْشُودِ في الفِقْه هو إحياءُ "الاجْتِهَادِ" (٣) بَعْدما شَاعَ في وَقْتٍ ما أن باب الاجتهاد أُغلِق، وهذا الاجتهادُ الذي يَدْعُو إليه د. يوسُفُ القَرَضَاوِيُّ هو اجْتِهادٌ قويٌّ _________ (١) أخرجه أبو داود (٢/ ٥١٢) كتاب الملاحم: باب ما يذكر في قرن المائة حديث (٤٢٩١) والحاكم (٤/ ٥٢٢) من حديث أبي هريرة. قال المناوي في "فيض القدير" (٢/ ٢٨٢) قال الزين العراقي: وسنده صحيح. (٢) أخرجه الحاكم (١/ ٤) من حديث عبد الله بن عمرو وقال: هذا حديث لم يخرج في الصحيحين ورواته ثقات وذكره الهيثمي في المجمع (١/ ٥٧) وقال: رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن. (٣) ينظر: الفقه الإسلامي بين الأصالة والتجديد د. يوسف القرضاوي.

стр. 120

يعتمد على أصُول الإسْلام، ولا يُغْفِلُ حاجاتِ العَصْر، ومتطلّبات الحياةِ المتجدِّدة مِنْ حَوْلِنا. يقول د. يوسُف القرضاويُّ: " … يتَّضِح أن للاجتهادِ في أصول الفِقْه مجالًا رَحْبًا، هو مجالُ التَّمْحِيص والتَّحْرير والتَّرْجِيح فِيما تَنَازَعَ فيه الأصوليُّون مِنْ قضايا جمَّةٍ … " (١). خُلاصَةُ القَوْل في هذِه القضيَّة أن الطريقَ الَّذي نَرْتَضِيه لتجْديد أصُولِ الفِقْه يَكْمُن في نَقْل كُتُب الأقْدَمِين وصيَاغَتها بأُسْلُوبٍ مبسَّط يُسهِّلها على المتعلِّمين، واستخدامِ أسلوبِ التَّحْقِيق الدَّقِيق والتَّنقِيح لِتَحْرِيرِ مذاهِبِ العُلَمَاء فِي المَسَائِل الأصوليَّة، وبيانِ الرَّاجِح والمَرْجُوح فيها، مثلما فعل د. أنيس عُبَادة، ود. محمد أبو النُّور زُهَيْر، وعبْدُ الوهابِ فايد، وأحْمَدُ سلامة، وأحمدُ دَرْوِيش، وعبدُ الوهَّاب خلاف، وزكيُّ الدين شعبان، والدكتور الخضراويّ، والدكتور الحسينيُّ يوسف الشيخ، وغيرهم في كتبهم. كذلك نرى أن مِنْ جوانِبِ التَّجْدِيد إحياء باب الاجتهاد بضوابطه الشرعيَّة (٢). ومحاولة الاستفادةِ من العُلُوم الإنسانيَّة الأخرى كعِلْم الاجتماع، وعِلْم اللُّغة. _________ (١) ينظر: فتاوى معاصرة الجزء الثاني ص ١٤٦. (٢) اعلم أن الاجتهاد يدور على معرفة الأدلة السمعية ووجوه دلالتها، وطرق الترجيح عند تعارضها؛ ومعرفة الأدلة السمعية تتحقَّق بمعرفة الكتاب والسُّنة والأحكام المشتركة بينهما كالعلم بالناسخ والمنسوخ، والأحكام الخاصة بالكتاب؛ كالعلم بوجوه القراءات، والأحكام الخاصة بالسنة كالعلم بأصول الحديث، وأحوال الرواة، ومعرفة وجوه الدلالات، فتتحقق بالفرق بين المنطوق والمفهوم، والمجمل والمبين والنص والظاهر، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والحقيقة والمجاز، والمحكم والمتشابه، والصريح والكناية، وعلم البيان، فمن شروط الاجتهاد العلم باللغة والنحو والمعاني والبيان … إلخ .. كما هو مدوّن في كتب الأصول.

стр. 121

أصُول الفِقْهِ وَالعُلُومِ الأخْرَى النسبة بين الأصول والعُلُوم الأُخْرى التباين، أما النِّسبة بين الأصول والفقه، فمما لا شكَّ فيه أن النِّسْبَة بينهما وثيقةٌ جدًّا، والصِّلَة بينهما تكادُ تكون متطابقةً، أو كما قيل: عِلْمُ أُصُولِ الفِقْهِ بمجرَّده كالمَيْلَق الذي يُخْتَبَر به جَيِّد الذَّهَب من رَدِيئهِ، والفِقْهُ كالذَّهَب. وعلى هذا؛ فالفقيهُ الَّذي لا أُصُولَ عِنْده كَمَنْ يَكْسِب المال، ولا يَدْرِي مِنْ أين اكْتَسَبه؟ ولا يَدْرِي كَيْف يَدَّخِره، أو يُنْفِقُه؟. كما أنَّ الأصوليَّ الَّذي لا حَظَّ له من الفِقْه، كَمَنْ يَمْتَلِك مَيْلَقًا ولا ذَهَبَ عِنْدَه، فهو لا يَجِدُ ما يَخْتَبِرُه على مَيْلَقِه. خلاصةُ القَوْل: إنَّ الأصولَ والفِقْه صَدِيقَانِ مُقْتَرِنان دائمًا لا يُفَارِق أحدُهُما صاحِبَه طَرْفَةَ عَيْنٍ بَلْ إن اقترانهما أمْرٌ ضروريٌّ لاستنباط الأحْكَام والقَوَاعِد على وَجْهها الصَّحيح. فإذن العلاقة بَيْن الأصولِ والفروعِ واضحةٌ جليَّةٌ لا تخفى على ذِي نَظَير ثاقبٍ متمرسٍ على أحكام الشَّريعةِ الإسلاميةِ، فما مِنْ قَاعِدَةٍ من قواعدِ الشَّرِيعةِ الإسْلاميَّة إلَّا وينْدَرجُ تَحْتَها أحكامٌ وفُروعٌ كثيرةٌ. ومن خلال هذا الإطَارِ سَلَكَ الشَّافعيُّ طريقَهُ في تأْليف "الرِّسَالة"، وغيرها من كتبه من عِلْم الأُصُول - لوضع المناهج التي سلكها لاستنباط الفُروع من خلال القَوَاعد. قال الشَّافعيُّ: "ولَيْسَ لأَحَدٍ أنْ يَخْرُج مِنْ معنى كتَابِ اللهِ ثم سُنَّة رَسُولِ الله ﷺ ، ولا مِنْ وَاحدِ مِنْهُما في أصْلٍ ولا فَرْعٍ، وإنَّما فرَّقْنا بين العَالِمِينَ والجَاهِلِينَ

стр. 122

بأنَّ العالِمِينَ عَلِمُوا الأصول، فكان عَلَيْهم أنْ يُتْبِعُوها الفُرُوع، فإذا زيَّلُوا بَيْن الفُرُوع والأُصُول، فأَخْرَجُوا الفُرُوع مِنْ معاني الأصُول، كانوا كمن قال بلا عِلْمٍ، أو أقل عذرًا مِنْه؛ لأنَّهم تركوا ما يلزمهُم بعد عِلْمٍ به، والله يَغْفِرُ لنَا وَلَكُمْ معًا" (١)، ولعلَّ المتتبع للدِّراساتِ والمناهجِ الأُصُوليَّة وتاريخها مُنْذُ ظهورِهَا حتَّى المراحِلِ الَّتِي مرَّتْ بها - يُدْرِك بلا مِرْيَةٍ أن أصُولَ الفِقْه أصبح فَنًّا مستقلًّا قائمًا بذاته، له مبادئه وقواعِدُه الخاصَّةُ به. فإن كان الشافعيُّ ﵀ قد وضَع اللَّبنة الأولَى لهذا العِلْم، فإنَّ مَنْ جاءُوا بعْده أكْمَلُوا هذا الصَّرْح الشَّامِخَ بما أضَافُوه إليه وحتَّى أصْبَح على أيْدِيهِم فنًّا مسْتَقِلًّا ذَا عُنْوانٍ خاصٍّ وملامِحَ خاصَّةٍ، ويتَّضِح هذا جَلِيًّا عِنْد الكلامِ على طرق التَّأَلِيف في هذا الفنِّ. اسْتِمْدَادُهُ: قال الآمِديُّ: "أمَّا ما مِنْه استمدادُهُ فعِلْمُ الكَلامِ، والعَرَبِية، والأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّة. أولًا: عِلْم الكَلام: وهوَ علْمٌ يُقْتَدَر معَه على إثباتِ العقائِدِ الدِّينيَّة؛ بإيراد الحُجَجِ عَلَيْها، ودَفْع الشُّبَه عنها. والمرادُ بالعِلْم؛ إما التَّصدِيقُ مطلقًا، سواءٌ كان مطابِقًا للواقِع أمْ لا، ليتناول إدراكَ المُخْطئ في العَقَائِد ودَلائِلِها، لأنَّه مِنْ عِلْم الكلام على ما صرَّح به عَضُدُ الدِّينِ الإيجي في "المَوَاقِف" وإمَّا مَلَكَةُ الاسْتِحْضَار، أي: التَّهَيُّؤُ التَّامُّ الناشئُ عن استحضار المَسَائل المُدَلَّلة، ونبَّه بصيغة "الاقْتِدَار" على القدرة التامَّة، وبـ "المعيَّة" على المصاحَبَة الدَّائمة، فَيَنْطَبِق التَّعْريف على العِلْم بجميع القَوَاعِد معَ ما يتوقَّف علَيْه إثباتُها من الأدلَّة وردِّ الشُّبَه؛ لأن هذه القُدْرَة على هذا الإثْبات إنَّما تصاحِب دائمًا، هذا انعِلْم دون عِلْم المَنْطِقِ وعِلْمِ الجَدَلِ والنَّحْوِ، واتِّصَالُ عِلْمِ الأصولِ به اتصال اسْتِمْدَادٍ؛ لأن غير الكتاب من الأدلَّة الشرعيَّة مستنِدٌ إليه في الحُجِّيَّة، وحُجِّيَّتُهُ مَوْقُوفةٌ على معرفة الباري، ليَعْلَمَ وجوه امْتِثَالِ ما كُلِّف به بِخِطَابِ مفترض الطَّاعَة، وهي معرفةُ حدوثِ العالَمِ عِنْدنا؛ لأنَّ حُجِّيَّة الكتاب موقوفةٌ على صدْق الرَّسُول المبلِّغ، وهو على دلالةِ المعجزةِ المَقْصُودِ بها إظهارُ صِدْقِ من ادَّعى أنَّه رسولٌ والموقوفة على شيئيْنِ. _________ (١) ينظر: الأم ٦/ ١٨٨.

стр. 123

أحدهما: امتناع تأثيرِ غَيْر قُدْرةِ الله - تعالى - لتتعذَّر المعارَضَة، وهو موقوفٌ على بَيَانِ أن جميعَ الأَفْعَال مَخْلوقةٌ للهِ . ثانيهما: اللُّغَةُ العَرَبِيَّةُ: والعلومُ العربيَّةُ مشتملةٌ على النَّحْوِ والصَّرْفِ والأَدَبِ، فالنَّحْوُ: عِلمٌ بأُصُولٍ تُعْرَفُ بها أحوالُ الكلماتِ العربيَّة إعرابًا وبناءً، وفائدتُهُ: صوْنُ اللِّسَانِ عن الخطإ في الكَلام والاِسْتِعانةُ به على فهْم كلامِ الله وِرَسُولِهِ. والصَّرْفُ: هو العِلْمُ بِأحْكَامِ بنْيَةِ الكلمةِ بِمَا لِحُرُوفها من أصالةٍ وزيادةٍ وصحَّةٍ وإعْلالٍ وغَيْرِ ذلك، ويُطْلَق أيضًا على تَحوِيل الكلمةِ إلى أبْنِيَةٍ مختلِفَةِ الضروب من المَعَاني، كالتَّصْغير، والتَّكثِير، واسْمِ الفَاعِل، واسْمِ المَفْعُول، ويُطْلَق أيضًا على تغْيِيرِ الكَلِمَةِ لِغَيْرِ معنىً طَرَأَ عَلَيْها، ولكنْ لغَرَضٍ آخرَ، ويَنْحَصِرُ في الزِّيادة، والحَذْف، والإبْدال، والنَّقْل، والإدْغام. وعِلْمُ الأَدَب: هو عِلْمُ نَظْمِ الكَلام، ومَعْرِفة مراتبه على مقتضى الحَالِ، واتِّصَالُ عِلْمِ الأصول بِعِلْمِ العربية اتِّصالُ استمدادٍ، ففهم الكتاب والسُّنَّة وهما عربيَّان متوقَفان على مَعْرِفة اللُّغة العَربيَّة، فمعرفةُ الدَّلالات اللَّفظيَّة من الكتابِ والسُّنَّةِ متوقَفَةٌ على مَعْرِفة مَوْضُوعها لغةً؛ من جهة الحقيقة، والمجاز، والعُمُوم والخُصُوص، والإضْمَار والحَذْف، والاِشْتِرَاك، والإِطْلاق، والتفْسِير، والمَنْطُوق، والمَفْهُوم، وغير ذلك من المَبَاحِث الأُصُوليَّة الَّتِي لا يَسْتَطِيع أَنْ يقِفَ على حقيقتها إلَّا مَنْ تَمَرَّسَ في عِلْم اللُّغَة نَحْوًا وَصَرْفًا. قال الزركشيُّ في "البَحْر المحيط" (١) بعد حكاية العُلُوم الثَّلاثَة: عِلْمُ النَّحْو والصَّرْف والأَدَب -: وإنَّمَا يكونُ هذا مادَّةً لِبَعْضِ أنواعٍ الأُصُول، وهو الخطابُ دُونَ مَسَائِل الأَخْبَار، والإجْماع، والنَّسْخ، والقِياسِ، وهِيَ معْظم الأُصُول، ثم إن المادَّة فيه ليْسَتْ على نظير المادَّة من الكَلام، فإنَّ العِلْم بها مادَّةٌ لِفَهْم الأدلَّة، فعُلماءُ الأُصُول أخَذُوا القاعدة اللُّغويَّة من علماء اللُّغة، وبَرْهَنُوا على صحَّتها، وعَدُّوها مِنْ جُمْلَة مباحث عِلْم الأُصُول، وأضافُوا عَلَيْها مباحثَ أوْسَع دائرةً من المباحث اللُّغويةِ التي عِنْد أهْل اللُّغَة، فمِنْ أمْثلَةِ ذلك الصِّيَغُ والدَّلالات، فمثلًا "كُل"، و"مَنْ" و"أيٌّ" والجَمْع، إذا كان مُضافًا أو مُحَلًّى بـ "ألْ" والجَمْعُ إذا لَمْ يَكُنْ مضافًا، ولم يَدْخُل عَلَيْه "ألْ" والنكرةُ في سياق النَّفْي، والشَّرْطِ والإثْبَاتِ - كلُّ _________ (١) ينظر: ١/ ٢٩.

стр. 124

ذلك يُفِيد العُمُومَ، وهو مستفادٌ من مباحث اللُّغَة، ودلالةُ صيغة "افْعَلْ" تفيد الوُجُوب، "ولا تَفْعَلْ" على النهي، وغير ذلك من المباحث الَّتي تَعَرَّض لها الأصوليُّون، ولها أساس في عِلْم اللُّغَة. ثالثًا: الأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ: أي: تصوُّرُها، لأنَّ إثْباتها ونَفْيها للأحكام المقْصُودين فيها نحو: الأمرُ موجِبٌ، والنهْيُ لَيْسَ بِمُوجِبٍ، وللأفعال في الفروع نحو: الْوِترُ (١) واجبٌ، والنَّفْلُ ليس بواجِبٍ، وكذا إثْبات شيءٍ لها، أو نَفْيُه عنها نحو: وجوب الشيء يقتضي حُرْمَة ضِدِّه، أوْ لا يَقْتَضِها لا يمكن بدون تصوُّرها. شُبْهةٌ وَرَدٌّ: فإنْ قيل: هلْ أُصُول الفِقْه إلَّا نُبَذٌ جُمِعَتْ مِن عُلُومٍ متفرَّقة؛ نبذة من النحو، كالكَلامِ على معاني الحُرُوف الَّتِي يَحْتَاج الفَقِيهُ إلَيْها، والكلامِ في الاستثناء، وعَوْدِ الضَّمير للبَعْض، وعَطْفِ الخَاصِّ على العامِّ ونحوه. ونبذة من علم الكلام، كالكَلامِ على الحُسْن والقُبْح، وقدم الحُكْم، وإثبات النَّسْخ، وعلى الأفْعَالِ ونَحْوه، ونبذة من اللُّغة، كالكَلام في مَوْضُوع الأَمْرِ والنهْي، وصيغ العُمُوم، والمُجْمَل والمُبيَّن، والمُطْلَق والمُقَيَّد، ونبذة من عِلْمِ الحَدِيث؛ كالكلام في الأخبار، فالعارفُ بهذه العُلُوم لا يَحْتاج إلى أصُول الفِقْه في شَيءٍ منْ ذلك، وغَيْرُ العَارِف بها لا يُغْنِيه أصول الفِقْه في الإِحاطَةِ بها، فلم يَبْقَ من أصول الفِقْه إلا الكَلامُ في الإجْمَاع، والقِيَاسِ، والتعارُضِ، والاجْتِهَادِ، وبَعْضُ الكلام في الإجْماع مِنْ أصولِ الدِّين، وبعْضُ الكلام في القياس والتعارُضِ مما يَسْتَقِل به الفَقِيه، ففائدةُ أُصُول الفقه بالذات حينئذٍ قليلةٌ. فالجواب منْعُ ذلك، فإن الأصوليِّين دقَّقُوا النَّظَر في فهْم أشْيَاءَ منْ كلام العَربِ لَمْ يَصِلْ إليها النُّحاة ولا اللغويُّون، فإنَّ كلام العَرَبِ متَّسِعٌ، والنَّظر فيه متشعِّب، فكُتب اللُّغَة تَضْبط الألفاظَ، ومعانِيها الظَّاهِرَة، دون المعاني الدَّقِيقَةِ الَّتِي تحتاج إلى نَظَرِ الأصوليِّ باستقراء زائدٍ على استقراء اللغوي. مثاله: دَلالةُ صِيغَةِ "افْعَلْ" على الوجوب، و"لا تَفْعَلْ" على التحريم، وقد سبَقَ ذلك واضحًا في مبْحَث الاسْتِمْداد الثَّاني، وهو عِلْمُ العربية، ولو فتَّشْت في كتب اللُّغَة، والنَّحْو _________ (١) وهذا على مذهب الحنفية القائلين بوجوب الوتر.

стр. 125

لا تجدُ الدَّقَائِق الَّتِي تعرَّض لها الأصوليُّون قَبْل الحُكْم أو بعْدَه، والمُطلِع على كُتُب الأُصُول يجدُ العجَبَ العُجَابَ فهي زاخرةٌ بالأمثلةِ التي لا تُعَدُّ ولا تُحْصَى. فَائِدَةُ عِلْمِ أُصُولِ الفِقْهِ وغَايَتُهُ: لم توضع العُلُومُ عَبَثًا، بَلْ لكل علْمٍ غايةٌ، وغايةُ أُصُولِ الفِقْه، كما ذكر علماء الأصول في طَيِّ حجتهم كالآتي: قال الآمِدِيُّ: وأمَّا غاية علْم الأصُولِ، فالوصول إلى معِرفة الأحكام الشرعيَّة التي هي مَنَاطُ السعادة الدنيوية والأُخْرَويَّة. قال العلَّامة الشيخ محمد حَسَنين مخْلُوف: كان الغرضُ الأصليُّ من معرفة علْم الأُصُولِ هُوَ تَحْصِيلَ ملكة استنباطِ الأَحْكَام الفقهيَّة من أدلتها التفصيلية على وجه مُعْتَدٍّ به شَرْعًا. وقال العلَّامة الخضريُّ في "أصول الفِقْه": غايَتُه الوصُول إلى اسْتِنْباط الأحْكَام من الأدلَّة. وقال الشيخ زكي الدِّين شَعْبان: إنَّ الغاية من هذا العلم الوصولُ إلى أخْذ الأحْكام الشرعيَّة العمليَّة من أدلَّتها التفصيليَّة. فإذا تحقَّق عند مَنْ يدْرُسُ هذا العِلْم أهليَّةُ الاجتهاد؛ بأن تجمَّعَت له وسائِلُهُ وتوافَرَتْ فيه شروطُهُ من العِلْم بالقُرْآن وعُلُومِهِ، والسُّنَّة النبويَّة المطهَّرة رِوَاية ودِرَايةً، ووجُوه القياس، ومعرفة المقاصد العامَّة للشَّريعة، استطاع بواسطته استِنْبَاط الأحكام من النُّصوص الشرعيَّة، وأمكنه مَعْرِفَة الحُكْم الشرعيِّ فيما لا نصَّ فيه بالقياس على ما نص عَلَيْه، أو بإعْطَاء الحادثة الحُكْم المناسِبَ لها، والَّذِي تقتضيه المَصْلَحَةَ الشرعيَّة. فمن هنا يُعْلَمُ أن عِلْمَ أصُولِ الفِقْه خادمٌ للاجْتِهاد؛ إذ هو العِلْمُ الكفيلُ بالنظر في الأدلَّة من حَيْثُ تؤخَذُ مِنْها الأحكامُ الشرعيَّة، وبه تُعْرَف كيفيَّة اسْتِثْمار الأحْكَام من أدلَّتها. فأما إذا لم يَكُنْ عِنْد مَنْ يَدْرُس هذا العِلْمَ أهليَّة الاجتهاد، فإنَّه يستطيع الحصول على عِدَّة فوائد: منها: فهْمُ الأحْكَام الَّتي استَنْبَطَها المجتهدُون حقَّ فهْمِهَا، فعِلْمُ الأُصُول عُمْدَةٌ

стр. 126

لأصحابِ التخريج (١) الذين عُنُوا بتفريعِ الأحكام، وتخريج الوَقَائِعِ والحَوَادِثِ على أصُولِ إمامِهِمْ. ومنها في مَجَالِ المقارنَةِ بين المذاهب الفقهيَّة في الواقعة الواحدة. ترجيحُ أقْوى الآراء دليلًا وأوضَحِها نظرًا؛ لأنَّ المقارنة بيْن المذاهب المختلفة، إنما تكون بالوقوف على الأدلَّة التي استَنَدُوا إلَيْها في تَقْرِير الأحكام الشرعئة المختلفة، ثم الموازنة بَيْن تِلْك الأدلَّة، وترجيح الأقْوى مِنْها، ولا يُتوصَّل إلى ذلِك إلا بمعرفة القواعد الأصوليَّة. ولقد صوَّر لنا العلَّامة الإسنَوِيُّ في "تمهيده" فضْلَه، فقال: فإن أصول الفقه عِلْمٌ عَظُم نَفْعُه وقدْرُه، وعلا شَرَفُه وفَخْرُه؛ إذْ هو مَثَارُ الأحكام الشرعيَّة، ومنار الفتاوى الفرعيَّة التي بها صلاحُ المكلَّفين مَعاشًا ومَعادًا، ثم إنَّه العُمْدة في الاجتهاد، وأهم ما يتوقف عَلَيْه من الموادِّ، كما نصَّ عليه الأئمَّةُ الفُضَلاء (٢). وقال الغزاليُّ في "المُسْتَصْفَى": خَيْرُ العِلْم ما ازْدَوَجَ فيه العَقْلُ والسَّمْع، واصطَحَبَ فيه الرأْي والشَّرْع علمُ الفِقْهِ، وأصولُ الفِقْهِ من هذا القَبيل، فانَّه يأخُذُ مِنْ صفْوِ العقْلِ والشَّرْعِ سَوَاءَ السَّبِيل، فلا هُوَ تصرُّفٌ بمَحْضِ العُقُولِ، بحيث لا يتلقَاه الشَّرعُ بالقَبُول، ولا هو مبنيٌّ على التقليد الذي لا يشهَد له العَقْلُ بالتأييد والتَّسْديد، ولأجْل شَرَف عِلْم أُصُول الفِقْه، ورِفْعَتهِ، وفَّر الله دواعي الخَلْقِ على طَلبته، وكان العلماءُ به أرْفَعَ مكانًا وأجَلَّهم شَأنًا، وأكثَرَهُم أَتْباعًا وأعوانًا. وقال إمام الحرَمَيْن في "المَدَارِك" (٣): والوجْهُ لكلِّ مُتَصَدٍّ للإقْلال بأعْباء الشريعة أن يجعل الإحاطَة بالأُصُول شَوْقَهُ الآكدَ، ويَنُصَّ مسائل الفقه عليها نصَّ مَنْ يحاول بإيرادها تهْذيبَ الأصولِ، ولا ينْزِفُ جمام الذِّهن في وضع الوقائع مع العِلْم بأنَّها لا تنحَصِر مع الذُّهول عن الأُصُول. هذا، وبعد الانكفاف عن ذكر فوائد أصول الفقه وغايته والاستشهاد بقول العلماء لذلك ودحض الشبهة المفتراة عليه نلج من ذلك إلى الحديث عن مباحث دقيقةٍ هي أسس _________ (١) كالمزني والربيع، وابن القاص من الشافعية، وابن الحكم من المالكية، وأبي يوسف، ومحمد بن الحنفية. (٢) التمهيد ص ٤٣. (٣) ينظر: البحر المحيط ١/ ١٢.

стр. 127

أصول الفقه ولا يتأتى البناء إلا بنشر الأساس فعلى الأساس قواعد البنيان. وهذه المباحث هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس فعلى قطبها يدور رحى أصول الفقه لذا انمازت عن باقي المباحث بذكرها وتفصيل القول فيها بما لا غنية عنه لمن يلج بحر أصول الفقه العجاج. وقد أفردنا النسخ بذكرٍ لأهميته وكثرة الشَغْبِ حوله ففصلنا القول فيه واصطفينا من أقوال العلماء وزبدهم ما استبان لنا صوابه فهاكه يسرًا لينًا سهلًا. الكِتَابُ وبه يستفتح لأنه المصدر الأول للتشريع إذْ لا خلاف عليه ألبتة بين أهل المذاهب جميعًا. وقد سطرنا نبذًا عن ماهيته ومعناه اصطلاحًا وحجيته ولم نطل الكلام في هذا المبحث لأنه لم يختلف عليه أحد من أهل الملة ولأنه مشهورٌ منشورٌ بين الناس. فاكتفينا بالتلميح عن التصريح وبالبعض عن الكل ورُبَّ إشارة أبلغ من عبارة. مَاهِيَّتُهُ: وهو في اللُّغَةِ (١) اسمٌ للمكتوب إلَّا أنَّهُ غلَبَ في عُرْفِ الشَّرْع على كتاب الله - المكتوبِ في المصَاحِفِ، والقرآنُ مصدرٌ مرادفٌ للقراءة، ومنه قولُه تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [سورة القيامة: الآية ١٧ - ١٨] ثم نُقِلَ من هذا المعنى المصدريِّ، وجُعِلَ اسمًا للكلامِ المُعْجِز المنزَّل على النبيِّ ﷺ من باب إطلاق المَصْدَر على مَفْعُوله (٢). واصْطِلاحًا (٣): يُطْلَق القرآنُ عِنْد علماء الأُصُولِ والفُقَهَاء والعربيَّة على اللَّفْظ المنزَّل على محمد ﷺ _________ (١) لسان العرب ٥/ ٣٨١٦، ترتيب القاموس ٤/ ١١٠. (٢) لسان العرب ٥/ ٣٥٦٣، ترتيب القاموس ٣/ ٥٧٨، ابن ملك على المنار ٧، مناهل العرفان في علوم القرآن ١/ ٧. (٣) مناهل العرفان ١/ ٨ - ٩، ابن ملك على المنار ص ٨.

стр. 128

المتعبَّد بتلاوته، المُتَحدَّى بأقْصَرِ سُورةٍ مِنْه، المبدوء بسورةِ الفاتِحَةِ، المَخْتُوم بِسُورة النَّاسِ، الَّذِي صَح سَنَدُه، وثَبَتَ تواتُره، ووافَق العربيَّة. وذهب المحقِّقُون من أهْل العِلْمِ إلى أنَّ القرآنَ عَلَمُ شَحصٍ مدْلُولُه وعَلَمِيَّتُه باعتبار وضْعِه لِلَّفْظِ المخْصُوصِ الَّذِي يَخْتَلِفُ باخْتلافِ المتلفظين، وعلى هذا فما ذَكَره أهْل العِلْم مِنْ تَعْرِيف القُرْآن لَيْسَ تَعْرِيفًا حقيقيًّا؛ لأنَّ التعْرِيف الحقيقيَّ لا يكونُ إلا للأمُور الكلَيَّة، وإنَّما أرادُوا بِتَعْرِيفه تمَيُّزه عمَّا عَدَاه مِمَّا لا يُسمَّى باسْمِه كالتوراةِ والإنْجِيلِ، والأحادِيثِ القُدُسِيَّة، وقد أجمعَ المُسْلِمُونَ قَاطِبَةً على أنَّه المَقْرُوءُ في جميعِ الأقطارِ، المسموعُ بآذَانِنا، المحفوظُ في صُدُور الحافِظِينَ له، وأنَّه كلامُ الله - تعالى - وأنَّه لا يَأْتيه الباطلُ مِنْ بَيْن يَدَيْه، ولا مِنْ خَلْفه، تنزيلٌ من حَكِيمٍ حَمِيدٍ. حُجِّيَّتُهُ: لا خلافَ بَيْن عُلَماء المُسْلِمِين قاطبةً أن القرآن الكَرِيم هو المَصْدَر الأوَّل للتَّشْريع الإسلاميِّ، وهو كُلِّيَّةُ الشَّرِيعَةِ وعُمْدَتُها، فمريدُ الوُصُولِ إلى حقيقةِ الدِّين وأصولِ الشريعةِ يَجِبُ عَلَيْه أن يجعل القرآنَ بمَنْزلة القُطْب الذي تدُور عَلَيْه جميعُ الأَدِلَّة. والبُرْهانُ عَلَى أن القُرْآن حجَّة على النَّاس، وأنَّ أحكامه قانونٌ واجبٌ اتِّباعه أنه من عِنْد الله، وأنَّه نُقِل إلَيْهِم عن المَوْلَى بطريقٍ قطعيِّ الثبوت، لا ريْبَ فيه، وآيةُ دلك إعْجَازُه النَّاسَ على أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ، وقد استكملَ جميعَ عناصِرِ الإعْجَاز، فقد توافر فيه التحدِّي به، ووُجِدَ المقتضي لمَنْ تُحُدُّوا له أنْ يُعَارِضُوه، وانتفَى المَانِعُ لهم، ومع ذلك لم يَسْتَطِيعُوا. أما التحَدِّي فإن رسُولَ الله ﷺ لمَّا قال للنَّاس: إنِّي رسولُ الله إلَيْكُم، وبُرْهَانِي على أنِّي رسولُ الله هذا القُرْآنُ الذي أتْلُوه عَلَيْكُم، أُوحِيَ إليَّ من عند الله، أنْكَرُوا عَلَيْه دَعْوَاه، وبَطَشُوا به، فَقَال لَهُمْ: إنْ كُنْتُم فِي شَكٍّ، وتبادَرَ إلى عُقُولكم أنَّه مِنْ صُنْعِ البشرِ فَأْتُوا بِمِثْلِهِ فَعَجَزُوا وما استطاعوا، ثمَّ تَحَدَّاهُم أنْ يأتوا بعَشْر سُوَر من مثله، فما قدَرُوا قال تعالى ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [سورة هود: الآية ١٣ - ١٤] فما قَدَرُوا وتحدَّاهم أنْ يَأْتُوا بسُورَةٍ مِنْه، وطَلَب المُعَارَضَة، فقال لَهُمْ: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ [سورة يونس: الآية ٣٨] ثمَّ دعاهُم إلى الاستعانة بغَيْرهم، فما قدَرُوا، فقال جلَّ ذِكْرُه: ﴿قُلْ: لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ

стр. 129

كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ٨٨]. وأما وُجُودُ المقتضي للمبارَزَة والمُعَارَضَة عِنْد من تَحَدَّاهم، فهذا أظْهَرُ منْ أن نقيمَ لهُ دليلًا؛ لأن النبيّ ﷺ جاءَهُم بدينٍ يُبْطِلُ دِينَهم، وما وجدوا عليه آباءَهم، وسفَّه عقولَهم، وسَخِرَ من أوثانهم، واحتجَّ عليْهم بأن القُرْآنَ مِنْ عِنْد الله فما كان أحْوَجَهم، وأشدَّ حِرْصَهُم على أنْ يأتوا بمثله أو بَعْضِه؛ ليُبْطِلُوا أنَّه من عند الله. وأمَّا انْتِفَاءُ ما يَمْنَعُهم من المعارَضَة، فلأنَّ القرآن بلسانٍ عربي، وألفاظه من أحرف العرب الهجائيَّة، وعبارته على أسلُوب العَرَب، وهمْ أهْلُ البيان والفَصَاحة، وفيهم ملوكُ الفَصَاحة وقادَةُ البَلاغة، ومَيْدانُ سِبَاقِهِم مملوءٌ بالشُّعَرَاء والخُطَبَاء، وهذا من الناحية اللفظية. أما المَعْنَوِيَّة، فقد نَطَقَت أشْعَارهُمْ وخُطَبُهم وحِكَمُهم ومناظَرَاتُهم بأنَّهم ناضِجُو العُقول ذَوُو بَصِيرةٍ بالأُمُور وخِبْرَةٍ بالتَّجَارب، وقد دعاهم القُرْآن بالاسْتِعانةِ بِما شَاءُوا كما بيَّنا آنِفًا. وأمَّا مِنَ النَّاحيَة الزَّمَنِيَّة، فالقُرْآن لَمْ يَنْزِلْ جملةً واحدةً حتَّى لا يَحْتَجُّوا بأنَّ زمنَهُم لا يتَّسعُ للمعارَضَة، بل نزل مُنَجَّمًا في ثلاثٍ وعِشْرِينَ سنةً تقريبًا، وبذلك ثبت إعْجازُه على أبْلَغِ وَجْهٍ، وإذا ثَبَتَ عَجْزُ العَرَب، فغَيْرهم بالعَجْز أولى وأحْرى، وبهذا ثبتت حُجِّيَّتُه، فوجَبَ العَمَلُ به (١). السُّنَّةُ وقد ثنَّيْنا بالسُّنَّةِ، إذْ هي صِنْوُ كتاب الله، وشَقِيقَتُهُ ومنزلتها بَعْدَهُ. وسوف نتكلم عن مَاهيَّتِهَا، وحجِيَّتها ووجوب اتِّباعها والتحذير من مخالفتها. وعن إنْكَار حجيَّة السُّنَّة، والحكمِ بردَّةِ من أنكرها ثم نتكلم عن العلاقة بين الكِتَاب والسُّنَّةِ، مستشهدين لكلٍّ، ومبينين القَوْلَ بِما يَرْفعُ اللَّبْسَ ويكشفه. _________ (١) ينظر: الإحكام للآمدي ١/ ١٤٧، شرح العضد ٢/ ١٩، المستصفى ١/ ١٠١، جمع الجوامع بشرح المحلى ١/ ٢٩٤، تيسير التحرير ٣/ ٨، كشف الأسرار ١/ ٢٢، إرشاد الفحول ص (٢٩)، البحر المحيط ١/ ٤٤١، الإبهاج ١/ ١٨٩، نهاية السول ٢/ ٣، أصول السرخس ١/ ٣٧٩، المغني للخبازي ص (١٨٥)، فواتح الرحموت ٢/ ٧، مختصر ابن اللحام ص (٧٠)، روضة الناظر ص (٣٤).

стр. 130

مَاهِيَّتُها: في اللُّغَة (١): السِّيرَةُ والطَرِيقَة، حَسَنةً كانَتْ أو قبيحةً. أنشد خالدُ بنُ زُهَيْرِ فَقَالَ: [الطويل] فَلا تَجْزَ عَنْ عَنْ سِيرَةٍ أَنْتَ سِرْتَهَا … فَأَوَّلُ رَاضٍ سُنَّةً مَنْ يَسِيرُهَا وسَنَنْتُهَا سَنًّا وَاسْتَنَنْتُها: سِرْتها، وسَنَنْتُ لَكُمْ سُّنَّةً فَاتَّبِعُوها. وقال ابن فَارِسِ في "معْجَمِه" (٢): السِّين والنُّون أصْل واحدٌ مطَّرِدٌ، وهو جريانُ الشَّيْء واطِّرادُه في سُهُولٍ. والأصلُ: قولُهم: سَنَنْتُ المَاءَ على وَجْهِي أَسنُّة سَنًّا إذا أَرْسَلْتَه إرْسالًا. قال ابن الأَعْرَابِيِّ: السَّنُّ مَصْدَرُ سَنَّ الحَدِيدَ سَنًّا، وسَنَّ لِلقَوْم سُنَّةً وسننًا، وسَن عليه الدِّرْعَ يَسنُّها سَنًّا، إذا صَبَّهَا، وسنَّ الإبِلَ يَسنُّهَا سَنًّا إذَا أحْسَنَ رعيَّتها، وسُنَّة النبيّ ﷺ تَحْمِلُ هذه المعانِيَ لما فيها من جَرَيانِ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّة، واطِّرَادِهَا. اصْطِلاحًا: تختَلِفُ السُّنَّة عِند أهْلِ العِلْمِ حَسَب اخْتِلافِ الأغْراضِ الَّتي اتَّجَهُوا إلَيْها في أبْحَاثِهِمْ، فَمَثلًا عُلَمَاءُ الأُصُول: عُنُوا بالبحث عن الأدلَّة الشرعيَّة، وعُلَماءُ الحديثِ: عُنُوا بِنَقْلِ ما نُسِبَ إلى النبيّ ﷺ وعلماءُ الفِقْه: عُنُوا بالبَحْثِ عن الأحكامِ الشرعيَّة من فَرْضٍ ومَنْدُوبٍ وحَرَامٍ ومَكْرُوهٍ. فالسُّنَّة عند علماء الأصول (٣): تُطْلَق على ما أثِرَ عن النبي ﷺ من قَوْلٍ أو فِعْل أو تَقْرِيرٍ. والسُّنَّة عِند الفُقَهَاءِ (٤): تُطلَقُ السُّنَّةُ عِنْد أكْثَرِ عُلَماء الشَّافِعيَّة وجمهورِ الأصوليِّين _________ (١) الصحاح ٥/ ١٣٩، لسان العرب ٣/ ٢١٢٤، ترتيب القاموس، ٢/ ٦٥٦، المصباح المنير ١/ ٣٩٦ - ٣٩٧. (٢) معجم مقياس اللغة ٧/ ٦٠، لسان العرب ٣/ ٢١٢٣. (٣) نهاية الوصول ٣/ ٣، البدخشي ٢/ ٢، البناني على جمع الجوامع ٢/ ٩٩ تيسير التحرير ٣/ ١٩، الإحكام في أصول الأحكام ١/ ١٥٦. (٤) البيجرمي على المنهج ١/ ٢٤٦ حجية السنة ٥١.

стр. 131

بالنِّسْبَة إلَى مَعْناها الفقهيِّ على ما يرادف المَنْدُوبَ والمُسْتَحَبَّ والتَطَوُّع والنافِلَة والمرغَّب فيه. قالوا: هي الفِعْلُ الَّذِي طلَبَه الشَّارع طلبًا غيْرَ جازِمٍ، أو ما يُثَابُ الإنْسَانُ على فِعْلِها، ولا يعاقَبُ على تَرْكها. وعِنْد علماءِ الحَدِيث (١): تُطْلَقُ على أقوالِ النبيِّ ﷺ وأفعالِهِ وتَقْريرَاتِهِ وصفاتِهِ الخَلْقيَّة والخُلُقيَّة وسِيَرِه ومَغَازِيه وأخبارِهِ قَبْل البَعْثة - فالسُّنَّة بهذا المعنَّى تُرادِفُ الحديثَ الشريفَ. حُجَّيَّتُهَا وَوُجُوبُ اتِّبَاعِهَا وَالتَّحْذِيرُ مِنْ مُخَالَفَتِهَا: لقد أَوْحَى الله لنبيِّه القُرْآن ومِثْلَهُ معه، فَأوْحَى له السُّنَّة النبويَّة، وهي أصلٌ من أصُولِ الدِّين، وركْنٌ في بنائه القويم، فيجبُ اتِّباعها، ويحْرُم مخالَفَتُها، وعلى ذلك أجمعَ المُسْلِمُون، وتضافرَتِ الآيَاتُ على وَجْهٍ لا يدَعُ مجالًا للشكِّ، فمن أنكر ذلك، فقد نَابَذَ الأدلَّة القطعيَّة، واتَّبَع غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمنين، وهِيَ بذلك تُعْتَبر المَصْدَرَ الثَّانِي للتَّشْرِيع. فمن الآياتِ في ذلك قولُهُ تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ﴾ [سورة الحشر: الآية ٧]. وقولُه تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [سورة النساء: الآية ٨٠]. وقولُه تعالى ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٢١]. وقولُه تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٣١]. وقولُه تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [سورة الاء: الآية ٦٥]. وقولُه تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [سورة النور: الآية ٦٣]. وقولُه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينً﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٣٣]. _________ (١) الحديث والمحدثون لأبي زهو ٨ وما بعدها.

стр. 132

إِنْكَارُ حُجِّيَّةِ السُّنَّةِ مُوجِبٌّ لِلرِّدَّةِ: وقد لبِستْ طائفةٌ من النَّاسِ ثيابَ الدِّينِ زُورًا وبُهْتانًا بعْدَما راحُوا يشكِّكون في ثبوتِ السُّنَّة؛ ليكونَ ذلك عذْرًا لهم على رَدها، وقد كَذَبُوا، ورَحِم الله أعْيُنَ رجالٍ سَهِروا على حِفْظِ هذا الدِّين. قال الحافظُ ابنُ عَبْدِ البَرِّ (١): أصولُ العِلْمِ الكتابُ والسُّنَّة، والسنَّةُ تنقسم إلى قسمَيْن: أحَدُهُما: إجماعٌ تنقُلُه الكافَّةُ عن الكافَّة، فهذا من الحُجَجِ القاطعةِ للأعْذَار، إذا لم يوجَدْ هناك خلافٌ، ومنْ ردَّ إجماعَهُم، فقَدْ رَدَّ نصًّا مِنْ نُصوص اللهِ يجبُ استتابَتُه عليه، وإراقَةُ دمِه، إذَا لَمْ يتبْ؛ لخروجِه عمَّا أجْمَع عَلَيْه المُسْلِمُون، وسُلوكِه غَيْرَ سَبِيلِ جميعه. والضرْبُ الثَّاني من السُّنَّة: خَبَرُ الآحادِ والثِّقاتِ الأثباتِ المُتَّصِل الإسْنادِ، فهذا يوجِبُ العمل عِنْد جماعة علماءِ الأمَّةِ الَّذين هم الحُجَّة والقُدْوة، ومِنْهُم مَنْ يقول: إنه يوجِبُ العِلْمَ والعَمَل. وقال ابن حَزْمٍ (٢) بعدما ساقَ قول اللهِ تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [سورة النساء: الآية ٥١] قال: والبرهانُ على أن المراد بهذا الردِّ إنَّما هو إلى القرآنِ والخَبَرِ عنْ رسولِ الله ﷺ لأن الأمة مُجْمِعَةٌ على أن هذا الخطابَ متوجِّهٌ إلينا، وإلى كل من يخلقه، وتَرْكَبُ روحُه في جَسَده، وساقَ أيْضًا قولَ الله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [سورة الشورى: الآية ١٠] فَوَجَدْنا الله - تعالى - يردُّنا إلى كلامِ نبيِّه ﷺ على ما قرَّرناه آنِفًا، فلم يَسَعْ مسلمًا يقِرُّ بالتوحيد أنْ يرجع عند التَّنازُعِ إلى غَيْرِ القرآن، والخبَرِ عن رسول الله ﷺ ولا أن يأْبَى عما وَجَد فيهما، فإن فعل ذلك بعد قيام الحُجَّة عليه، فهو فاسقٌ، وأما مَنْ فعله مستحلًّا للخروج عن أمرهما وموجبًا لطاعة أحد دونهما، فهو كافر لا شكَّ عِنْدنا في ذلك. قال: وقد ذكر محمَّدُ بنُ نصرٍ المَرْوَزِيُّ أن إسحاقَ بنَ راهَوَيْه كان يقول: من بلَغَه عَنْ رسولِ الله ﷺ خَبَرٌ يمِرُّ بِصِحَّته، ثمَّ ردَّه بِغَيْر تَقِيَّةٍ، فَهُو كافر. وقال: ولم نَحْتَجّ في هذا بإسْحَاق، وإنَّما أوردناه؛ لئلَّا يظن جاهلٌ أثنا متفرِّدون بهذا _________ (١) جامع بيان العلم وفضله ٢/ ٤١ - ٤٢ حجية السنة ٢٥٢ - ٢٥٣. (٢) الإحكام في أصول الأحكام ١/ ٩٣.

стр. 133

القوْل، وإنَّما احتجَجْنَا في تكْفِيرنا من استَحَلَّ خلافَ ما صحَّ عنده عن رسولِ الله ﷺ بِقَول الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [سورة النساء: الآية ٦٥] هذه الآيةُ كافيةٌ لمَنْ عقل وحَذِر وآمَنَ بالله واليَوْمِ الآخِرِ، وأيقَنَ أن هذا العَهْدَ عَهْدُ ربِّه إليه ووصيَّته الواردةُ عليه، فليفتشِ الإنسانُ نفْسَه، فإن وجدَ في نفْسِه ممَّا قضَاه رسولُ الله ﷺ في كلِّ خبير يُصَحَّحه مما قد بلَغَه، أو وجد نَفْسَه غَيْرَ مسلِّمةٍ لما جاءَه عن رسول الله ﷺ ووجد نفْسَه مَائِلَةً إلى قَوْلِ فلانٍ وفلانِ، أو إلى قياسِهِ واستِحْسَانه، أو وجَد نَفْسَه تحْكُم فيما نازَعَتْ فيه أحَدًا دونَ رَسُول الله ﷺ مِنْ صَاحِبٍ فَمَنْ دونه، فليعلَمْ أن الله قد أقْسَم، وقولُه الحقُّ أنه ليس مؤمنًا، وصدَقَ الله - تعالى - وإذا لم يكن مؤمنًا، فهو كافرٌ، ولا سبيل إلى قسْمٍ ثالثٍ، ثم ساق قولَ الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [سورة النساء: الآية ٦١] فليتَّقِ الله الَّذِي إلَيْه المعادُ آمْرُؤٌ على نَفْسِه، ولتوجل نفْسُه عِنْد قِرَاءَةِ هذه الآيَة، وليشتدَّ إشفاقه مِن أن يكُونَ مخْتارًا للدُّخُول تَحْت هذه الصِّفَة المذكُورة المَذْمُومة الموبِقَة الموجبة للنَّارِ، وقال: لَوْ أن امرأً قال: لا نأْخُذ إلَّا ما وَجَدْنا في القُرْآن، لكَانَ كافِرًا بإجْمَاع الأُمَّةِ، ولكانَ لا يَلْزَمُه إلا ركعة ما بين دُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ، وأخرى عِنْد الفَجْر، لأن ذلك هو أقل ما يقَعُ عَلَيْه اسم صلاة، ولا حَدَّ للأكْثَرِ في ذلك. وقائل هذا مشْرِكٌ حلالُ الدَّمِ والمَالِ، وقال: لو أن امرأً لا يأخُذُ إلَّا بما اجتمعتْ عليه الأمةُ فَقَطْ، ويترك كل ما اختلفوا فيه ممَّا قد جاءَتْ به النُّصُوص، لكانَ فاسقًا بإجماعِ الأُمَة (١). _________ (١) ينظر: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ١/ ١٥٥، التمهيد للأسنوي ص ٤٣٧، ونهاية السول للأسنوي ٣/ ٣، زوائد الأصول للأسنوي ص ٣١٩، منهاج العقول للبدخشي ٢/ ٢٦٩، غاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ص ٩١، المستصفى للغزالي ١/ ١٢٩، حاشية البناني ٢/ ٩٤، الإبهاج لابن السبكي ٢/ ٢٦٣، الآيات البينات لابن قاسم العبادي ٣/ ١٦٨، حاشية العطار على جمع الجوامع ٢/ ١٢٨، أحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي ص ٢٨٧، الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم ١/ ٩٣، التحرير لابن الهمام ص ٣٠٣، تيسير التحرير لأمير بادشاه ٣/ ١٩، كشف الأسرار للنسفي ٢/ ٣، حاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/ ٢٢، شرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ٢/ ٢، حاشية نسمات الأسحار لابن عابدين ص ١٧٦، شرح=

стр. 134

العَلاقَةُ بَيْنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ: ومن المعلُومِ بالضَّرُورةِ أن كلَّ ما جاء عن الله - تعالى - لا يُمْكِنُ أن يوصَفَ أن فيه اختلافًا، والمَعْلُوم أن كلًّا من القرآن والسُّنَّة من عِنْد الله - تعالى - كما قَدَّمْنا. ولهذا يقول ابن القَيِّم (١): والذي يشْهَدُ الله ورسولُهُ به أنَّه لم تَأْتَ سُنَّة صحيحة واحدة عن رسول الله ﷺ تناقِض كتابَ الله - تعالى - وتخالِفُه ألبتَّة كَيْف، ورَسُولُ الله هو المبيِّنُ لكتابِ الله، وعلَيْه أُنْزِل، وبه هداه الله، فهو مأمور باتِّباعه، وهو أعْلَم الخَلْقِ بتأْويله ومرادِه، فلا يوجَدُ تَخَالُفٌ، وإنْ حَصَلَ مخالفةٌ في ظاهر اللَّفْظِ، فيكونُ ذلك لِلْخفاءِ على المجتهِدِ، فعلى ضوء ذلك، إذا تتَبَّعْنا السُّنَّة مِنْ حَيْثُ دَلالتها على الأحْكَامِ الَّتِي اشتمل عليها القُرآنُ إجْمالًا وتفْصيلًا وجَدْنَاها تأْتي على أنْحاءٍ منها (٢): أَوَّلًا: أن تكُونَ موافقةً للقُرْآن. فتكونَ واردةً حينئذٍ مورد التأكيد، فيكون الحُكْم مستَمَدًّا من مصدَرَيْن: القرآن مثبتًا له، والسُّنَّة مؤيدةً. ومن أمثلة ذلك قوله ﷺ (٣): "اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّهُن عَوَانٌ عِنْدَكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بأَمَانَةِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُن بِكَلِمَة اللَّهِ" فإنَّه يوافِقُ قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [سورة النساء: الآية ١٩]. وقولُهُ ﷺ (٤): "إن اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ" فإنَّه موافق لقولِهِ تعالى: _________ = المنار لابن ملك ص ٧٧، الوجيز للكراماستي ص ٥١، الموافقات للشاطبي ٤/ ٣، ميزان الأصول للسمرقندي ١/ ١٢٦، نشر البنود للشنقيطي ٢/ ٣، إرشاد الفحول للشوكاني ص ٣٣، تقريب الوصول لابن جزى / ١١٦، الكوكب المنير للفتوحي ص ٢١٠، التقرير والتحبير لابن أمير الحاج ٢/ ٢٢٣. (١) الطرق الحكمية ٧٢ - ٧٣. (٢) قال الشافعي في الرسالة ٩١، فلا أعلم من أهل العلم مخالفًا في أن سنن النبي ﷺ ثلاثة وجوه وسيأتي كلام الشافعي ﵀. ولقد بوب الخطبب البغدادي في الكفاية ١٢، فقال: باب تخصيص السنن لعموم محكم القرآن وذكر الحاجة في المجمل إلى التفسير والبيان. (٣) هو في مسلم من رواية جابر ﵁. (٤) متفق عليه من حديث أبي موسى الأشعري أخرجه البخاري ٨/ ٢٠٥ في التفسير باب "وكذلك أخذ ربك" ٤٦٨٦، ومسلم ٤/ ١٩٩٧، في البر والصلة، باب "تحريم الظلم" ٦١/ ٢٥٨٣.

стр. 135

﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ [سورة هود: الآية ١٠٢]. ثانيًا: أن تكُونَ بيانًا (١) للكِتَاب. ومن أمثلة ذلك النّوع: أوَّلًا: بيانُ المُجْمَلِ (٢) كالأحاديثِ الَّتي جاء فيها أحْكَامُ الصَّلاةِ. فقال ﷺ : "صلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" (٣). وورد في الكِتاب وجوبُ الحَجِّ منْ غَيْر بَيَانٍ لمناسِكِه، فبثنت السُّنَّةُ ذلك، فقال ﷺ : "لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ" (٤). وورد في الكتابِ وُجُوبُ الزكاةِ مِنْ غَيْر بَيَانٍ لما تَجِبُ فيه، ولا لِمِقْدَارِ الواجِبِ فبيَّنَت السُّنَّةُ كل ذلك. ثانيًا: تقييد المُطْلَق (٥)، ومثالُ ذلِكَ الأحاديثُ الَّتي بَيَّنَتِ المُرَادَ من اليَدِ في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [سورة المائدة: الآية ٣٨] فبيَّنت السُّنَّة أنَّها اليُمْنى، وأن القَطْع من الكُوع وقوله تعالى أيْضًا: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [سورة النساء: الآية ١١] وردت الوصية مُطْلقًا، فقيدَتْها السُّنَّة بِعَدَمِ الزِّيادَةِ على الثُّلُث. ثالثًا: تَخْصِيصُ (٦) العَامِّ (٧). كالحديثِ الَّذي بيَّنَ أن المرادَ مِنَ الظُّلْم في قوله تعالى: _________ (١) والسنة خير مبين فقد كان عمر ﵁ يقول سيأتي قوم يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله. وسأل رجل عمران بن حصين ﵁ فقال الرجل: حدثونا عن كتاب الله ولا تحدثونا عن غيره فقال: إنك امرؤ أحمق أتجد في كتاب الله صلاة العصر أربعًا لا يجهر فيها وعد الصلوات ومقادير الزكاة ونحوها ثم قال: أتجد هذا مفسرًا في كتاب الله، كتاب الله قد أحكم ذلك والسنة تفسره. الكفاية في علم الرواية ١٥، وقال علي ﵁ لابن عباس حينما بعثه إلى الخوارج: لا تخاضمهم بالقرآن فإنه حمال ذو وجوه ولكن حاججهم بالسنة. (٢) ما له دلالة غير واضحة. (٣) أخرجه البخاري من حديث مالك بن الحويرث. (٤) أخرجه مسلم من حديث جابر ﵁. (٥) ما دل على الماهية من غير قيد. (٦) قصر العام على بعض أفراده. (٧) لفظ يستغرق جميع ما يصلح له بوضع واحد.

стр. 136

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٨٢] هو الشِّرْك، فهم بعْضُ الصَّحَابَةِ مِنْهُ العُمُومَ حَتَّى قالوا: أَيُّنا لم يَظْلِمْ، فقال لهم ﷺ : "لَيْسَ بِذاكَ، إنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ" (١). ومن ذلك أيْضًا أن الله أَمَرَ أَنْ يَرِثَ الأَوْلادُ الآباء أو الأمهاتِ، عَلَى نحو ما بيَّن بقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْن﴾ [سورة النساء: الآية ١١] فكان هذا الحكمُ عامًّا في كُل أصْلٍ مورِّثٍ، وكل ولدٍ وارثٍ، فقصرت السُّنَّة الأصْل على غير الأنبياء. وقَصَرَتِ الوَلَدَ الوَارِثَ على غير القَاتِل بِقَوْله ﷺ : "القَاتِلُ لا يَرِثُ" (٢) وكذلك اختلافُ الدِّينِ فهو مانع من مَوَانِعِ الإرْثِ كما بيَّنَتِ السُّنَّة. وقال تعالَى في المَرْأَةِ يُطلِّقها زوْجُها ثلاثًا: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٣] وَاحْتَمَل ذلك أن يكون المُرادُ به عَقْد النكاح وحده، واحتمل أن يكون المرادُ الإصَابَة معًا، فبيَّنَت السُّنَّة أن المُرادَ به الإصَابة بعد العَقْد. رَابِعًا: توضيح المُشْكَلِ كَالْحَدِيثِ الَّذِي بَيْن المُرادَ من الخَيْطَيْنِ في قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٧] فَهِمَ منه بعض أصحاب النبي ﷺ العِقَالَ الأبيض والعِقَال الأسود، فقال النبي ﷺ : "هُمَا بَياضُ النَّهَار". وأغلب ما في السُّنَّةِ من هذا النوع، ولهذه الغَلَبَةِ وصفت بأنها مُبيِّنةٌ للكتاب. خَامِسًا: أن تكون دالَّةً على حُكْمٍ سكت عنه القرآن، ومن أمثلة ذلك النوع: قوله ﷺ : "هو الطهُورُ مَاؤُهُ الحِلّ ميتته". وقوله ﷺ في الجَنِينِ الخارج من بَطْنِ أمه المُذَكَّاةِ: "ذَكَاةُ الجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ". والأحاديث الواردة في تَحْرِيمِ ربا الفَضْلِ. _________ (١) أخرجه البخاري ١/ ١٠٩، في الإيمان، باب ظلم دون ظلم ٣٢. (٢) أخرجه الترمذي وغيره من رواية أبي هريرة.

стр. 137

والأحاديث الواردة في تحريم كل ذي ناب من السِّبَاع، وكل ذي مخلب من الطير، وتحريم لحوم الحُمُرِ الأهلية. والأحاديث التي دَلَّت على تَحْرِيم الرِّضَاعِ. وتحريم الجَمْعِ بين المَرْأَة وعَمّتها أو خَالَتِهَا. والأحاديثُ الواردَةُ في تَشْرِيع الشُّفْعَةِ والرَّهن في الحضر، وبيان ميراث الجَدَّةِ، والحكم بِشَاهِدٍ ويَمِينٍ. ووجوب الرَّجْم للزَّاني المُحْصَنِ. ووجوب الكَفَّارة على من انتهك حرمة شهر رمضان، وغير ذلك كثير. اعلم أن النَّوْع الأَوَّل والثاني من هذا التَّقسيم مُتَّفَقٌ عليهما بين المسلمين، وأن النوع الثالث مختلف فيما بينهم كما صَرَّح بذلك الشافعيُّ في "رسالته" فقال: "فلم أَعْلَمْ من أهل العِلْمِ مخالفًا في أن سُنَنَ النَّبِيِّ ﷺ من ثلاثة وجوه فاجتمعوا على وجهين: أحَدُهُما: ما أنْزَلَ اللَّهُ فيه نَصنَ كتاب فبيَّنَهُ رسولُ الله ﷺ مثل ما نَصَّ الكتاب. والآخر ما أنزل الله فيه جُمْلة كتاب، فبين عن الله معنى ما أراد، وهذان الوجهان اللذان لم يختلفوا فيهما. والوَجْهُ الثالِث: ما سنَّ رسول الله ﷺ فيما ليس فيه نص كتاب كما قَدَّمْنَا، فمنهم من قال: جعِل الله له بما افترض من طَاعَته، وسبق من علمه، وتوفيقه لمرضاه أن يسن فيما ليس فيه نصّ كتاب. ومنهم من قال: لم يسن سُنَّة قطُ إلا ولها أصل في الكتاب كما كانت سُنته تبين عدد الصلاة وعملها، على أصل جملة فرض الصلاة. وكذلك ما سَنَّ من البُيُوع وغيرها من الشرائع؛ لأن الله قال: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [سورة النساء: الآية ٢٩]. وقال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٧٥]. ومنهم من قال: بل جاءته به رسالة الله، فأثبتت بفرض الله. ومنهم من قال: ألقى الله في روعه كل ما سَنّ، وسنته الحِكْمَةُ الذي أَلْقَي في روعه عن الله، فكان ما ألقي في روعه سنة.

стр. 138

وقال العلَّامة الشَّيْخُ عَبْدُ الغَنِي عَبْدُ الخَالق (١): إن حكاية الشافعي لهذه الأقوال في النوع الثالث يرى أن القول الأول والثالث والرابع على اتفاق في أن السُّنة تستقل بالتشريع، ومختلفة في أن النبي ﷺ يشرع المستقل من عند نفسه مع توفيقه تعالى له بالصَّواب، أو ينزل عليه الوحي به، أو يلهمه الله إياه، وهذه الخلافية لا تعنينا، وأن القول الثَّاني هو المخالف، وقال: والحق في هذه المسألة أنها حجة، وتعبدنا الله بالأخذ بها، والعمل بمقتضاها، ودلَّل على ذلك بأدلَة نورد بعضها لِلْبَيَان حتَّى تسدّ أفواه المتنطِّعين الَّذين لا خلاق لهم في الدنيا والآخرة: أولًا: عموم عِصْمَتِهِ ﷺ الثابتة بالمُعْجِزَة عن الخَطَأ في التبليغ لكل ما جاء به عن الله - تعالى - ومن ذلك ما وردت به السُّنة، وسكت عنه الكتاب، فهو إذن حقٌّ مطابق لما عند الله - تعالى - وكل ما كان كذلك فالعَمَل به واجب. ثانيهما: عموم آيات الكتاب الدَّالة على حُجِّية السُّنة، وقد تقدمت، فهي تدلُّ على حجيَّتها، سواء أكانت مؤكدة، أم مبينة، أم مستقلة، وقد كثرت هذه الآيات كثرة تفيد القطع بعمومها للأنواع الثلاثة، وبعدم احتمالها للتَّخْصيص بإخراج نوع عن الآخر، بل إن قول الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [سورة النساء: الآية ٦٥] فهذه الآية تفيد حجية خصوص المستقلة. قال الشافعيُّ ﵁ في تَوْجِيهِهَا: نزلت هذه الآية في رجل خاصم الزبير في أرض، فقضى النبي ﷺ بها للزبير (٢). وقال الشَّافعي: وهذا القضاء سُنَّة من رسول الله ﷺ لا حكم منصوص في القرآن. ثالثًا: عُمُومُ الأحاديثِ المثبتة لِحُجِّيةٍ السُّنة، مؤكدة كانت أو مُبَيِّنة أو مستقلَّة؛ _________ (١) حجية السنة. (٢) أخرجه البخاري ٥/ ٤٢، في المساقاة، باب سكر الأنهار ٢٣٥٩، وفي ٨/ ١٠٣ في تفسير سورة النساء، باب "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم" حديث ٤٥٨٥، ومسلم ٩/ ١٨٢٤ - ١٨٣٠ في الفضائل، "باب وجوب اتباعه ﷺ " (١٢٩/ ٢٣٥٧) والشافعي في الرسالة ص ٨٨.

стр. 139

كقوله ﷺ : "عليكم بِسُنَّتي" (١) وهذه الأحاديث كثيرة لا تُحْصَى تفيد القطع بهذا العموم، وقد ورد ما هو خاصّ بالسُّنة المستقلَّة، أو يكون على أقل تقدير دخولها فيه متبادرًا في النظر، وأولى من دُخُول غيرها، فمن ذلك قوله ﷺ : "لا أُلْفِيَنَّ أحَدَكُمْ مُتَّكئًا على أرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الأَمْرُ مِن أَمْرِي مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْه فَيَقُولُ: لا أَدْرِي مَا وَجَدْنا في كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ" (٢). وقوله ﷺ : "ألا إنِّي أُوتيتُ القُرآنَ ومثله مَعَه، ألا يُوشِكُ رجل شَبْعَانُ على أَرِيكَتِهِ يَقولُ: عليكم بهذا القُرْآنِ فما وَجَدْتُمْ فيه من حَلالٍ فأحلُّوهُ وما وجدتُمْ فيه من حَرَامٍ فَحرِّمُوه، وإنَّما حَرَّمَ رسولُ الله ﷺ ، كما حَرَّمَ الله، ألا يحل لكم الحِمَار الأَهْلي، ولا كلّ ذي نَابٍ من السِّباع، ولا لُقَطَةُ مُعَاهد، إلا أن يَسْتَغْنِيَ عنها صاحِبُهَا، ومن نزَل بِقَوم فَعَلَيْهِم أَنْ يَقْرُوه، فإن لم يقروه فله أنْ يعقبهم بمثل قِرَاهُ" (٣). ولا يخفى أن تحريم الحُمُرِ الأهليَّةِ المذكورة في الحديث لَيْسَ في القرآن، فهو خاصّ بما نحن فيه، ولا يخفى أن الظاهر من قوله ﷺ : "ومثله مَعَهُ" ما كان مستقلًا عنه، وإن سلمنا شموله لغيره أيضًا، فلا ضير علينا؛ حيث إنه أثبت أن الجميع من عند الله، والحديث الأول يفيدنا أن كل ما لا يوجد في كتاب الله مما أمر به الرسول ﷺ أو نهى عنه فتركه مذموم مَنْهِيٌّ عنه، وذلك يستلزم الحُجِّية، والمتبادر من عدم الوجود ألا يكون مذكورًا في الكتاب لا إجمالًا، ولا تفصيلًا. _________ (١) أخرجه أبو داود من حديث العرباض بن سارية في ٤/ ٢٠١، في كتاب السنة باب في لزوم السنة (٤٦٠٧)، والترمذي ٥/ ٤٤ في العلم، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع (٢٦٧٦)، وقال حسن صحيح وابن ماجه ١/ ١٦ في المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين ٤٣، والحاكم وقال صحيح ليست له علة ١/ ٩٦ في كتاب العلم. (٢) أخرجه أبو داود من حديث أبي رافع ﵁ ٤/ ٢٠٠ في كتاب السنة، باب في لزوم السنة (٤٦٠٥)، والترمذي ٥/ ٣٧، في كتاب العلم، باب ما نهي عنه أن يقال عند حديث النبي ﷺ ٢٦٦٣ وقال: حسن صحيح وأخرجه الحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين ١/ ١٠٨ - ١٠٩ في كتاب العلم. (٣) أبو داود من حديث المقداد بن معد يكرب ٤/ ٢٠٠ في كتاب السنة، باب في لزوم السنة (٤٦٠٤)، والترمذي ٥/ ٣٨، في العلم، باب ما نهي عنه أن يقال عند حديث النبي ﷺ (٢٦٦٤) وقال: حسن غريب من هذا الوجه، وابن ماجه ١/ ٦ في المقدمة باب تعظيم حديث رسول الله ﷺ ١٢، والدارمي ١/ ١١٤ في المقدمة باب السنة قاضية على كتاب الله.

стр. 140

ولقد بوَّب الخطيب البَغدادِيّ في "كفايته" (١) بابًا فقال: باب ما جاء في التَّسْوية بين حكم كتاب الله - تعالى - وحكم سنة رسول الله ﷺ في وجوب العَمَلِ، ولزوم التكليف، وَذَكَرَ الحديثين. وقال الشافعي (٢) ﵀: وما سَنَّ رسول الله ﷺ فيما ليس لله فيه نصّ حكم، فبحكم الله سَنَّة، وكذلك أخبرنا الله في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ﴾ [سورة الشورى: الآية ٥٢] وقد سن رسول الله مع كتاب الله، وسن فيما ليس فيه بعينه نصّ كتاب، وكل ما سن فقد ألزمنا الله باتباعه، وجعل في اتباعه طاعته، وفي العُنُودِ عن اتباعها معصيته التي لم يعذر بها خَلْقًا، ولم يجعل له من اتباع سنن رسول الله ﷺ مخرجًا. وبهذا يتضح لنا حُجِّية السُّنة بأقسامها الثلاثة، فطاحت شبهة المعاندين. الإجْمَاعُ ثمَّ ثلَّثْنا بالكَلامِ عن الإجْمَاعِ، وتعريفه اللُّغوي، والاصطلاحي، وسوف نتكلم عن مبحثين. المبحث الأول: فيما تتوقف عليه الحجِّيَّة للإجماع. والمبحثُ الثاني: في إثْباتِ أن الإجماع حجة. ومسالك هذا من: الكتاب، والسُّنَّةِ، والمعقول. يُطْلَقُ الإجماع في اللُّغَة على معنَيَيْنِ: أحَدُهُمَا: الْعَزْم، يقال: أجْمَعْتُ المسير والأمر، وأجْمَعْتُ عليه، أيْ: عزمْت، فهو يتعدَّى بنَفْسِه وبالحرف، وقد جاء بهذا المعنى في الكتابِ والسنَّة، قال تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ [سورة يونس: الآية ٧١] أي: اعْزِمُوا، وقال ﷺ : "مَنْ لَمْ يُجْمِع الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ، فَلا صِيَامَ لَه، أيْ: لم يَعْزِمْ عَلَيْهِ فَيَنْويَهُ. ثانيهما: الاتِّفاق، ومِنْه يُقالُ: أجْمَع القَوْمُ على كذا، إذا اتَّفقوا، قال في القاموس: "الإجْمَاع الاتِّفاق، والعَزْم على الأَمْر". قال الغَزَالِيُّ وَالإِمَام الرَّازِيُّ وَالآمِدِيُّ وَالْعَضُدُ وغيرهم: الإجماعُ لغةً: يقال بالاِشْتراك اللَّفظيِّ على معنَيَيْن، أحدُهُما: الجَزْمُ على الشَّيْء والتَّصْمِيم عَليْه، قال اللَّهُ تعالى: _________ (١) الكفاية في علم الرواية ص ٨. (٢) الرسالة ٨٨ - ٨٩.

стр. 141

﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾، وَقَالَ: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ [سورة طه: الآية ٦٤]، وقال: ﴿وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ [سورة يوسف: الآية ١٥]، وقال ﷺ : "لا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ" وعلى هذا يصحُّ إطْلاقُ اسْمِ الإجْماع على عَزْم الواحِدِ. والثَّانِي الاتِّفاق: يقال: أجْمَع القَوْمُ على كذا، أيْ: صاروا ذَوِي جَمْعٍ كما يقال: أَلْبَنَ وأَتْمَرَ، إذا صَار ذا لَبَنٍ وتَمْرٍ، وعلى هذا فاتِّفاق كلِّ طائفةٍ على أمْرٍ من الأمور دِينيًّا كان أو دنيويًا، يسمَّى إجماعًا حتَّى اتفاق اليَهودِ والنَّصَارى، وقال صاحبُ "المُسَلَّم" في "المُسَلَّم" وحاشيتِهِ، وهو لغةً: العَزْمُ والاتِّفَاق، وكلاهما من الجَمْع، أي: منقولٌ ومأخوذٌ مِنْه؛ لأن العَزْمَ باجتماعِ الخَوَاطِرِ، والاتفاق باجتماع الأعْزامِ، وفيه ردٌّ على شارحِ المُخْتَصَرِ، حيث قال: الإجماعُ لغةً يطلَقُ على معنيين، أحَدُهُما: العَزْم، ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ أي: اعْزِمُوا، ومِنْه: "لا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ". وثانِيهِما: الاتِّفاق، وحقيقة: أجْمَعَ، صارَ ذَا جَمْعٍ، كأَلْبَنَ وأتْمَرَ. وكلامُه يُفِيدُ أنَّ الإجْماعَ مشْتَرَكٌ مَعْنَوِيٌّ مَوْضُوعٌ لصيْرُورةِ المَرْءِ ذا جَمْع الشَّاملة لصَيْرُورَتِهِ ذا جَمْع لخواطره، وصيرورته ذا جمع لعزمه أو رأْيه مع أعْزَام القَوْم أو آرائِهم، وقال القاضي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ: العَزْمُ يَرْجِع إلى الاتِّفاق؛ لأنَّ من اتَّفَق على شَيْءٍ، فقد عَزَمَ عَلَيْه، وعلى هذا يكونُ العَزْم لازِمًا للاتِّفاق، فالإجْمَاع عِنْده حقيقةٌ من الاتِّفاق مجاز في العَزْم. وقال ابنُ أمير حاج صاحبُ "التقرير": لِقَائِل أَنْ تقُول: المعنَى الأصليُّ له العَزْم، وأما الاتِّفاقُ فلازمٌ اتفاقيٌّ ضروريٌّ للعَزْمِ من أكْثَرَ منْ واحدٍ؛ لأن اتِّحادَ متعلِّقِ عَزْمِ الجماعةِ يوجِبُ اتِّفاقَهم عَلَيْه، لا أن العزم يَرْجِع إلى الاتفاق؛ لأن من اتفق على شَيْءٍ، فقد عزَم عَلَيْه، كما ذكره القاضي، فإنَّه ليس بمطَّرِدٍ، ولا أنه مشتركٌ لفظيٌّ بينهما كما ذَكَره الغزاليُّ أو لا ملجئ إليه مع أنه خلاف الأصل وقال ابْنُ برهان وابْنُ السمعاني: العزم: أَشْبَهُ باللُّغَةِ، والاتِّفاق: أشبه بالشَّرْع، ويجاب عنه بأن الاتِّفاق، وإن كان أشبه بالشَّرْع فذاك لا ينافي كونَه معنىً لغويًّا، وكون اللَّفْظ مشتركًا بينه وبين العزم قال أبو عليٍّ الفارسي: يقال: أجمع القوم إذَا صَارُوا ذَوِي جَمْعٍ، كما يقال: أَلْبَنَ، وأتمر إذا صَار ذا لبن، وتمر، والَّذي يظهر لي في تحرير المعنى اللُّغوي أَن بين العزم، والاتفاق عمومًا وخصوصًا وجهيًا يجتمعان في اتفاق الجماعة في إرادة شيءٍ وينفردُ العزمُ في إرادة الواحِد، وينفرد الاتِّفاق في اتفاق الجماعة في قول أو فعل بدون إرادة وعزم.

стр. 142

ولا رَيْبَ في أن المعنى الثاني بالاصطلاحي أنسب، فإنَّ الاتفاق مطلق يشمل اتفاق جمع ما، ولو كفارًا على أمر ما ولو معصية، والاصطلاحي اتِّفاق فقيد. وقال ابن أمير حاج: كون المعنى الثاني أنْسَب مبنيٌّ على أنه إذا لم يبق من المجتهدين إلا واحد لا يكون قوله حجَّةً كما هو أحد القولين أي: وأما على رأي من يقولُ إنَّه حجَّة يكون المعنى الأول أَنْسَبَ، فمن قال: إنه حجَّةً لا يقول إنه إجَماع؛ لأنه لا يصْدُق عَلَيْه تعريفُ الإجْماع، فلا يكونُ المَعْنى الأوَّل أنْسَبَ، ويكون المعنى الثاني هو الأنْسَبُ. الإجْمَاعُ اصْطِلاحًا: عرَّفه الرازيُّ في "المَحْصُول" بأنه: "عبارةٌ عن اتِّفاقِ أهْل الحَلِّ والعَقْدِ من أمَّة محمَّد ﷺ على أمْرٍ من الأمورِ". وعرَّفه الآمِدِيُّ بقوله: "عبارة عن اتِّفاقِ جمْلَةِ أَهْلِ الحَلِّ والعَقْدِ من أمَّةِ محمَّدٍ ﷺ في عَصْرٍ مِنَ الأَعْصَارِ على واقعةٍ مِنَ الوقائعِ". وعرَّفه النَّظَّامُ من المعتزلة بقولهِ: "هُو كلُّ قولٍ قامَتْ حُجَّتُهُ حتَّى قول الواحِد". وعرَّفه سراجُ الدِّين الأرمويُّ في "التحصيل" بقوله: "هو اتِّفاقُ المُسْلِمِين المُجْتَهِدِينَ في أحْكَام الشَّرْع على أمْرٍ ما مِن اعتقادٍ، أو قولٍ، أو فعل". ويمكن أن يُعَرَّف بأنَّه اتِّفاقُ المجتهدين مِنْ هذه الأمَّة بَعْد وفاة محمَّد ﷺ في عَصْرٍ على أمْرٍ شرعيٍّ. فقولُنا: "اتِّفاق" جنْسٌ في التعريف يَعُمُّ كلَّ اتفاقٍ، وخرج عنه أمْرَانِ: اختلافُ المجتهدين، وقولُ المجتهدِ الواحِدِ، إذا انفرد في عَصْرٍ، فإنه لا يكونُ إجْماعًا؛ لأنَّ الاتفاق أقلُّ ما يتحقَّق بين اثنين، والمرادُ به الاشتراكُ في الاعتقادِ أو القَوْلِ أو الفِعْلِ أو ما في معناها كالسُّكُوت عِنْد مَنْ يرى أن ذلك كافٍ في الإجماع، ولمَّا كانَتِ العبرةُ في الإجماع بالاعتقاد كما يؤخَذُ من كلامِهِمْ في مواضع، فالمرادُ به الاشتراكُ في الاعتقاد فقَطْ، أو في الاعتقادِ مع القَوْلِ، أو في الاعتقادِ معَ الفِعْل، وهذا معْنَى قَوْلِ مَنْ قال: أو مانعة خلو تجوز الجمع، ومعنى الاشْتِرَاك في الاعتقاد أن يعتقدوا جميعًا الحكم المُجْمَعَ عليه، وفي القول أن يتكلموا بما يَدُلُّ عليه، وفي الفعل أن يأتوا بمتعلَّقه، إذا كان من باب الفعل، وفي السُّكوت أن يقولَ بَعْضُهُم حكمًا في مسألة اجتهاديَّةِ، ويسكت الباقون بعد العلم به، ومضى مدة التأمّل عَادَةً

стр. 143

سُكوتًا مجردًا عن إمارَةِ سخط وتقِيَّةٍ، وكل من الاتفاق القولي، والعمليب يسمَّى عزيمة، والسكوتي يسمَّى رخصة. وقولنا: "المجتهدين فيه" للاستغراق، فيقضي أنه لا بُدَّ مِنَ الكُلِّ فخرج به أمران اتفاق العوام إذ لا عِبْرَةَ به على التَّحقيق، واتِّفاق بعض المجتهدين مع مخالفة الآخرين. وقولنا: "من هذه الأمة" خرج به اتفاق مجتهدي الشَّرائِعِ السَّالِفَةِ. وقولنا: "بعد وفاة محمد ﷺ " مُتَعَلِّقٌ بـ "اتفاق"، لا بالمجتهدين؛ لأن المجتهدين قبل وفاته اتفاقهم حجة بعد وفاته، وخرج به اتفاق المجتهدين في حياته؛ لأن قولهم دونه لا يصح، وإن كان معهم فالحجَّة في قوله، وقولنا في عصر أيْ: في زمان قل أو كثر، وهو نكرة فالمراد الاتفاق في أيِّ عصر كان، وقيل: لولاه لم يدخل إلا اتفاق كل المؤمنين إلى يوم القيامة، ولكن الحقَّ أن الأمة تطلق على الموجودين في عصر كما تُطْلَقُ على كل المؤمنين من لَدُنِ الْبَعْثَةِ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ، والمتبادر هو الإطلاق الأول، فيصح الاستغناء عنه ولذا قال التفتازاني في "التَّلويح": ولا يخفى أن من تركهُ أي قَيْد "في عصر" إنَّما تركه لوضوحه لكن التصريح به أَنْسب بالتعريفات أيْ: لاحتمال لفظ الأمَّةِ المعنى الثاني: وهو كل المؤمنين، وقولنا: على أمر شرعيٍّ قيَّدْنَاهُ بالشَّرْعي؛ لأن الكلام في الإجماع الذي هو أحد الأدلة الشرعيَّة، وهذا لا ينافي أنه قد يجمع على أمر لغوي، أو عقلي، أو دنيويٍّ. المَبْحَثُ الأَوَّلُ فِيمَا تتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الحجِّيَّةُ: إن إثْبَاتَ حُجِّيَّةِ الإجْمَاعِ يرتكز على دعائمَ ثلاثٍ، إمكانه في نفسه، وإمكان العلم به، وإمكان نقله إلى من يحتج به، ولَقَدْ أراد منكرو حجيته أن يأتوا البنيان من قواعده فأنكروها، وقالوا: على وجه الإجْمَالِ يمتنع ثبوت الإجماع، ولو ثبت يمتنعُ العلم به، ولو علم يمتنع نقله إلى المجتهد فقد أسندوا كَلامَهُم إلى ثَلاثِ جهات فلا بد لهذا من ثلاثة مقامات: المَقَامُ الأَوَّلُ في بيانِ إمْكَان الإجْمَاعِ: ذهب جمهور العلماء إلى أنَّه ممكن وادَّعى بَعْضُ النَّظَّامِيَّةِ والرَّوافض استحالته، وتحرير محل النزاع أنه لا خلاف لأحدٍ في إمكان الإجماع عقلًا؛ لأن العقل لا يمنع من تصور اتِّفاق المجتهدينَ في عصر على حُكْمٍ من الأحكام؛ ولأن أدلَّتهم إنَّما تنتج استحالته

стр. 144

في حكم العَادَةِ، ولا في جوازه في ضَرُورِيَّاتِ الأحكام، وإنَّما النزاع في إمكانه عادة في الأحكام التي لا تكون معلومة بالضَّرورة، ونسب ابن الحاجب هذا القول إلى النَّظَّام ووافقه الكَمَالُ بن الهمام، وذكر العلامة السُّبْكيُّ أن هذا قول بعض أصحابه، وأمَّا رأي النَّظَّام نَفْسِهِ مع بعض أصحابه، فهو: أنَّه يتصور، ولكن لا حجية فيه هكذا نقله القاضي وأبو إسحاق الشيرازيُّ وابنُ السمعانيِّ وهي طريقة الإمام الرازي وأتباعه في النقل عنه. شُبَهُ المُخَالِفِينَ في إمْكَانِ الإجْمَاعِ: في هذا الصَّدد لم يلجأ معظم المصنِّفين إلى أدلَّةِ لإثبات دعوى الجمهور، وهي إمْكان الإجماع، بل اكتفوا بإيراد شبه الخصوم ثم هدمها، وفي ذلك إشْعَار بأن دعواهم بلغت من البداهة إلى حدٍّ لا تحتاج فيه إلى دليلٍ، أو تنبيهٍ، ورُبَّ سكوت أفْصَحُ من كلام. قالوا: أولًا: لو أمكن اتِّفاقهم لأمكن نقل الحكم إليهم جميعًا؛ لأن اتفاقهم فرع تساويهم في نقل الحكم إليهم فلا يتَّحققُ إلَّا بعد تحققه، ونقل الحكم إليهم جميعًا باطل، لأن انتشارهم في الأقطار يمنع منه عادة فبطل المقدم، وثبت نقيضه، وهو عدم إمْكَانِهِ. والجوابُ: قولكم: "انتشارهم في الأقْطَارِ يَمْنَعُ من نقل الحكم إليهم" مَمْنُوعٌ فإنَّهُ لا منع في المتواتر كالكتاب فهو لشهرته لا يخفى على أحد، ولا في أوائل الإسلام، لأن المجتهدين كانوا قليلين فيتيسَّر نقل الحكم إليهم، ولا بُعْدَ في جِدِّهم في الطَّلب والبحث، فإن المطلوب لا يخفى على الطَّالب الجاد، وجدهم في طلب العلم لا ينكره أحد، فمنهم من رَحَل من أصْفَهَانَ ببلاد الفرس إلى معرَّة النُّعمان بالشَّام على بعد ما بين البلدين، ولم يكن من غرض سوى تحقيق بعض مسائل العلم، وأمْثَال هذا من طُلَّابِ العلم من المسلمين كثير تقرأ تاريخ حياتهم فتجدهم تحملوا المشاقَّ، واقتحموا العقبات، وساحوا في أرْجَاء الدُّنيا العربية من "الفرس"، و"العراق"، و"الشام"، و"مصر"، و"الأندلس" ليدرسوا على مشاهير العلماء، وليطفئوا نيران ظَمَئِهم إلى العلوم بالري من مناهله، وبالجملة لم نجد أمة بذلت في هذا المِضمار مثل ما بذلت هذه الأمة. قالوا ثانيًا: لو أمكن اتفاقهم، فإمَّا أن يكون عن قاطع، أو ظنيّ إذْ لا بد للإجماع من مستند، وليس وراءهما مُسْتَنَدٌ يُستند إليه، والتالي بشقيه باطل أمَّا القَاطِعُ فلأن العادة تحيل عدم الاطّلاع عليه لِتَّوَفُّرِ الذَواعي على نقله، ولو اطلع عليه لنقل، لكنه لم ينقل فلم يطلع

стр. 145

عليه، فليس الإجْمَاعُ عن قطعيٍّ، والظنيُّ تحيل العادة الاتفاق عليه لاختلاف القرائح، وتباين الأنْظارِ. والجواب بالمنع فيهما، أمَّا القاطع فلأنه لا يجب نقله عادة إذْ قد يستغنى عن نقله بحصول الإجْماع الذي هو أقوى مِنْهُ لعدم احتماله النسخ، بخلاف القاطع، وأمَّا الظنيُّ فلأنه قد يكون جليًّا فتقبله القرائح فتتفق عليه، واختلاف القرائح والأَنْظَارِ إنَّمَا يمنع الاتِّفاق في الظنِّ الخفيِّ دون الجليِّ. الْمَقَامُ الثَّانِي فِي بَيَانِ إِمْكَانِ الْعِلْم بإلْإجْمَاعِ: زَعَمَ منكرو الإجْمَاعِ أنَّهُ على تقدير إمكانه، فالعلم به مُحَالٌ. وقالوا في بيانه: الطريق إلى العلم بإجماعهم إمَّا اللإخبار بأن يخبر أهل الإجماع عن اتفاقهم، وإمَّا الحسُّ بأن نشاهد منهم فعلًا، أو تركًا يدلُّ على ذلك، وكون الطريق إليه واحدًا منهما باطل، فإنَّ سماعَ الأخبار يدلك من كل واحد من أهْلِ الإجماع، أو مشاهدة فعل أو ترك منه يدل عَلَيْهِ يتوقف على معرفة أعْيَانِهِم واحدًا واحدًا، ومعرفة معتقدهم في هذه المسأَلَةِ، ومعرفة اجتماعهم عليه في وقت واحد والوفوف على هذه الثَّلاثة متعذر أمَّا الأوَّل: فلانتشارهم شرقًا وغربًا مع جواز خَفَاءِ واحد منهم بأنْ يكون أسيرًا، أو محبوسًا في مطمورة، أو منقطعًا في جبل، أو خَامِلًا لا يعرف أنَّهُ من المجتهدين، وأمَّا الثاني: فلاحتمال أن بعضهم يكذب، فيفتي على خِلافِ اعتقاده خوفًا من سُلْطَان جائرٍ، أو مجتهد ذي منصب أفتى بخِلافه. وأمَّا الثالث: فلاحتمال رجوع أحَدهم قبلَ فتوى الآخر، وتقرير هذه الشُّبْهَةِ هكذا: العلمُ باتِّفاقِ المجتهدين يتوقَّف على معرفة أعيانهم، واعتقادهم، واجتماعِهِم في وقت واحد، وكل ما كان كَذلِكَ، فهو محال عادةً، فالعلم باتفاقهم محال عادة، الصُّغرى ضرورية، والكبرى ودَلِيلُها ما تقدَّمَ. المقام الثالث في إمكان نقله إلى من يحتج به: هذه هي النقطة الثالثة التي أنكرها بعض النظامية والروافض توصلًا إلى إنكار حجية الإجماع، قالوا: لو أمكن نقل الإجماع، فإما أن يُنقل بطريق الآحاد أو التواتر، والتالي بشقيه باطل.
следующие страницы →