← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6338

رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (2 330 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مريد له خاصّة؛ لأنه يكون والحالة هذه موضوعًا للمعنيين معًا، ولكل منهما بمفرده، وإِذا كان موضوعًا لكل منهما بِقَيْدِ الوحدة. لزم ذلك؛ لأن من استعمله بالمجموع فقد أراد كلًّا منهما، وإِرادة كلّ منهما بحسب الوضع، والوضع للوحدة، وإِرادة الوحدة وأن لا وحدة متناقض. وهذا تطويل من المصنّف، ولا حاجة به إِلى توسّط الحقيقة، فلو قال: "لو صحّ الإِطلاق، سواء أكان بالحقيقة أو المجاز، لزم كونه مريدًا أحدهما غير مريد" حصل على المراد. "وأجيب: بأن المراد المدلولان معًا"؛ إِذ اللَّفْظ ليس موضوعًا للمفردين على البدل، بحيث إِذا أريد أحدهما لم تصح إِرادة الآخر، "لا" أن المراد "بقاؤه" أي: بقاء اللَّفظ المشترك "لكل" من المعنيين في حال كونه "مفردًا" خاصًّا به، وكذا وقع: "مفردًا" بخط المصنّف. والحاصل: أن من أحال إِرادة المعنيين باللَّفظ الواحد زعمه موضوعًا لكل منهما على البدل، فلزم عنده من كونهما مرادين كونهما غير مرادين. ومن جوَّزه قال: هو موضوع لكلّ منهما لا بِقَيْد، والإِفراد وعدمه قَيْدٌ للاستعمال لا للمستعمل فيه، فيتواردان على الاستعمال، والمعنى المستعمل فيه بحاله، فالعين مثلًا موضوعة للباصرة مع قطع (١) النظر عن الجارية، وللجارية مع قطع النَّظر عن الباصرة، ولفظها تارة يستعمل في هذا من غير استعمال في الآخر، وتارة مع استعماله فيه، والواضع وضع اللَّفظ للمعنى المستعمل فيه في الحالين؛ فظهر صحّته، وأنه حقيقة كما هو رأي ذي اللُّغة [الفصحى] (٢) محمد بن إِدريس ﵁. "وأما الحقيقة والمجاز فاستعماله" أي اللَّفظ المشترك "لهما استعمال" له "في غير ما وضع له أولًا، وهو معنى المجاز"؛ إِذ هو لم يوضع أولًا إِلا للحقيقة فقط، فدلّ على أن استعماله لهما مجاز، وأنه [سائغ] (٣).

стр. 1262

النَّافِي لِلصِّحَّةِ: لَوْ صحَّ لَهُمَا لَكَانَ مُرِيدًا مَا وُضِعَتْ لَهُ أَوَّلًا غَيْرَ مُرِيدٍ؛ وَهُوَ مُحَالٌ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ مُرِيدٌ مَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا وَثَانِيًا بِوَضْعٍ مَجَازِيٍّ. الشَّافِعِيُّ ﵀: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ ........... وأنا لا أحفظ أحدًا قال: إِن استعماله لهما حقيقة، بل النَّاس بين مانع لذلك، ومجوِّز له على سبيل المجاز. وقد يقال: إِذا استعملت اللَّفظة في حقيقتها ومجازها، فهي حقيقة (١) ومجاز بالاعتبارين، وهذا ما يظهر عند التَّحقيق، ويجري على أسلوب الشَّافعي ﵁ وهو قضية كلام ابن السَّمْعَاني وغيره من المُحَقِّقين. وفي بعض النسخ: "وأما الحقيقة والمجاز فلنا" أي على صحته مجازًا "قوله: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [سورة النمل: الآية ٦٥] ". وهذا ليس في نسخة المصنّف. الشرح: واحتج "النَّافي للصحّة" صحّة إِطلاق اللَّفظ وإِرادة حقيقته ومجازه بأنه "لو صح لهما لكان" المستعمل "مريدًا" بالصيغة "ما وضعت له أولًا" من حيث إِرادة الحقيقة "غير مريدٍ" له من حيث إِرادة المجاز؛ "وهو محال". "وأجيب: بأنه مريد ما وضع له أولًا وثانيًا بوضعٍ مجازي"؛ إِذ هو قد أراد المجموع والموضوع أولًا بعضه، فلم يلزم كونه غير مريد. وأشار بقوله: "بوضع مجازي" إِلى مذهبه في أنّ الملفظ المراد به مجموع الحقيقة والمجاز مجاز، والمختار عندنا ماعرفت من أنه حقيقة ومجاز باعتبارين. الشرح: واحتجّ "الشَّافعي"، ﵁ على ظهور المشترك في معنييه بآيتين: إِحداهما: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ

стр. 1263

السَّمَاوَاتِ﴾ [سورة الحج: الآية ١٨]، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ [عَلَى النَّبِيِّ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٥٦]، وَهِيَ مِنَ اللَّهِ رَحْمَةٌ، وَمِنَ الْمَلائِكَةِ اسْتِغْفَارٌ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ السُّجُودَ: الْخُضُوع، وَالصَّلاةَ: الاِعْتِنَاءُ بِإِظْهَارِ الشَّرَفِ، أَوْ بِتَقْدِيرِ خَبَرٍ أَوْ فِعْلٍ حُذِفَ لِدَلالَةِ مَا يُقَارِنُه، أَوْ بِأَنَّهُ مَجَازٌ بِمَا تَقَدَّمَ. وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ [سورة الحج: الآية ١٨]. أسند السجود إِلى من ذكره، وهو مشترك بين وضع الجَبْهة والخضوع، وأراد بسجود النَّاس وضع الجَبْهَة، وبسجود غيرهم الخضوع. والثانية: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٥٦]، "وهي من الله رحمة، ومن الملائكة استغفار"، وهما - أعني الرحمة والاستغفار - مفهومان متغايران، وقد أطلق عليهما اللَّفظ الواحد دفعة واحدة. وقد وقع في هذا المختصر كما ترى: أن الصلاة من الله تعالى الرحمة، وكذلك وقع في غيره. والصحيح أنه منه - تعالى - مغفرة، وهي في اللُّغة: الدعاء، وهو مُحَال في حقّه - تعالى - فحملت على المغفرة، ولا يمكن حملها على الرحمة؛ لأن الله - تعالى - قال: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٥٧]. وعَطْفُ الرحمةِ على الصلاة صريح في تغايرهما؛ ولأن الرحمة رقّة القلب، وهي مستحيلة في حقه - تعالى - أيضًا، فمن فسَّر الصلاة بـ "الرحمة" فرارًا من تفسيرها بالدعاء كان كمن فَسَّر قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سورة طه: الآية ٥]، بـ "جلس"، فإِنه فَسَّر ما ظاهره محال بالمحال. "وأجيب: بأن السُّجود: الخضوع"، وهو مشترك بين الجميع، "والصَّلاة: الاعتناء بإِظهار الشرف" شرف النَّبيّ ﷺ ، فكان متواطئًا لا مشتركًا، فهذا جواب. "أو بتقدير خبر" في الآية الثَّانية تقديره: إِن الله يصلي وملائكته يصلون، "أو "تقدير "فعل" في الآية الأولى تقديره: ويسجد له من في الأرض، ويسجد له الجبال، وهكذا، وعلى هذا فاللَّفظ مكرر، وقد أريد به في كلّ مرة معنى، فاين اللَّفظ الواحد المستعمل في معنيين؟

стр. 1264

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فإِن قلت: كيف حُذِفَ الخبر والفعل؟ قلت: "حُذِفَ لدلالة ما يقارنه" عليه، وهو قوله: "يسجد له من في السماوات" في الأولى، و"ملائكته يصلون" في الثَّانية. "أو" نجيب "بأنه" أي: إِطلاق السجود على هذه الأشياء، والصلاة على الصلاة الرب - تعالى - وملائكته. وإِن ثبت استعماله، فلا يتعيّن كونه حقيقة، بل هو "مجاز" وإِن كان خلاف الأصل "بما ذكرناه" من الدليل، فهذه ثلاثة أجوبة. ولقائل أن يقول على الأول: السجود بمعنى الخضوع لا يختصّ بكثير من الناس، بل يشملهم؛ إِذ الكُلّ خاضعون بلسان الحال. وأيضًا: فالمتبادر إِلى الفَهْمِ من سجود الناس وضع الجَبْهَةِ. وأيضًا: لو كان بمعنى الخضوع، لزم التكرار في قوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ [سورة الحج: الآية ١٨] لدخولهم في ﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ وأيضًا: فهو تعالى قال: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ [سورة الحج: الآية ١٨]، والمرئي حقيقة إِنما هو وَضْع الجبهة. لا يقال: فما تصنعون في الذين لا يصحّ منهم وضع الجَبْهة؟؛ لأنا نقول: رؤية أولئك قلبية معنوية، لعدم تأتيِّ ذلك منهم، ولا كذلك كثير من النَّاس. الثَّاني: وضع الجَبْهَةِ منهم. فإِن حملنا المجاز لذلك في الرؤية بالنسبة إِلى أولئك، فما الدَّاعي إِليه في كثير من النَّاس إِذا تَمَّ لنا هذا؟ قلنا: قد أراد بالرؤية في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ الرؤيتين جميعًا، وهو استعمال اللَّفظ في محمليه، فهو دليل آخر، وقولكم: "الصلاة: الاعتناء بإِظهار الشرف" حمل اللَّفظ على خلاف ما يتبادر إِلى الذِّهْن منه، وخلاف موضوعه. وعلى الثَّاني: أن تقدير الخبر والفعل لا يُصِّيرُهُ موجودًا، والموجود لفظ واحد؛ وهو المطلوب. وعلى الثالث: أنه لا داعي إِلى حمله على المَجَازِ، وما زعمتموه دليلًا لا دليل فيه.

стр. 1265

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فإِن قلت: الصَّلاة حقيقة: الدعاء، وإِطلاقها على المغفرة أو الرحمة مجاز، وعلى الاستغفار حقيقة، فالموجود في الآية استعمال اللَّفظ في حقيقته ومجازه لا في حقيقته. قلت: إِذا صَحّ استعماله في حقيقته ومجازه صَحّ في حقيقته بطريقٍ أولى؛ فإِنّ كلّ ومن جوّز الأول جوّز الثَّاني، ولا عكس. "فوائد" الأولى: الخلاف في استعمال اللَّفظ في مجازيه مثل أن يقول: والله لا أشتري، ويريد السّوم وشراء الوكيل، كالخلاف في استعماله في حقيقته ومجازه، وفي حقيقته. والقاضي أبو بكر يجوز استعمال اللَّفظ في حقيقته دون حقيقة ومجاز، كما أسلفناه، ولا يصح له فرق. والشَّافعي ﵀ جرى على مِنْوَالٍ واحد، فجوّز الكلّ، وحمله عند الإِطلاق على الكلّ. قال إِمام الحرمين: وهذا يعني حمل اللَّفظ على حقيقته ومجازه، كحمله على حقيقته، وظاهر في اختيار الشَّافعي، فإِنه قال في معارضة له جرت في قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [سورة النساء: الآية ٤٣]. وقيل له: قد يراد بالمُلامسة المُوَاقعة، قال: فهي محمولة على الجسّ باليد حقيقة، وعلى الوقاع مجازًا. قلت: وقد نصّ في "الأم" عند الكلام فيما إِذا عقد لرجلين على امرأة، ولم يعلم السَّابق منهما على حمل اللَّفظ على حقيقته ومجازه، كما نقل ابن الرِّفْعَةِ. "الثَّانية" الخلاف في الحمل على الحقيقة والمجاز إِنما هو فيما إِذا ظهر قَصْد المَجَاز بقرينة مع السكوت عن الحقيقة، أو قصدهما معًا. أما إِذا قصد الحقيقة فقط، فالحمل عليها فقط بلا نزاع، أو المجاز فقط اختص به بلا نزاع. كذا كان أبي ﵀ يقول، وكنت أسمعه يقول: إِذا لم يظهر قَصْد، فلا مدخل للحمل على المَجَازِ؛ فإِنَّ اللَّفظ إِنما يحمل على مجازه بقرينة، ويؤيد هذا أمران:

стр. 1266

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أحدهما: قول الأَصْحاب فيما إِذا قال: "وقفت على أولادي" ونظائره، أنه لا يدخل أولاد الأولاد على الصحيح. ونظيره: لو أوصى لإِخوة فلان، وكانوا ذكورًا وإِناثًا إِخوة وأخوات. قال الإِمام في "باب الوصية" من "النهاية": فمذهب أبي حنيفة، وظاهر مذهب الشَّافعي أنه يختصّ بالوصية للإِخوة دون الأخوات. وقال أبو يوسف ومحمد (١): للجميع. والثَّاني: قول ابن السَّمعاني في "القَوَاطع": اللَّفظ للواحد يجوز أن يحمل على الحقيقة والمجاز إِذا تساويا في الاستعمال، لكن إِذا عرى عن عرف الاستعمال لم يجز أن يحمل على المجاز إِلَّا أن يقوم الدَّليل على أنه يراد به، وقيام الدلالة على إِرادة المجاز لا ينفى عن اللَّفْظ إِرادة الحقيقة. انتهى. وقد أفاد حالة أخرى، وهي ما إِذا تساويا في الاستعمال، بأن يكثر المجاز كثرة توازي الحقيقة، فيتساويان فَهْمًا عند الإِطلاق. وأنا أقول: قد يقول من يجعل الحمل من باب الاحتياط فيما إِذا لم يظهر قصد أنه يحمل عليهما، ولكنه بعيد، وقضيته أنه حيث ورد لفظ ولا قرينة فيه دافعة للمجاز أنه يحمل عليه كما يحمل على الحقيقة. والحق: أن المجاز مدفوع ما لم تَقُمْ عليه؛ قرينة، أو يكون مشتهرًا شهرة يساوي بها الحقيقة، فهناك يحمل عليه إِما لاحتياط أو لغير ذلك، فإِذن الصور أربع:

стр. 1267

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . إِحداها: أن تدلّ القرينة على إِرادة المجاز مع السكوت عن الحقيقة، وهي من محل الخلاف. والثَّانية: أن تدلّ على إِرادتهما جميعًا، وهي أيضًا من محلّ الخلاف، والمانع هنا طائفتان: طائفة تقول: ذلك مجاز، وأخرى تقول: يصح، لكنه ليس بلغة كما عرفت. الثَّالثة: ألَّا تكون قرينة، ولكن للمجاز شهرة وازي بها الحقيقة، وهي من محلّ الخلاف أيضًا، ومذهبنا في الكُلّ الحمل على الحقيقة والمجاز. والرابعة: حالة الإِطلاق مع عدم شهرة المجاز (١)، ولا خلاف أنه لا يحمل فيها على المجاز؛ لما ذكرناه من أن المجاز مدفوع ما لم يدلّ عليه دليل، وإِن [أوهم] (٢) كلام بعضهم أنه من محلّ الخلاف؛ فلا نعتبره، وهذا فصل نفيس فاحفظه. "الفائدة الثَّالثة" قد علمت نقل النَّقلة عن الشَّافعي أن اللَّفظ يستعمل في معنييه، ويحمل عند الإِطلاق عليهما إِذا كان اللَّفْظ مشتركًا، وإِن كان حقيقة مجازًا حمل في الحالات الثَّلاث الَّتي عرفناكها، فتنفصل الحقيقة والمجاز عن المشترك عند الشَّافعي حالة الإِطلاق فإِنَّ المشترك محمولٌ علي معنييه، والحقيقة والمجاز لا يحمل اللَّفظ عليهما إِلَّا إِذا ساوى المَجَاز الحقيقة لشهرة أو نحوها كما تقدم، وهذا ما تحصل من كلام النقلة. وقال الرَّافعي في "باب [التَّدبير] " (٣): الأشبه أن اللَّفظ المشترك لا يراد به جميع معانيه، ولا يحمل عند الإِطلاق على جميعها. قال في "باب الوصية" في "مسألة الوصاية بالعود" في المسألة - يعني مسألة حمل المشترك -: نظر الأصوليين، فلم يرجّح الرَّافعي حمل المشترك على معنييه، بل قال: الأشبه خلافه كما رأيت، وحكى المَاوَرْدِيّ الخلاف فيه أوجهًا لأصحابنا:

стр. 1268

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ثالثها: التفرقة بين الجَمْع والسَّلْبِ. ذكره في "الأشربة". والصحيح: أن الرَّاجح من مذهب الشَّافعي الحمل على المعنيين، كما ذكر النقلة، فلا يعتبر بكلام الرافعي. "الرابعة" نظير الخلاف في المسألة فيما إِذا وقف على مواليه، وله موالٍ من أعلى، وموالٍ من أسفل، والصحيح فيه أنه يقسَّم بينهم. وإِذا قال لعبده: إِن رأيت عينًا فأنت حر، ولم يَنْوِ شيئًا. قال الإِمام في "النهاية"، ونقله عنه الرافعي: فهل يعتق إِذا رأى شيئًا منها؟ فيه تردد. قال: والعود مشتركٌ بين الخشب، والذي يضرب به، والذي يتبخّر به، فهل يحمل على الجميع؟ بناه الرافعي على الخلاف الأصولي. "الخامسة" القُرْءُ على الصَّحيح مشترك بين الطّهر والحيض، ولو قال: أنت طالق في كلّ قُرْء طلقة، طلّقت في كلّ طهر طلقة. وقد قال: لم لا طلقت في الطهر واحدة، وفي الحيض أخرى حملًا للمشترك على معنييه؟ وجوابه عندي: أن الظَّاهر من المطلِّق إِيقاع ما يحلّ لا ما يحرم، والطَّلاق في الحيض حرامٌ، فحمل كلامه على الطُّهر؛ لأنه الذي يجوز إِيقاع الطلاق فيه، وكان ظهور الحال قرينة في تعيين أحد المحملين. وأيضًا: فقد غلب استعمال الطهر. "السادسة" نقض ابن السَّمْعَاني على الحنفية أصلهم في منع حمل الَّلفْظ على حقيقته ومجازه بقولهم: لو حلف لا يضع قدمه في الدَّار، فدخل راكبًا، أو ماشيًا حَنِثَ، فقال: فقد تناول اللَّفْظ الحقيقة والمجاز.

стр. 1269

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قال: وكذا قالوا: لو قال: اليوم الذي يدخل فلان الدار فعبده حر، فدخل ليلًا أو نهارًا حَنِثَ. وقالوا في "السّير الكبير (١) ": لو أخذ الأمان لِبَنِيهِ، دخل بنوه وبنو بنيه. قلت: والذي يظهر من مذهبنا في المسألة الأولى أنه لا يَحْنَثُ لا لأنا لا نجمع بين الحقيقة والمجاز؛ بل لأنه لا قرينة على إِرادة، ولا شُهْرَة، فكان خارجًا عن محلّ الخلاف، كما عرفت، وإِن فرضت شُهْرة حنث من أجلها. وفي الثَّانية: موافقتهم؛ لأنه نقل الرَّافعي عن "التتمة" لو قال: أنت طالق اليوم، طلقت في الحال، وإِن كان بالَّليل، ويلغو اليوم؛ لأنه لم يعلق، وإِنما سمى الوقت بغير اسمه. وفي الثالثة: عدم الدّخول كما في الوقف على الأولاد. وقد يقال: هم في الزمان أولى بالدخول منهم في الوَقْفِ؛ لقوة الاستتباع في الأمان، ولذلك لو قال: أَمَّنتك، تعدَّى إِلى ما معه من أهل ومال على وجهٍ، مع أن لفظه لا يصدق عليهما لا بالحقيقة ولا بالمَجَازِ. قال الرَّافعيُّ: وفي "البحر" تفصيل حسن حكاه، أو بعضه عن "الحاوي"، وهو أنه إِن أطلق الأَمان، دخل فيه ما لبسه من ثياب، ولا يستعمل في حرفته من الأب، وما ينقصه في مدة الأمان؛ للعرف الجاري بذلك، ومركوبه إِن كان لا يستغنى عنه، ولا يدخل غير ذلك. قلت: ولا يدخل شيء من ذلك في نظيره من الوَقْفِ والبيع. وصحح النووي أنه لا يدخل ثياب العبد في بيعه. "مسألة" معروفة بالحنفية، حاصلها: أنهم ادعوا تعميمًا لبعض الأشياء، وهو المساواة من غير لفظ عموم؛ لأنهم قالوا به في جانب الإِثبات مع انتفاء صيغ الاستغراق، كما ادّعت الشَّافعية تعميم لفظ الاشتراك من غير لفظ عموم كما نقل المصنّف، وهذا هو السِّر في وضعه

стр. 1270

مَسْأَلَةٌ: نَفْيُ الْمُسَاوَاةِ مِثْلُ: ﴿لَا يَسْتَوِي﴾ [سورة الحشر: الآية ٢٠]- يَقْتَضِي الْعُمُومَ كَغَيْرِهَا. أَبُو حنِيفَةَ ﵀: لا يَقْتَضيه. لَنَا: نَفْيٌ عَلَى نَكِرَةٍ؛ كَغَيْرِهَا. قَالُوا: الْمُسَاوَاةُ مُطْلقًا أَعَمُّ مِنَ الْمُسَاوَاةِ بِوَجْهٍ خَاصٍّ؛ وَالْأَعَمُّ لا يُشْعِرُ بِالْأَخَصِّ. المسألتين في باب العموم، وفي جعل إِحداهما تلو الأخرى؛ لاشتراك الطَّائفتين عنده في دعوى العُمُومِ في جانب الإِثيات من مادّة الكلام لا من صيغه. "مسألة" الشرح: إِذا عرفت هذا جئنا إِلى تقرير المسألة فنقول (١): "نفي المُسَاواة" بين شيئين "مثل" قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [سورة الحشر: الآية ٢٠]. "يقتضي العموم" فينفي به جميع وجوه المساواة "كغيرها" من الأفعال؛ فإِن نفيه يقتضي العموم. وقال "أبو حنيفة: لا يقتضيها". ووافقه الإِمام الرازي وغيره من متأخّرينا. ومن فروع المسألة: قَتْل المسلم بالذمي. فقال أصحابنا: لا يقتل به؛ لانتفاء المساواة الَّتي عليها بني القصاص. وقال أبو حنيفة: يقتل به؛ إِذ نفي المُسَاواة لا يقتضي العموم. والخلاف دائر على حرف واحد، وهو أن لفظ "ساوى" "واستوى"، "وماثل" زيد عمرًا

стр. 1271

وَأُجِيبَ: بِأَنَّ ذَلِكَ فِي الْإِثْبَاتِ؛ وَإِلَّا لَمْ يَعُمَّ نَفْيٌ أَبَدًا. قَالُوا: لَوْ عَمَّ، لَمْ يَصْدُقْ؛ إِذْ لا بُدَّ مِنْ مُسَاوَاةٍ، وَلَوْ فِي نَفْيِ [مَا] سِوَاهُمَا عَنْهُمَا. قُلْنَا: إِنَّمَا تُنْفَى مَسَاوَاةٌ يَصِحُّ انْتِفَاؤُهَا. قَالُوا: الْمُسَاوَاةُ فِي الْإِثْبَاتِ وَالْعُمُومِ، وَإِلَّا لَمْ يَسْتقِمْ إِخْبَارٌ بِمُسَاوَاةٍ؛ لِعَدَمِ الاِخْتِصَاصِ وَنَقِيضُ الْكُلِّيِّ الْمُوجَبِ جُزْئِيٌّ سَالِبٌ. وزيد مثل عمرو، والمتماثلات [كلها] (١) والاستواءات هل مدلولها في اللغة المشاركة في جميع الوجوه حتى يكون مدلولها كلّها شاملًا أو مجموعًا محيطًا؟ أو مدلولها المُسَاواة في شيء هو أخصّ الأوصاف حتى يصدق بوجدانه وإِن انتفى ما عداه؟ ذهب أبو حنيفة إِلى الأوّل، وعلماؤنا إِلى الثَّاني؛ فلذلك اختلفوا حالة النفي، فمن عمّم جانب الإِثبات خصّص في جانب النفي، وبالعكس. "لنا": على العموم في النفي أن ذلك "نفي "دخل "على نكرة"، فعمّ "كغيرها" من النكرات في سياق النفي .. "قالوا: المساواة مطلقًا أعمّ من المساواة بوجه خاصّ"، أو من كلّ وجه ضَرُورَةَ أن المطلق جزء من المقيد، وأنّ الكلّ يستلزم الجزء من غير عكس. "والأعم لا يشعر بالأخصّ"، فلم يلزم من نفي الأعمّ، وهو مطلق المساواة نفي الأخصّ، وهو المساواة الخاصة. الشرح: "وأُجيب بأن ذلك" أي: عدم إِشعار الأَعَمّ بالأخص إِنما هو "في"جانب "الإِثبات" لا في جانب النفي؛ لأن نفي العامّ [مستلزم] (٢) نفي الخاصّ، وإِلا لم يعم نفي أبدًا"؛ إِذ يقال في: "لا رجل" أعم من الرجل (٣) بصيغة العموم، فلا يشعر به. ولقائل أن يقول: الاستواء شيء واحد مدلوله واحد، وهو الاستواء من كلّ وجه، وما يحصل بين زيد وعمرو مثلًا من الاشتراك في بعض الوجوه ليس المُسَاواة الحقيقية، وإِذا كان كذلك، فلا فرق فيه بين جانب الإِثبات والنفي.

стр. 1272

قُلْنَا: الْمُسَاوَاةُ فِي الْإِثْبَاتِ لِلْخُصُوصِ، وَإِلَّا لَمْ تَصْدُقْ أَبَدًا؛ إِذْ مَا مِنْ شَيئَيْنِ إِلَّا وَبَيْنَهُمَا نَفْيُ مُسَاوَاةٍ وَلَوْ في تَعَيُّنِهِمَا، وَنَقِيضُ الْجُزْئِيِّ الْمُوجَبِ كُلِّيٌّ سَالِبٌ. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْعُمُومَ مِنَ النَّفْيِ. "قالوا: لو عَمَّ" نفي المُسَاواة "لم يصدق؛ إِذ لا بد" بين كلّ شيئين "من مساواة، ولو في نفي سواهما عنهما". "قلنا: إِنما ننفي مساواة يصحّ انتفاؤها" لا كلّ مساواة، واللّفظ وإِن كان ظاهرًا في العموم، إِلَّا أنه من قبيل ما يخصّ بالعقل. "قالوا: المساواة في الإِثبات" مثل قولك: زيد مساوٍ لعمرو "للعموم: وإِلا لم يستقم إِخبار بمساواة" بين شيئين؛ العدم الاختصاص" اختصاص المُسَاواة بوجه ما بهما، بل كلّ شيئين كذلك؛ لما مَرّ، لكن الإِخبار بالمساواة مستقيم، فكانت المُسَاواة للعموم، والعموم كالكُلّي الموجب، ونفي المُسَاواة نقيضه، "ونقيض الكُلّي الموجب جزئي سالب"، فنفي المساواة يقتضي نفيها في بعض الأشياء لا كلها؛ وهو المدعي. ونحن قد قدّمنا لك هذا، وقلنا: إِنه الحرف الذي تدور عليه المسألة. الشرح: "قلنا": ليست "المساواة في الإِثبات" للعموم، وإِنما هي "للخصوص، وإِلا لم تصدق" مساواة بين شيئين "أبدًا؛ إِذ ما من شيئين إِلا وبينهما نفي مساواة" لعدم المساواة بين كلّ شيئين من جميع الوجوه، "ولو في تعينهما" وتشخصهما، وإِلَّا لكانا واحدًا، وهو خُلْفٌ، لكن الحكم بالمساواة حقّ، فالمساواة في جانب الإِثبات للخصوص كالجزئي الموجب، "ونقيض الجزئي الموجب كلي سالب"، فيكون الحكم بنفي السَّلب للعموم، وهذا جواب بالمعارضة. "والتحقيق": أن - المساواة لا دلالة لها على العموم، و"أن العموم" إِنما استفيد "من النفي"، والنفي قرينة أفادته، ولولاها لم يحصل الغرض. قلت: ومن يجعل مدلول المُسَاواة شيئًا واحدًا - كما مَرّ - لا يستحسن ذكر لفظ العموم والخصوص في المسألة ألبتة ..

стр. 1273

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ونقول: لا تحقيق في هذا المسمى بالتحقيق، والعموم والخصوص سواء، والله المستعان. "فائدتان" إِحداهما: قد يقال: قوله: "نفي المُسَاواة" يقتضي أن المنفي الاسم، وهو المساواة، وتمثيله بـ "لا يستوي"، لا يستقيم حينئذ؛ لأن المنفي فيه الفعل. وجوابه: أن نفي الفعل يتضمّن نفي الاسم؛ لأنه يتضمّن المصدر. فإِن قلت: مصدر "لا يستوي" الاستواء، لا المساواة. قلت: الخلاف فيهما واحد، والمراد نفي المُسَاواة وما هو من موادها. "الثَّانية" ما ينكره الأصوليون على الحنفية هنا، وعلى الشَّافعية بتقدير تعميمهم المشترك، من أن الفعل في حَيّز الإِثبات كـ "شاء"، و"أريد عمرًا"، و"رأيت عينًا" لا يدلّ على الاستغراق؛ إِذ لا صيغة ولا قرينة. قد يقال: إِنه يختص بغير الأفعال الواقعة صلة لموصولٍ حرفي؛ فإِن تلك للعموم؛ لتأولها باسم مضاف، والإِضافة دليل العموم. وجوابه: أن الموصول الحرفي اسم في المعنى، فجرى عليه حكم اسم الجنس المضاف، فلم يكن هنا تعميم لفعل؛ لأن المؤول بالاسم "أن والفعل" لا مجرد الفعل؛ ولأن المؤول بشيء حكمه حكم ذلك الشيء، كما أن المقدر حكمه حكم الملفوظ. فإِذا قال: أعجبني أن قام زيد، كان معناه: قيام زيد، وذلك اسم مضاف، فعمّ بالإِضافة، على أن عندي وَقْفة في تعميمه من جهة أني أدعي أنه ليس المعنى قيام زيد المعرَّف بالإِضافة، بل قيام مُنكَّر؛ إِذ به يحصل الغرض من انحلال "أن والفعل" إِلى المصدر، والزائد على ذلك من تعريف ذلك المصدر لا دليل عليه، والنُّحَاة لا يحررون هذا، فلذلك يأتون في عباراتهم بالمصدر معَرَّفًا بالإِضافة، وليس لهم قصد في التعريف، فليتأمّل هذا، يظهر أَنْ لا إِضافة، فلا عموم.

стр. 1274

مَسْأَلَةٌ: الْمُقْتَضِى، وَهُوَ: مَا احْتَمَلَ أَحَدَ تَقْدِيرَاتٍ لاِسْتِقَامَةِ الْكَلامِ - لا عُمُومَ لَهُ فِي الْجَمِيعِ. أَمَّا إِذَا تَعَيَّنَ أَحَدُهَا [بدَلِيل]- كَانَ كَظُهُورِهِ؛ وَيُمَثلُ بِقَوْلِهِ ﵊: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطأُ وَالنِّسْيَانُ. "مسألة" الشرح: "المقتضِى" بكسر الضاد (١)، وقد رأيتها هكذا مضبوطة بخط المصنّف، "وهو ما احتمل أحد تقديرات" يكفي إِضمار كلّ واحد منها "لاستقامة الكلام"، ويغني عن غيره، هل له عموم؟ ولنعرف أن المقتضي بصيغة الفاعل كما ذكرناه، وقد عرفت أنه ما لا يستقيم (٢) كلام إِلا [بتقديره] (٣)، وذلك التقدير هو المُقْتَضَى بفتح الضاد اسم مفعول، والأمور الصالحة للإِضمار هي التقديرات الَّتي يحتملها المُقتَضَى بفتح الضاد أيضًا، ودلالة العقل والشرع على أن هذا الكلام لا يصحّ إِلا بإِضمار شيء هو المسمى بـ "دلالة الاقتضاء" الذي سيبحث

стр. 1275

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . المصنّف عنه بعد ذلك (١). [فهذه] (٢) المسألة من فروع دلالة الاقتضاء، وقدَّم الفرع على الأصل في الذكر لمناسبته لباب العموم. وعبَّر قوم عن هذه المسألة بأن المُقْتَضَى - وهو ما أضمر ضرورة صدق المتكلم - لا عموم له، وذلك بفتح الضَّاد. ويمكن أن يقال: إِنها أولى؛ لأن القائلين بأنه لا عموم له - وهم أكثر أصحابنا - اعتلوا بأن العموم من صفات النُّطْق، فلا يجوز دعواه في المعاني، ذكره ابن السمعاني وغيره، فدلّ على أن الذي هو موضع تنازعهم في عمومه هو المضمر، لا المضمر له، فإِن المضمر له منطوق. وبهذا يعلم فساد قول الشِّيرازي شارح "المختصر": إِن الحامل على الإِضمار، وهو صيانة الكلام عن الكذب، ونحوه هو المُقْتَضِى بالكسر، وإِضمار شيء هو المُقْتَضَى بالفتح. فهذا المقتضِى والمقتضَى ليس هما اللَّذين تعرض لهما المصنّف والعلماء، وهم أجل من أن يصفوا الحامل على الإِضمار، أو عنه بـ "العموم". ويمكن أن يعكس ويقال: بل هو بالكسر أولى؛ فإِنه لا يرد والحالة هذه أن العموم مختصّ بالألفاظ، فإِن المدعي تعميمه ملفوظ، والمصنّف غني عن ذلك؛ لأنه يرى العموم من عوارض الألفاظ؛ والمعاني جميعًا. وإِذا عرفت أن المراد بالتَّرْجمة أنه إِذا لم يكن إِجراء الكلام على ظاهره إِلا بإِضمار شيء فيه، وهناك أمور كثيرة يستقيم الكلام بإِضمار واحد منها، وهل يعم؟ قال جماهير أصحابنا (٣): "لا عموم له في الجميع"، أي: لا يجوز إِضمار الكلّ، بل يقدر واحد يتعيّن بدليل يدلّ عليه من كونه أقرب إِلي الحقيقة، أو نحو ذلك من الأدلّة، فإِن

стр. 1276

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لم يظهر دليلٌ على التعيين كان مجملًا بينهما. واعلم أن التقديرات الصَّالح أحدها للإِضمار قد يعمّها لفظ، وقد لا يعمّ متعددًا منها لفظٌ، بل تكون أمورًا متباينة، وهو الغالب، وإِليه الإِشارة بقوله "أحد تقديرات"، وحينئذ فقد يكون بينها جميعًا أو بينها وبين بعضها تنافٍ، وقد لا يكون، فهذه أقسام كثيرة لن يقدم المتأمل لكلامنا في هذه المسألة [أمثلها] (١). ويجب عندي انتفاء الخلاف عن قسمين منها: أحدهما: ما إِذا كان اللَّفظ عامًا لجميع تلك الأمور، فإِن الواجب تقدير ذلك العام؛ لأنه أقرب إِلى الحقيقة، ولا يعيّن واحد من أفراده إِلا إِن دلّ عليه دليل بخصوصه يثبته، وينفي ما عداه، وفي ذلك إِحالة لصورة المسألة، وفي قول المصنّف: "أحد تقديرات" ما يرشد إِلى هذا؛ فإِن أفراد العام في حكم تقدير واحد. وأما إِن كان هناك لفظ عام تحته أفراد وتقدير آخر خاصّ ليس هو من جملة أفراد ذلك العام، [فهل] (٢) يترجّح عليه العام؟ فيه نظر واحتمال، والأقرب عدم ترجّحه؛ لأنا لا نرجّح بكثرة الأفراد. ونظيره: مسألة اللَّفظ المستعمل لمعنى تارة، ولمعنيين أخرى، الآتية في المجمل. والثَّاني: أن يتنافيا، فالواجب عدم تقديرهما كما سنحكيه عن إِمام الحرمين، فنخصّ محلّ الخلاف بما وراء هذين القِسْمين. وإِذا عرفت محلّه فنقول: رأي جمهور أصحابنا ما عرفت، وخالفهم طائفة من الفُقَهَاء، فقالوا بالتعميم أي بتقدير الكُلّ. هذا معنى التعميم في هذا المقام، ولا نعني به أنهم يقدّرون اللَّفظ العامّ؛ لأنه قد لا يكون في المحتملات لفظ عام ألبتة، وبتقدير كونه، فالأولون لا ينكرونه، بل يذهبون إِليه إِذا كان أقرب إِلى الحقيقة. وقد يقال: كلّ تقدير عام بالعموم المصطلح كما في قوله: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ" فإِن المقدر على كلّ تقدير مضاف إِلى الخطأ، فيعم بالإِضافة، وإِنما المعنى بالعموم هنا تقدير تلك المحتملات بأسرها، وكلام الشَّافعي ﵁ في "الأم" في كتاب "الحج" يدلّ

стр. 1277

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لمذهب هذه الطَّائفة؛ فإِنه لما ذكر الدّماء الواجبة للترفُّه، وهو دم التقليم، وتَرْجِيل، الشّعر، والطِّيب، واللِّباس، والتغطية، جعل جميع ذلك مقدورًا في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٩٦]. قال المَاوَرْدِيّ (١): التقدير عند الشَّافعي: فمن كان منكم مريضًا فتطيب أو لبس، أو أخذ من ظُفْره إِلى آخره، قال: وقال في "الإِملاء": إِن اللَّفظ لا يتضمنه. قلت: فيكون للشَّافعي قولان في المسألة. ولا يخفى أن الكلام إِنما هو حيث لم يتعين واحد من تلك المحتملات. "أما إِذا تعين أحدها بدليل" يدلّ عليه "كان [كظهوره] (٢) "، فإِن كان عامًّا، فهو عامّ وإِلا فلا، فالصور إِذن ثلاث: إِحداها: أن تتساوى الاحتمالات، ولا يظهر في واحد منها أنه أرجح من الآخر، فعندنا أنه مجمل؛ لأنا لا نقدر إِلا بقدر الضَّرورة، وهي تندفع بواحد، ولم يقم عليه أمارة، فيكون مجملًا وعند الخَصْمِ هو عام. الثَّانية: أن يترجّح بعضها لا بدليل من خارج، بل لكونه أقرب إِلى الحقيقة مثلًا، مثل: "لا صِيَامَ لمَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ". فصحابنا يقدرون واحدًا، ثم يرتجحون تقدير ما كان أقرب إِلى نفي الحقيقة، وهو الجواز هنا مثلًا، والخَصْم يقدر الكل. ثم إِمام الحرمين يقول هنا ما حاصله أنه لا ينبغي للخصم على بعد مذهبه أن يقدّر الكلّ إِلا إِذا لم يُنَافِ بعضها بعضًا، فإِن نافل وارتكب تقدير الكُلّ والحالة هذه، فقد أساء وأسرف وركب شَطَطًا، وهذا مثل "لا صِيَامَ"؛ فإِنّ تقدير الكمال ينافي تقدير الصّحة؛ إِذ نفي الكمال يفهم إِثبات الصحة، فلا يصحّ تقديره مع تقدير نفي الصِّحّة معه. وقد وافق إِمام الحَرَمَيْنِ على هذا ابن السَّمْعَاني فقال:

стр. 1278

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لا يجوز انتفاء الفضيلة مع انتفاء الجواز؛ لأنه لا بد من وجوب الجواز حتى يثبت انتفاء الفضيلة. ولك منازعة الإِمام، وابن السمعاني في [أنّ] (١) نفي الكمال يقتضي إِثبات الجواز؛ فإِن نفي الأخصّ لا يستدعي ثبوت الأعم، بل هو صادق وإِن لم يثبت الأعم أيضًا كما في قوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [سورة الرعد: الآية ٢] أي: لا عمد لها فترونها. وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٧٣]. وقولهم في صفة محاسن النبيّ ﷺ : "لا تثنى فلتاته" أي: لا فلتات له فتثنى، وقول الشّاعر: [الطويل] عَلَى لاحِبٍ (٢) لا يُهْتَدَى بِمَنَارِهِ … إِذَا سنافَهُ الْعُودُ النَّبَاطِيُّ جَرْجَرَا (٣) أي: لا منار له فيهتدى به. وقول الآخر، وهو زهير: [البسيط] إِنَّ ابْنَ وَرْقَاءَ لا تُخْشَى بَوَادِرُهُ … لَكِنْ وَقَائِعُهُ فِي الحَرْبِ تُنْتَظَرُ (٤)

стр. 1279

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أي: لا بوادر له فيخشى؛ وهو كقول الفرزدق (١): [البسيط] سَهْلُ الْخَلِيقَةِ لا تُخْشَى بَوَادِرُهُ … يَزِينُهُ اثْنَانِ حُسْنُ الْخُلْقِ وَالْكَرَمُ (٢) وأمثلته تكثر، لكني أقول: نفي الأخص وإِن لم يقتض من حيث إِنه نفي أخصّ إِثبات الأعمّ، إِلَّا أنه في بعض المحال قد لا تظهر فائدة لتخصيصه بإِيراد النَّفْي عليه إِلا ذلك، فيفهم منه ذلك والحالة هذه، وهذا كما لو قلت: لا رجل في الدار، فإِنه صادق بانتفاء كون الرجل في الدار مع وِجْدَان الدار وبنفيهما معًا، ولو كانت الدَّار منفيةً لم يظهر لنفي كون الرجل فيها فائدة، ولا بُدّ من فائدة، فيفهم بهذا إِثبات الدَّار، ومن مَارَسَ لغة العرب [وتضلّع] (٣) موارد الشريعة لم يرتب فيما أقوله، وإِنما يمتري في ذلك الجامدون على المَنْطِقِ، بل ذكر شيخنا أبو حيان في تفسيره عند الكلام على قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٩] أن الأكثر في كلام العرب فيما إِذا نفي المقيد بقيد، نفي القيد فقط، وإِثبات المقيد، وأن نفيهما معًا خلاف الأكثر في كلامهم. وكذلك ذكر غيره من النُّحَاة، وإِنما يحمل كلام النبيّ ﷺ على غالب كلام العرب، فوضح ما قاله الإِمام وابن السمعاني. والثَّالثة: أن يظهر واحد معين بدليل مستفادٍ من خارج، وهو المشار إِليه بقوله: "أما إِذا تعيّن" ولا ينبغي لأحد أن يخالف هنا، بل يقدر ما ظهر، سواء أكان عامًّا أو خاصًّا؛ لأن الدليل قَادَهُ.

стр. 1280

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ونظيرُ التعميم فيه قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [سورة يوسف: الآية ٨٢]؛ فإِنه يظهر إِضمار الأهل، وقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٩٧]؛ فإِنه يظهر إِضمار الوقت. ونظير التَّخصيص قوله ﵇: "لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ" (١)؛ فإِنه يظهر إِضمار الوجوب فيه؛ إِذ لا تحرم الهجرة بعد الفتح إِجماعًا. وكذا قوله ﵇: "لا صَلاةَ لِمَنْ لَيْسَ عَلَى يَدَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الخُلُوفِ" المراد نفي الكمال بخصوصه. "ويمثل" لما يظهر فيه واحد معيّن بدليل خارجي "بقوله ﷺ : "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ وَالنِّسْيَان، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ (٢) "رواه الحافظ أبو القاسم التيمي (٣) المعروف بـ "أخي

стр. 1281

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . عاصم" في "مسنده" من رواية محمد بن مصفى (١) عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن عطاء عن ابن عباس، والبيهقي في "الخلافيات" من رواية محمد بن مصفى عن الوليد بن مسلم أيضًا عن مالك عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا، ورواه ابن ماجه عن ابن مصفى، ولفظه: "إِنَّ الله وَضَعَ" الحديث. ورواه الحافظ الضياء في "المختارة" من حديث ابن مصفى، ولفظه كلفظ ابن ماجه، وقد أنكره أحمد بن حنبل. وقال الإِمام محمد بن نصر المَرْوَزِيّ في كتاب "اختلاف العلماء" في "الطلاق": ليس له إِسناد يحتج بمثله. ولكن قال البيهقي: قال لنا أبو عبد الله الحاكم: تفرَّد به الوليد بن مسلم عن مالك، وهو صحيح غريب. ووجه التمثيل: أن ظاهر الحديث يقتضي رفع ذاتي الخطأ والنسيان، وهما واقعان، فاحتيج إِلى إِضمار، والمضمر يحتمل أمورًا كثيرة، كالإِثْمِ، والضمان، ونحو ذلك، فيقدر واحد منها. ونظيره: "لا عَدْوَى وَلا طِيَرَةَ" (٢).

стр. 1282

لَنَا: لَوْ أُضْمِرَ الْجَمِيع، لأُضْمِرَ مَعَ الاِسْتِغْنَاء. "لا صَلاةَ لِجَارِ المَسْجِدِ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ" (١). "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَلا صَلاةَ إِلَّا المَكْتُوبَةُ" (٢). "لا إِيمَانَ لِمَنْ لا أَمَانَةَ لَه، وَلا عَهْدَ لِمَنْ لا دِينَ لَهُ" (٣). "لا نِكَاحَ إِلَّا بِوَليٍّ". "لا أُحِلُّ المَسْجِدَ لِجُنُبٍ وَلا حَائِضٍ" (٤). الشرح: "لنا" على أنه لا يجب إِضمار الجميع أنه "لو أضمر الجميع لأضمر" ما وراء الواحد "مع الاستغناء" عنه، وما أسقط.

стр. 1283

قَالُوا: أَقْرَبُ مَجَازٍ إِلَيْهِمَا - بِاعْتِبَارِ رَفْعِ الْمَنْسُوبِ إِلَيهِمَا عُمُومُ أَحْكَامِهِمَا. أُجِيبَ: بأَنَّ بَابَ غَيْرِ الْإِضْمَارِ فِي الْمَجَازِ أَكْثَرُ؛ فكَانَ أَوْلَى؛ فَيَتَعَارَضَانِ؛ فَيَسْلَمُ الدَّلِيلُ. قَالَوا: الْعُرْفُ فِي مِثْلِ: "لَيْسَ لِلْبَلَدِ سُلْطَانٌ" - نَفْيُ الصِّفَاتِ. منع الشِّيرازي هنا الاستغناء محتجًا بالخروج عن العُهْدَةِ بيقين، مع أنه لا عُهْدة أي: الآن وإِن ثبتت فقد يكون ارتكاب الكلّ محذورًا وإِحداثًا لأحكام شرعية بمجرد الاحتمال. والمعممون "قالوا" أولًا: "أقرب مجاز إِليهما" أي: إِلى الخطأ والنسيان "باعتبار رفع المنسوب إِليهما" المقتضى بظاهره ارتفاع ذاتيهما، إِنما هو "عموم أحكامهما"؛ فإِن نفي جميع الأحكام يصيرهما كالعَدَمِ، فكان الذات قد ارتفعت، بخلاف البَعْضِ، فوجب الحمل عليه؛ لقربه من الحقيقة، وذلك معنى إِضمار الجميع. و"أجيب بأن غير الإِضمار في المجاز أكثر" من باب الإِضمار، "فكان" غير الإِضمار "أولى". ومقتضى ذلك: ألّا يضمر شيء من المقدّرات، "فيتعارضان" دليلكم المثبت لتقدير الجميع، ودليلنا النَّافي للجميع، وهو كون المجاز أكثر؛ "فيسلم الدَّليل" الأول الذي أبديناه، وهو المثبت لتقدير البعض عن المعارض. فإِن قلت: قوله: "أقرب مجاز" يشعر بأن المراد بـ "العموم" في هذا المَقَامِ العموم المصطلح، وهو تقدير لفظ عام، وهو خلاف ما قدمتوه. قلت: لا اعتبار بهذا الإِشعار، ولفظ "أحد تقديرات" في أول كلامه صارفٌ له. الشرح: "قالوا" ثانيًا: "العُرْف" يقضى "في مثل" قولنا: "ليس للبلد سلطان" ولا

стр. 1284

قُلْنَا: قِيَاسٌ فِي الْعُرْفِ. "قَالُوا: يَتَعَيَّنُ الْجَمِيعُ؛ لِبُطْلانِ التَّحَكُّمِ إِنْ عُيِّنَ، وَلُزُومِ الإِجْمَالِ إِنْ أُبْهِمَ. قَاضٍ بالتعميم أي: بأن المراد منه "نفي الصفات" المطلوبة منه جميعها، فكذلك فيما نحن فيه يقضى بأنّ المراد منه نفي جميع الأحكام؛ لأن الأصل عدم النقل. "قلنا": هذا "قياس في العُرْف"؛ فلا يحتج به، أو قد يحصل في عبارة دون عبارة ولا جامع، ولك أن تمنع كون هذا قياسًا، وتقول: بل هو مثال ما نحن فيه. نعم: لو منع المصنّف العموم في نحو: "ليس للبلد سُلْطَان" لكان متّجهًا. قلت: وهذان الوَجْهَان ظاهران في أن النزاع جار، وإِن كان بعض الاحتمالات أقرب إِلى نَفْيِ الحقيقة، ولم ينكره المصنّف. وعندي: أنه متى كان أقرب إِلى نفي الحقيقة تعيّن، سواء أكان أعم من غيره أم لا، إِذا لم يصرف عنه صارف؛ ألا ترى أنا نقدر الصّحة في قوله ﵇: "لا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبيِّتِ الصِّيَامَ" وقوله ﵇: "لا صلاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ (١) "، وننكر على الخصم العدول عنه، وإِنما ننازع فيما إِذا تساوت الاحتمالات، فهل يقدر الكل؟ ونحن نقول: لا نقدّر الكلّ، وليس في الوجهين ما يدفعه. الشرح: "قالوا" ثالثًا: "يتعيّن" أن نقدّر "الجميع؛ لبطلان التحكُّم إِن عين" المقدر؛

стр. 1285

قُلْنَا: وَيَلْزَمُ مِنَ التَّعْمِيمِ: زِيَادَةُ الإِضْمَارِ، وَتَكْثيرُ مُخَالَفَةِ الدَّلِيلِ؛ فكَانَ الإِجْمَالُ أَقْرَبَ. إِذ لا ترجيح من غير مرجّح، "ولزوم [الإِجمال] (١) إِن أبهم"، وهو خلاف الأصل. "قلنا: ويلزم من التَّعميم زيادة الإِضمار، وتكثير مخالفة الدَّليل"، وهو أيضًا خلاف الأصل، "فكان [الإِجمال] (٢) أقرب". قلت: وإِنما يكون لم أقرب إِذا يترجّح التعيين من تعميم، أو غيره؛ لكونه أقرب إِلى الحقيقة على خلاف ما يظهر من سياق الكتاب. فإِن قلت: كلام المصنّف قاضٍ بأن [الإِجْمَال] (٣) خير من كثرة الإِضمار، وقد صرّح الآمدي في مسألة الإِجمال في نحو: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [سورة المائدة: الآية ٣] بخلافه، وهو الحق. قلت: إِنما جُعِلَ خيرًا من تكثير الإِضمار مع مُخَالفة الدَّليل لا مطلقًا، فتأمله. "تنبيه" ما تقدم من تعذّر حمل: "لا نِكَاحَ" وَ"لا صِيَامَ" وأمثالهما على نَفْيِ الحقيقة جارٍ على قولنا: إِن اللَّفظ الشرعي موضوع لأعمّ من الصحيح والفاسد. أما إِذا قلنا: إِنه مختصّ بالصَّحيح، فلم تتعذّر الحقيقة، بل هي منفية، وقد سبق هذا في باب المناهي. "تنبيه آخر" وضح لك أنا نقدر بقدر الضَّرورة، ولا نمنع تقدير العام، بل نجوزه ونصير إِليه إِذا كان أقرب إِلى الحقيقة كما عرفت في مثل "لا صِيَامَ"، والخصوم يمنعون تقدير العام مطلقًا، وبنوا على الخلاف مسائل:

стр. 1286

مَسْأَلَةٌ: مِثْلُ: "لا آكُلُ"، وَ "إِنْ أَكلْتُ" - عَامٌّ فِي مَفْعُولاتِهِ؛ فَيَقْبَلُ تَخْصِيصَهُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: لا يَقْبَلُ تَخْصِيصًا. لَنَا: أَنَّ "لا آكُلُ" لِنَفْيِ حَقِيقَةِ الْأَكْلِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُلِّ مَأْكُولٍ، وَهُوَ مَعْنَى الْعُمُومِ؛ فَيَجِبُ قَبُولُهُ لِلتَّخْصِيصِ. إِذا قال: أنت طالق، ونوى الثَّلاث يصحّ عندنا؛ خلافًا لأبي حنيفة. ولو قال: أنت طالق طلاقًا، صحّت نية الثَّلاث بالاتفاق، وإِنما لم يوافق الحنفية في الأول؛ لأنهم لا يقولون بعموم المقتضى، ولا بأنه يجوز تقدير عمومه، وكذا إِذا حلف لا يشرب، ونوى مياه [جميع] (١) العالم (٢). "مسألة" الشرح: تقدم في أول العموم أن النكرة في سياق النفي تعم، وقد اختلف في أنها هل عمت بذاتها؟ أي: بالوضع، أو بنفي المشترك منها الذي يلزمه انتفاء جميع الأفراد؟ والثَّاني: قول الحنفية. [والأول] (٣): قول أصحابنا، وهي على الخلاف "مثل" قول القائل: والله "لا آكُل، وإِن أكلت" من غير ذكر المفعول به، ولا المصدر، فامرأتي طالق. فقال أصحابنا: "عامّ في مفعولاته؛ فيقبل تخصيصَه" بالنية، ويصدّق من قال: أردت مأكولًا معينًا. "وقال أبو حنيفة (٤): لا يقبل تخصيصه"؛ لأنه لا عموم فيه، بل نفي للقدر المُشْتَرك،

стр. 1287

قَالُوا: لَوْ كَانَ عَامًّا، لَعَمَّ فِي الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ. وَأُجِيبَ: بِالْتِزَامِهِ، وَبِالْفَرْقِ بِأَنَّ "أَكَلْتُ" لا يُعْقَلُ إِلَّا بِمَأْكُولٍ؛ بِخَلافِ مَا ذُكِرَ. قَالُوا: إِنَّ "أَكَلْتُ"، وَ"لا آكُلُ" - مُطْلَقٌ؛ فَلا يَصِحُّ تَفْسِيرُهُ بِمُخَصِّصٍ؛ لِأَنَّهُ غيْرُهُ. قُلْنَا: الْمُرَادُ: الْمُقَيَّدُ الْمُطَابِقُ لِلْمُطْلَقِ، لاِسْتِحَالَةِ وُجُودِ الْكُلِّيِّ فِي الْخَارجِ؛ وَإِلَّا لَمْ يَحْنَثْ بِالْمُقَيَّدِ. والتخصيص يمنع قوله للتخصيص باللَّفظ والنية، ولا يفرق بين ذكر المصدر والمفعول به، وعدم ذكرهما لكان مذهبًا قويًا. ولكنه يقول: إِنه يقبل التخصيص باللَّفظ دون النّية. قال: لأن النّية [ضعيفة، فلا تؤثر إِلَّا في ملفوظ، ولو عكس لكان أقرب؛ فإِن الملفوظ أقوى] (١) من المسكوت، ولكنه ناقض؛ إِذ جعله عامًّا حيث قال: إِنه يقبل التخصيص باللَّفظ غير عام، إِذ قال: إِنه لا يقبله بالنّية، ولا عهد بمثل هذا في اللسان. وقال: إِنه عند ذكر المفعول به، أو المصدر يعم، ويقبل التخصيص زاعمًا أن الفعل إِذا تجرّد فالمصدر غير مذكور، وهذا خارج أيضًا عن اللسان؛ فإِن الفعل يدلّ على الحدث بالتضمن. وإِذا عرفت مذهب أبي حنيفة، وأنه لا يمنع التخصيص مطلقًا، وإِنما يمنعه بالنّية، وضح لك أن ردّ القرافي عليه بمثل قوله تعالى: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [سورة يوسف: الآية ٦٦] غير سديد، وإِنما ذكر المصنّف مثالين: "لا أكلت" و"إِن أكلت"؛ ليبين أنه لا فرق بين النكرة في سياق النفي والشرط. وقد قال إِمام الحرمين (٢): إِنها عامّة في سياق الشرط كالنفي، وفيه بحث يطول. "لنا" على العموم "أن" "لا آكل"، لنفي حقيقة الأكل بالنسبة إِلى كلّ مَأكول"، ولذلك يحنث عند الإِطلاق بأي مأكول أكله، "وهو [معنى] (٣) العموم، فيجب قبوله للتخصيص". ولقائل أن يقول: لا نسلّم أنه نفي لحقيقة الأكل بالنسبة إِلى كلّ مأكول. الشرح: والخصوم "قالوا: لو كان" الفعل "عامًّا" بالنسبة إِلى مفعولاته "لعمَّ في"

стр. 1288

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ظرفي "الزَّمان والمكان"، بجانب المفعولية المثشركة بينهما، وكان يقبل التخصيص فيهما. "وأجيب بالتزامه؛ فإِنه لو قال: والله لا آكل، ونوى زمانًا معينًا، أو مكانًا صحت نيّته، هذا مذهبنا، ودعوى الإِمام الرازي الإِجماع على خلافه ممنوعة. "وبالفرق" بين المفعول به، والمفعول فيه "بأن" الأكل الذي هو مصدر "أكلت" لا يعقل إِلا بمأكول، بخلاف ما ذكره" من [الظرفين] (١)؛ فإِن الفعل قد يعقل مع الذُّهول عنهما، واستلزامه لهما إِنما هو بحسب الواقع، وقد لا يستلزم؛ بدليل فعل الله تعالى. والحاصلُ: أن المفعول به من مقوِّمَات الفعل، فكان كالمذكور، وإِذن جاز أن يراد به البَعْض، ولا كذلك الظرف. "قالوا: إِن "أكلت" و"لا آكل مطلق"، ولا دلالة للمطلق على العموم والخصوص، "فلا يصح تفسيره بمخصص؛ لأنه غيره". "قلنا": ليس "المراد" بالأكل في قوله لا آكل المطلق؛ بل المراد "المقيّد المطابق للمطلق لاستحالة وجود الكلّي في الخارج، وإِلا" فلو كان المراد الكلي المطلق "لم يحنث بالمقيد"؛ لأنه غير ما عقد عليه اليمين، وقد سبق للمصنّف نظير هذا، وعرفت (٢) ما فيه. "فرع" أقر (٣) في صكّ أنه لا دعوى له على زيد ولا طلبه بوجه من الوجوه، ثم قال: إِنما أردت في عِمَامَتِهِ وقميصه، لا في دَارِهِ [وبُسْتَانه] (٤). قال القاضي أبو سعد بن أبي يوسف: هذا موضع تردّد، والقياس قوله؛ لأن غايته تخصيص عموم، وهو محتمل. وقال النووي: الصَّواب: لا يقبل في ظاهر الحُكْم، لكن له تحليفه أنه لا يعلم قصده لذلك.

стр. 1289

مَسْأَلَةٌ: الْفِعْلُ الْمُثْبَتُ لا يَكُونُ عَامًّا فِي أَقْسَامِهِ؛ مِثْلُ: "صَلَّى دَاخِلَ الْكَعْبَةِ"؛ فَلا يَعُمُّ الْفَرْضَ والنَّفْلَ، وَمِثْلُ: "صَلَّى بَعْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ"، فَلا يَعُمُّ الشَّفَقَيْنِ إِلَّا عَلَى رَأْيٍ. وَ"كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ فِي السَّفَرِ" - لا يَعُمُّ وَقْتَيْهِمَا. وَأَمَّا تَكَرُّرُ الْفِعْلِ، فَمُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِ الرَّاوِي: "كَانَ يَجْمَعُ"؛ كَقَوْلهِمْ: "كَانَ حَاتِمٌ يُكْرِمُ الضَّيْفَ. "فائدة" الكلام في المُطْلق إِذا نوى به مقيدًا، كالكلام في العامّ إِذا نوى به الخاص. فإِن قلت: إِذا كنتم تقبلون نيّة التخصيص والتقييد، فلم لا قبلتم قول القائل: أنت طالق ثلاثًا، وقال: أردت تفريقها على الأجزاء، وإِذا جاء رأس الشهر، أو قال: كلّ امرأة لي طالق، أو: نسائي طَوَالق، وعزل بَعْضَهن بالنّية على الصَّحيح في الكُلّ؟ قلت: إِنما لا يقبل ذلك في الظاهر؛ لأنه ادّعى خلاف الظَّاهر، وفي نفس الأمر يديَّن على الصحيح، إِلا أن يأتي بِقَيْدٍ يرفع اللَّفظ جملة، مثل أن يقول: أردت إِن شاء الله. ما ذكره كبراء المذهب. "مسألة" الشرح: "الفعل المثبت" إِذا كان له أقسام وجهات "لا يكون عامًّا في أقسامه"؛ لأنه قد لا يمكن وقوعه على جميع تلك الأقسام؛ لكونها مُتَضَادّة، أو يمكن ولكن لا يتحقق الوقوع، ومع [الاحتمال] (١) لا سبيل إِلى التعميم (٢). فالأول "مثل" رواية بلال ﵁ الثابتة في "الصَّحيحين" الشَّاهدة بأن

стр. 1290

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . النبيّ ﷺ "صلى داخل الكَعْبَةِ، فلا يعم الفرض والنفل" (١)؛ لأن الصلاة الواحدة يستحيل أن تقع فرضًا ونَفْلًا معًا. فإِن قلت: قد قلتم: إِن تحيّة المسجد تحصل بصلاة الفرض، سواء أنواها مع الفرض أم سكت. قلت: لا معنى لحصولها أنّ تلك الصَّلاة فرض ونفل معًا، وكيف وذلك مستحيل؛ لأن اجتماع الفرض والنفل مُحَال. وإِنما نعني بذلك: إِما سقوط الأمر بالتَّحية؛ لحصول المقصود منها، وهو ألَّا ينتهك المسجد بالجلوس فيه من غير صَلاةٍ، كما يسقط الأمر في فرض الكفاية عمن لم يفعل. وإِما حصول الثواب، وهذا فيما إِذا نواهما. أما إِذا سكت عن التحية، فنازع فيه الشيخ الإِمام الوالد، وقال: كيف يثاب على ما لم يَنْوِ؟ ولا يشهد لفظ صلّى داخل الكعبة بإِثبات أكثر من صلاة. - والثَّاني: "مثل" ما روي أنه ﷺ "صلّى" العشاء "بعد غيبوبة الشَّفق"، وهو لفظ لا أحفظه، فيحتمل أن يكون بعد غَيْبُوبَةِ الشفق الأحمر، أو الشفقين الأحمر والأبيض، "فلا يعم" صلاتين واقعتين بعد كلّ من "الشفقين"، ولا يلزم منه وقوعهما بعد البَيَاضِ "إِلا على رأيٍ" يذهب إِليه من يوجب حمل المشترك على معنييه، والعموم حينئذ وإِن ثبت له، فليس من حيث إِنه فعل، بل من دلالة اللَّفظ، ونحن إِنَّما ادّعينا عدم عموم الفِعْل من حيث إِنه فعل. فإِن قلت: أنتم مَعَاشر الشَّافعية ترون حمل المشترك على معنييه، فلزمكم الحمل على الصَّلاة بعد غيبوبة الأبيض، وإِن لم يصحّ بعد غيبوبة الأحمر، وهو خلاف مذهبكم. قلت: عُمْدَتنا الحديث المصرّح فيه بما يدلّ على الأحمر، وهو حديث عبد الله بن

стр. 1291

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . عمر: "ووقت المغرب ما لم يسقط نور الشَّفق" رواه مسلم، ونور الشفق: حُمْرته. هذا وقد قلنا: إِن صلى بعد غيبوبة الشَّفق غير محفوظ. وأما قول الصَّحابي: كان يفعل (١)، مثل ما رواه البُخَاري في "صحيحه" من حديث أنس أن النبيّ ﷺ "كان يجمع بين الصلاتين في السَّفَرِ" (٢)، فإِنه من حيث لفظه لا يقتضي تَكْرَار الفعل، إِذا كان لا يقتضي التكرار، فمقتضاه وقوع الجمع مرة، وهو إِما في وقت الأولى منهما، أو في وقت الثَّانية، ويستحيل أن يكون الجمع مرة واحدة يقع فيهما، فإِذن "لا يعم وقتيهما" من حيث لفظه، كما قلنا في: "صلّى داخل الكعبة". نعم يتميز عن مثل: "صلى داخل الكعبة" بأن العرف فيه يقتضي [التكرار] (٣)، وإِليه الإِشارة بقوله: "وأما تكرر الفعل المستفاد من قول الراوي: كان يجمع"؛ فإِن العادة جارية بأن ذلك لا يقال إِلَّا لمن تكرر منه الفعل، "كقولهم: كان حاتم يكرم الضيفَ". وقوله تعالى في قصّة إِسماعيل ﵇: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ [سورة مريم: الآية ٥٥] والمراد به التكرار. ولقائل أن يقول: روى أبو داود في "سننه" بسند صحيح عن عروة عن عائشة ﵄ قالت وهي تذكر شأن "خيبر": كان النبيّ ﷺ يبعث عبد الله بن رواحة إِلى يهود "خيبر" فيَخْرص النَّخل (٤).

стр. 1292

وَأَمَّا دُخُولُ أُمَّتِهِ، فَبِدَلِيل خَارِجِيٍّ؛ مِنْ قَوْلٍ، مِثْلُ: "صَلُّوا كَمَا رَأَيتُمُونِي أصَلِّي"، وَ: "خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ " - أَوْ قَرِينَةٍ؛ كَوُقُوعِهِ بَعْدَ إجْمَالٍ، أَوْ إِطْلاقٍ، أَوْ عُمُومٍ، أَوْ بِقَوْلهِ: "لَقَدْ كَانَ لَكُمْ" [سورة الأحزاب: الآية ٢١]- أَوْ بِالقِيَاسِ. فقد استعملت عائشة ﵂ "كان يفعل " من غير تكرار؛ لأن "خيبر" كانت سنة سبع، وعبد الله بن رَوَاحَةَ قتل سنة ثمان، وعدم دلالتها على التَّكرار وضعًا وعرفًا هو ظاهر إيراد الإمام الرَّازي، ولعلّ المصنّف لا يدعي أن دلالتها عليه بالوَضْعِ، بل بالعرف، ولا شك أن الفهم يتبادر إليه حيث ورد مثل هذا اللَّفظ لا يكاد يختلج فيه، بل قد يتبادر منه، وإن تعقّبه لفظ الشرط والجزاء الذي لو جُرِّد عن "كان" لم يشهد بأصل الوقوع البتة، كما في قول عائشة ﵂: "كان رسول الله ﷺ إذا اعْتَكفَ يدني إليَّ رأسه فأُرَجِّلُهُ" (١). وقول حذيفة: كان النبي ﷺ إذا قام يَشُوصُ فَاهُ بُالسواك (٢). واعلم أن هذه المسألة، وهي دلالة "كان" على التكّرار غير مسألة دلالتها على الانقطاع الذي ادّعاه شيخنا أبو حَيّان، وأنكره ابن مالك؛ فإنه لا يلزم من التكرار عدم الانقطاع، فقد يتكرر الشيء ثم ينقطع. نعم، يلزم من عدم الانقطاع التَّكرار، ولكن لا قائل بدلالتها على عدم الانقطاع، بل القائل قائلان: قائل بأنها كسائر الأفعال لا دلالة لها على الانقطاع بإثبات ولا نفي، وهو اختيار ابن مالك. وقائل: إنها تدلّ على الانقطاع، وهو رأي شيخنا. الشرح: "وأما دخول أمته" ﷺ تحت هذه الأحكام، "فبدليل خارجي" دالّ على

стр. 1293

قَالُوا: قَدْ عُمِّمَ نَحْوُ: "سَهَا، فَسَجَدَ"، وَ"أَمَّا أَنَا فَأُفِيضُ الْمَاءَ" وَغَيْرِهِ. تأسيهم، مأخوذ إما "من قوله مثل: صَلُّوا كَما رَأَيْتُمُوني أُصَلِّي" و: "خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ""، وقد تقدم الكلام على الحديثين في مسألة أفعال النبي ﷺ . "أو" من "قرينةٍ، كوقوعه بعد إجمال" مثل القَطْع من الكُوع بعد آية السرقة، "أو إطلاقٍ، أو عمومٍ، أو بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ" فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٢١] "أو بالقياس" هذا كلام المصنف تبعًا للآمدي. ولقائل أن يقول: دخول الأمّة وعدم دخولهم لا تعلّق له بهذه المسألة التي هي معقودة بخصوص الفعل أو عمومه، بل هي مسألة أخرى تقدمتْ في مسألة النَّاسي، واختار فيها أنه إذا تجرد وعلمت صفته، فأُمّته مثله، والا يعلم، فإن ظهر قصد القُرْبة فندبٌ، وإلا فمباح. وعذر الآمدي والمصنّف أنهما استشعرا سؤالًا، وهو أن يقال: فكيف دخلت الأمة في ذلك؟. فأجابا عنه، وكان من حقّهما لو أورد هذا السؤال أن يقال: ذلك مأخوذ من دليلٍ خاصّ، أو معروف من مسألة النَّاسِي، وليس مِمَّا نحن فيه في شيء، وأما ما فعله فمدخول؛ لمخالفته لما قدمه. "فائدة" قوله: "أو قرينة" معطوف على المجرور من قوله "بدليل". فإن قلت: يلزم عطف الأَخَصّ على الأعم؛ لأن القرينة وما بعدها أيضًا دليل. قلت: المعطوف عليه الَّذي هو المجرور ليس هو مطلق الدَّليل، بل الدليل القولي المُغَاير للإطلاق والعموم؛ أَلا تراه خصصه بقوله: من قول: مثل: "صَلُّوا"؟ " أي: بدليل قوله مثل: "صلوا"، أو دليل ولكن غير قوله مثل القرينة والقياس، أو قول ولكن لا مثل "صلوا"، بل إطلاق أو عموم، ولذلك أقول: لو لم يفصل بين لفظ القرينة والقياس كان أحسن؛ فإن الدليل إما لفظ خاص مثل: "صلوا"، أو مطلق أو عام، أو غير لفظ، وذلك قرينة أو قياس. الشرح: "قالوا: قد عمم" حكم الفعل للأُمّة، فدل على أن التعميم مأخوذ من

стр. 1294

قُلْنَا: بِمَا ذَكَرْنَاهُ لا بِالصِّيغَةِ. مَسْأَلَةٌ: نَحْوُ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ: "نَهَى [﵊] عَنِ بَيْعِ الغَرَرِ"، وَ"قَضَى بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ" - يَعُمُّ الْغَرَرَ وَالْجَارَ. الفعل، وذلك "نحو "قول عمران بن حُصَين ﵁: "إن النبي ﷺ "سها فسجد"". رواه أبو داود، والترمذي، والحاكم، وقال: على شرط الشيخين، ولكن تكلم فيه البيهقي، وكذلك قوله ﷺ وقد ذكر عنده الغُسْل من الجنابة: ""أَمّا أَنَا فَأُفِيضُ المَاءَ" عَلَى رَأْسِي ثَلاثَةَ أَكُفٍّ" (١) رواه البخاري ومسلم. ولفظ البخاري: "أَمَّا أَنَا فَأُفِيضُ عَلَى رَأسِي ثَلاثًا"، "وغيره". "قلنا": إنما استفيد بالتعميم "بما ذكرناه" من قيلٍ أو قرينةٍ "لا بالصيغة" صيغة الفعل. "مسألة" الشرح: "نحو قول الصحابي: نهى رسول الله " ﷺ عن بيع الغَرَرِ" رواه مسلم من حديث أبي هريرة، و"قضى بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ" (٢)، وهو لفظ لا يُعْرَف، ويقرب منه ما رواه

стр. 1295

لنَا: عَدْلٌ عَارِفٌ، فَالظَّاهِرُ الصِّدْقُ؛ فَوَجَبَ الاِتِّبَاعُ. قَالُوا: يَحْتَمِلُ: أَنَّهُ كَانَ خَاصًّا، أَوْ سَمِعَ صِيغَةً خَاصَّةً؛ فَتَوَهَّمَ، وَالاِحْتِجَاجُ لِلْمَحْكِيِّ. قُلْنَا: خِلافُ الظَّاهِرِ. النسائي عن الحسن قال: قضى النبي ﷺ بالجِوَارِ، وهو مرسل. قال أصحابنا: لا يجوز دعوى العموم فيه (١). وقيل: إن قال: كان يقضي عمر كما سبق. وقال المصنّف: "يعم الغَرَر والجَار" مطلقًا، وهو شيء ذكره ابن الأَنْبَاري شيخ المصنّف في "شرح البرهان" سؤالًا ودفعه. وذكره الآمدي بحثًا، فارتضاه المصنّف، وأقامه مذهبًا لنفسه، واحتج له بالبحث الذي أبداه الآمدي فقال: الشرح: "لنا" الصحابي "عَدْل عارف" باللغة، وقد أتى بلام الجنس في الغَرَرِ والجار، "فالظاهر الصدق"؛ إذ لو لم يعلم العموم لم يأت بصيغته؛ "فوجب الاتباع". ولقائل أن يقول: الصِّيغة المذكورة تقتضي تقدم غَرَرٍ خاصّ، وجارٍ خاص وفع القضاء فيهما قطعًا، فهما مَعْهُودان، والعهد مقدم على العموم، فأين صيغة العموم؟ أو وقع الشك بين العهد والعموم، فلم قلتم بالعموم؟. وأصحابنا "قالوا: يحتمل أنه كان خاصًّا" بواقعة، فنقله عامًّا؛ لظنّه العموم، "أو سمع صيغة خاصة، فتوهّم" العموم "والاحتجاج" به "للمحكي" لا للحكاية. قال: "قلنا": هذا "خلاف الظاهر"؛ لما بَيَنا من عِرْفَان الراوي باللسان.

стр. 1296

مَسْألَةٌ: إِذَا عَلَّقَ حُكْمًا عَلَى عِلَّةٍ - عَمَّ بِالْقِيَاسِ شَرْعًا لا بِالصِّيغَةِ. ولو قيل له: فما بالك لا تسمع قوله: هذا منسوخ؛ لقال: القضاء بالنَّسْخ أمر اجتهادي، وهو يختلف باختلاف المجتهدين، فجاز أن يطلبه هو ولا يراه، بخلاف الرواية؛ فإنها لا تتوقف إلا على فهم اللسان، ولا اختلاف فيه. وأنا أقول: ما أبديته من البحث يدفع هذا؛ فإنّ المصنف لم يثبت صيغة تعميم حتى يناضل عنها، ويجريها على مقتضاها. ثم أقول: سلمنا أنه أتى بلام الجنس غير قاصد العَهْد، أو أنه لا عهد، ولكن الخلاف معروف في لام الجنس، فلعلّه ممن لا يرى العموم، والمسألة اجتهادية، فهي كقوله: هذا منسوخ، وممن نصّ من أصحابنا على أن مثل: "قضى بالشُّفْعَةِ للجار" لا يعم - الشيخ أبو حامد الإسفراييني، وابن السمعاني، والغزالي، والإمام. "مسألة" النص على العلّة لا يكفي في التعدي، بل لا بد من تقدم ورود التعبُّد بالقِيَاس؛ خلافًا للقاسَاني والنَّظَّام وغيرهما، وهذا سيأتي إن شاء الله تعالى في كتاب "القياس". وإذا ورد التعبُّد بالقياس فهي مسألتنا هنا؛ فنقول: "مسألة" الشرح: "إذا عَلَّق" ﷺ "حُكمًا" في واقعة معيّنة "على علّة" بأن قضى فيها بقضاء ذاكرًا علّته، فإما أن يقطع باستقلالها أو لا (١). أما الأول: فقد قطع القياسيون بالتعدِّي قياسًا، وشذّ من قال فيه: يتعدى لفظًا، ولم يقل أحد هنا: إنه لا يتعدّى أصلًا إلّا بغض من أنكر أصل القياس، ولا كلام هنا معه؛ لأن الكلام هنا فع مثبتي القياس.

стр. 1297

وَقَالَ الْقَاضِي: لا يَعُمُّ. وَقِيلَ: بِالصِّيغَةِ؛ كَمَا لَوْ قَالَ: "حَرَّمْتُ الْمُسْكِرَ؛ لِكَوْنِهِ حُلْوًا. لَنَا: ظَاهِرٌ فِي اسْتِقْلالِ الْعِلِّيَّةِ؛ فَوَجَبَ الاِتِّبَاع، وَلَوْ كَانَ ........... وأما الثاني: وهو ألا يقطع باستقلال العلّة، ولكن يكون استقلالها هو الظاهر، كما في المُحْرم الذي وَقَصَتْهُ نَاقَتُه، وقوله ﵇: "لا تُخَمِّرُوا رَأْسَه، وَلا تُقْرِبُوهُ طِيبًا؛ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا" (١). فإنّ الظاهر أن ذلك لا يختصّ بذلك المحرم، وهي مسألة الكتاب، فقال الشافعي: "عمَّ بالقياس شرعًا لا بالصيغة"، وهو الحق. "وقال القاضي: لا يعم"، ومال إليه الغزالي. "وقيل": يعم "بالصيغة"، وعُزِيَ إلى الشافعي، والصحيح عنه الأول "كما لو قال: حرمت المسكر؛ لكونه حلوًا"، فإن الطاهر أن مطلق الحلاوة علّة لا خصوص حلاوة المسكر، فيتعدّى إلى كلّ حلو، وكما ذكرناه في المحرم. الشرح: "لنا": على ثبوته بالقياس "ظاهر في استقلال العلّية" بإثبات ذلك الحكم؛ "فوجب الاتباع" في كلّ ما اشتمل على العلّة، "ولو كان" ثبوت العموم "بالصيغة لكان قول القائل: "أعتقت غانمًا؛ لِسَوَاده" يقتضي عتق سُودَان عبيده" بأَسْرِهم؛ إذ لا فرق بينه وبين: أعتقت سُودَان عبيدي إذا قيل: إنه بالصيغة، "ولا قائل به". قلت: وقد مَرّ بي في بعض ما لا يحضرني اسمه من الكتب أن الصَّيرفي من أصحابنا ارتكب هذا الشَّطط، وقال به.

стр. 1298

بِالصِّيغَةِ، لَكَانَ قَوْلُ الْقَائِلِ: "أَعْتَقْتُ غَانِمًا؛ لِسَوَادِهِ" - يَقْتَضِي عِتْقَ سُودَانِ عَبِيدِهِ؛ وَلا قَائِلَ بِهِ. الْقَاضِي: يَحْتَمِلُ الجُزْئِيَّةَ. قُلْنَا: لا يُتْرَكُ الظَّاهِرُ لِلاحْتِمَالِ. الآخَرُ: "حَرَّمْتُ الْخَمْرَ؛ لإسْكَارِهِ" - مِثْلُ: "حَرَّمْتُ الْمُسْكِرَ لإسْكَارِهِ". وَأُجِيبَ: بِالْمَنْعِ. مَسْأَلَةُ: الْخِلافُ فِي أَنَّ الْمَفْهُومَ: "لَهُ عُمُوم؟ " - لا يَتَحَقَّقُ؛ لِأَنَّ ........... الشرح: واحتج "القاضي" بأنه "يحتمل الجزئية" أي: كون الإسْكَار جزءًا من العلّة، فلا يكون كونه حُلوًا هو العلة بتمامها. وكذا قال في المُحْرم: يحتمل أن النبي ﷺ عَلِمَهُ يموت مسلمًا مخلصًا في عبادته مَحْشورًا ملبّيًا وقصت به ناقته، لا بمجرد إحرامه. الشرح: "قلنا": ما ذكره احتمال، ولكن "لا يترك الظاهر للاحتمال"، وهنا يعود الخلاف بيننا وبينه مخرجًا على أَصْل بيننا لا ينبغي لك إغفاله، وهو أنا نكتفي بالظواهر في العمليات، وهو أبدًا يتطلّب القطع؛ فلذلك خالف هنا، فلا تحسبه ينكر الظُّهَور، بل يعترف به، ولا يكتفي به فاحفظ هذا، فهو كثير المرور بك. واحتج "الآخر" القائل بأنه يعمّ بالصيغة بأن "حرمت الخمر لإسكاره مثل: حرمت المسكر"، فليعم بالصيغة مثله. "وأجيب بالمَنْعِ" من المساواة، وهو حق. "مسألة" الشرح: "الخلاف في أن المفهوم " هل "له عموم (١) لا أو لا - "لا يتحقق؛ لأن مفهومي

стр. 1299

مَفْهُومَيِ الْمُوَافَقَةِ وَالْمُخَالفةِ عَامٌّ فِيمَا سِوَى الْمَنْطُوقِ بِهِ، وَلا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ. وَمَنْ نَفَى الْعُمُومَ؛ كَالْغَزَالِيِّ: أَرَادَ أن الْعُمُومَ لَمْ يَثْبُتْ بِالْمَنطُوقِ بِهِ، وَلا يَختَلِفُونَ فِيهِ أَيْضًا. الموافقة"، وهو ما كان الحكم في المسكوت عنه موافقًا للمنطوق "والمخالفة"، وهو ما كان مخالفًا "عام فيما سوى المنطوق به"، أي": ثابت في كل الصور، "و" ذلك مما "لا يختلفون فيه". الشرح: "ومن نفى العُمُوم كالغَزَالي" لم يرد أن الحكم غير ثابت في صور [المسكوت] (١)؛ إذ هو خلاف الاتفاق، وإنما "أراد أن العموم لم يثبت بالمنطوق " فقط، بل بواسطته، "ولا يختلفون فيه أيضًا"، فإذن لا يتحقّق الخلاف، وهو في الحقيقة مبني على أَنَّ العموم هل هو من عوارض، الألفاظ فقط؟ أو من عوارض الألفاظ والمعاني؟ والثاني: قول المصنف، والأول قول الغَزَالي وجمهور أصحابنا؛ فلذلك يسمون المفهوم عامًا. والقول بأنه لا يسمى عامًا هو قضية إيراد الأكثرين من أئمّتنا، كالشيخ أبي حامد ومن بعده، وقد صَرّح الغزالي وغيره أن الخلاف مبني على ذلك، وهو لفظي. وحكى الشَّيخ أبو حامد، وأبو إسحاق الشِّيرَازي، والإمام الرازي وغيرهم من أئمتنا خلافًا في أن مفهوم المُخَالفة هل يدل على نفي الحكم عَمَّا عدا المَنْطُوق مما هو من جنسه؟ أو مطلقًا حتى يدل قوله ﵇: "فِي الغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ" (٢) على أنّ غير السائمة لا

стр. 1300

مَسْأَلَةٌ: قَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ: مِثْلُ قَوْلهِ ﷺ : "لا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِر وَلا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ": مَعْنَاهُ: "بِكَافِرٍ"؛ فَيَقْتَضِي الْعُمُومَ إِلَّا بِدَلِيل؛ وَهُوَ الصَّحِيحُ. زكاة فيها وإن كانت من غير الغنم؟. وظنّ بعضهم أن هذا الخلاف يبنى على أن المفهوم هل له عموم؟. وهو وهم؛ فإن هذا الخلاف إنَّمَا هو في تحقيق مقتضى المفهوم، وهل هو نفي الزكاة عن كلّ معلوفة؟ أو عن معلوفة الغنم خاصّة؟ وأيًا ما كان فهو شامل لما هو مقتضاه. وذكر شيخ الإسلام تقي الدين بن دقيق العيد أن اختلاف أصحابنا في الماء النجس، إذا كُوثِرَ بماء ولم يبلغ قلّتين هل يطهر؟ - ينبني على ذلك. فإن قلنا: له عموم، لم يطهر، وهو الصحيح والأظهر، ووجه البناء أن قوله ﵇: "إذَا بَلَغَ المَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَنْجُسْ" (١) دالّ بمفهومه على أنّ ما دون القُلَّتين ينجس بملاقاة النجاسة سواء أتغير أم لم يتغير، كوثر ولم يبلغهما أم لم يكاثر. وإن قلنا: لا عموم للمفهوم لم يقتض الحديث النَّجَاسة في هذه الصورة، ولذلك الماء القليل الجاري إذا وقعت فيه نجاسة ولم يتغير، فإنه على قولين: الجديدة ينجس، والقديم: لا ينجس، ينبني على ما ذكر. قلت: ولا يخفى أن هذا البناء إنما يصحّ لو كان القائل بأنه لا عموم له لا يثبت حكمه في جميع الصور، وليس كذلك كما عرفت. "مسألة" الشرح: "قالت الحنفية: مثل" ما روى الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي من
следующие страницы →