لَنَا: لَوْ كَانَ حَقِيقَةً، لَكَانَ مُشْتَرَكًا؛ لأَنَّ الفَرْضَ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الاِسْتِغْرَاقِ.
وَأَيْضًا: الْخُصُوصُ بِقَرِينَةٍ؛ كَسَائِرِ الْمَجَازِ.
الْحَنَابِلَةُ: التَّنَاوُلُ بَاقٍ؛ فكَانَ حَقِيقَةً.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ كَانَ مَعَ غَيْرِهِ.
قَالُوا: يَسْبِقُ؛ وَهُوَ دَلِيلُ الْحَقِيقَةِ.
قُلْنَا: بِقَرِينَةٍ؛ وَهُوَ دَلِيلُ الْمَجَازِ.
وإن سهل، كالعشرة والعشرين فمحصور، وبين الطرفين أوساط يلحق بأحدهما بالظن، وما وقع فيه الشَّك استفتى فيه القلب.
وقال "أبو الحسين" البصري (١): حقيقة "إن خصّ بما لا يستقل من شرط، أو صفة، أو استثناء" أو غاية، وإن خصّ بمستقل من عقل، أو سمع، فمجاز، وعليه الإمام فخر الدين الرّازي وغيره، وهو الذي رأيته [متصورًا] في كلام القاضي، ونقله عنه أيضًا المَازِرِيّ، وذكر أنه آخر قوليه، وأن أولهما كونه مجازًا مطلقًا.
وقال المتأخرون منهم المصنف "القاضي" يقول: إنه حقيقة "إن خصّ بشرط، أو استثناء" لا صفة.
وقال عبد الجَبَّار: إن خص بشرط" صفة لا استثناء، أو صفة.
وقيل: حقيقة "إن خصّ بدليل لفظي" متصلًا كان أو منفصلًا (٢).
وقال "الإمام" في "البرهان" (٣): "حقيقة في تناوله، مجاز في الاقتصار عليه" وحقيقة مذهبه: أن اللفظ حقيقة ومجاز باعتبارين، فتصوَّر فيه المجاز من حيث خرج عن بعض مسمّياته، والحقيقة من حيث البقاء على بعض المسميات، فرأى أن القدر المراد وقع به التجوز في اللفظ، والمنفى باقٍ على الحقيقة.
الشرح: "لنا": على كونه مجازًا مطلقًا: "لو كان حقيقة لكان مشتركًا؛ لأنَّ الغرض
стр. 1227
الرَّازِيُّ: إِذَا بَقِيَ غَيْرَ مُنْحَصِرٍ، فَهُوَ مَعْنَى الْعُمُومِ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ كَانَ لِلْجَمِيعِ.
أنه حقيقة في الاستغراق"، فيكون حقيقة في معنيين مختلفين، وذلك هو المشترك، والمجاز خير منه.
"وأيضًا": لو لم يكن مجازًا لفُهِم "الخصوص" بغير قرينة، لكنه إنما يفهم "بقرينة"؛ فكان مجازًا "كسائر" أنواع "المجاز".
وقالت "الحنابلة (١): التناول باقٍ، فكان حقيقة" فلا يزول؛ لأنه لم يطرأ إلا عدم تناول الغير، ولا يصلح دافعًا.
وفي بعض النّسخ "فكان" بِالفَاءِ، والأحسن ما هو موجود بخطّ المصنّف من "الواو".
"وأجيب: بأنه كان" يتناوله "مع غيره" وبعد التخصيص يتناوله وحده، وهما متغايران، والوضع الأول دون الثاني، فلا يكون حقيقة.
"فالوا" ثانيًا: "يسبق" [الباقي] (٢) بعد التخصيص إلى الفهم، "وهو دليل الحقيقة".
"قلنا": إنما يسبق إلى الفهم "بقرينة؛ وهو دليل المَجَاز".
ولقائل أن يقول: [الباقي] (٣) لا يحتاج إليه إلى قرينة على إرادته، إنما المُخْرِج محتاج إلى قرينة عدم إرادته.
الشرح: وقال "الرَّازي: إذا بقي غير منحصر فهو معنى العموم"؛ واللفظ موضوع للعموم، فيكون حقيقة حينئذ.
"[وأجيب] (٤): بأنه كان للجميع" ولم يبق بعد التخصيص كذلك.
وقولكم: "إنه لغير المنحصر، سواء أكان الجميع أم لا" ممنوع، ويرجع النزاع إلى أنّ موضع اللفظ العام ماذا؟ والحقّ: أنه الجميع؛ فاندفع ما ذكره الرازي.
стр. 1228
أَبُو الْحُسَيْن: لَوْ كَانَ مَا لَا يَسْتَقِلُّ يُوجِبُ تَجوُّزًا فِي نَحْو: الرِّجَالُ الْمُسْلِمُونَ"، وَ"أَكرِمْ بَنِي تَمِيمٍ، إِنْ دَخَلُوا، لَكَانَ نَحْوُ "مُسْلِمُونَ" لِلْجَمَاعَةِ، مَجَازًا، وَلَكَانَ نَحْوُ "الْمُسْلِمُ" لِلْجِنْسِ أَوْ لِلعَهْدِ - مَجَازًا، وَنَحْوُ ﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [سورة العنكبوت: الآية ١٤] مجازًا.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْوَاوَ فِي "مُسْلِمُونَ" كَأَلِفِ "ضَارِبٍ" وَوَاوِ "مَضْرُوبٍ"، وَالأَلِفُ وَاللَّامُ فِي "الْمُسْلِمِ"، وَإنْ كَانَ كِلمةً حَرْفًا أَوِ اسْمًا - فَالْمَجمُوع، الدَّالُّ، وَالاسْتِثْنَاءُ سَيَأْتِي.
الشرح: وقال: "أبو الحسين: لو كان بما لا يستقل يوجب تجوّزًا في نحو: الرِّجَال المسلمون، وأكرم بني تميم إن دخلوا، لكان نحو: "مسلمون"" وسائر ما يجمع بالواو والنون "للجماعة مجازًا، ولكان نحو المسلم للجنس أو للعهد مجازًا، ونحو ﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [سورة العكبوت: الآية ١٤]- مجازًا"، واللوازم الثلاثة باطلة.
وبيان الملازمة: أن كل واحدة مما ذكرنا مقيدًا بقيد كالجزء له، وقد صار به لمعنى غير ما وضع له أولًا، فـ"مسلمون" بقيد الواو والنون لِلمنقول إليه، وبدونها للمنقول، وكذا "المسلم" بقيد الألف واللام، وبدونها، وكذا "الأَلْف" بقيد استثناء الخمسين، وبدونه، فإن كان القيد يوجب التجوّز كان هذا مجازًا، وإلّا لزم التحكم؛ إذ لا فرق.
"وأجيب: بأن" ما ذكرتم ليس فيه شيء عامًا مقيدًا حتى يساوي ما نحن فيه؛ فإن "الواو "في"مسلمون" جزء الكلمة "كألف "ضارب" وواو "مضروب""، والمجموع لفظ واحد، "والأَلِف واللام في المسلم، وإن كان كلمة" سواء كان "حرفًا"، وهو ما لم يكن بمعنى الذي، "أو اسمًا"، وهو ما كان بمعناها؛ خلافًا للمازنى (١)، ومن وافقه في حرفيتها "فالمجموع" وهو الجنس، والقيد هو "الدّال"؛ لأنّ "مسلم" للجنس والألف واللام للقيد،
стр. 1229
وَالْقَاضِي: مِثْلُهُ؛ إِلَّا أَنَّ الصِّفَةَ عِنَدَهُ كَأَنَّهَا مُسْتَقِلَّةٌ.
وَعَبْدُ الْجَبَّارِ: كَذَلِكَ؛ إلَّا أَنَّ الاِسْتِثْنَاءَ عِنْدَهُ لَيْسَ بِتَخْصِيصٍ.
الْمُخَصِّصُ بِاللَّفْظِيَّةِ: لَوْ كَانَتِ الْقَرَائِنُ اللَّفْظِيَّةُ تُوجِبُ تَجَوُّزًا … إِلَى آخِرهِ، وَهُوَ أَضْعَفُ" ا. هـ.
"الْإِمَامُ: الْعَامُّ كَتَكْرَارِ الآحَادِ؛ وَإِنَّمَا انْحَصَرَ، فإِذَا خَرَجَ بَعْضُهَا، بَقِيَ الْبَاقِي حَقِيقَةً.
وَأُجِيبَ: بِالْمَنْعِ؛ فَإِنَّ العَامَّ ظَاهِرٌ فِي الْجَمِيعِ، فَإِذَا خُصَّ خَرَجَ قَطْعًا، وَالْمُتَكَرِّرُ نَصٌّ.
"والاستثناء سيأتي" إن شاء الله تعالى، أنه [إخراج] (١) بعد إرادة العموم من اللفظ، فلم يتحقّق شيء مما ذكرناه في العامّ المخصوص، فلم يلزم من كون ذلك مَجَازًا كون هذه مجازات.
الشرح: "القاضي" احتجاجه "مثله" من إلزام كون "مسلمون والمسلم"، "وأَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا" مجازات، فَجوابه جوابه "إلا أن" القاضي خالف في الصفة؛ لأن "الصفة عنده كلها مستقلة"، فلا يتناولها الدليل، وتحقّق شبهها بالاستقلال أنه قد يحصل منها الفائدة بدون الموصوف، وربما [شملت] (٢) أفراد الموصوف نحو: الجسم الحادث.
"وعبد الجَبَّار كذلك، إلا أن الاستثناء عنده ليس بتخصيص":
وقال: "المخصص باللفظية لو كانت القرائن اللفظية توجب تجوزًا" لكان مسلمون والمسلم مجازًا "إلى آخره، وهو أضعف"؛ فإن الاتصال ربّما يحيل فيه الجامع بين المقيس والمقيس عليه من جهة أن المتصل كالجزء من الكلام؛ فإنه سورة الإلزام.
وأما تعميم القول في الانفصال، فلا وجه له.
الشرح: وقال "الإمام: العام كتكرار الآحاد"، فمعنى المشركين: زيد وعمرو إلى آخرهم، "وإنما انحصر، فإذا خرج بعضها بقي الباقي حقيقة"، كما أنك عند تكرير الآحاد إذا حذفت البعض لم يكن [الباقي] (٣) مجازًا.
стр. 1230
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"وأجيب بالمنع" من كونه [كتكرار] (١) الآحاد، "فإنّ العام ظاهر في الجميع، فإذا خص خرج" الخاص "قطعًا" بالتخصيص،" [والمتكرر] (٢) نص"، فإذا خرج بعضٌ بقي الباقي نصًّا، كما كان فيما بقي لم يتغير عن وضعه أَصلًا.
واعلم أَن رأى إمام الحرمين هو المختار عندي، وأنا أبسطه ليتضح، ويندفع عنه هذا الجواب، فأقول:
اختار الإمام أنه مشترك بين الحقيقة والمجاز، فالمجازُ متصوّر من حيث تقاصر اللفظ عن بعض مسمّياته، والحقيقة متصورة من حيث البقاء على بعض مسمياته، وسبب الاختلاف في أن العام المخصوص مجاز: أولًا أن الحقيقة باتفاقٍ اللفظ المستعمل في موضوعه الأول، والمجاز هو المنقول عن أصل وضعه، والعامّ المخصوص [صح] (٣) كونه مجازًا من جهة أن ما بقي ليس موضوعه الأصلى، وكونه حقيقة من جهة أنه بَاقٍ على أصل وضعه، [ولم] (٤) ينقل نقلًا كلّيًّا فإنّ دلالة المشركين بعد إخراج بعضهم على مَنْ بقي منهم بأصل الوضع، وليست بوضعٍ ثَانٍ.
فإذا علم أن المراد بـ"المشركين" بعضهم، فقد تكلّم بها على غير ما وضعت له في الأصل في اللغة، وكانت مَجَازًا من هذا الجانب، وإذا نظر إلى بقاء بعض المسميات، وقد علم أن تناولها لما بقي حقيقة قبل ورود التَّخصيص، فليكن كذلك بعده؛ لأن تناول اللفظ إياها لم يتغير، وإنما وقع التغير في القدر المخصص.
وجعل المازري الخلاف ملتفتًا إلى أن دلالة العموم ظاهرة أو نص، ولأجل الالتفات إلى هذين الجانبين رأى الإمام كونه حقيقةً من جانب، ومجازًا من جانب، فرأى أن القدر المُزَال وقع به التجوّز، والقدر المبقي باقٍ على حقيقته.
قال المَازِرِيّ: وقد رُدَّ عليه بأن اللفظة الواحدة ليس لها جهتا حقيقة ومجاز، وأن الحقيقة والمجاز إنما يتصور في الكلم، والنطق دون العدم وما لم ينطق به.
قلت: وهذا ليس بشيء؛ فإن اللفظة الواحدة قد [تكون] (٥) حقيقة ومجازًا باعتبارين، فلفظ "العام المخصوص" حقيقة باعتبار، مجاز بآخر، وبه يندفع قوله: الحقيقة والمجاز إنما
стр. 1231
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يكونان من الكلم؛ فإنا لم نقل الحقيقة في غير الكلم حتى يقال هذا، بل الحقيقة والمجاز واقعان في لفظة واحدة، وهي لفظة العام المخصوص باعتبارين، والقدر المزال وقع به التجوّز في اللفط لا في الزائل حتى يتخيل أنا ادعينا مجازًا فيما ليس بمنطوق.
[وأما] (١) ردّ المصنف بأن دلالة العام ظاهرة، فالإمام يمنع ذلك، ويدعها نصًّا، وقد نقل ذلك عن الشَّافعي أيضًا.
ولا ينبغي أن يفهم من قول الإمام أنها كتكرار الآحاد مساواتها [لتكرر] (٢) الآحاد من كل وحه، بل من جِهَةِ النصوصية، ثُمّ النصوضية مختلفة، فقد وضح كلام الإمام، وأنه أيضًا ليس مذهب القائلين: إن العام المخصوص مجاز مطلقًا، كما توّهمه بعض الشارحين.
"فوائد"
الأولى: إذا كان اللَّفظ العام صيغة من صيغ الجموع، فقد صرّح الغزالي - واعترض - بدعْوى الاتِّفَاق على أنه مجاز إذا لم يبق بعد التَّخْصيص جمع.
وفيه نظر: فقد صرّح بحكاية الخلاف فيه الشيخ أبو حامد الإسفراييني، والقاضي أبو بكر وغيرهما من الأقدمين، وقالوا: يبقى في تناوله للواحد على الحقيقة، وهو اختيار الشيخ أبي حامد.
"الثانية"
إذا قال الله سبحانه ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة التوبة: الآية ٥] فقال النبي ﷺ في الحال: إلّا زيدًا، فهل هو تخصيص بمتصل أو [منفصل] (٣)؟.
قال الإمام الرازي: فيه احتمال.
وصرح القاضي بالخلاف فيه، وقال: الذي [نرتضيه] (٤) أنه ﷺ إن ابتدأ من تلقاء نفسه كلَامًا، ولم يضفه إلى كلام الله تعالى، فيلحق ذلك بالمنفصل، سواء قدر متصلًا أو منفصلًا.
стр. 1232
مَسْأَلَةٌ:
الْعَامُّ بَعْدَ الْتَّخْصِيصِ بِمُبَيِّنٍ - حُجَّةٌ.
وَقَالَ الْبَلْخِيُّ: إِنْ خُصَّ بِمُتَّصِلٍ.
وَقَالَ الْبَصْرِيُّ: إِنْ كَانَ الْعُمُومُ مُنْبِئًا عَنْهُ؛ كـ ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة التوبة: الآية ٥] وَإِلَّا فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ؛ كـ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [سورة المائدة: الآية ٣٨] فَإِنَّهُ لَا يُنْبِئُ عَنِ النِّصَابِ وَالْحِرْزِ.
"الثالثة"
لم يذكر الأصوليون التفرقة بين العام المَخْصُوص، والمراد به الخصوص، وقد اقتضى كلامُ الشَّافعي ﵁ الفرق بينهما في آية البيع وغيرها (١).
وللشيخ الإمام الوالد - رحمه الله تعالى - في الفرق بينهما كلام نفيس حكيته في "شرح المنهاج" حاصله:
أن المراد به الخصوص هو العام إذا أطلق، وأريد به بعض ما يتناوله، وهو لفظ مستعمل في بعض مدلوله، قال: والذي يظهر أنه مجاز قطعًا، والمَخْصُوص العام إذا أريد به معناه مخرجًا منه بعض أفراده، فالإرادة فيه إرادة الإخراج، وفي الأولى إرادة الاستعمال.
قال: ولا يشترط مقارنة هذه الإرادة لأول اللَّفظ، بخلاف تلك، والمخصوص هو محلّ الخلاف، وبالله التوفيق.
"مسألة"
الشرح: فرع عما تقدم جملة القول فيها: إن العام المخصوص إن قلنا: إنه حقيقة، احتج به في الباقي جزمًا، وإلَّا ففيه خلاف، والمحقّقون على الاحتجاج به أيضًا، ويجمع
عَبْدُ الْجَبَّارِ: إِنْ كَانَ غَيْرَ مُفْتقِرٍ إِلَى بيَانٍ، كَـ ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة التوبة: الآية ٥]؛ بِخِلَافِ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٤٣] فَإِنَّهُ مُفْتقِرٌ قَبْلَ إِخْرَاجِ الحَائِضِ.
وَقِيلَ: حُجَّةٌ فِي أقَلِّ الْجَمْعِ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: لَيْسَ بِحُجَّةٍ.
"وقال البَلْخِيّ": حجة (١) "إن خصّ بمتصل"، لا إن خصّ بمنفصل.
"وقال" أبو عبد الله "البصري (٢): "إن كان" لفظ "العموم مُنْبِئًا عنه" قبل التخصيص "كـ ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة التوبة: الآية ٥] "، فإنه ينبئ عن الحربي كما ينبئ عن الذمى سواء؛ فهو حجة، "وإلا فليس بحجة كـ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [سورة المائدة: الآية ٣٨]؛ فإنه لا ينبئ عن النصاب والحِرْز" إذا بطل العمل به عند انتفاء قدر النِّصَاب، وكونه مسروقًا من حِرْزٍ لم يعمل به عند وجودهما.
الشرح: وقال "عبد الجَبَّار: إن كان" قبل التخصيص "غير مفتقر إِلى بيان [كالمُشْركين] (٣) "، فإنه بيِّن في الذّمى قبل إخراجه فهو حجّة، "بخلاف ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٤٣] فإنه مفتقر" إلى البيان "قبل إخراج الخاصّ" من عموم اللفظ، ولذلك بيّنه النبي ﷺ وقال: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي".
"وقيل: حجة في أقل الجمع" من اثنين أو ثلاثة على الخلاف، لا فيما زاد.
"وقال أبو ثور (٤): ليس بحجّة" مطلقًا (٥).
وهذا الخلاف في المخصّص بمعين كما قيد المصنّف.
стр. 1235
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أما المخصّص بمبهم، فنقل جماعة الاتفاق على أنه لا يحتج به؛ لأن إخراج المجهول من المعلوم يصيِّر المعلوم مجهولًا، وهذا كما لو قال: بِعْتُكَ هذه الصُّبْرَة إلَّا صاعًا منها، لا يصحّ لذلك، وعلى هذا جرى ابن السَّمعَاني، وغيره من أئمتنا.
وقضية طريقة الإمام الرازي جريان الخِلَاف مع الإبهام، وبه صرح ابن بَرْهَان (١) من أئمتنا، وصحح العمل به والحالة هذه.
واعتلّ بأنا إذا نظرنا إلى فرد شككنا فيه هل هو من المخرج، والأصل عدمه، فيبقى على الأصل ويعمل به إلى أن لا يبقى فرد؟ وهذا منه تصريح بالإضراب عن التخصيص بالمُبْهم، والانسحاب على العمل بصورة العام كلها، المخصص وغيره، وهو نَاءٍ عن قواعد الشَّرْع، وترك لدليل المخصّص بلا موجب.
ويلزم عليه: أن من طلق إحدى امرأتيه يطؤهما جميعًا، أو اشتبه عليه إناء طاهر ونجس يستعملهما، ولا [يعلم] (٢) أحدًا من الأصحاب قال به.
ولو قيل: يحتج به إلى أن يبقى فرد، فلا يحتجّ به فيه، كان على ضعفه أوجه.
ونظير المسألة:
إذا اشتبه إناءان طاهر ونجس، فثلاثة أوجه:
الصّحيح: أنه لا يجوز استعمال أحدهما إلا بالاجتهاد، وظهور علامة يغلب على الظَّن طهارته، ونجاسة المتروك.
стр. 1236
لنَا: مَا سَبَقَ مِنِ اسْتِدْلَالِ الصَّحَابَةِ مَعَ التَّخْصِيصِ.
وَأَيْضًا: الْقَطْعُ بِأَنَّهُ إِذَا قَالَ: "أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ، وَلَا تُكْرِمْ فُلَانًا"، فَتَركَ - عُدَّ عَاصِيًا.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الأَصْلَ بَقَاؤُهُ.
وَاسْتُدِلَّ لَوْ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً، لَكَانَتْ دَلَالَتُهُ مَوْقُوفَةً عَلَى دَلَالَتِهِ عَلَى الآخَرِ، وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ؛ لأَنَّهُ إِنْ عُكِسَ - دَوْرٌ، وَإِلَّا فتَحَكُّمٌ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الدَّوْرَ إِنَّمَا يَلْزَمُ بِتَوَقُّفِ التَّقَدُّمِ، وَأَمَّا بِتَوَقُّفِ الْمَعِيَّةِ، فَلَا.
والثاني: يكفي ظنّ الطَّهارة بلا علامة.
والثالث: يستعمل أحدهما بلا اجتهاد ولا ظن.
ولو حلف لا يأكل هذه الثمرة، فاختلطت بثمر كثير، فأكله إلا ثمرة لم يحنث.
وإذا وطئ رجلان امرأة فأتت بولد، وأرضعت طفلًا بلبنه، ولم يثبت نَسَبُه، وأراد أن يتزوج بنت أحدهما، لم [يحلّ] (١) على الأصح.
وقيل: يحل أن يتزوج بنت من شاء منهما؛ لأن الأصل في كلّ واحدة الحلّ، فإذا حرمت الأخرى.
وقيل: تحلّ كل واحدة على الانفراد، ولا يجمع.
وقيل: يجوز الجمع.
قال المَاوَرْدِيّ. وهو الظاهر من كلام الشَّافعي.
قلت: وتجويز الجمع يشبه ما قال ابن برهان.
ولو وَكّل رجلين، ثم عزل أحدهما لا بعينه لم ينفذ تصرف واحد منهما على الأصح.
وقيل: ينفذ؛ لأن الأصل بقاء تصرفه.
الشرح: "لنا": على كونه حجّة إذا خصّ بمعين "ما سبق" في المسألة الثانية من باب
стр. 1237
قَالُوا: صَارَ مُجْمَلًا؛ لِتَعَدُّدِ مَجَازِهِ فِيمَا بَقِيَ وَفِي كُلٍّ مِنْهُ.
قُلْنَا: لِمَا بَقِي بِمَا تَقَدَّمَ.
أَقَلُّ الْجَمْعِ: هُوَ الْمُحَقَّق، وَمَا بَقِيَ مَشْكُوكٌ.
قُلْنَا: لَا شَكَّ مَعَ مَا تَقَدَّمَ.
العموم "من استدلال الصَّحابة" ﵃ بالعمومات "مع" دخول "التخصيص" عليها، وَتكَّرَّر ذلك، وشَاع بحيث لا ينكره إلا مباهت.
"وأيضًا: القطع فيما إذا قال" القائل: "أكرم بني تميم، ولا تكرم فلانًا، فترك" إكرام الكلّ "عُدَّ عاصيًا"، فدلّ على ظهوره في الباقي.
"وأيضًا: فإن" العام كان قبل التَّخصيص حجّة في الباقي، فيبقى بعد التخصيص كذلك؛ لأن "الأصل" فيما كان "بقاؤه" على ما كان.
"واستدل: لو لم يكن حجّة لكانت دلالته" على الباقي "موقوفة على دلالته على الآخر، واللازم باطل؛ لأنه إن عكس" اللازم بأن كانت دلالته على الآخر موقوفةً على دلالته على الباقي، فهو "دورٌ، وإلا فتحكم" أي: إن لم يعكس؛ لأنه ترجيح من غير مرجح.
"وأجيب: بأن الدّور إنما يلزم بتوقف التقدم" والبعدية كما في تقدم العلة على المعلول، والشرط على المشروط.
"وأما بتوقف المعية" كتوقف أحد المتضايفين على الآخر، "فلا" يلزم، أو يكون دَوْرًا ولكن غير [مستحيل] (١)؛ فإن المحال إنما هو الدور، السبقى كما إذا قال زيد: لا أدخل الدار حتى يدخل عمرو قبلى، وعكس عمرو.
أما إذا قال كل منهما: لا أدخل حتى يدخل الآخر، فهو الدور المَعِيّ، ولا استحالة فيه؛ لجواز دخولهما معًا، وهذا هو الموجود في دلالة العام.
الشرح: والمانعون "قالوا": حقيقته العموم وهي منفية، وسائر ما تحت العموم، من المراتب مجازاته، وإذا لم [ترد] (٢) الحقيقة، وتعدّدت المجازات "صار مجملًا؛ لتعدّد مجازه فيما بقي" منه جميعه، "وفي كل منه" فلا يكون حجّة في شيء مما بقي.
стр. 1238
مَسْأَلَةٌ:
جَوَابُ السَّائِلِ: غَيْرُ الْمُسْتَقِلِّ، دُونَه، تَابِعٌ لِلسُّؤَالِ فِي عُمُومِهِ اتِّفَاقًا، وَالْعَامُّ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ: بِسُؤَالِ مِثْلُ قَوْلِهِ ﵊ لَمَّا سُئِلَ عَنْ بِئْرِ بُضاعَةَ: "خَلَقَ اللهُ الْمَاءَ طَهُورًا لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلَّا مَا غَيَّرَ لَوْنَه، أَوْ طَعْمَه، أَوْ رِيحَهُ" - أَوْ بِغَيْرِ سُؤَالٍ؛ كمَا [لَوْ] رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ مرَّ بِشَاةِ مَيْمُونَةَ، فَقَالَ "أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ".
مُعْتَبَرٌ عُمُومُهُ عِنْدَ الأَكْثَرِ.
وَنُقِلَ عَنِ الشَّافِعِيِّ خِلَافُهُ.
"قلنا": إنما يكون مجملًا بتعدّد المجازات المتساوية.
أما إذا ترجّح بعضها [فيحمل] (١) عليه، والباقي كله مترجّح، فاللفظ إذن متعيّن؛ "لما بقي بما تقدّم" من إجماع الصَّحابة على أنه للباقي. واحتج مَنْ مذهبه "أقلّ [الجمع] (٢) "بأن ذلك "هو المتحقق" بعد التَّخصيص، "وما عداه مشكوك"، فيكون حجّة في المتيقّن.
"قلنا: لا شكّ مع ما تقدم" من الأدلّة الدَّالة على وجوب الحَمْلِ على الباقي كله، ثم إنا نسلم أن أقل الجمع متيقّن إن لم يجوز التخصيص إلى ما تحته، ومنهم من جوزه إلى الواحد مطلقًا.
"مسألة"
الشرح: "جواب السَّائل" عن سؤاله على قسمين: (٣)
الجواب "غير المستقل دونه"، وهو "تابع للسؤال في عمومه" وخصوصه "اتفاقًا" مثل: أينحنى بعضنا لبعض؟ قال: [لا] (٤) قال: أيصافح بعضنا بعضًا؟ قال: "نَعَمْ".
стр. 1239
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والجواب المستقلّ الوارد على سبب أضرب:
لأنه إما أن يكون أخصّ أو مساويًا أو أعم، فالأخص مثل: ما لو سئل عن قتل النساء الكَوَافر، فقيل: اقتلوا المُرْتَدّات، فيجب قتل المرتَدّات باللفظ دون غيرهن؛ لمفهوم دليل الخِطَاب؛ ولأنه لما عدل عن العامّ إلى الخاصّ دلّ على قصد المخالفة.
قال القاضي أبو الطَّيب: وهذا كما قال أصحابنا في قوله ﵇: "جُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَتُرْبَتُهَا طَهُورًا" (١) علق على اسم الأرض كونها مسجدًا، وعلى نوع منها كونه طهورًا، فَدلَّ على أنه قصد المخالفة [بين المسجد والطهور، خلاف قول أبي حنيفة: إن كل أرضٍ مسجدٌ وطهورٌ.
ومن ذلك احتجاج أصحابنا بقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [سورة الطلاق: الآية ٦]. فأوجب السُّكنى مطلقًا والنفقة بشرط الحمل (٢)؛ فدلّ على أنه قصد
стр. 1240
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المخالفة] (١) بينهما، وأن المبتُوتة الحائل لا نفقة لها.
قال الإمام الرَّازي وغيره: والجواب الأخصّ جائز بشرط أن يكون فيما خرج عن
стр. 1241
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
السؤال [ببينة] (١) على ما لم يخرج منه، وأن بكون السَّائل مجتهدًا أي فَهِمًا حاذقًا، وإلا لم تفد البينة، وألّا تفوت المصلحة [باشتغال] (٢) السَّائل بالسؤال، والمساوي لا إشكال فيه.
"والعام" الوارد "على سبب خاصّ"، وهو أيضًا ضربان:
لأنه إما "بسؤال"، وهو أيضًا ضربان:
لأنه إما أن يكون عامًّا فيما سئل عنه "مثل قوله ﷺ لما سئل عن بئر بُضَاعة: "خَلَقَ اللهُ المَاءَ طَهُورًا لَا يُنَجِّسُهُ إِلَّا مَا غَيَّرَ طَعْمَه، أَوْ لَوْنَه، أَوْ رِيحَهُ".
كذا وقع في الكتاب، وقد خلط حديثًا في حديث؛ فإن حديث بئر "بُضَاعَة" هو ما روى أبو سعيد الخدري ﵁ قال: قيل: يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر يُلْقَى فيها الحيض والنَّتن ولحوم الكلاب؟ فقال: "إنَّ المَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ" (٣). رواه أحمد، وأبو داود، الترمذي، النسائي.
وقال أحمد: صحيح، والترمذي: حسن، وهو كَافٍ في غرض المصنّف؛ فإنه عام على سبب بسؤال، وجديث: "إلَّا مَا غَيّر" هو ما رواه الدارقطني من قوله ﷺ : "إِنَّ المَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ إلَّا مَا غَيًرَ رِيحَهُ أَوْ طَعْمَهُ" (٤).
وروى ابن ماجه أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ المَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ إِلَّا مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ، وَطَعْمِهِ، وَلَوْنِهِ" ولا يعرف للون ذكر في غير ابن ماجه.
وقال الشافعي: هذا الحديث لا يُثبِتُ أهل الحديث مثله.
وقال أبو حاتم الرازي: الصحيح أنه مرسل.
وإما أن يكون عامًا في غير ما سئل عنه، كقوله ﵊ عن التوضّوء بماء البحر: "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ" وهو حديث صحيح، أخرجه أبو داود،
стр. 1242
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وصحّحه الترمذي، وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه، ورجّح ابن منده (١) أيضًا صحته.
"و (٢) بغير سؤال"، وهو قسمان:
أحدهما: أن تكون ثَمَّ قرينة دالّة على التعميم، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ في رجل سرق رداء صفوان (٣)؛ فإِن الإِتيان بالسَّارقة معه قرينة تدلّ على عدم الاقتصار على المعهود، وكقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [سورة النساء: الآية ٥٨] نزلت في عثمان بن طلحة (٤) أخذ مفتاح الكَعْبَة، وتغيب، وَأَبَى أن يدفعه إِلى النبي ﷺ ،
стр. 1243
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أو في عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللهُ وَجْهَه - أخذه من عثمان بن طلحة، وَأَبَى أن يدفعه إِليه على الخلاف في ذلك، فإِن العدول عن لفظ الإِفراد إِلى الجمع بقوله:"الأمَانات" قرينة تشعر بالتعميم.
والثَّاني: إلّا يكون ثَمَّ قرينة، كما لو روى أنه ﵇ مَرّ بشاة ميمونة، فقال: "أَيُّمَا إِهَابٍ دُبغَ فَقَدْ طَهُرَ" (١)، فإِنه على تقدير وقوعه لفظ عامٌ ورد على سبب خاصّ بغير سؤال.
وإِنما قلنا: على تقدير وقوعه، وكذا أثبت المصنّف لفظة [لو] (٢) بخطه؛ لأن ذلك لم يقع، والواقع إِنما هو مروره ﷺ بشاة ميمونة، فقال: "ألا اسْتَمْتَعْتُمْ بإِهَابِهَا"؟ - قالوا: يا رسول الله إِنها ميتة، قال حينئذ: "إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا". متفق على صحته من حديث ابن عباس.
وعنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِذَا دُبِغَ الإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ" لفظ مسلم، ولفظ أحمد والترمذي، وغيرهما: "أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ" كما ذكر المصنّف، والتمسّك به على التقدير الذي ذكرناه، وفي بعض نسخ "المختصر" حذف لفظة "لو" وليس بجيد؛ فإِثباتها حق كما عرفت، وإِياه فعل المصنّف.
إِذا عرفت هذا، فاللَّفظ العام "معتبر عمومه عند الأكثر، ونقل عن الشَّافعي" ومالك، وأبي ثور "خلافه" وممن نقله عن الشَّافعي إِمام الحرمين، والغزالي في "المنخول".
وقال بعض أصحابنا: إِنَّ الشَّافعي أشار إليه في خبر بئر "بضاعة"، وقال: قوله ﵇: "المَاءُ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ" مقصور على سببه.
وقال في قوله ﵇: "لا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ ولا كثر" (٣): إِنه خرج على عادة أهل "المدينة" في ثمارهم، وإِنها لم تكن في مواضع محطوطة.
стр. 1244
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وسائر الأصحاب قالوا: إِنما قال الشَّافعي هذا لأدلة دلّت عليها.
فأما إِذا لم يكن هناك دليل على التَّخصيص، فمذهبه إِجراء اللَّفْظ على التعميم، وهذا هو الأظهر في النَّقْل عنه، وقد حَرّره كذلك الإِمام الرازي في "المَنَاقب" وغيره، ولذلك قال في قوله ﵇ وقد سئل عمن ابْتَاعَ عبدًا، فاستعمله ثُمَّ وجد به عَيْبًا: "الخراج بالضمان" (١) أَنَّ قوله: "الخراج بالضمان" عام في هذا الموضع وغيره.
نعم، ذهب المزني، والقَفَّال، وأبو بكر الدَّقَّاق (٢) من أصحابنا إِلى أن اللفظ مقصور
стр. 1245
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على سببه، فلذلك نجد الخلاف في صورة فقهيّة مَثَارُهَا الاختلاف في هذا الأصل، والأصحُّ فيها الجَرَيَان على التعميم، مثل الاختلاف في العَرَايَا، هل يختص بالفقراء؟ أو يشترك فيها الأغنياء والفقراء، والصَّحيح التعميم مع ورودها على سبب خاصّ، وهو الحاجة.
وقال الأصحاب فيمن دخل عليه صديقه فقال: تَغَدَّ معي، فامتنع، فقال: إِن لم تتغد معي فامرأتي طالق، فلم يفعل، لا يقع الطَّلاق، ولو تغدّى بعد ذلك يومًا من الدهر انحلت اليمين، فإِنْ نَوَى الحال، فلم يفعل وقع.
ورأى: البَغَوي (١): حمل المطلق على الحال؛ للعادة.
وأفتى القاضي الحُسَين (٢): في امرأة صعدت بالمفتاح إِلى السطح، فقال زوجها: إِن لم تُلْقِي المفتاح، فأنت طالق، فلم تُلْقه ونزلت، أنه لا يقع.
ويحمل قوله: "إِن لم تلقه" على التأبيد، وأخذ ذلك ممَّا قاله الأصحاب في المسألة المذكورة.
وفي الرَّافعي عن كتاب "المبتدأ" للقاضي الرّوياني (٣) أنه لو قيل له: كَلِّمْ زيدًا، فقال: "والله لا كلمته" انعقدت اليمين على الأبد إِلّا أن ينوي اليوم، فإِن كان ذلك في طلاق، وقال: "أردت اليوم" لم يقبل في الحكم، وهذه الصّور كلها تشهد لأن العبرة بعموم اللفظ، وإِن اقتضت العادة من ذلك عدم استقلال الجَوَاب، فاعرف ذلك.
стр. 1246
لَنَا: اسْتِدْلالُ الصَّحَابَةِ ﵃ بِمِثْلِهِ؛ كَآيَةِ السَّرِقَةِ وَهِيَ فِي سَرِقَةِ المِجَنِّ أَوْ رِدَاءَ صَفْوانَ، وَآيَةِ الظِّهَارِ فِي سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ، وَآيَةِ اللِّعَانِ فِي هِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ أَوْ غَيْرِهِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ، وَالتَّمَسُّك، بِهِ.
قَالُوا: لَوْ كَانَ عَامًّا، لَجَازَ تَخْصِيصُ السَّبَبِ بِالاِجْتِهَادِ.
قال [المازري] (١): ولو خرجت - يعني مسألة أنه هل العِبْرَةُ بعموم اللَّفظ، أو بخصوص السَّبب - على الاختلاف في الألف واللام، هل تقتضي الصيغ الَّتي دخلت عليها العموم، ويكون المراد الإِشارة إِلى الجنس، أو تكون محمولة على العَهْدِ - لكان لائقًا، فمن يقصر اللَّفظ على سببه يجعلها للعهد، ومن يعممه لا يفعل ذلك؟.
قلت: وقد ينازع المعمّمون في أنّ السَّبب هل يصلح أن يكون عهدًا؟ ويقولون: المعهود هو ما لم يختصّ بسائل أو بواقعة، مثل: الطعام في قوله ﵇: "الطَّعَامُ بِالطَّعَام"؛ فإِنهم كانوا يعهدونه على طعام خاصّ، فهل يحمل الألف واللام عليه أو يجرى على عمومها؟ هذا موضع الخلاف.
ويتجه فيه القول بالحمل على المعهود اتجاهًا لا يتهيأ مثله هنا في قصر اللفظ على سببه؛ لأنه لما كان هو المعهود، صار اللَّفظ كأنه موضوع له، وإليه ينصرف الذِّهْن دون غيره عند سماع اللفظ.
الشرح: - "لنا": على أن العِبْرَةَ بعموم اللَّفظ لا بخصوص السبب "استدلال الصَّحابة بمثله" في العمومات الواردة على أسباب خاصّة "السرقة وهي" واردة "في سرقة المِجَنّ، أو"
стр. 1247
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في "رِدَاء صفوان" كذا ذكر المصنّف، والمحفوظ أنه ﷺ "قطع في مِجَنّ قيمته ثلاثة دَرَاهم" (١) متّفق على صحّته، رواه الجماعة السّتة من حديث ابن عمر.
وفي حديث صفوان بن أمية قال: كنت نائمًا في المسجد على خميصة لي فسرقت، فأخذنا السارق فرفعناه إِلى رسول الله ﷺ ، فأمر بقطعه، فقلت: يا رسول الله أفي خميصة ثمن ثلاثين درهمًا؟ أنا أهبها له، أو أبيعها له، قال: "فَهَلَّا كَانَ قَبْلَ أَنْ تأْتِيَنِي بِهِ؟ " رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والنسائي.
وفي رواية أحمد والنسائي: فقطعه رسول الله ﷺ ، وليس في الحديثين أن سبب نزول الآية كان ذلك، و"آية [الظّهار] (٢) في سلمة بن صخر" (٣) كذا ذكر المصنّف، وحديث سلمة بن صخر [فإِنه] (٤) ظاهر من امرأته. رواه أبو داود والترمذي وحَسّنه، وابن ماجه، ولكن ليس هو سبب نزول الآية، إِنما سبب نزولها أوس بن الصَّامت (٥) ومُظَاهرته من زوجته
стр. 1248
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
خولة بنت مالك بن ثعلبة (١)، ومجيئها إِلى رسول الله ﷺ تشتكي إِليه، ووقوع، المُجَادلة فنزل ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ [سورة المجادلة: الآية ١] الآية. رواه أحمد، وأبو داود (٢)، ورواه البخاري تعليقًا.
"وآية اللِّعان في هلال بن أمية (٣) أو غيره" فقد روى البُخَاري، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه من حديث ابن عباس أن "هلال بن أمية" قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سَحْمَاءَ (٤). فقال النبي ﷺ : "البَيِّنَةُ أَوْ حَدٌ فِي .........................
стр. 1249
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ظَهْرِكَ" (١) فقال: يا رسول الله: إِذا رأى أحدنا على امرأته رَجُلًا ينطلق يلتمس البَيِّنَة؟! فجعل رسول الله ﷺ يقول: "البَيِّنَةُ وإِلَّا حَدٌّ في ظَهْرِكَ" فقال هلال: والذي بعثك بالحق إِني لصادق، ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحَدّ، فنزل جبريل ﵇ وأنزل عليه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [سورة النور: الآية ٦] الحديث رواه مسلم، والنسائي [من] (٢) حديث أنس، وفيه: "فكان أول رجل لاعن في الإِسلام".
وعن سهل بن سعد أن عويمرًا العِجْلاني (٣) أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيت رجلًا وجد مع امرأته رَجُلًا أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل؟ فقال رسول الله ﷺ : "قَدْ أُنْزِلَ فِيكَ وَفِي صَاحبَتِكَ، فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا" قال سهل: فَتَلاعَنَا وأنا مع الناس عند رسول الله ﷺ الحديث رواه البخاري ومسلم (٤).
وأحاديث كثيرة استدلّت الصحابة ﵃ بعمومها مع قطع النظر عن أسبابها.
стр. 1250
وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ اخْتُصَّ بِالْمَنع؛ لِلْقَطْعِ بِدُخُولهِ؛ عَلَى أَن أَبَا "حَنِيفَةَ ﵀ أَخْرَجَ الأَمَةَ المُسْتَفْرَشَةَ مِنْ عُمُومِ "الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ"؛ فَلَمْ يُلْحِقْ وَلَدَهَا مَعَ وُرُودِهِ فِي وَلَدِ زَمْعَةَ.
وَقَدْ قَال عَبْدُ اللهِ بْنُ زَمْعَةَ: هُوَ أَخِي وَابْنُ وَليدَةِ أَبِي؛ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ.
قَالُوا: لَوْ عَمَّ لَمْ يَكُنْ فِي نَقْلِ السَّبَبِ فَائِدَةٌ.
"وأيضًا"، فإِن اللفظ عام والتمسّك به" لا بغيره، فلا اعتبار بخصوص السبب؛ لعدم صلاحيته معارضًا.
والذاهبون إِلى القصر "قالوا: لو كان عامًا" لتساوى السَّبب مع بقية الأفراد، ولو كان ذلك "لجاز تخصيص السَّبب بالاجتهاد" كغيره من الصُّور، وهو لا يجوز كما نقل القاضي وغيرهُ الإِجماع فيه.
الشرح: "وأجيب بأنه" لا يلزم من دخولهما تحت اللَّفْظ الواحد تساويهما، بل قد يكون دخول أحدهما قَطْعيًّا، والآخر ظنّيًّا، وهو الواقع، ولذلك "اختص" السَّبب "بالمنع؛ للقطع بدخوله، على أن" ما نقل من الإِجماع لا يثبت، بدليل أن "أبا حنيفة" جوَّز إِخراجه؛ لأنه "أخرج (١) الأَمة المُسْتَفْرشة من عموم" قوله ﷺ : "الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ" (٢)، فلم يلحق ولدها
стр. 1251
قُلْنَا: فَائِدَتُهُ: مَنْعُ تَخْصِيصِهِ، وَمَعْرِفَةُ الأَسْبَابِ.
قَالُوا: لَوْ قَالَ: "تَغَدَّ عِنْدِي"، فَقَالَ: "وَاللهِ، لا تَغَدَّيْتُ" - لَمْ يَعُمَّ.
قُلْنَا: لِعُرْفٍ خَاصٍّ.
قَالُوا: لَوْ عَمَّ لَمْ يَكُنْ مطَابِقًا.
قُلْنَا: طَابَقَ، وَزَادَ.
قَالُوا: لَوْ عَمَّ، لَكَانَ حُكْمًا بِأَحَدِ المَجَازَاتِ بِالتَّحَكُّمِ؛ لِفَواتِ الظُّهُورِ بِالنُّصُوصِيَّةِ.
مع وروده في ولد زَمْعَةَ"، وهو ولد أمَةِ مستفرشة، "وقد قال عبد بن زمعة (١): "هو أخي وابن وليدة أبي، ولد على فراشه".
ووقع بخط المصنّف: "عبد الله"، وإِنما هو "عَبْد" غير مضاف.
روى البخاري، ومسلم، وأحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، من حديث عائشة ﵂ قالت: اختصم سعد بن أبي وَقَّاص (٢)، وعبد بن زمعة إِلى رسول الله ﷺ في غلامٍ فقال سعد: يا رسول الله ابن أخي عتبة بن أبي وَقَّاص، عهد إِليّ أنه ابنه أُنظر إِلى شبهه، وقال عبد بن زمعة: هذا أخي يا رسول الله، ولد على فِرَاشِ أبي، فنظر رسول الله ﷺ إِلى شبهه، فرأى شبهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ فقال: "هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ، الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَللْعَاهِرِ الحَجَرُ" الحديث.
"قالوا: لو عَمَّ لم يكن في نقل السَّبب فائدة"، وقد بالغ الحُفَّاظ في تدوينه وحفظه.
الشرح: "قلنا: فائدته منع .............................
стр. 1252
قُلْنَا: النَّصُّ خَارِجِيٌّ بِقَرِينَةٍ.
تخصيصه" (١) بالاجتهاد عند من يمنعه، وهم جمهور الأُمَّة، "ومعرفة الأسباب".
"قالوا: لو قال تَغَدَّ عندي، فقال: والله لا تغديت، لم يعم"، وكان مقصورًا على سببه حتى لو تغدَّى لا معه، لم يحنث بالاتفاق.
"قلنا" أولًا: قال ابنُ السَّمْعَاني: لا نعرف أن المسألة على مذهب الشَّافعي على ما قالوه.
وثانيًا: أن الأَيمان تحمل على العادة لا حقيقة اللفظ، فإِنما لم يعم "لعرفٍ خاصّ"، والتخلف لمانع لا يقدح.
"قالوا: لو عَمَّ لم يكن مطابقًا" للسؤال.
"قلنا": إِنْ أردتم بالمطابقة أن يستوعب السؤال، ولا يغادر منه شيئًا، فمسلم، والأعمُّ يحصل فيه ذلك، فقد "طابق وزاد"، وإِن أردتم اختصاص الجواب بالسؤال، فلا نسلّم اشتراط المُطَابقة بهذا المعنى؛ فقد يريد المجيب ما لم يسأل عنه السائل؛ ألا ترى أن الله تعالى سأل موسى ﵇ عما في يمينه، فقال: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ
стр. 1253
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [سورة طه: الآية ١٧، ١٨].
فأجاب عما سأل وزاد، ولذلك قال النبيّ ﷺ حين سئل عَن التوضؤ بماء البحر: "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ".
وكذلك قوله ﷺ وقد سألته امرأة عن طفل على يدها: ألهذا حجّ (١)؟ قال: "نَعَمْ، وَلَكِ أجْرٌ".
"قالوا: لو عَمَّ" الوارد على سبب "لكان" العموم مستلزمًا "حكمًا بأحد المجازات بالتحكّم".
وبيان الملازمة: أنا تجزم حينئذ بأن صورة السَّبب مرادة، ولكن أحد مجازات العام؛ لأن كلّ بعض منه مجاز، فيلزم الحكم بأحد المَجَازات بالتحكُّم؛ لأن نسبة العموم إِلى جميع الصُّور المندرجة تحته متساوية، وهو ظاهر بالنِّسْبة إِليها، فالقطع في بعضها تحكّم ومخرج لقضية العموم "لفوات الظهور بالنصوصية".
"قلنا: النص خارجي" عن مدلول العام "بقرينة"، وهي ورود الخطاب ثانيًا لذلك البعض؛ فتثبت الأولوية من خارج، ولا بدع في هذا.
"فوائد"
الأولى: استدل إِمام الحرمين على أن الشَّافعي يقول بخصوص السبب بأنه لم يجعل قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٤٥] الآية حاصرًا للمحرمات في هذه الأشياء قال:
لورود الآية في الكُفَّار الذين يحلون الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أُهِلَّ لغير الله به، ويتحرّجون عن كثير من مباحات الشرع، فكانت سَجِيّتهم تخالف وضع الشَّرع وتضادّه، فكان الغرض منه إِبانة كونهم على مُضَادّة الحق، فكأنه تعالى قال: "لا حرام إِلا ما أحللتموه".
стр. 1254
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والقصد الرد عليهم فقط، قال:
ولولا سبق الشَّافعي إِلى ذلك لما كنا نستجيز مخالفة مالك في مصيره إِلى حصر المحرّمات فيما ذكر الله تعالى في هذه الآيات، ثم ذكر ما ينقل عن أبي حنيفة من تجويزه إِخراج صورة السَّبب بالاجتهاد، ثم أغلظ القول عليه في ذلك، وعلى مالك في تحليله ما وراء المذكور في الآيات ممَّا لا نطيل به.
ورد عليه المَازِريّ ثم ابن الأنباري (١) بما لا يرضاه لنفسه محقّق، وهما شيخان قد أفرطا في مُخَاطبة الإِمام، ولو تتبع المتتبع كلماتها لألفاها منقوضة العرى منبوذة بالقرى.
ومما يدلّ على تعصبهما ما ذكراه في مسألة علم الله سبحانه بالجُزْئيات، وما نسباه إِلى إِمام الحرمين ممَّا هو برئ منه من غير تأمّل كلامه.
"الثانية"
قال أبي ﵀: إِنما يكون دخول صورة السَّبب قطعيا إِذا ذكر الدليل على دخولها وضعًا تحت اللَّفظ العام، وإِلا فقد ينازع فيه الخَصْم، ويدعى أنه قد يقصد المتكلّم بـ "العام" إِخراج السبب، فالمقطوع به إِنما هو بيان حكم السبب، وهو حاصل مع كونه خارجًا، كما يحصل بدخوله مخروجه، ولا دليل على تعيين واحد من الأمرين.
فللحنفية أن يقولوا في حديث عبد بن زَمْعَةَ أن قوله ﷺ : "الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ" وإِن كان واردًا في أَمةٍ فهو واردٌ لبيان حكم ذلك الولد، وبيان حكمه إِما بالثبوت أو بالانتفاء.
فإِذا ثبت أن الفراش هي الزوجة؛ لأنها الذي يتّخذ لها الفراش غالبًا، وقال: الولد للفراش كان فيه حصر أن الولد للحرّة، وبمقتضى ذلك لا يكون للأَمَةِ، فكان فيه بيان
стр. 1255
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحكمين جميعًا: نفى النّسب عن السبب، وإِثباته لغيره، ولا تليق دعوى القَطْع هنا، وذلك من جهة اللَّفظ.
وهذا في الحقيقة نزاع في أن اسم الفراش هل هو موضوع للحرة والأمة الموطوءة أو للحرة فقط؟.
فالحنفية يدعون الثَّاني، فلا عموم عندهم له في الأَمة، فتخرج المسألة من باب أن العبرة بعموم اللفظ، أو بخصوص السّبب.
نعم: قوله ﷺ في حديث عبد: "هُوَ لَكَ يَا عَبْد، وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ" بهذا التركيب يقتضى أنه ألحقه به على حكم السبب، فيلزم أن يكون مرادًا من قوله: "الفِرَاش". (١)
قال: ولا يقال: إِنَّ الكلام إِنما هو حيث يتحقّق دخوله في اللَّفظ العام وضعًا؛ لأنا نقول: قد يتوّهم أن كون اللَّفظ جوابًا لسؤال يقتضي دخوله، فأردنا أن ننبه على أن الأمْر ليس كذلك، والمقطوع به أنه لا بد من بيان حكم السّبب.
وأما خصوص دخوله أو خروجه فلا.
"الثَّالثة"
جميع ما تقدم في السّبب، وبقية الأفراد الَّتي دلّ اللفظ العام بالوضع عليها، وبين ذينك السَّببين من رُتْبة متوسّطة، فنقول: قد تنزل الآيات على الأسباب الخاصّة، وتوضع كلّ واحدة منها مع ما يناسبها من الآي؛ رِعَايَةً لنظم القرآن وحسن اتِّسَاقه، فذلك الذي وضعت معه الآيةُ النازلة على سبب خاصّ للمناسبة، إِذا كان مسوقًا لما نزل في معنى يدخل تحت ذلك اللفظ العام، أو كان من جملة الأفراد الداخلة وضعًا تحت اللفظ العام، فدلالة اللفظ عليه قوية.
ويحتمل أن يقال: قطعية، ويجعل كالسَّبب، فلا يخرج بالاجتهاد.
стр. 1256
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويحتمل أن يقال: إِنه لا ينتهي في القوة إِلى ذلك؛ لأنه قد يراد غيره، وتكون المناسبة لشبهه به.
والحق أنه رتبة متوسطة دون السَّبب وفوق العموم المجرد.
ومثاله قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [سورة النساء: الآية ٥٨]؛ فإِن مناسبتها للآية الَّتي قبلها وهي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [سورة النساء: الآية ٥١] أن ذلك إِشارة إِلى كعب بن الأشرف (١)، كان قدم "مكة" وشاهد قتلى "بدر" وحرَّض الكُفَّار على الأخذ بثأرهم، وغزو النبيّ ﷺ ، فسألوه: من أهدى سبيلًا النبيّ ﷺ أو هم؟ فقال: أنتم؛ كَذِبًا منه وضلالة، فتلك الآية في حقه وحق من يشاركه في تلك المَقَالَةِ، وهم أهل كتاب يجدون في كتابهم نعت النبيّ ﷺ وصفته، وقد أُخِذَتْ عليهم المواثيق ألَّا يكتموا ذلك، وأن ينصروه، وكانت أمانةً لازمةً لهم، فلم يؤدّوها، وخانوا فيها، وذلك مناسب لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [سورة النساء: الآية ٥٨].
"الرابعة"
سأل - أبي ﵁ عن قولهم: "إِنّ السبب داخل قَطْعًا"، أنه قبل نزول الآية، والحكم إِنما يثبت من حين نزول الآية، فكيف يَنْعَطِفُ على ما مضى؟.
وقد أجمعت الأمة على أنّ أوس بن الصَّامت شمله الظهار، وأمثاله من الأسباب، وهذا إِشكال يجري في كلّ وارد على سبب.
стр. 1257
مَسْأَلَةٌ:
الْمُشْتَرَكُ يَصِحُّ إِطْلاقُهُ عَلَى مَعْنَيَيْهِ مَجَازًا لا حَقِيقَةً وَكَذَلِكَ مَدْلُولا الْحَقِيقَةِ؛ وَالْمَجازِ.
وَعنِ الْقَاضِي وَالْمُعْتَزِلَةِ: يَصِحُّ حَقِيقَةً؛ إِنْ صَحَّ الْجَمْعُ.
ويخص آية الظهار واللعان إِشكال آخر، وهو أن "الذين" في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [سورة المجادلة: الآية ٣] مبتدأ، وخبره "فتحرير" أي [أو] (١): فكفارتهم تحرير، وجاز حذف ذلك لدلالة الكلام عليه، وجاز دخول الفاء في الخبر؛ لتضمّن المبتدأ معنى الشرط، وتضمّن الخبر معنى الجزاء، فإِذا أريد التَّنصيص على أن الخبر مستحقّ بالصلة، دخلت الفاء حتمًا للدلالة على ذلك، وإِذا لم تدخل احتمل أن يكون مستحقًّا به، أو بغيره، كما لو قيل: الذين يظاهرون عليهم تحرير رقبة، وإِن كنا نقول: إِنَّ ترتيب الحكم على الوصف مشعرٌ بالعلّية، ولكن ليس بنصّ، ودخول الفاء نص.
وإِذا عرفت هذا، فالآية لا تشمل إِلَّا من وُجِد منه الظِّهَار بعد نزولها؛ لأن معنى الشرط مستقبل، فلا يدخل فيه الماضي، وقد أوجب النبيّ ﷺ الكَفَّارة على أوس بن الصَّامت، وذلك لا شَكّ فيه من جهة أنه السَّبب، إِلا أن هذا الإِشكال يَعْتَوره.
ثم أجاب عنه فقال: أما إِثبات أحكام هذه الآيات لمن وجد منه السَّبب قبل نزولها، فنقول: إِن السرقة والزنا ونحوهما من الأفعال الَّتي كانت معلومة التحريم عندهم، ووجوب الحَدّ فيها لا يتوّقف على العلم، والفاعل لها قبل نزول الآية إِذا كان هو السَّبب في نزولها في حكم المُقَارن لها؛ لأنها نزلت مثبتة لحكمه، فلذلك ثبتت حكمها فيه دون غيره ممن تقدمه.
وأما دخول "الفاء" في الخبر فيستدعى العُمُوم في كلّ من يتظهر من امرأته مثلًا، وذلك يشمل الحاضر والمستقبل، وسبب النُّزول حاضر، أو في حكم الحاضر، وأما دلالة الفاء على الاختصاص بالمستقبل، فقد يمنع.
"مسألة"
الشرح: معروفة بالشَّافعية: "المشترك يصح إِطلاقه على" كُلّ واحد من "معنييه" بمفرده، وذلك حقيقة بلا نظر؛ لأنه لفظ مستعمل فيما وضع له أولًا.
стр. 1258
وَعَنِ الشَّافِعِيِّ -: ﵀ ظَاهِرٌ فِيهِمَا؛ عِنْدَ تَجَرُّدِ الْقَرَائِنِ كَالْعَامِّ.
وأما إِطلاقه على معنييه معًا فصحيح، لكن "مجازًا لا حقيقة"، وبه قال إِمام الحرمين "وكذلك مدلولا الحقيقة والمجاز" كآية المُلامَسَةِ، ومنعه القاضي (١).
وكذا المجازان معًا.
"وعن القاضي والمعتزلة: يصح" إِطْلاق المشترك على معنييه "حقيقة إِن صحّ الجمع" بينهما، سواء أكان جمعًا في أصل الفعل، وإِن لم يصحّ اجتماعهما بأنفسهما، كما لو قال: اعتدى بالقُرْء، وأراد مجموع الطُّهر والحَيْض، أو جمعًا فيه مع صحة الاجتماع كما لو قال: انظر العين، وأراد الشمس والذهب، لا إِن لم يصح، كاستعمال صيغة "افعل" مرادًا بها الأمر والتهديد.
ولقائل أن يقول: لا حاجة إِلى قوله: إِن صَحّ الجمع فإِنّ الكلام إِنما هو حيث صَحّ.
الشرح: "وعن الشَّافعي: ظاهر فيهما عند تجرُّد القرائن"، فيحمل عليها، ثُمَّ اختلف عليه، فطريقة الإِمام أنه إِنما حمله عليهما احتياطًا.
وطريقة إِمام الحرمين، والغزالي، والآمدي، والمصنّف أنه عنده "كالعام" أي: حكمًا، وإِلا فليس هو نفس العام؛ فإِنَّ العام غير مختلف الحقيقة، وهذا مختلف الحقيقة، والعامّ يحمل على جميع الأفراد، بخلاف هذا، وإِنما شابه العَامّ من حيث شموله متعدّدًا، وأنه يحمل على النَّوعين، كما إِذا قال: ائتنى بعين، يحمل على البَاصِرَةِ والجارية إِذا لم تقم قرينة تدلّ على التعيين، ولا تعم أفراد النوعين، فافهم ذلك.
فإِن قلت: ثم يتفصّل مذهب الشَّافعي رأى القاضي.
قلت: القاضي يقول: إِنه يصحّ إِطلاقه على كلّ منهما على حدته حقيقة، وعلى مجموعهما كذلك، ويقول: إِن الوضع لكلّ منهما يفيد ذلك، والشَّافعي يقول ذلك، ثم يزيد فيقول: وإذا تجرّد عن القرائن كان في المجموع أظهر، فحينئذ المشترك بلا قرينةٍ عند القاضي مجمل، عند الشَّافعي ظاهر في الجميع على ما نقل المصنّف؛ ولذلك ذكره في باب العموم، وعلى ما نقل غيره عندهما مجمل، ولكن يزيد الشَّافعي بأن يحمل على معنييه
стр. 1259
أَبُو الْحُسَيْنِ وَالْغَزَّالِيُّ: يَصِحُّ أَنْ يُرَادَا، لا أَنّهُ لُغَةٌ.
وَقِيلَ: لا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَا.
وَقِيلَ: يَجُوزُ فِي النَّفْي لا الإِثْبَاتِ، وَالأَكْثَرُ: أَنَّ جَمْعَهُ بِاعْتِبَارِ مَعْنَيَيْهِ - مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ.
لَنَا فِي الْمُشْتَركِ: أَنَّهُ يَسْبِقُ أَحَدُهُمَا، فَإِذَا أُطْلِقَ عَلَيْهِمَا، كَانَ مَجَازًا.
احتياطًا، ونقل عن القاضي أيضًا.
قلت: وتظهر فائدة التردّد في كونه مجملًا، أو عامًا فيما إِذا وقف على مواليه، وليس له موالٍ إِلَّا من أعلى أو من أسفل.
قال الرافعي: فالوقف عليه.
قال الشيخ الإِمام الوالد ﵀: هذا إِن جعلناه مجملًا؛ فإِن انحصار الأمر في إِحدى الجهتين يكون قرينةً.
وأما إِن قلنا: إِنه عام أو كالعام، فإِذا حدث له يعد ذلك موالٍ من الجهة الأخرى يدخلون في الوَقْفِ، كما لو وقف على أولاده، وله أولاد، ثم حدث آخر يشاركهم.
الشرح: وقال "أبو الحسين، والغزالي"، والإِمام: "يصح أن يراد" من اللَّفظ المشترك، وذي الحقيقة والمجاز - المعنيان "لا أنه لغة"؛ فإِن اللّغة مانعة منه.
والحاصل: أنهما يقولان: العَقلُ لا يمنعه، وإِنما اللُّغة تمنعه.
وقيل: بل "لا يصح (١) أن يرادا".
"وقيل: يجوز في النَّفي لا الإِثبات، والأكثر: أن جمعه باعتبار معنييه"، مثل:
стр. 1260
النَّافِي لِلصِّحَّةِ: لَوْ كَانَ الْمَجْمُوعُ حَقِيقَةً لَكَانَ مُريدًا أَحَدَهُمَاخَاصَّةً غَيْرَ مُرِيدٍ؛ وَهُوَ مُحَالٌ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْمُرَادَ الْمَدْلُولانِ مَعًا لا بَقَاؤُهُ لِكُلٍّ مُفْرَدًا.
وَأَمَّا الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ فَاسْتِعْمَالُهُ لَهُمَا اسْتِعْمَالٌ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا، وَهُوَ مَعْنَى الْمَجَازِ لِكُلٍّ مُفْرَدًا.
"عيون" إِذا أراد بها "الباصرة"، والشمس والذهب والجارية، "مبنى عليه"، أي: على الخلاف في المفرد، فإِن جاز سَاغَ، وإِلا فلا.
وقيل: بل يجوز وإِن لم يجز المفرد.
"لنا: في "صحة إِطلاق "المشترك" مجازًا: "أنه يسبق" إِلى الفهم عند الإِطلاق "أحدهما" على البَدَلِ دون الجمع، وهو علامة الحقيقة، "فإِذا أطلق عليهما كان مجازًا".
ولقائل أن يقول: ليس عدم سَبْق الفهم عَلامَةَ المجاز حتى يلزم كونه مجازًا، وأيضًا: لا نسلم أن الفهم لا يسبق إِليهما جميعًا.
سلّمنا ولكن هذا إِن ثبت كونه مجازًا، فلا يبقى وجوب الحَمْلِ عليهما بالاحتياط.
وأيضًا: يلزم كون العَيْن مجازًا، وقد فرَّ المصنّف منه في أوائل الكتاب.
الشرح: قوله: "النَّافي للصّحة: لو كان المجموع حقيقة لكان مريدًا أحدهما خاصة غير مريد؛ وهو محال".
ظاهره يشعر بأنه دليل لمن ذهب مذهب المصنّف من نفي الحقيقة بقوله: لو كان المجموع حقيقةً، ولكن ليس مراده سيدفعه، ونحن نقرره تقريرًا يأتي بالمراد، ولا ينافي اللفظ فنقول:
احتجَّ من نفي الصِّحة لمعنييه مطلقًا، وقال: كما لا يجوز أن يراد بـ "المؤمنين" المؤمنون والمشركون، لا يصح إِرادة المعنيين باللفظ المشترك بأن إِرادة كلّ واحدة منهما، مستلزمة لعدم إِرادة الآخر، فيلزم كونهما مرادين غير مرادين؛ وهو محال.
وبيان ذلك: أنه لو صَحّ إِطلاقه لهما لكان بالحقيقة؛ لأن الأصل في الإِطلاق الحقيقة، ولأنه لا مانع إِلَّا التناقض المحال، ونسبته إِلى الحقيقة والمجاز واحدة، فإِذا لم يمنع كون اللفظ مجازًا لم يمنع كونه حقيقة، ولو كان حقيقة لكان مريدًا أحدهما خاصّة غير
стр. 1261
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مريد له خاصّة؛ لأنه يكون والحالة هذه موضوعًا للمعنيين معًا، ولكل منهما بمفرده، وإِذا كان موضوعًا لكل منهما بِقَيْدِ الوحدة. لزم ذلك؛ لأن من استعمله بالمجموع فقد أراد كلًّا منهما، وإِرادة كلّ منهما بحسب الوضع، والوضع للوحدة، وإِرادة الوحدة وأن لا وحدة متناقض.
وهذا تطويل من المصنّف، ولا حاجة به إِلى توسّط الحقيقة، فلو قال: "لو صحّ الإِطلاق، سواء أكان بالحقيقة أو المجاز، لزم كونه مريدًا أحدهما غير مريد" حصل على المراد.
"وأجيب: بأن المراد المدلولان معًا"؛ إِذ اللَّفْظ ليس موضوعًا للمفردين على البدل، بحيث إِذا أريد أحدهما لم تصح إِرادة الآخر، "لا" أن المراد "بقاؤه" أي: بقاء اللَّفظ المشترك "لكل" من المعنيين في حال كونه "مفردًا" خاصًّا به، وكذا وقع: "مفردًا" بخط المصنّف.
والحاصل: أن من أحال إِرادة المعنيين باللَّفظ الواحد زعمه موضوعًا لكل منهما على البدل، فلزم عنده من كونهما مرادين كونهما غير مرادين.
ومن جوَّزه قال: هو موضوع لكلّ منهما لا بِقَيْد، والإِفراد وعدمه قَيْدٌ للاستعمال لا للمستعمل فيه، فيتواردان على الاستعمال، والمعنى المستعمل فيه بحاله، فالعين مثلًا موضوعة للباصرة مع قطع (١) النظر عن الجارية، وللجارية مع قطع النَّظر عن الباصرة، ولفظها تارة يستعمل في هذا من غير استعمال في الآخر، وتارة مع استعماله فيه، والواضع وضع اللَّفظ للمعنى المستعمل فيه في الحالين؛ فظهر صحّته، وأنه حقيقة كما هو رأي ذي اللُّغة [الفصحى] (٢) محمد بن إِدريس ﵁.
"وأما الحقيقة والمجاز فاستعماله" أي اللَّفظ المشترك "لهما استعمال" له "في غير ما وضع له أولًا، وهو معنى المجاز"؛ إِذ هو لم يوضع أولًا إِلا للحقيقة فقط، فدلّ على أن استعماله لهما مجاز، وأنه [سائغ] (٣).
стр. 1262
النَّافِي لِلصِّحَّةِ: لَوْ صحَّ لَهُمَا لَكَانَ مُرِيدًا مَا وُضِعَتْ لَهُ أَوَّلًا غَيْرَ مُرِيدٍ؛ وَهُوَ مُحَالٌ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ مُرِيدٌ مَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا وَثَانِيًا بِوَضْعٍ مَجَازِيٍّ.
الشَّافِعِيُّ ﵀: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ ...........
وأنا لا أحفظ أحدًا قال: إِن استعماله لهما حقيقة، بل النَّاس بين مانع لذلك، ومجوِّز له على سبيل المجاز.
وقد يقال: إِذا استعملت اللَّفظة في حقيقتها ومجازها، فهي حقيقة (١) ومجاز بالاعتبارين، وهذا ما يظهر عند التَّحقيق، ويجري على أسلوب الشَّافعي ﵁ وهو قضية كلام ابن السَّمْعَاني وغيره من المُحَقِّقين.
وفي بعض النسخ: "وأما الحقيقة والمجاز فلنا" أي على صحته مجازًا "قوله: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [سورة النمل: الآية ٦٥] ". وهذا ليس في نسخة المصنّف.
الشرح: واحتج "النَّافي للصحّة" صحّة إِطلاق اللَّفظ وإِرادة حقيقته ومجازه بأنه "لو صح لهما لكان" المستعمل "مريدًا" بالصيغة "ما وضعت له أولًا" من حيث إِرادة الحقيقة "غير مريدٍ" له من حيث إِرادة المجاز؛ "وهو محال".
"وأجيب: بأنه مريد ما وضع له أولًا وثانيًا بوضعٍ مجازي"؛ إِذ هو قد أراد المجموع والموضوع أولًا بعضه، فلم يلزم كونه غير مريد.
وأشار بقوله: "بوضع مجازي" إِلى مذهبه في أنّ الملفظ المراد به مجموع الحقيقة والمجاز مجاز، والمختار عندنا ماعرفت من أنه حقيقة ومجاز باعتبارين.
الشرح: واحتجّ "الشَّافعي"، ﵁ على ظهور المشترك في معنييه بآيتين:
إِحداهما: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ
стр. 1263
السَّمَاوَاتِ﴾ [سورة الحج: الآية ١٨]، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ [عَلَى النَّبِيِّ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٥٦]، وَهِيَ مِنَ اللَّهِ رَحْمَةٌ، وَمِنَ الْمَلائِكَةِ اسْتِغْفَارٌ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ السُّجُودَ: الْخُضُوع، وَالصَّلاةَ: الاِعْتِنَاءُ بِإِظْهَارِ الشَّرَفِ، أَوْ بِتَقْدِيرِ خَبَرٍ أَوْ فِعْلٍ حُذِفَ لِدَلالَةِ مَا يُقَارِنُه، أَوْ بِأَنَّهُ مَجَازٌ بِمَا تَقَدَّمَ.
وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ [سورة الحج: الآية ١٨].
أسند السجود إِلى من ذكره، وهو مشترك بين وضع الجَبْهة والخضوع، وأراد بسجود النَّاس وضع الجَبْهَة، وبسجود غيرهم الخضوع.
والثانية: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٥٦]، "وهي من الله رحمة، ومن الملائكة استغفار"، وهما - أعني الرحمة والاستغفار - مفهومان متغايران، وقد أطلق عليهما اللَّفظ الواحد دفعة واحدة.
وقد وقع في هذا المختصر كما ترى: أن الصلاة من الله تعالى الرحمة، وكذلك وقع في غيره.
والصحيح أنه منه - تعالى - مغفرة، وهي في اللُّغة: الدعاء، وهو مُحَال في حقّه - تعالى - فحملت على المغفرة، ولا يمكن حملها على الرحمة؛ لأن الله - تعالى - قال: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٥٧].
وعَطْفُ الرحمةِ على الصلاة صريح في تغايرهما؛ ولأن الرحمة رقّة القلب، وهي مستحيلة في حقه - تعالى - أيضًا، فمن فسَّر الصلاة بـ "الرحمة" فرارًا من تفسيرها بالدعاء كان كمن فَسَّر قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سورة طه: الآية ٥]، بـ "جلس"، فإِنه فَسَّر ما ظاهره محال بالمحال.
"وأجيب: بأن السُّجود: الخضوع"، وهو مشترك بين الجميع، "والصَّلاة: الاعتناء بإِظهار الشرف" شرف النَّبيّ ﷺ ، فكان متواطئًا لا مشتركًا، فهذا جواب.
"أو بتقدير خبر" في الآية الثَّانية تقديره: إِن الله يصلي وملائكته يصلون، "أو "تقدير "فعل" في الآية الأولى تقديره: ويسجد له من في الأرض، ويسجد له الجبال، وهكذا، وعلى هذا فاللَّفظ مكرر، وقد أريد به في كلّ مرة معنى، فاين اللَّفظ الواحد المستعمل في معنيين؟
стр. 1264
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإِن قلت: كيف حُذِفَ الخبر والفعل؟
قلت: "حُذِفَ لدلالة ما يقارنه" عليه، وهو قوله: "يسجد له من في السماوات" في الأولى، و"ملائكته يصلون" في الثَّانية.
"أو" نجيب "بأنه" أي: إِطلاق السجود على هذه الأشياء، والصلاة على الصلاة الرب - تعالى - وملائكته.
وإِن ثبت استعماله، فلا يتعيّن كونه حقيقة، بل هو "مجاز" وإِن كان خلاف الأصل "بما ذكرناه" من الدليل، فهذه ثلاثة أجوبة.
ولقائل أن يقول على الأول: السجود بمعنى الخضوع لا يختصّ بكثير من الناس، بل يشملهم؛ إِذ الكُلّ خاضعون بلسان الحال.
وأيضًا: فالمتبادر إِلى الفَهْمِ من سجود الناس وضع الجَبْهَةِ.
وأيضًا: لو كان بمعنى الخضوع، لزم التكرار في قوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ [سورة الحج: الآية ١٨] لدخولهم في ﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ وأيضًا: فهو تعالى قال: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ [سورة الحج: الآية ١٨]، والمرئي حقيقة إِنما هو وَضْع الجبهة.
لا يقال: فما تصنعون في الذين لا يصحّ منهم وضع الجَبْهة؟؛ لأنا نقول: رؤية أولئك قلبية معنوية، لعدم تأتيِّ ذلك منهم، ولا كذلك كثير من النَّاس.
الثَّاني: وضع الجَبْهَةِ منهم.
فإِن حملنا المجاز لذلك في الرؤية بالنسبة إِلى أولئك، فما الدَّاعي إِليه في كثير من النَّاس إِذا تَمَّ لنا هذا؟
قلنا: قد أراد بالرؤية في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ الرؤيتين جميعًا، وهو استعمال اللَّفظ في محمليه، فهو دليل آخر، وقولكم: "الصلاة: الاعتناء بإِظهار الشرف" حمل اللَّفظ على خلاف ما يتبادر إِلى الذِّهْن منه، وخلاف موضوعه.
وعلى الثَّاني: أن تقدير الخبر والفعل لا يُصِّيرُهُ موجودًا، والموجود لفظ واحد؛ وهو المطلوب.
وعلى الثالث: أنه لا داعي إِلى حمله على المَجَازِ، وما زعمتموه دليلًا لا دليل فيه.
стр. 1265
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإِن قلت: الصَّلاة حقيقة: الدعاء، وإِطلاقها على المغفرة أو الرحمة مجاز، وعلى الاستغفار حقيقة، فالموجود في الآية استعمال اللَّفظ في حقيقته ومجازه لا في حقيقته.
قلت: إِذا صَحّ استعماله في حقيقته ومجازه صَحّ في حقيقته بطريقٍ أولى؛ فإِنّ كلّ ومن جوّز الأول جوّز الثَّاني، ولا عكس.
"فوائد"
الأولى: الخلاف في استعمال اللَّفظ في مجازيه مثل أن يقول: والله لا أشتري، ويريد السّوم وشراء الوكيل، كالخلاف في استعماله في حقيقته ومجازه، وفي حقيقته.
والقاضي أبو بكر يجوز استعمال اللَّفظ في حقيقته دون حقيقة ومجاز، كما أسلفناه، ولا يصح له فرق.
والشَّافعي ﵀ جرى على مِنْوَالٍ واحد، فجوّز الكلّ، وحمله عند الإِطلاق على الكلّ.
قال إِمام الحرمين: وهذا يعني حمل اللَّفظ على حقيقته ومجازه، كحمله على حقيقته، وظاهر في اختيار الشَّافعي، فإِنه قال في معارضة له جرت في قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [سورة النساء: الآية ٤٣]. وقيل له: قد يراد بالمُلامسة المُوَاقعة، قال: فهي محمولة على الجسّ باليد حقيقة، وعلى الوقاع مجازًا.
قلت: وقد نصّ في "الأم" عند الكلام فيما إِذا عقد لرجلين على امرأة، ولم يعلم السَّابق منهما على حمل اللَّفظ على حقيقته ومجازه، كما نقل ابن الرِّفْعَةِ.
"الثَّانية"
الخلاف في الحمل على الحقيقة والمجاز إِنما هو فيما إِذا ظهر قَصْد المَجَاز بقرينة مع السكوت عن الحقيقة، أو قصدهما معًا.
أما إِذا قصد الحقيقة فقط، فالحمل عليها فقط بلا نزاع، أو المجاز فقط اختص به بلا نزاع.
كذا كان أبي ﵀ يقول، وكنت أسمعه يقول: إِذا لم يظهر قَصْد، فلا مدخل للحمل على المَجَازِ؛ فإِنَّ اللَّفظ إِنما يحمل على مجازه بقرينة، ويؤيد هذا أمران: