مَسْأَلَةٌ:
مَنِ" الشَّرْطِيَّةُ: تَشْمَلُ الْمُؤَنَّثَ؛ عِنْدَ الأَكْثَرِ.
لَنَا: أَنَّهُ لَوْ قَالَ: "مَنْ دَخَلَ دَارِي، فَهُوَ حُرٌّ، عَتقْنَ بِالدُّخُولِ.
وقال الرافعي، والنووي: ينبغي ألَّا يقع، ثم اختلفت بهما السبيل، فمأخذ النووي أن النساء لا يدخلن في هذا اللَّفظ كما تقرر في الأصول، ومأخذ الرافعي غيره.
قلت: ولو سلم دخولها، فينبغي أن يخرَّج على طلاق الجاهل، والأصحّ فيه عدم الوقوع، كما إذا حلف لا يسقم على زيد فسلّم على قوم هو فيهم، ولم يعلم به، فإن في حِنْثِهِ كما قال الرافعي قولي الناسي والجاهل، والأصحُّ منهما عدم الوقوع.
"مسألة"
الشرح: "مَنْ" الاستفهامية لا تعم (١)، وكذا النكرة الموصوفة؛ مثل قول الشاعر: [الرمل]
رُبَّ مَنْ أَنْضَجْتُ غَيْظًا قَلْبَهُ … قَدْ تَمَنَّى لِيَ مَوْتًا لَمْ يُطَعْ (٢)
وقال حسان (٣) ﵁: [الكامل].
стр. 1332
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فكَفَى بِنَا فَضْلًا عَلَى مَنْ غَيْرِنَا … حُبُّ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ [إِيَانَا (١)] (٢)
وكذا إذا كانت زائدة إن قيل بورودها لذلك، وهو رأي الكسائي (٣)، أو نكرة تامَّة، وهو رأي أبي علي.
وأما الموصولة والشرطية فيعفان.
أما الموصولة فتشمل المذكر والمؤنث مثل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٨].
وأما "الشرطية" مثل: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [سورة الفرقان: الآية ٦٨]، فلذلك "تشمل المؤنث عند الأكثر".
وقيل: تختص بالمذكر.
"لنا: أنه لو قال: مَنْ دخل داري فهو حُرّ، عَتقْنَ بالدخول" اتفاقًا، ولولا شمول اللفظ ما كان ذلك.
"فرع"
لو نظرت الأجنبية في بيت الأجنبي جاز رَمْيُهَا على أصح الوجهين، ويمكن أن يبنى الخلاف على شمول "مَنْ" المؤنث، والأصل فيه ما في صحيح مسلم من قوله ﷺ : "مَن
стр. 1333
مَسْأَلَةٌ:
الْخِطَابُ بِـ "النَّاسِ"، وَ"الْمُؤمِنِينَ"، وَنَحْوِهِمَا: يَشْمَلُ الْعَبِيدَ؛ عِنْدَ الأكْثَرِ.
وَقَالَ الرَّازِيُّ: إِنْ كَانَ لِحَقِّ اللهِ.
لَنَا: أَنَّ الْعَبْدَ مِنَ النَّاسِ وَالْمُؤمِنِينَ قَطْعًا؛ فَوَجَبَ دُخُولُهُ.
اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَفْقَئُوا عَيْنَهُ" (١).
وتستحق المرأة سلب المقتول على المذهب؛ لقوله ﷺ :"مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُه" (٢).
"مسألة"
الشرح: "الخطاب بـ "النَّاسِ" و"المؤمنين" ونحوهما يشمل العبيد عند الأكثر" وقيل: لا (٣).
"وقال الرازي": من الحنفية (٤): "إن كان" الخطاب "لحقّ الله" دخل العبيد، وإنْ كان لحقّ العباد فلا.
"لنا: أن العَبْدَ من الناس والمؤمنين قطعًا؛ فوجب دخوله".
стр. 1334
قَالُوا: ثَبَتَ صَرْفُ مَنَافِعِهِ إِلَى سَيِّدِهِ؛ فَلَوْ خُوطِبَ بِصَرْفِهَا إَلَى غَيْرِهَ لَتَنَاقَضَ.
رُدَّ: بِأَنَّهُ فِي غَيْرِ تَضَايُقِ الْعِبَادَاتِ؛ فَلا تَنَاقُضَ.
قَالُوا: ثَبَتَ خُرُوجُهُ مِنْ خِطَابِ الْجِهَادِ وَالْحَجِّ وَالْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا.
قُلْنَا: بِدَلِيلٍ؛ كَخُرُوجِ الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ.
الشرح: "قَالُوا: ثبت صرف منافعه إلى سَيّده" في جميع الأوقات بالشرع، "فلو خوطب بصرفها إلى غيره" أيضًا "لتناقض".
"ردّ: بأنه" إنما يخاطب بصرف مَنَافعه إلى سَيّده "في غير" أوقات" [تضايق] (١) العبادات"، ولذلك لا يجوز للسَّيِّد استخدامه في وقت الصَّلاةِ المفروضة، بل له أوقات يجب على السَّيد أن يغادره فيها لأداء وظيفة العبادة [وآخَر] (٢) لراحته في نفسه.
"قالوا: ثبت خروجه من خطاب الجهاد والحَجّ والجمعة وغيرها"، مع ورود الألفاظ العامة في ذلك مثل: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٩٧]، و ﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [سورة الأنفال: الآية ٦٥]، فلو كان داخلًا احتيج إلى دليل في إخراجه.
"قلنا": هو داخل، وإنما خرج "بدليل" … كما روي أنه ﷺ كان إذا أتاه إنسان لا يعرفه ليبايعه سأله: أحُرّ هو أو عبد؟ فإن قال: أنا حرّ بايعه على الإسلام والجهاد، وإن قال: أنا عبد بايعه على الإسلام، ولم يبايعه على الجهاد.
وأنه ﷺ قال: "أَيُمَا عَبْدٍ حَجَّ ثُمَّ عَتَقَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخرَى" (٣).
وأنه ﷺ قَال: "الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُل مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ إِلَّا أَرْبَعَةً: عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، وَأمْرَأَةٌ، أَوْ صَبِيٌّ، أو مَرِيضٌ" (٤).
стр. 1335
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وخروج العبد "كخروج المريض والمسافر" عن العمومات التي خرجا منها كالصوم والصلاة، وذلك لا يدل على عدم تناولهما اتفاقًا.
"فرع"
أمان العبد صحيح عندنا" لإطلاق قوله ﷺ : "المُسْلِمُونَ تَتكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ" (١).
وقال أبو حنيفة: لا يصح إلَّا أن يكون مَأْذُونًا له في القتال، [أو تخريج] (٢) الخلاف على هذا الأصل ظاهر.
"فائدة"
استدل الشافعي لتفاوت الحر والعبد في مقدار ما يملك من الطَّلاق بأن قوله تعالى: ﴿مَرَّتَانِ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٣٠] يحتمل أن يكون للأحرار والعبيد والإماء، وأن يكون لبعضهم.
وقد جاء القرآن بأحكام مطلقة كهذه اختلف فيها الحرّ والعبد والحرة والأَمة، وأحكام اتفقوا فيها للضَّرورة خاصَّة.
قال الله تعالى في حق الزَّانين الأحرار: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [سورة النور: الآية ٢]، وفي الإماء: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ [سورة النساء: الآية ٢٥] الآية.
وقال في الشهادات: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [سورة الطلاق: الآية ٢].
قال الشافعي: فلم يختلف من لقيت أنها على الأحرار دون العبيد، ولم يختلف أحد لقيت أنْ لا رجم على عبد ثَيّب، وفرض الله تعالى العدَّة ثلاثة أشهر وثلاثة قروء، وفي الموت أربعة أشهر وعشرًا.
стр. 1336
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولم أعلم مخالفًا ممّن حفظت عنه من أهل العلم في أن عدّة الأَمةِ نصف عدّة الحُرَّة مما له نصف معلوم، وما لا كالحيض عدّتها فيه أقرب الأَشياء من النصف، وهو تمام حَيْضَتَيْنِ. هذا مختصر كلام الشَّافعي في باب عدّة الأمةِ في كتاب "الأم".
وقد يؤخذ منه أنه في غير أماكن الضَّرورة لا يدخل العَبْدُ في إطلاق لفظ "الناس" و"المؤمنين" ونحوهما.
وأن مذهبه التفصيل بين أماكن الضرورة وغيرها، [فلا] (١) يقال: هذا في الألفاظ المطلقة دون العامة كقوله ﵁:"قد جاء القرآن بأحكام مطلقة؛ لأن مراده بـ "المطلقة" العامة، [والآيات] (٢) التي أوردها كلها عامة.
والذي عندي في هذا أن الشافعي ﵁ لا ينكر دخول العبيد لغةً في لفظ "الناس" و "المؤمنين"، وكيف ذلك وهو من مَشْيخة قريش وفُرْسان البلاغة، ولكنه يدعي أنه استقرأ الآيات الواردة عامة، فوجد الأمة فيما عدا أماكن الضرورة يخصّ بها العبيد، ولذلك قال في كل موضع أورده: "فلم يختلف أحد لقيت"، كما رأيت فتبين أن مراده الاستقراء [به] (٣) عن [صيغ] (٤) الأمة لا مدلول اللفظ لغة، وهذه فائدة وراء ما تكلم فيه أهل الأصول، فإنهم إنما تكلّموا في مدلول اللفظ لغة، والشافعي ﵁ يوافقهم، ولكنه يقول: إنَّ الاستقراء دلَّ على أن العبيد غير مراد باللَّفظ فيما عدا الضرورات.
فإن قلت: وما الضرورات؟
قلت: كأنه يشير إلى ما لا يفترق فيه الحرّ والعبد، كالإيمان، والصلاة، والصوم؛ فإن هذه أمور ليس يعقل في العبيد معنى يخرجهم عنها، فيدخلون في: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢١] ونحوها؛ إذ الرق لا يقتضي الخروج من هذا الخلاف: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٤٣]؛ فإنها تختص بذوي الأموال. ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٩٧] إلى غير ذلك من الآي.
стр. 1337
مَسْأَلَةٌ:
مِثْلُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢١]، ﴿يَا عِبَادِيَ﴾ [سورة العنكبوت: الآية ٥٦]- يَشْمَلُ الرَّسُولَ ﷺ ؛ عِنْدَ الْأَكْثَرِ.
وَقَالَ الْحَلِيمِيُّ: إِلَّا أَن يَكُونَ مَعَهُ ﴿قُلْ﴾.
لنَا: مَا تَقَدَّمَ.
وَأَيْضًا: فَهِمُوهُ؛ لأِنَّهُ إِذَا كَانَ لَمْ يَفْعَلْ ﷺ ، سَأَلُوهُ؛ فَيَذْكُرُ مُوجِبَ التَّخْصِيصِ.
قَالُوا: لا يَكُونُ آمِرًا مَأْمُورًا، وَمُبَلِّغًا مُبَلِّغًا بِخِطَابٍ وَاحِدٍ، وَلأِنَّ الأَمْرَ - لِلأَعْلَى مِمَّنْ دُونَهُ.
قُلْنَا: الآمِرُ اللَّهُ سُبْحَانَه، وَالْمُبَلِّغُ جِبْرِيلُ ﵇.
"مسألة"
الشرح: الخطاب - المتناول لغة - للرسول ﷺ وللأمة: "مثل: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢١]، ﴿يَا عِبَادِيَ﴾ [سورة الزمر: الآية ٥٣] يشمل الرسول عند الأكثر".
وقيل: لا (١).
"وقال" أبو بكر الصَّيرفي، وأبو عبد اللّه "الحليمي" (٢): يشمله "إلا أن يكون معه ﴿قُلْ﴾ " أو نحوها مما يقتضي بصراحته الأمر بالتبليغ مثل: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [سورة النور: الآية ٣٠].
стр. 1338
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"لنا: ما تقدّم" من أن الخطاب عام؛ فلا يخرج فرد من أفراده عنه إلا بدليل.
"وأيضًا" فالعمومُ الصَّحابةُ قد "فهموه؛ لأنه ﷺ إذا كان لم يفعل سألوه" عن السبب، "فيذكر موجب التخصيص"، فلولا دخوله تحت الخِطَابِ لم يحسن السؤال، ولم يُجِبْ بالتخصيص، بل بأن: لم أدخل.
[ولمن] (١) فصل أن يقول: لا نسلِّمُ عموم الخطاب، ولا فهمهم العُمُوم في حالة النزاع، وهي ما إذا كان في اللفظ "قل"، والمنقول من ذلك أنه ﵇ أمرهم بفسخ الحَجّ إلى العمرة، ولم يفسخ.
قالوا: أتأمرنا بالفسخ ولم تفسخ؟! فاعتذر بأنه قلّد الهدي، ولا دليل فيه؛ فإن ذلك قد يكون [لغة] (٢) التسوية، أو أنه خطاب مُشَافهة، والأمر غير داخل فيه، وتعليلهم بقول: "أتأمرنا" مع عدم تعرضهم لعموم الأمر يشعر بذلك إشعارًا ظاهرًا.
"قالوا" أولًا: لا يدخل تحت الخطاب، "وإلَّا، يلزم أن "يكون آمرًا مأمورًا مبلِّغًا مبلَّغًا بخطاب واحد"، وهو محال؛ لأن الآمر طالب، والمأمور مطلوب منه، والمبلِّغ مؤدّ، والمبلَّغ مؤدى إليه، وقد وقع الاتفاق على أن أمر الإنسان لنفسه على الخصوص ممتنع، فكذلك على العموم، "ولأن الأمر للأعلى ممن دونه" كذا بخطّ المصنف، ثم أصلحت: لمن دونه.
إن الأمر يشترط فيه علو المرتبة، فيكون الأمر من العالي لمن دونه، فلا بد من مغايرة الآمر والمأمور، وإلَّا يلزم اجتماع كونه أعلى وأدنى، وهو محال.
"قلنا: الآمر الله، والمبلِّغ جبريل"، فلا يلزم أن يكون ﵇ آمرًا مأمورًا حتى يمتنع؛ لامتناع أمر الإنسان نفسه، ولاستحالة اجتماع العلو وضده، ولا أن يكون مبلِّغًا ومبلَّغًا.
стр. 1339
قَالُوا: خُصَّ بِأَحْكَام؛ كَوُجُوبِ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، وَالضُّحَى، وَالأَضْحَى، وَتَحْرِيمِ الزَّكَاةِ، وَإبَاحَةِ النَكاحِ بِغَيْرِ وَليٍّ وَلا شُهُودٍ، وَلا مَهْرٍ، وَغَيْرِهَا.
قلنا: كَالْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ وَغَيْرِهِمَا، وَلَمْ يَخْرُجُوا بِذلِكَ مِنَ الْعُمُومَاتِ.
الشرح: "قالوا" ثانيًا: "خصّ" النبي ﷺ "بأحكام، كوجوب رَكْعَتَيِ الفجر، والضحى، [والأضحى] (١)، وتحريم الزكاة، وإباحة النكاح بغير وَلِيّ ولا شهود، ولا مَهْر وغيرها" من الخصائص التي يكثر عدها، وذلك يدلّ على مَزِيّته؛ وانفراده عن الأمة في الأحكام التكليفية؛ فلا يكون داخلًا تحت الخطاب المتناول لهم.
"قلنا": الخصوص في غير محلّ الخطاب الذي يتكلّم عليه لا يقتضي تعدِّيه إلى ما سواه "كالمريض والمسافر وغيرهما"؛ فإنهم خرجوا من بعض العمومات بدليل خاصّ، "ولم يخرجوا بذلك من العمومات" التي لم ينهض الدليل الخاصّ على تخصيصها بالنسبة إليهم.
واعلم أن المصنف اتبع الآمدي في التمسُّك بركعتي الفجر، ولا نعلم أحدًا عدَّها من الخصائص، [وروي] (٢) من حديث وَضَّاح بن يحيى (٣) عن مندل بن علي - وهما ضعيفان - عن يحيى بن سعيد (٤) عن عكرمة (٥) عن ابن عباس أنه ﷺ قال: "ثَلاثٌ هُنَ عَلَيَّ فَرَائِض،
стр. 1340
مَسْأَلَةٌ:
مِثْلُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢١]- لَيْسَ خِطَابًا لِمَنْ بَعْدَهُمْ؛ وَإنَّمَا ثَبَتَ الْحُكْمُ بِدَلِيلٍ آخَرَ مِنْ إِجْمَاعٍ، أَوْ نَصٍّ، أَوْ قِيَاسٍ؛ خِلافًا لِلْحَنَابِلَةِ.
وَهُنَّ لَكُمْ تَطَوُّعٌ، الوِتْرُ وَرَكْعَتَا الفَجْرِ وَصَلاةُ الضُّحَى" (١) وقد روي: "النحر" بدل "الفجر".
والأحسن ألَّا يوسع الكلام في خروج النبي ﷺ من الخطاب العام، أو دخول أمته في الخطاب المختص به؛ لأنه قلَّما تمس الحاجة إليه.
"مسألة"
الشرح: لا يمكن دعوى العموم في الخطاب الشفاهي بالنسبة إلى من لم يشافه به، وإنما يعم من شُوفِه به، فإذا قال للحاضرات من نسائه: طلّقتكن، فإنما يقع الطلاق على من أقبل بوجهه عليهن، ووجه مُشَافهته نحوهن لا الغائبة منهن، ولربّ حاضرات بين يديه لم يشافه إلا بعضهن، ويعرف ذلك بالقرائن (٢).
إذا عرفت هذا، فاعتبر به كلّ خطاب، فنقول: كل حكم نزل بصيغة المُخَاطبة "مثلُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢١] " فهو خطاب مع الموجودين في عصر النبي ﷺ ؛ لأنهم المواجهون به، و "ليس خطابًا لمن بعدهم، وإنما يثبت الحكم" فيمن بعدهم "بدليل آخر من
стр. 1341
لَنَا: الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لا يُقَالُ لِلْمَعْدُومِينَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾.
وَأَيْضًا: إِذَا امْتَنَعَ فِي الصَّبِيِّ وَالْمَجْنونِ، فَالْمَعْدُومُ أَجْدَرُ.
قَالُوا: لَوْ لَمْ يَكُنْ مُخَاطِبًا لَه، لَمْ يكُنْ مُرْسَلًا إِلَيْهِ، وَالثَّانِيَةُ اتِّفَاقٌ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ الْخِطَابُ الشِّفَاهِيُّ، بَلْ لِبَعْضٍ شِفَاهًا، وَلبَعْضٍ بِنَصْبِ الْأَدِلَّةِ بِأَنَّ حُكْمَهُمْ كَحُكْمِ مَنْ شَافَهَهُمْ.
قَالُوا: الاِحْتِجَاجُ: بهِ دَلِيلُ التَّعْمِيمِ.
قُلْنَا: لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ حُكْمَهُ ثَابِتٌ عَلَيْهِمْ بِدَلِيلٍ آخَرَ؛ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ.
إجماع، أو نص، أو قياس" يلحقهم به؛ "خلافًا للحنابلة".
الشرح: "لنا: القطع أنه لا يقال للمعدومين: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ "؛ لأنه وقت كونه معدومًا ليس من الناس، فلا يتناوله اللفظ، "وأيضًا إذا امتنع في الصَّبي والمجنون" مع وجودهما "فالمعدوم أجدر".
لا يقال: كيف جوزتم خطاب المعدوم؟ لأنا نقول ذلك في أصل الجواز والتعلّق غير التَّنْجيزي، وهذا في التعلّق التنجيزي.
"قالوا" أولًا: "لو لم يكن" النبي ﷺ "مخاطبًا" له أي: للمعدوم "لم يكن مرسلًا إليه"؛ إذ لا معنى لإرساله إلا تبليغه الأحكام، ولا سبيل بذلك إلا بهذه العُمُومات، وهي لا تتناوله.
"والثانية" وهي المقدمة الاستثنائية "اتفاق".
ومن محاسن المصنّف استدلاله بالاتِّفاق على انتفاء اللَّازم، ولم يستدل بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سورة سبأ: الآية ٢٨]، وإن كان غيره قد استدلّ به، وكذا: بعث إلى الأحمر والأسود؛ لأن لفظ الناس، والأحمر، والأسود، والجماعة يختص أيضًا بالموجودين وَقْت النّزول، ولا فرق بينه وبين ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾.
الشرح: "وأجيب بأنه لا يتعين الخطاب الشفاهي" في الإرسال، "بل" مطلق الخطاب كافٍ، ويكون "لبعضٍ شِفَاهًا" وهم الموجودون "ولبعض" وهم من بعده ﷺ "بنصب الأدلَّة" والنقل عنه ﷺ بأن حكمهم "كحكم من شافههم".
والحق أن ذلك معلوم من الدِّين بالضرورة، ومن كونه خاتم النبيين، ودائم الشرعة
стр. 1342
مَسْأَلَةٌ:
الْمُخَاطِبُ: دَاخِلٌ فِي عُمُومِ مُتَعَلَّقِ خِطَابِهِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ أَمْرًا أَوْ نَهْيًا أَوْ خَبَرًا؛ مِثْلُ: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٠١]، "مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْكَ فَأَكرِمْهُ"، أَوْ "فَلا تُهِنْهُ".
قَالُوا: يَلْزَمُ: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة الزمر: الآية ٦٢].
فُلْنَا: خُصَّ بِالْعَقْل.
إلى يوم القيامة [من] (١) مثل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾؛ لما عرفت.
"قالوا" ثانيًا: لم تزل العلماء تستدلّ بمثل هذا الخطاب على من حدث بعده، و "الاحتجاج به دليل التعميم".
"قلنا": ليس لتناول اللفظ لهم، بل "لأنهم علموا أن حكمه ثابت عليهم بدليل آخر جمعًا بين الأدلَّة" من الطرفين.
"مسألة"
الشرح: "المُخَاطِب" بكسر الطاء اسم فاعل "داخل في عموم متعلّق خطابه" إذا كان صالحًا له، ولم تخرجه القرينة "عند الأكثر"، سواء أكان الخطاب "أمرًا أو نهيًا أو خبرًا" (٢).
فالخبر "مثل: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [سورة الحديد: الآية ٣]، وهو عليم بذاته وصفاته، والأمر والنهي مثل: "مَنْ أَحسن إليك فأكرمه أو لا تهنه".
وقيل: لا يدخل؛ لقرينة كونه مُخَاطِبًا، وهو الأصحّ عند أصحابنا كما ذكر النووي في "الروضة"، إلَّا أن أصحابنا لم يذكروا الخبر بل الأمر، والفرق بينهما واضح.
وقال الإمام الرازي: يشبه أن يكون كونه أمرًا قرينة مخصصة مع جزمه في الخبر بالدخول.
стр. 1343
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفصَّلَ إمام الحرمين فقال: اللَّفظ يتناوله صيغة، ولكنه خارج عنه عادة، وهذا في الأمر والنهي حيث لا يستلزم كون الأمر أمرًا لنفسه، وإن استلزم مثل: ليقم الناس، فالصحيح لا يدخل، ولا يلزم كونه آمرًا مأمورًا، واجتماع العلو وضدّه؛ بناء على اشتراط العلو في الآمر وضده في المأمور.
والمانعون من دخول المتكلّم في عموم كلامه "قالوا": لو دخل كان "يلزم" كون الرّب خالقًا نفسه؛ لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة الزمر: الآية ٦٢].
"قلنا": هذا ظاهره، ولكن "خصص بالعقل".
ومن أصحابنا من أجاب بأن الخلق لا يتصور في ذات الباري - تعالى - ولا يتوهم فيها، فلا [يشمل] (١) العموم عليه، وهذا مَهْيَعٌ يُسْلك في كل مخصوص بالعقل، فيقال: إنه لم يدخل؛ لأن اللفظ إنهما يشتمل على الممكن، فلا يقال: خص.
"فائدة"
ما أحسن حذف المصنّف اللَّازم وذِكْر دليله حيث قال: يلزم "الله خالق كل شيء" ومراده يلزم كون الرب خالق نفسه من قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾؛ فإنه حذفه تأدّبًا واسْتِهْجانًا لذكر هذه اللَّفظة كما وقع في الحديث: "يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ " إلى أن يقول: "هذا اللَّهُ خَلَقَ الخلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ؟ وذكر كلمة" (٢).
فانظر قوله: وذكر كلمة، ووقع في بعض الروايات التصريح بها، وهي: فمن خلق الله؟، وحَذْفُهَا محمولٌ على التأدّب، وذِكرُها محمول على الإيضاح.
"فرع"
اختلف الأصحاب فيمن قال: نساء العالمين طَوَالق، هل تطلق امرأته؟
قال الرافعي: وبنى الخلاف على أن المُخاطِب هل يدخل، وصحح النووي أنها لا تطلق، قال: لأن الأصح لا يدخل.
стр. 1344
مَسْأَلَةٌ:
مِثْلُ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [سورة التوبة: الآية ١٠٣]- لا يَقْتَضِي أَخْذَ الصَّدَقَةِ مِنْ كُلِّ نَوعٍ مِنَ الْمَالِ؛ خِلافًا لِلْأكْثَرِ.
لنَا: أَنَّهُ بِصَدَقَةٍ وَاحِدَةٍ يَصْدُقُ أنَّهُ أَخَذَ مِنْهَا صَدَقَةً؛ فَيَلْزَمُ الاِمْتِثَالُ.
وَأَيْضًا: "فَإنَّ كُلَّ دِينَارٍ مَالٌ؛ وَلا يَجِبُ ذلِكَ [بِالإجْمَاعِ].
قَالُوا: الْمَعْنَى: "مِنْ كُلِّ مَالٍ"؛ فَيَجِبُ الْعُمُومُ.
قُلْنَا: "كُلٌّ": لِلتَّفْصِيلِ"؛ وَلذلِكَ فُرِّق بَيْنَ: "لِلرِّجَالِ عِنْدِي دِرْهَمٌ"، وَبَيْنَ "لِكُلِّ رَجُلٍ عِنْدِي دِرْهَمٌ"؛ بِاتِّفَاقٍ.
ونقل الرافعي: أن بعضهم أفتى فيمن قال لزوجته: نساء العالمين طوالق، وأنت يا فاِطمة، بأنه لا يقع؛ لأنه عطف طلاقها على طلاق نسوة لا يقع طلاقهن.
ومقتضى هذا التَّعليل أنها لم تدخل في نساء العالمين، أو لعل العطف بَيَّن أنها لم تُرَد بالأول، وإلا فلا فائدة له.
ولو وقف على الفقراء، ثم صار فقيرًا، جاز له الأخذ منه على الأصحّ.
وقيل: لا؛ لأن مطلق الوقف ينصرف إلى غير الواقف.
وفي الرافعي: أن شُرَيحًا الروياني حكى عن جَدّه أبي العباس عن بعض الأصحاب فيمن قال: كلّ من في السّكة طالق، وامرأته في السكة أنه لا يقع، والصحيح: يقع؛ لشمول اللَّفظ لها، وهذا لا يتعلّق بمسألة المخاطِب هل يدخل في كلامه؟ وإنما ذكرته لأنه وقع في بعض النسخ: امرأة كل من في السّكة، وهو غلط؛ لأن النُسَخ على عود الضمير على مؤنّث؛ فإن في جميع النسخ: وهي في السّكة، ولا يتجه الوقوع عليها أصلًا إذا كانت هي في السكة؛ لأن المعلّق به كونه هو في السكة - لا هي، ولو فرض عود ضمير المذكر أي كان هو في السكة اتجه البناء على دخول المُخاطِب في الخطاب.
"مسألة"
الشرح: "مثل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [سورة التوبة: الآية ١٠٣] لا يقتضي أخذ الصَّدقة من كلّ نوع من المال؛ خلافًا للأكثر (١).
стр. 1345
مَسْأَلَةٌ:
الْعَامُّ بِمَعْنَى الْمَدْحِ وَالذمِّ ؛ مِثْلُ: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ … وَإِنَّ الْفُجَّارَ﴾ [سورة الانفطار: الآية ١٣] ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [سورة التوبة: الآية ٣٤]- عَامٌّ.
وَعَنِ الشَّافِعِيِّ خِلافُهُ.
لنا: أنه بصدقة واحدة" من نوع واحد من الأموال "يصدق أنه أخذ منها صدقة؛ [فيلزم] (١) الامتثال.
وأيضًا: فإنَّ كلّ دينار مال، ولا يجب ذلك" فيه "بإجماع"، ولو كان عامًّا لوجب أخذ الصّدقة منه.
ولقائل أن يقول: على الأول: لا نسلّم الصدق.
وعلى الثاني: ذلك [لتفصيل] (٢).
وأيضًا: فالمراد بالمال النَّصَاب، وهو يأخذ من كل نصاب.
"قالوا: المعنى من كلّ مال، فيجب العموم"، إذ الألف واللَّام وكل في العموم سواء.
"قلنا: "كلّ" للتفصيل" بخلاف الجمع المضاف، "ولذلك فرق بين: لرجال عندي درهم، وبين: لكلّ رجل عندي درهم باتفاق"، فيجب في الأوّل درهم للجميع، وفي الثاني لكل واحد درهم.
"مسألة"
الشرح: "العام بمعنى المدح والذم" أي: الذي سيق للمدح والذم "مثل: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ﴾ " لَفِي نَعِيمِ، " ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ" لَفِي جَحِيمٍ﴾ [سورة الانفطار: الآية ١٣ - ١٤]. ﴿"وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ" وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [سورة التوبة: الآية ٣٤] "عام، وعن الشافعي خلافه"، وهو وجه ضعيف في المذهب، نقله الجلابي (٣)، عن القَفَّال، والثابت
стр. 1346
لنَا: عَامٌّ، وَلا مُنَافِيَ؛ فَعَمَّ كَغَيْرِهِ.
قَالُوا: سِيقَ لِقَصْدِ الْمُبَالَغَةِ فِي الْحَثِّ أَوِ الزَّجْرِ؛ فَلا يَلْزَمُ التَّعْمِيمُ.
قُلْنَا: التَّعْمِيمُ أَبْلَغُ.
وَأَيْضًا: لا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا.
عن الشَّافعي الصحيح من مذهب العموم (١).
نعم، إذا عارضه عام آخر لم يسق للمدح أو الذم.
قال الشيخ أبو حامد الإسفراييني، وسليم الرازي، وابن السمعاني وغيرهم من أئمتنا: لا خلاف على المذهب أنه يترجّح الذي لم يسق لذلك، فيجري على عمومه، وبعضه ما سيق للمدح أو الذم عليهما.
قلت: وحكى أبو عبد اللّه السهيلي، وهو من أصحابنا وجهًا أنه يوقف هذان العامان إلى أن يتبين الحال كالمتعارضين.
الشرح: "لنا": على التعميم إذا لم يعارضه عام آخر أنه "عام، ولا منافي "لإرادة العموم؛ أو ليس هناك إلَّا المدح أو الذم، وهما لا ينافيان العموم، "فيعم كغيره" من ألفاظ العموم.
وأيضًا: حَمَلَه الصحابة على العموم، فإنه روى عن عُثْمَان أنه قال في الجمع بين الأختين بملك اليمين: [أحلّتهما] (٢) آية، [وحرّمتهما] (٣) آية، والتحريم مقدم.
стр. 1347
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأراد بآية الحل: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [سورة المؤمنون: الآية ٦]، وآية التحريم: ﴿تَجْمَعُوا﴾ [سورة النساء: الآية ٢٣]، فحكم بالعموم على آية الحل مع أنها مسوقة للمدح.
"قالوا: سيق لقصد المُبَالغة في الحث أو الزجر"، وعادة العرب فيما هذا شأنه الإتيان بلفظ العموم مبالغة؛ "فلا [يلزم] (١) التعميم".
"قلنا: التعميم أبلغ"، فيكون قصد المَدْح والذم دالًّا له، "وأيضًا لا تنافي بينهما" حتى يدلّ ثبوت أحدهما، وهو قصد المبالغة على نفي الآخر.
"فائدة"
مثل أبو عبد الله السهيلي للعامَّين اللَّذين سيق أحدهما للمدح دون الآخر بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [سورة المؤمنون: الآية ٥، ٦].
فإنه سيق للمدح، وهو يعم ملك اليمين، سواء الأخت وغيرها، فترجّح عليه قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [سورة النساء: الآية ٢٣]، وهو عام في الجمع بملك اليمين والنكاح.
ولقائل أن يقول: هذان لَفْظَان كلّ منهما عام من وجه، خاصّ من وجه.
ومثَّل الشيخ أبو حامد، وابن السمعاني وغيرهما من أئمتنا بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ [سورة النساء: الآية ٢٣].
فإنها آية سيقت لبيان الأعيان المحرمات دون العدد مع قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [سورة النساء: الآية ٣]، فإنه سيق للعدد، وهو يعم الأخت وغيرها، فيقضي بتلك؛ لأنها مسوقة لبيان المحرم، وكذلك يقضي بها على قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [سورة المؤمنون: الآية ٦] وقوله تعالى: ﴿يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [سورة التوبة: الآية ٣٤] لو استدلّ به مستدل على إيجاب الزكاة في الحُلِيّ المباح لانفصلتا عنه، فإنها مسوقة للذم مع معارضة أصل عدم الوجوب لها، فترجح.
стр. 1348
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"فائدة أخرى"
ليست المسألة مقصورةً على ما سيق للمدح أو الذم، بل هي عامة في كل ما سيق لغرض فنقول على هذا: قوله ﷺ : "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ أَوْ كَانَ عَثْرِيًّا العُشْر، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ" (١) مسوق لبيان مقدار الواجب، معارض بأن الأصل عدم الوجوب، ومما رواه الحاكم: "فأما القِثَّاء والرُّمَّان والبِطِّيخ والقَصَب فعفو، عفا عنها رسول الله ﷺ ، وحينئذٍ فلا عموم في قوله ﷺ : "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ"؛ لكونه مسوقًا لبيان المقدار معارضًا لا بمجرد كونه مسوقًا، كما عرفت. والله المستعان.
стр. 1349
التَّخصِيصُ
قَصْرُ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ مُسَمَّيَاتِهِ.
أبُو الْحُسَيْنِ: إِخْرَاجُ بَعْضِ مَا يَتَنَاوَلُهُ الْخِطَابُ عَنْه، وَأَرَادَ: مَا يَتَنَاوَلُهُ بِتقْدِيرِ عَدَمِ المخَصِّصِ؛ كَقَوْلهِمْ: "خُصِّص الْعَامُّ".
وَقِيل: تَعْرِيفُ أَنَّ الْعُمُومَ لِلْخُصُوصِ.
وَأُورِدَ الدَّوْرُ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَ المُرَادَ فِي الْحَدِّ: التَّخْصِيصُ اللُغَوِيُّ.
الشرح: "قصر العامّ على بعض مسمياته" (١)، ولو قال: "أفراده" بدل مسمياته كان أصح؛ فإن مسمى العام واحد، وهو كل الأفراد.
وقال "أبو الحسين: "إخراج بعض ما تناوله الخِطَاب عنه"، أي: عن الخطاب.
لا يقال: ما أخرج؛ فالخطاب لم يتناوله؛ لأن أبا الحسين إنما "أراد ما يتناوله بتقدير عدم المخصّص، كقولهم: خصّص العام"، وهذا عام مخصوص.
ولقائل أن يقول: لا حَاجَةَ إلى هذا؛ فإن تناول الخطاب بالوضع للمخصّص باقٍ بعد التخصيص، وإنما الزائل بالتخصيص انسحاب حكمه عليه.
"وقيل": التخصيص "تعريف أن العموم للخصوص"، أي: بيان أنه أريد منه بعض أفراده.
"وأورد" عليه أنه أخذ في تعريف التخصيص الخصوص؛ فلزم "الدور".
"وأجيب بأن المراد" بالتخصيص المذكور "في الحَدِّ: التخصيص اللغوي" وفي المحدود الاصطلاحي؛ فلا دور.
стр. 1350
وَيُطْلَقُ التَّخْصِيصُ عَلَى قَصْرِ اللَّفْظِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَامًّا، كَمَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ: "عَامٌّ"؛ لِتَعَدُّدِهِ؛ كَـ "عَشَرَةٍ"، و "المُسْلِمِينَ" لمَعْهُودِينَ، وَضَمَائِرِ الجَمْعِ.
وَلا يَسْتَقِيمُ تَخْصِيصٌ إِلَّا فِيمَا يَسْتَقِيمُ تَوْكِيدْهُ بـ "كُلَّ".
الشرح: "ويطلق التخصيص على قصر اللَّفظ" على بعض أجزاء مسماه، "وإن لم يكن" اللَّفظ "عامًا" بالاصطلاح، "كما يطلق عليه" أي: على اللَّفظ "عام؛ لتعدّده، كعشرة"، فإنه يقال لها: عام باعتبار آحادها، فإذا قصرت على بعضها بالاستثناء يقال: خصصت، "والمسلمين [المعهودين] (١) "نحو: جاءني مسلمون، [فأكرمت] (٢) المسلمين إلا زيدًا منهم، فإنهم يسمون المسلمين عامًا، والاستثناء منه تخصيصًا، "وضمائر الجمع"؛ لأنها ليست من صيغ العموم؛ إذ المراد بصيغ العموم ما يدل بنفسه، وفيه نظر.
стр. 1351
مَسْأَلَةٌ:
التَّخْصِيصُ جَائِزٌ إلَّا عِنْدَ شُذُوذٍ.
فإنّ ضمير الجمع تابع لمظهره، فإذا كان عاما فهو عام، ولعلّ مراده أنهم يسمون الضمائر أنفسها عامة، والعموم إنما هو واقع بواسطتها، واعتبار عودها على جمع، "ولا يستقيم تخصيص" اصطلاحيًّا كان أو غيره "إلا فيما" له شمول، وهو ما "يستقيم توكيده بـ "كل" وهو ذو متعدّدات يمكن افتراقها حقيقة مثل: الإنسان كُلُّه، أو حكمًا مثل الجارية كلها؛ إذ يمكن افتراق أجزائها حكمًا، وذلك ليكون له بعضٌ يمكن القصر عليه.
"مسألة"
الشرح: "التخصيص جائز" في العام سواء كان أمرًا، أم نهيًا، أم خبرًا "إلَّا عند شذوذ" منعوه مطلقًا، كما يقتضيه إطلاق المصنّف، والإمام الرازي، وأتباعه وغيرهم (١).
ومقتضى إيراد الشيخ أبي حامد الإِسفراييني، وسليم الرازي، وأبي إسحاق الشيرازي، وابن الصَّباغ، وابن السَّمْعَاني، وأبي الحسين الآمدي: أن الخلاف مختصّ بتخصيص الخبر، وأن تخصيص الأمْر جائز بلا خلاف.
لنا: مثل: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة الزمر: الآية ٦٢] ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [سورة الأحقاف: الآية ٢٥] ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة القصص: الآية ٥٧] ﴿وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة النمل: الآية ١٦] ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [سورة الكهف: الآية ٨٤]. وفي الأمر: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة التوبة: الآية ٥]، وفي النهي: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [سورة - البقرة: الآية ٢٢٢] والقربان أعم من قربان الجماع والمُفَاخذة والقُبْلَة، وبعضه غير منهى عنه قطعًا.
стр. 1352
مَسْأَلَةٌ:
الْأَكْثَرُ: أَنَّهُ لابُدَّ فِي التَّخصيصِ مِنْ بقاءِ جَمْعٍ يَقْرُبُ مِنْ مَدْلُولهِ.
وَقيلَ: يَكْفِي ثَلاثَةٌ.
وَقِيلَ: اثْنَانِ.
وَقِيلَ: وَاحِدٌ.
«مسألة»
الشرح: اختلفوا في الغاية التي يجوز أن ينتهي إليها التخصيص، ثم لا يجوز أن يجاوزها، فقيل: لابد من بقاء جمع كثير، وهو رأي أبي الحُسَين، وصحّحه الإمام الرازي وجمع كثير من أصْحابنا، ثم اختلف في تفسير هذا الكثير (١).
فقال "الأكثر: لابد في التَّخصيص من بقاء جمع يقرب من مدلوله"، أي: من مدلول العام.
"وقيل: يكفي "أن يبقى "ثلاثة"، ولا يجوز النُّقْصَان عنها.
"وقيل: اثنان".
"وقيل: واحد"، ونقله ابن السَّمْعَاني عن سائر أصحابنا.
والذي يتحصّل من مذهبنا أن جمهورهم على جوازه إلى الواحد إذا لم تكن الصيغة جمعًا، بل صالحة للجمع والمفرد مثل: "مَنْ" والألف واللام الداخلة على اسم الجنس المفرد، وادعى الشيخ أبو حامد أنه لا خلاف في هذا.
وإن كان جمعًا فاختلفوا فيه:
فذهب بعضهم إلى جوازه أيضًا إلى الواحد، وهو رأى الشيخ أبي إسحاق، وغيره.
وذهب القَفَّال وغيره إلى أنه لا ينقص عن أقلّ الجمع، وهو إما ثلاثة أو اثنان؛ على الخلاف فيه.
стр. 1353
وَالْمُخْتَارُ: أَنَّهُ بِالاِسْتِثْنَاءِ وَالْبَدَلِ، يَجُوزُ إَلَى وَاحِدٍ، وَبِالْمُتَّصِلِ؛ كَالصَّفَةِ، يَجُوزُ إِلَى اثْنَيْنِ، وَبِالْمُنْفَصِلِ فِي الْمَحْصُورِ الْقَلِيلِ، يَجُوزُ إِلَى اثْنَيْنِ مِثْلُ "قَتَلْتُ كُلَّ زِنْدِيقٍ"، وَقَدْ قَتَلَ اثْنَيْنِ، وَهُمْ ثَلاثَةٌ، وَبِالْمُنْفَصِلِ فِي غَيْرِ الْمَحْصُورِ، أَوِ الْعَدَدِ الْكَثيرِ.
المُخْتَارُ: الْمَذْهَبُ الأوَّلُ.
لَنَا: أنَّهُ لَوْ قَالَ: "قَتَلْتُ كُلَّ مَنْ فِي الْمَدِينَة" وَقَدْ قَتَلَ ثَلاثَةً - عُدَّ لاغِيًا، وَخُطِّئَ، وَكَذَلِكَ: "أَكَلْتُ كُلَّ رُمَّانَةٍ"، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: "مَنْ دَخَلَ"، أَوْ "أَكَلَ"، وَفَسَّرَهِ بـ "ثَلاثَةٍ".
الْقَائِلُ بِاثْنَيْنِ أَوْ ثَلاثَةٍ: مَا قِيلَ فِي الْجَمْعِ.
وَرُدَّ: بِأَنَّ الْجَمْعَ لَيْسَ بِعَامٍّ.
الْقَائِلُ بِالْوَاحِدِ: "أكْرِمِ النَّاسَ إِلَّا الْجُهَّالَ".
وَأُجِيبَ: بِأنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالاِسْتِثْنَاءِ وَنَحْوِهِ.
الشرح: "والمختار" عند المصنّف تفصيل اخترعه، وهو:
"أنه" إذا كان التَّخصيص "بالاستثناء والبدل يجوز إلى واحد".
"وبالمتّصل" غيرهما، "كالصفة يجوز إلى اثنين".
"وبالمنفصل في "العام "المحصور القليل يجوز إلى اثنين" أيضًا، وذلك "مثل: قتلت كل زِنْدِيق، وقد قتل اثنين، وهم" أي: الزنادقة "ثلاثة".
"وبالمنفصل غير المحصور، أو العدد الكثير، المختار المذهب الأوّل" أعني بقاء عدد يقرب من مدلول العام.
الشرح: لنا: أنه لو قال: قتلت كلّ من في المدينة، وقد قتل ثلاثة، عُدَّ لاغيًا"، وهذا مثال لغير المحصور، "وكذلك: أكلت كل رُمّانة" في البيت، وفي البيت ألف، وهذا مثال العدد الكثير.
"وكذلك لو قال: من دخل" داري فهو حُرّ، "أو أكل" فأكرمه، "وفسَّره بثلاثة"، فقال: أردت زيدًا، وعمرًا، وبكرًا، عدّ لاغيًا، فدلّ على أنه لا يجوز انتهاء التَّخصيص إلى
стр. 1354
قَالُوا: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [سورة الحجر: الآية ٩]؛ وَلَيْسَ مَحَلَّ النَّزَاعِ.
قَالُوا: لَوِ امْتَنَعَ ذَلِكَ، لَكَانَ لِتَخْصِيصِهِ؛ وَذَلِكَ يَمْنَعُ الْجَمِيعَ.
وَأُجِيبَ: بِانَّ ألْمَنْعَ تَخْصِيصٌ خَاصٌّ بِمَا تَقَدَّمَ.
قَالُوا: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٧٣]، وَأُرِيدَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَلَمْ يُعَدَّ مُسْتَهْجَنًا؛ لِلْقَرِينَةِ.
هذا القدر، وما يناسبه من الأعداد التي لا يقرب استعمال العام منها.
وأما "القائل باثنين وثلاثة"، فحجّته "ما قيل في "أقل "الجمع".
"ورد بأن الجمع" المنكر "ليس بعام" والكلام في أقلّ مرتبة ينتهي إليها التخصيص لأقل مرتبة يطلق عليها الجمع؛ فإنّ الجمع ليس بعام، ولم يقم دليل على تلازم حكمهما؛ فلا تعلّق لأحدهما بالآخر.
ولقائل أن يقول: الجمع نصّ في أقله، فالخروج عنه كالرفع لقضيته، فهو كالنسخ.
وأيضًا فلفظ الجمع لا يصلح للواحد بحال، بخلاف لفظ العموم؛ لكثرة استعماله في البعض.
وأما "القائل بالواحد"، فقال أولًا: لو قال: "أكرم الناس إلا الجهّال" لوجب إكرام من عدا الجاهل، وإن كان واحدًا.
"وأجيب بأنه مخصوص بالاستثناء ونحوه" كالبدل "ونحن" [نُجَوِّزُ] (١) انتهاء التخصيص فيه إلى الواحد.
الشرح: "قالوا" ثانيًا: قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ " [سورة الحجر: الآية ٩] يدلّ على جوازه إلى الواحد؛ فإنّ المراد هو الله - تعالى - وحده، فأطلق الجمع، وأراد الواحد، فإذا جاز ذلك في الجمع، فليكن في العام كذلك، "وليس" هذا "محلّ النزاع"؛ فإنّ الضمير ليس بعام، وإنما استعمل ضمير الجمع، وأراد نفسه تعظيمًا، وصيغة الجمع تجيء كذلك، وليس هو من التعميم والتخصيص في شيء.
стр. 1355
قُلْنَا: "النَّاسُ": لِلْمَعْهُودِ؛ فَلا عُمُومَ.
قَالُوا: صَحَّ: "أَكَلْتُ الْخُبْزَ"، وَ"شَرِبْتُ الْمَاءَ"؛ لأَقَلَّ.
قُلْنَا: ذَلِكَ لِلْبَعْضِ الْمُطَابِقِ لِلْمَعْهُودِ الذِّهْنِيِّ مِثْلُهُ فِي الْمَعْهُودِ الْوُجُودِيِّ، فَلَيْسَ مِنَ الْعُمُومِ والْخُصُوصِ فِي شَيْءٍ.
ولقائل أن يقولا: إذا كان الجمع هو الحقيقة، واستعير للتعظيم، فكذلك العام حقيقة، وإن كان بصيغة الجمع الجميع، ثم يجوز حتى لا يبقى إلَّا واحدًا، ونحن لا ندعي أنه إذا انتهى إلى واحد يكون حقيقة، وإنما ندعي الجواز، وهو كافٍ، وإن كان بطريق المجاز.
"قالوا" ثالثًا: "لو امتنع ذلك" أي: تخصيص العام إلى أن يبقى واحدًا "لكان" المنع "لتخصيصه"، وإخراج اللفظ عن موضوعه إلى غيره؛ إذ لا علّة للمنع سواه، "وذلك يمنع الجمع"، أي: يمنع كل تخصيص؛ لوِجْدَانِ ذلك فيه.
"وأجيب: بأن الممتنع تخصيص خاصّ بما تقدم" من لزوم اللّعب، وليس الامتناع لمطلق التخصيص حتى يلزم ما ذكرتم.
"وقالوا" رابعًا: "قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٧٣]. "وأريد" على ما ذكر بعض المفسرين "نعيم بن مسعود" الأشجعي، وقال: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ [سورة النساء: الآية ٥٤] وأريد على ما قيل: يحسدون رسول ﷺ "ولم يُعَدَّ مُسْتَهْجنًا؛ للقرينة" فوجب جواز التخصيص إلى الواحد بالقرينة، وهو المدعي.
الشرح: "قلنا:" غير محلّ النزاع؛ [لأن النزاع] (١) في العام، والألف واللام في "الناس" هنا "للمعهود، فلا عموم" إذ المعهود ليس بعامّ كما عرفت في تعريف العام.
الشرح: "قالوا" خامسًا: "صحّ أكلت الخبز، وشربت الماء لأقل" كذا بخطّه أي: أقل شيء، أو أقل ما ينطلق عليه الاسم مع وِجْدَان الألف واللام.
"قلنا": ليست الأداة في الخبز والماء للعموم، وإنما بقال "ذلك للبعض المطابق للمعهود الذهني"، وهو الحقيقة من حيث هي، ولكن لما تعذّر وجود الماهية في الخارج إلَّا
стр. 1356
الْمُخَصّصُ: مُتَّصِلٌ، وَمُنْفَصِلٌ:
[الْمُتَّصِلُ] (١): الاسْتِثْنَاءُ الْمُتَّصِل، وَالشَّرْط، وَالصِّفَة، وَالْغَايَة، وَبَدَلُ الْبَعْضِ.
بقيد التَّشْخيص في فرد حمل عليه، و [لمَّا] (٢) كان ذلك الفرد كالمعهود، فـ "اللام" للبعض المطابق المعهود، والمقرر في الذهن "مثله في المعهود الوجودي، فليس من العموم والخصوص في شيء".
والحاصلُ: أن الألف واللام فيما ذكر لمعهود ذهني تقضي به العادة، وهو مقدار ما معلوم من المأكول والمشروب، كما تقول للغلام: ادخل السُّوق، فإنك تريد واحدًا من الأسواق المعهودة بينك وبينه عَهْدًا خارجيًا، فذلك العهد قيَّد إطلاق لفظ السوق فقط.
الشرح: "المخصِّصُ" قسمان: "متّصل ومنفصل"؛ لأنه إما ألا يستقل بنفسه
وَمِنْ ثَمَّ قَالُوا فِي: "لَهُ عِنْدِي مِائَةُ دِرْهَمٍ إِلَّا ثَوْبًا" وَشِبْهِهِ: إِلَّا قِيمَةَ ثَوْبٍ.
أما المتصل فخمسة:
"الاستثناء المتصل" نحو: أكرم الناس إلَّا الجهال، لا المنقطع؛ إذ لا مدخل له في التخصيص.
"والشرط، والصفة، والغاية" نحو: أكرم الفقهاء إن اشتغلوا، أو العلماء إلى أن يقنعوا، وهذا هو المشهور.
"وبدل البعض" من الكُلّ نحو: أكرم الناس العلماء منهم، زاده المصنف.
الشرح: "والاستثناء" (١) إما من الجنس كقولك: جاء القوم إلا زيدًا فـ "زيد" من جنس القوم فهو المتصل، ولا ريب "في" أنه حقيقة (٢)، أو من غير الجنس، وذلك هو "المنقطع"، وهو ضربان:
أحدهما: ما يكون بينه وبين المستثنى منه علاقة ومناسبة، كقولهم: ما بالدار أحد إلا الحمار، فالحمارُ وإن لم يكن من جملة الآخرين فهو متعلق بهم؛ لأن الدواب والأدوات متعلّقة بأصحابها على وجهٍ ما.
стр. 1359
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والثاني: الّا يكون بينه وبين ما استثنى منه تعلّق بحال، كقولنا: ما في الدار مسلمون إلا الكافرون.
وقد اختلف في المنقطع:
"قيل: حقيقة"؛ لأنه استعمل، والأصل في الإطلاق الحقيقة.
"وقيل: مجاز" وهو الصحيح.
"وعلى" قول "الحنفية" "قيل": إن الاستثناء "متواطئ" أي: مقول بالاشتراك المعنوي على المتصل والمنفصل.
"وقيل: مشترك" بينهما أي: اشتراكًا لفظيًّا؛ لأن المتصل إخراج، والمنفصل يختص بالمخالفة من غير إخراج، فليس بينهما قَدْرٌ مشترك.
"و" كيف ما كان فقد اتّفق الكلّ على أنه "لابد لصحّته من مخالفة" يخالف بها المتصل، إما "في نفي الحكم" الذي يثبت للمستثنى منه نحو: جاءني القوم إلَّا حمارًا، فقد نفينا المجيء عن الحمار بعدما أثبتناه للقوم.
"أو في أن المستثنى" نفسه هو "حكم آخر له" أي: لذلك الحكم الذي هو المستثنى "مخالفة" مع المستثنى منه "بوجه" ما "مثل: "ما زاد إلا ما نقص"؛ فإنَّ النقصان حكم مخالف للزيادة، والتقدير: لم يزده إلَّا النقصان؛ فإن "ما" الأولى نافية، والثانية مصدرية.
وبالجملة: المنقطع مقدر بـ "لكن"، فالمخالفة واقعة فيه إما تحقيقًا مثل: "ما ضربني [زيد] (١)، لكن ضربني عمرو".
أو تقديرًا مثل: "ما ضربني لكن أكرمني"، ولا يقال: ما أكرمني زيد إلا أنّ الصلاة واجبة؛ إذ لا مخالفة بينهما بواحد من الوجهين، "ولأن المتصل أظهر" من المنفصل "لم يحمله" أي لم يحمل الاستثناء حيث ورد "فقهاء الأمْصار إلا عند تعذّره" أي: تعذّر المتصل، وبهذا يتضح أن المنقطع مجاز.
"ومن ثَمَّ" أي: ومن أجل أنهم إنما يحملون الاستثناء على المنفصل عند تعذر المتصل.
стр. 1360
وَأَمَّا حَدُّهُ؛ فَعَلَى التَّوَاطُؤِ: مَا دَلَّ عَلَى مُخَالَفَةٍ بـ "إلَّا" غَيْرِ الصِّفَةِ، وَأَخَوَاتِهَا، وَعَلَى الاِشْتِرَاكِ والْمَجَازِ: لا يَجْتَمِعَانِ فِي حَدٍّ؛ فَيُقَالُ فِي الْمُنْقَطِعِ: مَا دَلَّ عَلَى مُخَالَفَةٍ بِـ"إلَّا" غَيْرِ الصِّفَةِ وَأَخَوَاتِهَا مِنْ غَيْرِ إِخْرَاجٍ.
"قالوا في: له عندي مائة درهم إلّا ثوبًا وشبهه": إن المراد منه "إلَّا قيمة ثوب" من الدّراهم، فتأولوا المنفصل، وردوه إلى المتصل.
وقال أصحابنا: لو قال: بعت بمائة دينار إلَّا عشرة دراهم، وعلم المتبايعان قيمة الدينار بالدراهم صحّ، ويكون مستثنى القيمة، فدلّ أنهم لا يعدلون بالمتّصل ما وجدوا إليه سبيلًا، ولذلك قال بعضهم في قوله تعالى حكاية عن إبليس: ﴿إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ﴾ [سورة إبراهيم: الآية ٢٢]: إنه متصل؛ لأن الحمل على الشيء تارة يكون بالفهم (١)، وتارة بتقوية الداعية بالوسوسة، فصح أن له سلطانًا بهذا الطريق، فيكون استثناء من الجنس.
ولو مثَّل المصنف باستثناء الدّنانير، أو الحِنْطَة، أو الشعير كان أولى؛ فإن الحنفية يقولون: استثناء الثوب لا يجوز، ويجوز استثناء الدَّنانير والحِنْطة والشعير على أنهم لا يصح لهم فرق، وتحقيق ذلك في الخلافيات.
وحكى ابنُ السَّمْعَاني فيما إذا استثنى من زيد وجهه، أو من الدار بابها اختلافًا بين أصحابنا هل هو متصل أو منقطع؟ يقال: والصحيح أنه متصل؛ لأن وجه زيد بعضه، وباب الدار بعضها.
الشرح: "وأما حدّه" أي: حد الاستثناء، "فعلى" قول "التواطؤ" بين المتّصل والمنفصل يمكن حدّه باعتبار المشترك بينهما فيقال:
"ما دلّ على مخالفة بـ"إلّا" غير الصفة وأخواتها"، وما دل على مخالفة تناول أنواع التخصيص.
وقوله: بـ "إلّا" وأخواتها وسائر أنواعه، فأراد بأخوات "إلا" ما له فعلها في الإخراج نحو: "سوى"، و"حاشا"، و"خلا"، و"عدا".
وإنما قيّد "إلا" بغير الصفة لتخرج التي هي للصفة، وهي التَّابعة لجمع منكر، أو شبهه مثل: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٢٢] أي: غير الله؛ فإنَّ
стр. 1361
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
التخصيص بذلك التقدير يكون بالصفة لا بالاستثناء، وهذا على رأي الجمهور القائل بجواز مجيئها بمعنى "غير".
وزعم المبرد أن "إلا" في الآية للاستثناء، وأن ما بعدها بدل؛ محتجًّا بأن "لو" تدل على الامتناع، وامتناع الشيء انتفاؤه.
وردوه بأنهم لا يقولون: لو جاءني ديَّار أكرمته، ولو جاءني من أحد أكرمته، ولو كانت بمنزلة النَّافي لجاز ذلك، كما يجوز: ما فيها دَيّار، وما جاءني من أحد، ولمّا لم يجز ذلك دلّ على أن الصواب كونها وما بعدها صفة.
ولم يقيد المصنّف كلامه بما يخرج "إلا" العاطفة والزائدة، كأنه لم يَرَ مجيئها لهذين، وقد ذكر الأخفش (١)، والفراء، وأبو عبيدة (٢) أنها تجيء عاطفة، قالوا: ومنه: ﴿لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ [سورة النمل: الآية ١٠، ١١] أي: ولا من ظلم.
وذكر الأصمعي (٣) وابن جني أنها تجيء زائدة، وحملا عليه قوله: [الطويل]
стр. 1362
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حَرَاجِيجُ مَا تَنْفَكُّ إِلَّا مُنَاخَةً … عَلَى الخَسْفِ أَوْ يَرْمِي بِهَا بَلَدًا قَفْرًا (١)
وكذلك ذكر ابن مالك، فلو قال المصنّف: "إلّا غير الصفة والعاطفة والزائدة" - كان حسنًا.
"تنبيه"
ليس من أقسام "إلّا" التي في نحو: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ [سورة التوبة: الآية ٤٠]، وإنما هذه كلمتان "إن" الشرطية "ولا" النافية، ومن العجب أن ابن مالك على إمامته ذكرها في "شرح التسهيل" من أقسام "إلا".
"فائدة"
المخالفة تُعْرَف بـ "الاستثناء"، ثم قد يكون المستثنى يعلم دخوله لولا الاستثناء، وقد يظن، وقد يجوز، وقد يقطع بعدم دخوله.
فالأول: الاستثناء من النصوص مثل: عشرة إلا درهمًا.
والثاني: من الظواهر مثل: القوم إلا زيدًا.
والثالث: [مثل: صلى] (٢) إلا عند الزوال ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [سورة يوسف: الآية ٦٦].
والرابع: المنقطع.
وأما على قولي الاشتراك والمجاز أي: القول بأن الاستثناء مشترك بين المتصل والمنقطع، أو حقيقة في أحدهما، مجاز في الآخر، فإن الاستثناءين لا يجمعان في حدٍّ واحد؛ لأن مفهومها حينئذ حقيقتان مختلفتان، حد كل منهما باعتبار خصوصه وخصوصهما متغاير ضرورة، فيقال إذن في المنقطع: ما دلّ على مخالفة بـ "إلّا" غير الصفة، والعاطفة،
стр. 1363
وَأمَّا الْمُتَّصِل، فَقَالَ الْغَزَّالِيُّ ﵀: قَوْلٌ ذُوْ صِيَغٍ مخصُوصَةٍ مَحْصُورَةٍ، دَالٌّ عَلَى أَنَّ المَذْكُورَ بِهِ لَمْ يُرَدْ بِالْقَوْلِ الأَوَّلِ.
وَأُورِدَ عَلَى طَرْدِهِ: التَّخْصِيصُ بِالشَّرْطِ وَالْوَصْفُ بِـ"الَّذِي" وَالْغَايَةِ، وَمِثْلِ: "قَامَ الْقَوم، وَلَمْ يَقُمْ زَيْدٌ".
وَلا يَرِدُ الْأَوَّلانِ.
وَعَلَى عَكْسِهِ: "جَاءَ الْقَوْمُ إِلَّا زَيْدًا"؛ فَإنَّهُ لَيْسَ بِذِي صِيَغٍ.
وَقِيلَ: لَفْظٌ مُتَّصِلٌ بِجُمْلَةٍ، لا يَسْتقِلُّ بِنَفْسِهِ، دَالٌ عَلَى أَنَّ مَدْلُولَهُ غَيْرُ مُرَادٍ بِمَا اتَّصَلَ بِهِ، لَيْسَ بِشَرْطٍ وَلا صِفَةٍ وَلا غَايَةٍ.
وَأُورِدَ عَلَى طَرْدِهِ: "قَامَ الْقَوْمُ لا زَيْدٌ" - وَعَلَى عَكْسِهِ: "مَا جَاءَ إِلَّا زَيْدٌ"؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَتَّصِلْ بِجُمْلَةٍ، وإنَّ مَدْلُولَهُ كُلُّ اسْتِثْنَاءٍ مُتَّصِلٍ مُرَادِ بِالْأَوَّلِ.
وَالاِحْتِرَازُ مِنَ الشَّرْطِ وَالصِّفَةِ - وَهْمٌ.
وَالْأَوْلَى: إِخْرَاجٌ بـ "إِلَّا" وَأَخَوَاتِهَا.
والزائدة وأخواتها أي: وأخوات "إلا" "من غير إخراج"، وبهذا القيد يتميّز عن المنفصل.
الشرح:"وأما المتّصل فقال" القاضي في "التقريب"، و"الغزالي": "قول ذو صِيَغٍ مخصوصة محصورة دالّ على أن المذكور به لم يرد بالقول الأول"، وسبقه إلى ذلك القاضي.
"وأورد على طرده التخصيص بالشرط"، نحو: أكرم القوم إنْ دخلوا، "والوصف بـ "الذي"" نحو: أكرم الرّجل. الذي مَرّ بك، "والغاية" أي الوصف بالغاية "ومثل" أي والتخصيص بمثل "قام القوم، ولم يقم زيد"؛ لصدق الحدّ عليهما، وليس شيء منها باسثناء.
"ولا يرد الأولان" أعني: التخصيص بالشرط والوصف، سواء أوقع بـ "الذي" أم بالغاية؛ لكون المخصوص بهما غير مذكور، وقد أخذ في الحَدّ قيد كون المراد به مذكورًا.
قال القاضي في "التقريب": لأنا قلنا: ذو صيغ مخصوصة، ونحن نعني "إلا"، و"سوى" ونحوهما.
стр. 1364
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"وعلى عكسه" أورد مثل: "جاء القوم إلَّا زيدًا: فإنه" استثناء مع أنه "ليس بذي صيغ" مختلفة.
ولا ينفعه أن يقول: المراد ذو صيغة من الصيغ؛ فإن الإِرادات (١) لا تدفع الإيرادات.
"وقيل: لفظ متّصل بجملة لا يستقلّ بنفسه دالّ على أن مدلوله غير مراد بما اتّصل به ليس بشرط، ولا صفة، ولا غاية".
فاللفظ: جنس.
ومتصل بجملة: فصل يخرج المخصص المنفصل.
ولا يستقلّ بنفسه: احتراز عن قام القوم ولم يقم زيد.
[ودالّ] (٢): يخرج المهمل.
وقوله: "على أن مدلوله" أي: المستثنى، وهو جزء المدلول، كـ"زيد" في قولك: إلا زيدًا "غير مراد بما اتصل به"، وهو المستثنى منه.
"وأورد على طرده: قام القوم إلا زيد"، فإنه ليس باستثناء، والحد صادق عليه.
"وعلى عكسه: ما جاء إلَّا زيد؛ فإنه لم يتصل بجملة"؛ لأن زيدًا فاعل جاء مع أنه استثناء.
ولك أن تقول: إنما يرد إذا سلم أن زيدًا فاعل جاء.
وقد يقال: فاعله أحد المقدر، وهو رأى بعض النحاة.
"وأن مدلول كلّ استثناء متصل مراد بالأول"؛ لأن المتكلم بالعام في صورة الاستثناء يقصد الاستثناء عند تكلمه بالعام، وهو أيضًا يرد على عكس حدِّ الغزالي.
"والاحتراز من الشرط والصفة وَهْمٌ"؛ لخروجها بقوله: غير مراد بما اتَّصَل به؛ لكونهما مرادين بما اتصل به.
"والأولى" أن يقال في حد الاستثناء: "إخراج بـ "إلَّا" وأخواتها".
стр. 1365
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي تَقْدِيرِ الدَّلالَةِ فِي الاِسْتِثْنَاءِ:
فَالأَكْثَرُ: الْمُرَادُ بِـ "عَشَرَةِ" فِي قَوْلِكَ: "عَشْرَةٌ إِلَّا ثَلاثَةً": سَبْعَةٌ، وَ"إِلَّا": قَرِينَةٌ لِذَلِكَ كَالتَّخْصِيصِ بِغَيْرِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: "عَشَرَةٌ إِلَّا ثَلاثَةً": بِإِزَاءَ سَبْعَةٍ؛ كَاسْمَيْنِ: مُرَكَّبٍ، وَمُفْرَدٍ.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِـ "عَشَرَةٍ" عَشَرَةٌ: بِاعْتِبَارِ الأَفْرَادِ، ثُمَّ أخْرِجَتْ "ثَلاثَةٌ"، وَالإِسنَادُ بَعْدَ الإِخْرَاجِ؛ فَلَمْ يُسْنِدْ إِلَّا إِلَى سَبْعَةٍ؛ وَهُوَ الصَّحِيحُ.
لَنَا: أَن الْأَوَّلَ غَيْرُ مُسْتَقيمٍ؛ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ مَنْ قَالَ: "اشْتَرَيْتُ الْجَارِيَةَ إلَّا نِصْفَهَا" ونَحْوَهُ - لَمْ يُرِدِ اسْتِثْنَاءَ نِصْفِهَا مِنْ نِصْفِهَا، وَلأِنَّهُ كَانَ يَتَسَلْسَلُ، وَلأَنَّا نَقْطَعُ بأَنَّ الضَّمِيرَ لِلْجَارِيَةِ بكَمَالِهَا، وَلإجْمَاعِ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ إِخْرَاجُ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ، وَلإِبْطَالِ النُّصُوصِ، وَللْعِلْمِ بِأَنَّا نُسْقِطُ الْخَارج؛ فَنَعْلَمُ أَنَّ الْمُسْنَدَ إِلَيْهِ مَا بَقِيَ.
الشرح: "وقد اختلف في تقدير الدلالة في الاستثناء" أي: في كيفية دلالة المجموع المركب من المستثنى، والمستثنى منه، وأداة الاستثناء، والمسند إلى المستثنى منه على ما يفهم من المجموع آخرًا اختلافًا سببه: أن الاستثناء لما كاد يشبه التناقض من جهة أن قولك: عشرة إلا ثلاثة، إثبات للثلاثة في ضمن العشرة، ونفى لها صريحًا، ولا شكّ أنهما لا يصدقان معًا، فاحتيج إلى تقدير دلالته على وجه آخر (١).
"فالأكثر" قالوا: "المراد بعشرة في قولك: عشرة إلَّا ثلاثة: سبعة، و"إلا" قرينة لذلك، كالتخصيص [بغيره] (٢) "أي: بغير "إلا" من المخصصات، لا بمعنى أن العشرة مع الاستثناء موضوعة للسبعة، وهؤلاء يجعلون الاستثناء من المخصصات، وهي قرينة تثبت أن الكل استعمل، وأريد الجزء مجازًا.
"وقال القاضي: عشرة إلّا ثلاثة بإزاء السبعة"، فللسبعة عنده لفظان: أحدهما: مركب، وهو عشرة إلّا ثلاثة.
стр. 1366
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والثاني: مفرد، وهو سبعة، وذلك "كاسمين: مركب ومفرد"، فاللفظ بجملته عبارة عما بقى بعد الاستثناء، وتكون زيادة شيء آخر في الكلام تصيره موضوعًا لمعنى آخر كما تقول: "زيد" فيكون للواحد، فتزيد الواو والنون، فيصير للجمع.
وقصد بهذا أن يفرق بين التخصيص بدليل متّصل؛ فيكون الباقى فيه حقيقة، أو منفصل؛ فيكون تناول اللفظ الباقي مجازًا.
والحاصل: أن الاستثناء من عدد معلوم، وهل يكون لقرينة غيرت حكم الصيغة، أو لقرينة لم تغير وضع الصيغة، وإنما كشفت عن المراد بها؟.
فمن رأى أسماء الأعداد كالنصوص التي لا تحتمل سوى ما يفهم منها، جعل الاستثناء قرينة مقالية غيرت حكم الصيغة في دلالتها، ورأى المستثنى والمستثنى منه كالكلمة الواحدة الدَّالة على عدد ما، ويكون الاستثناء كجزء من أجزاء هذه الكلمة، فمجموع الاستثناء والمستثنى منه هو الدَّالّ على العدد المنفى، ويرى هذا أنْ لا فرق بين سبعة وعشرة إلَّا ثلاثة، فإنّ سبعة تدلّ على عدد مخصوص، ولكنها تركبت من حروف أربعة لو ذهب منها أحد أجزاءها الأصْليّة، وهو حرف العين مثلًا كان ما بقى غير دالّ.
وكذلك: "عشرة إلَّا ثلاثة" يجري هذا المجرى في كون الكلمتين - الاستثناء والمستثنى منه - يدلّان على السبعة، وصار قوله: إلّا ثلاثة كأحد حروف سبعة، ولا يكون لقولنا: إلا ثلاثة كالبيان كقولنا: عشرة.
والفرقة الأولى رأوا أن الكلمة الدَّالة على عدد - كالعشرة مثلًا - ربما نطق بها فيما دونه، فلا يجعلونها نصًّا في مدلوله، بل يسلكون بها مسلك اللَّفْظ العام في الدّلالة على أفراده ظاهرًا، ويرون الاستثناء قرينة لفظية دالّة على المقصود باللَّفظ المستثنى منه، كما يدل قوله: "لا تَقْتُلُوا الرُّهْبَانَ"، على المراد بقوله: "اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ"، ولم يقدروا أن قوله: "لا تقتلوا الرهبان" مع قوله: "اقتلوا المشركين" كالكلمة الواحدة.
وقد ذهب إمام الحرمين إلى رأي القاضي، واستنكر قول الأولين، وقال: إنه محال لا يعتقده لَبِيبٌ.
وأنا أرى أن [أحكي] (١) عبارة القاضي؛ لتكون على ثِقَةٍ مما حكيناه.
قال ﵀ في كتاب "التقريب":
стр. 1367
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إذا خصّ باسثناء متصل، فإنه يكون مع الاسثناء حقيقة فيما بقي، والدَّليل على ذلك أن اتصال الاسثناء به يغيره، ويؤثر في معنى لفظه؛ لأن كثيرًا من الكلام إذا اتَّصل بعضه ببعض كان له بالاتصال تأثير ليس له بالانفراد، ولذلك احتاج الابتداء إلى خبر من كلام المبتدئ؛ ليكون مفيدًا، والكناية إلى تقدم مذكور يكون كناية عنه وأمثال ذلك.
ولهذا وجب أن يكون قولنا: "زيد" اسم الشخص الواحد. فإذا زيد ياء ونونًا صار اسمًا للاثنين، وإذا كان كذلك وحب أن يكون هذا حكم اللفظ مع الاسثناء في أنه يصير باقترانه اسمًا لقدر ما بقى، ولو عدّى لكان عامًا، وكذلك عشرة إلّا واحدًا و ﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [سورة العنكبوت: الآية ١٤] وأمثاله في أنّ اطلاق الاسمم بغير اسثناء يفيد الجملة التامة، ويصير مع الاسثناء اسمًا لقدر ما بقى، ومثل هذا بعينه تقول: "رجل" اسم واحد منكر، وَإِذَا زِيدَ عليه ألف ولام قيل: "الرجل" صار معرفة، أو للجنس عند أصحاب العموم، فيتغير معناه بما وصل به.
وإذا كان كذلك صحّ ما قلناه من الفرق بين القرائن المتّصلة والمنفصلة. انتهى.
"وقيل: المراد بعشرة" في هذا التَّركيب "عشرة باعتبار الأفراد" أي: باعتبار أفراده لن يغير، وهو يتناول السبعة والثلاثة معًا، "ثم أخرجت ثلاثة" بقوله: إلا ثلاثة، فدلّ لفظ "إلا" على الإخراج، وثلاثة على العدد المسمى بها حتى بقى سبعة، ثم أسند إليه "والإسناد بعد الإخراج (١)، فلم يسند إلّا إلى سبعة"، وليس هناك إلا الإثبات ولا نفى أصلًا، فلا تناقض؛ إذ ليس إثبات ونفى معارضًا.
стр. 1368
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال المصنّف:"وهو الصحيح" إذا عرفت هذا، فلا يخفى عليك أن الأكثرين عندهم أنك استعلمت العشرة في سبعة مجازًا دلّ عليه قولك: إلا ثلاثة.
والقاضي وإمام الحرمين عندهما أن المجموع مستعمل في السبعة.
والمصنف عنده أنك تصوّرت ماهيّة العشرة، ثم حذفت منها ثلاثة، ثم حكمت بالسبعة، فكأنه قال له: علي الباقي من عشرة أخرج منها ثلاثة، أو عشرة إلّا ثلاثة له عندي، وكلّ من أراد أن يحكم على شيء بدأ باستحضاره في ذهنه، وهذا القائل بدأ باستحضار العشرة في ذهنه، ثم أخرج الثلاثة ثم حكم، كما أنك تخرج عشرة دراهم من الكيس، ثم تردّ منها إليه ثلاثة، ثم تهب الباقي، وهو سبعة، هذا مذهب المصنف، وهو حسن، ومغاير للمذهبين الأولين مغايرة واضحة.
واعلم أن الأظهر أن القاضي يجعل هذا اللفظ موضوعًا للسبعة كما وضع لها لفظ السبعة، وهو ظاهر نقل المصنّف عنه، وعبارته كالصريحة في ذلك، وقد حكيناها لك.
وبذلك صرّح غير واحد من النَّقَلَةِ عنه، وَلْنَخُضْ في الحِجَاجِ فنقول:
لا بُدَّ من رَدِّ الاستثناء إلى ما يدفع عنه التناقض مع المستثنى منه، ولا بُدَّ في دفع التناقض من أحد التقديرات الثلاث الَّتي قال بكلّ منها قائل؛ لأنه إن أريد عشرة وأسند إليه، كان التناقض ظاهرًا، وانتفاؤه بألَّا يراد العشرة، أو يراد ولا يسند إليها، فإذا لم يرد العشرة، فإما أن يراد السبعة أولا؟
إن كان الأول؛ فهو المذهب الأول، وإن كان الثاني؛ فلا سبيل إلى دفع الإرادة عن السبعة مطلقًا ضرورة أنها مرادة، فتكون مرادة بالمركب لا بالمفرد، وهو المذهب الثاني.
وإن أريدت العشرة، ولكن لم يسند إليها، وهو الثالث.
وإذا تعيّن أحد الثلاث، وأبطلنا قسمين فتعيّن الباقي، فنقول: "لنا: أن" القول "الأول غير مستقيم" لوجوه ستة:
"للقطع بأن من قال: اشتريت الجارية إلا نصفها ونحوه لم يرد استثناء نصفها من نصفها"، وإلا يكون استثناء مستغرقًا، فيكون باطلًا، وهو غير مراد.
"ولأنه" لو أريد "كان يتسلسل"؛ لأن الاستثناء حينئذٍ يكون من النِّصْف، فيكون
стр. 1369
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
التقدير: له عندي نصف الجارية إلَّا نصفها، فيكون المراد به ربعها، والتقدير: أنه استثنى من هذا الرّبع نصفه، فيكون المراد به [منها] (١)، وهلمّ جرًّا.
"ولأنا نقطع بأن الضمير" في: إلّا نصفها "للجارية بكمالها".
"ولإجماع [العربية] (٢) على أنه" أي: الاستثناء "إخراج بعض من كل" (٣).
"ولإبطال النصوص"؛ إذ ما في لفظٍ الّا ويمكن الاستثناء منه لبعض مدلوله، فيكون المراد هو الباقي، فلا يكون نصًّا في الكل، ونحن نعلم أن نحو: عشرة نص في الكل.
"وللعلم بأنا نسقط الخارج" بالاستثناء، "فنعلم أنّ المسند إليه ما بقى" بعد الإخراج، وإذا كان كذلك لم يكن المراد بـ "العشرة" سبعة.
ولقائلٍ أن يقول على الأول: إن أردتم بأنّ الاستثناء مستغرق بالنسبة إلى الملفوظ، فممنوع.
وإن أردتم بالنسبة إلى المراد، فمسلم.
ولكن الاستثناء إنما يقع من الملفوظ لا من المراد، والّلافظ كما ذكرتم لم يرد استثناء نصفها من نصفها بل من كلها، وهو الملفوظ الذي تبين بالاستثناء أن المراد به النصف.
وعلى الثَّاني: كذلك؛ لأن الاستثناء من الكُلِّ، وهو مبين أنّ المراد النصف.
وكذا الثالث؛ فإنَّ الضمير عائد إلى الكلّ؛ لأنه الملفوظ، ولا يلزم ما ذكر.
وكذا الرَّابع؛ فإنه إخراج بحسب الظاهر.
وعلى الخامس: أن النص هو ما لا يحتمل إلا معنى واحدًا عند عدم القرينة، وهنا قرينة وهي الاستثناء، فلم يلزم إبطال النصوص.
وعلى السادس: أن إسقاط الخارج واقع بحسب الظاهر.
стр. 1370
وَالثَّاني: كَذَلِكَ؛ لِلْعِلْمِ بِأنَّهُ خَارجٌ عَنْ قَانُونِ اللُّغَةِ؛ إذْ لا تَرْكِيبَ مِنْ ثَلاثَةٍ، وَلا يُعَرَّبُ الْأَوَّل، وَهُوَ غَيْرُ مُضَافٍ، وَلاِمْتِنَاعِ إعَادَةِ الضَّمِيرِ عَلَى جُزْءِ الاِسْمِ فِي: "إلَّا نِصْفَهَا"، وَلإِجْمَاعِ الْعَرَبيَّةِ … إِلَى آخِرِهِ.
قَالَ الْأَوَّلُونَ: لا يَسْتَقيمُ أَنْ يُرَادَ "عَشرَةٌ" بِكَمَالِهَا؛ لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ مَا أَقَرَّ إلَّا بِـ "سَبْعَةٍ"؛ فَيَتَعَيَّنُ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْحُكْمَ بِالإقْرَارِ - باعْتِبَارِ الإسْنَادِ؛ وَلَمْ يُسْنِدْ إلَّا بَعْد الإخْرَاجِ.
قَالُوا: لَوْ كَانَ الْمُرَادُ عَشَرَةً امْتَنَعَ مِنَ الصَّادِقِ؛ مثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤].
وَأُجِيبَ: بِمَا تَقَدَّمَ.
الشرح: قال: "والثاني" أي قول القاضي "كذلك" أي: لا يستقيم أيضًا لوجوه ثلاثة:
"للعلم بأنه" تركيب "خارج عن قانون اللغة؛ إذ لا تركيب" فيها "من" ألفاظ "ثلاثة".
"ولا يعرف الأول" منها، وهو العشرة في مثالنا، "وهو غير مضاف"، بل إنما يعرف الأول إذا كان مُضَافًا، فإذا لم يكن مُضَافًا كان مثبتًا، وهذا المركّب بخلافه، فكان خارجًا عن اللغة، ويمكن أن يجعل هذان وَجْهين يدلان على خروجه عن قانون اللغة، فيقال: هو خارج؛ لكونه من ثلاثة ألفاظ، ولكونه من ألفاظ الأول منها معرب غير مضاف، وليس في اللّغة شيء من ذلك بالاستقراء.
"ولا متناع إعادة الضمير على جزء الاسم في: "إلا نصفها"؛ للقطع بأن الضمير يجب عوده إلى كمال الاسم، فلا يكون المراد بالجارية نصفها.
"ولإجماع" أهل "العربية" على أن الاستثناء المتصل إخراج بعض من كل … "إلى آخره" كما ذكرناه في إبطال قول الأُوليين.
الشرح: ولقائل أن يقول: "قال الأولون" احتجاجًا لأنفسهم: "لا يستقيم أن يراد" بقوله: عندي "عشرة" إلا ثلاثة عشرة "بكمالها للعلم بأنه ما أقر إلا بسبعة؛ فيتعين" أن يكون المراد بالعشرة سبعة.
"وأجيب: بأن الحكم بالإقرار" إنما هو "باعتبار الإسناد" المتأخر عن إخراج ثلاثة منها، "ولم يسنِد إلا بعد الإخراج"؛ فلا يلزم كونه مقرًا بعشرة.