مَسْألَةٌ:
إِذَا عَلَّقَ حُكْمًا عَلَى عِلَّةٍ - عَمَّ بِالْقِيَاسِ شَرْعًا لا بِالصِّيغَةِ.
ولو قيل له: فما بالك لا تسمع قوله: هذا منسوخ؛ لقال: القضاء بالنَّسْخ أمر اجتهادي، وهو يختلف باختلاف المجتهدين، فجاز أن يطلبه هو ولا يراه، بخلاف الرواية؛ فإنها لا تتوقف إلا على فهم اللسان، ولا اختلاف فيه.
وأنا أقول: ما أبديته من البحث يدفع هذا؛ فإنّ المصنف لم يثبت صيغة تعميم حتى يناضل عنها، ويجريها على مقتضاها.
ثم أقول: سلمنا أنه أتى بلام الجنس غير قاصد العَهْد، أو أنه لا عهد، ولكن الخلاف معروف في لام الجنس، فلعلّه ممن لا يرى العموم، والمسألة اجتهادية، فهي كقوله: هذا منسوخ، وممن نصّ من أصحابنا على أن مثل: "قضى بالشُّفْعَةِ للجار" لا يعم - الشيخ أبو حامد الإسفراييني، وابن السمعاني، والغزالي، والإمام.
"مسألة"
النص على العلّة لا يكفي في التعدي، بل لا بد من تقدم ورود التعبُّد بالقِيَاس؛ خلافًا للقاسَاني والنَّظَّام وغيرهما، وهذا سيأتي إن شاء الله تعالى في كتاب "القياس".
وإذا ورد التعبُّد بالقياس فهي مسألتنا هنا؛ فنقول:
"مسألة"
الشرح: "إذا عَلَّق" ﷺ "حُكمًا" في واقعة معيّنة "على علّة" بأن قضى فيها بقضاء ذاكرًا علّته، فإما أن يقطع باستقلالها أو لا (١).
أما الأول: فقد قطع القياسيون بالتعدِّي قياسًا، وشذّ من قال فيه: يتعدى لفظًا، ولم يقل أحد هنا: إنه لا يتعدّى أصلًا إلّا بغض من أنكر أصل القياس، ولا كلام هنا معه؛ لأن الكلام هنا فع مثبتي القياس.
стр. 1297
وَقَالَ الْقَاضِي: لا يَعُمُّ.
وَقِيلَ: بِالصِّيغَةِ؛ كَمَا لَوْ قَالَ: "حَرَّمْتُ الْمُسْكِرَ؛ لِكَوْنِهِ حُلْوًا.
لَنَا: ظَاهِرٌ فِي اسْتِقْلالِ الْعِلِّيَّةِ؛ فَوَجَبَ الاِتِّبَاع، وَلَوْ كَانَ ...........
وأما الثاني: وهو ألا يقطع باستقلال العلّة، ولكن يكون استقلالها هو الظاهر، كما في المُحْرم الذي وَقَصَتْهُ نَاقَتُه، وقوله ﵇: "لا تُخَمِّرُوا رَأْسَه، وَلا تُقْرِبُوهُ طِيبًا؛ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا" (١).
فإنّ الظاهر أن ذلك لا يختصّ بذلك المحرم، وهي مسألة الكتاب، فقال الشافعي: "عمَّ بالقياس شرعًا لا بالصيغة"، وهو الحق.
"وقال القاضي: لا يعم"، ومال إليه الغزالي.
"وقيل": يعم "بالصيغة"، وعُزِيَ إلى الشافعي، والصحيح عنه الأول "كما لو قال: حرمت المسكر؛ لكونه حلوًا"، فإن الطاهر أن مطلق الحلاوة علّة لا خصوص حلاوة المسكر، فيتعدّى إلى كلّ حلو، وكما ذكرناه في المحرم.
الشرح: "لنا": على ثبوته بالقياس "ظاهر في استقلال العلّية" بإثبات ذلك الحكم؛ "فوجب الاتباع" في كلّ ما اشتمل على العلّة، "ولو كان" ثبوت العموم "بالصيغة لكان قول القائل: "أعتقت غانمًا؛ لِسَوَاده" يقتضي عتق سُودَان عبيده" بأَسْرِهم؛ إذ لا فرق بينه وبين: أعتقت سُودَان عبيدي إذا قيل: إنه بالصيغة، "ولا قائل به".
قلت: وقد مَرّ بي في بعض ما لا يحضرني اسمه من الكتب أن الصَّيرفي من أصحابنا ارتكب هذا الشَّطط، وقال به.
стр. 1298
بِالصِّيغَةِ، لَكَانَ قَوْلُ الْقَائِلِ: "أَعْتَقْتُ غَانِمًا؛ لِسَوَادِهِ" - يَقْتَضِي عِتْقَ سُودَانِ عَبِيدِهِ؛ وَلا قَائِلَ بِهِ.
الْقَاضِي: يَحْتَمِلُ الجُزْئِيَّةَ.
قُلْنَا: لا يُتْرَكُ الظَّاهِرُ لِلاحْتِمَالِ.
الآخَرُ: "حَرَّمْتُ الْخَمْرَ؛ لإسْكَارِهِ" - مِثْلُ: "حَرَّمْتُ الْمُسْكِرَ لإسْكَارِهِ".
وَأُجِيبَ: بِالْمَنْعِ.
مَسْأَلَةُ:
الْخِلافُ فِي أَنَّ الْمَفْهُومَ: "لَهُ عُمُوم؟ " - لا يَتَحَقَّقُ؛ لِأَنَّ ...........
الشرح: واحتج "القاضي" بأنه "يحتمل الجزئية" أي: كون الإسْكَار جزءًا من العلّة، فلا يكون كونه حُلوًا هو العلة بتمامها.
وكذا قال في المُحْرم: يحتمل أن النبي ﷺ عَلِمَهُ يموت مسلمًا مخلصًا في عبادته مَحْشورًا ملبّيًا وقصت به ناقته، لا بمجرد إحرامه.
الشرح: "قلنا": ما ذكره احتمال، ولكن "لا يترك الظاهر للاحتمال"، وهنا يعود الخلاف بيننا وبينه مخرجًا على أَصْل بيننا لا ينبغي لك إغفاله، وهو أنا نكتفي بالظواهر في العمليات، وهو أبدًا يتطلّب القطع؛ فلذلك خالف هنا، فلا تحسبه ينكر الظُّهَور، بل يعترف به، ولا يكتفي به فاحفظ هذا، فهو كثير المرور بك.
واحتج "الآخر" القائل بأنه يعمّ بالصيغة بأن "حرمت الخمر لإسكاره مثل: حرمت المسكر"، فليعم بالصيغة مثله.
"وأجيب بالمَنْعِ" من المساواة، وهو حق.
"مسألة"
الشرح: "الخلاف في أن المفهوم " هل "له عموم (١) لا أو لا - "لا يتحقق؛ لأن مفهومي
стр. 1299
مَفْهُومَيِ الْمُوَافَقَةِ وَالْمُخَالفةِ عَامٌّ فِيمَا سِوَى الْمَنْطُوقِ بِهِ، وَلا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ.
وَمَنْ نَفَى الْعُمُومَ؛ كَالْغَزَالِيِّ: أَرَادَ أن الْعُمُومَ لَمْ يَثْبُتْ بِالْمَنطُوقِ بِهِ، وَلا يَختَلِفُونَ فِيهِ أَيْضًا.
الموافقة"، وهو ما كان الحكم في المسكوت عنه موافقًا للمنطوق "والمخالفة"، وهو ما كان مخالفًا "عام فيما سوى المنطوق به"، أي": ثابت في كل الصور، "و" ذلك مما "لا يختلفون فيه".
الشرح: "ومن نفى العُمُوم كالغَزَالي" لم يرد أن الحكم غير ثابت في صور [المسكوت] (١)؛ إذ هو خلاف الاتفاق، وإنما "أراد أن العموم لم يثبت بالمنطوق " فقط، بل بواسطته، "ولا يختلفون فيه أيضًا"، فإذن لا يتحقّق الخلاف، وهو في الحقيقة مبني على أَنَّ العموم هل هو من عوارض، الألفاظ فقط؟ أو من عوارض الألفاظ والمعاني؟
والثاني: قول المصنف، والأول قول الغَزَالي وجمهور أصحابنا؛ فلذلك يسمون المفهوم عامًا.
والقول بأنه لا يسمى عامًا هو قضية إيراد الأكثرين من أئمّتنا، كالشيخ أبي حامد ومن بعده، وقد صَرّح الغزالي وغيره أن الخلاف مبني على ذلك، وهو لفظي.
وحكى الشَّيخ أبو حامد، وأبو إسحاق الشِّيرَازي، والإمام الرازي وغيرهم من أئمتنا خلافًا في أن مفهوم المُخَالفة هل يدل على نفي الحكم عَمَّا عدا المَنْطُوق مما هو من جنسه؟ أو مطلقًا حتى يدل قوله ﵇: "فِي الغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ" (٢) على أنّ غير السائمة لا
стр. 1300
مَسْأَلَةٌ:
قَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ: مِثْلُ قَوْلهِ ﷺ : "لا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِر وَلا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ": مَعْنَاهُ: "بِكَافِرٍ"؛ فَيَقْتَضِي الْعُمُومَ إِلَّا بِدَلِيل؛ وَهُوَ الصَّحِيحُ.
زكاة فيها وإن كانت من غير الغنم؟.
وظنّ بعضهم أن هذا الخلاف يبنى على أن المفهوم هل له عموم؟.
وهو وهم؛ فإن هذا الخلاف إنَّمَا هو في تحقيق مقتضى المفهوم، وهل هو نفي الزكاة عن كلّ معلوفة؟ أو عن معلوفة الغنم خاصّة؟ وأيًا ما كان فهو شامل لما هو مقتضاه.
وذكر شيخ الإسلام تقي الدين بن دقيق العيد أن اختلاف أصحابنا في الماء النجس، إذا كُوثِرَ بماء ولم يبلغ قلّتين هل يطهر؟ -
ينبني على ذلك.
فإن قلنا: له عموم، لم يطهر، وهو الصحيح والأظهر، ووجه البناء أن قوله ﵇: "إذَا بَلَغَ المَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَنْجُسْ" (١) دالّ بمفهومه على أنّ ما دون القُلَّتين ينجس بملاقاة النجاسة سواء أتغير أم لم يتغير، كوثر ولم يبلغهما أم لم يكاثر.
وإن قلنا: لا عموم للمفهوم لم يقتض الحديث النَّجَاسة في هذه الصورة، ولذلك الماء القليل الجاري إذا وقعت فيه نجاسة ولم يتغير، فإنه على قولين:
الجديدة ينجس، والقديم: لا ينجس، ينبني على ما ذكر.
قلت: ولا يخفى أن هذا البناء إنما يصحّ لو كان القائل بأنه لا عموم له لا يثبت حكمه في جميع الصور، وليس كذلك كما عرفت.
"مسألة"
الشرح: "قالت الحنفية: مثل" ما روى الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي من
стр. 1301
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"قوله ﷺ : "لا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ وَلا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ" (١).
"معناه" ولا ذو عهد في عهده "بكافر؛ فيقتضي العموم إِلَّا بدليل، وهو الصحيح".
أقول: اعلم أن المسألة مُتْرجمة بـ "أن العطف على العامِّ هل يقتضي العموم في المعطوف؟ " (٢).
وهذه ترجمة تتجاوز المَقْصُودَ؛ لانطباقها على صور لا خلاف فيها، كما لو قال ﵇: "لا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ وَلا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ بِحَرْبِيٍّ"، وهذا ما لا يسع أحدًا أن يقول فيه بـ "اقتضاءُ العطف على العام العموم؛ حتى لا يقتل المُعَاهد بكافر حربيًا كان أو ذميًا".
والمقصود بالمسالة إنما هو أن إحدى الجُمْلتين إذا عطفت على الأخرى، وكانت الثانية تقتضي إضمارًا [لتستقيم] (٣) كقوله: "وَلا دو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ" على ما يدّعيه الحنفيون، فإنها لا تستقيم عندهم بدون إضمار، فهل يضمر ما تقدّم ذكره إن كان عامًّا اقتضى العَطْف عليه تقدير العام، وكان العَطْف على العامّ يقتضي العموم لذلك؟ أو يضمر مقدار ما يستقيم به الكلام فقط؛ لأن ما وراءه تقدير لا حاجة إليه؟.
قالت الحنفية بالأول.
وقال أصحابنا بالثاني.
стр. 1302
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقد أجاد ابن السَّمعاني إذ افتتح المسألة بقوله: المعطوف لا يجب أن يضمر فيه جميع ما يمكن إضماره مما في المعطوف عليه، بل يضمر قدر ما يفيد ويستقل به، وعند أصحاب أبي حنيفة يضمر فيه جميع ما سبق مما يمكن إضماره. انتهى.
والمصنف لما رأى ترجمة المسألة عند المتأخّرين مختلفة، وهي قولهم: العَطْف على العام هل يقتضي العموم؟.
عدل عنها وقال: مثل قوله ﵇ كما عرفت.
واعلم أن من المشهور أنّ مَذْهب الحنفية قتل المسلم بالذمي، ومن مذهب الفريقين أن النكرة في سياق النَّفْي للعموم، وقائل ذلك لا يستنكف أن يقضي بالعموم على مثل: "لا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ"؛ إذ هو أحد أفراد النكرة في سياق النفي.
ثم هو إن كان شافعيًّا انْسَحَبَ على أصله، واستمرت الصيغة عنده على عمومها، وإن كان حنفيًّا قال: لست أنكر أن قضيتها العُمُوم، ولكن عندي دليل خاصّ على قتل المسلم بالذمي.
وإذا كان قوله: "وَلا ذُو عَهْدِ فِي عَهْدِهِ" معناه: بكافر، صح أن يقال: إن قضيته العموم، وإن كان مذهب القائل: إن المعاهد يقتل بالذمي؛ لأن قتله إياه على ما يدعيه لدليل مخصّص لهذا العموم، وإذًا وضح لك ما ذكرناه، وأن الحنفية يجعلون المضمر في الثانية هو المذكور في الأولى.
واعلم أن جماعة من أصحابنا ساعدوهم حتى قال ابن السمعاني: - وهو شَدِيدٌ عليهم - كلامهم ظاهر جدًّا.
وأفصح المصنف بتصحيحه، وأن قوله: وَلا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ" يقتضى العموم، لأن المضمر فيه هو المذكور في قوله: "لا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بكافرٍ" وأشار إلى هذا كله بقوله عن الحنفية "ولا ذو عهد في عهده" معناه: بكافر، أي المعنى: ولا ذو عهد في عهده بكافر، لأن المضمر في الثانية المذكور في الأولى. ومذهب غيرهم أن المذكور في الأولى ليس هو المقدر في الثانية، واختار هو مذهب الحنفية.
فإذن محلّ النزاع في أنه هَلْ يجب تقدير ما ذكره في الأولى، أو ما يستقل به الكلام
стр. 1303
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فقط لا في أن مطلق العطف على العام هل يقتضي العموم كما فهمه الشِّيرازي وغيره من الشارحين؟.
وإذا كان المذكور في الأولى هو المقدر في الثانية، فقوله ﵇: "وَلا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ" معناه: بكافر، وإذا كان كذلك فيقتضى العموم، كما أن قوله: "لا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ" يقتضي العموم إلا بدليل؛ لأنه حنيئذ كالملفوظ به، فهو كما لو قال ﵇: "لا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ وَلا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ بِكَافِرٍ"، وهو لو قال كذلك قضى عليه بالعموم كلّ من قال بتعميم النكرة في سياق النفى.
ثم إن قام دليل مخصوص عند أحدٍ قال به، وفيما نحن فيه مثلًا قام دليلٌ مخصوص عند الحنفيّة للجملتين المعطوفة، والمعطوف عليها، كقولهم: "يقتل المسلم بالذمى، ويقتل المعاهد بالمعاهد".
وقام عند المصنف دليل مخصص للمعطوف فقط؛ لأنه يقول بأن المسلم لا يقتل بالذمى كما يقول الشافعيون.
وبهذا أيضًا يتضح لك أن العموم لم يحصل من مجرد العطف، ولا اقتضى التعميم، وإن صرَّح اللَّفظ بالخصوص كما قلناه فيما لو قال: "ولا ذو عهد في عهده بحربي" وإنما حصل من تقدير المذكور أولًا، ويتضح لك أيضًا أن المصنف فَرَّ من التعبير بأن العطف على العامّ هل يقتضى العموم لما يلزمه من الخلل وأن من نزل كلامه من شارحي الكتاب على هذا المعنى أوقعه فيما فَرَّ منه، ولم يفهم مراده.
وهنا مهمّ ننبه عليه قبل الحِجَاجِ فنقول:
إذا حفظت أنَّا معاشر الشافعية لا نقدر إلا ما يستقلّ به الكلامُ فقط، وأن الحنفية يقدرون المذكور أولًا، وهو رأى المصنّف، فلا يخفي عليك أن للجملتين اللتين عطفت إحداهما على الأُخرى أحوالًا:
إحداها: أن يتضح كون الثَّانية مستقيمة، وهذا ما لا حاجة فيه إلى تقديرٍ، وليس من كلام القوم في شيء، ومنه فَرَّ من التعبير بأن العطف على العام هل يقتضي العموم
стр. 1304
لنَا لَوْ لَمْ يُقَدَّرْ شَيْءٌ لامْتَنَعَ قَتْلُهُ مُطْلَقًا، وَهُوَ بَاطِلٌ؛ فَيَجِبُ الأَوَّلُ لِلْقَرِينَةِ.
كالمصنف، وعذر مَنْ تسامح، وأطلق عبارة مشتملة أنه مما يتضح خروجه عن محل النزاع، ولا يلتبس على محصل، وهو كما قدمنا مثل: "لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده بحربي".
الثانية: أن يتضح عدم استقامتها إلا بتقدير وإضمار، ولا يخفي أنه موضع الخلاف، وأن الحنفية يقدرون الأول، ثم له حالتان:
لأن الأولى إما أن تكون عامًّا أو خاصًّا، فإن كان عامًّا قالوا بالعموم في المعطوف، ويقع العموم فيه أمرًا اتفاقيًا دعا إليه إضمار ما تقدم ذكره، وإن كان خاصًّا كما لو قيل: لا يقتل مسلم بحربي، ولا ذو عهد في عهده، لم يقولوا بالعموم في المعطوف.
ثم لا يَقْدَحُ عندهم في هذه القاعدة مخالفتهم مقتضاها في الحديث المذكور حيث قتلوا المعاهد بالذمى؛ لأن المخالفة كانت لدليلٍ آخر لا لكون المضمر خاصًّا، حتى إن عندهم أنه لو لم يوجد دليل غير هذا الحديث يدلّ على وجوب قتل لمعاهد بالذمى، لامتنعوا من قَتْلِهِ بمقتضى هذا الحديث.
والثالثة: ألَّا يتضح الحال، فيذهب قوم إلى أنها محتاجة، فهي عندهم من مواقع الخلاف، ويذهب آخرون إلى أنها غير محتاجة، وأنها خارجة عن محلّ النزاع، وهذا مثل قوله ﵇: "وَلا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ، عند المحققين من أصحابنا، فإنهم يقولون: هذا تام لا يحتاج إلى تقدير، وليس ما نحن فيه كما ستعرفه إن شاء الله تعالى.
الشرح: قوله: "لنا: لو لم يقدر شيء لامتنع قتله" أي قتل ذي العهد "مطلقًا، وهو باطل"؛ لأنه يقتل بالمسلم؛ "فيجب" تقدير شيء لاستقامة الكلام، وقد تقدَّم في [مسألة] (١) المقتضى أنه إذا تعيّن ما يضمر وجب كونه المضمر، وهنا "الأول" متعيّن "للقرينة" وهي العطف، فيجب تقديره، وبهذا يظهر لك أن مراد المصنف أن الجملة الثانية إذا اقتضت
стр. 1305
قَالُوا: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ، لَكَانَ: "بِكَافِرٍ" الأوَّلُ - لِلْحَرْبِي فَقَطْ؛ فَيَفْسَدُ الْمَعْنَى؛ وَلَكَانَ ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٢٨]- لِلرَّجْعِيَّةِ وَالْبَائِنِ؛ لِأَنَّهُ ضَمِيرُ "الْمُطَلَّقَاتِ.
إضمارًا أضمر ما كان مذكورًا في الأولى، ثم إن كان عامًا حصل العموم في المعطوف بالتبع لذلك، لا أن العَطْف على العامّ يقتضي العموم؛ لوجوب الاشتراك بين المعطوف والمعطوف عليه في المتعلقات؛ إذ لم يتعرض لذلك، وقد استدلّ على اقتضاء الجملة الثانية فيما نحن فيه الإضمار بقوله: "لو لم يقدر شيء" أي: وكان كلامًا مستقلًا غير مفتقر إلى إضمار لامتنع قَتْل المُعَاهد مطلقًا، وهذه ملازمة ظاهرة؛ إذ يصير المعنى: ولا يقتل المعاهد، وذلك يقتضي امتناع قتله، وبطلان التالي صرح به المصنف فقال: "وهو باطل" أي وامتناع قتله باطل؛ لإمكانه شرعًا، وهذا دليل ردّ به المصنّف على من يقول: إن قوله: "وَلا ذُو عَهْدٍ" غنى عن الإضمار، فلا يكون لكون الجملة الثانية تقتضي إضمارًا مدخل في القاعدة المذكورة.
واستدلّ - أعني المصنف - على كون المضمر هو المذكور في الأولى بقرينة العطف. قالت الحنفية: ولذلك لو قال: لا يقتل اليهود بالحَدِيدِ ولا النصارى، كان معناه: ولا يقتل النصارى بالحديد، ولا يقتصر فيه على إضمار القتل فقط، وإنْ كان الكلام يستقل به.
ولا يخفي على ذي الفَهْمِ أن للمصنّف أغراضًا اشتمل دليله بزعمه على إثباتها:
أحدها: وجوب تقدير الأول، حيث وردت جملتان متعاطفتان تحتاج الثانية منهما إلى إضمار.
والثاني: أن هذا الحديث من هذا القبيل.
والئالث: أنه إذا قُدِّر بكافرٍ كان عامًا.
أما الأولان فقد صرح بهما في الدليل.
وأما الثالث، وهو العموم الذي استنتجه من وجوب تقدير بكافر؛ فلأنه [لازم] (١) لما
стр. 1306
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أثبته من إيجاب تقدير شيء في المعطوف، وأن المقدر هو الأول، فإنه إذا ثبتت هاتان المقدّمتان صار المعنى: ولا ذو عهد في عهده بكافر، فيقتضي العموم عند القائلين بأن النكرة في سياق النفى تعم وهو واضح، ولا إنكار فيه إذا أثبتت المقدمتان، فلذلك لم يصرح به، ولكن تعرض له، ولهذا قلنا فيما أسلفناه: إنه ليس سبب العموم في الثانية العطف، وإنما العطف قرينة تعين المضمر كالمظهر:
فإن كان عامًا فهو عام، كالحديث المذكور على زعمه.
وإن كان خاصًا فهو خاص، كما لو قيل: لا يقتل مسلم بحربي، ولا ذو عهد في عهده. هذا آخر الكلام على دليل صاحب الكتاب، وهو كما لا يخفي عنك تبين وَهْمُ مَنْ حمل كلامه في صدر المسألة على أن مراده: أنها في بيان أن العطف على العام يقتضي العموم حيث لم يستنتج به الأولون.
الثانية: تقتضي الإضمار، وكون المضمر الأول، وقد قدمنا لك السِّرَّ في عدوله عن التعبير بأن العطف على العام هل يقتضي العموم؟.
وإذا تقرر لديك دليله فاعلم: أنا لا نحفل به، ونقول: إنما [يبحث]، (١) عن وجوب تقدير الأول عند الاحتياج إلى أصل التقدير، ونحن لا نسلّم احتياج قوله: "وَلا ذُو عَهْدٍ" إلى تقدير، بل هو كلام تام مستقل.
قولك: يلزم أَلَّا يقتل ذو العَهْدِ مطلقًا.
قلنا: يلزم من هذا الحديث، وقتله حيث [نقتله] (٢) من دليل آخر، وهو كما لزمك الّا يقتل بالمعاهد إذا قدرت بكافر، وهو يشمل المعاهد الذي تقتله أنت أيها الحَنفي وسائر الأمة [به] (٣)، فكما قدرت عمومًا، وأخرجت بعض - أفراده بدليلٍ نُجْرِي نحن الكلام على ظاهره، ونُخْرج بعض أفراده بدليل، فاشتركنا معك في إخراج بعض الأفراد، وافترقنا في أنك تقدر، ونحن لا نقدر، ولا ريب في أن عدم التقدير أولى.
سلمنا أن قوله: "ولا ذُو عَهْدٍ" غير مستقل، ولكن ذلك لو اقتصر على قوله: ولا ذو عهد.
أما مع قوله: "في عهده" فلا؛ وذلك لأن هذه الزيادة تفيد فائدة جديدة، وليست إلا
стр. 1307
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المنع من [قتله] (١) ابتداء؛ لعهده.
قال ابن السمعاني: ونظير هذا لو قال: "لا تقتلوا اليهود بالحديد، ولا النصارى في الأشهر الحرم" كان معناه لا تقتلوا اليهود بالحديد، ولا النصارى في الأشهر الحرم أصلًا، وليس معناه: ولا تقتل النصارى في الأشهر الحرم بالحديد؛ بِبَيِّنَةِ أنه لو قال بدل قوله: ولا ذو عهد في عهده: ولا رجل في عهده لاقتضى ألَّا يقتل رجل في عهده، بحال؛ ليكون قوله: في عهده يفيد فائدة جديدة، فكذلك قوله: ولا ذو عهد في عهده.
سلّمنا وجوب التقدير مع قوله: في عهده، ولكن لِمَ قلتم: إن المذكور أولًا متعيّن؟ قولكم: القرينة تعينه.
قلنا: القرينة توجب ألَّا يهدر، والضرورة إلى التقدير توجب ألَّا يتقدر بقدر الضرورة، فليقدر بعض ما اشتمل عليه الأول جمعًا بين الدليلين، وهو في المثال الذي أوردته: الحربي الذي هو أخصّ من الكافر، فالتقدير: ولا ذو عهد في عهده بحربي.
سلمنا وجوب تقدير المذكور أولًا بجملته، وأن المعنى بكافر، ولكن لِمَ قلتم: إنه يقتصر على ذلك؟ وهذا يقدر بكافر ومسلم معًا؛ بِناءً على أن المضمر ينبغي أن يقدر فيه جميع ما يمكن إضماره، وهو رأى لكم سبق ذكره في مسألة المقتضى.
فإن قلتم: منَعَنَا عنه أنّ المعاهد يقتل بالمسلم.
فنقول: فليمنعكم عن تقدير "بكافر" أن المعاهد يقتل بالمُعَاهد، فلأي معنى فَرَرْتُمْ مما هو أعم من المسلم والكافر إلى تقدير الكافر وهو أخص؛ لأجل ما ذكرتم، ولم [تَفِرُّوا] (٢) من تقدير الكافر، وهو أعم من المعاهد والحربي إلى تقدير الحَرْبِيّ وهو أخصّ؛ لأجل أن المعاهد يقتل بالمعاهد؟
فإن قلت: ما وجه الارتباط بين هاتين الجُمْلتين على ما يزعمون حينئذ؛ إذ لا تظهر مناسبة لقولنا: ولا ذو عهد في عهده مطلقًا، مع قولنا: لا يقتل مسلم بكافر.
قلت: قال فقيه الشافعية أبو إسحاق المَروَزِيّ في "التعليقة": كانت عداوة الصحابة للكفار في مبدأ الإسلام شديدة جدًّا، فلما قال ﵊: "لا يقتل مسلم بكافر" خشي أن يتجرَّد هذا الكلام، فتحملهم العَدَاوة الشديدة بينهم على قتل كافر من معاهد
стр. 1308
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وغيره، فعقَّبه بقوله ما معناه: ولا يقتل ذو عهد في زمن عهده.
فإن قلت: القصاص وإن انتفى بين المسلم والكافر، فالحرمة باقية؛ إذ لا يحل الإقدام على قتل المعاهد والذمى، والحرمة كافية في إِحْجَامِ الصحابة عن قتل المعاهد.
قلت: قد كان ذلك في صدر الإِسْلامِ، ومن أين لهم عِرْفان الحرمة إذ ذاك؟ بل من أين لك وقوع الحرمة إذ ذاك؟ فلعله ﵇ حكم أولًا بانتفاء القصاص، ولا يلزم منه ثبوت الحرمة.
ثم ثانيًا بحرمة القتل، وهذا منتهى الرَّدِّ على دليل المصنف، فلنذكر كلام أئمتنا، وقد ذكر في الكتاب أنهم "قالوا: لو كان ذلك" أي: لو ثبت وجوب تقدير الأول "لكان "بكافر" الأول" في المثال المذكور للحربي فقط؛ لأن الثاني أعنى المقدر "للحربي فقط" بالاتفاق، وأنت تقدر الأول بزعمك، فيكون الأول للحربي فقط، "فيفسد المعنى"؛ لدلالته حينئذ بالمفهوم على أن المسلم يقتل بالذمى، وأنت يابن الحَاجِبِ مالكي لا تقول به، فلا يكون الأول للحَرْبِيّ فقط، فلا يكون المقدر هو الأول، وهذا دليلٌ لم أر أحدًا ذكره إلا المصنّف، والسّر في ذلك أن أصحابنا إنما تكلموا في المسألة مع الحنفية، وهو [لا ينهض] (١) عليهم؛ لأنهم يقتلون المسلم بالكافر، فلا يفسد عندهم المعنى، بل ينتهض الحديث شاهدًا لهم.
قال أصحابنا أيضًا: "و" لو وجب تقدير الأول "لكان: " ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ" أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٢٨] "اللرجعية والبائن؛ لأنه ضمير المطلقات" بزعمك، والمطلقات للرجعية والبائن بالاتفاق، فيكون ضميرهن كذلك، ولا قائل به.
وحاصل هذا: أنه لو وجب تقدير الأول، للزم من تخصيص الثَّاني بالاتفاق، كما في المثال المذكور تخصيص الأول لأنه هو، وللزم من عموم الأول؛ بالاتفاق كما في الآية المذكورة عموم الثاني؛ لأنه هو واللازمان باطلان.
أما الأولا فعندك.
وأما الثاني فبالاتفاق.
إذا عرفت هذا، فاعلم أن المصنف لم يذكر أولًا في مختصره عن أصحابنا إلا الملازمة الثانية فقط، فقال: قالوا: لو كان ذلك لكان قوله: "وبعولتهن … " إلى آخره، ثم
стр. 1309
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أجاب فقال: قلنا: خص بالدليل، ثم إنه الحق الملازمة الأولى، فكتبها في حاشية كتابه، وصارت هكذا: قالوا: لو كان ذلك بكافر لكان الأول للحربي فقط فيفسد المعنى، ولكان "وبعولتهن … " إلى آخره.
والحَقَ في الجواب لفظة "الثاني"، فخرجها في الخامسة وصار هكذا: قلنا: خص الثاني بالدليل، والملازمة الثَّانية هي المشهورة في الكتب، والأُولى ذكرها هو على لسان أصحابنا، وأقصى ما يقال في تقريرها ما ذكرناه.
وقررها بعض الشَّارحين هكذا: لو كان ذلك أي: قوله: "وَلا ذُو عَهْدٍ" عامًّا لكان [بكافر] (١) الأول للحربي فقط؛ لأنه هو الذي لا يقتل به المسلم عندكم، فيلزم فساد المعنى؛ إذ يصير معناه: لا يقتل مسلم بكافر حربي، ويقتل بالذمى، ولا يقتل ذو عهد في عهده بكافر لا حربي ولا ذمى، وفساده ظاهر؛ لأن ذلك لا يصلح مقصودًا للشارع؛ لما فيه من حطّ مرتبة المسلم عن الذّمى؛ فوجب تخصيص الثاني، وحمل الكلام عليه؛ دَفْعًا لهذا الفساد.
وهذا التقرير فيه نظر من وجوه:
أحدها: أنه جعل "كان" ناقصة، مع أن "عامًّا" الذي هو [خبرها] (٢) محذوف، ونحن جعلناها تامة، فلم يلزمنا حذف خبر كان.
والثاني: أن المصنف كما قررناه لم يناضل عن عموم: "ولا ذو عهد"؛ لأنه يلزم إذا ثبت له مقدمتاه أعني إيجاب التقدير، وأن الأولى هو المقدر من غير تكلّف، وإنما ناضل عن إيجاب تقدير الأول الذي فيه التنازع والتشاجر.
والثالث: أن بطلان التالي فيه غير بيِّن، فإنه لا يلزم من كون الثاني عامًّا أن يكون الأول خاصًّا، وإنما ينبغي أن يكون الأمْر بالعكس.
وقوله في بيانه: "إنه هو الذي لا يقتل به المسلم" ساقط.
أما أولًا: فلأن ابن الحاجب لا يقتل المسلم بالذمى، وهو إنما أورد السؤال على نفسه، وهو وإن وافق الحنفية في تقدير الأول، فلا يوافقهم في قتل المسلم بالكافر، فلو
стр. 1310
قُلْنَا: خُصَّ الثَّانِي بِالدَّلِيلِ.
قررها هكذا لبادر إلى منع بطلان التالي.
وسبب وهم مَنْ بَيَّنَ بطلانه هكذا أنه توهم أن ابن الحاجب جرى مع الحنفية جريًا تامًا حتى في قَتْلِ المسلم بالكافر، وليس كذلك، وقوله: إلا بدليل عند قوله: "فيقتضي العموم" [قيد] (١) جاء به لذلك.
وأما ثانيًا: فلأنَّا نقول: هب أنه يتكلّم هنا على لسان الحنفيّة، و [نحن] (٢) نقول ذلك، ولكن لِمَ قلتم: إنه يجب أن يكون الأول للحربي فقط؟ ولم لا يكون الأوّل عامًّا؟ ولو خليناه وعمومه لما قتلنا المسلم بالكافر، لكن عارضنا دليل خاصّ كما أشرنا إليه في صدر المسألة.
الشرح: إذا فهمت هذا قال المصنف في الجواب:
"قلنا: خص الثاني بالدليل"، ويمكن تقديره بوجهين:
أحدهما: وبه يصير جوابًا عن الدليلين، سبيله أن يمنع الملازمة فيه، فيقال: لا نسلم أنه لو ثبت وجوب تقدير الأول لكان "بكافر" الأول للحربي فقط.
قولكم: لأن الثاني هو "بحربي".
فلنا: لا نسلم، بل هو "بكافر"، وهو عام ثَم خصّ بالدليل، ولا يلزم من تخصيصه بالدليل تخصيص الأول، وهذا جارٍ على معتقد المصنف من أن المسلم لا يقتل بالكافر، ولو كان حنفيًّا لم يحتج إلى هذا، كما عرفت، وكان يقول كل منهما: معناه بحربي، وذلك مما ينفعنا نقضًا طائلًا.
وجاز أيضًا على معتقده من أنه لا يلزم من تخصيص المعطوف تخصيص المعطوف عليه كما سنذكره إن شاء الله تعالى في مسائل الخُصُوص، وبهذا يفارق الحنفية؛ لأن الغالب على الظَّن أنهم يجعلون تخصيص المعطوف مقتضيًا لتخصيص المعطوف عليه. وسبيله في التالي أن نسلم الملازمة فيه، ونمنع انتفاء التالي، فيقال: لا نسلم أن قوله تعالى:
стр. 1311
قَالُوا: لَوْ كَانَ، لَكَانَ نَحْوُ: "ضَرَبْتُ زَيْدًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَعَمْرًا" - أَيْ: يَوْمَ الْجُمُعَةِ.
وَأُجِيبَ: بِالْتِزَامِهِ، وَبِالْفَرْقِ [بِأَنَ ضَرْبَ عَمْرٍو] فِي غَيْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ - لا يَمْتَنِعُ.
﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ ليس للرجعية والبائن، بل هو لهما، وخص بالدليل.
والوجه الثاني: أن يكون اقتصر على الجواب عن الآية، وأشار بالثَّاني إليها، وهي ثاني الوجهين اللذين أبداهما فقال:
خص الثاني بالدَّليل، وسكوته عن الأوَّل إما نسيانًا، وهو الذي يغلب على ظني؛ فإنه ملحق بخطه كما عرفتك.
وإِما لوضوح منع فساد المعنى فيه، أما على طريقة المصنف بالوجه الذي قررته أنا، فلأن غاية الأمر أن يصير دليلًا بمفهومه على أن المسلم لا يقتل بالذِّمى، وذلك لا ينهض فاسدًا للمعنى.
وأما على طريقة الحنفية فواضحٌ؛ إذ هو مقصودهم.
نعم: إنما يشكل على طريقة المصنف بالوجه الذي قرره الشارح؛ فإنه أدل على فساد المعنى مما ذكرناه نحن، وليس لك أن تقول: فلم لا تسلكه أنت؟ لأني أقول: الوجه الذي أبداه الشارح فاسد كما عرفتك بالأوجه التي ذكرتها، فلم يكن بد من التقرير على هذا الوجه.
وغاية الأمْر عندي: أن يكون ادعاؤه فَسَاد المعنى غير صحيح، وحبّذا هو؛ فإنا لا نوافقه على ما يقول في هذه المسألة، أو يقال: لا فساد، وقد خصّ الثاني فيه بالدليل كما عرفت.
الشرح: ثم ذكر المصنَّف أن أصحابنا "قالوا: لو كان" ولفظة "كان" هنا تامة أيضًا، وفيها ضمير يعود إلى ما أثبته المصنف من وجوب تقدير الأول أي: لو ثبت تقدير الأول "لكان نحو: ضربت زيدًا يوم الجمعة وعمرًا: أي يوم الجمعة، يعني: ضربت عمرًا يوم الجمعة لكان التالي باطلًا، فكذا المقدم.
"وأجيب بالتزامه" فقال: لا نسلم انتفاء التالي، بل المعنى هذا، وقد قدمنا هذا عن
стр. 1312
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحنفيّة حيث قالوا: إذا قال: لا تقتل اليهود بالحديد ولا النصارى، أفاد ذلك.
"و" أجيب أيضًا: على تقدير التسليم، وعدم الالتزام "بالفرق" بين هذه الصورة، ومحلّ النزاع "بأن ضَرْبَ عمرو في غير يوم الجمعة لا يمتنع"، وإذا لم يمتنع لم تقتض الجملة الثانية إضمارًا؛ لاستقامة الكلام بدونه، بخلاف قوله ﵇: "وَلا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ؛ فإن صحّته تتوقف على إضمار بما قلناه، هذا تقرير ما ذكره.
ولقائل أن يقول: وكذلك "ولا ذو عهد في عهده" صحّته لا تتوقف على إضمار بما بيناه، وإن سلم توقف "ولا ذو عهد"، إذا تجرد؛ فلا نسلم توقفه إذا انضم إليه "في عهده" كما أسلفناه، فنحن لا نقيس ما نحن فيه بقولك: ضربت زيدًا يوم الجمعة وعمرًا، بل نقول: ضربت زيدًا يوم الجمعة، وعمرًا يوم السبت، أو عمرًا وهو واقف.
والحاصل: أنك تأتي في المعطوف بقيد يفيد فائدة جديدة كما قلناه في: لا تقتل اليهود بالحديد، ولا النصارى في الأشهر، وإذا قيس هذا بما ذكرناه فلا منع، ولا فرق إن شاء الله.
واعلم أن الشِّيرَازي وغيره من شارحي الكتاب كان حقهم أن يقرروا هذا الدليل هكذا: لو أوجب العطف اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في الخصوص، لكان نحو: ضربت إلى آخره، وذلك لأنهم فهموا أن مراد المصنّف في المسألة، ودعواه اشتراك المعطوف والمعطوف عليه كما قدمناه، ولكنهم لما رأوا الفرق الذي ذكره المصنف في الجواب لا يتمشَّى على تقدير تقرير الشُّبهة على هذا الوجه كادوا يتنبهون للصواب، فقرروا الدليل على وجه قريب من مراد المصنف.
ثم اعتذر - أعني الشِّيرَازي - عن تقريره القريب من الصواب، بأن قال: وهذا الجواب - يعني جواب المصنف - هو الذي حملنا على حملنا كلامه على النقض الإجمالي، لا بأنه شبهة أخرى واردة على الخصوص بأن يقال: لو كان العطف يقتضي الاشتراك في الخصوص، لكان معنى هذا الكلام ما ذكرناه وليس كذلك؛ إذ لا أثر له في منع هذه الملازمة. فانظره كيف اعتذر عن ارتكابه سبيل الصواب، والله الموفق.
"تنبيه"
إذا ثبت العموم كما يدّعيه المصنف في قوله: "ولا ذو عهد في عهده" وفي قوله:
стр. 1313
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٢٨] فهل يلزم من تخصيصه تخصيص المعطوف عليه؟.
فيه خلاف ذكره المصنف في الخصوص، واختار أنه لا يلزم، ومن أجل ذلك قال هنا: إنَّ الثاني خصّ بالدليل أي: ولا يلزم منه تخصيص الأول؛ لقيام الدليل عليه، ومجرد تخصيص الثَّاني لا دليل فيه؛ لصيرورة الأول مخصّصًا، وسيأتي في الخصوص إن شاء الله تعالى.
"فائدة"
لا يخفى عليك بعد تأمّل ما سطرناه أن لنا - مَعَاشر الشَّافعية - في قوله ﷺ : "ولا ذو عَهْدٍ في عهده" طريقتين:
إحداهما: أن هذا الكلام لا يحتاج إلى تقييد، وليس من قبيل ما فيه النزاع، وهذه الطريقة هي المعهودة.
والثانية - وهي اختيار صاحب الكتاب -: أنه محتاج إلى التقييد، وعلى هذا فهو والحنفية يقدرون الأول لقربه، وأئمتنا يقدرون بقدر الضَّرورة، فإن زالت الضرورة بالأوّل صير إليه بالإجماع؛ لاجتماع القرب والقلة.
ومن فروع المسألة:
إذا قال: حفصة طالق ثلاثًا وعَمْرَةُ.
قال القاضي الحسين في "التعليقة" قبيل "باب طلاق المريض": يحتمل أن يقع على عمرة واحدة؛ لأن المعطوف يجوز أن يكون بخلاف المعطوف عليه.
وفي الرَّافعي فيمن طلق إحدى امرأتيه ثلاثًا، ثم قال للأخرى: أشركتك معها: عن إسماعيل البُوشنجي: أن المسألة جرت بين يدي فخر الإسلام الشَّاشي بـ "مدينة السلام"، فأجاب بأنها تطلق واحدة، وتوقّف [البُوشنجي] (١) فيه وقال: قد أوقع على الأولى ثلاثًا، والعطف يقتضي التشريك.
قال الرافعي: والتردّد قريب من الخلاف فيما إذا قال مَنْ تحته أربع لثلاثٍ منهن: أوقعت عليكنّ أو بينكن طلقةً، ثم قال للرابعة: أشركتك معهن.
стр. 1314
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفيه وجهان:
أظهرهما: تطلق واحدة.
والثاني عن القَفَّال: تطلق ثنتين.
قلت: والأرجح فيما ذكرناه من الفروع أنه يقع واحدة، بخلاف المعطوف عليه؛ جَرْيًا على أصلنا في تعليل المقدر.
ورأينا الأصحاب في بعض الفروع يقدرون الأول، فلعلّ ذلك للقرينة الدَّالة عليه في تلك المواضع لخصوصها، فيكون قد تعين، وقد قدمنا في مسألة المقتضى أنه إذا تعيّن تقدير شيء صير إليه بلا نزاع، سواء أكان عامًّا أم خاصًّا.
ويحتمل أن يقال: إن ذلك منهم ترجيح لتقدير الأول مطلقًا، ولكنه مخالف لما ذكروه في الأصُول، وهذا مثل ما قال ابن الحداد في "فروعه" في رجل أوصى لزيد بعشرة من ثلثه، ولعبد الله بعشرة ولخالد [بخمسة] (١)، وقال: قدموا خالدًا على عبد الله، وكان الثلث عشرين، كان لزيد ثمانية، ولخالد خمسة؛ لتقدمه، ونعبد الله سبعة؛ لأن الوصية بخمس وعشرين، والثلث عشرون، فزادت الوصيّة على الثلث بخمس الوصية، فوجب أن ينقص كل واحد من الموصى له خُمُس ما أوصى به له، فيدفع إلى زيد ثمانية، وينقص درهمين، وهما خمس العشرة، ويدفع إلى خالد الخمسة، ولا ينقص شيئًا، ويدفع إلى عبد الله سبعة، والدَّراهم التي كانت يجب أن تنقص من وصية خالد تنقص من وصية عبد الله؛ لأنه قال: قدموا خالدًا على عبد الله، وذلك يقتضي توفير حصّة خالد ولا ينقص منها، وجعل النّقصان الذي كان يجب أن يلحقه في حصَّة عبد الله؛ لأنه لا فائدة في قوله: قدموا خالدًا على عبد الله إلَّا توفير حصّته.
وقد وافق الأصحاب ابن الحَدَّاد على هذا، وأنت تعلم أن قوله: "وقدموا خالدًا" لا يحتاج إلى تقدير ما يقدم به خالد، وقد قدّروا الخمسة المذكورة أولًا وجعلوه هكذا: وقدموا خالدًا على عبد الله بالخَمْسَةِ، وكان يمكن أن يقدر شيء، وكأنه قال: وقدموا خالدًا على عبد الله بشيء، ولو قدر كذلك لكان لخالد أربعة وشيء، ولعبد الله ثمانية إلا شيئًا، وبالله التوفيق.
стр. 1315
مَسْألَةٌ:
مِثْلُ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [سورة المزمل: الآية ١]، ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ﴾ [سورة الزمر: الآية ٦٥]- لَيْسَ بِعَامٍّ لِلأُمَّةِ إِلَّا بِدَلِيلٍ مِنْ قِيَاسٍ أَوْ غَيْرِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ -: عَامٌّ إِلَّا بِدَلِيلٍ.
"مسألة"
الشرح: إذا وردت صيغة مختصّة في وضع اللسان برسول الله ﷺ "مثل: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ﴾ [سورة المزمل: الآية ١، ٢].
وقوله تعالى: " ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ" لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [سورة الزمر: الآية ٦٥]- فقد اختلف فيه:
فقال أئمتنا: "ليس بعام للأمة إلا بدليل" يوجب التشريك إما مطلقًا، أو في ذلك الحكم خاصّة "من قياس أو غيره" (١).
الشرح: "وقال أبو حنيفة وأحمد (٢): عام إلا بدليل" يوجب التخصيص، وعليه بعض أصحابنا كابن السَّمعاني، وغيره.
والخلاف حيث لا يظهر اختصاص النبي ﷺ ، فإن ظهر اختص بالإجماع.
والمختار عندي أنه إن ظهر أنه غير مقصود بالحكم، ولكن المقصود بالحكم غيره، وأتى بلفظ يليق بجَلالتِه، ووقوع المُشَافهة معه، فهذا يعبر عن القوم به، وهو المجاز كما في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾، فإنهم - فيما يظهر - المقصودون، ولكن وقع الخطاب معه بهذا لا مدخل له في حكم هذا الخطاب البتة، وهو في هذه الآية مجاز تركيب، وهل يعم الأمّة؟.
стр. 1316
لَنَا: الْقَطْعُ بِأَنَّ خِطَابَ الْمُفْرَدِ لا يَتَنَاوَلُ غَيْرَهُ لُغَةً.
وَأَيْضًا: يَجِبُ أَنْ يَكُونَ خُرُوجُ غَيْرِهِ تَخْصِيصًا.
قَالُوا: إِذَا قِيلَ لِمَنْ لَهُ مَنْصِبُ الاِقْتِدَاءِ. "اكَبْ لِمُنَاجَزَةِ الْعَدُوِّ"، وَنَحْوُهُ - فُهِمَ لُغَةً: أَنَّهُ أَمْرٌ لأِتْبَاعِهِ مَعَهُ.
وَكَذَلِكَ يُقَالُ: "فَتَحَ وَكَسَرَ" وَالْمُرَادُ: مَعَ أَتْبَاعِهِ.
يتخرج فيه خلاف مبنى على أن المجاز هل يتعلق به العموم، أو إنما يتعلق العموم بالحقائق، وفيه وجهان لأصحابنا حكاهما ابن السّمعاني وغيره.
والأظهر منهما أنه يتعلّق كما يتعلّق بالحقائق، فيكون الأَظْهر العموم، وإن لم يظهر أنه غير مقصود، فإما أن يظهر أن الأمّة مقصودة بقرينة لفظية أولا.
إن كان الأول فهو عام، وتكون القرينة اللفظية مثبتة أنه عبَّر بلفظة عنه وعن غيره مجازًا، وهذا كما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [سورة الطلاق: الآية ١] الآية، فإن ضمير الجمع في "طلقتم"، و"فطلقوهن" قرينة لفظية تدلّ على أن الأمّة مقصودة معه بالحكم، وأن الرب تعالى خصّه بالنداء، وعم بالخطاب، لأن النبي ﷺ سيّد أمته، وإمامهم وقُدْوتهم، كما يقال لرئيس القوم: افعلوا كيت وكيت إظهارًا لعظمته، وتقدمه واعتبار الرئاسة، وأنه ندرة قومه ولسانهم، والذي يصدرون عن آرائه، فكان هو وحده في حكم جميعهم وسادًّا مسدَّ جميعهم.
وقد ابتدأ الشافعي ﵁ كتاب "الطلاق" بهذه الآية، ولولا فهمه عمومها للأمّة لما كان استفتح بها. وإنْ كان الثَّاني فالحق أنه غير عام إلَّا بدليل من قياس أو غيره.
الشرح: "لنا: القطع بأن خطاب المفرد لا يتناول غيره لغة، وأيضًا يجب" لو كان خطابه ﵇ متناولًا لغيره "أن يكون خروج غيره تخصيصًا".
ولقائل أن يقول: أما الأول فضعيف؛ لأن مدعى الخصم الدخول عُرْفًا لا لغة، وأما الثاني فقد يلتزم؛ لأن التخصيص يقع في العام عرفًا.
أو يقال: ما لم يظهر مغايرة حكم غيره له، فالظاهرُ دخوله؛ فيعمل به.
وأما إذا ظهرت المُغَايرة [فتبين] (١) أنه لم يدخل، وأن الأمْر كان على خلاف الظَّاهر، فلا يلزم التخصيص.
стр. 1317
قُلْنَا: مَمْنُوعٌ، أَوْ فُهِمَ؛ لأَنَّ الْمَقْصُودَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى الْمُشَارَكَةِ؛ بِخِلافِ هَذَا.
قَالُوا: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٣١] يَدُلُّ عَلَيْهِ.
قُلْنَا: ذُكِرَ النَّبِيُّ ﷺ أَوَّلا لِلتَّشْرِيفِ، ثُمَّ خُوطِبَ الْجَمِيعُ.
والمخالفون " قالوا": أولًا: "إذا قيل لمن له مَنْصب الاقتداء: اركب لِمُنَاجزة العَدُوّ ونحوه، فهم لغة أنه أمر لأتباعه معه، وكذلك يقال: فتح" الأمير البلد "وكسر" الجند، "والمراد مع أتباعه" لا أنه فعله منفردًا، وكذا ما نحن فيه.
الشرح: "قلنا": فهم الاتباع منه "ممنوع أو" يسلم أنه "فهم"، ولكن لا من اللغة، بل "لأن المقصود متوقف على المشاركة، بخلاف هذا"؛ فإنّ أمر الرسول ﷺ بشيء لا يتوقّف المقصود به على مشاركة الأمّة له ﷺ .
واعلم أن الخصوم لا يقولون بالفهم لُغَة، ولن يرتكب هذا القول محصل، وإنما يقولون فُهِمَ عرفًا، فلو حذف المصنّف قوله: "لغة" في دليلهم، وأبدل مكانها "عرفًا" لاستدل في محل النزاع، ثم كان الجواب:
أن الفهم هنا؛ لأن المقصود متوقّف على المُشَاركة، بخلاف هذا، ولا سبيل للمنع فيه.
"قالوا": ثانيًا: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ "إِذَا طَلَّقْتُمُ" النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [سورة الطلاق: الآية ١].
"يدل عليه" فإنه صدَّر الخطاب به ﵇، ثم قال: "طلقتم" "فطلقوهن".
نعم "قلنا": لما أريد العموم الذي يدخل فيه النبي ﷺ "ذُكر النبي ﷺ أولًا للتشريف، ثم خوطب [الجميع] (١)، فالنداء له، والخطاب للكل.
وقيل: هو خروج من خطاب الأفراد إلى خطاب الجماعة، وهو موجود في الكلام.
وقيل: هو خطابان قصد بأولهما خطاب النبي ﷺ بسماع القول وتلقى الأمْر.
ثم قيل: "إذا طلّقتم" خطابًا له ولأمّته، فيكون "إذا طلقتم" ابتداء كلام كما لو ابتدأ السورة به، ويكون السِّرُّ في ذكر النبي ﷺ سببان: التشريف والتصريح بأن حكمه حكمهم، وإلَّا فلو لم يصرح به كان دخوله ظاهرا لا نصًّا، بل قال بعض الأصُوليين: إنه لا يدخل.
стр. 1318
قَالُوا: ﴿فَلَمَّا قَضَى [زَيْدٌ]﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٣٧] وَلَوْ كَانَا خَاصًّا، لَمْ يَتَعَدَّ.
قُلْنَا: نَقْطَعُ بِأَنَّ الإلْحَاقَ لِلْقِيَاسِ.
قَالُوا: فَمِثْلُ: ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٥٠]، وَ ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٧٩]- لا يُفِيدُ.
قُلْنَا: يُفِيدُ قَطْعَ الإِلْحَاقِ.
وقيل المعنى: قل لأمتك.
الشرح: "قالوا": ثالثا: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ" مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْلا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ [إِذَا قَضَوْا] (١)﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٣٧] يدل لأنه أخبر بأنه إنما زوجه ليرتفع الحرج عن المؤمنين في أزواج الدّعى الأدعياء، ويحلّ للمرء أن يتزوج زوجة دَعِيّه، "ولو كان" تزويجه إياه "خاصًّا" به "لم يتعدّ" إلى المؤمنين.
"قلنا: يقطع بأن الإلحاق" إلحاق الأمّة به في تزويجه زينب إنما هو "للقياس" عليه، وليس ثبوت الحكم في حقهم من مدلولات "زَوَّجناكها".
ولقائل أن يقول: لا نسلم أن الإلحاق بالقياس، وقطعك ليس دليلًا علينا.
والصواب عندي أن يقال: كلامنا في خطاب النبي ﷺ تحكم، وهذا خبر لا إنشاء، فالله تعالى أخبر بأنه زوج نبيه ﷺ ، ولذلك كانت زينب - رضي - الله عنها - تفاخر أمهات المؤمنين فتقول: زوّجكن آباؤكن، وزوّجنى الله منَ فوق سبع سماوات، وإذا كان كذلك فليس محل النزاع.
فإن قلت: قد فهمنا من ذلك أن حكمهم حكمه.
قلت: هو تعالى جعل العلّة [الغائية] (٢) من ذلك الَّا يكون على المؤمنين حَرَجٌ في أزواج أدعيائهم، فالفهم ليس من قوله: "زوجناكها" بل من هذا، وهو في الحقيقة إيماء وتعريض بانتفاء الحرج في حفهم، وهو عندي فوق درجات القياس، ولا أقول: إنه منصوص.
стр. 1319
مَسْأَلَةٌ:
خِطَاُبهُ لِوَاحِدٍ لا يَعُمُّ؛ خِلافًا لِلْحَنَابِلَةِ.
"قالوا": رابعًا: إذا اختصّ الخطاب الوارد باسمه ﷺ به "فمثل: "خَالِصَةً لَكَ"، و"نَافِلَةً لَكَ"" في قوله تعالى: ﴿امْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٥٠]، وفي قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٧٩] "لا يفيد"؛ لأن الاختصاص قد عرف من دون "خالصة لك" و"نافلة".
"قلنا": لا نسلّم عدم الفائدة؛ فإنّ الخطاب أولًا لا يدلّ على العموم، ولا على عدمه، وإذا لم يدل على عدمه كان محتملًا له، فالقيد "يفيد قطع الإلحاق"، وتلك فائدة.
"فرع"
خرجت الحنفيّة على أصلهم: انعقاد النِّكاح بلفظ الهِبَةِ (١)؛ لقوله تعالى: ﴿وامْرَأَةً مُؤْمِنَةً﴾، الآية.
"مسألة"
الشرح: إذا خاطب الشّارع واحدًا بلفظ "يختصّ به كقول الرب لنبيه ﷺ : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [سورة الأنفال: الآية ٦٥]، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [سورة المائدة: الآية ٦٧]، وقول النبي ﷺ لواحد من أمته: افعل كذا، فهل يعمّ خطابه الباقين؟.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَصوَّر إمام الحرمين، وابن السمعاني وغيرهما المسألة بخطابه ﷺ ، وعلى هذا يكون الضمير في قول المصنّف: "خطابه" عائدًا على النبّي ﷺ .
والصواب: عود الضمير على الشَّارع كما شرحناه؛ لأن المسألة في أعم من أن يكون المخاطِب الله تعالى، أو نبيه ﷺ ، كما ذكر الشيخ أبو حامد وقد مثَّل بالآيتين اللتين ذكرناهما.
واعلم أنه لا ينبغي أن يعتقد أن التعميم من جهة وضع الصيغة لغة، ولا أن الشرع لم يحكم بالتعميم حيث لم يظهر التَّخصيص، بل الحق أن التعميم منتفٍ لغةً ثابت شرعًا من حيث إن الحكم على الواحد حكمٌ على الجماعة، ولا أعتقد أحدًا يخالف في هذا، وينبغي أن يُرَدَّ الخلاف إلى أن العادة هل تقضي بالاشتراك بحيث يتبادر فهم أهل العرف إليها أَوْلا؟.
فأصحابنا يقولون: لا قضاء للعادة في ذلك، كما لا قضاء للغة، وإنما [الخطاب] (١) في الشرع شرع، وهم يقولون: العادة تقضي بذلك.
وقد ذكر ابن السَّمْعَاني: أن المخالفين استدلّوا بأن عادة أهل اللِّسان يخاطِبون الواحد، ويريدون الجماعة، وهو يرشد إلى ما ذكرناه.
أو يُرَدُّ إلى أنه هل صار عرف الشرع أن الواحد إذا خوطب، فالمراد الجماعة، فكأنه حقيقة شرعية أَوْلا؟.
فهم يقولون بالأوّل؛ لأنه لما استقرّ من الشّرع استواء الناس في شرعه، كان خطاب الواحد خطابًا مع الكلّ، وكأنه إذا قال: يا زيد قائل: يا أيها الناس ويكون للدلالة على معنى أن للنَّاس لفظين:
أحدهما: الناس، وذلك بوضع اللغة، والثاني: زيد إذا تقدم من اللَّافظ أنه إذا نطق به فقد أراد النَّاس كلهم، وإذا كان الشَّارع هو الذي تقدم منه القول كما في مسألتنا، صار
стр. 1322
لَنَا: مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْقَطْعِ وَلُزُومِ التَّخْصِيص، وَمِنْ عَدَمِ فَائِدَةِ: "حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ … ".
قَالُوا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾. [سورة سبأ: الآية ٢٨]، "بُعِثْتُ إِلَى الأَسْوَدِ وَالأَحْمَرِ" - يَدُلُّ عَلَيْهِ.
حقيقة شرعية، فمعنى النَّاس يدل عليه لفظه لغة وشرعًا، ولفظ: يا زيد شرعًا، ونحن نقول: "يا زيد" باقية على دلالتها الأصلية، سواء أسبق قبلها مِنْ قائلها أن حكم غيره حكمه أم لا، وهو الحق؛ لأنَّ القائل لم يضع "يا زيد" للناس، وإنما جعله سواء في الحكم، ولا يلزم من ذلك صيرورتهم من مدلول اللفظ.
ونظير هذا: ما حكاه الرَّافعي عن أبي العبَّاس الروياني أن الرجل إذا قال: متى قلت لامرأتي: أنت على حرام، فإني أريد به الطَّلاق، ثم قال لها بعد مدة: أنت على حرام يحتمل وجهين:
أحدهما: الحمل على الطلاق؛ لكلامه السابق.
والثاني: أنه كما لو ابتدأ به؛ لاحتمال أن نيته تغيرت.
وانظر تعليل الاحتمال الثاني بأن نيّته يحتمل أن تكون تغيرت، وأنه يقتضي أنها لو لم تتغتر يحمل على الطلاق جَزْمًا، فكذا إذا قال الشارع: "يا زيد" فإنما سبق من أن حكمه على الواحد حكم على الجماعة لم يتغيّر من سقطات الساقطين لا ترجيح له، فإنَّ الصواب عندنا مذهب أصحابنا.
الشرح: "لنا: ما تقدّم من القطع" بأن - خطاب المفرد لا يتناول غيره "ولزوم التخصيص" أن تُعدَّ لو أخرج واحد، "و" ما يلزم على ذلك "من عدم فائدة" ما روى - من قول النبي ﷺ : "حُكْمِى عَلَى الوَاحِدِ" حُكْمِي عَلَى الجَمَاعَةِ، وهو حديث لا يُعْرَف له أصل، سألت عنه شيخنا الذهبي فقال: لا أعرفه.
والمخالفون "قالوا": قوله تعالى: " ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ " [سورة سبأ: الآية ٢٨].
وقوله ﷺ : ""بُعِثتُ إِلَى الأسْوَدِ وَالأَحْمرِ" (١) "أي: ما روى الشيخان في "صحيحهما" من قوله ﷺ :"وَبُعِثْتُ إلَى كُلِّ أَحْمَرَ وَأَسْوَدَ" "يدل عليه" أي: على أن حكمه لا يختص
стр. 1323
وَأْجِيبَ: بِأَنَّ الْمَعْنَى تَعْرِيفُ كُلِّ مَا يَخْتَصُّ بِهِ، وَلا يَلْزَمُ اشتِرَاكُ الْجَمِيعِ.
قَالُوا: "حُكْمِي عَلَى الوَاحِدِ حُكْمِي عَلَى الْجَمَاعَةِ" يَأْبَى ذَلِكَ.
قُلْنَا: إِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ: "عَلَى الْجَمَاعَةِ بِالْقِيَاسِ، أَوْ بِهَذَا الَّدلِيلِ"؛ لا أَنَّ خِطَابَ الْوَاحِدِ للجَمِيعِ.
قَالُوا: نَقطَعُ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ حَكَمَتْ عَلَى الأُمَّةِ بِذَلِكَ؛ كَحُكْمِهِمْ بِحُكْمِ مَاعِزٍ فِي الزِّنَا وَغَيْرِهِ.
قُلْنَا: إنْ كَانُوا حَكَمُوا؛ لِلتَّسَاوِي فِي الْمَعنَى، فَهُوَ الْقِيَاسُ؛ وَإِلَّا فَخِلافُ الإجْمَاع.
بواحد.
الشرح: "وأجيب: بأن المعنى" من تعميم البعثة " تعريف كلّ" من الخلق "ما يختص به" من الأحكام، وربما اختلفوا فيها كالحَائِضِ والطَّاهر، والمسافر والمقيم، ونحو ذلك، "ولا يلزم اشتراك الجميع" في كل حكم.
"قالوا: "حُكْمي على الواحد حكمي على الجماعة" يأبى ذلك" أي يأبى تخصيص واحد عن واحد.
"قلنا: محمول على أنه" حكم "على الجماعة بالقياس، أو بهذا الدليل، لا أن خطاب الواحد" بعينه خطاب "للجميع".
ولقائل أن يقول: وأن خطاب الواحد خطاب للجميع بما مهَّده المخاطب أولًا من قوله: إذا حكمت على واحد، فذاك على الكلّ كما قدمناه بَحْثًا.
الشرح: "قالوا: نقطع بأن الصحابة حكمت على الأمة بذلك كحكمهم بحكم مَاعِزٍ في الزنا، و" بحكم "غيره" في سائر الأحكام.
"قلنا: إن كانوا حكموا للتساوي في المعنى، فهو القياس"؛ لاشتماله على الأصل
стр. 1324
قَالُوا: لَوْ كَانَ خاصًّا، لَكَانَ: "تُجْزِئُكَ، وَلا تُجْزِئُ أَحَدًا بَعْدَكَ"، وَتَخْصِيصُهُ ﵊ خُزَيْمَةَ بِقَبُولِ شَهَادَتِهِ وَحْدَهُ - زِيَادَةٌ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ.
قُلْنَا: فَائِدَتُهُ: قَطْعُ الإِلْحَاقِ؛ كَمَا تَقَدَّمَ.
والفرع والعلّة الجامعة، "وإلا" فإن حكموا مع عدم التساوي، "فخلاف الإجماع".
ولقائلٍ أن يقول: ثَمَّ قسم ثالث، وهو أن يحكموا بالمساواة في الحكم لا للعلّة الجامعة، بل لأن الحكم على الواحد حكمٌ على الجماعة، كما اعترفت به هنا، وأشرت إليه في كتاب "القياس" حيث قلت: واستدل [أبي] (١) على أن القياس حجّة بإلحاق كلّ زانٍ بماعز، ورُدَّ بأن ذلك لقوله ﵇: "حُكْمِي عَلَى الوَاحِدِ حُكْمِي عَلَى الجَمَاعَةِ". انتهى.
وليس قياسًا، ولا خلاف الإجماع؛ أو لأنّ الحكم على الواحد كالحكم على الخلق لفظًا بالبحث الذي قدمناه.
واعلم أن قضية مَاعِزٍ ثابتة في "الصحيحين" وغيرهما.
وأما أن الصحابة حكموا في نظيرها فلا يحفظ ذلك، ولا يحفظ إلا واقعة المغيرة بن شعبة (٢)، ولم تتم.
نعم: لا يمترى أحد في أن حكمهم في كل زانٍ محصن الرَّجْمُ.
الشرح: "قالوا: لو كان" حكمه على الواحد "خاصًّا" به "لكان" قوله ﷺ لأبي
стр. 1325
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بردة بن نيار ما معناه: "تُجْزِئُكَ وَلا تُجْزِيءُ أَحَدًا بَعْدَكَ (١)، وتخصيصه "خزيمة (٢) بقبول شهادته وحده زيادة من غير فائدة"؛ لأنه يعلم تخصيصه من الخطاب.
وحديث "تجزئك" وهو المروى في "الصحيحين" من حديث البراء بن عازب (٣) قال:
стр. 1326
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
خطب النبي ﷺ يوم النَّحْرِ فقال: "إن أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ ذَبَحَ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ عَجَّلَةُ لأِهْلِهِ، فقام خَالِي أبو بردة بن نيار فقال: يا رسول الله إني ذبحت قبل أن أصلي، وعندي جَزَعة خير من مُسِنّة، فقال: "اجْعَلْهَا مَكَانَهَا، وَلَنْ تُجْزِئَ جَذَعَةٌ، عَنْ أَحَدِ بَعْدَكَ".
وحديث خزيمة هو المَرْوِيّ في "مسند أحمد"، و "سنن أبي داود" والنسائي بإسناد صحيح عن عمارة بن خُزَيْمَةَ (١) أن عمه حدّثه - وهو من أصحاب النبي ﷺ - أن النبي ﷺ ابتاع فرسًا من أعرابي، فاستتبعه النبي ﷺ ليقضيه ثمن فَرَسِهِ، فأسرع النبي ﷺ المشى فأبطأ الأعرابي، فطفق رجال يعترضون الأعرابي، فيساومونه الفَرَسَ، ولا يشعرون أن النبي ﷺ ابتاعه، فنادى الأَعْرابي النبي ﷺ فقال: إن كنت مبتاعًا هذا الفرس وإلا بعته، فعلم النبي ﷺ حين سمع نداء الأعرابي فقال: "أَلَيْسَ قَدِ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ"؟، فقال الأعرابي: والله ما بعتك، فقال النبي ﷺ : "قَدِ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ"، وطفق الأعرابي يقول: هلم شهيدًا، فقال خزيمة: أنا أشهد أنك قد بعته، فأقبل النبي ﷺ فقال: "بمَ تَشْهَدُ"؟ فقال: بتصديقك يا رسول الله، فجعل النبي ﷺ شهادة خزيمة شهادة رَجُلَيْنِ (٢).
قال الخَطَّابي: (٣) هذا حديث وضعه كثير من الناس غير موضعه، وقد تذرّع قوم من
стр. 1327
مَسْأَلةَ: جَمْعُ الْمُذَكَّرِ السَّالِمُ (١) كَـ "الْمُسْلِمينَ" [سورة الأحزاب: الآية ٣٥] وَنَحْوَ: "فَعَلُوا" [سورة النساء: ٦٦]- مِمَّا يُغَلَّبُ فِيهِ الْمُذَكَّر، لا يَدْخُلُ فِيهِ النِّسَاءُ ظَاهِرًا؛ خِلافًا للْحَنَابِلَةِ.
أهل البدع إلى استحلال الشهادة لمن عرف عندهم بالصِّدْقِ على كل شيء ادّعاه، إنما وَجْهُ الحديث ومعناه: أن النبي ﷺ حكم على الأعرابي بعلمه إذ كان النبي ﷺ صادقًا بارًّا في قوله، وجرت شهادة خُزَيْمَةَ في ذلك مَجْرَى التوكيد والاستظهار بها على خَصْمِهِ، فصار التقدير: شهادته له، وتصديقه إياه على قوله كشهادة رَجُلَينِ في سائر القضايا.
قلت: وسواء أثبت تخصيص خزيمة أم لا، قد خصّص أبو بردة بن نيار، وخصص بعضهم بِلُبْسِ الحرير (٢).
"قلنا: فائدته قطع الإلحاق" إلحاق غير ذلك الواحد به "كما تقدم" في المسألة قبلها.
الشرح: جمع المذكّر المكسّر لا يدخل تحته المؤنّث، وجمع المؤنّث يدخل تحته المذكّر، والجمع الذي لم يظهر فيه علامة التذكير ولا التأنيث كـ "الناس" يتناول القسمين اتفاقًا (٣).
стр. 1328
لَنَا: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٣٥]، وَلَوْ كَانَ دَاخِلًا، لَمَا حَسُنَ.
فَإِنْ قُدِّرَ مَجِيئُهُ للنُّصُوصِيَّةِ، فَفَائِدَةُ التَّأْسِيسِ أَوْلَى.
وَأَيْضًا: قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ النَّسَاءَ قُلْنَ: "مَا نَرَى اللَّهَ ذَكَرَ إِلَّا الرَّجَالَ"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٣٥]، وَلَوْ كُنَّ دَاخِلاتٍ، لَمْ يَصِحَّ تَقْرِيرُهُ للِنَّفْيِ.
وَأَيْضًا: فَإِجْمَاعُ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ جَمْعُ المُذَكَّرِ.
وأما "جمع المذكّر السَّالم كـ "المسلمين"، ونحو "فعلوا" [سورة النساء: الآية ٦٦]- مما يغلب فيه المذكر لا يدخل فيه النساء ظاهرًا؛ خلافًا للحنابلة"، وابن خويز مَنْدَاد من المالكية، وابن داود.
وادعى ابن الأنباري الإجماع على عدم الدُّخُول لغة حقيقة، وأن النزاع إنما هو في ظهوره؛ [لاشتهاره] (١) عُرْفًا، ثم هل تقول: اجتمع في اللفظ موجب الحقيقة والمجاز، أو يكون مجازًا صرفًا؟.
فيه ما سبق في [مسألة] (٢) استعمال المشترك في معنييه.
الشرح: "لنا:" قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٣٥]، ولو كان" المؤنث "داخلًا" تحت لفظ المسلمين "لما حسن" العطف، لما فيه من التَّكْرار بلا فائدة، "فإن قدر" في المعطوف، وهو المسلمات "مجيئه للنصوصية" كما في قوله تعالى: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٩٨] "ففائدة التَّأسيس أولى" بالاعتبار من فائدة التأكيد.
"وأيضًا: قالت أم سلمة: يا رسول الله إنَّ النساء قُلْنَ: ما نرى الله ذكر إلا الرجال"
стр. 1329
قَالُوا: الْمَعْرُوفُ تَغْلِيبُ الذُّكُورِ.
قُلْنَا: صَحِيحٌ، إِذَا قُصِدَ الْجَمِيعُ؛ وَيَكُونُ مَجَازًا.
فَإِنْ قِيلَ: الأصْلُ الْحَقِيقَةُ.
قُلْنَا: يَلْزَمُ الاِشْتِرَاك، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ.
فأنزل الله ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٣٥]، ولو كن داخلات"" لم يحسن السؤال، و "لم يصح تقريره" ﷺ "للنفي".
ولفظ أم سلمة في النسائي: قلت: يا رسول الله ما لنا لا نُذْكر في القُرْآن كما تُذْكر الرجال؟ فأنزل الله : ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٣٥]، وله طرق إلى الصِّحة إلّا أنه لا دليل فيه؛ فإن أم سلمة إنما سألت عن ذكرهن، والظاهرُ أن مرادها التَّنصيص عليهن بما يخصّهن شرفًا لهن.
والأَوْلى عندي أن يستدل بقول عائشة ﵂: يا رسول الله على النساء جهاد؟ قال ﷺ : "نَعَمْ عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لا قِتَالَ فِيهِ: الحَجُ والْعُمْرَةُ"، أخرجه ابن ماجه بإسناد جيد (١)، فلو كن يدخلن في لفظ المؤمنين لعَرَفَتْ ذلك، ولم تسأل.
"وأيضًا: فإجماع" أهل "الغربية على أنه جمع المذكر".
ولا يخفى على من شذا طرفًا منها أن قول القائل: "مسلمات" مبنى على قوله في الواحد: إن "مسلم" و "مسلمون" مبني على "مسلم" و"مسلمين".
الشرح: "قالوا: المعروف تغليب الذكور"، ومنه قوله تعالى لآدم وحواء وإبليس: ﴿اهْبِطُوا﴾.
"قلنا: صحيح إذا قصد الجميع، ويكون مجازًا" محتاجًا إلى القرينة، فإما أن يقال: إن وضع اللِّسَان على المسلمين مسترسل على النساء والرجال استرساله على آحادِ الرجال.
"فإن قيل": قد سلمتم صحة الإطلاق، و"الأصل الحقيقة".
قلنا: هو حقيقة في المذكر بخصوصه إجماعًا، فإن كان مع ذلك حقيقة في المذكر والمؤنث "للزم الاشتراك"، والمجاز أولى في الاشتراك، "وقد تقدم مثله".
وهذا السؤال إنما يورده من يظنّ الخصوم يدعون دخول النساء وضعًا حقيقيًا، وذلك
стр. 1330
قَالُوا: لَوْ لَمْ يَدْخُلْنَ، لَمَا شَارَكْنَ الْمُذَكَّرِينَ فِي الأَحْكَامِ.
قُلْنَا: بِدَلِيل مِنْ خَارجٍ؛ وَلذلِكَ لَمْ يَدخُلْنَ فِي الْجِهَادِ وَالْجُمُعَةِ وَغَيْرِهِمَا" ا. هـ.
"قَالُوا: لَوْ أَوْصَى لِرِجَالٍ وَنِسَاءٍ بِشَيْءٍ، ثُمَّ قَالَ: أَوْصَيْتُ لَهُمْ بكَذَا - دَخَلَ النِّسَاءُ بِغَيْرِ قَرِينَةٍ، وَهُوَ مَعْنَى الْحَقِيقَةِ.
قُلْنَا: بَلْ بِقَرِينَةِ الإِيصَاء الأَوَّلِ.
لا ينبغي لأحد أن يقول: وإنما ادعوا دخولهن؛ لأنه لما كثر في الشرع مساواة الذكور للإناث، وسار غالبًا، كان تقرير هذا أن العادة الغالبة تبين أن الشرع لا يقصد قصر الأحكام على الذكور، ونحن نقول: هذا غير مطّرد؛ إذ قد ثبت أحكام الذكور دون الإناث.
الشرح: "قالوا: لو لم يدخل لما شاركن المذكورين في الأحكام" نحو: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٤٣].
"قلنا": إنما شاركهم "بدليلٍ من خارج" لا من نفس اللَّفْظ، "ولذلك لم يدخلن في" خطاب "الجهاد والجمعة وغيرها".
الشرح: "قالوا: لو أوصى لرجال ونساء بشيء، ثم قال: أوصيت لهم بكذا، دخل النساء بغير قرينة، وهو معنى الحقيقة".
"قلنا": لم يدخلن بغير قرينة، "بل بقرينة الإيصاء الأوّل" للرجال والنساء، على أني لا أحفظ نقلًا عن مذهبنا في هذه المسألة، ولكن الظاهر الدخول كما ذكر.
"فائدة"
من يدخلهن يحتاج إلى إخراجهن من الجهاد والجمعة، ونحوهما إلى دليل مخرج، ومن لا يدخلهنّ يحتاج في الصلاة والزكاة ونحوهما إلى دليلٍ يخصّهن، والقول بعدم دخولهن هو الذي نقله الشيخ أبو حامد في أصوله عن الشافعي، واستنبطه من قوله من قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [سورة الأنفال: الآية ٦٥]. المرادُ بذلك الرجال لا النِّساء.
"فرع"
قال واعظ لحاضريه: طلقتكم ثلاثًا وامرأته فيهم وهو لا يدري، أفتى الإمام بوقوع الطلاق.
قال الغزالي: وفي القَلْبِ منه شيء.
стр. 1331
مَسْأَلَةٌ:
مَنِ" الشَّرْطِيَّةُ: تَشْمَلُ الْمُؤَنَّثَ؛ عِنْدَ الأَكْثَرِ.
لَنَا: أَنَّهُ لَوْ قَالَ: "مَنْ دَخَلَ دَارِي، فَهُوَ حُرٌّ، عَتقْنَ بِالدُّخُولِ.
وقال الرافعي، والنووي: ينبغي ألَّا يقع، ثم اختلفت بهما السبيل، فمأخذ النووي أن النساء لا يدخلن في هذا اللَّفظ كما تقرر في الأصول، ومأخذ الرافعي غيره.
قلت: ولو سلم دخولها، فينبغي أن يخرَّج على طلاق الجاهل، والأصحّ فيه عدم الوقوع، كما إذا حلف لا يسقم على زيد فسلّم على قوم هو فيهم، ولم يعلم به، فإن في حِنْثِهِ كما قال الرافعي قولي الناسي والجاهل، والأصحُّ منهما عدم الوقوع.
"مسألة"
الشرح: "مَنْ" الاستفهامية لا تعم (١)، وكذا النكرة الموصوفة؛ مثل قول الشاعر: [الرمل]
رُبَّ مَنْ أَنْضَجْتُ غَيْظًا قَلْبَهُ … قَدْ تَمَنَّى لِيَ مَوْتًا لَمْ يُطَعْ (٢)
وقال حسان (٣) ﵁: [الكامل].
стр. 1332
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فكَفَى بِنَا فَضْلًا عَلَى مَنْ غَيْرِنَا … حُبُّ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ [إِيَانَا (١)] (٢)
وكذا إذا كانت زائدة إن قيل بورودها لذلك، وهو رأي الكسائي (٣)، أو نكرة تامَّة، وهو رأي أبي علي.
وأما الموصولة والشرطية فيعفان.
أما الموصولة فتشمل المذكر والمؤنث مثل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٨].
وأما "الشرطية" مثل: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [سورة الفرقان: الآية ٦٨]، فلذلك "تشمل المؤنث عند الأكثر".
وقيل: تختص بالمذكر.
"لنا: أنه لو قال: مَنْ دخل داري فهو حُرّ، عَتقْنَ بالدخول" اتفاقًا، ولولا شمول اللفظ ما كان ذلك.
"فرع"
لو نظرت الأجنبية في بيت الأجنبي جاز رَمْيُهَا على أصح الوجهين، ويمكن أن يبنى الخلاف على شمول "مَنْ" المؤنث، والأصل فيه ما في صحيح مسلم من قوله ﷺ : "مَن
стр. 1333
مَسْأَلَةٌ:
الْخِطَابُ بِـ "النَّاسِ"، وَ"الْمُؤمِنِينَ"، وَنَحْوِهِمَا: يَشْمَلُ الْعَبِيدَ؛ عِنْدَ الأكْثَرِ.
وَقَالَ الرَّازِيُّ: إِنْ كَانَ لِحَقِّ اللهِ.
لَنَا: أَنَّ الْعَبْدَ مِنَ النَّاسِ وَالْمُؤمِنِينَ قَطْعًا؛ فَوَجَبَ دُخُولُهُ.
اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَفْقَئُوا عَيْنَهُ" (١).
وتستحق المرأة سلب المقتول على المذهب؛ لقوله ﷺ :"مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُه" (٢).
"مسألة"
الشرح: "الخطاب بـ "النَّاسِ" و"المؤمنين" ونحوهما يشمل العبيد عند الأكثر" وقيل: لا (٣).
"وقال الرازي": من الحنفية (٤): "إن كان" الخطاب "لحقّ الله" دخل العبيد، وإنْ كان لحقّ العباد فلا.
"لنا: أن العَبْدَ من الناس والمؤمنين قطعًا؛ فوجب دخوله".
стр. 1334
قَالُوا: ثَبَتَ صَرْفُ مَنَافِعِهِ إِلَى سَيِّدِهِ؛ فَلَوْ خُوطِبَ بِصَرْفِهَا إَلَى غَيْرِهَ لَتَنَاقَضَ.
رُدَّ: بِأَنَّهُ فِي غَيْرِ تَضَايُقِ الْعِبَادَاتِ؛ فَلا تَنَاقُضَ.
قَالُوا: ثَبَتَ خُرُوجُهُ مِنْ خِطَابِ الْجِهَادِ وَالْحَجِّ وَالْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا.
قُلْنَا: بِدَلِيلٍ؛ كَخُرُوجِ الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ.
الشرح: "قَالُوا: ثبت صرف منافعه إلى سَيّده" في جميع الأوقات بالشرع، "فلو خوطب بصرفها إلى غيره" أيضًا "لتناقض".
"ردّ: بأنه" إنما يخاطب بصرف مَنَافعه إلى سَيّده "في غير" أوقات" [تضايق] (١) العبادات"، ولذلك لا يجوز للسَّيِّد استخدامه في وقت الصَّلاةِ المفروضة، بل له أوقات يجب على السَّيد أن يغادره فيها لأداء وظيفة العبادة [وآخَر] (٢) لراحته في نفسه.
"قالوا: ثبت خروجه من خطاب الجهاد والحَجّ والجمعة وغيرها"، مع ورود الألفاظ العامة في ذلك مثل: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٩٧]، و ﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [سورة الأنفال: الآية ٦٥]، فلو كان داخلًا احتيج إلى دليل في إخراجه.
"قلنا": هو داخل، وإنما خرج "بدليل" … كما روي أنه ﷺ كان إذا أتاه إنسان لا يعرفه ليبايعه سأله: أحُرّ هو أو عبد؟ فإن قال: أنا حرّ بايعه على الإسلام والجهاد، وإن قال: أنا عبد بايعه على الإسلام، ولم يبايعه على الجهاد.
وأنه ﷺ قال: "أَيُمَا عَبْدٍ حَجَّ ثُمَّ عَتَقَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخرَى" (٣).
وأنه ﷺ قَال: "الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُل مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ إِلَّا أَرْبَعَةً: عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، وَأمْرَأَةٌ، أَوْ صَبِيٌّ، أو مَرِيضٌ" (٤).
стр. 1335
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وخروج العبد "كخروج المريض والمسافر" عن العمومات التي خرجا منها كالصوم والصلاة، وذلك لا يدل على عدم تناولهما اتفاقًا.
"فرع"
أمان العبد صحيح عندنا" لإطلاق قوله ﷺ : "المُسْلِمُونَ تَتكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ" (١).
وقال أبو حنيفة: لا يصح إلَّا أن يكون مَأْذُونًا له في القتال، [أو تخريج] (٢) الخلاف على هذا الأصل ظاهر.
"فائدة"
استدل الشافعي لتفاوت الحر والعبد في مقدار ما يملك من الطَّلاق بأن قوله تعالى: ﴿مَرَّتَانِ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٣٠] يحتمل أن يكون للأحرار والعبيد والإماء، وأن يكون لبعضهم.
وقد جاء القرآن بأحكام مطلقة كهذه اختلف فيها الحرّ والعبد والحرة والأَمة، وأحكام اتفقوا فيها للضَّرورة خاصَّة.
قال الله تعالى في حق الزَّانين الأحرار: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [سورة النور: الآية ٢]، وفي الإماء: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ [سورة النساء: الآية ٢٥] الآية.
وقال في الشهادات: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [سورة الطلاق: الآية ٢].
قال الشافعي: فلم يختلف من لقيت أنها على الأحرار دون العبيد، ولم يختلف أحد لقيت أنْ لا رجم على عبد ثَيّب، وفرض الله تعالى العدَّة ثلاثة أشهر وثلاثة قروء، وفي الموت أربعة أشهر وعشرًا.