Полный текст (2 330 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
شيخ الإِسلام، وعلم الأعلام، ولد سنة ٦٧٣ هـ، وطلب العلم والحديث، وله ثماني عشرة سنة، وأجاز له أبو زكريا بن الصيرفي، وابن أبي الخير، والقطب، وابن عصرون، والقاسم بن الإِربلي، وسمع بـ "دمشق"من عمر بن القواس وأحمد بن هبة الله بن عساكر، والغسولي، وبـ "بعلبك" من عبد الخالق بن علوان، وزينب بنت عمر بن كندي وغيرهما، وبـ "مصر" من الأبرقوهي وابن دقيق العيد، والدمياطي، وأبي العباس بن الظاهري. وفي شيوخه كثرة، فلا نطيل بذكرهم.
وسمع منه الجمع الكثير. قال تاج الدين السبكي: "وأما أستاذنا أبو عبد الله فبصر لا نظير له، وكنز هو الملجأ إِذا نزلت المعضلة، إِمام الوجود حفظًا، وذهب العصر معنى ولفظًا، وشيخ الجرح والتعديل، ورجل الرجال في كلّ سبيل، كأنما جمعت الأمة في صعيد واحد، فنظرها ثم أخذ يخبر عنها إِخبار من حضرها … "، وله من المصنفات الكثير، منها: "تاريخ الإِسلام"، و"ميزان الاعتدال"، و"تذكرة الحفاظ"، "والعبر"، وغير ذلك. توفي سنة ٧٤٨ هـ (١)، وينظر ترجمته مفصلة من تحقيقنا على كتابه القيم "ميزان الاعتدال".
١١ - ابن جماعة:
قاضي القضاة، بدر الدين أبو عبد الله محمد بن إِبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكناني الحموي، ولد سنة ٦٣٩ هـ بـ "حياة"، سمع بديار مصر من أصحاب البوصيري، ومن ابن القسطلاني، وأجازه ابن مسلمة وغيره، وقرأ بـ "دمشق" على أصحاب الخشوعي، قال التاج السبكي: شيخنا … وسمعنا الكثير عليه، ونعته بقوله: حاكم الإِقليمين مصرًا وشامًا، وناظم عقد الفخار الذي لا يسامى، متحلّ بالعفاف، متخل إِلا عن مقدار الكفاف، محدث فقيه، ذو عقل لا يقوم أساطين الحكماء بما جمع فيه. وذكر له من المصنفات كتاب "كشف المعاني" (٢)، توفي سنة ٧٦٧ هـ بـ "مكة" (٣).
تلاميذه:
وقد خلت الكتب أو تكاد تخلو من ذكر تلاميذ له، ولعلَّ السبب في ذلك أن التاج
_________
(١) السابق ٩/ ١٠٥، والدرر الكامنة ٣/ ٤٢٦، وشذرات الذهب ٦/ ١٥٣.
(٢) طبقات الشَّافعية الكبرى ٩/ ١٤٢.
(٣) ابن كثير: البداية والنهاية ١٤/ ٣١٩.
стр. 72
السبكي كان في كنف والده، فطغت شهرة أبيه عليه، ثم لسبب آخر وهو نظام التعليم في ذلك العصر، والذي كان قائمًا على المدارس، والمساجد، وبيوت المشايخ، ولعلَّ الشيخ التاج لم يسعه وقته حيث كان قاضي القضاة بالشام، ليستقبل تلامذته في داره، ولعلَّ هناك سببًا آخر وهو موته صغيرًا، حيث توفي وله من العمر أربعة وأربعون عامًا، وأيّا ما يكن الأمر، فقد ذكر التاج ما يشير إِلى أن الصلاح الصفدي - خليل بن أيبك المتوفى سنة ٧٦٤ هـ، وهو في الأصل تلميذ أبيه يعني الشيخ تقي الدين السبكي - يشير إِلى أخذه عنه، وسؤاله له، قال في الطبقات عند ترجمته للصلاح الصفدي: "وكانت بيني وبينه صداقة منذ كنت صغيرًا، فإِنه كان يتردد إِلى والدي، فصحبته ولم يزل مصاحبًا لي إِلى أن قضى نحبه، وكنت قد ساعدته آخر عمره … وكانت له همة عالية في التحصيل، فما صنف كتابًا إِلا وسألني فيه عما يحتاج إِليه من فقه وحديث وأصول ونحو، لا سيما "أعيان العصر" فأنا أشرت عليه بعمله، ثم استعان بي في أكثره، ولما أخرجت مختصري في الأصلين المسمى "جمع الجوامع" كتبه بخطه، وصار يحضر الحلقة، وهو يقرأ عليّ ويلذ له التقرير، وسمعه كله علي، وربما شارك في فهم بعضه رحمه الله تعالى! " (١).
ويمكن عد الصلاح الصفدي من أقران التاج كذلك.
وقد ذكر الشوكاني في ترجمة "أبي المحاسن الحموي" أنه تفقه على التاج السبكي، فقال: يوسف بن الحسن بن محمد الحسن بن مسعود بن علي بن عبد الله الجمال أبو المحاسن الحموي الشَّافعي: المعروف بابن خطيب المنصورية، ولد سنة ٧٣٧ هـ، واشتغل بـ "حماة" وغيرها، فأخذ في الأصلين عن البهاء الإِخميمي، والفقه عن التقي الحصني والتاج السبكي وغيرهما، والنحو واللغة والفرائض والحساب والبيان عن ابن هانئ اللخمي المالكي، واشتغل بالحديث، فسمع وحصل وكان عارفًا بعدة علوم، ودرس وأفتى وصنف.
ومن مصنفاته "الاهتمام في شرح أحاديث الأحكام" … توفي سنة ٨٠٩ هـ (٢).
_________
(١) تاج الدين السبكي: طبقات الشَّافعية الكبرى ١٠/ ٥ - ٦.
(٢) الشوكاني: البدر الطالع ٢/ ٣٥٢.
стр. 73
محنة التاج السبكي:
إِن وظيفة القضاء في الإِسلام عظيمة الشأن جليلة الغاية، ويكفي لرفعة شأنها، وسمو قدرها أنها من وظائف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وبها يتحقق مقصد عظيم من مقاصد الشارع، وهو إِزالة الضرر عن الخلق بفض ما يحدث بينهم من النزاع، وإِرجاع الحقوق لأربابها، لذلك حث الدين عليه كثيرًا، ورغب فيه ببيان ما يترتَّب على القيام به بالعدل من المثوبة العظيمة، والدرجة الرفيعة عنده .
وقد قام به المسلمون خير قيام، وكان له عندهم مكانة سامية، وقد رفعوه، وزادوا من شأنه، فضربوا أحسن الأمثال في القضاء العادل، وأظهروا للناس من سعة النظر ورصانة العقل، ونزاهة النفس، وذكاء الفكر، وقد علوا فيه على الأمم، ويمكننا القول: إِنه لم يوجد في أمم الأرض من أقام العدل، ونصب ميزانه كما فعل المسلمون.
قال ابن حجر العسقلاني: "وحصل له بسبب القضاء محنة شديدة مرة بعد مرة، وهو مع ذلك في غاية الثبات، ولما عاد إِلى منصبه صفح عن كلّ من أساء إِليه" (١).
وقد وجهت الخصومة إِلى تاج الدين السبكي، وعقد له مجلس حكم، حكم فيه ابن قاضي الجبل - وهو أبو العباس أحمد بن الحسن الحنبلي قال فيه ابن حجر: ولي القضاء سنة ٧٦٧ هـ فلم يحمد في ولايته توفي سنة ٧٧١ هـ - وقضي بالحبس على تاج الدين ولكن ما سبب هذه المحنة؟!
والواقع أننا نجهل تفصيل الأسباب الَّتي أحفظت عليه أولي الأمر، والسبب في ذلك: أن المصنّف لم يترجم لنفسه، ولم نجد من يترجم له ترجمة مفصلة كما ترجم هو لأبيه، ويرى وستنفلد (٢) أن السبب إِصرار تاج الدين على أحكام أصدرها لم تعجب أولي الأمر وطلبوا منه العدول عنها، ولكن لم نجد شيئًا من هذا القبيل مسطورًا، وغاية ما هناك ما ذكره ابن حجر في "الدرر" قال: وكان من أقوى الأسباب في عزله المرة الأخيرة أن السلطان لما رسم بأخذ زكوات التجار سنة ٧٦٩ هـ وجد عند الأوصياء جملة مستكثرة صرفت بعلم القاضي بوصولات ليس فيها تعيين اسم القابض، فأريد من ناظر الأيتام أن يعترف أنها
_________
(١) الدرر الكامنة ٢/ ٤٢٥.
(٢) wilstenfeld مستشرق ألماني له مؤلفات عدة منها كتابه عن الإِمام الشَّافعي والشافعية.
стр. 74
وصلت للقاضي "تاج الدين" فامتنع. فآل الأمر إِلى عزل القاضي" (١).
وقال في موضع آخر: "لما ولي أمير على نيابة السلطنة بالديار المصرية قرر الشيخ سراج الدين البلقيني في قضاء دمشق وعزل تاج الدين السبكي، وأخرج بهاء الدين (٢) إِلى دمشق ليدعي عليه بما في جهته أيام مباشرة أبيه وأخيه، فعقد لهم مجلس، فحكم ابن خطيب الجبل باعتقال تاج الدين، فاعتقل بقلعة دمشق وهرب أخوه، فاختفى عند التاج الملكي قبل أن يسلم، وكان يومئذ بـ "دمشق " كاتبًا نصرانيًا" (٣).
وهذا سبب ذكره ابن حجر، ولا يعرف باقي أسباب المحنة، إِلا أن ما فهمه ذلك المستشرق ليس بصحيح، فقد عرف عن تاج الدين ترفعه وصلابته وشدته على أولي الأمر، ولا أدل على ذلك ممَّا أودعه كتابه "معيد النعم ومبيد النقم".
ويذكر الشعراني المتوفى سنة ٩٧٣ في محنة التاج: أن ذلك لاتهامه بالزندقة، وما يتبعها. قال في "الأجوبة المرضية عن أئمة الفقهاء والصوفية": "إِن أهل زمانه رموه بالكفر واستحلال شرب الخمر والزنى، وأنه كان يلبس الغيار، ويشد الزنار بالليل، ويخلعهما بالنهار، وتحزبوا عليه، وأتوا به مقيدًا مغلولًا إِلى مصر، وجاء معه خلائق من الشام يشهدون عليه، ثُمَّ تداركه اللطف على يد الشيخ جمال الدين الإِسنوي" (٤).
على أن التاج قد وقعت له أكثر من محنة، فأولاها كان سنة ٧٦٣ هـ، وفي هذه ولي أخوه البهاء السبكي قضاء القضاة مكانه، وولي هو وظائف أخيه في مصر، ومكث البهاء في هذا المنصب ثمانية أشهر (٥).
وليس ما قاسى القاضي تاج الدين في القضاء بمستغرب في دولة السادة الأتراك والشراكسة، فلقد ضج القضاة من تدخل رجال الدولة في عملهم تدخلًا يمنعهم من إِحقاق الحق، ومن هذا القبيل ما لاقاه ابن حجر العسقلاني، وبين ولايتهما سبعون سنة أو ما
_________
(١) الدرر الكامنة ٢/ ص ٤٢٦، وما بعدها.
(٢) هو أخو تاج الدين.
(٣) الدرر ٤/ ٥١.
(٤) مقدمة كتاب "معيد النعم ومبيد النقم" نقلًا عن "جلاء العينين في محاكمة الأحمدية" ص ١٦، وقارن الأعلام ٤/ ١٨٤.
(٥) ابن كثير: البداية والنهاية ١٤/ ٢٩٥، ١٤/ ٣١٥.
стр. 75
يقرب، قال السخاوي: "تزايد ندمه - يعني ابن حجر - على القبول - قبول القضاء - لعدم فرق أرباب الدولة بين العلماء وغيرهم، ومبالغتهم في اللوم لرد إِشاراتهم وإِن لم تكن على وفق الحق، بل يعادون على ذلك واحتياجه لمداراة كبيرهم وصغيرهم بحيث لا يمكنه مع ذلك القيام بكلّ ما يرومونه على وجه العدل، وصرح بأنه جنى على نفسه بتقلد أمرهم … " (١).
وقد ندم التاج نفسه على قضاء والده، وقال: ليته ما فعل (٢)!! وما كان يتهم والده ﵀ كيف وقد شهد له الأقاصي والأداني بالنزاهة، والعدل، وبراءة الساحة من ذر الظلم.
قال الصلاح الصفدي المتوفى سنة ٧٦٤ هـ: "لم أر أحدًا من نواب الشام ولا من غيرهم تعرض له "يعني القضاء" فأفلح، بل يقع له إِما عزل وإِما موت. جربنا هذا، وشاع، وذاع حتى قلت له - يعني الشيخ تقي الدين - يومًا: يا سيدي دع أمر هذه القرية - يعني دمشق -، فإِنك قد أتلفت فيها عددًا، وملك الأمراء وغيرهم في ناحية وأنت وحدك في ناحية، وأخشى أن يترتَّب على ذلك شر كثير، فما كان جوابه إِلا أنشد: [الطويل]
وَلَيْتَ الَّذِي بَيْني وَبَيْنَكَ عَامِرٌ … وَبَيْني وَبَيْنَ الْعَالَمِينَ خَرَابُ (٣)
على أن التاج السبكي بعد تعرضه لمحن العزل من القضاء - وهذا من ابتلاء الله لعبده - فقد نصره الله على خصومه، ورفع ذكره، وكيف لا ينصر، وهو "أبو نصر" وفي الحديث: "لأنصرنك ولو بعد حين"، وقد بارك له صاحبه الصفدي هذه النصرة، فرد على كتابه له سنة ٧٦٣ هـ، وكان يومها بالقاهرة، والصفدي بالشام، فكتب الأخير: "فالحمد لله على النصرة … وما يغلق باب إِلا ويفتح دونه من الخيرات أبواب، وعلى كلّ حال أبو نصر أبو نصر وعبد الوهاب عبد الوهاب … ".
آثاره:
لم يعش شيخنا تاج الدين السبكي ﵀ إِلا نحو أربعة وأربعين عامًا، لكن
_________
(١) الضوء اللامع ٢/ ٣٨.
(٢) ونص كلام التاج: "يا لها غلطة أف لها وورطة ليته صمم وما فعلها".
(٣) ابن حجر العسقلاني: الدرر الكامنة ٣/ ٦٤ - ٦٥.
стр. 76
حياته على قصرها كانت ملأى بالإِنتاج العلمي الذي جعله من الأئمة باعتراف معاصريه ومن جاءوا بعده. فابن حجر العساقلاني المتوفى سنة ٨٥٢ هـ يقول فيه: "في دمشق ظهرت مؤلفات السبكي وهي كثيرة، وقد انتشرت تصانيفه في حياته، ورزق فيها السعد" (١).
ونقل الحافظ عن شهاب الدين بن حجي قوله: "وقد صنف تصانيف كثيرة جدًّا على صغر سنه قرئت عليه، وانتشرت في حياته وبعد موته" (٢).
وقال السيوطي المتوفى سنة ٩١١ هـ: "وصنف كتبًا نفيسة، وانتشرت في حياته، وألف وهو في حدود العشرين" (٣).
وقال الشوكاني المتوفى سنة ١٢٥٠ هـ: "ورزق السعادة في تصانيفه، فانتشرت في حياته" (٤). على أن التاج قد خاض في علوم كثيرة، فكانت له فيها مصنفات، ولذلك نجد وصفه عند كثير منهم: بـ "المؤرخ الباحث، والفقيه الأصولي، والأديب" وغير ذلك.
بل إِن السيوطي ويورد نصًا عن التاج، ويقره عليه قال: " … كتب مرة ورقة إِلى نائب الشام يقول فيها: وأنا اليوم مجتهد الدنيا على الإِطلاق، لا يقدر أحد يرد عليّ هذه الكلمة".
وعقب السيوطي بقوله: وهو مقبول فيما قال عن نفسه (٥). وسنتكلم الآن عن العلوم الَّتي برّز فيها التاج ومصنفاته فيها:
١ - تاج الدين السبكي وعلم الحديث:
قد بدأنا الحديث بالكلام عن السبكي وعلم الحديث نظرًا لشرف هذا العلم، والذي يختص بالمصدر الثَّاني للتشريع الإِسلامي، وهو سنة النبيّ ﷺ ، وتاج الدين قد عنى بهذا العلم العظيم، يتضح ذلك من اهتمامه الشديد بالإِسناد، وتتبعه البالغ لمصادر الحديث، ثم إِلمامه بطبقات الحفاظ ومواضع الصحة والضعف في مروياته، ثم عنايته بعلم الجرح والتعديل حتى صنف فيه. وكل هذه المباحث قد أودعها ثنايا كتابه: "طبقات الشَّافعية
_________
(١) الدرر الكامنة ٢/ ٤٢٦.
(٢) المصدر نفسه.
(٣) حسن المحاضرة ١/ ٣٢٨.
(٤) البدر الطالع ١/ ٤١٠.
(٥) حسن المحاضرة ١/ ٣٢٨.
стр. 77
الكبرى" وغير ذلك من كتبه ومن مصنفاته في الحديث وعلومه:
١ - أحاديث رفع اليدين.
٢ - جزء في الطاعون.
٣ - قاعدة في الجرح والتعديل وقاعدة في المؤرخين، وهي مطبوعة.
وفيها كلام عن الجرح المقبول، وموقف التاج من كلام الأئمة بعضهم في بعض، وعدم أخذه بطعن الأقران، ونقل كلام ابن عبد البر في ذلك، وطعن فيه على شيخه الذهبي في بعض تراجمه، ثم تحدث عن الأمور الَّتي ينبغي أن تكون عند المؤرخ ليسلم من الغلط.
٢ - التاج السبكي وعلم الكلام:
ولأن علم الكلام يتصل بالعقيدة الإِسلامية، فقد اهتم السبكي به اهتمامًا خاصًّا سيما وقد انتشر في عصره معارك كلامية بين الفرق الإِسلامية خاصة الأشاعرة - وهو أشعري - والحنابلة، اشتدت في بعض الأوقات حتى أودت بمنصبه فعزل، ثم عاد كما وضحنا آنفًا.
وتراجم السبكي في طبقاته توضح انتصاره للأشاعرة، وذبه عن أبي الحسن الأشعري، ومن مصنفاته في ذلك:
١ - قواعد الدين وعمدة الموحدين.
٢ - السيف المشهور في شرح عقيدة أبي منصور.
٣ - التاج وعلم الأصول:
وهذا العلم بلغ التاج فيه شأوًا عظيمًا، وعلا كعبه في حلّ مسائله، وإِيضاح مكنوناته، فصنف فيه وألف، فكانت مصنفاته مثار الحديث بين أهل العلم، والمعول عليها عند أهل الفن، ولا أدل على ذلك من أنه ذكر في مقدمة كتابه "جمع الجوامع" أن كتابه هذا محيط بالأصلين جمعه من زهاء مائة مصنف، ثم تلقف العلماء كتابه هذا بالشرح والتحشية والتعليق. ومن مصنفاته في هذا العلم:
١ - جمع الجوامع، وهو مطبوع.
٢ - الإِبهاج في شرح المنهاج، وهو مطبوع.
٣ - منع الموانع عن جمع الجوامع.
стр. 78
٤ - رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب، وهو ما نحن بصدد تحقيقه.
٥ - همع الهوامع في منع الموانع.
٤ - التاج والقواعد الفقهية:
وقد اهتم التاج بهذا العلم أيما اهتمام، فصنف فيه، وخرج الفروع على الأصول من فقه الشَّافعية، "قال السيوطي في أشباهه: وأول من فتح هذا الباب شيخ الإِسلام ابن عبد السَّلام في قواعده الكبرى، فتبعه الزركشي في القواعد، وابن الوكيل في أشباهه، وقد قصد السبكي بكتابه تحرير كتاب ابن الوكيل بإِشارة والده له في ذلك كما ذكره في خطبته، وجمع أقسام الفقه وأنواعه، ولم تجمع في كتاب سواه … " (١)، ولينظر مقدمتنا على الأشباه له بتحقيقنا.
وقد أعجب ابن نجيم الحنفي بكتاب السبكي في الفروع، فصنف على وتيرته، قال في خطبته: "إِلا أني لم أر كتابًا يحكي كتاب الشيخ تاج الدين السبكي الشَّافعي مشتملًا على فنون في الفقه .. " (٢).
وهذا الكتاب الذي نتحدث عنه للسبكي هو:
١ - الأشباه والنظائر، وهو مطبوع بتحقيقنا، وقد صنف غيره في الفروع أيضًا.
٢ - تخريج الفروع على الأصول.
٥ - ابن السبكي والفقه:
أما علم الأحكام، ودقائق الحلال والحرام، فللتاج فيها اليد العليا، وكيف لا وهو ابن التقي السبكي شيخ الدنيا في عصره، لذا نرى مصنفات التاج وقد حوت آراءه الفقهية وأقواله الاجتهادية، وما ذاك إِلا أن السبكي الابن قد سار على نهج أبيه، وعد الفقه واسطة عقد العلوم الشرعية وامتدح أهله والمشتغلين بأحكامه (٣). وأما مصنفاته في الفقه فمنها:
١ - أوضح المسالك في المناسك.
٢ - تبيين الأحكام في تحليل الحائض.
_________
(١) جلال الدين السيوطي الأشباه والنظائر في النحو ١/ ٧.
(٢) زين الدين بن نجيم الحنفي: الأشباه والنظائر ص ١٥.
(٣) ينظر كلامه في: الأشباه والنظائر ١/ ٣ طبعة دار الكتب العلمية بتحقيقنا.
стр. 79
٣ - الترشيح في اختيارات والده في الفقه.
٤ - التصحيح.
٥ - التوشيح على التنبيه.
٦ - ترشيح التوشيح.
٧ - توشيح التصحيح.
٨ - رفع المشاجرة في بيع العين المستأجرة.
٦ - تاج الدين المؤرخ:
نظر شيخنا عبد الوهاب في بطون التاريخ، فعلم أن معرفة أخبار الماضين فيها العبر، وأن الإِلمام بها يورث الإِفادة من تجارب السابقين، فالسعيد من وعظ بغيره، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [سورة يوسف: الآية ١١١]. لذلك رأيناه يعنى به، ويسجل تجاربه، ونظره في تراجم الناس وأحوالهم (١)، وخير ما صنف في ذلك:
١ - طبقات الشَّافعية الكبرى، وهو مطبوع.
٢ - طبقات الشَّافعية الوسطى.
٣ - طبقات الشَّافعية الصغرى.
٤ - مناقب الشيخ أبي بكر بن قوام.
٧ - ابن السبكي والأدب:
ولع التاج بالأدب، وشغف به شعرًا ونثرًا، وما ذاك إِلا بسبب صحبته للصلاح خليل بن أيبك الصفدي، وقد حكى في ترجمته له من طبقات الشَّافعية الكبرى صحبته له وتأثره به، فقال: "كنت أصحبه منذ كنت دون سن البلوغ، وكان يكاتبني وأكاتبه، وبه رغبت في الأدب، فربما وقع لي شعر ركيك من نظم الصبيان فكتبه هو عني إِذ ذاك … " (٢).
ومن يستقرئ مصنفات السبكي، وخاصة الطبقات يجد رصانة في أسلوبه، وذوقًا أدبيًا عاليًا في انتقائه العبارة والكلمة وبيت الشعر، بل إِنه كان يقرض الشعر كما عرفنا من
_________
(١) ينظر كلامه في: طبقات الشَّافعية الكبرى ١/ ٢٠٦ - ٢٠٧.
(٢) ١٠/ ٦.
стр. 80
كلامه، ومن خلال قطعه الشعرية في طبقاته، وهو يقول عن كتاب: "الطبقات": " … وهذا كتاب حديث، وفقه، وتاريخ، وأدب، ومجموع فوائد تنسل إِليه الرغبات من كل حدب، نذكر فيه ترجمة الرجل مستوفاة، على طريقة المحدثين والأدباء، ونوردُ نكتًا تسحر عقول الألبّا" (١). ولا نعرف للتاج مصنفًا مفردًا في الأدب أو فروعه، وإِن لم تخل مصنفاته من لمحة أدبية، وصنعة فنية، ولمسة جمالية، يظهر فيها جليًّا ابن السبكي الأديب.
٨ - ابن السبكي وعلم النحو:
لا يكون الأصولي أصوليًّا، والفقيه فقيهًا، والمجتهد مجتهدًا حتى يلم بعلم النحو، ولا شك أن ابن السبكي درس النحو وبلغ فيه منزلة عليا، وإِلا لم يسكت الناس عن قوله: "وأنا اليوم مجتهد الدنيا على الإِطلاق لا يقدر أحد يرد على هذه الكلمة" وأقره الحافظ السيوطي كما سبق.
ومن يستقرئ كلامه في الطبقات، وخاصة عند الكلام على الزمخشزي، وكتابه "الكشاف"، وكذلك ترجمته لشيخه أبي حيان الأندلسي يرى تبحره في علم النحو وتوسعه فيه، كما يتضح إِلمامه به من خلال الاطلاع على كتابه "الأشباه والنظائر"، فقد عقد فيه فصلًا كبيرًا جدًّا قالت: "كلمات نحوية يترتَّب عليها مسائل فقهية" (٢) وقد حاز خمسين صفحة من الجزء الثَّاني. ونحن لا نعرف له مصنفًا مفردًا في هذا العلم إِلا ما جاء منثورًا في كتبه كما أوضحنا.
٩ - ابن السبكي مصلحًا اجتماعيًا:
عاش السبكي في عصر مليء بالاضطرابات وكثرة الفتن والمجاعات، ممَّا ترتب عليه وجود طبقات متعددة في المجتمع المماليكي - كما سبق توضيحه - وكان الظلم سائدًا على ما دون طبقة السلاطين ومماليكهم، ولكن التاج ما رضي ذلك وما خضع ولا استكان، بل ظل ينافح ويحارب حتى تعرض للمحنة الَّتي جعلها الله بعد ذلك منحة، وما علم أحد اهتم في عصره بالفلّاح وما يعانيه من ذل وخنوع إِلا هو، وقد أودع آراءه وأفكاره، ودعواءه الإِصلاحية في كتابه: "معيد النعم ومبيد النقم" وهو مطبوع مشهور.
_________
(١) طبقات الشَّافعية الكبرى ١/ ٢٠٧.
(٢) تاج الدين السبكي: "الأشباه والنظائر" جـ ٢/ ٢٠٢ - ٢٥٣ ط. دار الكتب العلمية بتحقيقنا.
стр. 81
وبعد فهناك مصنفات متفرقة للتاج السبكي نوردها سردًا، وهي:
١ - رفع الحوبة في وضع التوبة.
٢ - جلب حلب. قال ابن العماد: "جواب عن أسئلة سأل عنها الأذرعي" (١).
٣ - فتاوى والده.
٤ - ترجيح لصحيح الخلاف.
٥ - تشحيذ الأذهان على قدر الإِمكان على الرد على البيضاوي.
٦ - مصنف في علم الألغاز.
٧ - أجوبة ابن السبكي على أسئلة السيد أحمد الخراساني.
وإِليك - أيها القارئ الكريم - مصنفات تاج الدين السبكي مرتبة حسب حروف الهجاء:
١ - الإِبهاج في شرح المنهاج.
٢ - أجوبة ابن السبكي على أسئلة السيد أحمد الخراساني.
٣ - أحاديث رفع اليدين.
٤ - الأشباه والنظائر في الفروع.
٥ - أوضح المسالك في المناسك.
٦ - تبيين الأحكام في تحليل الحائض.
٧ - تخريج الفروع على الأصول.
٨ - ترجيح لصحيح الخلاف.
٩ - ترشيح التوشيح.
١٠ - الترشيح في اختيارات والده في الفقه.
١١ - تشحيذ الأذهان على قدر الإِمكان على الرد على البيضاوي.
١٢ - التصحيح.
١٣ - توشيح التصحيح.
١٤ - التوشيح على التنبيه.
_________
(١) شذرات الذهب ٦/ ٢٢٢.
стр. 82
١٥ - جزء في الطاعون.
١٦ - جلب حلب.
١٧ - جمع الجوامع.
١٨ - رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب، وهو الذي نحن بصدده.
١٩ - رفع الحوبة في وضع التوبة.
٢٠ - رفع المشاجرة في بيع العين المستأجرة.
٢١ - السيف المشهور في شرح عقيدة أبي منصور.
٢٢ - طبقات الشَّافعية الكبرى.
٢٣ - طبقات الشَّافعية الوسطى.
٢٤ - طبقات الشَّافعية الصغرى.
٢٥ - فتاوى والده.
٢٦ - قواعد الدين وعمدة الموحدين.
٢٧ - مصنف في علم الألغاز.
٢٨ - معيد النعم ومبيد النقم.
٢٩ - مناقب الشيخ أبي بكر بن قوام.
٣٠ - منع الموانع عن جمع الجوامع.
٣١ - همع الهوامع في منع الموانع.
وفاته:
ولم يطل العمر بشيخنا تاج الدين السبكي، إِذ وافته المنية في ريعان شبابه، فقد مات عن أربعة وأربعين عامًا. قال ابن تغري بردي في سنة ٧٧١ هـ وتوفي قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب … السبكي الشَّافعي قاضي قضاة دمشق بها، في عصر يوم الثلاثاء سابع شهر ذي الحجة، ودفن بسفح قاسيون، تغمده الله برحمته عن أربع وأربعين سنة (١).
وقال الجلال السيوطي: " … مات عشية يوم الثلاثاء سابع ذي الحجة سنة إِحدى وسبعين وسبعمائة" (٢).
_________
(١) النجوم الزاهرة ١١/ ١٠٨.
(٢) حسن المحاضرة ١/ ٣٢٨، ٣٢٩.
стр. 83
هذا، وبعد الإِبراق والإِيماء بأطراف من سيرة الإِمامين الهمامين العلامة أبي عَمْرِو بنِ الحَاجِب وابن السبكي عليهما مُزُنُ الرحمة، كان من الفضل أن يمليه المقام علينا أن ننبذ بطرف ممَّا أسلفنا الكلام عنه من التعريف بأصول الفقه وما يتعلق بهذا التعريف فنذكر تعريف أصول الفقه وموضوعه ونشأته وواضعه والخلاف فيه ومناهج العلماء في الدراسات الأصولية والنسبة بين أصول الفقه والعلوم الأخرى. وغير ذلك ممَّا يتعلق ببحثنا.
стр. 84
تَعْرِيفُ عِلْمِ أُصُولِ الْفِقْهِ
لا شكَّ أن الشُّروع في العِلْم يَتَوقَّف على تصوُّره بوَجْهٍ مَا؛ لأنَّ الطالب إِذَا لَمْ يتصوَّرِ العِلْم بِوَجْهٍ، استعصى طلبه، واستحالَتْ طرقه، ولكي يحيطَ الطالبُ بجميع مسائله وفروعه، لا بُدَّ أن يتصوَّره بتعريفه؛ باعتبارِهِ أمْرًا شاملًا له يُمَيِّزه ويَضْبِطُه عمَّا عداه.
ويُدْرِك الطالبُ أن ما يُورَدُ عَلَيْه من العِلْم المَطْلُوبِ لَه لا مِنْ غيره، فيَأْمَنُ من فوات شيء مما يعنيه، وضياع الوقت فيما لا يعنيه.
قَالَ الإِمَامُ في "البُرْهان" (١): "حَقٌّ عَلَى كُلِّ مَنْ يُحَاوِلُ الخَوْضَ في فَنٍّ مِنْ فُنُونِ العُلُوم، أنْ يُحِيط بِالمَقْصُودِ مِنْه، وبِالمَوَادِّ الَّتِي مِنْهَا يَسْتَمِدُّ ذلِكَ الفَنُّ وبِحَقِيقَتِهِ وَفَنِّهِ وَحدِّهِ، إِنْ أَمْكَنَتْ عِبَارَةٌ سَدِيدَةٌ عَلَى صِنَاعَةِ الحَدِّ، وَإِنْ عَسُرَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُحَاوِلَ الدَّرَكَ بِمَسْلَكِ التَّقَاسِيمِ، والغَرَضُ مِنْ ذلِكَ أَنْ يَكُونَ الإِقْدَامُ عَلَى تَعَلُّمِهِ مَعَ حَظٍّ مِنَ العِلْمِ الجُمَلِيِّ بِالْعِلْمِ الَّذِي يُحَاوِلُ الخَوْضَ فِيهِ".
وَقَالَ الآمِديُّ في "الإِحْكَام" (٢): "حَقٌّ عَلَى كُلِّ مَنْ حَاوَلَ تَحْصِيلَ عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ، أَنْ يَتَصَوَّرَ مَعْنَاهُ أوَّلًا بِالحَدِّ أوِ الرَّسمِ؛ لِيَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ فِيمَا يَطْلُبُه، وأَنْ يَعْرِفَ مَوْضُوعَهُ - وَهُوَ الشَّيْءُ الَّذِي يَبْحَثُ فِي ذلِكَ العِلْم عَنْ أَحْوَالِهِ العَارِضَةِ لَهُ - تَمْيِيزًا لَهُ عَنْ غَيْرِهِ، وَمَا هُوَ الغَايَةُ المَقْصُودَةُ مِنْ تَحْصِيلِهِ، حَتَّى لا يَكُونَ سَعْيُهُ عَبَثًا، وَمَا عَنْهُ البَحْثُ فِيهِ مِنَ الأَحْوَالِ الَّتِي هِيَ مَسَائِلُهُ لِتَصَوُّرِ طَلَبِهَا، وَمَا مِنْهُ اسْتِمْدادُهُ لِصِحَّةِ إِسْنَادِهِ عِنْدَ رَوْمِ تَحْقِيقهِ إِلَيْهِ، وَأَنْ
_________
(١) البرهان ١/ ٨٣ فقرة (أ).
(٢) الإِحكام في أصول الأحكام ١/ ٧.
стр. 85
يَتَصوَّرَ مَبَادِئَهُ الَّتي لا بُدَّ مِنْ سَبْقِ مَعْرِفَتِهَا فِيهِ؛ لإِمْكانِ البِنَاءِ عَلَيْهَا". وقَبْل الخَوْض فِي تَعْرِيفِ عِلْمِ أصُولِ الفِقْه نتكَلَّم عن ظُهُور اسْتِعْمال هذا اللَّفْظ.
ممَّا لا شكَّ فيه أن المعاجمَ العربيَّة كـ "الصِّحاحِ" و"المُحْكم" و"المُخصَّصِ" و"المُجْمَل" و"مقاييس اللُّغة" و"لسان العرب" و"القاموس" و"تاج العروس" - قد عرَّفت لفظتَي "أُصُولٍ"، و"فِقْهٍ" واسْتعملَتْها اللُّغةُ العربيَّة كثيرًا جدًّا، بَيْدَ أن لَفْظ "أصولِ الفِقْهِ" أي: هذا اللَّفْظُ المركَّب بدأ يظْهَر في غضُون القَرْن الثَّانِي الهجْريِّ تقريبًا.
ويدلُّنا على ذلك أن أبا يوسُفَ (١٨٢ هـ) وهو صَاحِبُ الإِمام أبي حنيفةَ ﵀ قد اسْتَعْمَلَ هذا اللَّفْظ. ولكي يتَّضحَ لَنَا استعمالُ هذا اللَّفْظِ المركَّبِ ننْقُل نصَّه كما جاء في كتاب "الرَّدِّ على سِيَرِ الأَوْزَاعِيِّ".
قال أبو حنيفة ﵁: "يُضْرَبُ لِلْفَارِسِ بِسَهْمَيْنِ: سَهْمٍ لَه، وَسَهْمٍ لِفَرَسهِ، وَيُضْرَبُ لِلرَّاجِلِ بِسَهْمٍ".
وقال الأوزاعيُّ: "أسهمَ رسُولُ الله ﷺ للفَرَسِ بِسَهْمَيْنِ، ولصاحِبِهِ بسَهْمٍ، وأخذ المُسْلِمُون بعْدَه إِلَى اليَوْم لا يخْتَلِفُون فيه".
وقال أبو حنيفة: "الفرسُ والبِرْذَوْنُ سواءٌ".
وقال الأوزاعيُّ: "كان أئمَّة المُسلمين فيما سَلَف حتَّى هاجت الفتنة من بَعْدِ قتْلِ الوليد بْن يزيدَ لا يُسْهِمُونَ للبَرَاذِين".
قال أبُو يُوسُفَ: كان أبو حنيفة ﵁ يكْرَه أن تُفضَّل بهيمةٌ على رجُلٍ مسْلِمٍ، ويُجعل سهْمُها في القَسْم أكْثَرَ مِن سَهْمِه، فأمَّا البراذِين، فما كنْتُ أحْسَبُ أحَدًا يجْهَل هذا، ولا يُميِّز بين الفَرَس والبِرْذَوْن، ومن كلام العرب المعروف الَّذِي لا تختلِفُ فيه العربُ أن تقول: هذهِ الخَيْل، ولعلَّها بَرَاذِينُ كُلُّها أو جلُّها، ويكون فيها المَقَارِيفُ أيضًا.
وممَّا نَعْرِف نَحْن فِي الحَرْب أن البرَاذِينَ أوْفقُ لكثيرٍ من الفُرْسان من الخيل في لِينِ عَطْفها، وتَوَدُّدِها، وجَوْدَتِها، ممَّا لم يُبْطِل الغاية.
وأما قول الأوزاعيِّ: "على هذا، كانَتْ أئمَّة المُسْلِمِين فيما سلَفَ"، فهذا كما وصَفَ
стр. 86
من أهْل "الحجاز"، أو رأى بَعْض مشايخ "الشَّامِ" ممن لا يُحْسِن الوضوء، ولا "أصول الفقه" …
هذا نصُّ كلام أبي يُوسُف ﵀ وهو لم يحدِّدْ بوضوحٍ مرادهُ بقوله: "أُصول الفِقْهِ".
وقد يُحتَمَلُ أنَّه أراد به عدَمَ معرفةِ قَوَاعدِ الاسْتِنْباطِ والاجتِهادِ والفتوى؛ ولا ينبغي الاعتمادُ على قولهم. وإِذا صحَّ قولهم، فإِن أبا يُوسُفَ ﵀ قد ألْمَحَ إِلى مفهوم "أصولِ الفِقْهِ" كما هو معروفٌ لدى المتأخِّرين (١).
ومن الواضح أن هذا الاحتمال لا يستند إِلى دليلٍ قَوِيٍّ بل هو مُجرَّدُ ظنٍّ.
وتبيَّن مِمَّا سُقْناه أنَّ اسْتِعْمالَ لَفْظ "أُصُول الفِقْهِ" قد ظَهَر فِعْلًا في القَرْن الثَّاني الهِجْريِّ، ولكن لم يَظْهَر اسْتِعْمال "أصول الفِقْه" كما هو معرَّف عند المتأخرين حتَّى بداية القَرْنِ الثَّالِثِ الهجريِّ وانتهائه.
ولكي نتبيَّن، كَيْفَ عرَّفه المتأخِّرُون، فلنرجع إِلى أقوالهم الَّتي تنوَّعت وتعدَّدت، فعرَّفه بعْضُهم بالمَعْنَى المركَّب أوَّلًا، أي: بمعنى أنه مركَّبٌ إِضافيٌّ يدل جزْؤُه على جزْءِ معناه، ولكي يُفْهَم معناه المَقْصُود منه لا بُدَّ من فَهْم كُلِّ جزء من جُزْأَيْه.
وعرَّفه بعضُهم بالمَعْنَى اللّقَبِيِّ ثانيًا، أيْ: بَعْدَ أنْ صَارَ عَلَمًا على ذلِكَ الفَنِّ المخصوصِ.
واكْتَفَى بعضُهُم على تعريفهِ بِالمَعْنَى اللَّقَبِيِّ؛ اقتصارًا بذلك على المَعْنى المقصود بالذات، وممَّن نحا هذا المَنْحى القاضي البَيْضَاوِيّ، وتاج الدِّين، وصَدْر الشَّرِيعة. ومنهم مَنْ عرَّفه بالمعنَيَيْنِ، وكان غَرَضُه في ذلِكَ التعرُّضَ لبيان معنى أجْزَائِهِ.
وممَّن نحا هذا المَنْحى سيْفُ الدِّينِ الآمِدِيُّ، وأبُو عَمْرو بْنُ الحَاجِبِ، والكمالُ بنُ الهمام كما في "تحْريره"، والغزاليُّ في "المُسْتَصْفَى" ولمعرفة حقيقة ذلك نتناوَلُ تعريف "علْم أصُول الفقه" لنخرج بتصوُّر عِلْم أصُول الفقه، كما هو معرَّفٌ لدى علماء الأُصُول.
_________
(١) ينظر: تدوين أصول الفقه ص ٤.
стр. 87
تَعْرِيفُ عِلْمِ أُصُولِ الفِقْهِ بِالْمَعْنى الإِضَافِيِّ:
وتعريف عِلْم "أُصُول الفِقه" بهذا الاعتبار يَحْتاج إِلى تعريف المُضاف، وهو "أُصُول"، وتعريفِ المُضافِ إِلَيْه، وهو "الفِقْهِ"، ثم يحتاج إِلى تعريف الإِضافة أيْضًا؛ لأنَّها بمنزلة الجُزْء إِلى الصَّدْر، إِلَّا أن بَعْض الأصوليِّين لم يتعرَّضوا إِلَيْها؛ للعلْم بأنَّ معنى إِضافة المشتقِّ، وما في مَعْناه اخْتصاصُ المُضَاف بِالمُضَاف إِلَيْه؛ باعْتبَارِ مَفْهُوم المُضَاف.
تَعْرِيفُ المُضَافِ "أُصُول":
"الأصول": جمع "أصْلٍ"، وهو ما يبتنى عليه غيرُه، سواءٌ أكان الابتناءُ حسِّيًّا؛ كابتناءِ السَّقْف على الجدار، أو عقْلِيًّا؛ كابتناء المدلول على دليله، والمعلولِ على علَّته (١).
وقد أشار الإِمامُ جمالُ الدِّين الإِسْنَوِيُّ في "نِهَايَتِهِ" إِلى أن هذا هو المعنى المشهورُ عند العلماء (٢). وله معاني أُخَرُ مثْل:
١ - المحتاج إِلَيْه.
٢ - مايَسْتَنِدُ تحقيقُ الشيْءِ إِلَيْه.
٣ - ما منه الشَّيءُ.
ومن معناها اللغويِّ نقلها العلماءُ إِلى المَعْنَى الاصطلاحيِّ.
تَعْرِيفُ الأَصْلِ اصْطِلاحًا:
يطلق "الأَصْلُ"، في اصْطِلاح العُلَماءِ بإِزاء أرْبَعَة معانٍ:
الأوَّل: الصورَةُ المَقِيسُ عَلَيْهَا، كقوْلنَا: الخَمْر أصْلُ النَّبِيذ، على معنى أن الخمر مَقِيسٌ عليها النبيذُ في الحُرْمَة.
وكقولنا: التأفِيفُ للوالدَيْن أصْلٌ لضربهما، بمعنى أن التأفيف أصلٌ يقاس عليه الضَّرْب في الحُرْمَة.
_________
(١) ينظر: تنقيح الفصول ص ١٥.
(٢) ينظر: نهاية السول ١/ ١٤.
стр. 88
الثَّاني: القاعدَةُ المُسْتمرَّة:
كقولنا: إِباحةُ أكْل لحْمِ المَيْتَةِ للمضطرِّ على خلاف الأصْل، أي: على خلاف القاعدة المستمرَّة.
وكذلك كأنْ تقُولَ: الأصْلُ في المبتدأ الرفْع، أي: قاعدته المستمرَّةُ أن يكون مَرْفُوعًا.
الثالث: الرُّجْحان: كقولنا: الأصْلُ في الكَلامِ الحقيقة، أي: الراجحُ عند السَّامِعِ الحقيقةُ لا المجازُ عنْد عدم القرينة الصَّارِفَة.
الرابع: الدليلُ: كقَوْلنا: أصْلُ هذه المسألَةِ منَ الكتابِ والسُّنَّة، أي: دليلها، أي: الأصل مثلًا في وجوب الصلاة قولُهُ تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٤٣] أي: الدليل على وجوبها، وهذه الأربعة ذكرها القرافِيُّ وقال: وفيها نظرٌ؛ لأنَّ الصورةَ المَقِيسَ عليها ليست معنًى زائدًا؛ لأنَّ أصْل القياس اختُلِفَ فيه، هل هو محلُّ الحُكْم ودليلُه أو حُكْمُه؟.
وأيَّما كان، فليس معنىً زائدًا؛ لأنه إِنْ كان أصْلُ القياس دليلَه، فهُو المعْنَى السَّابِق، وإِنْ كان محلَّه أو حُكْمَه، فهما يسميان أيْضًا دليلًا مجازًا، فلم يخرُجِ الأصْلُ عنْ معنى الدَّليل (١) والمعنى الرابعُ هو المرادُ عنْد الإِضافة.
تَعْرِيفُ المضاف إِلَيْه "الفقه":
تنوَّعت آراءُ أهْل اللُّغة والأصوليين في تَعْريف الفقْه لغةً:
قال ابن فارسٍ في "المُجْمَل": هو العِلْم، وبهذا قال أبو المعالي الجُوَيْنِيُّ في كتابه "التَّلْخِيصِ" وألكيا الهراسيّ، والماوَرْدِيّ، وأبو نَصْرِ بنُ القُشَيْرِيِّ، إِلا أنهم خصَّصوه بضَرْبٍ من العلوم.
وقال الجوهريُّ في "صِحَاحِهِ": هو الفَهْمُ.
وقال ابن سِيدَه في "المُحْكَم": الفقه: العلم بالشيء والفهم له.
_________
(١) ينظر: البحر المحيط ١/ ١٧.
стр. 89
وقال أيضًا: غلَب علَى عِلْمِ الدِّين؛ لسيادته وشرفه، كالنَّجْم على الثُّرَيَّا، والعَوْدِ على المنْدَلِ.
وقال ابن سراقَة: وقيل: حدُّه في اللُّغَةِ العبارةُ عنْ كلِّ معلومٍ تيقَّنه العالمُ به عن فكْرٍ.
وحَدَّهُ أبو الحُسَيْن في "المُعْتَمَدِ" وجَرى عليه الرازيُّ في "المَحْصُولِ" بفَهْم غرض المتكلِّم، فلا تسمَّى لغةُ فَهْمِ الطيْرِ فقْهًا، وهذا منتقضٌ بما ورد بأنه يوصَفُ بالفهْم، حيث لا كلام، وبأنه لو كان كذلك، لم يكنْ في نفي الفقْه عنْهم منقصةٌ ولا تعيير؛ لأنه غير متصوَّرٍ، وقد قال الله : ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٤٤].
وقال العلَّامة ابنُ دَقِيقِ العِيدِ: وهذا تقييدٌ للمُطلَق بما لا يتقَيَّد به.
وقال أبو إِسحاق الشِّيرَازِيُّ في "شَرْحِ اللُّمَعِ": إِنه فهْم الأشياءَ الدَّقِيقَة، سواءٌ كانَتْ غرضَ المتكلِّم أم لا، ورجَّحه القرافِيُّ وقال: هذا أَوْلَى …
والصَّحيحُ الذي صار عليه المحقِّقون من أهل العربية والأُصُول: أنه يطلق على الفَهْم مُطْلَقًا، سواءٌ كان المفهومُ دقيقًا أمْ غَيْرَه، وسواءٌ كان غَرَضًا لمتكلِّم أم غيره، والدَّليلُ على ذلك من الكتاب العزيز قولُ الله تعالى على لسان قوم شُعَيْبٍ: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ [سورة هود: الآية ٩١].
فوجه الدلالةِ من الآية واضحٌ في أن أكْثَر ما يقول شعيبٌ ﵊ كان واضحًا، فأطلق الفقه على الكلامِ الواضحِ والدَّقيقِ.
وقال تعالى أيْضًا في شأنِ الكفَّار: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [سورة النساء: الآية ٧٨].
وقولُه أيضًا: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٤٤].
فهذه الآياتُ تفيدُ أن الفقْه هو الفهْم مطلقًا.
стр. 90
الفِقْهُ فِي نَظَرِ أهْلِ العِلْمِ:
اختلَفَ الأصوليُّون في تعريف الفقه؛ تبعًا لاختلافهم في مسائل الفقْه، هل هي من باب الظَّن، أو القَطْع، أو البعضُ منها قطعيٌّ، والبعضُ الآخَرُ ظنيٌّ؟ وعلى هذا، يمكن حَصْرُ المذاهبِ في ثلاثة:
الأوَّلُ: وهو قول المتقدِّمين: إِن الفِقْه من باب الظُّنُون؛ لأنه مستفادٌ من الأدلة السمعيَّة، وهِيَ لا تفيدُ إِلا ظنًّا؛ لتوقُّف إِفادتها اليَقِينَ على نَفْيِ الاشْتِرَاكِ والمجازِ، وكلُّ ما هو كذلك، فهو ظَنٌّ (١).
المذهبُ الثَّاني: أن الفقْه منه ما هو قطعيٌّ، ومنه ما هو ظنيٌّ، فالقطعيُّ كالثابتِ بالنصِّ من الكتاب والسنَّة المتواترةِ والإِجْماع، والظنيُّ كالثابِتِ بطريق القياسِ وخَبرِ الآحاد.
المذهبُ الثَّالِثُ: وهو مذهبُ صاحبِ "المِنْهَاجِ" الإِمامِ البيْضاوِيِّ: أن الفقه من باب القطْعِيَّات؛ لأنه ثابت بدليل قطعيٍّ، لا شبهةَ فيه، والتصديقُ المتعلِّق بالأحكام القطْعيَّة لا يكُون إِلا قَطْعًا (٢).
وقد انبنى هذا الخلافُ على خلافِهِمْ في صحَّة تعريف "الفِقْه" بلفْظ "العِلْم" مرادًا منه الإِدراكُ الجازمُ المطابِقُ للواقعِ عن دليلٍ، وإِليك بعضَ تعريفاتِ "الفقْه" من الجهة الاصطلاحيَّة:
عرَّفه أبو الحُسين البَصْرِيُّ: بأنه في عُرْف الفقهاء: "جملة من العلومِ بأحكامٍ شرعيةٍ"، والمرادُ بـ "أحكامٍ شرعيةٍ" الأحكام الشَّرعيةُ العمليَّة (٣).
وعرَّفه الإِمام البيضاويُّ في "منهاجه" بناءً على أن الفقْه من باب "القَطْعِيَّات" بأنه العلمُ بالأحكامِ الشرعيَّةِ العمليَّةِ المكتسَبُ من أدلتها التفصيليَّة (٤).
وقال إِمام الحرمَيْن في "البُرْهَانِ": الفقْه، في اصطلاح علماء الشريعة: "العلم بأحكام التكليف".
_________
(١) ينظر: غاية الوصول ٢٨، تيسير التحرير ١/ ١٢.
(٢) ينظر: نهاية السول ١/ ٤٣ غاية الوصول ٢٨.
(٣) المعتمد ١/ ٢.
(٤) المنهاج ص ٢، وينظر: البحر المحيط ١/ ٢١.
стр. 91
وقال القاضي الحُسَيْنُ المَرْوَزيُّ: الفِقْه افتتاحُ عِلْمِ الحوادثِ على الإِنْسان، أو افتتاحُ شعب أحكامِ الحوادثِ على الإِنْسَان (١).
وقال الزَّركشِيُّ في "قواعده": الفِقْه معرفةُ الحوَادِثِ نَصًّا واستنباطًا (٢).
وقال السُّيوطِيُّ في "الأشْبَاهِ والنَّظَائِرِ" نَقْلًا عن الشَّيْخ قُطْب الدِّين السُّنْباطِيّ: الفِقْهُ معرفةُ النَّظَائِرِ (٣).
وقال حُجَّه الإِسْلامِ الغزاليُّ: الفِقْه عبارةٌ عن العِلْم والفهْم في أصْل الوضْع، ولكنْ صارَ بعُرْف العلماء عبارةً عن العِلْم بالأحْكَام الشَّرْعيَّة الثابتةِ لأفعال المكلَّفين (٤).
وعرَّفه أبو إِسحاقَ الشِّيرازيُّ في "اللُّمَع" بأنه معرفةُ الأحْكَام الشَّرْعيَّة الَّتي طريقتُها الاجتهاد، والشرعيَّةُ ضربان: ضَرْبٌ يَسُوغُ فيها الاجتهاد، وهي المسائل الَّتي اخْتَلَفَ فيها فقهاءُ الأمصارِ على قَولين أو أكثر، وهي لا تُعْلَمُ إِلا بالنَّظر والاستِدْلالِ، كفروعِ العباداتِ والمعاملاتِ والفُرُوجِ والمناكحاتِ وغير ذلك من الأحكام (٥).
وعرَّفه ابن الحاجب في "المُخْتَصَرِ" بأنه العِلْم بالأحكامِ الشَّرْعيَّةِ الفرعيَّة من أدلتها التفصيليَّة بِالاسْتِدْلالِ (٦).
وعرَّفه صَدْرُ الشَّريعة فقال: "هو العِلْم بِكُلِّ الأحْكَامِ الشرعيَّة العمليَّة الَّتي قد ظَهَر نزولُ الوَحْي بِهَا، والَّتي انعقَدَ الإِجْمَاعُ عَلَيْهَا من أدِلَّتها مع ملكة الاِستِنباطِ الصَّحِيحِ منها" (٧).
وعرَّفه الإِمامُ الأَعْظَمُ أبُو حَنِيفَةَ النُّعْمَانُ بأنه: "مَعْرِفَةُ النَّفْسِ مَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا" (٨). قيل: أخَذَه مِن قَوْلِ الله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٦].
وقد اعْتُرِضَ على هذا التَّعريفِ، فقالوا: إِنه غَيْرُ جَامِعٍ، فزادوا قَيْدًا في التَّعْريف وهو "عَمَلًا" لتخرُجَ الأمورُ الاعتقادية، سواءٌ أكان المقصودُ منه مَعْرِفَة صفاتِ الله - تعالى -
_________
(١) ينظر: البحر المحيط ١/ ٢٢.
(٢) القواعد المسماة بالمنثور ١/ ٦٩.
(٣) ينظر: الأشباه والنظائر ص ٦، والمنثور ١/ ٦٦.
(٤) ينظر: الإِحياء ١/ ٣٨، والمستصفى ١/ ١١.
(٥) ينظر: اللمع ص ٣.
(٦) ينظر: مختصر المنتهى ١/ ١٨.
(٧) التوضيح على التنقيح ١/ ١٠٣.
(٨) التلويح على التوضيح ١/ ٥.
стр. 92
ورُسُلِهِ، أم معرفة الاعتقاداتِ المتعلِّقة بِتِلْك الصِّفات، فإِنْ تعلَّقَ بالوجدانيَّات، فهو عِلْمُ التَّصوُّف، وإِن تعلَّق بالاعتقاديَّاتِ، فهو عِلْمُ الكَلام، وإِن كان عن أحْوَالِهِ الظَّاهِريَّة، فَهُو الفِقْهُ بِالْمَعْنَى المَشْهُور (١).
فالإِضَافَةُ مَعْنَاهَا: اختصاصُ المُضَافِ بِالمُضَافِ إِلَيْه، باعتبار مَفْهُوم المُضَاف، فأصْلُ الفِقْهِ ما يخْتَصُّ بِالفِقْهِ مع كَوْنهِ مبنيًّا عليه، ومستندًا إِليه، والمَشْهُورُ أن الأصْلَ موضوعٌ في اللُّغة لما يَنْبَنِي عليه غَيْرُه، وأنه نُقِل إِلى معانيه المتعدِّدة.
فالمراد بـ "أصول الفقه" في هذا التركيب الدَّليل، فـ "أُصُولُ الفِقْه" أي: أدلَّته، فيقال: أصول الفِقْه: الكتاب، والسنَّة، والإِجماع، والقياس، أي: أدلَّتُه: الكتابُ … إِلخ.
التَّعْرِيفُ اللَّقَبِيُّ لأُصُولِ الفِقْهِ:
عَرَفْنا ممَّا تقدَّم في النقْل عن الإِمام أبي يُوسُفَ ﵀ أن استعمال "أصول الفقه" قد كان على الأقَلِّ في القرن الثَّاني الهجريِّ، بَيْدَ أنَّه من الصَّعْب الكشْفُ عن أوَّل مَن عَرَّف "أصول الفقه" وذلك لأنَّ كتب الأُصُول الَّتي ذُكِرَ فيها تعريفُ عِلْم الأُصُول إِنَّما كانَتْ للأصوليِّين من القرْن الخامسِ الهجريِّ، مع أن القرْنَ الثالث الهجريَّ قد شهد كثيرًا من الأصوليِّين المُبَرِّزين مِثْلُ: النَّظَّامِ (٢٢١ هـ)، وأصْبَغَ المالكيِّ (٢٢٥ هـ)، وداوُدَ الظَّاهريِّ (٢٧٠ هـ)، والبُوَيْطِيِّ الشافعيِّ (٢٣١ هـ)، والمزنِيِّ الشَّافِعِيِّ (٢٦٤ هـ).
كذلك وصل إِلَيْنا كثيرٌ من كتب الأصول المؤلَّفة في القَرْن الرَّابع الهجريِّ، مثل: أصول الشَّاشِيِّ لأبي إِسحاق الشاشيِّ الحنفيِّ (٣٢٥ هـ)، وكتاب أصول الجَصَّاصِ للإِمام الجصَّاص الحنفيِّ (٣٧٠ هـ)، وكتاب أصول الكَرْخِيِّ لأبي الحَسَن الكَرْخِيِّ الحَنَفِيِّ (٣٤٠).
ولم نجدْ في هذه الكُتُب تعريفَه، ومع ذلك لا نَسْتَطيع القولَ بعَدَم وجوده على سَبِيلِ الإِطْلاق حتَّى في القَرْن الرَّابع الهِجْريّ؛ وذلك لأن احتمال وجوده قائمٌ؛ بدليل وجود كثير من الأصوليِّين المبرّزين الذين ألَّفوا في عِلْم الأصول.
وحَمَلَتْ إِلينا كتبُ الأُصُولِ المؤلَّفةُ في القَرْن الخامسِ الهجريِّ - تعريفه؛ باعتباره عِلْمًا أو لَقَبًا.
_________
(١) ينظر: حاشية الأزميري ١/ ٤٤، إِرشاد الفحول ص ٣.
стр. 93
بَيْدَ أن بَعْض كتبِ هذا العَصْر قد خلَتْ من تعريفه مثْل كتاب "الإِحكام في أصول الأحكام" لابنْ حزمٍ الأَندلسيِّ (٤٥٦ هـ)، ومنها كتاب "أصولِ السرخسيِّ" للإِمام السرخسيِّ الحنفيِّ (٤٩٠ هـ). وإِليك بَعْضَ تعريفاتِ الأصوليين:
١ - قال أبو الحُسَين البصريُّ في "المُعْتَمَد": "يُفِيدُ في عُرْف الفُقَهاء النَّظَرَ في طُرُقِ الفِقْه؛ على طريق الإِجْمَالِ، وكيفيَّةِ الاستدْلال بها، وما يتبع كيفيَّة الاستدلال بها".
٢ - قال إِمام الحرمَيْنِ في "الوَرَقَاتِ": "إِنَّه طرقُ الفِقْه خلى سَبِيلِ الإِجْمال، وكيفيَّةِ الاسْتِدلالِ بها".
٣ - وعرَّفه الغزاليُّ في "المستصْفَى" بأنه: "عبارةٌ عن أدلَّةِ الأحكامِ، وعن معرفة وجُودِ دلالتها على الأحكام من حيثُ الجملةُ لا من حيثُ التفصيلُ".
٤ - وعرَّفه الرَّازيُّ بأنَّه: "مجموعُ طُرقِ الفِقْهِ على سَبِيلِ الإِجْمَال، وكيفية الاستدلال بها، وكيفية حال المُسْتَدِلِّ بها".
٥ - وعرَّفه الآمِدِيُّ بأنَّه: "أدلَّةُ الفِقْه، ووجهاتُ دلالتها على الأحكام الشرعيَّة، وكيفيَّهُ المستدِلِّ بها، من حيث الجملة، لا من حيثُ التفصيلُ".
٦ - وعرَّفه البَيْضَاوِيُّ بأنه: "معرفةُ دلائلِ الفِقْه إِجْمالًا، وكيفيَّةِ الاستفادةِ مِنْها وحَالِ المُسْتَفِيدِ".
٧ - وعرَّفه تاجُ الدِّين السُّبْكيُ: "بأنه دلائلُ الفِقْهِ الإِجماليَّةُ".
٨ - وعرَّفه من المالكيَّة ابن الحاجب بأنه: "العِلْم بالقَوَاعِدِ الَّتِي يتوصَّل بها إِلى استنباطِ الأحْكام الشرعيَّة الفرعيَّة عن أدلَّتها التفصيليَّة".
٩ - وعرفه الأرمويُّ في "التَّحْصيل" (١) بأنه: "جميعُ طُرُق الفِقْه، مِنْ حيث هي طرقٌ، وكَيْفِيَّةُ الاستدلالِ وحالُ المستدِلِّ بها".
١٠ - وعرَّفه الزركشيُّ في "البحر المحيط" (٢) بأنه: "مجموعُ طُرق الفِقْه؛ من حيثُ إِنَّها على سبيل الإِجْمَال، وكيفية الاستدلال، وحالة المستدِلِّ بها".
١١ - وعرفه الشيخ زكريا الأنصاريُّ في "لب الأصول" بأنه: "أدلَّةُ الفِقْهِ الإِجمالية،
_________
(١) ينظر: التحصيل ١/ ١٦٨.
(٢) ينظر: البحر ١/ ٢٤.
стр. 94
وطرق استفادة جزئياتها (١)، وحال مستفيدها، وقيل: معرفتها".
١٢ - وعرَّفه من الحنفيَّة صدْرُ الشريعةِ بأنَّه: "العِلْم بالقواعِدِ الَّتي يتوصَّل بها إِلَيْه على وجْه التَّحْقيق".
١٣ - وعرفَه الأنصاريُّ في "فواتح الرَّحَمُوت" (٢) بأنه: "علمٌ بقواعَد يُتَوصَّل بها إِلى استنباط المَسَائِلِ الفقهيَّة عنْ دلائلها".
١٤ - وعرَّفه منلاخسْرو في "المرآة" (٣) بأنه: "علم يُعْرف بهِ أحْوالُ الأدلَّة والأحْكام الشرعيَّتَيْن من حَيْثُ إِن لهما دخْلًا في إِثبات الثَّانية بالأُولى".
١٥ - وعرَّفه من الحنابلة صفي الدِّين الحنبليُّ (٤) بأنَّه: "معرفةُ دلائلِ الفقْه إِجمالًا، وكيفية الاستفادةِ منها، وحالِ المستفيد، وهو المجتهد".
مَوْضُوعُ أُصُولِ الفِقْهِ
من المعروف أن موضوع كلِّ علْم: هو ما يبْحَث فيه عن عوارضه الذاتيَّة (٥)، كما نصَّ على ذلك أربابُ علماء الأُصُول؛ وذلك أن مسائله الكُلِّيَّة يدور البحثُ فيها عن أحواله الذاتيَّة، الَّتي تتعلَّق بشْيءٍ واحدٍ، أو بأشياء متعددةٍ، بشرط أن تكُونَ مناسبةً تناسُبًا يُعتدُّ به، بأن يجمعها أمرٌ مشتركٌ يَدُور البَحْثُ حَوْلَه (٦). واختلف العلماءُ في موضوعِ "عِلْم أُصُولِ الفِقْه" على مذاهب:
١ - المَذْهَب الأوَّل: وإليه ذهب الآمِدِيُّ؛ حيث يرَى أن موضوعَهُ هو الأدلَّةُ الأربعة، من حيث الإِثبات، وزَعَم أن الأحكام إِنَّما يُحْتاجُ إِلى تصوُّرها؛ ليُتَمَكَّنَ من إِثْبَاتها ونفْيها.
وعبارةُ الآمديِّ في "الإِحْكَام" (٧): "ولمَّا كانَتْ مباحثُ الأصوليِّين في عِلْم الأُصُول لا
_________
(١) ينظر: التلويح (١/ ١٣٧).
(٢) ينظر: فواتح الرحموت ١/ ١٤.
(٣) ينظر: مرآة الأصول ١/ ٢٣.
(٤) ينظر: قواعد الأصول ومعاقد الفصول ص ٨.
(٥) المراد بالعَرَضِ الذاتيِّ: ما يكون منشَؤُه الذات، بأنَّه يلحق الشيء لذاته، والمراد بالبَحْثِ عن الأعراضِ الذاتيَّةِ حملُها على موضوع العلم.
(٦) ينظر: تيسير التحرير ١/ ١٨، وارشاد الفحول ص ٥، والتلويح على التوضيح ١/ ١٣٧.
(٧) ينظر: الإِحكام ١/ ٨، ٩.
стр. 95
تَخْرُج عنْ أحوالِ الأدلَّة المُوَصِّلَة إِلى الأحْكام الشرعيَّة المَبْحوثِ عَنْها فيه، وأقْسَامِهَا، واختلافِ مَرَاتِبِها، وكيفيَّة استثمارِ الأحْكَام الشرعيَّة عَنْها على وجْهٍ كُلِّيٍّ، كانَتْ هي موضوعَ علمِ الأُصُول".
٢ - المذهبُ الثَّاني: وإِليه ذهَب الغزاليُّ؛ حيثُ يرى أن موضوعه هو الأحْكَام (١) فقطْ مِنْ حيثُ ثبوتُها بالأدلَّة، ويكونُ موضوع عِلْم الأصولِ حينئذٍ هو البَحْثَ عن العوارِضِ الذاتيَّة الثَّابتةِ للأحْكَام؛ لإِثباتها بالدليل.
٣ - المذهب الثَّالِث: ويُنْسَب إِلى صَدْر الشَّريعة الحنفيِّ؛ حيث يرى أن مَوْضُوع عِلْم أُصُول الفِقْه هو الأَدِلَّة والأحْكَام جميعًا؛ لأن جميعَ مباحِثِ أصُول الفِقْه راجعةٌ إِلى إِثْبَاتِ أعْرَاضٍ ذاتيَّة للأدلَّة والأحكام، من حَيْثُ إِثباتُ الأدلَّةِ للأحْكَام وثبوتُها بها (٢).
قال: "وإِذَا عُلِمَ أن جميعَ مسائِلِ الأصُولِ راجعةٌ إِلى قوْلنا: كلُّ حُكْم كذا يَدُلُّ على ثبوته دليلُ كَذَا، فهو ثابتٌ، أو كُلَّما وُجِدَ دليلُ كَذا دالًّا على حُكْمِ كَذا، يثْبُتُ ذلك الحُكْم، عُلِمَ أنَّه يُبْحَث في هذا العِلْمِ عن الأدلَّة الشرعيَّة والأحْكَام الكلِّيَّتَيْن مِنْ حَيْث إِنَّ الأُولَى مثبتةٌ للثانية، والثانية ثابتةٌ بالأُولى والمباحِثُ الَّتي ترجع إِلى أن الأُولى مُثْبِتَةٌ للثَّانِيَة، والثانية ثابِتَةٌ بالأُولى بعضُها ناشئةٌ عن الأدلَّة، وبعضُها ناشئةٌ عن الأحْكام، فموضوع هذا العلْمِ الأدلَّةُ الشَّرعيَّةُ والأحْكَامُ؛ إِذْ يُبْحَث فيه عن العَوَارِض الذاتيَّة للأدلَّة الشرعيَّة، وهي إِثباتها الحُكْمَ، وعن العوارض الذاتيَّة للأحْكَام، وهي ثبوتها بتلك الأدلَّة".
٤ - المذْهَب الرَّابع: وهو يُنْسَب إِلى ابْنِ قَاسِمِ العَبَّادِيِّ؛ حيث يرى أن موضوعَهُ: الأدلَّةُ والترجيحُ والاجْتهاد، يعني المرجِّحَاتِ وصفاتِ المُجْتَهد؛ وحُجَّته في ذلك: "أن عِلم أصول الفِقْه يُبْحَث فيه عن الأعْرَاض الذاتيَّة للتَّرْجِيح والاجتهاد أيْضًا، كالأدِلَّة، ولذلِك كانتْ مباحثُهُما في هذا العِلْم بالاتفاق".
وعلى هذا المَذْهَب ترجع مباحثُ الأحْكَام إِلى الأدلَّة.
_________
(١) والأحكامُ: هي الوجوب، والنَّدب، والحُرْمَة، والكرَاهَة، والإِباحة، والسَبَبيَّة، والشرطيَّة، والمانِعِيَّة، والصِّحَّة، والفَسَاد.
ينظر: مرآة الأصول شرح مرقاة الوصول ١/ ٦٤، وتيسير التحرير ١/ ١٨.
(٢) ينظر: التلويح على التوضيح ١/ ٢١، وتيسير التحرير ١/ ١٨.
стр. 96
ورُدَّ هذا بأنَّ البحْثَ عن التَّرْجيح بحْثٌ عن أعراض الأَدِلَّة عند تعارُضِها؛ باعتبار ترْجيحِ بعْضِها علَى بعْضٍ عنْد وجُود مرجِّح، أو باعتبارِ تساقُطِها عند عَدَمِه، فتدلُّ على الحُكْم في الحالَةِ الأُولَى، ولا تدُلُّ علَيْه في الحالة الثَّانية.
وإِنَّما يكونُ البَحْث عن الاجتهاد، باعتبار أنَّ الأدلَّة إِنما تُسْتَنْبَط مِنْها أحكامُ المجتهِدِ دُون غيرها.
ويُعْتَبرُ ما ذَهَب إِليه ابنُ قاسِمٍ العباديُّ مخالفًا لما ذهب إِليه الأصولِيُّون في المرجِّحات، وصفاتِ المُجْتهدِ؛ حيث إِنَّ الأصوليِّين لم يبْحثوا عن الأصولِ المتعلِّقة بها. ويعتبر مخالفًا أيْضًا لما علَيْه رؤساءُ هذا الفنِّ من انحصار موْضُوعه في الأدلَّة والأحْكام، وما أوْضَحَه المتكلِّمون والمناطقة من أنه إِذا تعدَّد الموضُوع، فلا بُدَّ له من مفْهُوم كُلِّيٍّ يصْدُق على أفراده المتعدِّدة، ويُعَبِّر عنها، وذلك بَعِيدٌ ههنا.
стр. 97
نَشْأَةُ عِلْمِ أُصُولِ الفِقْهِ
يلاحِظُ الدارسُ لتاريخِ نشْأَة أصول الفقه أنَّه نَشَأَ مع عِلْم الفِقْهِ، وإنْ كان الفِقْهُ قد دُوَّن قبْلَه، كما هو مَعْلُوم؛ لأنه - حَتْمًا - حيث يكون فِقْهٌ، فلا بد من وجُود مِنْهاج للاستنباط جَنْبًا إلى جَنْب. وحيثُ كانَ المِنْهَاج، فلا محالة مِنْ أُصُول الفِقْه. وإذا كان استنباطُ الفِقْه قد ابْتَدَأ بَعْد الرَّسُول ﷺ أي: في عَصْر الصَّحابة، فإن الفقهاء من بَيْنِهِم كابْنِ مَسْعُود، وعليِّ بْنِ أَبِي طالبٍ، وابن الخطَّاب ما كَانُوا يقولون أقوالَهُم، ويعبِّرون عن آرائهم من غَيْر قَيْدٍ ولا ضَابِطٍ، فإذا سمع أحدٌ عليًّا - كرَّم الله وجْهَه - يقُول في عُقُوبة شَارِب الخَمْر: "إنَّه إذا شَرِبَ هَذَى وإذا هَذَى، افْتَرَى، وحدُّه حَدُّ المُفْتَرِين، فيجبُ حدُّ القذْف" فإن السامع يجد أن الإمامَ الجليلَ - كرَّم الله وجْهه - ينهج منهاح الحُكْم بالمآل، أو الحُكْمِ بسَدِّ الذرائع. كذلك قال عبد الله بنُ مَسْعُود في عِدَّة المُتوفَّى عنها زوجُها الحَامِلِ: إنَّ عِدَّتها بوضع الحَمْل، واستدلَّ على ما ذهب إلَيْه بقوْلهِ تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ﴿سورة الطلاق: الآية ٤]، ويقول في ذلك: "أشْهَدُ أن سورة النِّسَاء الصغْرى نزلَتْ بعد سورةِ النِّساء الكُبْرى" يقصد أن سورة "الطَّلاق" نزلت بعد سورة "البَقَرة"، وهو يشير إلى قاعدةِ مِنْ قواعدِ عِلْم الأُصُول، وهي: "أن المتأخِّر ينْسَخ المتقدِّم أو يخصِّصُه" وهو يلتزم بهذا منهاجًا أصوليًّا. إذنْ نستطيع أن نقرِّر - بلا شك - أن الصَّحابة ﵃ في اجتهادِهِمْ كانُوا يلتزمُون مناهِجَ، وإنْ لم يصرِّحوا في كل الأحْوال بها (١).
ومما لا شَكَّ فيه أن الصحابة - رضوانُ الله عليهم - لم يُحْدِثُوا هذا الأمْرَ دون
_________
(١) ينظر: أصول الفقه للشيخ أبي زهرة ص ١٠ - ١١.
стр. 98
مقدِّمات، إنَّما هو نتائجُ لتعليم الرَّسُول ﷺ لهم هذهِ القواعِدَ. حيثُ تمَّ في عصْر الرسُول ﷺ تأصيلُ مصادِرِ الشَّرِيعة الرَّئِيسيَّة المَشْهُورة في عَصْره.
ومن ناحية أُخْرَى، فقَدْ أوْضَح الرَّسُول ﷺ بالقرآن، أو بسُنَّته - بأعتبارهما المصْدَرَيْن الأساسيَّيْن لشريعة الله تعالى - كثيرًا من المبادئ العامَّة، والقواعد الرَّئيسيَّة التي يجبُ على المجتهد أنْ يَحْذُو حَذْوَها في اجْتهاده.
ومن أمثلة ذلك فهْمُ النُّصُوص باللِّسان العربيِّ، لأنَّ الله تعالى قد بيَّن في كتابه أنَّه أنزله باللِّسان العربيِّ، وأنَّ الصحابة ﵃ فَهِمُوا مِنْ صيغة الأمْر أنَّها تَكون للطَّلَب، كما فهموا من صيغة النَّهْي أنَّها تكون لعَدَمِ الفِعْل.
مثال صيغة الأمْر:
ما روي من أن رسول الله ﷺ مَرَّ على أُبَيِّ بْن كَعْبٍ، وهو في الصَّلاة، فدعاه، فلَمْ
يُجِبْه، ثم اعتذَرَ إلَيْه؛ أنه كان في الصلاة، فقال له: ألَمْ تَسْمَعِ الله يَقُول: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ ﴿سورة الأنفال: الآية ٢٤﴾ قال: بلى، يا رسول الله، لا أَعودُ (١). حيث فهم أبيُّ بنُ كَعْبٍ ﵁ أن صيغة الأمْر للوجوب، إلَّا أنه اسْتَثْنى حالَتَهُ من ذلك.
ومثال صيغة النَّهْي:
روتْ أُمُّ عطيَّةَ ﵂ أنها قالَتْ: نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا" (٢).
وفي هذا يقولُ الحافظُ ابنُ حَجَر: عند تعليقه على هذا الحَدِيثِ: أي: ولم يُؤكِّد عَلَيْنا في المَنْع، كما أُكِّدَ عَلَيْنا في غَيْره من المَنْهِيَّات، فكأنَّها قالَتْ: كُرِه لنا اتِّبَاعُ الجنائِزِ مِنْ غَيْر تَحْرِيمٍ. والقصَّة هنا نَهْيٌ بَعْدَ إباحَةٍ، فكان ظاهرًا في التَّحْريم، فأرادت أن تُبيِّن لهم أنَّه لم يُصَرَّح لهم بالتحريم.
_________
(١) أخرجه الترمذي في سننه ٥/ ١٤٣ في كتاب "فضائل القرآن" باب ما جاء في فضل فاتحة الكتاب حديث ٢٨٧٥، وأحمد في المسند ٢/ ٣١٢ - ٣١٣، والبغوي في شرح السُّنة ٢/ ٣٣٩.
(٢) أخرجه البخاري ٣/ ١٧٣ في كتاب الجنائز باب اتباع النساء الجنائز حديث ١٢٧٨.
стр. 99
وإنَّ المستَقْرئَ للشريعة الإسْلاميَّة قرآنًا وسُنَّة يجد أن تأسيسَ المَنَاهِج الأصوليَّة قد تمَّ في عَصْر الرَّسُولِ ﷺ ، وبعد أن ارتحل إلى جِوَارِ رَبِّه طبَّق الصَّحابة - رضي الله تعالى عَنْهُم - ما تَعَلَّمُوا مِنْه مِنْ قَوَاعِدَ أصوليَّةٍ، ثمَّ بَعْدَ ذلك تلاحقَتِ الأزمانُ حتَّى عَصْر الشَّافعيِّ، ولقد تنوَّعتِ الآراء، وتعدَّدتْ حول واضِعِ عِلْم أُصُول الفِفْه، ونحن نذكر خلافَهُم على سَبِيلِ الإجْمَال لا الحَصْر.
اخْتِلافُ الْعُلَمَاءِ حَوْلَ وَاضِعِ عِلْمِ الأُصُولِ:
يرَى الجُمْهُورُ من أهْل الفِقْه والأُصُول أن الإمام الشافعيَّ هو أولُ من دوَّنَ "أُصُولَ الفِقْه".
ونرجئُ الكلام حَوْل الإمام الشَّافعيِّ باعتباره واضِعًا لقواعِدِ الاسْتِنْبَاط التي هي مدارُ عِلْم أُصُول الفِقْه - بعد التعرُّض لاختلاف العلماء حَوْل واضِعِ عِلْم أُصُول الفِقْه.
أوَّلًا: الإمَامُ مُحَمَّدٌ البَاقِرُ:
هو: محمدُ بنُ عليٍّ زين العابِدِينَ بْن الحُسَيْن الطالبيُّ الهاشميُّ القرشيّ، أبو جَعْفَرٍ الباقرُ: خامس الأئمَّة الاثْنَيْ عَشَرَ عِنْد الإماميَّة. كان ناسكًا عابدًا، له في العِلْم وتفسير القُرْآن آراءٌ وأقوالٌ وُلدَ بالمدينة عام ٥٧ هـ، وتُوُفِّيَ بـ "الحميمَةِ" عام ١١٤ هـ، ودُفِنَ بـ "المدينة" (١). وابنه جعفرُ بنُ محمَّد الملقَّبُ بـ "الصادق" سادسُ الأئمَّة الاثْنَيْ عَشَرَ عِنْد الإماميَّة، ولُقِّبَ بـ "الصَّادِق"؛ لأنَّه لَم يُعْرَف بالكذِبِ قطّ، ولد سنة ٨٠ هـ، وتوفي سنة ١٤٨ هـ بـ "المدينة".
قال آيةُ الله السَّيِّدُ حسَنُ الصَّدْر: أعْلَمْ أن أوَّل مَنْ وضَع أُصُولَ الفِقْهِ وفتَح بَابَه، وأوْضَح مسائِلَهُ الإمامُ أبو جَعْفرٍ محمَّدٌ الباقر، ثم مِنْ بَعْده ابنُهُ الإمَامُ أبو عبْدِ اللَّهِ الصَّادق، وقد أمْلَيا على أصحابِهِما قواعِدَه، وجمَعُوا من ذلك مسائِلَ رتَّبَها المتأخِّرون على ترْتيب المصنِّفين برواياتٍ مسْنَدةٍ إلَيْهما، مُتَّصِلَةِ الإسنادِ، وكُتُبُ مسائلِ الفِقْهِ المرويّهِ عَنْهُما بأيدينا
_________
(١) ينظر: تهذيب التهذيب ٩/ ٣٥٠، وصفة الصفوة ٢/ ٦٠، وحلية الأولياء ٣/ ١٨٠، والأعلام ٦/ ٢٧١.
стр. 100
إلى هذَا الوقْت بحمد الله، مِنْها كتابُ أُصُول آل السَّيِّد الرَّسُول رُتِّب على ترْتيب مباحث أُصُول الفِقْه الدَّائرة بَيْن المتأخِّرين، جمعه السيِّد الشريفُ المُوسَوِيُّ هاشم بْنُ زينِ العَابِدِينَ الخونساريُّ الأصفهانيُّ ﵁ في نحْو عشرين ألْفَ بيْتٍ كتابةً.
ومنها الأُصُولُ الأصليَّة للسَّيِّد عبد الله العلَّامة المحدِّث عبد الله بن محمَّد الرضا الحُسَيْنِيّ، وهذا الكتاب من أحسنِ ما رُوِيَ، فيه أصول تبلغ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ بَيْتٍ.
ومِنْها الفُصُول المُهمَّة في أُصُول الأئمَّة للشَّيْخ المحدِّث محمَّد بن الحسن بن علي العامِلِيّ.
ثَانِيًا: الإمَامُ أَبُو حَنِيفَة النُّعْمَانُ:
هُوَ: النُّعْمَانُ بنُ ثَابتٍ، التيميُّ بالولاء، الكوفيّ، أبو حنيفة، إمامُ الحنفيَّة، أحدُ دَعائِمِ الإسْلامِ الأربعةِ عِنْد أَهْل السُّنَّة، وُلدَ سنَةَ ٨٠ هـ، وتُوُفَيَ بـ "بغداد" سَنَة ١٥٠ هـ.
وقد أثنى عليه الأستاذُ أبو الوفا الأفغانيّ، وقال فيه: "وأمَّا أوَّل من صنَّف في عِلْم الأُصُول - فيما نعْلَم - فهو إمام الأئمة، وسراجُ الأمَّةِ أبو حنيفة النعمانُ ﵁ حَيْثُ بيَّن طرق الاستنباط في كتاب "الرأْي" له، وجاءَ بعْدَه صاحباه القاضي الإمامُ أبو يوسُفَ يعقوبُ بنُ إبراهيم الأنصاريّ، والإمامُ الربانيُّ محمَّدُ بنُ الحَسَنِ الشيبانيُّ - رحمهما الله - ثم الإمام محمَّدُ بنُ إدْرِيس الشَّافِعِيُّ ﵀ صنف "رسالته".
ثَالِثًا: مُحَمَّدُ بْن الحَسَنِ:
هو: محمَدُ بنُ الحسنِ بْنِ فرْقَد، من موالي بَنِي شَيْبَانَ، أبو عبد الله، إمام بالفقْه والأصُول، وهو الذي نشَر عِلْم أبي حنيفة. وُلدَ بـ "وَاسِط" سنة ١٣١ هـ وتُوُفِّيَ بـ "الرَّيِّ" سنة ١٨٩ هـ.
جاء في "فِهْرِسْت" ابن النَّدِيم: أن له من الكتب في الأصول كتاب "الصَّلاة"، وكتاب "الزَكَاة"، وكتابَ "المَنَاسِك"، وكتابَ "النِّكَاح"، وكتابَ "الطَّلاق" .... وكتابَ "اجْتِهاد الرَّأْي"، وكتابَ "الاسْتِحْسَان" وكتاب "أُصُول الفِقْه" … الخ.
وقال ابنُ خَلِّكَانَ: صنَّف محمَّدُ بنُ الحَسَنِ الشيبانيُّ الكُتُبَ الكثيرةَ النادِرَةَ مِثْل "الجامع الكَبير"، و"الجامع الصَّغير" … الخ.
وجاء في كتاب "هَدِيَّة العارفين": أن له كتاب "الأصْل في الفُرُوع".
стр. 101
وقال الأستاذ أحمد أمين: نَعَمْ، روى ابنُ النَّدِيم أن محمَّد بْنَ الحَسَنِ ألَّف كتابًا في أُصُول الفِقْه، ولكنْ لم يَصِلْ إلَيْنا هذا الكتاب، حتَّى نستطيع أنْ نقارِنَ بَيْنَهُ وبَيْن "رسالةِ الشَّافِعِي"، ونعْلَمَ ماذا استفاد الشافعيُّ من أصول محمَّدٍ، وماذا اخترع من نَفْسِه؟.
رابعًا: أَبُو يُوسُفَ:
هو: يعقوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ بْن حبيبٍ الأَنْصَارِيُّ الكُوفِيُّ البغداديّ، صاحبُ الإمام أبِي حنيفة وتِلْمِيذُه، وأول من نشر مذهبه، ولد بـ "الكوفة" سنة ١١٣ هـ، وهو أوَّل من دُعِيَ قاضي القُضَاة، وأوَّلُ مَنْ وضَعَ الكُتُبَ في "أصُول الفقه" توفي سنة ١٨٢ هـ.
ومما لا شَكَّ فيه أن أبا يوسُفَ قد استعْمَل لَفْظ "أصُولِ الفِقْه" كما ألمحنا إلى ذلك سابقًا، وسواء أراد به المَعْنَى الإضافيَّ، أو اللَّقَبيَّ الَّذي اشْتهر به عِنْد المتأخِّرين، فإنَّه دلَّ على المنْهج الأصوليِّ. ومما يُذْكَر أنَّه جاء في بَعْض المصادِر مِثْل كتاب "مناقب الإمام الأعْظَم" نَقلًا عَن طَلْحةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ؛ أن أبا يُوسُفَ أوَّلُ من ألَّف الكُتُب في أصُول الفِقْه على مَذْهَب أبِي حَنِيفَة.
ورأى الشَّيْخُ مصطفى عبد الرَّازق أن القَوْل بأنَّ أبا يوسُفَ هو أوَّلُ من تكلَّم في أصول الفِقْه على مذْهَب أبِي حنيفَةَ، إذا صَحَّ، لا يُعَارِض القَوْلَ بأن الشافعيَّ هو الذي وضَع أصولَ الفِقْه علمًا ذا قواعِدَ ومبادئَ عامةٍ يَرْجعُ إليها كلُّ مستَنْبِطٍ لحكْمٍ شَرْعِيٍّ.
وهذه الآراء - الَّتي ألْمَحْنا إليها - وإن كانت تُعْطِينا فكْرة عامَّةً بأنَّ هناك حركات بدأَتْ تنْظُر في تَكْوِين هذا العِلْم إلَّا أن الإمام الشافعيَّ قد أرسَى قواعِدَ هذا الفَنِّ.
قال البيهقي: "ومَنْ وَقَفَ على الحكايات الَّتِي وَرَدَتْ عن علماء عَصْرِهِ وفقهاءِ زَمَنِهِ الَّذِين ماتَ بعْضُهم قبْلَه، وبعْضُهم بَعْدَه، عَرَف اعْتِرَافَهم له بالعِلْم والفِقْه، وأنَّه لم يُسْبَقْ إلى التَّصْنِيف في الأُصُول، وأنَّهم عَنْه أَخَذُوا هذا النَّوْعَ من العِلْم، وواضحٌ في كُتُبِ من صنَّف في أصول الفقه أنَّهم اقتبسوا عِلْمَها، وعلى تأْسِيسِهِ وضَعُوها.
وصَرَّح الرَّازيُّ: بدون تردُّد إلى أن النَّاسَ مُتَّفِقون على ذلك؛ حيث يقول: اتَّفقَ النَّاس على أن أوَّلَ من صنَّفَ في هذا العِلْم - أي: علم - أصولِ الفقهِ - الشافعيّ، وهُو الَّذي نَسَّقَ أبْوَابه، وميَّز بَعْض أقْسَامِه مِنْ بَعْضِ، وفسَّر مراتِبَها في القُوَّة والضَّعْف.
وقال الجُوينيُّ في "شَرْح الرِّسَالة": "لم يَسبِقِ الشافعيَّ أحدٌ في تصانِيفِ الأُصُول،
стр. 102
ومَعْرِفَتها، وقد حُكِيَ عن ابْنِ عبَّاس تخصيصُ العمومِ، وعنْ بَعْضِهم القولُ بالمَفْهُومِ، ولمنْ بعدِهِم لم يُقَلْ في الأصولِ شيء، ولَمْ يَكُنْ لهم فيه قدمٌ، فإنَّا رأيْنا كُتُب السَّلَف من التابعين، وتابِعِي التَّابِعينَ وغَيْرِهم، وما رأيْنَاهم صنَّفوا فيه".
وقال الشَّيْخ محمَّد أبو زهرة: "وقدِ اختُصَّ الشَّافعيُّ من بين المجتهدينَ الَّذِين سَبَقُوه وعاصَرُوه بأنَّه هو الَّذي حَدَّ أصولَ الاسْتِنْبَاط، وضبَطَها بقواعد عامَّةٍ كلِّيَّةٍ … فكان الشَّافعيُّ بهذا السَّبْق واضِعَ عِلْم أُصُول الفِقْه؛ لأنَّ الفُقَهَاء كانوا قَبْلَه يَجْتَهِدُون من غَيْر أن تكونَ حُدودٌ هناك مرسومةٌ لِلاسْتِنْبَاط.
وقال المستَشْرِق جولد زيهير: وأظْهَرُ مزايا محمَّدِ بنِ إدْرِيِسَ الشِّافعيِّ أنه وضَع نظام الاسْتِنباط الشَّرْعِيِّ من أصول الفقه، وحَدَّد مجالَ كلِّ أصْلٍ من هذه الأُصول، وقَدِ ابتَدَعَ فِي رِسَالَتِهِ نِظامًا لِلقياس العَقْليِّ الذي ينبغي الرُّجُوع إلَيْه في التَّشْرِيع مِنْ غَيْر إخْلالٍ بما للكتاب والسُّنَّة من الشَّأْن المقدَّم، ورتب الاستنباطَ من هذه الأصول ووضَع القَوَاعِدَ؛ لاستعمالها بَعْدما كان جُزَافًا.
ونَخْتَتِمُ ذلك بكلمةٍ للإمام الإسنويِّ حاكيًا الإجْماعَ عما سلف؛ إذ يقول: وكانَ إمَامُنَا الشَّافعيُّ ﵁ هو المُبْتكِر لهذا العِلْمِ بلا نزاعٍ، وأوَّلَ من صنَّف فيه بالإجْماع، وتصْنيفُه المذكور فيه موجودٌ بحمد الله - تعالى - وهو الكتابُ الجليلُ المشْهُور المَسْمُوع عليه المتصلُ إسْنَادُه الصَّحيحُ إلى زَمانِنَا المَعْرُوفُ بـ "الرِّسَالَة"، الذي أرْسَلَ الإمامُ عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مهديٍّ من "خُرَاسَانَ" إلى الشافعيِّ بـ "مِصرَ" فصنَّفَه لَه، وتنافَسَ في تحْصيله علماءُ عَصْره.
الرِّسَالَةُ والشَافِعِيُّ:
قال العلَّامة أحْمَد شَاكِر: والشافعيُّ لم يُسَمِّ "الرسالةَ" بِهذا الاسْم، إنَّما يُسمِّيها "الكتاب" أو يقولُ: "كِتَابِي"، أو "كِتَابنا" (١).
ويقول في كتابه "جِمَاعُ العِلْمِ" مُشِيرًا إلى "الرِّسَالة": "وفيما وصَفْنا - ههنا - وفي "الكِتَاب" قبل هذا" (٢). ويَظهر أنَّها سُمِّيَتِ "الرسالة" في عَصْره، بسبب إرْسَاله إيَّاها
_________
(١) ينظر: الرسالة فقرة: ٩٦، ٤١٨، ٤٢٠، ٥٧٣، ٦٢٥، ٧٠٩، ٩٥٣.
(٢) ينظر: الأم ٧/ ٢٥٣.
стр. 103
لعبد الرحمن بْنِ مهديٍّ، كما تقدَّم.
وكتابُ "الرِّسالة" أوَّلُ كتابٍ أُلِّف في "أُصولِ الفِقْه"، بل هو أوَّلُ كتابٍ أُلِّفَ في "أصولِ الحَدِيثِ" أيْضًا.
قال الفخرُ الرَّازيّ في "مناقِب الشَّافِعِي": "كانوا قبْلَ الإمامِ الشافعيِّ يتكلَّمون في مسَائِلِ أُصُول الفِقْهِ، ويستدلُون ويَعْتَرِضُون، ولكنْ ما كان لَهُمْ قانونٌ كُلِّيٌّ مرجوعٌ إلَيْه في مَعْرِفَة دَلائلِ الشَّريعةِ، وفي كيفيَّة مُعَارضَاتِهَا وتَرْجِيحَاتِها، فاسْتَنْبط الشَّافعيُّ عِلْمَ أُصُول الفِقْهِ، ووضَع للخلْق قانونًا كلِّيًّا يُوْجَعِ إلَيْه في معرفة مراتِبِ أدلَّة الشَّرْع، فثَبَتَ أن نسبة الشَّافِعِي إلى عِلْمِ الشَّرْعِ كنسبة أرِسْطَاطالِيسَ إلى عِلْم العَقْل".
وقال بدرُ الدِّينِ الزركشيُّ في كتاب "البَحْرِ المُحِيطِ" في الأصُول: الشَّافعيُّ أولُ من صنَّف في أُصُول الفِقْه، صنَّف فيه كتاب "الرِّسالة"، وكتاب "أَحْكَام القُرْآن"، وكتاب "اختلاف الحديث"، وكتاب "إبطال الاسْتِحْسَان"، وكتاب "جِمَاع العِلْم" وكتاب "القياس".
وأقولُ: إن أبوابَ الكِتَاب ومسائِلَه، التي عَرَضَ الشَّافعيُّ فيها للكلامِ على حديثِ الواحدِ والحُجَّة فيه، وإلى شُرُوط صحَّة الحديث، وعَدالة الرُّواة، وردِّ الخَبَرِ المُرْسَل والمُنْقَطِع - هذه المسائلُ عِنْدي أدقُّ وأغْلَى ما كتَبَ العُلَمَاءُ فِي أُصُول الحَدِيث، بلْ إنَّ المتفقِّه في علوم الحديث يفْهَم أنَّ ما كُتِبَ بعْده إنَّما هُو فُروعٌ مِنْه، وعالَةٌ عَلَيْه، وأنَّه جَمَعَ ذلك، وصنَّفه على غَيْرِ مِثَالٍ سَبَق، لله أبُوهُ …
و"كتاب الرِّسالة" بل كتبُ الشافعيِّ أجمعُ كتبُ أدبٍ ولغةٍ وثقافةٍ، قبل أن تكون كتُبَ فِقْهٍ وأُصُولٍ، ذلك أن الشافعيَّ لم تَهْجُنْه عُجْمَةٌ، ولم تَدْخُل على لسانِه لُكْنَةٌ ولم تُحْفَظْ عليه لَحْنَةٌ أو سَقْطَةٌ.
قال عبد الملكِ بنُ هشامٍ النَّحْويُّ صاحبُ "السِّيرةِ": "طَالتْ مُجَالسَتُنا للشافعيِّ، فما سمِعْتُ منه لَحْنةً قط، ولا كلمةً غيْرُها أحْسَنَ مِنْهَا".
وقال أيْضًا: "جالَسْتُ الشافعيَّ زمانًا، فما سمعْتُه تكلَّم إلَّا إذا اعتبرها المعتَبِر، لا يجد كلمةً في العربيةِ أَحْسَن مِنها".
وقال أيْضًا: "الشافعيُّ كلامه لُغَةٌ يُحْتَجُّ بها".
стр. 104
وقال الزَّعفرانيُّ: "كان قوْمٌ من أهْلِ العربيَّة يختَلِفُون إلى مَجْلِس الشَّافعيِّ معنا، ويجْلِسُون ناحية، فقلْتُ لرجل من رؤَسَائِهم: إنَّكُمْ لا تتعاطَوْن العِلْم، فلِمَ تخْتَلِفُون مَعَنا؟ قالوا: نَسْمَع لُغَةَ الشَّافعيِّ".
وقال الأَصْمَعِي: "صحَّحْت أشْعَار"هُذَيْل" على فَتًى من "قُرَيْشٍ"، يقال له: محمَّدُ بنُ إدْرِيِسَ الشَّافِعِيُّ".
وقال ثَعْلَبٌ: "العجَبُ أن بَعْض النَّاسِ يَأْخُذُون اللُّغَة عن الشافعيِّ، وهو مِن بَيْت اللُّغَة! والشافعيُّ يجِبُ أنْ يُؤْخَذَ منه اللُّغة، لا أنْ يُؤْخَذَ عَلَيْه اللُّغَةُ" يعني: يجب أن يحتجوا بألفاظه نَفْسِها، لا بما نَقَلَه فَقَطْ، وكفَى بشهادة الجاحظ في "أدَبِه وبَيَانِهِ" حيث يقول: "نَظَرْتُ في كُتُبِ هؤلاءِ النَّبَغَةِ الَّذِين نَبَغُوا فِي العِلْم، فَلَمْ أرَ أحْسَنَ تأْليفًا من المُطَّلبِيِّ، كأنَّ لِسَانه يَنْظِمُ الدُّرَّ" فكُتُبه كلها مُثُلٌ رائعةٌ من الأَدَب العربيِّ النَّقيِّ، في الذروة العُلْيا من البَلاغة، يَكْتُب على سَجيتِهِ، ويُمْلي بِفِطْرَتِه، لا يتكلَّف ولا يَتَصَنَّع، أَفْصَحُ نثرٍ تَقْرَؤُه بَعْد القُرْآن والحَدِيث، لا يُسَامِيه قائلٌ، ولا يُدَانيه كاتبٌ. ونَحْنُ نَرَى أن هذا الكتاب "كتابَ الرِّسالة" ينبغي أن يَكُون من الكُتُب المَفْرُوءة في كُلِّيَّات الأَزْهَر، وكلِّيَّات الجَامِعَة، وأنْ تُخْتَار مِنْه فِقْراتٌ لطُلَّابِ الدراسةِ الثَّانويةِ في المعاهدِ والمَدَارِس، لِيُفِيدُوا من ذلك عِلْمًا بِصِحَّة النَّظَر وقوَّة الحُجَّة، وبَيَانًا لا يرَوْنَ مِثْلَه في كُتُب العُلَماء، وآثَارِ الأُدَبَاء، وقد بَيَّن العلَّامة ابن خَلْدُونَ في "مقدمته" أهميَّة "الرسالة" فقال: أوَّلُ مَنْ كَتَب فِيه: الشافعيُّ ﵁ أَمْلَى فيه رسالَتَه المَشْهُورة، تكلَّم فيها عن الأَوَامِرِ والنَّواهِي، والبيَان، والخَبَر، والنَّسْخ وحُكْم العِلَّة المَنْصُوصَة من القياسِ، ثمَّ كَتَب فقهاءُ الحنفيَّة فيه، وحقَّقوا تلك القواعِدَ، وأوْسَعُوا القَوْلَ فيها، وكتَب المتكلِّمون أيْضًا، إلَّا أن كتابَة الفقهاء فيها أمَسُّ بالفقْهِ، وألْيْقُ بِالفُرُوع.
خُلَاصَةُ رِسَالَةِ الشَّافعيِّ:
أجْمَلَ ابنُ خَلْدُونَ ما حَوَتْهُ رسالةُ الشَّافعيِّ من المَعْلُوماتِ، وسنلخِّصُ هنا هذه الرسَالَة؛ ليَرَى القارئُ أوَّلَ نهْجٍ نهَجَه الأصوليُّون في تأليفهم: بدأ الشَّافعيُّ - في رِسَالَتِهِ ﵁ فعرَّف البيانَ بأنَّه اسم جامعٌ لمعانٍ مجتمعةِ الأُصُولِ، متَشَعِّبة الفُرُوع، وهي بيانٌ لِمَنْ خُوطِبَ بِهَا مِمَّنْ نزل القرآنُ بِلِسَانِه، وهي مُتَقَارِبةُ الاسْتِوَاءِ عِنْده، وإن كان بَعْضُها أشدَّ تأكيدًا، وهي مختلفةٌ عِنْد من يَجْهَل لسانَ العَرَب، ومِنْ ذلك ما أَبَانَهُ الله لخلْقِه نَصًّا،
стр. 105
كجُمَل الفَرَائِض؛ من صلاةٍ، وزكاة، وحجٍّ، وصَوْمٍ، وتَحْرِيمِ الفَواحِشِ، وبَعْض المَطْعُومَات، ثُمَّ بيَّن عَلَى لِسَانِ نبيِّه عَدَدَ الصَّلَوَات، ونصَابَ الزَّكاة ووقتَيْهِما، ومِنْ ذلك: ما فَرَضَ الله - جلَّ ثناؤُه - على خلْقِه الاجْتهادَ في طَلَبِه، وابْتَلَى طَاعَتَهُم في الاجْتِهَادِ، ومثَّل لذلك بقول الله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [سورة البفرة: الآية ١٤٤] فدلَّهم - جل ثَنَاؤُه - إذا غَابُوا عن المَسْجِد الحرامِ - على صواب الاجْتهاد ممَّا فرض عَلَيْهم بالعُقُولِ، الَّتي رُكِّبت فيهم، المُميِّزة بين الأشياء وأضْدَادها، والعلاماتِ الَّتي نَصَبَهَا لهم، دُون عَيْن المَسْجِد الحَرَام.
جهة العِلْم بالحُكْم:
قال الشافعيُّ في "رسالَتِهِ": إنَّ جهة العِلْم بالحُكْم؛ إمَّا الكتاب، وإما السُّنَّة، وإمَّا الإجْمَاع، وإمَّا القياسُ.
ثم قال: إنَّ جميع كتابِ الله نَزَلَ بِلِسَان العَرَب، والأدلَّةُ على ذلِك بيِّنةٌ في كتاب الله، فإذا كانتِ الألسنةُ مختلفةً بما لا يفْهَمُه بعضُهم عنْ بعْضٍ، فلا بُدَّ أن يَكُون بعضُهم تبَعًا لبَعْضٍ، وأنْ يكُونَ الفَضْلُ في اللِّسان المُتَّبَع على التَّابِع، وأوْلى النَّاسِ بالفَضْل في اللسانِ مَنْ لسانُه لسانُ النبيِّ ﷺ ولا يَجُوز - والله أعْلَم - أن يكون أهلُ لسانِهِ أتْبَاعًا لأهْل لسانٍ غَيْرِ لِسَانِهِ.
ثمَّ قال: فَعَلى كُلِّ مُسْلمٍ أنْ يتعلَّم من لسان العَرَب ما يَبْلُغه جُهْدُه، ثمَّ تكلَّم على أن في كتابِ الله عامًّا ظَاهِرًا، يرادُ به العامُّ الظَّاهِر، وعامًّا ظاهرًا يرادُ به العامُّ ويدخله الخاصّ، وظَاهِرًا يُعْرَف في سياقه أنَّه يرادُ به غَيْرُ ظاهره، ومِنْ هذا يتبيَّن ما لِعُلُومِ اللُّغَةِ في فَهْم أحْكَام الدِّين من صِلَةِ وثيقةِ، وعلاقةٍ أكيدةٍ ثم تكلَّم على السُّنَّةِ، وأنَّ الكتابَ أمَرَ بِاتِّباعها حيث قال: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٥٦]، وقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [سورة النساء: الآية ٥٩].
ثم ذكر الشَّافعيُّ أن الناسخَ والمَنْسُوخ يَقَعُ في كتاب الله، وسُنَّةِ رسُولهِ وبينهما، فينسخ الكتابُ السُّنة، دونَ العَكْس؛ لأنَّها تابعةٌ للكتاب بِمِثْل ما نَزَلَ به نَصًّا، ومفسِّرةٌ مَعْنَى ما أُنْزِلَ فيه جُمَلًا.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْر
стр. 106
هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [سورة يونس: الآية ١٥]، ثم تكلَّم على خبر الحُجَّة، ومثَّل له، ثم على الإجْمَاع وحُجِّيَّته ودليله، ثم بَسَط ما أسْلَف من الاجتهاد، وقَفَّى على ذلك بالكَلام على القياسِ والاسْتِحْسَان، وما قيل في الاسْتِحْسَان.
هذه خُلاصة ما في "رسالةِ الشَّافِعِيِّ" من قواعد، وقد أكْثَر فيها من التَّطْبِيق والاِستشهادِ بالآيَاتِ والأَحَادِيث، وهِيَ طريقةٌ أشْبَهُ بِعَهْد السَّلَف الذي عُنِيَ بالتَّطْبِيقِ، لا بِعَهْد الخَلَفِ الَّذِي عُنِيَ بِالقَوَاعد.
стр. 107
مَنَاهِجُ العُلَمَاءِ فِي الدِّرَاسَاتِ الأصُولِيَّةِ
تعدَّدتْ مناهجُ العُلَمَاء بَعْد الشافعيِّ واختلفتْ كتُبُهم الأصوليَّة تبعًا لاخْتِلافِ مناهِجِهمْ ومشاربهمْ في الدِّراسات الأُصوليَّة. ويمكن إجْمال هذه المَذَاهِبِ فِي ثَلاث شُعَبٍ مختلفةٍ لكلٍّ منها ضوابطُ وقواعدُ خاصَّةٌ بها:
أوَّلًا: الاتجاه النظريُّ المَحْضُ الَّذي لا يتأثَّر بِفُرُوعِ أيِّ مَذْهَبٍ فِقْهِيٍّ، وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ ومَنْ سَارَ عَلَيْه بَعْده، حيثُ إن الشَّافعيُّ ﵀ قد لاحظ في منهاجه الذي وضَعَه عن عِلْم الأصول أن يَكُونَ عِلْمُ الأُصُول مِيزانًا ضابِطًا وقانُونًا كُلِّيًّا تَجِبُ مراعاته عِنْد استِنْباطِ الأَحْكَام.
ثانيًا: الاتجاهُ المتأثِّر بالفُرُوعِ الفقهيَّةِ، والَّذِي يَخْدمُ تِلك الفُرُوع، ويثْبِتُ سلامة الاجتهاد فيها.
ثالثًا: المَذْهَب الجامعُ بَيْن الاتِّجاهَيْن السابِقَيْن، وظهر هذا المذهَبُ في مرحلةٍ متأخِّرة.
والنَّاظِرُ لتاريخِ هذه المناهِجِ يُلاحظ أنَّها ظَهَرَت بَعْد تقرُّر المذاهِبِ الفقهيَّة.
وفي ذلك يقول العلَّامة أبو زهرة: "وقد سار الفقهاء بعد تقرُّر المذاهب الفقهية في دراسَةِ أُصُول الفقه في اتِّجاهَيْنِ مختلفَيْنِ:
أحدهما: اتِّجاهٌ نظريٌّ، وهو لا يتأَثَّر بفروعِ أيِّ مَذْهَبٍ …
ثانيهما: اتِّجاهٌ متأثِّرٌ بالفروعِ وهو يتَّجه لخدْمَتِها، وإثبات سلامة الاجتهاد
стр. 108
فيها (١) .... وإلَيكَ الكلامَ عَلَيها بالتَّفْصيل:
أوَّلًا: الاتِّجاهُ النَّظَريُّ:
من المعلومِ أن الشافعيَّ ﵀ هُوَ واضعُ أساس هذا الاتِّجاهِ النَّظريّ الَّذي لا يتأثَّر بفروع أيِّ مَذْهَب، حَيْث كانَتْ عنايتُه متَّجِهةً إلى تَحْقيقِ القَواعدِ من غَيْر اعتبارٍ مذهبيٍّ، بل كانَ أكبَرُ همِّه هو كيفيَّة إنتاجِ القواعدِ، سواءٌ خدَمَ ذلك مذهَبَه أمْ لا.
ويُعْتَبَر هذا الاتِّجاهُ النظريُّ هو أقْدمَ الاتَجاهاتِ الأُصُوليَّة لدراسة عِلْم الأُصُول.
ويُطْلَق على هذا الاتجاه: "أصُول الشَّافِعِيَّة" على أساس أن الإمام الشافعيَّ أوَّلُ من سلكه، ويُطْلَق عَلَيْه أيضًا: "طريقةُ المتكلِّمين"؛ لأن كثيرًا من علماء الكلامِ لهُمْ بحوث في الأصول؛ على هذا الاتجاه النظريِّ ولهذا الاتجاه النظريِّ خصائصُ تميَّزه وتوضَح ملامحَه؛ حيثُ لا يَعْتَمِد البحْثُ فيه على تعصُّبٍ مذهبيٍّ، وذلك لأنَّ القواعد الأصوليَّة لا تَخْضع فيه للفُرُوع المذهبيَّة، بل كانَتِ القواعدُ تُدْرس باعتبارِها حاكمةً على الفروع، وباعتبارِهَا دعامة الفِقه، وطريق الاستنباط.
ثمَّة مَيْزةٌ أُخْرى تَكْمُن في أنَّ الخلافاتِ الَّتيْ وقَعَتْ بَيْن الأصوليِّين على هذا الاتِّجاه كانَتْ تَسْتَنِدُ إلى دليلٍ مباشرٍ لا إلى فَرْعٍ من الفروعِ المذهبيَّة. والملاحظُ أن لهذا الاتجاهِ أنْصارًا مَتعدَّدين ومنْتَشِرِين في البلاد الإسلاميَّة، ويمكنُ أن نُجْمِلَهُم فيما يلي:
١ - الشَّافعِيَّةُ:
وللشَّافعيِّ أصحابٌ كثيرونَ قَبِلُوا اتِّجاهَه النظر كما في دراسَةِ القَواعِد الأصوليَّة.
ومن الملاحظِ أن أصحابَهُ البغدادِيِّين كَانُوا أَكْثَرَ اسْتِقلالًا مِنْ غيرهم لدرجةِ أن بَعْضَهم قَدْ وَصَلَ لِدَرَجَة الاجْتِهَادِ وتأْسِيسِ المَذَاهِب الفِقْهِيَّة. حيث نَجِدُ في "بغدادَ" الإمامَ أبا ثَوْرٍ الكلبيَّ البغداديَّ، والإمام أحمد بْن حَنْبل أحَدَ دَعَائِمِ الإسْلامِ الأرْبَعَة. ونجد في "مِصْرَ" الإمام أبا يَعْقُوبَ البُوَيْطِيَّ المِصْرِيِّ، والإمامَ أبا إبراهيم المُزَنِيَّ. وفي القَرْنِ الخامِسِ الهِجْريِّ ظَهَرَتْ كوكبةٌ من الشافِعِيِّين المُبَرِّزين الَذيق ألَّفوا كثيرًا من كُتُب الأصول على طَرِيقَةِ الشَّافعي، ومن أمثال هؤلاء العلماء الأجلَّاءِ القاضي عَبْد الجبَّار المعتزليُّ (٤١٥ هـ) صاحبُ "العمد" الذي شرَحَه أبو الحُسَيْن البَصْرِيُّ المعتزيُّ في كتابه "المُعْتَمَد". وأيضًا
_________
(١) ينظر: أصول الفقه ١٧ - ١٨.
стр. 109
الإمامُ أبو إسحاقَ الشِّيرازيُّ الشَّافعيُّ (٤٧٦ هـ) صاحب "اللُّمَع" و"التَّبْصِرة" وظهر أيضًا إمامُ الحرمَيْنِ (٤٧٨ هـ) صاحبُ "البُرْهَان".
قال ابن خلدون في "مقدمته" (١): "وكان مِنْ أحْسَن ما كتب فيه المتكلِّمون كتابُ "البُرْهَان" لإمامِ الحَرَمَيْنِ، و"المستَصْفَى" للغزاليِّ، وهما من الأشعريَّه، وكتابُ "العمد" لعَبْد الجَبَّار، وشَرْحُه "المُعْتَمَد" لأبي الحُسَيْن البَصْرِيِّ وهو من المعتزلة".
كذلك كان القَرْنُ السَّادِسُ الهجريُّ حافِلًا بعلماء الأُصُول الشافعيَّة أصحابِ الاتِّجاه النظريِّ، وحافلًا بإنجازاتهم الأصولية.
ومن أبْرزِ هؤلاءِ العلماء الإمامُ الغزاليُّ حجَّةُ الإسْلام (٥٠٥ هـ) وله كُتُبٌ كثيرةٌ في الأُصُول مثل: "المستَصْفَى"، و"المَنْخُولِ"، و"المَكْنُونِ"، و"شِفَاءِ العَلِيلِ" … الخ.
يقول العلَّامة الخُضَريُّ (٢) عن كتاب "المستَصْفى": وعبارةُ المستَصْفَى راقيةٌ مِنْ حَيْثُ أُسْلُوبُهَا العربيُّ، ولم يَكُنِ الغزاليُّ ممن يَشِحُّ على القرْطَاس؛ فتَرَاه كما قال يُطْلِق فيه العِنَانَ حتَّى يبلغ الغايةَ ممَّا يُرِيد، ولم يَكُنْ قد جَاءَ في زَمَنِهِم دَوْرُ التَّلخيصِ والاخْتِصَار؛ لأنَّ همَّهم الوحيدَ كانَ تأْدِيةَ المَعْنَى إلى فِكْر السَّامِع، طالَ الكلام أو قَصُر".
ثمَّ جاء الإمامُ فخْرُ الدِّينِ الرَّازيُّ (٥٤٤ - ٦٠٦ هـ) صاحبُ "المَحْصُول".
قال الإسنويُّ: "و"المَحْصُول" استمدادُهُ من كِتابَيْن لا يَكَاد يَخْرُج عَنْهُما غَالِبًا: أحَدُهما: "المستَصْفَى" لحجَّة الإسْلام الغَزالِيِّ، والثَّاني: "المُعْتَمَد" لأبي الحُسَيْن البَصْرِيِّ" (٣).
ثم الآمِدِي سيف الدِّين (٥٥١ - ٦٣١ هـ) صاحبُ "الإحْكَام فِي أُصُولِ الأَحْكَام".
قال العلَّامة ابن خَلْدُونَ: "ثمَّ لَخَصَ هذه الكتبَ الأرْبَعَة "البُرْهَانَ"، و"المُسْتَصْفَى"، و"العُمَدَ"، و"المُعْتَمَدَ" - فَحْلان من المتكلِّمين المتأخِّرين، وهما الإمامُ فخْرُ الدِّينِ بنُ الخَطِيبِ في كتاب "المَحْصُول"، وسَيْفُ الدِّين الآمِدِيّ في كتاب "الإحْكَام"، واختلفت طرائِقُهما في الفنِّ بين التَّحْقِيق والحِجَاج، فابْنُ الخطيبِ أَمْيَلُ إِلَى الاستكثار من الأدلَّة والاحتجاجِ، والآمِدِيُّ مولَعٌ بتحقيق المَذاهِب وتَفْرِيع المَسَائل، وأما كتابُ "المَحْصُول"
_________
(١) ينظر: المقدمة ٥٠٨.
(٢) ينظر: أصول الفقه له ص ٧.
(٣) ينظر: نهاية السول ١/ ٨.
стр. 110
فاختصَرَهُ تلميذُ الإمامِ سراجُ الدِّينِ الأرمويُّ في كتابِ "التَّحْصِيلِ"، وتاجُ الدِّين الأُرْمَويُّ في كتاب "التَّحْصِيل"" (١).
أما كتابُ "الإحْكَامِ" للآمِدِيِّ فَقَد قام باخْتصاره العلَّامة أبو عَمْرٍو عثمانُ بنُ الحَاجِبِ (٦٤٦ هـ) وجَعَل ذلك في كتاب سَمَّاه: "مُنْتَهَى السُّولِ والأَمَلِ، فِي عِلْمَي الأُصُولِ والجَدَلِ"، ثمَّ قام بعد ذلك باختصارِ المختصر في كتابِ آخَرَ سماه: "مُخْتَصَرَ المُنْتَهَى" ثم جاء خاتمة المحققين العلَّامة البيضاويُّ فألف كتابًا أخَذَه من "الحاصل" لتاج الدِّين الأرمويِّ وسمَّاه: "مِنْهَاجَ الوُصُولِ إلى عِلْم الأُصُول".
٢ - المالكيَّة:
ومِن أنْصَارِ الاتِّجاهِ النَّظريِّ من المالكيَّة ابنُ الحاجِبِ المالكيُّ (٦٤٦ هـ) صاحبُ "منتهى السُّولِ والأَمَلِ في عِلْمَي الأُصُولِ والحدَلِ"، وهو الكتاب الذي اختصره من كتاب "الإحْكَامِ في أُصُول الأَحْكَامِ للآمديِّ"، كما اختصر هذا المختصر - كما ذَكَرْنا - في كتاب سَمَّاه "مختصر المنتهى".
خَوْضُ المُتَكَلِّمِينَ فِي الاتِّجَاهِ النَّظَرِيِّ:
لقد وجد المتكلِّمون فِي هذا الاتِّجاه النظريِّ ما يتَّفقُ مع دراساتهم العَقْلِيَّة، وآرائِهِمُ الكلامِيَّة، ونظرهم إلى الحَقَائِق مجرَّدةً، لذا راحُوا يَبْحَثُون فيه كما يَبْحَثُون فِي عِلْم الكَلام. ولكثرة بُحُوثِ المتكلِّمين في الأصول على هذا الاتِّجاه النظريِّ - سُمَي هذا الاتجاه أيْضًا بـ "طَرِيقَة المتكلِّمين".
وخلاصةُ طريقة المتكلِّمين هي البُعْدُ - ما أمْكَنَ - عن مسائلِ الفُرُوعِ، والاستدلالُ العقليُّ؛ لأن أصْل منهجهم هو البَحْثُ والنَّظَر، ولقد تركت هذه الطريقةُ آثارها واضحةً على القواعد الأصوليَّة.
وهناك سؤَالٌ يطرح نَفْسَه عَلَيْنا وهُوَ مَتى دخَل المتكلِّمون في دراسة المَنَاهِج الأصوليَّة؟
ويجيبُ الشَّيحُ مصطفى عبد الرَّازِق إلى أن المتكلِّمين وضَعوا أيْدِيَهُم على عِلْمِ أُصُولِ الفِقْه مُنْذُ القَرْن الرَّابِع الهجريّ (٢). وفي المسألة آراء أُخْرى، ترى أنَّهم خاضُوا في المسائل الأصولية منذ القَرْنِ الثاني الهجريِّ، وليس هذا مَوْضِعَ البَسْط.
_________
(١) ينظر: مقدمة ابن خلدون ٥٠٨.
(٢) ينظر: تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية ص ٢٤٩.
следующие страницы →