Полный текст (2 330 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾، وَقَالَ: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ [سورة طه: الآية ٦٤]، وقال: ﴿وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ [سورة يوسف: الآية ١٥]، وقال ﷺ : "لا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ" وعلى هذا يصحُّ إطْلاقُ اسْمِ الإجْماع على عَزْم الواحِدِ.
والثَّانِي الاتِّفاق: يقال: أجْمَع القَوْمُ على كذا، أيْ: صاروا ذَوِي جَمْعٍ كما يقال: أَلْبَنَ وأَتْمَرَ، إذا صَار ذا لَبَنٍ وتَمْرٍ، وعلى هذا فاتِّفاق كلِّ طائفةٍ على أمْرٍ من الأمور دِينيًّا كان أو دنيويًا، يسمَّى إجماعًا حتَّى اتفاق اليَهودِ والنَّصَارى، وقال صاحبُ "المُسَلَّم" في "المُسَلَّم" وحاشيتِهِ، وهو لغةً: العَزْمُ والاتِّفَاق، وكلاهما من الجَمْع، أي: منقولٌ ومأخوذٌ مِنْه؛ لأن العَزْمَ باجتماعِ الخَوَاطِرِ، والاتفاق باجتماع الأعْزامِ، وفيه ردٌّ على شارحِ المُخْتَصَرِ، حيث قال: الإجماعُ لغةً يطلَقُ على معنيين، أحَدُهُما: العَزْم، ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ أي: اعْزِمُوا، ومِنْه: "لا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ".
وثانِيهِما: الاتِّفاق، وحقيقة: أجْمَعَ، صارَ ذَا جَمْعٍ، كأَلْبَنَ وأتْمَرَ. وكلامُه يُفِيدُ أنَّ الإجْماعَ مشْتَرَكٌ مَعْنَوِيٌّ مَوْضُوعٌ لصيْرُورةِ المَرْءِ ذا جَمْع الشَّاملة لصَيْرُورَتِهِ ذا جَمْع لخواطره، وصيرورته ذا جمع لعزمه أو رأْيه مع أعْزَام القَوْم أو آرائِهم، وقال القاضي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ: العَزْمُ يَرْجِع إلى الاتِّفاق؛ لأنَّ من اتَّفَق على شَيْءٍ، فقد عَزَمَ عَلَيْه، وعلى هذا يكونُ العَزْم لازِمًا للاتِّفاق، فالإجْمَاع عِنْده حقيقةٌ من الاتِّفاق مجاز في العَزْم.
وقال ابنُ أمير حاج صاحبُ "التقرير": لِقَائِل أَنْ تقُول: المعنَى الأصليُّ له العَزْم، وأما الاتِّفاقُ فلازمٌ اتفاقيٌّ ضروريٌّ للعَزْمِ من أكْثَرَ منْ واحدٍ؛ لأن اتِّحادَ متعلِّقِ عَزْمِ الجماعةِ يوجِبُ اتِّفاقَهم عَلَيْه، لا أن العزم يَرْجِع إلى الاتفاق؛ لأن من اتفق على شَيْءٍ، فقد عزَم عَلَيْه، كما ذكره القاضي، فإنَّه ليس بمطَّرِدٍ، ولا أنه مشتركٌ لفظيٌّ بينهما كما ذَكَره الغزاليُّ أو لا ملجئ إليه مع أنه خلاف الأصل وقال ابْنُ برهان وابْنُ السمعاني: العزم: أَشْبَهُ باللُّغَةِ، والاتِّفاق: أشبه بالشَّرْع، ويجاب عنه بأن الاتِّفاق، وإن كان أشبه بالشَّرْع فذاك لا ينافي كونَه معنىً لغويًّا، وكون اللَّفْظ مشتركًا بينه وبين العزم قال أبو عليٍّ الفارسي: يقال: أجمع القوم إذَا صَارُوا ذَوِي جَمْعٍ، كما يقال: أَلْبَنَ، وأتمر إذا صَار ذا لبن، وتمر، والَّذي يظهر لي في تحرير المعنى اللُّغوي أَن بين العزم، والاتفاق عمومًا وخصوصًا وجهيًا يجتمعان في اتفاق الجماعة في إرادة شيءٍ وينفردُ العزمُ في إرادة الواحِد، وينفرد الاتِّفاق في اتفاق الجماعة في قول أو فعل بدون إرادة وعزم.
стр. 142
ولا رَيْبَ في أن المعنى الثاني بالاصطلاحي أنسب، فإنَّ الاتفاق مطلق يشمل اتفاق جمع ما، ولو كفارًا على أمر ما ولو معصية، والاصطلاحي اتِّفاق فقيد.
وقال ابن أمير حاج: كون المعنى الثاني أنْسَب مبنيٌّ على أنه إذا لم يبق من المجتهدين إلا واحد لا يكون قوله حجَّةً كما هو أحد القولين أي: وأما على رأي من يقولُ إنَّه حجَّة يكون المعنى الأول أَنْسَبَ، فمن قال: إنه حجَّةً لا يقول إنه إجَماع؛ لأنه لا يصْدُق عَلَيْه تعريفُ الإجْماع، فلا يكونُ المَعْنى الأوَّل أنْسَبَ، ويكون المعنى الثاني هو الأنْسَبُ.
الإجْمَاعُ اصْطِلاحًا:
عرَّفه الرازيُّ في "المَحْصُول" بأنه: "عبارةٌ عن اتِّفاقِ أهْل الحَلِّ والعَقْدِ من أمَّة محمَّد ﷺ على أمْرٍ من الأمورِ".
وعرَّفه الآمِدِيُّ بقوله: "عبارة عن اتِّفاقِ جمْلَةِ أَهْلِ الحَلِّ والعَقْدِ من أمَّةِ محمَّدٍ ﷺ في عَصْرٍ مِنَ الأَعْصَارِ على واقعةٍ مِنَ الوقائعِ".
وعرَّفه النَّظَّامُ من المعتزلة بقولهِ: "هُو كلُّ قولٍ قامَتْ حُجَّتُهُ حتَّى قول الواحِد".
وعرَّفه سراجُ الدِّين الأرمويُّ في "التحصيل" بقوله: "هو اتِّفاقُ المُسْلِمِين المُجْتَهِدِينَ في أحْكَام الشَّرْع على أمْرٍ ما مِن اعتقادٍ، أو قولٍ، أو فعل".
ويمكن أن يُعَرَّف بأنَّه اتِّفاقُ المجتهدين مِنْ هذه الأمَّة بَعْد وفاة محمَّد ﷺ في عَصْرٍ على أمْرٍ شرعيٍّ.
فقولُنا: "اتِّفاق" جنْسٌ في التعريف يَعُمُّ كلَّ اتفاقٍ، وخرج عنه أمْرَانِ: اختلافُ المجتهدين، وقولُ المجتهدِ الواحِدِ، إذا انفرد في عَصْرٍ، فإنه لا يكونُ إجْماعًا؛ لأنَّ الاتفاق أقلُّ ما يتحقَّق بين اثنين، والمرادُ به الاشتراكُ في الاعتقادِ أو القَوْلِ أو الفِعْلِ أو ما في معناها كالسُّكُوت عِنْد مَنْ يرى أن ذلك كافٍ في الإجماع، ولمَّا كانَتِ العبرةُ في الإجماع بالاعتقاد كما يؤخَذُ من كلامِهِمْ في مواضع، فالمرادُ به الاشتراكُ في الاعتقاد فقَطْ، أو في الاعتقادِ مع القَوْلِ، أو في الاعتقادِ معَ الفِعْل، وهذا معْنَى قَوْلِ مَنْ قال: أو مانعة خلو تجوز الجمع، ومعنى الاشْتِرَاك في الاعتقاد أن يعتقدوا جميعًا الحكم المُجْمَعَ عليه، وفي القول أن يتكلموا بما يَدُلُّ عليه، وفي الفعل أن يأتوا بمتعلَّقه، إذا كان من باب الفعل، وفي السُّكوت أن يقولَ بَعْضُهُم حكمًا في مسألة اجتهاديَّةِ، ويسكت الباقون بعد العلم به، ومضى مدة التأمّل عَادَةً
стр. 143
سُكوتًا مجردًا عن إمارَةِ سخط وتقِيَّةٍ، وكل من الاتفاق القولي، والعمليب يسمَّى عزيمة، والسكوتي يسمَّى رخصة.
وقولنا: "المجتهدين فيه" للاستغراق، فيقضي أنه لا بُدَّ مِنَ الكُلِّ فخرج به أمران اتفاق العوام إذ لا عِبْرَةَ به على التَّحقيق، واتِّفاق بعض المجتهدين مع مخالفة الآخرين.
وقولنا: "من هذه الأمة" خرج به اتفاق مجتهدي الشَّرائِعِ السَّالِفَةِ.
وقولنا: "بعد وفاة محمد ﷺ " مُتَعَلِّقٌ بـ "اتفاق"، لا بالمجتهدين؛ لأن المجتهدين قبل وفاته اتفاقهم حجة بعد وفاته، وخرج به اتفاق المجتهدين في حياته؛ لأن قولهم دونه لا يصح، وإن كان معهم فالحجَّة في قوله، وقولنا في عصر أيْ: في زمان قل أو كثر، وهو نكرة فالمراد الاتفاق في أيِّ عصر كان، وقيل: لولاه لم يدخل إلا اتفاق كل المؤمنين إلى يوم القيامة، ولكن الحقَّ أن الأمة تطلق على الموجودين في عصر كما تُطْلَقُ على كل المؤمنين من لَدُنِ الْبَعْثَةِ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ، والمتبادر هو الإطلاق الأول، فيصح الاستغناء عنه ولذا قال التفتازاني في "التَّلويح": ولا يخفى أن من تركهُ أي قَيْد "في عصر" إنَّما تركه لوضوحه لكن التصريح به أَنْسب بالتعريفات أيْ: لاحتمال لفظ الأمَّةِ المعنى الثاني: وهو كل المؤمنين، وقولنا: على أمر شرعيٍّ قيَّدْنَاهُ بالشَّرْعي؛ لأن الكلام في الإجماع الذي هو أحد الأدلة الشرعيَّة، وهذا لا ينافي أنه قد يجمع على أمر لغوي، أو عقلي، أو دنيويٍّ.
المَبْحَثُ الأَوَّلُ فِيمَا تتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الحجِّيَّةُ:
إن إثْبَاتَ حُجِّيَّةِ الإجْمَاعِ يرتكز على دعائمَ ثلاثٍ، إمكانه في نفسه، وإمكان العلم به، وإمكان نقله إلى من يحتج به، ولَقَدْ أراد منكرو حجيته أن يأتوا البنيان من قواعده فأنكروها، وقالوا: على وجه الإجْمَالِ يمتنع ثبوت الإجماع، ولو ثبت يمتنعُ العلم به، ولو علم يمتنع نقله إلى المجتهد فقد أسندوا كَلامَهُم إلى ثَلاثِ جهات فلا بد لهذا من ثلاثة مقامات:
المَقَامُ الأَوَّلُ في بيانِ إمْكَان الإجْمَاعِ:
ذهب جمهور العلماء إلى أنَّه ممكن وادَّعى بَعْضُ النَّظَّامِيَّةِ والرَّوافض استحالته، وتحرير محل النزاع أنه لا خلاف لأحدٍ في إمكان الإجماع عقلًا؛ لأن العقل لا يمنع من تصور اتِّفاق المجتهدينَ في عصر على حُكْمٍ من الأحكام؛ ولأن أدلَّتهم إنَّما تنتج استحالته
стр. 144
في حكم العَادَةِ، ولا في جوازه في ضَرُورِيَّاتِ الأحكام، وإنَّما النزاع في إمكانه عادة في الأحكام التي لا تكون معلومة بالضَّرورة، ونسب ابن الحاجب هذا القول إلى النَّظَّام ووافقه الكَمَالُ بن الهمام، وذكر العلامة السُّبْكيُّ أن هذا قول بعض أصحابه، وأمَّا رأي النَّظَّام نَفْسِهِ مع بعض أصحابه، فهو: أنَّه يتصور، ولكن لا حجية فيه هكذا نقله القاضي وأبو إسحاق الشيرازيُّ وابنُ السمعانيِّ وهي طريقة الإمام الرازي وأتباعه في النقل عنه.
شُبَهُ المُخَالِفِينَ في إمْكَانِ الإجْمَاعِ:
في هذا الصَّدد لم يلجأ معظم المصنِّفين إلى أدلَّةِ لإثبات دعوى الجمهور، وهي إمْكان الإجماع، بل اكتفوا بإيراد شبه الخصوم ثم هدمها، وفي ذلك إشْعَار بأن دعواهم بلغت من البداهة إلى حدٍّ لا تحتاج فيه إلى دليلٍ، أو تنبيهٍ، ورُبَّ سكوت أفْصَحُ من كلام.
قالوا: أولًا: لو أمكن اتِّفاقهم لأمكن نقل الحكم إليهم جميعًا؛ لأن اتفاقهم فرع تساويهم في نقل الحكم إليهم فلا يتَّحققُ إلَّا بعد تحققه، ونقل الحكم إليهم جميعًا باطل، لأن انتشارهم في الأقطار يمنع منه عادة فبطل المقدم، وثبت نقيضه، وهو عدم إمْكَانِهِ.
والجوابُ: قولكم: "انتشارهم في الأقْطَارِ يَمْنَعُ من نقل الحكم إليهم" مَمْنُوعٌ فإنَّهُ لا منع في المتواتر كالكتاب فهو لشهرته لا يخفى على أحد، ولا في أوائل الإسلام، لأن المجتهدين كانوا قليلين فيتيسَّر نقل الحكم إليهم، ولا بُعْدَ في جِدِّهم في الطَّلب والبحث، فإن المطلوب لا يخفى على الطَّالب الجاد، وجدهم في طلب العلم لا ينكره أحد، فمنهم من رَحَل من أصْفَهَانَ ببلاد الفرس إلى معرَّة النُّعمان بالشَّام على بعد ما بين البلدين، ولم يكن من غرض سوى تحقيق بعض مسائل العلم، وأمْثَال هذا من طُلَّابِ العلم من المسلمين كثير تقرأ تاريخ حياتهم فتجدهم تحملوا المشاقَّ، واقتحموا العقبات، وساحوا في أرْجَاء الدُّنيا العربية من "الفرس"، و"العراق"، و"الشام"، و"مصر"، و"الأندلس" ليدرسوا على مشاهير العلماء، وليطفئوا نيران ظَمَئِهم إلى العلوم بالري من مناهله، وبالجملة لم نجد أمة بذلت في هذا المِضمار مثل ما بذلت هذه الأمة.
قالوا ثانيًا: لو أمكن اتفاقهم، فإمَّا أن يكون عن قاطع، أو ظنيّ إذْ لا بد للإجماع من مستند، وليس وراءهما مُسْتَنَدٌ يُستند إليه، والتالي بشقيه باطل أمَّا القَاطِعُ فلأن العادة تحيل عدم الاطّلاع عليه لِتَّوَفُّرِ الذَواعي على نقله، ولو اطلع عليه لنقل، لكنه لم ينقل فلم يطلع
стр. 145
عليه، فليس الإجْمَاعُ عن قطعيٍّ، والظنيُّ تحيل العادة الاتفاق عليه لاختلاف القرائح، وتباين الأنْظارِ.
والجواب بالمنع فيهما، أمَّا القاطع فلأنه لا يجب نقله عادة إذْ قد يستغنى عن نقله بحصول الإجْماع الذي هو أقوى مِنْهُ لعدم احتماله النسخ، بخلاف القاطع، وأمَّا الظنيُّ فلأنه قد يكون جليًّا فتقبله القرائح فتتفق عليه، واختلاف القرائح والأَنْظَارِ إنَّمَا يمنع الاتِّفاق في الظنِّ الخفيِّ دون الجليِّ.
الْمَقَامُ الثَّانِي فِي بَيَانِ إِمْكَانِ الْعِلْم بإلْإجْمَاعِ:
زَعَمَ منكرو الإجْمَاعِ أنَّهُ على تقدير إمكانه، فالعلم به مُحَالٌ.
وقالوا في بيانه: الطريق إلى العلم بإجماعهم إمَّا اللإخبار بأن يخبر أهل الإجماع عن اتفاقهم، وإمَّا الحسُّ بأن نشاهد منهم فعلًا، أو تركًا يدلُّ على ذلك، وكون الطريق إليه واحدًا منهما باطل، فإنَّ سماعَ الأخبار يدلك من كل واحد من أهْلِ الإجماع، أو مشاهدة فعل أو ترك منه يدل عَلَيْهِ يتوقف على معرفة أعْيَانِهِم واحدًا واحدًا، ومعرفة معتقدهم في هذه المسأَلَةِ، ومعرفة اجتماعهم عليه في وقت واحد والوفوف على هذه الثَّلاثة متعذر أمَّا الأوَّل: فلانتشارهم شرقًا وغربًا مع جواز خَفَاءِ واحد منهم بأنْ يكون أسيرًا، أو محبوسًا في مطمورة، أو منقطعًا في جبل، أو خَامِلًا لا يعرف أنَّهُ من المجتهدين، وأمَّا الثاني: فلاحتمال أن بعضهم يكذب، فيفتي على خِلافِ اعتقاده خوفًا من سُلْطَان جائرٍ، أو مجتهد ذي منصب أفتى بخِلافه.
وأمَّا الثالث: فلاحتمال رجوع أحَدهم قبلَ فتوى الآخر، وتقرير هذه الشُّبْهَةِ هكذا: العلمُ باتِّفاقِ المجتهدين يتوقَّف على معرفة أعيانهم، واعتقادهم، واجتماعِهِم في وقت واحد، وكل ما كان كَذلِكَ، فهو محال عادةً، فالعلم باتفاقهم محال عادة، الصُّغرى ضرورية، والكبرى ودَلِيلُها ما تقدَّمَ.
المقام الثالث في إمكان نقله إلى من يحتج به:
هذه هي النقطة الثالثة التي أنكرها بعض النظامية والروافض توصلًا إلى إنكار حجية الإجماع، قالوا: لو أمكن نقل الإجماع، فإما أن يُنقل بطريق الآحاد أو التواتر، والتالي بشقيه باطل.
стр. 146
أمَّا الآحاد: فلأنها لا تفيد، إذ لا يجب العمل به في الإجماع، وأما التواتر: فلأنه يجب فيه استواء الطرفَيْن والواسطة ومن البعيد جدًّا أن يشاهد أهل التواتر جميع المجتهدين شرقًا وغربًا، ويسمعوا منهم، وينقلوا عنهم إلى مثلهم، وهكذا طبقة بعد طبقة إلى أن يصل إلينا.
وقد أجاب عن شبهة المقامين كثير من المؤلفين بأنه تشكيكٌ في مصادمة الضرورة؛ لأنَّا قاطعون بإجماع كل عصر على تقديم القاطع على المظنون، وقد تواتر إلينا أيضًا إجماع الصحابة على ذلك بحيث لا شبهة فيه، وما ذلك إلا بثبوته عنهم وبنقله إلينا، وقد أورد الشوكاني عليه، وهو ممن يرى عدم إمكان نقله: أنه مصادرةٌ على المطلوب؛ إذ قد أثبتم إمكان نقل الإجماع بنقل الإجماع، وهو إثبات للشيء بنفسه، وهو إيراد ساقطٌ؛ فإنا قد أثبتنا مُدَّعانا بتحقق صورة خاصَّة مفروضة التسليم والثبوت من الطرفين، وهذه الصورة لا يتوقف ثبوتها والقول بها على القول بإمكان نقل الإجماع، وأورد ثانيًا أن تقديم القاطع أمر ضروريٌّ يعرف اتفاقهم عليه من أن مثله لا ينكره أحد؛ إذ من المعلوم أن كل متشرع لا يقدم الحجة الضعيفة على الحجة القوية، وأما من طريق النقل تواترًا فلا، فثبت أن العلم بالإجماع ونقله غير ممكنَيْنِ.
وجوابه كما يؤخذ من شارح "المسلم" أنه في القرون الثلاثة لا سيما القرن الأول كان المجتهدون معلومينَ بأسمائهم، وأعيانهم، وأمكنتهم، ومعرفة أقوالهم ومذاهبهم ميسورة للطالب الجادِّ، وكلهم في ذلك العصر مجدون؛ فإنهم يعلمون أن اتفاق كل المجتهدين حجة قطعيَّة من الأحاديث الواردة في ذلك؛ فهم يجدون في طلبه كما يجدون في طلب الكتاب والسنة، وقد علِمنا علمًا ضروريًا بطريق التجربة والتكرار، أي: تجربة الناس لهم وتكرار استفتائهم واحدًا بعد واحد - عدم رجوعهم عما هم عليه قبل قول الآخر، وقامت القرائن الجلية والخفية على أنهم لم يكذبوا لا عمدًا ولا سهوًا؛ كيف وهم الذين لم نسمع بمثلهم في عدالتهم، ودقتهم، ونزاهتهم، وتقديمُ القاطع على المظنون من هذا القبيل، فإنَّه علم بالمشاهدة أن المجتهدين من الصحابة والتابعين كانوا يقدَّمون القاطع على المظنون، وعلم أن ذلك كان مذهبًا لهم، وأن واحدًا منهم لم يرجع قبل تقديم الآخر، فثبت أن إجماعهم قد وقع من غير ارتيابٍ، فقد ثبت جليًّا أن العلم بالإجماع بطريق النقل أمْرٌ ممكن.
стр. 147
المَبْحَثُ الثَّانِي فِي إِثْبَاتِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ:
الإجماع حجَّة قطعًا عند الجميع من أَهْلِ القبلة، ويفيد العلمَ الجازمَ، ولا عبرة بمن خالف في حجيَّته كالنَّظَّامِ والشِّيعة، وبعض الخوارج؛ لأنهم قليلون من أهل البدع والأهواء قد حَدَثوا بعد الاتفاق، يشككون في الضَّرُوريات الدِّينيَّة، كالسُّوفسطائيَّةِ في الضَّروريات العقليَّة، وقد احتجَّ أهل الحقِّ بمسالك من الكتاب والسُّنَّةِ والمعقول.
المَسْلَكُ الأَوَّلُ الْكِتَابُ:
استدلَّ الشافعيُّ ﵁ على حجيَّةِ الإجماع في "رسالته" بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [سورة النساء: ١١٥] ذكر العلامة السُّبْكِيُّ: أَنَّ الشَّافِعِيَّ اسْتَنْبَطَ الاسْتِدْلَالَ بِهذِهِ الآيَةِ بَعْدَ أَنْ تَلَا الْقُرْآنَ ثَلاثَ مرَّاتٍ، وأَنَّهُ لَمْ يسبق إليه، وقد احتجُّوا بآياتٍ أخرى، ولكن هذه الآيَة أشهرها وأقواها دلالة.
ووجه الدِّلالَةِ فيها كما يؤخذ من شرح العضد على المختصر: أن الله جمع بين مُشَاقَّةِ الرسول، واتِّباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد؛ فيلزم أن يكون اتّباع غير سبيل المؤمنين حرامًا إذْ لا يضم مباح إلى حرام في الوعيد كالزِّنا وأكل الخبز مثلًا، وإذا حرم اتباع غير سبيلهم وجب اتِّباع سبيلهم، إذْ لا مخرج عنهما وَالإِجْمَاعُ سَبِيلُهُم فيجب اتباعه.
قَالَ السَّعْدُ: قوله: "إذ لا مَخْرَجَ عنهما" إشارة إلى أن حُرْمَةَ اتِّبَاعِ غير سبيلهم، وإنْ كانت أعمَّ من وجوب اتباع سبيلهم بحسب المفهوم - لكن لا مخرج بحسب الوجود من اتِّبَاع غير سبيلهم واتباع سبيلهم؛ لأن ترك اتِّباع سبيلهم اتباع لسبيل غيرهم إذْ معنى السبيل ههنا ما يختاره الإنْسانُ لنفسه من قول أو فِعْلٍ، وقد اعتُرِضَ على هذا الدَّليل بوجوهٍ كثيرةٍ، وانفصلوا عنها، أصْعبها ما نذكره، وهو أن هذه الآية ظاهرة لعدم قطعيَّة لفظ "سبيل المؤمنين" في خصوص المُدَّعَى، وهو ما أجمع عليه واحتماله وجوهًا من التَّخْصِيص، لجواز أن يراد سبيلهم في متابعةِ الرسول أو في مناصرته، أوْ في الاقتداء به، أوْ فيما به صاروا مؤمنين، وهو الإيمان، وإذا قام الاحتمال كان غايتها الظُّهُور، والتَّمَسُّك بالظَّاهر إنَّما يثبت بالإجماع، ولولاه لوجب العملُ بالدلائل المانعةِ من اتِّباع الظنِّ نحو قوله تعالى:
стр. 148
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [سورة الإسراء: ٣٦] فيكون إثباتًا للإجماع بما لا تثبت حجيته إلَّا به فَيَصِيرُ دورًا، وأجَابَ شَارِحُ التَّحْرِير على طَرِيقَةِ أكْثَر الحَنَفِيَّةِ بما حاصله أنَّا لا نُسَلِّمُ أن الآية ليست قطعِيَّةً، بل هي قطعية، واحتمال التَّخْصِيصِ غَيْرُ قَادِح فَإِنَّ حكم العامِّ ثبوت الحكم فيما يتناوله قطعًا فيتم التَّمَسُّكُ بها من غير احتياج إلى الإجْمَاعِ فلا دَوْرَ، ونَاقَشَهُ شَارِحُ "المُسَلَّمِ" بأن معنى كون العام قَطْعِيًّا فيما يتناوله أنه لا يحتمل خلافه احتمالًا ناشئًا عن دليل، وإنْ كَانَ فيه مطلق احتمال فهو قَطعِيٌّ بالمعنى الأعم، والإجْماعُ قطعيٌّ بمعنى أنه يقطع الاحتمال مطلقًا فهو قطعي بالمعنى الأخص، فالعامُّ وإنْ قُلْنا بقطعيَّتِهِ لا يَصْلُحُ أصْلًا، ومثبتًا للإجماعِ إذِ المستند إلى الشيء لا يكون أعلى حالًا منه، وأُجِيبُ ثانيًا: سلَّمْنَا أن الآية ليست قطعيَّة بل غايَتُها الظُّهور، لَكِنَّا لا نسلم أنَّ التَّمسك بالظَّاهر، إنَّما يثبُتُ بالإجْمَاعِ، بل لأن الْعُدُولَ إلى خلافه بلا دليل يحتمله غير معقول.
المَسْلَكُ الثَّاني السُّنَّةُ:
احتجُّوا منها بأحاديث كثيرةٍ:
منها: ما أخرجه أبو داود عن أبي مالك الأشعريِّ ﵁ عن النَّبِيّ ﷺ أنه قال: "إنَّ الله أجَارَكُم مِنْ ثَلَاثِ خِلَالٍ ألَّا يَدْعُوَ عَلَيْكُم نَبِيُّكُمْ فَتَهْلِكُوا وألَّا يَظْهَرَ أهْلُ الْبَاطِلِ عَلَى أهْلِ الْحَقِّ وألّا تَجْتَمِعُوا عَلَى ضَلَالةٍ".
ومنها ما رواه أحْمَدُ والطَّبَرَانِيُّ عن ابن هَانِئٍ الخَوْلَانِيِّ عمَّن أخبره عن أبي بُصْرةَ الغفاريِّ قال: قال رسول الله ﷺ : "سَأَلْتُ رَبِّي أرْبَعًا فَأَعْطَانِي ثَلَاثًا وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً سألتُ رَبِّي ألَّا تجتمع أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ، فَأَعْطَانِيها … " الحديث.
قال في "التُّقْرِيرِ": قال شيخنا الحافظُ رجاله رِجَالُ الصَّحِيح إلا التابعي المبهم، وله شاهد مرسل أيضًا أخرجه الطبريُّ في تفسير سورة الأنعام.
ومنها قوله ﷺ : "إنَّ الله لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي، أوْ قَالَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَى ضَلَالَةٍ ويدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ، وَمَنْ شَذَّ شَذَّ إلى النَّارِ" رواه الترمذي عن ابن عمر ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ وقال: غريب من هذا الوجه.
ومنها ما رواه ابن مَاجَه بلفظ "إنَّ أُمَّتِي لا تجتمع على ضلالة فإذا رأيتم الاختلافَ فعليكم بالسَّوادِ الأَعْظَمِ".
стр. 149
ومنها قوله ﷺ : "مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ" أخْرَجَهُ الحاكم في "مستدركه" من حديث أبي ذَرٍّ، إلى غير ذلك من الأحاديث الَّتي لا تُحْصَى ووجه الاستدلال بها أنها وإن رُويت آحادًا لكن الْقَدْرَ المشترك بينها - وهو عِصْمَةُ هذه الأُمَّة عن الخطأ، والضَّلَالة - قد تواتر وحصل العلم به لما صَرَّحُوا به من أن كثْرَة الآحاد المتفقة في معنى، ولو التزامًا توجب العلم بالقدر المُشْتَركِ بينها، وهذا العلم ضروريٌّ لا يحتاج إلى دليل، بل يعلم تحققه عند الرجوع إلى الوجدان، وهو المسمَّى في الاصطلاح بالتواتر المعنوي كَشَجَاعَةِ عَلِيٍّ وجود حَاتِمٍ، وقد اعترض على هذا الدَّليل من وجهين: الأَوَّلُ أنا لا نُسَلِّمُ أن هذه الأحاديث بلغت مبلغ التواتر المعنوي، فإنَّهُ ليس بمستبعد في العرف إقدام عشرين على الكذب في واقعةٍ معيَّنةٍ بعبارات مختلِفَةٍ، والجواب أن ما ذكر تشكيك في الضَّرُورِيِّ فإنَّ كلَّ واحد من هذه الأخبار بانفراده، وإنْ جاز تَطَرُّقُ الكذب إليه إلا أن كلَّ عاقل يجدُ من نفسه بعد الاطِّلَاع على جملة هذه الأخبارِ أن قصد رسول الله ﷺ منها تعظيمُ هذه الأُمَّةِ، وعصمتها عن الخَطَأ كما علم بالضَّرورة سخاءُ حاتمٍ، وشجاعةُ عليٍّ، وإقدام عشرين، أو أكثر من العدول الأَخْيَارِ من أصحاب رسول الله ﷺ على الكذِبِ في واقعة من الوقائع مما لا يَكَادُ يُتَوَهَّمُ خصوصًا وقد تلقَّتِ الأُمَّةُ هذه الأخبار بالقَبُولِ، واحتجت بها في عصر الصحابة والتابعين على أنَّهُ لو تَمَّ ما قلتم لاقْتَضَى إنْكَار التَّوَاتُرِ المَعْنَوِيِّ رَأْسًا إذْ مثله يرد على كلِّ ما ادَّعَى تواتر معناه.
الوجه الثَّاني على تقدير تَسْلِيمِ تواتر هذه الأخبار، فتواتر المَعْنَى المُرَادِ، وهو الْقَدْرُ المشترك - غير مسلم؛ لأنه إمَّا أنْ يَكُونَ هو أن الإجماع حُجَّةٌ أو معنى آخر، فعلى الأوَّلِ يلزمكم ادِّعاءُ أن حجيَّةَ الإجماع متواترة، وأنَّ مثلها كمثل غزوة بدر، وذلك باطل وإلَّا لما وقع فيها خلاف وعلى الثَّاني فإنْ أردتم به تعظيم الأُمَّةِ مُطْلَقًا فلا يفيد الغرض، وإن أردتم به التَّعْظِيمَ المنافي لإقْدَامِهِم على الخطأ في شَيْءٍ ما، يعني عِصْمَةَ الأُمَّةِ رجع إلى الأوَّلِ وقد أبطلناه، وجوابه إمَّا باختيار الشِّقِّ الأوَّلِ، ونقول إنه مُتَواتِر قطعًا لا ريب فيه، وقولكم لو تواتر لكان كَغَزْوَةِ بدر، قلنا: هو كَغَزْوَة بدر. كيف وقد تواتر من لَدُنْ رسول الله ﷺ إلى الآن تخطئةُ المُخَالِفِ للإجماع؟ وهل هذا إلا تواتر لحجيَّته؟ والتواتر لا يوجب أنْ يَكُونَ الكُلُّ عالمين به؛ ألا ترى أن أكثر العوامِّ لا يَعْلَمُونَ غزوةَ بدر أصلًا؟ بل المتواتِرُ إنَّمَا يكون متواترًا عند من وصل إليه أخبار الجماعة، وذلك بمُطَالَعَةِ الوقائع، والمُخَالِفُونَ لم يطالعوا،
стр. 150
وإمَّا باختيار الشَّقِّ الثَّاني، وهو أن المُرَاد بِالْقَدْرِ المشتركِ عِصْمَةُ الأُمَّةِ، وقولكم: "يرجع إلى المعنى الأول" غير صحيح، بل هو معنى آخر يلزمه المعنى الأول.
المَسْلَكُ الثَّالِثُ: المَعْقُولُ:
ولنا فيه دليلان:
الدليل الأوَّل: أنَّهُم اتَّفقُوا في كل عصرٍ على القطع بِتَخْطِئَةِ المُخَالِفِ للإجماع من حيث هو إجماع، وعدُّوا تَفْرِيقَ عَصَا الجماعة من المسلمين أمرًا عظيمًا، وإثمًا كبيرًا، والعادةُ تحيل اجتماع هذا المبلغ من الأخْيَارِ المحقِّقِينَ من الصَّحَابة، والتَّابعين على قطع في حكم شرعيٍّ، لا سيَّما القطعُ بكون المخالفةِ أمرًا عظيمًا، إلَّا عن نصٍّ قاطع على خطأ المخالف، بحيث لا يكون للارتياب فيه احتمال، فإنَّهُ قد علم بالتَّجْرِبَةِ، والتَّكْرَارِ من أحوالهم، وفتاويهم علمًا ضروريًّا أنَّهم ما كانوا يقطعون بشيءٍ إلَّا ما كان كالشَّمسِ على نصف النَّهَارِ، ولا أدَلّ على تحفُّظهم ودقَّتِهِم من امتناعهم عن جمع القرآن؛ لأنه لم يجمع في عَصْرِ الرَّسُولِ، ولم يأمرهم به، ومن برضاهم بالزَّجِّ في السُّجُونِ، واستعذابهم الجلد، والعذاب دُونَ أن يفوهوا بما يُوهِمُ خلاف الشَّريعة، فبعيد على هؤلاء أن يَقُولوا، بل يقطعوا بحكمٍ، إلا عن نصٍّ قاطعٍ، وإذَا قطعنا بتخطئة المُخَالِفِ للإجماع قطعنا بحقِّيَّتِهِ وتصويبه، ونظم الدَّليل هكذا: لو لم يكن الإجماعُ حجَّةً قطعيَّة لما أجمعوا على القطع بتخطئة المخالف للإجماع، لكن التَّالي باطل، فإنَّ إجماعهم على ذلك أمْرٌ متوارث فيما بينهم، فالشَّكُّ فيه كالشَّكِّ في الضَّروريَّات، وإذا بطل التالي، بطل المقدَّم، وثبت نقيضه، وهو كون الإجماع حجَّة، وهو المطلوب، ودليل اللُّزومِ حكم العادَةِ المتقدِّم، وقد اعْتُرِضَ على هذا الدليل من وجوه:
الوجه الأول: أن فيه مصادرة على المطلُوبِ؛ لأنَّكم إمَّا أنْ تستندوا في إثبات الحجيَّة إلى إجْماعِهِمْ على القطع بتخطئة المخالف فقد أثْبَتُّمُ الإجماع بالإجماع، أو إلى نصٍّ قاطع في ذلك دَلَّ عليه إجماعهم عادة، فقد أثْبَتُّمُ الإجْمَاعَ بنصٍّ دَلَّ عليه إجماعهم، ولا يخفى ما في ذلك من المصادرة على المطلوب، وخلاصة الجواب عنه، أنَّا نستدلُّ على حجيَّةِ الإجْمَاعِ بوجود نصٍّ قاطع دَلَّنا عليه وجود صورة من الإجماع، وثبوت هذه الصُّورة من الإجماع، لا يتوقف على كون الإجماع حجَّة، فالمتوقِّف غير المتوقَّفِ عَلَيْهِ.
الوجه الثَّاني: قولكم: "العادةُ قاضيَةٌ بأن مثل هذا الاتِّقَاق لا يكون إلَّا عن نصٍّ قاطع"
стр. 151
معارض بأنَّه لو كان عن نصٍّ قاطع لتواتر لتوفُّرِ الدَّواعي على نقله، والتالي باطل، إذ لو تواتر لنقل، ولم وينقل.
والجواب عنه أنَّا نمنع الملازمةَ؛ لأن تواتر الملزوم، وهو الإجْمَاعُ على القطع بالتخطئة أغنى عن تواتر اللازم، وهو النَّصُّ القاطع الدالُّ على ذلك.
الوجه الثَّالث: قولكم: "العادة قاضيةٌ بأن مثل هذا الاتِّفاق لا يكون إلا عن نصٍّ قاطع" منقوض أيْضًا بإجْمَاع الفَلَاسِفَةِ على قِدَمِ العالم، واليهود على أن لا نبيَّ بعد مُوسى، والنَّصَارى على أن عِيسى قد قتل، فإنَّ الدَّلِيلَ يجري في هذه الصُّور مع تخلُّفِ حكمه عنها؛ لأنَّ العادة لا تحكم باستنادها إلى قاطِعٍ، والجواب أنَّا لا نسلِّمُ جريانهُ فيها، فإنَّا قد ذكرنا في الدليل أن العادة تحيل اجتماع هذا المبلغ من الأخيار الصالحين المعلوم فضلهم بمشاهدة أحوالهم الشَّريفة، وسماع الأخبار المشرفة عنهم، وهذا غير موجود في إجماع من ذكر، وأيضًا إجماع الفَلَاسِفَة ناشئ عن نظر عَقْلِيّ يزاحمهُ الوهم، واشتباه الصَّحيح بالفَاسِدِ فيه كثير، ومثله لا تَقْضِي العَادةُ باستِنَادِهِ إلى القاطع بخلاف الإجماع في الشَّرعيَّات، فإنَّ الفرق بين قطعِيِّها وظنيِّها بَيِّن لا يشتبه على أهل المعرفة، والتمييز فضلًا عن المحققين المجتهدين، وأمَّا إجماع اليهود والنَّصارى فليس عن تحقيق، بل هو ناشئ عن اتِّباعِهِم لآحاد الأوائل ﴿لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٧٩] فلا توجب العادة استناده إلى القاطع، وأمَّا الصَّحابَةُ والتَّابِعُونَ، فَإنَّهُم مُحَقِّقُونَ غير تابعين لأحدٍ.
الدَّلِيلُ الثَّانِي: من أدِلَّةِ المعقول أنَّهُم أجمعوا على أن الإجْمَاع يقدَّمُ على القاطع من الكتاب والسُّنَّةِ؛ وذلك بناءً على أن النُّصوصَ الْقَطْعِيَّة تحتمل النَّسْخَ في الجملة بخلاف الإجماع فإنَّهُ لا يحتمله ألْبَتَّةَ.
وأجمعوا أيضًا على أن غير القاطع لا يقدَّمُ على القاطع، بل القاطع هو المُقَدَّم، فلو لم يكن الإجماع حجَّةً قطعيَّة لما أجمعوا على تقديمه على القاطع، لكن التالي باطلٌ، فبطل المُقَدَّم، وثبت نقيضه، وهو أنَّهُ حجة قَطْعِيَّةٌ، وهو المطلوب، وقد اعترض عليه، وعلى الدليل السابق بأنَّ مقتضاها أن الإجْمَاعَ، إنَّما يكون حجَّة قطعيَّة إذا بلغ المجمعون عدد التَّواتر فإن ما لم يبلغ فيه المجمعون عدد التَّواتر لا يقطع بتخطئة مخالفه، ولا يقدَّم على القاطع إجماعًا.
стр. 152
والجواب أنَّا لا نسلم أن مقتضاهما ما ذُكِرَ إذ كل منهما ناهض في إجْمَاعِ المسلمين من غير تقييد ولا شرط، وتخطئة المخالف، وتقديمه على القاطع مطلقًا لم يتعرَّض فيهما لاشتراط عدد التَّواتر.
تَأْوِيل قَوْلِ الْإمَامِ أَحْمَدَ "مَنِ ادَّعَى الْإِجْمَاعَ فَهُوَ كَاذِبٌ":
عثر الخصومُ على عبارةٍ للإمام أحمدَ بْنِ حنبلٍ ﵁ تؤيِّد في ظاهرها دعواهم فتشبَّثوا بها، وظنُّوا أنَّهم حصلوا على شيء وما حصلوا على شيء، وهذه العبارة هي قوله: "مَنِ ادَّعى الإجماعَ فهو كَاذِبٌ"، ولإبْطَالِ تمسُّكهم بها نقول: إنَّ الإمام أحمد أطلقَ القَوْلَ بصحَّةِ الإجْمَاعِ في مواضعَ كثيرةٍ، منها ما رَوَى البَيْهَقِيُّ عنه أنه قال: أجمع النَّاس على أن هذه الآية في الصَّلَاة يعني: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [سورة الأعراف: الآية ٢٠٤] فَلَوْ لَمْ يَرَ ثبوت الإجْماع، وثبوت العِلم به ما أطْلَقَ القول بِصِحَّتِهِ فمن المُحَتَّمِ أن تُؤَوَّل عبارته تأويلًا يَتَّفِقُ وقوله هذا، وقد ذكروا له عدَّة تأويلات:
منها: ما قاله شارحُ المُخْتَصَر، وتبعه صاحب "التَّحْرِيرِ" و"المُسَلَّمِ". أنَّهُ محمول على استبعاد انفراد ناقله به، فَمَعْنَاهُ من ادَّعى الإجماع حيث لم يطَّلِعْ عليه سواه، فهو كاذب، إذْ لو كان صادقًا لاطَّلَعَ عليه غيره.
ومنها: ما نقله صاحب التقرير عن أصحاب الإمام أحمد أنَّهُ قاله على جهة الوَرَعِ لجواز أن يكون هناك خلاف لم يبلغه فمعناه من ادَّعى الإجْماع جازمَا به، مع احتمال وُجُودِ خلاف لم يبلغه فهو كاذب، ويَشْهَدُ لهذا لفظه في رواية ابنه عبد الله وهو "من ادَّعى الإجماع فقد كذب، لعَلَّ النَّاسَ قد اختلفوا"، ولكن نَقُولُ: لا نعلم النَّاس اختلفوا إذا لم يبلغه.
ومنها: ما نقله في التَّقْرِيرِ أيضًا عن ابن رجب أنه قاله إنْكارًا على فقهاء المُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ يدَّعُون إجْمَاعَ النَّاسِ على ما يقولون، وكانوا من أقلِّ النَّاسِ معرفةً بأقوال الصَّحابَةِ والتَّابِعِين، وأحمد لا يكاد يوجد في كلامه احْتِجاجٌ بإجْمَاع بعد التَّابِعِين، أو بعد القرون الثَّلاثَةِ فمعناه من ادَّعى الإجماع من هؤلاء المعتزلة على رَأْيِهِ الَّذي انفرد به، فهو كاذب.
ومنها: أنَّه محمول على حدوثه الآن، فمعناه: من ادَّعى حدوث الإجْماعِ الآن، فهو
стр. 153
كاذب لعدم إمكانه أو إمكان الاطِّلَاعِ عَلَيْهِ، وبهذا بطل تأييد دعواهم بها ولم يبق لهم مُتَمَسَّك. والله أعلم (١).
القِيَاسُ
وَرَبَّعْنَا الْقوْلَ بالقياس؛ لأَنَّ مكانته بعد الكتاب والسُّنَّةِ والإِجْمَاعِ.
وسوف نتكلم عن مكانته من مصادر الشَّرِيعَةِ الإسلاميَّةِ ومدى الحاجة إليه، ونتكلم عنه لُغَةً، واصطلاحًا، وحكاية الأصوليِّين لمعنى القياس لغة، ونتكلم عن حجيَّة القياس، وكيف هو أصل من أصول التَّشْريع، والحجج الدَّالة على أصليَّته وحجيته، ودفع حجج المنكرين بعد مناقشتها وَدَحْضِها.
وسوف نذكر مبحثًا عن وقوع القياس وعدمه، وأدلَّة الوقوع سَمْعًا وعقلًا.
وقد فصَّلْنا فيه القول؛ لكثرة الخلاف فيه وردِّ البعض له.
فنقول:
_________
(١) ينظر: ما يتعلق بالإجماع ومسائله في كشف القناع عن حجية الإجماع لشيخنا محمد أبو ريا ص ١ وما بعدها، والإجماع لشيخنا أحمد عبد الغني ص ٣ وما بعدها، البرهان لإمام الحرمين ١/ ٦٧٠، البحر المحيط للزركشي ٤/ ٤٣٥، الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ١/ ١٧٩، سلاسل الذهب للزركشي ص ٣٣٧، التمهيد للأسنوي ص ٤٥١، نهاية السول له ٣/ ٢٣٧، زوائد الأصول له ص ٣٦٢، منهاج العقول للبدخشي ٢/ ٣٧٧، غاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ص ٢٠٩، التحصيل من المحصول للأرموي ٢/ ٣٧، المنخول للغزالي ص ٣٠٣، المستصفى له ١/ ١٧٣، حاشية البناني ٢/ ١٧٦، الإبهاج لابن السبكي ٢/ ٣٤٩، الآيات البينات لابن قاسم العبادي ٣/ ٢٨٧، حاشية العطار على جمع الجوامع ٢/ ٢٠٩، المعتمد لأبي الحسين ٢/ ٣، إحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي ص ٤٣٥، التحرير لابن الهمام ص ٣٩٩، تيسير التحرير لأمير بادشاه ٣/ ٢٢٤، التقرير والتحبير لابن أمير الحاج ٣/ ٨٠، ميزان الأصول للسمرقندي ٢/ ٧٠٩، كشف الأسرار للنسفي ٢/ ١٨٠، حاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/ ٣٤، شرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ٢/ ٤١، حاشية نسمات الأسحار لابن عابدين ص ٢٠٩، شرح المنار لابن ملك ص ٩٩، الوجيز للكراماستي ص ٦١، تقريب الوصول لابن جُزيّ ص ١٢٩، إرشاد الفحول للشوكاني ص ٧١، شرح مختصر المنار للكوراني ص ٩٩، نشر البنود للشنقيطي ٢/ ٧٤، شرح الكوكب المنير للفتوحي ص ٢٢٥.
стр. 154
مَكَانَةُ القِيَاسِ مِنْ مَصَادِرِ الشَّرِيعَةِ الإسْلَامِيَّة، وَمَدَى الحَاجَةِ إِلَيْهِ:
استهلالًا: نقول الحمدُ لله الذي أيْقظ العُقُول من رقُودِها، ونبَّه الأفكارَ منْ خُمُودها، فراحَتْ تتلمَّس مناص النقْص في حياتنا العلميَّة، وترْسُمُ طُرُق الإصْلاح لسعادة الدُّنيا والآخِرَة، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى رُسُلِه وأنبيائِه ومَنْ سَار عَلى دربهم من عبادهِ وأوليائه.
وبعد، فإن كتاب الله تعالَى هو المصْدَرُ الأوَّل من مصادِر الشَّريعة الإسْلَاميَّة تِبْيانًا لكل شيْءٍ عَلى سبيل الإجْمَال تارَةً، والتَّفْصيلِ تارةً أخْرَى. وتُعتبر السُّنَّة النبويَّةُ المطهرةُ هي المصْدَرَ الثَّانِيَ من مصادِر الشَّريعة الإسْلاميَّة، وذلك بِدَعْوة القرآنِ الكرِيمِ إلَى وجوب اتِّباع السُّنَّة النبويَّة: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [سورة الحشر: الآية ٦] كما قال سبحانه: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾ [سورة المائدة: الآية ٩٢].
ويُعْتَبر الإجماعُ هو المصدَر الثالثُ من مصادر الشَّريعة الإسلاميَّة، كما دلَّت على ذلك نصوصُ الكتابِ والسُّنَّةِ عَلى أن الأمَّة الإسلاميَّة لا تجتمع على ضلالةٍ، وعلَيْه فإجْمَاع الأمَّة على حكْمٍ ما منَ الأحكام الإسلاميَّة دليلٌ على أنَّه حقٌّ مطابِقٌ للواقع.
فالإجْماعُ إذن هو المصدرُ الثَّالِثُ باعتبار دلالةِ المصْدَريْن الأَوَّلَيْن عليه، أي: الكتابِ والسُّنَّةِ - لا باعتبار مَرْتَبَتِه في الدَّلالة، فإنَّه عند القَطْع بثبوته ودلالته يُقدَّم عليهما، فيكونان عنْد معارضته إيَّاهما مؤَوَّلَيْن، أو منْسُوخَيْن، أو مخصَّصَيْن، أو مقيَّدَيْن، لكنَّ النَّسْخ والتَّخْصِيص والتَّقْييد إنَّما هو بالمُسْتَنَد الذي استند الإجْماع علَيْه، وإنْ لم يَصِلْ إلَيْنا، لا بنَفْس الإجْماع؛ لأنه لا دَخْل لآراء الرِّجَال في تحديد أحكام الله تعالَى.
وأمَّا عنْد ظنِّ ثبوتِ الإجْماع؛ بأنْ نُقِلَ إلَيْنا آحَادًا، أو ظن دلالته بأنْ كان إجْماعًا سكوتِيًّا مثلًا، فإنْ أَثْبَتَ حُكْمًا مسكوتًا عنْه، كان مَقْبولًا، وإنْ عارضَ كتابًا أو سُنَّة، فلا بدَّ من الجمع أو الترجيح علَى القواعدِ المعروفَة عنْد الأصوليِّين.
ومما يملأ النَّفْس إعجابًا بالشَّريعة الإسلاميَّة المطهَّرة، وإكْبارًا لشأْنِها أنَّها ضمَّت إلى أصولها الثَّلاثة السابِقَة - أعْني: القرآنَ والسُّنَّة والإجْمَاع - أصلًا رابعًا؛ ألا وهو القياسُ، وبذلك ضَمِنتِ الشريعةُ الإسلاميَّةُ الغرَّاءُ لنفسها البقاءَ أَبَدَ الدُّهور والأعْصَار، كما ضَمِنَت لِنَفسْها الاتِّسَاع؛ لتشمل مصالِحِ النَّاس، سواءٌ كانوا في صحْرَاءَ قاحلةٍ، أم كانوا في الحضارة الزَّاهِرَة.
стр. 155
فإذا نزلَتْ بالنَّاس حادثةٌ جديدةٌ لا عهْدَ لهُمْ بها، أو عَنَّتْ لهم مسْأَلةٌ لم تكن منْ ذي قَبْل، أُضِيفَ للقانونِ ما يَسُدُّ الحاجةَ ويُكَمِّل النقْص. ولكنَّ الأحكام الإلهيَّة لا مجال للرأْي فيها، فلا يُزَاد أو ينقص فيها بالهَوَى، كما أن نصوصَ التَّشْريع التي بيْن أيدينا - محصورةٌ ومحدودةٌ؛ فلا سبيل إلى أن تَتَّسِع هذه الشريعةُ الغَرَّاء لمصالِحِ النَّاس، وما يَنْزِل بهم من شُؤُون وأحداثٍ، إلَّا بأنْ نَتَّخِذَ من تلْكَ النُّصُوصِ الكثيرةِ أصولًا نَرُدُّ إليها فروعَهَا ونَقِيسُ عَلَيْها أشباهَهَا.
إِذَن القياسُ هو المصْدَر الرَّابعُ مِنْ مصادر الشَّريعة الإسلاميَّة، باعتبار دَلَالَة المصادِرِ الثَّلاثة - القرآنِ، والسُّنَّة، والإجْمَاع - علَيْه، كما أن منزلة القياسِ منْ هذه المصَادِر الثَّلاثة منزلةُ المُؤَكِّد، أو النَّاسِخِ، أو الشَّارحِ، أو المُكَمِّل ما لم يكن مردُودًا بَاطِلًا.
والقياسُ مصْدَرٌ مهمٌّ لا بدَّ منه، ولا غِنَىً للمجتهد عَنْه؛ لأنَّه الهادي إلى عِلَلِ الأحْكام، والكاشِفُ عَنْ أسْرَار التَّكَاليف.
غير أنه يُلَاحَظ قبْل العَمَل بمقتضَى القياسِ أنَّه لا بدَّ من البَحْث عَن النصُوصِ، وَموَاقِع الإجْماع، حتَّى لا يعمل المجتهدُ بمقتضى قياسٍ بَاطلٍ أو مردُودٍ من حيْثُ لا يَشْعُر؛ لمعارضته لِمَا لَمْ يعلَمْه من القواطِعِ، أو الظَّواهر التي هي أرْجَحُ منه.
ويُعتبر القياسُ منْ أشقِّ مصادر الشريعة الإسلاميَّة على المجتهد وأشدِّها حاجةً إلَى ذكاءِ عقْلِه، وصفَاءَ رُوحِهِ؛ لأنَّ المصادر الثلاثَةَ الأُخْرَى مبْنَاها النَّقْل، أما القياسُ فمبناهُ معرفةِ عِلَلِ الأحْكام، ووجود هذه العِلَلِ في الفُرُوع، وهذان الأمران يحتاجان إلى فِكْرٍ وتأمُّلٍ واعتمادٍ على العَقْلِ والذَّكاء.
ولقد حاول قوْمٌ اطِّراحَ النَّظَر في القياسِ، فأخَذُوا يتلقَّفون الشُّبَه ويتصيَّدون المآخِذَ ليغتالوا من الشريعة الإسلاميَّة أَصْلًا أصيلًا من أصُولها، وركْنًا ركينًا من أرْكَانها.
وهمْ بِهذَا يحولُون بَيْن الشَّريعة الإسلاميَّة وبَيْن مهمتها في الحياة، وهي أنْ تبْقَى أبَدَ الدهورِ قانونًا للنَّاس، وأن يجد النَّاسُ فيها على اختلافِ زمانِهِمْ ومكانِهِمْ كلَّ ما يطْمَحُون إليه في الدُّنيا والآخِرَة.
لا سيَّما، والنصوص كما قلنا - محدودةٌ محصورةٌ، والوقُوفُ عنْد ظواهرها تقْصيرٌ وتفريطٌ، ولا يمتنع التَّقْصِيرُ والتَّفْريطُ في شيءٍ ما يمتنعان في اسْتِنْبَاط الشرائع، وتعرُّف الأحكامِ.
стр. 156
القيَاسُ أصْلٌ منْ أُصُولِ الفِقْه:
الحقُّ الذي لا مِرْيَةَ فيه أن القياس أصْلٌ أصيلٌ من أصول الفِقْه، بل لا نَعْدُو الصَّوابَ إذا قلْنا: إنَّ القياسَ منْ أدق مباحِثِ أصُول الفِقْه وأعْمَقِها أَثَرًا.
وقد اختلفَ العُلَمَاءُ في كَوْن القياس أصْلًا من أصُول الفِقْه أو ليْسَ بأصْلٍ، ولكلِّ فريقٍ أدلَّتُه وبراهينُهُ:
حيث ذَهَبَ الأكثرَون من جُمْهور الأصوليِّين والفُقَهاء إلى أن القياس أصْلٌ من أصول الفِقْه، ودليلٌ من أدلَّتِه كالكِتَاب والسُّنَّة والإجْمَاع.
بينما يرَى إمامُ الحرمَيْن أن القياس لَيْس بأصْلٍ من أُصول الفِقْه، وحجَّتُه علَى ذلك أن الأدلَّة إنَّما تُطْلَق على المقْطُوع به، والقياسُ لا يُفيدُ إلَّا الظنَّ، وهذا مَمْنوعٌ.
وكلام إمام الحرمين ممنوعٌ؛ لأن القياس قد يكون قطعيًّا.
وقد وجَّه العلَّامةُ الشِّربينيُّ ما قاله إمامُ الحرمَيْن بقوله: الظَّاهِرُ أن أصُولَ الفقْهِ عنْد إمامِ الحرمَيْنِ لا تُطلَقُ إلَّا على ما يُثْبِتُ الفِقْهَ بالاستقلال؛ بألَّا يحتاج في الدَّلالَةِ على الحُكْم لأَحدِ هذه الثَّلاثة ضرورةَ تَوَقُّفِهِ علَى العلَّة المَنْصُوصة بأحدها، أَوِ المستَنْبَطَة مما نصَّ عليه به، فثبت أن كونه حُجَّةً، لا ينافي أنَّه لَيْس منْ أصُول الفقْه.
وقد يقول قائلٌ: إنَّ الإجماع يفتقر أَيْضًا إلَى السَّنَد، فيَنْبَغي أَلَّا يكونَ مِن الأصُول عَلى هذا.
وقد كفَانَا مؤنَة الردِّ صاحبُ "التَّلْوِيح"، حيْثُ أجابَ بأنَّ الإجماع إنما يحتاج إلى السَّنَد في تحقُّقه لا في نفْس الدَّلالة علَى الحُكْم، فإن المستدلَّ به لا يحتاج إلى ملَاحَظَة السَّنَد والالتفاتِ إلَيْه بخلاف القياسِ، فإنَّ الاستدلال به لا يُمْكِن بدون اعتبار أحَدِ الأُصُول الثلاثةِ - القُرْآن، السُّنَّة، الإجْمَاع - وحينئذٍ، فحيْثُ احتاج القياسُ في الدَّلالة علَى الحُكْم إلى الغَير لا يصحُّ إطلاق الأصْل عليه؛ لما أن الأصْلَ ما يُبْنى عليه غيْرُه، وهو المحتاجُ إلَيْه، والقياس مبنيٌّ على غيره، ومحتاجٌ إلَى ذلك الغير.
وإليْكَ كلمةً قصيرةً عنْ هذا الأصْلِ الأصِيلِ فنقُول - وبالله التوفيق -:
стр. 157
الْقِيَاسُ لُغَةً:
"في القاموس المحيط" للفيروز آبادي في مادة "ق ي س": "قَاسَهُ بغيره وعلَيْه يَقيسُهُ قَيْسًا وقياسًا، واقْتَاسَهُ: قدَّره على مثاله، فانْقَاسَ، والمِقدارُ مِقْيَاسٌ .. ، وقايَسْتُه: جارَيْتُه في القياس، وبين الأمرين: قدَّرْت، وهو يقتاس بأبيه؛ واويٌّ يائيٌّ".
وفي مادَّة "ق و س" والقوس الذِّراع؛ لأنه يُقَاسُ به المَذْرُوع، وقاس يقُوسُ قَوْسًا كـ "يَقيسُ قَيْسًا" .. ؛ ويقتاس: أي يقيس، وفلان بأبيه: يَسْلُك سبيلَه ويقْتَدِي به.
وفي "لسان العرب" لابن مَنْظُورٍ: "قاس الشَّيْء يَقِيسُه قَيْسًا وقياسًا، واقتاسه، وقَيَّسَه: إذا قدَّره على مثاله".
قال الشَّاعِرُ: [السريع].
فَهُنَّ بِالأَيْدِي مُقَيِّسَاتُهْ … مُقَدِّرَاتٌ وَمُخَيِّطَاتُهْ
والمقياس: المقدار، وقاس الشيء يقُوسُه قَوْسًا: لغةٌ في قاسَهُ يَقِيسُه، ويقال: قِسْتُه، وقُسْتُهُ أَقُوسُه قَوْسًا، وقياسًا، ولا يقال: أَقَسْتُهُ بالألف، والمقياسُ: ما قِيسَ به، والقَيْسُ والقَاسُ: القَدْر.
تَحْرِيرُ فِعْلِ الْقِيَاسِ وَتَعْدِيَتِهِ:
القياسُ: مصدرُ "قَايَسَ" من المفاعلة لا مصْدَرُ "قاسَ" من الثلاثيِّ؛ لأن المساواة من الطرفَيْن، ومصْدرُ الثاني: قَيْسٌ، يقال: قاسَ يقِيسُ قَيْسًا؛ فعلى هذا، يكون لكلٍّ من المصدَرَيْن المذكورَيْن فعْلٌ يخُصُّه، فالأولُ فعْلُه رباعيٌّ، وهو "قَايَسَ"، والثَّاني ثلاثيٌّ، وهو "قَاسَ"، وفي "القاموس المحيط" للفيروز آباديِّ "ولسان العرب" لابن منظور ما يدُلُّ على أن المصدَرَيْن المذكورَيْن أصَلٌ لفعْلٍ واحدٍ؛ وعلى هذا، يقال لغةً: قاس الشيء بغيره وعليه، يقيسه قَيْسًا وقياسًا، واقتاسَهُ: قدَّره على مثاله، وإلَى ذلك ذهب الإسْنَويُّ؛ حيث قال: القياسُ والقَيْسُ مصدرانِ لـ "قَاسَ"، وأكثر الأصوليِّينَ يقولون: إنَّ القياس بحَسَب أصْلِ اللغة؛ يتعدَّى بـ "الباء"، وأن المستعمَلَ في عُرْف الشرع يتعدَّى بـ "على" لتضمُّنه معنى البناء والحَمْل.
والخُلَاصَةُ: أنه يمكن الْقَول بأنه لا حاجة إلى ذلك؛ لأن ما ذكر في كتب اللغة المذكورة يَدُلُّ على أن القياس يتعدَّى بـ "على" كما يتعدَّى بـ "الباء"؛ وعلَيْه فلا معنى
стр. 158
للتضمين، إلَّا أن يقال: إنَّ المستعمَلَ من القياس في عُرْف الشرع لا يَكَاد يُذْكَر إلَّا مُتعدِّيًا بـ "على".
حِكَايَةُ الأُصُوليِّينَ لِمَعْنَى الْقِيَاسِ لُغَةً:
تنوَّعت آراءُ الأصولِيِّينَ في حكاية مَعْنَى القياس لغَةً فَرَأْيٌ يَرَى أنه هو: التقديرُ والمساواةُ والمجموعُ منْهما؛ وعلَيْه، فيكون لفْظُ "القياس" على هذَا مشتركًا لفْظيًّا بيْن هذه المعاني الثلاثة، أي وُضِعَ لكلٍّ منها بوضْع؛ لأن تعريف المشترك اللَّفْظيِّ هو: ما اتَّحَدَ لفْظُه وتعدَّد معناه ووَضْعُه، كما هو مبيَّنٌ في باب الاشتراك، مثال المَعْنى الأوَّل من الثلاثة: قِسْتُ الثَّوْب بالذِّرَاع.
ومثال المعْنَى الثَّاني: فلانٌ لا يُقاس بفلانٍ، أي: لا يساويه. ومثال المعنى الثالث: قِسْتُ النَّعْلَ بالنَّعْلِ، أي: قدَّرته به، فساواه، وهذا ما ذهَب إلَيْه الإمامُ القاضي المحقِّق عَضُد الدِّين؛ أخذًا من إيراده الأمثلة الثلاثَةَ.
ورأْيٌ يَرى أنه حقيقةٌ في التَّقْدير، مجازٌ لغويٌّ في المساواة، وذلك باعتبارِ أن التقدير يَسْتدعي شيئَيْن، يضاف أحدهما إلى الآخَر بالمساواةِ، فيكون تقدير الشيْء مستلزمًا للمساواة واستعمالُ لفْظِ الملزوم في لازِمِه شائعٌ، وهذا ما ذهب إليه سيْفُ الدِّين الآمديُّ في "الإحْكَامِ"، وعلاقةُ المجازِ، على هذا، اللازميةُ والمَلْزُوميَّةُ.
ورأْيٌ يرَى أنه حقيقةٌ عرفيَّةٌ؛ وعليه جرى محبُّ الدِّينِ بْنُ عبد الشَّكورِ الهنديُّ صاحبُ "مُسَلَّم الثُّبُوت".
وعلى هذا القول، والقول بالمجاز؛ فالمناسبةُ بين المعنى اللُّغوي، وهو التَّقدير، والمعنى الاصطلاحيُّ: إنَّما هي باعْتبار هذا اللازمِ، وهو المساواة، فإن المعنَى الاصطلاحي؛ إما مساواة خاصَّةٌ، فيكون من أفراد هذا اللازم أو يتضمَّنُها ويُبْنَى عليها. ويَرَى فريقٌ آخَرُ أنه: هو مشتركٌ معنويٌّ؛ وهو ما اتَّحد لفظه ومعناه، كما هو مذكورٌ في "باب الاشتراك" من كتب الأصول؛ لأن معنى "القياس" على هذا الرأْي: هو التقديرُ فقَطْ، وهو كُلِّيٌّ تحته فردان؛ بحيث يُطْلَق لفظ "القياس" عليهما؛ باعتبار شمول معناه - الَّذِي هو التقديرُ - لهما وصِدْقِهِ عليهما:
الأوَّل: استعلام القَدْر، أي: طلَبُ معرفة مِقْدار الشَّيْء، مثل: قِسْتُ الثَّوْبَ بالذِّراع.
стр. 159
والثَّاني: التَّسْوية في مقْدارٍ مثل: قِسْتُ النَّعْل بالنَّعْل، سواءٌ كانَتِ التسويةُ حسِّيَّةً؛ كالمثالَيْن السابقَيْن، أم معنويةً؛ كما يقال: فلانٌ لا يُقَاسُ بفلان، أي: لا يساويه ومنْه قول الشاعر: [البسيط]
خِفْ يَا كَرِيمُ عَلَى عِرْضٍ تُدَنِّسُهُ … مَقَالُ كُلِّ سَفِيهٍ لَا يُقَاسُ بِكَا
ووجه نقل القياس على هذا القولِ إلى المعْنى الاصطلاحي ظاهر؛ كما أن نقْلَه إلى المعنى الاصطلاحي؛ على القول بالاشتراك اللفظيِّ: إنما هو من معنى المساواة، كما هو واضح. ويرَى فريقٌ آخَرُ أن معناه الاعتبار، كما نصَّ على ذلك الزركَشِيُّ في "البحر المحيط" بعد أن حكى أن المشْهُور في معنى القياس لغةً: هو تقدير شيْءٍ على مثال شيْءٍ آخرَ، وتسويتُه به، وفي هذا يقول: وقيل: القياسُ مصدرُ قِسْتُ الشيْء، إذا اعتبرتَه، ومنه قَيْسُ الرأْي، وامْرُؤُ القَيْسِ؛ لاعتبار الأمور برأْيه، وقُسْتُه، بضم القاف، أَقُوسُه قَوْسًا، ذكر هذه اللُّغةَ الجوهريُّ في "صِحَاحِهِ"، فهذه الصيغة من ذوات الياء والواو.
وفي "البرهان": القياس في اللغة: التمثيلُ والتَّشْبيه.
وقال الماوَرْدِيُّ في "الحاوي" والرُّويانيُّ في كتاب "القَضَاء": "القياسُ في اللُّغة، مأخوذٌ من المماثلة؛ يقال: هذا قياسُ هذا، أي: مثله".
ويرى ابن السَّمْعَانِيِّ في "القواطع" أن القياسَ مأخوذٌ من الإصابة؛ يقال: قسْتُ الشيْءَ، إذا أصبته؛ لأن القياس يصاب به الحُكْم.
قال الشيخُ محمَّد أحمد سلامة في رسالته في القياس: "وخُلاصةُ ما يُؤْخَذ من كتب الأصول من بيان معْنَى القياس لغةً سبعةُ معانٍ:
الأوَّلُ: أن معناه التقدير، والمساواةُ من لوازمه.
الثاني: أن معناه التقديرُ والمساواةُ والمجموعُ منْهما؛ على سبيل الاشتراك اللفظي بين الثلاثة.
الثالث: أن معناه التقدير فقط، وهو كُلِّيٌ تحْتَه فرْدَان؛ استعلامُ الْقَدر والتسوية، فهو مشترك اشتراكًا مَعْنَوِيًا.
الرابعُ: أن مَعْناه الاعتبارُ.
الخامس: أن معناه التمثيلُ والتَّشْبيه.
стр. 160
السادس: أنَّه المُمَاثَلَة.
السابع: أنَّه الإصَابَة.
ولا يخفَى وجه نقْلِ القياسِ إلى المَعْنى الاصطلاحي؛ على المعنى الرابع والخامس والسادس، أما على المعنى السابِعِ فوجه نقْله أن القياس يصاب به الحُكْم كما أشرنا إلى ذلك، والمعنى المشهور من كلِّ ذلك هي الثلاثةُ الأُوَل، لذلك اقتصَرَ عليها الكمالُ بْن الهمام ورجح المعْنَى الثالثَ منها، وهو كوْنُه مشتركًا معْنَوِيًا بيْن معنَيَيْن؛ استعلامِ القَدْر، والتسويةِ في مقدار، ونَسَبَ ذلك إلى الأكْثَر بقوله: ولم يزد الأكثر كـ "فخر الإسلام"، و"شمْسِ الأئمة السرخسِيِّ"، وحافظ الدين النَّسَفِيِّ وغيرِهم على أن معنى القياسِ لغَةً: "التَّقديرُ واستعلامُ القدْرِ، والتَّسْويةُ في مقدار، فَرَدَّ مفهوم التقدير مَعَ نَفْيِه كوْنَ القياسِ مُشْتَرَكًا لفظيًا فيهما، أو في المَجْمُوع، ونَفْيِه كوْنَه حقيقةً في التقدير، مجازًا في المساواة".
وقَوَّاه شارحه؛ بأن القياس باعتبار صدْقِ معناه الذي هو التقْدِيرُ عَلى معنَيَيْه؛ أعْنِي استعلام القدر والتسوية، من قبيل التواطُؤِ، والتَّواطُؤُ مقدَّم على كلٍّ من: الاشتراكِ اللَّفْظيِّ؛ كما هو الرأْيُ الأَوَّل، والمَجَاز، كما هو الرأْي الثاني، إذا أمكن، وقد أمكن وهو الراجح؛ لأن التواطُؤ ليس فيه تعدُّدُ وضْعٍ ولا احتياجٌ إلى قرينة؛ لأنَّه حقيقةٌ في كل أفراده بخلافِ المشتَرَكِ اللَّفْظِيِّ، فإنَّ فيه تعدُّدَ الوضْع والمعنْى والاحتياج إلى قرينة تُعَيِّن المراد من أفراده، وبخلاف المجاز، فإنَّه يحتاج ضرورةً إلى قرينةٍ لفَهمْ المعْنَى المراد مِن اللَّفْظ.
وَما لا يحتاج إلى شيْءٍ في فهْم معناه أولَى ممَّا يحتاج.
الْقِيَاسُ في اصْطِلَاحِ عُلَمَاءِ الشَّرْعِ:
تنوَّعت آراء الأصولِيِّينَ القائِلِينَ بالقياس في مسمَّى اسْمِ "القياس"، فذهب بعضُ الأصولِيِّين إلى أنَّه "فعْلُ المجتهدِ".
وذهب آخرون إلى أنه "حجَّةٌ إلهيَّةٌ"، وضعها الشارعُ لمعرفة حُكْمِه؛ فهو أمر موجودٌ في ذاته وليس فعْلًا لأحد؛ ولذلك يُقال: القياسُ مُظْهِرٌ لا مُثْبِتٌ، وبَرْهَن كلُّ صاحبِ رأْيٍ على ما ذَهَب إليه.
حُجَجُ الرَّأْي الأَوَّلِ:
استدلُّوا على أنه "فعْلٌ من أفعال المجتهد" بجميع التفريعات والاستعمالات؛ حيث
стр. 161
تنبئ عن أنه فعْل المجتهد؛ وذلك لأنَّ مَنْ تتبَّع استعمالاتِ الصحابةِ والتابِعِينَ - رضوان الله عَليْهِم - قطَع بلا شَكٍّ بأنهم لا يطلقون القياسَ إلا على "فعْل المجتهد".
من ذلك قول سيِّدنا عُمَرَ بْنِ الخطَّاب لأبي موسى الأشْعريِّ "اعْرِفِ الأَشْبَاهَ وَالنَّظَائِرَ، وَقِس الأُمُورَ بِرَأْيِكَ" والذي يفهم من هذا القول: إن القياس "فعْل المجتهد" واستدلُّوا أيْضًا بأن "فعْل المجتهد" هو الذي يترتَّب عليه اشتغالُ ذمَّةِ المكلَّفِ بالفعْل أو التَّرْك، وجاء منه قولُه تعالَى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [سورة الحشر: الآية ٢] والاعتبارُ المقصودُ في الآية هو الإلحاقُ الحاصلُ بعد النظر في الأدلَّة؛ وذلك لأن الاعتبار في الآية أَمْرٌ، ولا أمْرَ إلَّا بِفعْلٍ.
حُجَجُ الرَّأْي الآخَرِ:
استدلَّ القائلون بهذا الرأي أن القياس دليلٌ من الأدِلَّة الشرعيَّة من الكتاب والسُّنة، وضَعَه الشارعُ الحكيم؛ ليدرك منه المجتهدُ حكْمَ الله عن طريق النَّظَر فيه؛ فعلَى هذا، يكون "القياسُ" دليلًا ثابتًا في ذاته، سواء نَظَر فيه المجتهدُ أمْ لا، وتكون دلالَتُه علَى الحُكْمِ ثابتةً - وإن لم يَنْظُر فيه المجتهد، فإن قالَ قائلٌ: لا مانع مِنْ أن يعتبر الشارعُ "فعْلَ المجتهدِ" الذي شأنه أن يصدر عنه دليلًا؛ كما اعْتَبَرَ "الإجْماعَ" الذي هو "فعل المجتهدين" دليلًا. والجوابُ عنه: أن الفعْل في ذاته لَيْسَ دليلًا ولو سلَّمنا أنه هو الدَّليل، فأين الأمارةُ التي اسْتَنَدَ إلَيْها المجتهدُ حتى قاس.
فقولكم كالإجماع: قياسٌ مع الفارق؛ لأن المجتهدينَ في إجماعِهِمْ على أمْرٍ لا بُدَّ من استنادهم إلى دَلِيلٍ، وإن كان غيْرَ مصرَّحٍ به، وعلَى هذا، فأيْنَ الدليل الذي استند إلَيْه المجتهدُ حتى ألْحقَه؟ كما أن القياس دليلٌ من الأدلة، وهي أمورٌ من شأنها أن العِلْم بها يؤدِّي إلى العلم بشيْءٍ آخر، وليس فعل المجتهد كذلك.
وأَمَّا الإجماعُ فمستَنَدُه الدليل، لكنْ لما لم يُصرَّحْ به جُعِل هو الدَّليلَ.
وبعد عَرضْ الرأْيَيْن السابِقَيْن وأدلَّة كل فريق في ما ذهب إليه، نَخْلُص إلى أن الرأْي المقبولَ هُوَ الثاني؛ لما تقدَّم من الحُجَج التي سقْنَاها، ولأن النظر في الأدلة التي نصبها الشارعُ مطلوبٌ لمعرفة الأحكام، والذي يتعلَّق به النظَرُ إنما هو الأمْرُ المشتَرَك، أي: المساواة، ولأن القائلين بأنَّ القياس فعْلُ المجتهد نراهم يعلِّلون فعْلَه بالأمر المشترك بيْن الأصْل والفَرْع.
стр. 162
وفي الحقيقة؛ إن هذا الأمر المشتَرَكِ هو مستَنَدُ فعْلِ المجتهد، وهم يُقرِّون بذلك، ولولا هذا الأَمْر المشْتَرَك، لَمَا أمكْنَ الإلحاق.
فإن قال قائل: فما وجْه إطلاق كثير من الأصوليِّين "اسمَ القياس" على فعْل المجتهد؟
والجوابُ على هذا أن فعْل المجتهد لَمَّا كان سبيلًا إلى معْرفة الدَّلِيلِ أيضًا، وهو الذي تكونُ به ذمَّة المكلَّف مشغولَة بالحكم، اعتبر الفعْل كأنَّه الدليلُ.
فإن قال قائل: فعَلى ما ذكر؛ يكون إطلاق اسم القياس، على فعْل المجتهد غيْرَ حقيقيٍّ.
والجوابُ أنه هو كذلك في الأصْل، لكن صار حقيقةً عن هذا الفريق.
أوَّلًا: تَعْرِيفُ الْقِيَاسِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ التَّسْوِيَةُ في الْحُكْمِ.
أصحاب الرأي الذاهب إلى أن القياس هو التسويةُ في الحكم. عرَّفوه بعباراتٍ مختلفةٍ نَقْتصر منْها على أربعة، وهذا نصها:
١ - قال البَيْضَاويُّ في "المنهاج" القياسُ: إثْبَاتُ مِثْل حُكْمٍ مَعْلُومٍ في مَعْلُومٍ آخَرَ؛ لاِشْتِرَاكِهِمَا فِي عِلَّةِ الْحُكْمِ عِنْدَ المُثْبِت.
قال السُّبْكِيُّ في "الإبهاج": هذا التعريفُ أيَّده الإمام في "المعالم"، ويُؤْخذ من ذلك أنَّه لم يذكُرْه في "المَحْصُول"، وإِلا فنِسْبَته إلى "المَحْصُول" الذي هو أصل "المنهاج" أقْرَبُ.
وقال العلامة جمال الدين الإسنويُّ: "هذا التعريفُ هو المختارُ عنْد الإمام وأتْبَاعِه، وفي الحقيقةِ: إن هذا التعريفَ مذكورٌ في "المحْصُول" وإن أصلَهُ لأبي الحُسَين البَصْريِّ، وأنَّ الإمام غيَّرَ بَعْض قيوده بما هو أحْسَن منْها.
ونصُّ عبارة "المَحْصُول" هو أنه تحصيلُ حُكْمِ الأَصْلِ في الفَرْعِ لاشْتِبَاهِهِمَا فِي عِلَّةِ الحُكْمِ عِنْدَ المُجْتَهِدِ، وهُوَ قَرِيبٌ، وأظهر منْهُ أن يقال: إثباتُ مثْلِ حُكْمِ معْلُومٍ لمعلومٍ آخرَ؛ لاشْتِبَاهِهِمَا فِي عِلَّةِ الحُكْمِ عِنْدَ المُثبِتِ، وهذا التعريفُ هو عيْنُ ما ذكره في "المنهاج" غيْر أنه أبْدَلَ "اشتباهَهُما" بـ "اشْتِرَاكِهِمَا" ومعناهما واحدٌ.
٢ - وقال ابن السُّبْكِيِّ في "جَمْع الجَوَامع": القياسُ حَمْلُ معْلُوم على معلومٍ لمساواته
стр. 163
في علَّة حكْمِه عنْد الحَامِل.
وأصل هذا التعريفِ للقاضِي أبي بَكْرٍ البَاقِلَّانيِّ وعبارته؛ على ما في "المحْصُول" و"الإحْكَام" و"البَحْر المُحيط" للزركشيِّ و"البُرْهَانِ" لإمام الحرمَيْن هي: "القياسُ حمْلُ معْلُومٍ عَلَى مَعْلُومٍ في إثْبَاتِ حُكْمٍ لَهُمَا أو نَفْيِهِ عَنْهما؛ بأَمْرٍ جَامِعٍ بيْنَهما منْ حُكْمٍ أو صفةٍ أو نَفيهِما عَنْه، هذا، وقد ذَكَرَ أمير بادشاه في "تَيْسِيرِ التَّحرير" أن هذا التعْريف ليْسَ هو لفْظَ القَاضِي بل معْناه؛ إذْ لفْظُه في تعريف "القياس": "حَمْلُ أَحدِ المَعْلُومَيْنِ علَى الآخَرِ في إيجَابِ بعْض الأَحْكَامِ لهُمَا أو إسْقَاطِه عنهما بأمْرٍ جامعٍ بينهما فيه أيِّ أمْرٍ كانَ منْ إثباتِ صفةٍ وحكْمٍ لهما أو نفْي ذلك عنهما"، ونلاحظ على كلا النقلَيْن أنه لا تنافِيَ بين التعريفَيْن المذكورَيْن، فالكلام على أحدهما يُعْتبر كلامًا على الآخَر.
٣ - وقال صَدْرُ الشَّرِيعَةِ في "التوضيح": القياسُ تعديةُ الحُكْمِ منَ الأَصْل إلى الفَرْع لِعِلَّةٍ متَّحدةٍ لا تدرك بمجرَّد فهمْ اللُّغَة.
٤ - وقال أبو منْصُورٍ الماتُرِيديُّ: القياسُ إبانةُ مثْلِ حُكْمِ أحَدِ المذكورين بمثْلِ علَّتِه في الآخر.
وقد أعْرَضنا عن شرْح هذه التعاريف؛ مخافةَ التطْويل والمَلَلِ.
ثَانِيًا: تَعْرِيفُ الْقِيَاسِ، بِنَاءً عَلَى أنَّهُ المُسَاوَاةُ في العِلَّةِ:
الرأْي الذَّاهِبُ إلَى أن القياسَ هو المساواةُ في العلَّة عرَّفوه بعباراتٍ مختلفةٍ نقتصر منْها بأربعةٍ، وهذا نصها:
١ - قال الآمِدِيُّ في "الإحكام": المُخْتار في حَدِّ القياس: أن يقال: إنَّه عبارةٌ عن الاستواء بيْن الفَرْع والأصْل في العلَّة المستنبطة من حُكْم الأَصْل.
٢ - وقال الكمال في "التحرير": وفي الاصطلاح: مساواةُ محلٍّ لآخَرَ في علَّة حكْمٍ له شرعيٍّ لا تُدْرَك من نصِّه بمجرَّد فَهْم اللُّغَة.
٣ - وقال ابن الحَاجِب في "المختصر": "وفي الاصْطِلَاحِ: مساواةُ فَرْعٍ لأَصْلٍ في علَّةِ حُكْمِهِ".
وتحقيقُ ذلك أن القياسَ منْ أدلَّة الأَحْكَامِ، فلا بُدَّ من حُكْمٍ مطلوبٍ به ولَهُ محلُّ ضرورة، والمقصودُ إثباتُه فيه لثبوته في محلٍّ آخَرَ يُقَاس هذا به، فكان الأوَّلُ فرْعًا، والثَّاني
стр. 164
أصْلًا؛ لحاجة الأوَّل إلَيْه، وابتنائه عليْه، ولا يُمْكِن ذلك في كُلِّ شيئَيْن، بلْ إذا كان بَيْنَهما أمْرٌ مشْتَرَكٌ ولا كل مشترك، بل مُشْتَرَك يوجِبُ الاشْتراك في الحُكْم بأنْ يستلزمه، ويُسمَّى علَّةَ الحُكْم، فلا بُدَّ أن يعلم علَّة الحكم في الأصل، ويعلم ثبوت مثْلِها في الفرع، إذْ ثبوت عيْنها في الفَرْع ممَّا لا يُتصوَّر؛ لأنَّ المعْنَى الشخصيِّ لا يقُوم بعَيْنِه بمحليْن، وبذلك يحصل ظنُّ مِثْل الحُكمِ في الفَرْع.
٤ - وقال محبُّ اللهِ البهاريُّ في "مُسَلَّمِ الثُّبُوت": واصطلاحًا مساواةُ المَسْكُوتِ للمَنْصُوصِ في علَّة الحُكْم.
حُجِّيَّةُ الْقِيَاسِ:
ممَّا لا شكَّ فيه أن القياسَ حُجَّة في الأُمُور الدُّنْيوية؛ كالأغْذية؛ بأنْ يقاس الخُبْزُ المخلُوطُ من البُرِّ والذُّرة على الخُبْز من البُرِّ في التغذية؛ بجامع أن كلًّا منهما يَقُومُ به بَدَنُ الإنسَان، وكذلك الأدْوِيةُ؛ حيْثُ يقاسُ أحدُ شيئَيْنِ على آخر فيما عُلِمَ له من إفادَتِهِ دفْعَ المرضِ المخصوصِ؛ لمساواته له في المعنى الذي بسَبَبِه أفاد ذلك الدفْعَ، ووجْه كون القياس في نحو الأدوية والأغذية قياسًا في الأمور الدنيوية؛ أنه ليس المطلوبُ به حكْمًا شرعيًا، بل ثبوتُ نَفْع هذا التقويم بَدَنَ الإنسان، أو لدفع المرض مثلًا، وذلك أمرٌ دنيويٌّ. واتَّفق العلماء على "القياس الجلي" كقياس تحريم ضَرْب الوالدَيْن على تحْريمِ التأفيف عنْد من يسمِّي ذلك قياسًا.
وهو من الدالِّ بدلالة النصِّ عنْد الحنفية، ومِنْ مفهوم الموافقة عند الشافعية.
وتنوعت آراؤهم في الشرعيَّة؛ حيْثُ ذهب الجمهور من الصحابة والتابعين والفقهاء والمُتَكلِّمين وغيْرهم من العلماء المقتَفِينَ آثارَ السَّلَف إلى أن القياسَ حجَّةٌ في الأمور الشرعيَّة، وأنه أصْلٌ من أصول الشريعة به يُسْتدل على الأحْكَام، وذهبوا إلى أنه يجوز التعبُّد بالقياس في الشرعيات عَقْلًا، وإلى هذا ذهَبَ أبو حنيفة والشافعيُّ ومالكٌ وأحمدُ - رحمهم الله تعالى - وهو المختار، وحديثُنا هنا في موضعين:
الموضع الأوَّل: في الجواز العقْليِّ وعدَمِهِ.
والموضعُ الثاني: في الوقُوع وعَدَمِه.
قال جمهورُ العلماءَ، ومنْهم الأئمة الأربعةُ: التعبُّدُ بالقياس جائزٌ عقْلًا.
стр. 165
ويرَى القفَّال، وأبو الحُسَين البَصْرِيُّ: أنه يجب التعبد به.
ويرى الشيعةُ والنَّظَّام وبعْضُ المعتزلة: منْعَ التعبُّد به.
حُجَجُ الجُمْهُورِ:
احتج الجمهورُ بالقَطْع بالجواز:
قال صاحب "التلْوِيح": إن الشارعَ لو قال: إذا وجدت مساواة فَرْع لأصْلٍ في علَّة حُكْمِهِ، فأَثْبِتْ فيه مثْلَ حكْمِهِ، وأَعْمِلْ به مَا لَمْ يلزمْ منْه مَحَالٌ لَا لنَفْسِه ولا لغيره.
وقال محبُّ الدين بن عبد الشَّكُور الهنْديُّ في "مُسَلَّم الثُّبُوت" وشرْحهِ ما نصه: لنا: لو كَانَ مُمْتَنِعًا، لَلَزِمَ منْ وقوعه محالٌ، ولا يلزم مِنْ إلزامه محالٌ أصْلًا ضرورةً، كيْف، والاعتبارُ بالأمثال من قضيَّة العقْل، وهو يَحْكم أن المتماثلاتِ حكمُها واحدٌ، وإنكارُ هذا مكابرةٌ.
مما سبق، يتَّضح لنا أن القياسَ يجوزُ التعبُّد به؛ لأنَّه لا يلزم من وقوعه محالٌ أصْلًا؛ ولأنَّ الاعتبار بالأمثال من قضيَّة العَقْل، فهو يسوِّي بين المتماثلات في الحُكْم؛ وذلك لأنَّ المجتهد إذا رأى الشارع قد أثبت حكْمًا في صورة من الصور، ورأى هناك معنى يصْلُح أن يكون داعيًا لإثبات ذلك الحُكْم، ولم يظْهَرْ له ما يُبْطِلُه بعد البَحْث التامِّ، فإنه يغلب على ظنِّه أن الحُكْم ثبت لأجْله، وإذا وُجِدَ هذا المعنى في صورةٍ أخرى، ولم يظْهَرْ له أيْضًا ما يعارضه، فإنه يغلِبُ على ظنه ثبوتُ الحكْمِ به في حقِّنا، ومن المؤكَّد أن مخالفة حُكْم الله يوجبُ العقابَ، فالعقلُ يرجِّح فِعْلَ ما ظُنَّ به جلبُ المصلحة ودفْعُ المفَسْدَة على تَرْكِه، ولا مَعْنَى للجواز العقْلِيِّ سوى ذلك، كما أن التعبُّد بالقياس فيه مصلَحةٌ لا تحْصُل بغيره، وهي ثوابُ المجتهد على اجتهاده، وإعمالُ عَقْلِه في استخراج علَّة الحُكْم المنصوص عَلَيه؛ لتعديته إلى محلٍّ آخر، وما كان سبيلًا إلى مصلحة المكلَّف فالعقل لا يُحيلُه، بل يُجوِّزه.
حُجَجُ المُوجِبيِنَ لِلْقِيَاسِ:
الموجبون للقياسِ نصُّوا على أن الأحكام لا نهاية لَها، فإنها تتجدَّد بتجدُّد الحوادِثِ، والنصوصُ لا تَفِي بها، فيقضي العَقْلُ بوجوبِ التعبُّد بالقياس؛ لئلا تخلو الوقائعُ من
стр. 166
الأحكام، والجوابُ بعد تسليم أن يكون لكلِّ واقعةٍ تشريعٌ: هو أن الذي لا يتناهى الجزئياتُ لا الأجناس، ويجوزُ التنصيصُ على الأجْناس كلِّها بعموماتٍ تتناولُ جُزْئيَّاتها، حتى تَفِي بالأحكام كلِّها؛ مثل قولنا: كلّ مُسْكِرٍ حرامٌ، وكلُّ مطعومٍ رَبَوِيٌّ، وكلُّ ذِي نابٍ حرامٌ، إلى غير ذلك. ذكر هذا ابنُ الحاجِبِ في "مختصره".
إذن القائلون بالوجوب اشتبه عليهمْ عدَمُ تناهي الجزئيات بتناهي الأجْنَاسِ، وصرَّحوا بأن الأحكام لا نهاية لها، والنصوصُ لا تَفِي بها؛ لذا كان التعبُّد بالقياس واجبًا عقلًا لتَشْمَل الأحكامُ جميعَ الوَقَائِع.
وتحقيقُ المَسْألةِ أن الذي لا يتناهى الجزئياتُ لا الأجناس، فجزئياتُ الشريعةِ كَثيرةٌ لا تُحْصَى؛ لأنها تتجدَّد بتجدُّد الحوادث فيتعذَّر النصُّ على كل جزئيَّة من جزئيات الشَّريعة.
أما الأجناس، فيجوز النصُّ عليها بعموماتٍ تكونُ متناولةً لجزئياتها؛ كقولنا: كلُّ مسكرٍ حرامٌ، وقولنا أيْضًا: وكلُّ ذي نابٍ حرامٌ إلى غير ذلك.
لكنْ يترتَّب على تعميمِ الأحكام لكلِّ الوقائع: أنَّه لا يتأتَّى اختلافُ المجتهدين مع أن اختلافهم رحْمَةٌ، فتفوتُ هذه الرحمةُ الكثيرة، هذا إذا رأيْنا انحصار اختلافهم في القياسِ، وهو لا ينحصر فيه، بل يجوز اختلافُهم في غيْرِه من الظاهر والخفيِّ والمتشابه، فتختلف الآراء في فَهْمِ مدلولاتها، وأخْذِ الحكم الشرعيِّ مِنْها، فلا يترتَّبُ على تعميم الأحْكَام للوقائع عدمُ اختلافِ المجتهدين، وأيْضًا فإنَّ الأحكام الإلهيَّة عِنْد شرْعِها رُوعِيَت فيها مصالحُ العبادِ؛ تفضُّلًا مِنْه ورحمةً، وهي متفاوتة بحَسَب الزَّمان والمكان، فلا يُمْكِن ضبْطُها إلَّا بالتفويض إلى الرأْي، وإلَّا خلَتِ الوقائع والأحداثُ عن الأحكام؛ لعدم كفاية العُمُومات.
فلما كانَتْ مصالحُ العباد متفاوتةً بحَسَب الزَّمان والمكان، كان للرأْي فيها مدْخلٌ؛ لأن العموماتِ لا تنطبقُ على كل الحوادثِ مَعَ مراعاةِ تَفَاوُتها.
حُجَجُ المُنْكِرِينَ لِلْقِيَاسِ ومُنَاقَشَتها:
احتجَّ المنكرون للقياسِ؛ فقالوا:
أوَّلًا: القياسُ طريقٌ لا يؤْمَنُ فيه الخطأ، والعقْلُ يَمْنَعُ من طريقٍ غير مأمونٍ؛ وعليه فالقياسُ ممنوعٌ عقلًا.
стр. 167
والجوابُ: أنَّا لا نسلِّم أن مَنْع العقلِ مِمَّا لا يُؤْمَن فيه من الخطأ إحالةٌ له وإيجابٌ لنفْيِه، بل مَعْناه أنَّه مرجِّح للترك على العَمَل به، والمُدَعَى هو الإحالة، فهو نصْبُ دليلٍ لا في محلِّ النزاع، ثم إنَّ مثْلَه لا يَمْتنعُ التعبُّد به شَرْعًا.
ولو سلِّم أن مَنْعَ ما لا يُؤْمَن فيه الخطأُ إحالةٌ له في الجُمْلَة، فلا نسلِّم أن مَنْعه ثابتٌ في جميع الصُّوَر، وإنَّما هو مختصٌّ بما لا يَغْلب فيه جانبُ الصواب، وأمَّا إذا ظُنَّ الصواب، وكان الخطأُ مرجوحًا؛ فلا يمتنع العمل به، لأن المظانَّ الأكثرية لا تُتْرَك بالاحتمالات الأقليَّة، ولو تُرِكَتِ المظانُّ الأكثريةُ بالاحتمالاتِ الأقليَّةِ، لتعطَّلَتِ الأسباب الدنيويةُ والأخرويَّة؛ إذ ما مِنْ سبب من الأسباب إلَّا ويَجْري فيه ذلك، ويجوز تخلُّف أثره والتضرُّر به، فالتَّاجر لا يُسَافر، وهو جازمٌ أنَّه يرْبَح، والمتعلِّم لا يَتْعَبُ في تعلُّمه، وهو يقْطَع بأنَّه يَعْلم ويثمر علمه، إلى غير ذلك من الأمثلة، بل العَقْلُ يوجِبُ العَمَل عِنْد ظنِّ الصواب، أما إذا أمْكَنَ الخَطَأ؛ تَحْصِيلًا لِمصالح لا تحْصُل إلا به، على ما لا يخفى في تتبُّع موارد الشَّرْع، ومَنْ طلب الجَزْم في التكاليف، عطَّلَ أكثرها.
ثانيًا: لا يُجَوِّزُ العَقْلُ وُرودَ الشَّرْع بالعَمَل بالظَّنِّ، لما قَدْ عُلِم مِنْه أن الشَّرْع ورَدَ بمخالفة الظنِّ، وكَيْف يتأتَّى الجمعْ بَيْن إيجاب الموافقة وإيجابِ المُخَالَفة.
ويتضح ذلك أوَّلًا: بالحُكْم بالشَّاهدِ الواحدِ، وإنْ أفاد الظنَّ القويَّ، لكونه صديقًا أو للقرائن.
وثانيًا: شهادةُ العَبِيدِ، وإن كَثروا، وعُلِمَ أنَّهم دَيِّنُون عُدُولٌ في الغاية منَ التَّقْوى، حتى يقوى الظنُّ بشهادتهم.
وثالثًا: رضيعة في عَشْر أجنبيات، فإنَّ كلَّ واحدةٍ على التعْيين يُظَنُّ كونُها غَيْرَ الرضيعة لتحقُّقه على تسْعِ تقاديرَ، ولا يُتحقَّق خلافُه إلَّا على تقْديرٍ واحدٍ، ومعَ ذلِك فأُمِرْنا بمخالفة الظنِّ، فَحُرمَ التزوُّجُ بها.
والجوابُ: أنَّا لا نسلِّم أنَّه عُلِمَ ورودُ الشَّرْع بمخالفة الظنِّ، بل المعلومُ خلافُه، وهو ورودُهُ بمتابعة الظنّ، كما في خَبَر الواحِدِ، وفي ظاهر الكتاب والسُّنَّة، وأخبار النِّسَاء في الحَيْض والطُّهْر في غِشْيانهنَّ، وما ذكرتموه، إنَّما مُنِعَ فيه عن اتباع الظنِّ لمانعٍ خاصٍّ،
стр. 168
وهو ورود التعبُّد من الشارع بامتناع العَمَل به، فكان ذلك من الشَّارع لا لعَدَمِ الجَوَازِ العقْليِّ.
وثالثًا، وهو يُنْسَب إلى النَّظَام: حيث قال: قد ثبَتَ مِنْ قِبلِ الشارِعِ الفرْقُ بين المتماثِلات والجَمْعُ بين المخْتَلِفَات، وإذا ثبَتَ ذلِكَ اسْتَحالَ التعبُّد بالقياس.
أما الفرْقُ بين المتماثلات، فمِنْه أن الشارع قدْ فرضَ الغُسْل من المَنِيِّ، كما أبطل الصوْمَ بإنزاله عَمْدًا، وحَرَّم مَسَّ المُصْحَف والمُكْث في المسْجِد والطوافَ دُون البَوْل مع كونهما نجسَيْن خارجَيْن منْ سبيلٍ واحدٍ، أيضًا قطع السارق القَلِيلَ دون غاصِبِ الكثيرِ مع أن جناية الأوَّل أصْغَرُ من جناية الثاني، وحرَّم النظر إلى العَجُوز الشَّوْهاء، وأباحَهُ في حقِّ الأَمَة الحَسْناء. وأما الجَمْع بين المختلفات، فمِنْه التَّسْوِية بَيْن قَتْل الصَّيْد عمدًا وقتله خطأً في الفداء في الإحْرَام مع كوْن العَمْد جنايةً كاملةً دون الخَطَأ، ومِنْه التَّسْويَةُ بَيْن الزنا والرِّدَّة في القَتْل مع كوْنِ الثاني أكْبَرَ كبيرةً من الأوَّل، ومِنْه التَّسْوية بَيْن القاتل خطأً والواطِئ في الصَّوْم، والمظاهِرِ عن امرأتِهِ في إيجاب الكفَّارة عليهم، وإذا ثَبَت كلُّ ذلك، اسْتَحال التعبُّد بالقياس؛ لأن القياس يقْضِي بثبوتِ الجَمْع بَيْن المتماثلاتِ والفَرْقِ بَيْن المُخْتَلِفَات.
والجوابُ عن ذلِكَ: أن المتماثلاتِ لَيْسَت متماثلةً مِنْ كل وجهٍ؛ لجوازِ اختلافِهَا في المَنَاط، وإنَّما يجب اشتراكُها في الحُكْم إذا كان ما به الاشْتراكُ يَصْلُح علَّةً للحُكْم، ليصلُح جامعًا، ولا يكونُ له معارضٌ في الأصلِ، هو المقتضى للحُكْم دون هذا، وليس هناك معارضٌ في الفَرْعِ أقوى يقتضي خلافَ ذلك الحُكْمِ، ولا شيء من ذلك موجودٌ فيما ذكر من الصُّوَر المتقدِّمة؛ لجواز عدم صلاحية ما توهَّمه المعترضُ جامعًا، أو وجود المعارِضِ في الأصْل أو في الفَرْع.
وأما قضيَّة الجَمْع بين المختلفاتِ، فلجواز اشتراكِها في مَعْنىً جامعٍ يصلح أن يكونَ علَّةً للحكم؛ فإن المختلفات لا يمتنع اشتراكُها في صفاتٍ ثبوتيَّةٍ وأحكامٍ، وأيْضًا يجوز اختصاصُ كلٍّ بعلةٍ تقتضي حُكْمَ المخالف الآخَرِ، فإنَّ العِلَلَ المختلِفَة لا يمتنع أن تُوجِبَ في المحال المختلفة حُكْمًا واحدًا.
ورابعًا: القياسُ يُفْضِي إلى الاختلاف، وكلُّ ما يفضي إلى الاختلافِ مردودٌ، أما المقدِّمة الأُولى، فلاختلاف الأنظار والقرائِحِ، كما هو الواقعُ المشاهَدُ.
стр. 169
وأمَّا الثانية؛ فلقوله : ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [سورة النساء: الآية ٨٢] وذلك في مَعْرض المَدْحِ بَعْد الاختلافِ المُوجِب للردِّ، دلَّ هذا على أن ما هو مِنْ عِنْد الله لا يُوجَدُ فيه اختلافٌ، فما يوجد فيه اختلافٌ لا يكونُ مِنْ عِنْد الله، فحُكْم القياس للاختلافِ الكثيرِ الحَاصِل فيه لا يكونُ مِنْ عِنْد الله، وكلُّ حُكْمٍ لا يكونُ من عِنْد الله، فهو مردودٌ إجْماعًا.
والجوابُ: أن الاختلافَ المنفيَّ في الآية هُوَ التناقُضُ أو الاضطرابُ المُخِلُّ، والإعجازُ الذي لأجْله وقَع التحدِّي والإلزام بكَوْنه من عِنْد الله لا الاختلافُ في الأحْكَام الشرعيَّة، فإنَّه ثابت وواقعٌ لا يمكن إنْكَاره على أنَّ القياسَ كاشِفٌ ومُظْهِرٌ عمَّا هو من عِنْد الله لكنْ ظَنًّا.
وخامِسًا: القياسُ يُفْضِي إلى التناقُضِ الباطِلِ، فيكون باطلًا، وتوضيح ذلك أنَّه يجوز أنْ تَتَعارَض علَّتان تقْتَضِي كلٌّ منهما نقيضَ حُكْم الأُخْرى، وحينئذٍ يجبُ اعتبارهما، وإثباتُ حكمهما؛ لأنَّه المَفْرُوض، فيَلْزَم التناقض.
والجوابُ: أن هذا الفَرْض إمَّا في قائِسٍ واحدٍ أو في متعدِّدٍ، فإن كان القائِسُ واحدًا، رجَّح بطريقٍ من طُرُقِ الترجيح، فإن لم يَقْدِرْ على التَّرْجِيح، فإما أن يتوقَّفَ فلا يَعْمَل بهما، كأنه لا دليلَ؛ لتعذُّر ثبوتِ الحُكْم الذي شَرْطُه عدَمُ وجود المُعَارِض المقاوم، وبهذا صرَّح كثيرٌ منَ العُلَمَاء.
وإمَّا أنْ يخيَّر، فيعمل بأيِّهما شاء، وإلَيْه ذهب الشافعيُّ وأحمدُ ﵄ أمَّا إذا تعدَّد القائِسُون، فلا تناقض؛ إذْ يَعْمَل كلٌّ بقياسه.
وُقُوعُ القِيَاسِ وعَدَمُهُ:
قد تقدَّم فيما سَبَق الخلافُ في جواز التعبُّد بالقياسِ وعَدَمِه، وأوضَحْنا حجَّة كلِّ فريقٍ، وذَهَبْنا إلى أنَّ القَوْل الصحيح هو القولُ بالجَوَاز.
والآنَ نعرِضُ آراء العلماءَ في وقُوع التعبُّد بالقياسِ وعَدَمِه، والمَذْهَب الراجِح مِنْهُما، وعلَيْه فنَقُول: إنَّ القائلين بجواز القياسِ، كلَّهم قالُوا بوقوعه إلَّا دَاوُدَ الظَّاهريَّ والقاسانيَّ والنهروانيَّ، فإنهم وإنْ جوَّزوا التعبُّد به عَقْلًا، لكنَّهم منَعُوه سَمْعًا.
стр. 170
ويُرْوى عن داودَ الظاهريِّ إنْكارُ القياسِ في العبادات فقَطْ دونَ غَيْرِها من المُعَامَلَاتِ، ويُرْوى عن القاسانيِّ والنهروانيِّ أنهما قالا بوقوعِ القِياسِ، إذا كانتِ العلَّة منصُوصةً، ولو إيماءً، وأنكرا فيما عدا ذلك، ولَئِنْ ثبَتَ هذا عَنْهُم، يكون أخصَّ من الرواية الأُولى عنهم.
والذين ذهَبُوا إلى وُقُوع التعبُّد بالقياسِ اخْتَلَفُوا في دليل ثُبُوته، فالأكْثَر مِنْهم على أنَّه واقعٌ بدليلِ السَّمْع، وفريقٌ من الحنفية والشافعيةِ قالُوا بوقوعه بالعَقْل مع دليل السَّمْع، ثم اختلف القائلُون بوقوعه بدليل السَّمْعِ في أنَّ دليله قطعيٌّ أو ظنيٌّ؛ حيث يرى الأكْثَرُ مِنْهم أنَّه قطعيٌّ خلافًا لأبي الحُسَيْن البصريِّ، فإنه عنده ظنيٌّ، ولا ينافي هذا ما ثَبَت عَنْه فيما تقدَّم من القول بوجُوبِ التعبُّد بالقياس؛ إذ لا مانع مِنْ أن الشيءَ يجبُ أولًا، ثم يقع، فيجوز أن يكون وجوبُه قطعيًّا، ووقُوعُه مظْنُونًا.
ولِقَائِلٍ أن يقول: إنَّ معنى وجوبِ التعبُّد عنده أنَّه يجب على الشارع أو مِنْه نَظَرًا إلى الحِكْمَة الأزليَّة الثَّابتة لَهُ وما يجب على الشَّارعِ أو مِنْه يقع قطعًا، فقطعيَّةَ الوجوب ملزومُ قطعيَّة الوُقُوع، ومنافي اللَّازِم منافٍ للمَلْزُوم فلزِمَ التنافي، والجوابُ عن الإيرادِ المتقدِّم أن القَطْعِ بالوقوع عِنْده بالعَقْل، وأمَّا السَّمْعُ الدالُّ علَيْه فظنيٌّ؛ بمعنى أنه لم يَقُلْ بظنِّيَّة الوقوع، بل بظَنِّيَّة الدليلِ السَّمْعِيِّ الدالِّ علَيْه فقط.
أَدلَّةُ وُقُوعِ القِيَاسِ سَمْعًا وعَقْلًا وَحُجِّيَّتُهُ:
احتجَّ القائلون بوقوعِ القياسِ وحُجِّيَّته بالكتابِ والسُّنَّة والإجْماع والدليل العقليِّ: أما أدلَّة الكِتَابِ: فلقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [سورة الحشر: الآية ٢] وجْهُ الدَّلالةِ فيه: أن الاعتبار مَعْنَاه ردُّ الشيءِ إلى نظيره بأنْ يُحْكَم عَلَيْه بحُكْمه، وهذا يَشْمل القياسَ العقليَّ والشرعيَّ والاتِّعاظ، والآيَةُ إنَّما سيقت للاتِّعاظِ فتَكُون دلالتها على القياسِ بطريق الإشَارَة، وعلى الاتِّعاظ بالعِبَارة؛ لأنَّ الاتِّعاظَ يكون ثابتًا بطريق المَنْطُوق مع أن سياق الكلام له، والقياسُ الشرعيُّ يكون أيْضًا ثابتًا بطريق المنطوقِ مِنْ غَيْر أنْ يكونَ سياقُ الكَلَامِ له.
وقد يقولُ قائلٌ: إنَّ الاعتبار ظاهرٌ في الاتِّعاظ لأمْرَيْن:
الأمرُ الأوَّلُ: النَّظَر إلى خُصُوص السَّبَب الَّذِي ترتَّب عَلَيْه هذا الحُكْم، فإنَّ السَّبَب في
стр. 171
الأَمْرِ بِالاعْتِبَار هُوَ الاتِّعاظ بما فَعَل الله ببني النَّضِير بسَبَب ما فَعَلُوا من العدوان.
والأمرُ الثَّاني: عدمُ مناسَبَة صدْرِ الآية للقياسِ الشرعيِّ؛ لأنَّه يصِيرُ المعْنى حينئذٍ ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الحشر: الآية ٢] فقِيسُوا الذرة على البر مثلًا، وهذا مَعْنىً بعيدٌ ينبُو عَنْه ظاهرُ الآية، فيُصَان كلامُ البَارِي تعالى عنْ مِثْلِ هذا.
والجوابُ: أن العِبْرَة بِعُمُوم اللَّفْظ لا بخصوص السَّبَب، وبهذا الجوابِ انْتَفى كَوْنُ الاعتبارِ ظَاهِرًا في الاتِّعاظ وانتفى أيضًا بعد ترْتيب القياسِ الشَّرْعيِّ علَيْه، وهو قياس الذرة على البرّ مثلًا، إذِ المُرَتَّب على هذا السَّبَب المذكورِ الاعتبارُ الأعَمُّ من قياسِ الذرة على البر مثلًا، أي فاعتبروا الشيء بنظيره في مناطه في المثلات وغيرها، وهذه القاعِدَةُ تكون مُسلَّمةً، إذا لم يكن الاعتبارُ مَعْناه الاتِّعاظ.
وقد يُقَال: إنَّ الاعْتِبَارَ هوَ الاتِّعاظ لوَضْعِه لهُ أو لغلبته فيه، وهو الظاهر، ويكون القياسُ في هذه الحالة - أي في حالة ما إذا قلْنا: إنَّ الاعتبار معناه الاتعاظ - يكون ثابتًا بطريق دلالة النصِّ التي تُسمَّى فَحْوى الخِطَابِ.
فقدْ قالَ الله تعالى في سورة الحَشْر: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [سورة الحشر: الآية ٢] حَيْثُ ذكر الله هلاكَ قومٍ؛ بناءً على سببٍ هو اغترارُهُمْ بالقوَّة والشَّوْكَة، ثم أمر بالاعتبار؛ ليُكَفَّ عن مثل ذلك السبب لئلَّا يترتَّب عليه مثْلُ ذلك الجَزَاء، كأنَّ الله تعالى يقول: اجْتَنِبُوا عَنْ مِثْل هذا السَّبَب؛ لأنَّكم إنْ أتَيْتُمْ بمثله، يترتَّب على فعلكم مِثْلُ ذلك الجزاء، فدُخُول فاءِ التعليل على قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ جعَلَ القضيَّة المَذْكُورة علَّةً لوجُوبِ الاتِّعاظ؛ بناءً على أن العلم بوجوبِ السَّببِ يوجِبُ الحُكْم بوجود المسبب، وهو مَعْنَى القياسِ الشرعيِّ، وقد فُهِمَ هذا المعنى من لفْظ الفَاءِ التي للتعْلِيل، فيكون مفهومًا بطريق اللُّغة، فيكون دلالة نَصٍّ، ودلالةُ النَّصِّ مقبولةٌ اتفاقًا، فلا يلزم الدَّوْر، وهو إثبات القياسِ بالقياسِ.
جماعُ القوْلِ: إنه إذا أُرِيدَ بالاعتبارِ ردُّ الشيءِ إلى نظيره، تكون الآيةُ دالَّةً على القياسِ بطريقِ الإشَارَةِ كما تقدَّم بيانه، وإذا أُرِيدَ به الاتِّعاظ يكونُ القياسُ ثابتًا بدلالة النصِّ التي تُسمَّى فَحْوى الخطاب.
стр. 172
والقولُ بأن الأمْر بالاعتبار يَحْتَمِلُ أنْ يكون للنَّدْب، فلا يثبت به وجوبُ العَمَل بالقياس، ويَحْتَمِلُ أن يكون للحاضِرِينَ فقط، فلا يثبت لغيرهم، ويَحْتَمِلُ أن يكون للمَرَّة، فلا يثْبُت به التَّكْرار، وأنْ يكونَ ثَابِتًا في بَعْض الأحْوال والأَزْمِنَة، فلا يكون حجَّةً على الإطْلَاق.
كلُّ هذه احتمالاتٌ مردودةٌ، فإنَّ "اعتبروا" معناه: افْعَلُوا الاعتبار على سَبِيل الوُجُوب، إذِ الأصْلُ في صيغة الأَمْر أنْ تكون للوجوبِ، وهو عامٌّ يشْمَل الحاضِرِينَ وغَيْرَهم. وكونه للمرَّة - على خلافِ أوامِرِ الشَّريعة الغرَّاء، فهي عامَّةٌ في كل زمانٍ ومكانٍ غَيْرُ خاصَّة بِقَوْمٍ دون آخرين فلا عبرة بهذه الاحتمالاتِ؛ لأنَّ التمسُّك بها يؤدِّي إلى إهْدَار كثيرٍ من النصوصِ الشَّرعيَّة، ولا يجوز إهدارُ نَصٍّ بحالٍ من الأحوال. فدلَّت الآيةُ على حجِّيَّة القياس، ثم اختلف القائِلُون بذلك في أن إفادتها قطعيَّةٌ أو ظنِّيَّةٌ، حَيْث صرَّح بعض العلماءِ إلى أنَّها ظنِّيَّة، فهي لا تُفيدُ إلَّا الظنَّ، وأورد عَلَيْه بأنَّه كَيْف يصحُّ القول بظنيتها مع أنَّها من الأُصُول الَّتي ينبغي أن لا يكتفى فيها بالظَّنِّ.
وَرَدَّ البيضاويُّ على ذلك في "المِنْهَاج" بما يفيد الاعْتراف بأنَّها ظنيِّة، حيْثُ قال: "قلْنا: المَقْصُود العَمَل، فيَكْفِي الظَّنُّ" وتوضيحُ ذلك أن هذه المسألة، وإنْ كانَتْ منَ الأُصُول إلَّا أن المقصُود مِنْها العَمَل، إذِ المقصُود من حجِّيَّة القياس العملُ بمقتضاه، فهي وسيلةٌ إلى الأحكام العمليَّة، فاكْتُفِي فيها بالظنِّ، كما اكْتُفِي به في المَقْصُود مِنْها، ولَيْسَت منَ الأصول المقصود بها التعبُّد في ذاتها، مثْل عقائد التوحيد، فإنَّ المقصود اعتقادُها اعتقادًا جازِمًا عنْ دليلٍ، فلا تثبت إلا عنْ الدليل القطعيِّ.
وصرَّح الجمهورُ أنَّها قطعيَّةٌ، فهي لا تحتمل احتمالًا يؤيِّده الدليل، والاحتمالاتُ القائمةُ لا يؤيِّدها بُرْهَانٌ، فلا تنافي القطعيَّة.
والظاهِرُ أن الاحتمالاتِ قويَّةٌ، فالحقُّ أنَّها تفيد الظنَّ على أن مَنْ ذهَب إلى قطعيَّة المسْأَلَة، وهِيَ كونُ القياس حجَّةً لا يقولُ: إنَّ كل دليلٍ عَلَيْها قطعيٌّ، بل يقول: إنَّ مجموع الأدلَّة يفيدُ القَطْع بها، وذلكَ كافٍ.
وخلاصةُ القَوْل: أن هنا أمرين:
الأوَّلُ: دلالةُ الأدلَّة السمعيَّة على حجِّيَّة القياسِ، هَلْ هي قطعيَّة أو ظنيَّةٌ؟
стр. 173
والثَّاني: كونُ القياسِ حجَّة، هل هو قطعيٌّ أو ظني؟.
فالجمهور ذهب إلى أن الأدلة السمعية قطعيَّةٌ، وكذا المسألة، وذهب أبو الحسين البصري إلى أن المسألة قطعيةٌ، والأدلة السمعيَّة ظنيةٌ، والقطْع بالوقوع عِنْده بالأدلَّة العقْليَّة، ولذا ضم إلى الأدلَّة السمْعيَّة الأدلَّةَ العَقْليَّة لإثباث القَطْع.
أَدِلَّةُ السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ:
أمَّا السُّنَّةُ فما رُوِيَ عن معاذِ بْنِ جبلٍ ﵁ "أن رسول الله ﷺ لمَّا بعثَهُ إلى اليَمَن قال: كَيْف تَقْضِي إذَا عُرِضَ لكَ قَضَاءٌ؟ قال: أَقْضِي بكِتَابِ الله، قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ في كِتَاب الله؟ قال: فَبِسُّنَّةِ رَسُولِ الله، قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ في سُنَّةِ رسُولِ الله؟ قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي ولا آلُو، قال: فَضَرَبَ رسولُ اللهِ ﷺ على صَدْرِهِ وقال: الْحَمْدُ لله الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رسولِ اللهِ لما يُرضي الله وَرَسُولَهُ" (١) فَهذا يدل بوضوح على أن الاجْتِهَادَ بالرأي جائزٌ عند عدم وجودِ نصٍّ من الكتابِ والسنَّةِ، ولأنَّهُ لو لم يكن القِيَاسُ حجَّةً، لأنكر عليه النبي ﷺ ذلك وَلَمَا حَمِدَ الله.
وبعضهم أورد عليه أن الاجتهادَ بالرأيِّ غَيْرُ منحصرٍ في القياس كتأويلِ الظَّاهِرِ، أوِ الخَفِيِّ، أوِ المُشْكَلِ وغيره.
والجوابُ على هذا أن الكلام فيما لم يُوجَدْ فيه نصٌّ من الكتابِ، أو السُّنَّة، أمَّا الظَّاهِرُ والخفيُّ والمُشْكَلُ فَمِنَ الْكِتَابِ.
أمَّا إذَا سَلَّمْنَا أن الاجتهادَ بالرأْيِّ غير منحصر في القياسِ، بل يشمله وغيره، فَهُوَ إذَنْ فردٌ منه وداخل فيه، فالاجتهادُ بعمومه مُتَنَاوِلٌ لَهُ.
قد يَقُولُ قائل: إنَّ الحديثَ خَبَرُ آحَادٍ، فلا يفيدُ إلَّا الظَّنَّ ومثله لا يكفي في إثبات الأُصُولِ.
_________
(١) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٢٣٠، وأخرجه الدارمي في السنن ١/ ٦٠، "المقدمة" باب "الفتيا وما فيه من الشدة"، وأخرجه أبو داود في السنن ٤/ ١٨، "كتاب الأقضية" ١٨، باب اجتهاد الرأي ١١، الحديث ٣٥٩٢ واللفظ له، وأخرجه الترمذي في السنن ٣/ ٦١٦، "كتاب الأحكام" ١٣، "باب ما جاء في القاضي" ٣، الحديث ١٣٢٧.
стр. 174
قال مُحِبُّ الدِّينِ الهنديُّ في "مُسَلَّمِ الثُّبُوت": إنَّه خبرٌ مشهورٌ يفيد الطمأنينة، وهو فوق ظَنِّ الآحَادِ؛ لأنَّه يقين بالمعنى الأَعَمِّ المذكور وَبِمِثْلِهِ يصحُّ إثباتُ الأصلِ.
وقد ورد في السنَّةِ الصَّحِيحَةِ الثَّابِتَةِ أن الصحابة - رضوان اللّهِ عليهم - قدِ اجتهدُوا في كثيرٍ من الأحْكَامِ في زمن النبيِّ ﷺ ولم ينكر عليهم ذلك، فَمِنْ ذلك أنه أمرهم أنْ يُصَلُّوا العصر في بَنِي قُرَيْظَةَ فاجتهد بعضهم، وصلاها في الطريق وقالوا: لَمْ يُرِدْ مِنَّا التَّأْخِيرَ، وإنَّمَا أراد سرعَةَ النُّهوضِ، فنظروا إلى المعنى، وهؤلاء سلفُ أصحاب المَعَاني والقِيَاسِ، واجتهد البعض الثاني، وأخَّرُوها إلى بَنِي قُرَيْظَةَ فصلوها ليلًا فَنَظَرُوا إلى اللَّفْظِ، وهؤلاء سلفُ أهل الظَّاهِرِ، أيْضًا اجتهد الصحابيان اللَّذَانِ خرجا في سفرٍ فحَضَرَتِ الصَّلاةُ وليس معهما ماءٌ فصَلَّيَا، ثم وَجَدَا الماء في الوقت فأعاد أحدهما، ولم يُعِدِ الآخرُ فصوَّبَهُمَا النبي ﷺ ، وقال لِلَّذِي لم يُعِدْ: "أصبتَ السنَّة، وأجزأَتْكَ صلاتُكَ" وقال للآخر: "لكَ الأجرُ مرَّتين".
ولما قاس مُجَزِّز المدْلِجِيُّ وقَافَ، وحكم بِقِيَافَتِهِ على أن أقدام زيدٍ وأُسَامَة ابنه بعضها من بعض، سُرَّ بذلك رَسولُ الله ﷺ حَتَّى بَرِقَتْ أسَارِيرُ وَجْهِهِ من صِحَّةِ هذا القياس، وموافقته للحق، وكان زيدٌ أبيضَ وابنُه أسامة أسْودَ فألحق مُجَزِّزٌ المدْلِجِيُّ الفَرع بأصله ولم يَعْتَبِرْ وَصْفَي السَّوَادِ، والبياضِ: اللَّذَيْنِ لا تأثير لهما في الحُكْمِ.
أَدِلَّةُ الْإِجْمَاعِ:
لقد كان أصحابُ رسولِ االله ﷺ يَجْتَهِدُونَ في النوازِلِ، كما كانوا يَقِيسُون بعضَ الأَحْكَامِ على بَعْضٍ فيما لم يجدوا فيه نصًّا من الكتابِ والسُّنَّةِ، وكانوا يعتبرُونَ النظيرَ بِنَظيرِهِ، وقد تواتَرَ ذلك عنهم، وإِنْ كانت تفاصيلُ أعمالهم آحادًا، فإِنَّ الْقَدْرَ المُشْتَرَكَ متواترٌ، والعادةُ قاضِيَةٌ في مثله بوجود القاطع بِحجِيَّتِهِ والعلم به، فَهذا استدلالٌ في الحقيقةِ بالقاطِع الَّذي كان عِنْدَهُمْ وعملهمِ شائعًا ذَائِعًا دليلٌ عليه، وقد شَاعَ بينهم الاحْتِجَاجُ به، والمباحَثَةُ والتَّرْجِيحُ فيه عند المعارَضَةِ بلا نكير من واحد منهم، والعادَةُ تَقْضِي بأن السكوت في مثله من الأصول العامة المُلْزِمَةِ لِلْعَمَلِ بِهَا، وهذا استدلال بنفس إجماعهم على الحُجِيَّةِ، فإنَّهُم عملوا بِهِ، واسْتَدلُّوا به من غير نَكِيرٍ.
فمن ذلك: عُدُولُ الصَّحابةِ - رضي الله تعالى عنهم - إلى رَأْيِ أبي بكرٍ الصدِّيق
стр. 175
رضي الله تعالى عنه في قِتَالِ بني حَنِيفَةَ على أخذ الزكاة منهم، حيث كان الصَّحابة ﵃ مختلفين، فمنهم من يرى المُسَالَمَة لقُرْبِ موت النبي ﷺ ، وانْكِسَارٍ في المسلمين حصل بسببه، ومنهم من يرى القِتَالَ عليها قياسًا على الصَّلَاةِ؛ لئلَّا يُحَسَّ منهم بالضعف والانْكِسَارِ فَيُطْمَع فيهم، وكان مِمَّنْ يرى القتال: أَبُو بَكْرٍ ﵁ فرجَعُوا إليه وسَلَّمُوا قياسَه، وَرُوِيَ عنه أنه قال: "والله لأُقَاتلنَّ مَنْ فَرَّق بينَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ" رواهُ الشَّيخان.
ويعتبر هذا إجماعًا منهم على حُجيَّةِ القياسِ كما وَرَّثَ الصدِّيقُ ﵁ أُمّ الأُمِّ دون أُمِّ الأَبِ فقيل له: تركتَ الَّتي لو كانت هي الميتة لَوَرثَ ابْنُ ابنِهَا الْكُلَّ، فشركَها في السُّدسِ على السَّواء، ووَرَّثَ عمرُ ﵁ المطلقة ثلاثًا في مرض زوجها مرض الموت قِيَاسًا على الفارِّ، كما رَجَع ﵁ في مَسْألَةِ قتلِ الجَمَاعَةِ بالواحِدِ إلى رأي علي - كرَّم الله وجهَهُ - حين قال له: أَرَأَيْتَ لو اشترك نفرٌ في السَّرِقَةِ أكنت تَقْطَعهُمْ فقال: نعم، فقال: هكذا هنا ففيه قياس قتل الجماعة بالواحد على قطع الجماعة الذين اشتركوا في السَّرِقَةِ.
وقال عثمان ﵁ لعمر ﵁: إِنِ اتَّبَعْتَ رأيك فَسَدِيدٌ، وإن تتبع رأي من قبلك فنِعْمَ الرَّأْي، فقد جوز العمل بالرأي، وقاس علي - كرَّم اللَّهُ وجههُ - الشَّارِبَ على القاذِفِ في الحدِّ وأجمعُوا عليه.
قال الزُّهْرِيُّ: أخبرني حميدُ بنُ عبد الرحمن بنِ عوفٍ عن وبرة الصَّلْتِيِّ قال: بعثني خالدُ بنُ الوليدِ إلى عمَرَ فأتيته، وعنده علي وطلحة، والزُّبير، وعبد الرحمن بن عوف متَّكِئُونَ في المسجِدِ فقلت له: إن خالِدَ بنَ الوليدِ يقرأ عليكَ السَّلامَ ويقول لك: إن النَّاسَ قد انْبَسَطُوا في الخَمْرِ وتَحَاقَرُوا العقوبَةَ فما ترى؟ فقال عُمَرُ: هم هؤلاء عندك قال: فقال علي: أَرَاهُ إذا سَكِرَ هذى وإذا هَذى افْتَرَى وعلى المفتري ثَمَانُونَ فاجْتَمَعُوا على ذلك فقال عُمَرُ: بلِّغ صاحبَكَ ما قالوا، فضرب خالدٌ ثمانين وضرب عمر ثمانين، ومن ذلك قول عَلِيٍّ - كرَّم الله وجهَهُ -: اجتمع رأيي ورأيُ عمرَ ﵁ في أُمَّهاتِ الأولاد ألَّا يبَعْنَ ثمَّ رأيت بيعهن، فقال له قاضيه عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ: يا أميرَ المُؤْمِنِينَ رأيك مع رأي عمر في الجماعة أحب إلينا من رأيك وَحْدَكَ، فقد جوز العمل بالرأي، ومن ذلك أنَّهُمُ اختلفُوا في توريثِ الجَدِّ مع الإخوَةِ بالرَّأْي، حيث روى الإمام أبُو حنيفَة في مسنده عن أمير المؤمنين
стр. 176
عَلِيٍّ - كرَّم اللَّهُ وجهه - قال لعمر ﵁ حين شَاورَ في الجَدِّ مع الإخوة أنه قال: أرأيت يا أميرَ المؤمنين لو أن شجَرَةً نَبَتَتْ فَانْشَعَبَ منها غصن، فانشعب من الغصن غصنان أيهما أقرب من أحد الغصنين أصاحبه الذي خرج منه أم الشجرة؟.
وقال زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: لو أن جَدْولًا انبعث منه ساقية، ثم انبعث من السَّاقِيَة ساقيتان أَيُّهُما أَقْرَبُ إحدى الساقيتين إلى صاحِبَتِهَا أَمِ الجَدْوَل، ومقصودهما بذلك توريث الأَخِ مع الجَدِّ قِياسًا على توريث العصباتِ الأخيرين بجامع القُرْبِ في القَرَابةِ والشَّجَرَة والجَدْوَل تمثيل لِقُرْبِ القَرَابَةِ.
وذهب عُمَرُ ﵁ إلى أَنَّ الجَدَّ أولى بالمِيرَاثِ من الإخْوَةِ، ويقول: واللهِ لو أنِّي قضيته الْيَوْمَ لبعضهم لقضيت به لِلْجَدِّ كله، وَلكِنْ لَعَلِّي لا أُخَيِّب منهم أحدًا، ولَعَلَّهُمْ أن يكونوا كُلُّهُم ذوي حق، فَرَجَعَ إلى هذا الْقِيَاسِ وَوَرَّثَهُم مع الجَدِّ، فيكون توريثهم مع الجَدِّ قياسًا.
يتضح مما تقدم أن الصحابَةَ - رضي الله تعالى عنهم - قَاسُوا الوقائِعَ والأحداث بنظائرها وشَبَّهُوهَا بِأَمْثَالِهَا وَرَدُّوا بعضها إلى بعض في أحكامها، وبذلك فَتَحُوا للعلماءِ باب الاجتهاد، ونَهَجُوا لهم طريقه وبينوا لهم سبيله.
وهل يَشُكُّ عاقلٌ في أن النبيّ ﷺ لما قال: "لَا يَقْضِي الْقَاضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ". إنَّما كان ذلك؛ لأن الغضب يُشَوِّشُ عليه فكره، ويمنعه من كمال الفَهْمِ والإدْرَاكِ ويحولُ بينه وبين استيفاءِ النَّظَرِ والتَّحقيق، وَيُعْمِي عَلَيْهِ طريقَ العلمِ وَالْقَصْدِ، فَإِذَا وجد هذا المعنى في فرد آخر يكون داخلًا في النَّهْى بِالقِيَاسِ وذلك كالهم المزعج، والخوف المقلق والجوع والظمأ الشديدين، وشغل القلب المانع من الفهم، فمن قَصَرَ النَّهْيَ على الغضب دون غيره من كل ما يوجد فيه المعنى الذي لأجله النهي، فقد قَلَّ فَهْمُهُ وَفِقْهُه، وفاته أن التَّعْوِيلَ في الأحكام على قصد المتكلم، والألفاظ لم تقصد لنفسها، وإنَّما هي مقصودة للمعاني، والتوصل بها إلى مَرَادِ المُتكَلِّمِ، فالحديث دَلَّ على الغضب، وليس هو المقصود بالذات وحده حتى لا يلحق به غيره، بل كل ما وجد فيه العلة التي نهي عن الغضب لأجلها كان ملحقًا بِهِ.
стр. 177
الدَّلِيلُ الْعَقْلِيُّ:
وخُلَاصَتُهُ: أَنَّ المُجْتَهِدَ إِذَا غَلَبَ على ظَنِّهِ كَوْنُ الحكم في الأصل مُعَلَّلًا بالعلة الفلانية، ثم وجدَ تِلْكَ العِلَّةَ بغينها في الفرع يحصل له بالضَّرُورَةِ ظَنُّ ثبوتِ ذلِكَ الحكم في الفَرْعِ وحُصُولُ الظَنِّ بالشيءِ مُسْتَلْزِمٌ لحُصُولِ الْوَهْمِ بِنَقِيضِهِ، وحِينَئذٍ فَلَا يمكنُهُ أَنْ يَعْمَلَ بالظَنِّ والوَهْمِ لاِسْتِلْزَامِهِ اجتماع النقِيضَيْن، ولا أن يَتْرُكَ العملَ بِهِمَا لاسْتِلْزَامِهِ ارتفاعِ النقيضَيْنِ، ولا أن يَعْمَلَ بالوهْمِ دونَ الظنِّ، لأنَّ العملَ بالمرجوحِ مع وُجُودِ الراجِحِ ممتنعٌ عَقْلًا وشَرْعًا، فتعيَّنَ العملُ بالظَنِّ، ولا معنى لوجُوبِ العَمَلِ بالظَنِّ إلا إثْبَاتُ القياسِ على سبيلِ المِثَالِ: إذا غلبَ على ظنِّ المُجْتَهِدِ أَنَّ حُكْمَ الخَمْرِ معلَّلٌ بالإسْكَارِ، ثم وجد تلك العِلَّة بِعَينِهَا فِي النَّبِيذِ، فإنَّهُ يحصل له بالضرورة ظن ثبوت ذلك الحكم في النبيذ، وحُصُولُ الظَنِّ بثبوت الحكْم في النبيذِ مُسْتَلْزِمٌ لِحُصُولِ الوَهْم بِنقيضِهِ، وحنيئِذٍ لا يُمْكِنُهُ أنْ يعملَ بِهِمَا، ولا أن يتْركَ العملَ بهما، ولا أن يعمل بالمرجوح دون الراجح لما تَقَدَّم، فتعيَّنَ العمل بالظنِّ وهو القياس، فَثَبَتَ أن القِيَاسَ حُجَّةٌ من الحُجَجِ الشَّرْعِيَّةِ لاستفادَةِ الأَحْكَامِ.
شبه وردٌّ:
اسْتَدَلَّ المَانِعُونَ للقياس بأدلَّةٍ نَقْلِيَّةِ وعقليَّةٍ وتمَسَّكُوِا بِظَاهِرِهَا، فنحن نعرِضُهَا مع الرَدِّ على كل دليل من أدِلَّتِهِمْ، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٣٨]، وقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة النحل: الآية ٨٩] أي بيانًا لكل ما شرع لكم مما يَنْفَعُكُم في أمرِ دِينِكُم ودنياكم فكلُّ شيءٍ مشروع في الكتاب، وما ليس مشروعًا فيه، فيبقى على النفي الأَصْلِيِّ، وحينئذٍ يكون إثباتُ القِيَاسِ بما ليس في كِتَابِ اللهِ، فيكونُ مُنَافيًا للشرع، فلا يصحُّ العملُ بِهِ.
والجواب على ذلك أن المُرَادَ بِالكِتَابِ اللَّوْح المحْفُوظ، وهو مُشْتَمِلٌ على كل شَيْءٍ، والقياسُ شيء من تلك الأشْيَاءِ التي ذكرت فيه.
أَوْ يُرَادُ من الكِتَابِ اللَّفظ المنزل على محمد ﷺ المُتَعَبَّدِ بِتِلَاوَتِهِ، وَأَن مَا ثَبَتَ بالقياسِ مضاف إلى الكتاب لأن القِيَاسَ مُنَزَّلٌ في كتاب الله نصًا، أو دِلالَةً ذلك أنه نظير الاعتبار المأمور به في قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾، فالعمل بالقياس عمل بالكتاب في الحقيقَةِ، أو لأن الكتاب دَلَّ على وُجُوب قَبُولِ قَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا
стр. 178
نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [سورة الحشر: الآية ٧] وقول الرسول دلَّ على حُجِيَّةِ الْقِيَاسِ، فكان كتاب الله دالًّا على حجيَّةِ القِيَاسِ، فالقرآنُ نَزَلَ تِبْيانًا لكل شَيْءٍ لكن إجمالًا لا تفصيلًا؛ لانْعِدَامِ تفصيل الكُلِّ فيه قطعًا فيفصل بالاجتهاد.
وعليه فالمُرَادُ بما تقدم أن الكتاب بيانٌ لكل شيءٍ، وذلك إمَّا بدلائل ألفاظه من غير واسطة، وإمَّا بواسطة الاستنباط منه، أو دلالته على السُّنَّةِ والإجْمَاعِ الدالين على اعتبار القياس، فالعَمَلُ بالقياسِ عمل بما بَيَّنَهُ الكتاب لا أنه خَارِجٌ عنه، ومنها قوله تعالى: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [سورة النساء: الآية ٥٩]. فهو صريحٌ في أن الرَّد لا يكون إلا للكتابِ والسُّنَّةِ لا إلى الرأي، وحينئذٍ يكون القياس باطلًا؛ لأنه تشريعٌ بالرأي فلم يتحقق الردُّ إلى الكتابِ والسُّنَّةِ.
والجواب على ذلك أنَّا لا نرده إلى مجرَّدِ الرأي كما زعم المعترض، وإنَّما نرده إلى العِلَلِ المستنبطة من نصوص الكتابِ والسُّنَّةِ والقياس عبارة عن تفهم مَعَانِي النُّصوصِ بتجريدِ مناطِ الحكم وحذف الحَشْوِ الذي لا أثر له في الحكم، فحينئذٍ يَكُونُ الرَدُّ إلى القِيَاسِ ردًّا إلى الكتاب، أو السُّنَّةِ.
وممَّا استدلَّ به المُنْكِرُونَ للقياسِ من طريقِ العَقْلِ شُبَهٌ كَثِيرَةٌ، منها لا نُسَلِّمُ أن أحدًا من الصَّحَابَةِ استعمل القياسَ لإثبات حكم من الأحكام، وما نَقَلْتُم أخبار آحاد لا تفيد القطع، فيجوزُ عدمُ صِحَّةِ ذلك النقل، ومنها أن ما نقلتم عنهم من الأَخْبَارِ الدَّالَّةِ على استعمالهم القياس لا تَدُلُّ دلالة واضحة على كون فتواهم بالقياس، بل يجوز أن يكون عندهم نصوص جلية، أو خفية لم يذكروها، ولئن سَلَّمْنا فتواهم بالقياس، فإنَّ الأَقْيِسَة التي استعملوها جزئية لا تدل على صحة الاستدلال بجميع الأقيسة.
وجوابنا عن ذلك أن المنقولات وإن كانت كل واحد منها أخبار آحاد إلَّا أن الْقَدْرَ المُشْتَرَكَ بينهما وهو الفتوى بالقياس وكون عادتهم ذلك متواترًا يحدث العلم به بكثرة مطالعة أقضيتهم وتواريخهم، وعلم أيضًا من تكرَّر عملهم بالأقيسة أنه لم يكن بخصوص نَوْعٍ أو فرد، وعلم أيضًا بقرائن قاطعة للناقلين أنَّهُ لم يكن عندهم نصٌّ، والعادَةُ تقضي بأنه لو كان عندهم نصٌّ استدلوا به في فَتَاوِيهِم لكانوا أظهروه، وحصل لَنا علم به مقدم ظهور نَصٍّ في فتاويهم دَلِيلٌ على أنهم كانوا يستعملون القياس لإثبات الأحكام.
وعليه يَثْبُتُ أن القياسَ حجةٌ شرعية لإثبات الأحكام. ومن أدِّلَتِهِم أيْضًا أن العمل
стр. 179
بالقياس، وإن ثبت عن بعض الصَّحابة، لكن لا يلزمُ منه الإجْماع، وإنَّما يلزم لو تحقق أن سكوتهم كان عَنْ رضًا لِمَ لا يجوز أنْ يَكُونَ سكوتهم عن خَوْفٍ.
وفي هذا يقول النَّظَامُ: إنه لم يعمل به إلا عددٌ قليل من الصَّحابة ولما كان مثل أمير المؤمنين عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁ وعثمان وعلي ﵄ سلاطين خاف الآخرون من مخالفتهم، لأنَّ العادَةَ جَرَتْ بمعاداة من خالف الأمِيرَ أو السُّلْطَانَ واتَّخَذَ قَوْلَهُ مذهبًا لنفسه.
وجوابُنَا على ذلك أن تَكَرُّرَ السُّكُوتِ في وقائع كثيرة لا تحصى لا يكون عادةً إلا عن رِضَاء، لا سِيَّمَا فيما هو أصْلٌ من أصولِ الدِّينِ، فهذا السُّكُوتُ سِرًّا وعلانيَّة من كُلِّ أحَدٍ في كل واقعة والتزامهم أحكام الخلفاء الراشدين يفيد علمًا ضروريًّا بالرِّضَاءِ والوِفَاقِ، وتوهم نسبة الخوف إلى من يخالِفُهُم كَذِب وبُهْتَان، فإنَّ مِنْ أخلاقهم الكريمَةِ المُتَوَاتِرَةِ عنهم أنَّهُم كَانُوا لا يخافون في أمر ديني من أحد خُصُوصًا إذا بَقِيَ معمولًا به مُدَّةً طويلة، ونسبة المعاداة إلى الخلفاء الرَّاشِدِينَ لمن خالفهم واتَّخذ قولًا مذهبًا حَمَاقَة عظيمة، وكيف يُعْقَلُ أن الصَّحابة - رضوان الله عليهم - خُصُوصًا الخُلَفاء الرَّاشِدِينَ أنَّهُم يُعَادُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ فِيما اتَّخَذُوه مَذْهَبًا فَإِنَّهُم كانُوا يُنِيبُونَ لِلْحَقِّ وَيَرْجعُونَ إلى الصَّوَابِ، ومن تتبع الآثار والتواريخ أدرك بلا شك أن كثيرًا مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ كانوا يخالفون قَوْلَ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ إذا ظَهَرَ لَهم شَيءٌ خلاف ما يقولون، فلا يُبَالُونَ بقول الحق، ولا يخافون في الله لَوْمَةَ لائم، وإذا لم يكن خوف في المخالفة في وقائع متعددة، فأيُّ خوف لهم في واقعة واحدة. ونختم هذا بقول المُزَنيِّ: "إنَّ الفقهاءَ من عصر رسول الله ﷺ إلى يَوْمِنَا وهلم جرا استعملوا المقاييس في الفقه في الأحكام، قال: وأجْمَعُوا على أن نظيرَ الحقِّ حق، ونظير الباطل بَاطِلٌ، فلا يجوز لأحد إنْكَارُ القياس؛ لأنه التشبيهُ بالأُمُورِ والتمثيلُ عليها".
النَّسْخُ
لا يخفى على كل مُتَأَمِّلٍ أن القوانين الَّتي وضعها البَشَرُ لا تفي بحاجيات الإنسان المُلِحَّةِ والكامِنَةِ فِي نَفْسِهِ، ومن تَفَحَّصَ هذه القوانين، أدْرَكَ - جيدًا - عَدَمَ صلاحيتها لطهارَةِ السَّرائِرِ، والتخلُّقِ بالأخلاقِ الحميدة، والمُثُل الطَّاهِرَةِ؛ كحُبِّ الخَيْرِ، ومساعدةِ
стр. 180
الضعيفِ، والتواضع … إلى غير ذلك من المكارم التي تُؤَدِّي إلى سعادة البَشَر في الدُّنْيَا والآخِرَة، ولا مناصَ للبَشَريَّة الباحِثَةِ عن سِرِّ سعادتها من اتِّبَاعِ طريقٍ آخر مؤدٍّ إلى ما تصبو إليه، وتطمح إلى ارْتِشَافِهِ.
والقوانينُ الإلهيَّةُ هي غايةُ السعادَةِ ومنتهى الكمَالِ، فاللهُ - تعالى - لم يترك هذا الإنسانَ في هذه الدُّنيا هملًا يَسِيرُ على غير هُدًى، بل أوضح له طرق الخيرِ وطرق الشرّ، بإرسال الرسل والكتب المُقَدَّسَةِ.
ومن بين هذه الكتب المقدسة القرآنُ الكريم، ومن سنن رسله سُنَّةُ سيدنا محمَّد - عليه أفضل الصَّلاة والتَّسليم -.
ولقد جاء التَّشريعُ الإسلاميُّ خاتِمًا لكلّ الرسالات، والأحكام الإلهية؛ لذا زَوَّدَهُ اللهُ بما يضمن بقاءَه، ويحقق خلوده إلى يوم القيامَةِ. والتشريع الإسلامي قائمٌ على خصائصَ ومميزاتٍ تُحَقِّقُ بناءَهُ الشَّامِخَ، وتقيم صَرْحَهُ أبدَ الأزمَانِ والعُصُورِ.
ومن الأُسُس الجليَّة الَّتي ابتنى عليها بناءُ الأحْكامِ الإسلامِيَّةِ في تشريعِ الأوامر والنواهي - مبدأ التدرُّج؛ حتى تتهيأَ النُّفُوسُ للإذعَانِ للأحكامِ الشرعِيَّة؛ فَتَتَقَبَّلَها عن طِيبِ خَاطِرٍ بدون مشقة، أَوْ ضَرَرٍ واقعِ بها. ومشروعية التَّدَرُّجِ في الأَحْكَامِ الإسلامِيَّة اقْتَضَتْها الظُّرُوفُ والملابساتُ الَّتي تزامَنَتْ وَالدَّعْوةَ الإسلامِيَّةَ، فكان مَبْدَأُ التَّدَرُّج علاجًا لمثل هذه الحالات، ثم تَنْتَهِي هذه الأحكامُ بالنَّسْخِ لزوالِ مُقْتَضَيَاتِهَا، حتَّى إذا تمَّت أحكام اللهِ نزولًا بقيت محكمةً إلى يوم الدين.
وبعد أَنْ أَتَمَّ اللهُ شَرْعَهُ؛ بقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [سورة المائدة: الآية ٣]، دلَّ ذلك على تمام الشريعة وكمالها، فلا يكون هناك تبديل ولا تغيير.
وإليك كلمةً موجزةً عن النسخ، فنقول وبالله التوفيق:
النَّسْخُ لُغَةً:
النَّسْخُ يطلق في اللُّغة كما في الصِّحَاحِ، والقَامُوسِ، واللِّسَانِ بمعنى: الإزالة.
следующие страницы →