. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والثاني: مفرد، وهو سبعة، وذلك "كاسمين: مركب ومفرد"، فاللفظ بجملته عبارة عما بقى بعد الاستثناء، وتكون زيادة شيء آخر في الكلام تصيره موضوعًا لمعنى آخر كما تقول: "زيد" فيكون للواحد، فتزيد الواو والنون، فيصير للجمع.
وقصد بهذا أن يفرق بين التخصيص بدليل متّصل؛ فيكون الباقى فيه حقيقة، أو منفصل؛ فيكون تناول اللفظ الباقي مجازًا.
والحاصل: أن الاستثناء من عدد معلوم، وهل يكون لقرينة غيرت حكم الصيغة، أو لقرينة لم تغير وضع الصيغة، وإنما كشفت عن المراد بها؟.
فمن رأى أسماء الأعداد كالنصوص التي لا تحتمل سوى ما يفهم منها، جعل الاستثناء قرينة مقالية غيرت حكم الصيغة في دلالتها، ورأى المستثنى والمستثنى منه كالكلمة الواحدة الدَّالة على عدد ما، ويكون الاستثناء كجزء من أجزاء هذه الكلمة، فمجموع الاستثناء والمستثنى منه هو الدَّالّ على العدد المنفى، ويرى هذا أنْ لا فرق بين سبعة وعشرة إلَّا ثلاثة، فإنّ سبعة تدلّ على عدد مخصوص، ولكنها تركبت من حروف أربعة لو ذهب منها أحد أجزاءها الأصْليّة، وهو حرف العين مثلًا كان ما بقى غير دالّ.
وكذلك: "عشرة إلَّا ثلاثة" يجري هذا المجرى في كون الكلمتين - الاستثناء والمستثنى منه - يدلّان على السبعة، وصار قوله: إلّا ثلاثة كأحد حروف سبعة، ولا يكون لقولنا: إلا ثلاثة كالبيان كقولنا: عشرة.
والفرقة الأولى رأوا أن الكلمة الدَّالة على عدد - كالعشرة مثلًا - ربما نطق بها فيما دونه، فلا يجعلونها نصًّا في مدلوله، بل يسلكون بها مسلك اللَّفْظ العام في الدّلالة على أفراده ظاهرًا، ويرون الاستثناء قرينة لفظية دالّة على المقصود باللَّفظ المستثنى منه، كما يدل قوله: "لا تَقْتُلُوا الرُّهْبَانَ"، على المراد بقوله: "اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ"، ولم يقدروا أن قوله: "لا تقتلوا الرهبان" مع قوله: "اقتلوا المشركين" كالكلمة الواحدة.
وقد ذهب إمام الحرمين إلى رأي القاضي، واستنكر قول الأولين، وقال: إنه محال لا يعتقده لَبِيبٌ.
وأنا أرى أن [أحكي] (١) عبارة القاضي؛ لتكون على ثِقَةٍ مما حكيناه.
قال ﵀ في كتاب "التقريب":
стр. 1367
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إذا خصّ باسثناء متصل، فإنه يكون مع الاسثناء حقيقة فيما بقي، والدَّليل على ذلك أن اتصال الاسثناء به يغيره، ويؤثر في معنى لفظه؛ لأن كثيرًا من الكلام إذا اتَّصل بعضه ببعض كان له بالاتصال تأثير ليس له بالانفراد، ولذلك احتاج الابتداء إلى خبر من كلام المبتدئ؛ ليكون مفيدًا، والكناية إلى تقدم مذكور يكون كناية عنه وأمثال ذلك.
ولهذا وجب أن يكون قولنا: "زيد" اسم الشخص الواحد. فإذا زيد ياء ونونًا صار اسمًا للاثنين، وإذا كان كذلك وحب أن يكون هذا حكم اللفظ مع الاسثناء في أنه يصير باقترانه اسمًا لقدر ما بقى، ولو عدّى لكان عامًا، وكذلك عشرة إلّا واحدًا و ﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [سورة العنكبوت: الآية ١٤] وأمثاله في أنّ اطلاق الاسمم بغير اسثناء يفيد الجملة التامة، ويصير مع الاسثناء اسمًا لقدر ما بقى، ومثل هذا بعينه تقول: "رجل" اسم واحد منكر، وَإِذَا زِيدَ عليه ألف ولام قيل: "الرجل" صار معرفة، أو للجنس عند أصحاب العموم، فيتغير معناه بما وصل به.
وإذا كان كذلك صحّ ما قلناه من الفرق بين القرائن المتّصلة والمنفصلة. انتهى.
"وقيل: المراد بعشرة" في هذا التَّركيب "عشرة باعتبار الأفراد" أي: باعتبار أفراده لن يغير، وهو يتناول السبعة والثلاثة معًا، "ثم أخرجت ثلاثة" بقوله: إلا ثلاثة، فدلّ لفظ "إلا" على الإخراج، وثلاثة على العدد المسمى بها حتى بقى سبعة، ثم أسند إليه "والإسناد بعد الإخراج (١)، فلم يسند إلّا إلى سبعة"، وليس هناك إلا الإثبات ولا نفى أصلًا، فلا تناقض؛ إذ ليس إثبات ونفى معارضًا.
стр. 1368
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال المصنّف:"وهو الصحيح" إذا عرفت هذا، فلا يخفى عليك أن الأكثرين عندهم أنك استعلمت العشرة في سبعة مجازًا دلّ عليه قولك: إلا ثلاثة.
والقاضي وإمام الحرمين عندهما أن المجموع مستعمل في السبعة.
والمصنف عنده أنك تصوّرت ماهيّة العشرة، ثم حذفت منها ثلاثة، ثم حكمت بالسبعة، فكأنه قال له: علي الباقي من عشرة أخرج منها ثلاثة، أو عشرة إلّا ثلاثة له عندي، وكلّ من أراد أن يحكم على شيء بدأ باستحضاره في ذهنه، وهذا القائل بدأ باستحضار العشرة في ذهنه، ثم أخرج الثلاثة ثم حكم، كما أنك تخرج عشرة دراهم من الكيس، ثم تردّ منها إليه ثلاثة، ثم تهب الباقي، وهو سبعة، هذا مذهب المصنف، وهو حسن، ومغاير للمذهبين الأولين مغايرة واضحة.
واعلم أن الأظهر أن القاضي يجعل هذا اللفظ موضوعًا للسبعة كما وضع لها لفظ السبعة، وهو ظاهر نقل المصنّف عنه، وعبارته كالصريحة في ذلك، وقد حكيناها لك.
وبذلك صرّح غير واحد من النَّقَلَةِ عنه، وَلْنَخُضْ في الحِجَاجِ فنقول:
لا بُدَّ من رَدِّ الاستثناء إلى ما يدفع عنه التناقض مع المستثنى منه، ولا بُدَّ في دفع التناقض من أحد التقديرات الثلاث الَّتي قال بكلّ منها قائل؛ لأنه إن أريد عشرة وأسند إليه، كان التناقض ظاهرًا، وانتفاؤه بألَّا يراد العشرة، أو يراد ولا يسند إليها، فإذا لم يرد العشرة، فإما أن يراد السبعة أولا؟
إن كان الأول؛ فهو المذهب الأول، وإن كان الثاني؛ فلا سبيل إلى دفع الإرادة عن السبعة مطلقًا ضرورة أنها مرادة، فتكون مرادة بالمركب لا بالمفرد، وهو المذهب الثاني.
وإن أريدت العشرة، ولكن لم يسند إليها، وهو الثالث.
وإذا تعيّن أحد الثلاث، وأبطلنا قسمين فتعيّن الباقي، فنقول: "لنا: أن" القول "الأول غير مستقيم" لوجوه ستة:
"للقطع بأن من قال: اشتريت الجارية إلا نصفها ونحوه لم يرد استثناء نصفها من نصفها"، وإلا يكون استثناء مستغرقًا، فيكون باطلًا، وهو غير مراد.
"ولأنه" لو أريد "كان يتسلسل"؛ لأن الاستثناء حينئذٍ يكون من النِّصْف، فيكون
стр. 1369
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
التقدير: له عندي نصف الجارية إلَّا نصفها، فيكون المراد به ربعها، والتقدير: أنه استثنى من هذا الرّبع نصفه، فيكون المراد به [منها] (١)، وهلمّ جرًّا.
"ولأنا نقطع بأن الضمير" في: إلّا نصفها "للجارية بكمالها".
"ولإجماع [العربية] (٢) على أنه" أي: الاستثناء "إخراج بعض من كل" (٣).
"ولإبطال النصوص"؛ إذ ما في لفظٍ الّا ويمكن الاستثناء منه لبعض مدلوله، فيكون المراد هو الباقي، فلا يكون نصًّا في الكل، ونحن نعلم أن نحو: عشرة نص في الكل.
"وللعلم بأنا نسقط الخارج" بالاستثناء، "فنعلم أنّ المسند إليه ما بقى" بعد الإخراج، وإذا كان كذلك لم يكن المراد بـ "العشرة" سبعة.
ولقائلٍ أن يقول على الأول: إن أردتم بأنّ الاستثناء مستغرق بالنسبة إلى الملفوظ، فممنوع.
وإن أردتم بالنسبة إلى المراد، فمسلم.
ولكن الاستثناء إنما يقع من الملفوظ لا من المراد، والّلافظ كما ذكرتم لم يرد استثناء نصفها من نصفها بل من كلها، وهو الملفوظ الذي تبين بالاستثناء أن المراد به النصف.
وعلى الثَّاني: كذلك؛ لأن الاستثناء من الكُلِّ، وهو مبين أنّ المراد النصف.
وكذا الثالث؛ فإنَّ الضمير عائد إلى الكلّ؛ لأنه الملفوظ، ولا يلزم ما ذكر.
وكذا الرَّابع؛ فإنه إخراج بحسب الظاهر.
وعلى الخامس: أن النص هو ما لا يحتمل إلا معنى واحدًا عند عدم القرينة، وهنا قرينة وهي الاستثناء، فلم يلزم إبطال النصوص.
وعلى السادس: أن إسقاط الخارج واقع بحسب الظاهر.
стр. 1370
وَالثَّاني: كَذَلِكَ؛ لِلْعِلْمِ بِأنَّهُ خَارجٌ عَنْ قَانُونِ اللُّغَةِ؛ إذْ لا تَرْكِيبَ مِنْ ثَلاثَةٍ، وَلا يُعَرَّبُ الْأَوَّل، وَهُوَ غَيْرُ مُضَافٍ، وَلاِمْتِنَاعِ إعَادَةِ الضَّمِيرِ عَلَى جُزْءِ الاِسْمِ فِي: "إلَّا نِصْفَهَا"، وَلإِجْمَاعِ الْعَرَبيَّةِ … إِلَى آخِرِهِ.
قَالَ الْأَوَّلُونَ: لا يَسْتَقيمُ أَنْ يُرَادَ "عَشرَةٌ" بِكَمَالِهَا؛ لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ مَا أَقَرَّ إلَّا بِـ "سَبْعَةٍ"؛ فَيَتَعَيَّنُ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْحُكْمَ بِالإقْرَارِ - باعْتِبَارِ الإسْنَادِ؛ وَلَمْ يُسْنِدْ إلَّا بَعْد الإخْرَاجِ.
قَالُوا: لَوْ كَانَ الْمُرَادُ عَشَرَةً امْتَنَعَ مِنَ الصَّادِقِ؛ مثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤].
وَأُجِيبَ: بِمَا تَقَدَّمَ.
الشرح: قال: "والثاني" أي قول القاضي "كذلك" أي: لا يستقيم أيضًا لوجوه ثلاثة:
"للعلم بأنه" تركيب "خارج عن قانون اللغة؛ إذ لا تركيب" فيها "من" ألفاظ "ثلاثة".
"ولا يعرف الأول" منها، وهو العشرة في مثالنا، "وهو غير مضاف"، بل إنما يعرف الأول إذا كان مُضَافًا، فإذا لم يكن مُضَافًا كان مثبتًا، وهذا المركّب بخلافه، فكان خارجًا عن اللغة، ويمكن أن يجعل هذان وَجْهين يدلان على خروجه عن قانون اللغة، فيقال: هو خارج؛ لكونه من ثلاثة ألفاظ، ولكونه من ألفاظ الأول منها معرب غير مضاف، وليس في اللّغة شيء من ذلك بالاستقراء.
"ولا متناع إعادة الضمير على جزء الاسم في: "إلا نصفها"؛ للقطع بأن الضمير يجب عوده إلى كمال الاسم، فلا يكون المراد بالجارية نصفها.
"ولإجماع" أهل "العربية" على أن الاستثناء المتصل إخراج بعض من كل … "إلى آخره" كما ذكرناه في إبطال قول الأُوليين.
الشرح: ولقائل أن يقول: "قال الأولون" احتجاجًا لأنفسهم: "لا يستقيم أن يراد" بقوله: عندي "عشرة" إلا ثلاثة عشرة "بكمالها للعلم بأنه ما أقر إلا بسبعة؛ فيتعين" أن يكون المراد بالعشرة سبعة.
"وأجيب: بأن الحكم بالإقرار" إنما هو "باعتبار الإسناد" المتأخر عن إخراج ثلاثة منها، "ولم يسنِد إلا بعد الإخراج"؛ فلا يلزم كونه مقرًا بعشرة.
стр. 1371
الْقَاضِي: إِذَا بَطَلَ أَنْ يَكُونَ عَشَرَةً، وَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ سَبْعَةً تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْجَمِيعُ لِسَبْعَةٍ.
وَأجِيبَ: بِمَا تَقَدَّمَ.
فتَبَيَّنَ أَنَّ الاِسْتِثْنَاءَ عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي: لَيْسَ بِتَخْصِيصٍ، وَعَلَى الأَكْثَرِ: تَخْصِيصٌ، وَعَلَى الْمُخْتَارِ: مُحْتَمِلٌ.
"قالوا: لو كان المراد عشرة" بكمالها "امتنع من الصادق" الاستثناء "مثل قوله:" "فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ ﴿إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤]؛ لما يلزم من إثبات لبث الخمسين بقوله: ألف سنة، ونفيه بالاستثناء؛ وهو تناقض، وذلك لا يمتنع؛ بدليل أنه قاله.
"وأجيب: بما تقدم" في صورة الإقرار، أن الحكم باللُّبْثِ إنما هو بعد إخراج الخمسين على الباقي من الألف مثلًا.
الشرح: وقال "القاضي: إذا بطل أن يكون" المراد، "عشرة"؛ لدليل الأولين، "وبطل أن يكون سبعة"؛ لما ذكر في إبطال المذهب الأول - "تعين أن يكون الجميع لسبعة"؛ لما مَرَّ من أن أحد التقديرات الثلاث لا بد منه.
"وأجيب: بما تقدم" في جواب قول الأولين "فتبين" بما ذكرناه "أن الاستثناء على قول القاضي ليس بتخصيص" إذ التخصيص؛ قصر العام، وها هنا لم يرد بالعام بعض أفراده، بل المجموع المركب هو مُسَمّاه.
"وعلى" قول "الأكثر تخصيص"؛ لأنه قصر اللفظ على بعض مسمياته.
"وعلى" المذهب "المختار محتمل" لأن يكون تخصيصًا نظرًا إلى الحكم، فإنه للعام في الظاهر، والمراد الخصوص؛ ولئلا يكون تخصيصًا نظرًا إلى أنه أريد بالمستثنى منه تمام مسماه؛ هذا كلام المصنف.
قال القاضي عضد الدَّين الشِّيرازي: ولا بُدَّ من التنبيه على حقيقة الحال: اعلم [أن] (١) القصد عشرة - أخرج منها ثلاثة - للسبعة مجاز؛ لأن العشرة التي أخرجت منها ثلاثة - عشرة، ولا شيء من السبعة بعشرة، ومفهوم العشرة بعد إخراج الثلاثة وقبلها واحد، وليست السبعة بعشرة على حال أطلقت أو قيدت، إنما هي الباقي من العشرة بعد إخراج
стр. 1372
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الثلاثة كما يقال: إنها أربعة ضمّت إليها ثلاثة، وأنها ليست بأربعة، إنما هي الحاصل من ضَمّ الأربعة إلى الثلاثة، ثم إن السبعة مرادة في هذا التركيب.
فإن قلنا: هذا التركيب حقيقة في عشرة موصوفة بأنها مخرج منها ثلاثة كان مجازًا في السبعة من باب التَّخْصيص، وهو المذهب الأول.
وإن قلنا: هو موضوع للباقي من العَشَرَةِ بعد إخراج الثلاثة، ولا يفهم منها إلا ذلك عند الإطلاق، وليس مدلولها عشرة مقيّدة، فهو موضوع للسَّبعة لا على أنه وضع له وضعًا واحدًا كما قد يتخيّل، بل على أنه يعبر عنه بلازم مركّب، وقد يعبر عن الشيء باسمه الخَاصّ، وقد يعبر عنه بمركّب يدلّ على بعض لوازمه، وذلك في العدد ظاهر؛ فإنك قد تنقص عددًا من عدد حتى يبقى المقصود، وقد يضمّ عدد حتى يحصل ذلك؛ كما قال الشاعر: [الخفيف]
بِنْتُ سَبْعٍ وَأَرْبَع وَثَلاثٍ … [هِيَ حَتْفُ] (١) المُتَيَّمِ المُشْتَاقِ
والمراد بنت أربع عشرة، ويعبر عنه بغيرها، كما يقال للعشرة جذر المائة، وضعف الخمسة، وربع الأربعين إلى غير ذلك، وعلى هذا ينبغي أن يحمل مذهب القاضي، ومختار المصنف يرجع إلى أحدهما. انتهى.
قلت: وما ذكره عن القاضي يفهم أنه يجعل ذلك مجازًا، وهو خلاف ما حققناه عنه، ثم ما ذكر من التعبير عن الشيء بلازم مركّب حق، ولكن لا يخرج عن الحقيقة (٢)، وقول الشاعر في بنت أربع عشرة: بنت سبع وأربع وثلاث صادق بالحقيقة، وهو كقولك: له عندي درهم ودرهم ودرهمان، فإنك مقر بأربعة ناطق بما يدلّ عليها بالحقيقة، وكذلك قول الشّاعر الحسن بن هانئ (٣): [الطويل]
стр. 1373
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أَقَمنَا بِهَا يَوْمًا وَيَوْمًا وَثَالِثًا … وَيَوْمًا لَهُ يَوْمُ التَّرَحُّلِ خَامِسُ (١)
فإنه دالّ على أنه أقام بها تِسْعًا؛ لدلالة لفظ التسع.
وزعم الشيخ أبو حيان أنه دالّ على إقامة أربعة أيام فقط، ذكره في باب "إعراب المثنى" من "شرح التسهيل".
وفيه نظر (٢): إنما هو يدلّ على تسعة أيام.
نعم قد نازع القاضي من يمنع الوضع للمركّبات، وقوله: إن مختار المصنف يرجع إلى أحدهما ليس بجيّد، بل هو مُغَاير لهما كما عرفناك في صدر المسألة.
وقد لاح بهذا أَنَّ دلالة المستثنى والمستثنى منه على المعنى المراد به مجاز عند الأكثرين، حقيقة عند القَاضِي، وكذلك عند المصنّف؛ لأنه استعمل اللفظ في مدلوله.
وقال الشيخ أبو حامد: عندي العَشَرَةُ إذا استعملت في الخمسة بالاستثناء تكون دالّة على ذلك حقيقة لا مجازًا، كما تقول في العموم إذا خص بعضه واستعمل في الباقي: يكون حقيقة. نتهى.
قلت: وهذا مَاشٍ على القول بأن العامّ المخصوص حقيقة، وهو قول أكثر علمائنا.
"فائدة"
قال ابن الأَنْبَاري: لو كان الأمْر كما ذكر الأولون لزم أن يكون الذي لا يعرف الحساب إذا قال: عشرة إلا ثلاثة لا يفهم المَدْلُول من لغته.
قلت: وهو ضعيف؛ فإنه وإن لم يعرف الحساب فهو يريد ما تؤدّيه هذه العبارة، وهي مستعمل لفظ العشرة في بعضها، وإن لم يعرفه حالة الاستعمال، وجَهْلُهُ به لا يضرّ إذا كان
стр. 1374
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
له مَدْلُول في نفس الأَمْر، كما لو قال: "قارضتك على أن ثلث الربح لك، وما بقي فثلثه لي وثلثاه لك، فإنه يصح على الأصح، وإن لم يعلما عند العَقْدِ أن المشروط للعامل كم هو، وكذا لو قال: لك من الربح سدس ربع العشرة، وهما لا يعلمان قدره.
ولا يرد على هذا إذا باع بما باع به فلان، وهو لا يعلمه حيث لا يصحّ على الأصح، وإن تمكن من العلم به؛ لأنه ليس له في نفس الأمْر مدلول، وجاز أن ينسى، أو يموت هو قبل العلم، ففيه غرر.
وكذا إذا قال: بعت بمائة دينار إلَّا عشرة دراهم، فإنه لا يصحّ إلا أن يعلما قيمة الدِّينَار بالدراهم؛ لأن ذلك بمختلف.
"فرع"
قال: عليَّ عشرة إلَّا خمسة أو ستة، فإنه يلزمه خمسة.
قال النووي: وهو الصواب؛ لأن المختار أن الاستثناء بيان ما لم يرد (١) بأول الكلام، لا أنه إبطال ما ثبت.
وقال الرَّافِعِيّ: يمكن أن يقال: يلزمه خمسة؛ لأنه أثبت عشرة، واستثنى خمسة، وشككنا في اسثتناء الدّرهم السَّادس.
"تنبيه"
ما تقدم في: عشرة إلَّا "ثلاثة" وأنظاره هو فيما إذا نصب ثلاثة بالاستثناء.
أما إذا رفع فقال: إلا ثلاثهٌ أو إلّا درهمٌ، فقد أقرّ بالعشرة؛ لأن المعنى عشرة موصوفة بأنها غير درهم، وكلّ عشرة فهي موصوفة بذلك، فالصفة هنا في [نفحة] (٢) واحدة، هذا مدلول اللفظ، ونبَّهْنَا عليه وإن لم يتعلّق بما كنا فيه لئلا يلتبس.
стр. 1375
مَسْأَلةٌ:
شَرْطُ الاسْتِثْناءِ: الاِتِّصَالُ لَفْظًا، أَوْ مَا فِي حُكْمِهِ؛ كَقَطْعِهِ لِتَنَفُّسٍ، أَوْ سُعَالٍ وَنَحْوِهِ.
وَعنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄: يَصِحُّ وَإنْ طَالَ شَهْرًا.
وَقِيلَ: يَجُوزُ بالنِّيَّةِ كَغَيْرِهِ، وَحُمِلَ عَلَيْهِ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ لِقُرْبِهِ.
وَقِيلَ: يَصِحُّ فِي الْقُرْآنِ خَاصَّةً.
«مسألة»
الشرح: "شرط الاستثناء الاتصال لفظًا، أو ما في حكمه كقطعه لتنفس، أو سعال ونحوه" مما لا يمنع الاتصال عادة.
والأصح أنه ينقطع بتخلُّل الكلام اليسير، وإن لم ينقطع بذلك الإيجابُ والقبول (١).
قال الأَصْحَاب: ويبطله تخلُّلُ الكلام الأجنبي.
وقال صاحب "البيان" و"العدة": إذا قال: عليَّ ألف أستغفر الله إلَّا مائة، [صَحّ] (٢).
قال النووي: وفيما نقلاه نظر.
وعن طاوس والحسن، وجماعة من التابعين: أن له الاستثناء ما لم يقم من مجلسه.
وقال قتادة: ما لم يقم أو يتكلم.
وقال عطاء: قدر حلبة ناقة:
стр. 1376
لنَا لَوْ صَحَّ، لَمْ يَقُلْ ﷺ : "فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ" مُعَيَّنًا؛ [لـ] أَنَّ الاِسْتِثْنَاءَ أَسْهَل، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الإِقْرَارَاتِ وَالطَّلاقُ وَالْعِتْق، وَأَيْضًا: فَإنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى أَلَّا يُعْلَمَ صِدْقٌ وَلا كَذِبٌ.
قَالُوا: قَالَ ﵊: "وَالله، لأَغْزُوَن قُرَيشًا"، ثُمَّ سَكَتَ.
"وعن ابن عباس: يصح وإن طال" أَمَدُ الانفصال، "شهرًا وقيل: سنة، وهو الأشهر عنه.
وقيل: أبدًا، وهي روايات شاذّة لم تثبت عنه.
وعن سعيد بن جُبَيرٍ: أربعة أشهر.
وقيل: إن مراد هؤلاء الأئمة على تقدير صحّة المنقول عنهم استحباب قول: إن شاء الله تبركًا؛ ولقوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [سورة الكهف: الآية ٢٤]، ولم يريدوا به حلّ اليمين ومنع الحنث، ولا الاستثناء بـ "إلّا" وأخواتها.
"وقيل: يجوز" تأخير الاستثناء، لكن "بالنية كغيره" من تخصيصات العموم؛ إذ جاز انفصالها لفظًا مع اقتران النِّية باللفظ العام، "وحمل عليه مذهب ابن عباس؛ لِقُرْبه".
"وقيل: يصح" الاستثناء المنفصل "في القرآن خاصة"؛ لأنه كالكلمة الواحدة، وهو ضعيف؛ فإنّ الكلام القديم صفة ذاتٍ يستحيل فيه التقديم والتأخير، والاتصال والانفصال، والكلام هنا إنما هو في الألفاظ المبتدعة.
الشرح: "لنا: لو صحَّ الاستثناء المنفصل "لم يقل ﵇": "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا "فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ"، وَلْيَفْعَلِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ" (١).
"معينًا" بل كان يقول: فليستثن أو يفعل؛ "لأن الاستثناء أسهل" من التكفير، لكنه قال ذلك معينًا.
[قلت] (٢): في "صحيح مسلم" وغيره بهذا اللَّفظ، ومعناه في "الصحيحين".
ونظيره: ما حكى أن أبا إسحاق المَرْوَزِيّ أراد الخروج من "بغداد" مرة، فاجتاز في بعض سككها برجل على رأسه باقلَاء وهو يقول لآخر معه: لو صح مذهب ابن عباس لما
стр. 1377
وَقَالَ بَعْدَهُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
قُلْنَا: يُحْمَلُ عَلَى السُّكُوتِ الْعَارِضِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ.
قَالُوا: سَأَلَهُ الْيَهُودُ عَنْ لُبْثِ أَهْلِ الْكَهْفِ؛ فَقَالَ ﵊: "غَدًا أُجِيبُكُمْ"، فَتَأَخَّرَ الْوَحْيُ بِضْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثُمَّ نَزَل: "وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ" [سورة الكهف: الآية
قال تعالى لأيوب ﵇: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [سورة ص: الآية ٤٤] بل كان يقول: استثن، ولا حاجة إلى هذا التحيُّل في البر.
فقال أبو إسحاق: بلدة فيها رجل يحمل البقل، وهو يرد على ابن عباس لا يستحق أن يخرج منها.
"وكذلك" يلزم منه أن يبطل "جميع الإقرارات، والطلاق، والعِتْق"؛ لأن المقرّ والمطلَّق والمعتق يستثنى بعد انفصال الأمر.
فلو قيل: لم يستقرّ شيء من الأحكام.
"وأيضًا: فإنه يؤدي إلى ألَّا يعلم صدق ولا كذب"؛ لأن المخبر بشيء كقوله: قدم الحاج إذا قيل له: إنما قدم بعضهم، يمكنه أن يقول: إلا بعضهم.
ولك أن تقول: إن كان محلّ الخلاف مختصًّا بالتَّعْليق بمشيئة الله - تعالى - دون الاستثناء بـ "إلَّا" وأخواتها، فلا يتأتى هذا.
"قالوا": روى أبو داود من حديث مسعر عن سماك (١) عن عكرمة "قال النبي ﷺ : "وَاللَّهِ لأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا"" ثم قال: "إنْ شَاءَ اللَّهُ" ثم قال: "وَاللَّه لأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ" ثم قال: "وَاللَّهِ لأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا" "ثم سكت".
стр. 1378
٢٤،٢٣]، فَقَالَ ﵊: "إِنْ شَاءَ اللَّهُ".
قُلْنَا: يُحْمَلُ عَلَى أفْعَلُ؛ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مُتَأَوَّلٌ بِمَا تَقَدَّمَ، أَوْ بِمَعْنَى الْمَأْمُورِ بِهِ.
الشرح: "وقال بعده: "إنْ شَاءَ اللَّهُ"" (١)، ولفظ الحديث: "ثم سكت ثمّ قال: إن شاء الله" فقد فصل بالسكوت، وأيضًا فـ "ثم" تقتضى مهلة الترتيب.
"قلنا: يحمل على السكوت العارض" لتنفس ونحوه؛ "لما تقدم" من الدليل على وجوب الاتصال، ولذلك يجب تأويل "ثم".
وقد نازع بعضهم في اقتضائها الترتيب؛ فليلتزم؛ جمعًا بين الأدلة.
"قالوا: سأله اليهود عن لُبْثِ أهل الكهف، فقال ﷺ : غدًا أجيبكم، فتأخّر الوحي بضعة عشر يومًا ثم نزل "وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ".
"فقال: إن شاء الله" فقد فصل بين قوله: غدًا أجيبكم وإن شاء الله ببضعة عشر يومًا، والقصة مشهورة رواها محمد بن إسحاق (٢) في "السيرة" والبيهقي في "الدلائل" وغيرها.
стр. 1379
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"قلنا: يحمل" قوله: إن شاء الله "على" أنه عند نزول الآية عزم على فعل ذلك، واستثنى، والمعنى "أفعل" ذلك "إن شاء الله".
"وقول ابن عباس": يجوز الفصل "متأوّل بما تقدم" من جواز (١) نِيَّة الاستثناء، وانفصاله لفظًا، "أو بمعنى" الاستثناء "المأمور به"، وهو التعليق بمشيئة الله تعالى، وقد قدّمنا هذا أيضًا، وهذا جواب عن سُؤَال مقدّر تقديره: كيف يخفى على ابن عباس ما ذكرتموه لو كان حقًّا وهو الحبْرُ البَحْر تُرْجُمَان القرآن، وقد كانت اللّغة طباعه؟
وجوابه: أنه لم ينص على جواز المنفصل أيضًا، وما نقل مؤول كما عرفت.
ولقائل أن يقول: الجمهور لا يجوزون تأخير الاستثناء لفظًا وإن نواه، وينازعون في التعليق بالمشيئة أيضًا، وإن كان كل من هذين أقرب من تجويز الانفصال على إطلاق، فالأوْلى أن يجاب بما لا يَنْبُو عن مذهب الجمهور فيقال:
ما روى عن ابن عباس [لم] (٢) يصحّ، ولعلّ الآفة من الراوي.
"فرع"
قال الرافعي: هل يشترط مع الاتصال [اللفظي] (٣) أن يكون قصد الاستثناء مقرونًا بأول الكلام أي بالمستثنى منه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، ولو بَدَا له الاستثناء بعد تمام المستثنى منه، فاستثنى حكم [بموجبه].
стр. 1380
مَسْأَلَةٌ:
الاِسْتِثْنَاءُ الْمُسْتَغْرِقُ: بَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ.
وَالْأَكْثَرُ: عَلَى جَوَازِ الْمُسَاوِي وَالْأَكْثَرِ.
وأصحهما (١) - وادعى أبو بكر الفارسي (٢) الإجماع عليه -: أنه لا يعمل بالاستثناء ويقع الطلاق؛ لأن الاسثتناء بَعْدَ الفصل منشأ بعد لحوق الطلاق. انتهى.
وصدر كلامه يفهم أن الذي ادّعى الفارسي الإجماع عليه هو أن يكون قصد الاستثناء مقرونًا بأول الكلام، وكذا فهمه النووي، وجرى عليه في "الروضة"، وبه صرح الإمام وغيره.
"تنبيه"
أن يجعل قولك: عشرة إلا ثلاثًا سمًا مركّبًا موضوعًا للسبعة ألَّا يشترط نيَّة الاستثناء ألبتة، وإمام الحرمين وافق القَاضِي على هذا الأصل، ويلزمه هذا مع تصريحه في "الفقهيات" باشتراط نية الاستثناء.
«مسألة»
الشرح: "الاستثناء المستغرق" للمستثنى منه "باطلٌ باتفاقٍ" ادّعاه المصنف وغيره، فإذا قال: عليّ عشرة، إلا عشرة لزمه عشرة (٣).
стр. 1381
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حكى ابن طلحة الأندلسي قولًا فيمن قال: أنت طالق ثلاثا [إلَّا ثلاثًا، أنه استثناء ينفعه (١).
وهذا غريب يُصَادم دعوى الاتفاق.
ونظيره وجه حكاه الرَّافعي عن الحَناطي (٢) فيمن قال: أنت طالق ثلاثًا] (٣) إلا واحدة إلا واحدة أنه يقع الثلاث؛ فإنه أبطل المستثنى - وهو الواحد - بالاستثناء منه المستغرق له؛ فدلّ على إعمال الاستثناء المستغرق.
ولو قيل: يبطل من المستغرق قدر يصحّ بعده الكلام لكان ذلك إعمالًا للكلامين، وهو أولى من إلغاء أحدهما.
فإذا قال: طالق ثلاثًا إلَّا ثلاثًا، على هذا تطلّق ثنتين، ولكني لا أعرف أحدًا قال بذلك.
"فرع"
نقل الرَّافعي عن "فتاوى القَفَّال" فيمن قال: كلّ امرأة لي طالق إلَّا عمرة، ولا امرأة له سواها، أنها تطلق؛ لأنَّهُ مستغرقٌ.
ولو قال: النساء طوالق إلا عَمْرَة، ولا امرأة له سواها، لم تطفق، والفرق أنه هنا لم يُضِقهُنَّ إلى نفسه.
стр. 1382
مسألة:
وَقَالَتِ الْحَنَابِلَةُ وَالْقَاضِي: بِمَنْعِهِمَا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ وَالْقَاضِي أَيْضًا: بِمَنْعِهِ فِي الْأَكْثَرِ خَاصَّةً.
وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الْعَدَدُ صَرِيحًا.
ولقائل أن يقول: ينبغي ألَّا تطلق في الأول، ويجعل الاستثناء صفة، ويكون معناه: كلّ امرأة لي غير عمرة طالق كما في قوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٢٢].
ويؤيده قول الشَّافعي: لو قال الزوج - وقد عاتبته في نكاح جديد -: كل امرأة لي طالق، وعزلها بِنِيَّتِهِ أنه يقبل؛ [لأنه لو لم يصحّ - لوضوح به - لم يفده نِيَّته له] (١)، وينبغي أن تطلق في الثانية على قولنا: إن الاستثناء إنما يكون من المملوك؛ فإنه لا يملك إلَّا طلاق عمرة، وكأنه استثناها من نفسها، وهو مستغرق، فيبطل، وقد حكى الأصحاب الخلاف في الاستثناء هل يكون من الملفوظ، أو المملوك كما في أنت طالق خمسًا إلا ثلاثًا؟
"والأكثر" متفقون "على جواز" استثناء "المساوي" أعني النصف، مثل: عشرة إلا خمسة، "والأكثر" مثل عشرة إلا تسعة.
"مسألة"
الشرح: "وقالت الحنابلة والقاضي": في أحد قوليهما "منعهما".
"وقال بعضهم والقاضي أيضًا بمنعه في الأكثر خاصة"، ونقله ابن السَّمعاني، وغيره عن الشيخ أبي الحسن الأشعري (٢) رحمه الله تعالى (٣).
стр. 1383
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والقاضي في كتاب "التقريب" لم يذكر استثناء المساوي.
نعم في أثناء "دلائله" ما يدلّ على أنه يمنعه أيضًا، وذكر استثناء الأكثر.
وعبارته: كأنه الأولى الآن عندنا وإن كُنَّا قد نصرنا في غير هذا الموضوع جوازه.
انتهى.
وقيل: بمنعه في الأكثر "إن كان العدد" في المستثنى، والمستثنى منه "صريحًا" نحو: عشرة إلا تسعة، لا إن لم يكن صريحًا نحو: ما في الكيس إلَّا الزيوف مع كون الزيوف أكثر.
وقيل: بمنع استثناء الأكثر إذا كان المستثنى جملة نحو: جاء إخوتك العشرة إلَّا سبعة، وتجويز استثنائهم تفصيلًا، وتعديدًا نحو: إلَّا زيدًا منهم، وبكرًا، وخالدًا إلى تمام السبعة.
وقيل: يمتنع استثناء عَقْد صحيح كعشرة من مائة لا عشرة كخمسة، وإليه يميل كلام القاضي في "التقريب".
وقيل: يمتنع الاستثناء من العدد مطلقًا، وهو رأي أبي الحسن بن عصفور النحوي (١).
ونظيره قول القاضي الحسين، والمتولي (٢) فيمن قال لنسوته الأربع: أربعتكن طوالق إلا فلانة، أو إلا واحدة، أنه لا يصحّ الاستثناء ويطلقن جميعًا؛ لأن الأربع ليست صيغة عموم، وإنما هي نص.
стр. 1384
وَلنَا: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [سورة الحجر: الآية ٤٢]، وَالْغَاوُونَ أَكْثَرُ؛ بدَلِيلِ: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ [سورة يوسف: الآية ١٠٣]؛ وَالْمُسَاوِي أَوْلَى.
وَأَيْضًا "كُلُّكُمْ جَائِعٌ إلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ".
وَأَيْضًا: فَإنَّ فُقَهَاءَ الْأَمْصَارِ: "عَلَى أنَّهُ لَوْ قَالَ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا تِسْعَة" لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا دِرْهَمٌ؛ وَلَوْلا ظُهُورُه، لَمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ عَادَةً.
الشرح: "لنا": قوله تعالى: ﴿"إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ"﴾ [سورة الحجر: الآية ٤٢]، استثنى "الغاوين" من عباده "والغاوون أكثر بدليل: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ" وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة يوسف: الآية ١٠٣] وغيرهما من الآي النَّاطقة بأن أكثرهم الفاسقون، وكذا قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ مع قوله تعالى حكاية عن إبليس: ﴿وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [سورة ص: الآية ٨٢ - ٨٣]. فلو كان المستثنى أقل لزم أن يكون كلّ واحد من الغاوين والمخلصين أقل من الآخر.
"والمساوي أولى" بالجواز.
"وأيضا": قال النبي ﷺ حكاية عن ربه - تعالى - في الحديث المشهور السامي المروى في "صحيح مسلم":"يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعمتُهُ" (١) صريح في استثناء الأكثر؛ فإن الأكثر مطعمون.
"وأيضًا" قال: "فقهاء الأمصار" متفقون "على أنه لو قال: عليّ عشرة إلا تسعة، لم يلزمه إلَّا درهم، ولولا ظهوره" أي ظهور جواز استثناء الأكثر "لما اتفقوا عليه عادة"؛ إذ العوائد تقضي بالاختلاف فيما ليس بظاهر.
واعلم أن القاضي منع في كتاب "التقريب" ثبوت استثناء الأكثر عن العرب، وزعمهم لا يقولون: عشرة إلا ستة.
стр. 1385
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال في قول الشاعر: [البسيط]
وَدُّوا الَّتِي نَقَصَتْ تِسْعِينَ مِنْ مِائَةٍ … ثُمَّ ابْعَثُوا حَكَمًا بِالحَقِّ قَوَّالًا (١)
ليس باستثناء للأكثر مما دخل تحت المائة، ولا لفظه لفظ الاستثناء، وإنما فيه ذكر نقصان الأكثر، ولا ينكره.
وقال في قوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [سورة المزمل: الآية ١ - ٤] يقدر تقدير ابتداء كلام، كأنه قال: بل قم نصفه أو زد عليه، أو انقص منه قليلًا؛ فإنه أعظم لثوابك على أن النصف ليس بأكثر. انتهى، وفيه نظر. انتهى.
ومن عجائب أكثر الشارحين تخيّلهم أن قول المصنّف في تخصيص العموم بالمفهوم، ومثل: "فِي الأَنْعَامِ الزَّكَاةُ" إشارة منه إلى حديث، ونسبوا ذلك إلى النبي ﷺ لم يقله، مع تخيلهم أن قوله هنا: "كُلُّكُمْ جَائِعٌ" ليس إشارة إلى حديث، ولم يتصورّوا أنه حديث، وهو من أشهر الأحاديث.
أخبرتنا به فاطمة بنت عبد الرحمن بن عيسى الدَّناهي، وفاطمة بنت إبراهيم أشهر بن أبي عمر وأحمد بن علي الجوزي قراءة على الأولَيَيْنِ، وأنا أسمع، وبقراءتي على الثالث قالوا:
أنبأنا إبراهيم بن خليل قالت الألى: سماعًا، وقال الآخران: حضورًا أنبأنا عبد الرحمنِ بن علي، أنبأنا أبو الحسن المواريني، أنبأنا محمد بن علي المازني، أنبأنا أبو القاسم الفضل بن جعفر، أنبأنا أبو بكر عبد الرحمن بن القاسم بن الفرج الهاشمي، حَدّثنا أبو مسهر بن سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس الخَوْلاني (٢) عن أبي
الْأَقَل: مُقْتَضَى الدَّلِيلِ مَنْعُهُ … إلَى آخِرِهِ.
وَأُجِيبَ: بِالْمَنْعِ؛ لأِن الإسْنَادَ - بَعْدَ الإخْرَاجِ، وَلَوْ سُلِّمَ، فَالدَّلِيلُ مُتَّبعٌ.
قَالُوا: " [عَلَيَّ]، عَشرَةٌ إِلَّا تِسْعَةً وَنِصْفَ وَثُلُثَ دِرْهَمٍ" - مُسْتقْبَحٌ رَكِيكٌ.
وَأجِيبَ: بِأَنَّ اسْتِقْبَاحَهُ لا يَمْنَعُ صِحَّتَهُ كـ "عَشْرَةٌ" إِلَّا دَانِقًا وَدَانِقًا" … إِلَى عِشْرِينَ.
الشرح: واحتج من جوّز أن يستثني "الأقلّ" ومنع الزائد عليه نصفًا كان، أو أكثر بأن الاستثناء "مقتضى الدليل منعه"؛ لأنه يصادم الأصل؛ إذ هو إنكار بعد إقرار "إلى آخره" أي آخر هذا الدَّليل، وهو أنه جوز في الأقل لقلَّة خُطُوره بالبال، فربّما نسيه (١) حالة الإقرار فاستدرك، وهذا مفقود في المساوي والأكثر.
"وأجيب بالمنع" من أن مقتضى الدليل منعه، وسنده أنه كجملة واحدة.
أما عند القاضي فواضح؛ إذ هو عنده اسم مركب، لا جرم أنه لم يذكر هذا في "التقريب"؛ إذ هو غير متأت على أصله.
وأما عندنا فكذلك؛ "لأن الإسناد بعد الإخراج" فليس حكمان [مختلفان] (٢)، "ولو سلم" أنه على خلاف الأصل، "فالدليل متبع"، ولا تضرّ مخالفة الأصل مع قيامه.
"قالوا" ثانيًا: وجهًا اعتمده القاضي في كتاب "التقريب" وتقريره أن يقال: " [عَلَيَّ] (٣) عشرة إلَّا تسعة ونصف وثلث درهم" "مستقبح ركيك"؛ فلا يكون من لغة العرب.
"أجيب: بأن استقباحه لا يمنع صحّته، كـ"عَشَرةٌ" إلَّا دَانِقًا ودَانِقًا إلى" أن يعد "عشرين"، فإنه يستقبح، ويقال هذا.
قلت: عشرين دانقًا، ومع ذلك فالعبارة صحيحةٌ، والقبح إنما كان من قبل التطويل لا لغرض مع إمكان الاختصار.
وهذا الجواب ذكره القاضي، [ولم] (٤) يرتضه فقال:
стр. 1388
مَسأَلَةٌ:
الاِسْتِثْنَاءُ بَعْدَ جُمَلٍ بِالْوَاوِ:
ولا وجه لمن يقول: إني أسلم استقباح أهل اللُّغة لذلك، غير أنِّي لا أعلم أنه استقباح كراهية واستثقال، أو كراهية لإطراح.
قال: لأنه إذا ثبت استقباحهم له، ثبت أنه ليس من لُغَتهم؛ لأنهم قد وافقونا على أنهم لا يتكلمون بما يستقبح.
قلت: وقد ادَّعى بعضهم الاتفاق على صحَّة: عشرة إلَّا دَانقًا إلى عشرين، ولعلَّ القاضي لا يوافق عليه.
والأحسن في جواب القاضي ما ذكر ابن السَّمعاني من منع الاسْتِقْبَاحِ من أصله.
قال ابنُ السَّمْعاني: وإنما هو استثقال وليس باستقباح.
قلت: وما يشير إليه كلام القاضي من أن الاستثقال استقباح ممنوع، ولئن سلم فلا نسلم منع كلّ استقباح، ثم إن كونه قبيحًا لا يخرجه عن لسان العرب ولا يجعل النَّاطق به كالناطق بما لا يفيد، أو كالصَّامت عن الاستثناء.
والحاصل: أن المانعين من استثناء أكثر الجملة منهم من زعمه خارجًا عن لغة العرب، ومنهم من رآه غير خارج، وإن كان مستقبحًا عند أهلها.
قال المازِريّ: وبالمذهب الأوّل قال ابن حنبل، والشَّافعي في أحد قوليه، والقاضي في آخر أمره.
وبالثاني قال الشّافعيُّ في أحد قوليه، والقاضي أولًا، وابن المَاجِشُون، والقاضي عبد الوهَّاب.
قلت: وقد قلنا: إنه يمكن منع الاسْتِقْبَاح، ثم تسليمه ومنع أنه خارج عن اللُّغة، وهو قضية كلام أصحابنا، ثم تسليم أنه خارج عن اللُّغة رأسًا كما هو رأي القاضي آخرًا، ونقله المَازِريّ قولًا للشافعي كما رأيت، ولا أعرف ذلك.
«مسألة»
الشرح: "الاستثناء" الوارد "بعد جمل" مُتَعَاطفة "بالواو قالت الشافعية" (١): عائد
стр. 1389
قَالَتِ الشَّافِعِيَّةُ: لِلْجَمِيعِ.
وَالْحَنَفِيَّةُ: إِلَى الأَخِيرَةِ.
وَالْقَاضِي وَالْغَزالِيُّ: بِالْوَقْفِ.
وَالشَّرِيفُ: بِالاِشْتِرَاكِ.
"للجميع"، ونسبه ابن القصَّار إلى مالك ﵀، "والحنفية إلى الأخيرة"، "والقاضي" بالوقف (١) نصّ عليه في "التقريب"، ونص على أن القول بعوده إلى الجميع أولى من التخصيص بالأخيرة.
"و" تبعه "الغزالي" في "الوَقْف"، "والشريف" قال "بالاشتراك".
стр. 1390
أبُو الْحُسَيْنِ: إِنْ تبَيَّنَ الإضْرَابُ عَنِ الْأُولَى، فَلِلأَخِيرَةِ؛ مِثْلُ أَنْ يَخْتَلِفَا نَوْعًا، أَوِ اسْمًا وَلَيْسَ الثَّانِي ضَمِيرَهُ، أَوْ حُكْمًا غَيْرَ مُشْتَرِكَيْنِ فِي غَرَضٍ - وإِلَّا فَلِلْجَمِيع. وَالْمُخْتَارُ: إِنْ ظَهَرَ الاِنْقِطَاعُ؛ فَلِلأَخِيرَةِ، وَالاتِّصَالُ لِلْجَمِيعِ وَإلَّا فَالْوَقْفُ.
الشرح: وقال "أبو الحسين (١): إن تبين الإضراب عن الأولى، فللأخيرة، مثل أن يختلفا نوعًا" بأن تكون إحداهما خبرية، والأخرى إنشائية أو فعلية، والأخرى اسمية، "أو اسمًا وليس الثاني ضميره" أي: وليس الاسم الثاني ضميرًا يعود إلى الاسم في الجملة الأُولى نحو: أكرم بني تميم، وأكرم ربيعة إلَّا الطوال "أو حكمًا" حال كونهما "غير مشتركين في غرض" نحو: أكرم بني تميم، واستأجر ربيعة إلَّا الطوال، "وإلا فللجميع".
"والمختار" عند المصنف "إن ظهر الانقطاع" انقطاع الجملة الأخيرة عن الأُولى بأمارة، "فللأخيرة و "إن ظهر "الاتصال" كان "للجميع، وإلَّا فالوقف".
واعلم أن هذه المسألة من أمهات المسائل، وأصول المذاهب فيها ثلاثة:
العود إلى الجميع، أو الأخيرة فقط، والوقف إما بمعنى لا يدري، وهو رأي القاضي، أو الاشتراك وهو رأي الشريف، وما سوى هذه المذاهب عائد إليها ويحوم عليها.
والقول الوجيز في المسألة الجامع لِشَتَاتِ المذاهب: أنَّ الاستثناء إذا تعقّب مذكورات قبله متعاطفة، فإما أن يقوم دليل على واحد منها من قرينة خارجية، أو كان بحيث لا يصلح إلا له فيختص به، سواء أكان الأخير أم غيره.
وإما ألَّا يقوم، بل كان صالحًا للجميع؛ وهو محلّ الخلاف.
مثال قيام الدَّليل على اختصاص الأولى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٤٩]، وهذا مختص بالأول، ولا يجوز عوده إلى الأخيرة، وإلا يلزم أن يكون "من اغترف" فليس منه، والمعنى على خلاف ذلك؛ فإن المقصود أن من لم يَطْعَمْهُ مطلقًا ومن اغترف منه غرفة على حدّ سواء.
стр. 1391
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ونظيره قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٥٢]، فإنه عائد إلى الأولى، ولا يجوز عوده إلى الأخيرة، وإلَّا يلزم أن يكون قد استثنى الإماء من الأزواج.
ونظيره قوله ﷺ : "لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ إِلَّا صَدَقَة الْفِطْرِ" (١)؛ فإنه عائد إلى الأول فقط.
وقال عامة أهل التفسير (٢) في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [سورة النساء: الآية ٨٣]،: إنه استثناء من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ
стр. 1392
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ" [سورة النساء: الآية ٨٣] وهذا موضع الاستثناء بقوله: "إلَّا قَلِيلًا".
ومثال قيامه على اشتراك الكلّ قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [سورة المائدة: ٣٣] الآية.
فإن الإجماع قائم - كما حكاه ابن السَّمْعَاني - على أن قوله فيها: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [سورة المائدة: الآية ٣٤] عائد على الجميع.
وكذلك قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٨٦ - ٨٩].
وكذلك قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [سورة المائدة: الآية ٣] وكذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [سورة الفرقان: الآية ٦٨ - ٧٠] فإنه عائد إلى جميع ما تقدمه.
قال أبو عبد الله السّهيلي: بلا خلاف.
ومثال العود إلى الأخيرة جزمًا دون ما قبلها جزمًا قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [سورة النساء: الآية ٩٢] وهذا راجع إلى أقرب مذكور، وهو الدية دون الكفارة.
стр. 1393
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومثال العود إلى الأخيرة جزمًا دون الأولى، وفي المتوسطة خلاف آية القَذْف؛ فإن قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ بعد قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [سورة النور: الآية ٤] عائد إلى الفاسقين قطعًا غير عائد إلى الجَلْدِ قطعًا، إلا على رأي الشعبي، وهو مذهب شاذ، وقول قديم عندنا، وفي قَبُول الشهادة الخلاف بين الإمامين.
وإذا عرفت أن موضع الخلاف ما إذا أمكن العود إلى الجميع، فاعلم أن المفصِّلينَ وإن تفرقوا شُعُوبًا (١) وقبائل، فقد يخيل كل منهم في مكان تفصيله قرينة فتبعها، ولا شك أن من القرائن ما هو ظاهر، فلا ينبغي أن ينازع فيه، ويكون ما أتى به خارجًا عن محل النزاع حيث لا يقوم دليل مخصّص.
ومنها ما لا يظهر فيكون النزاع فيه عائدًا إلى أنه هل هو قرينة أو لا؟.
فإذن الأقوال ثلاثة فقط كما قدمته.
وأما التفاصيل فمنها رأي أبي الحسين ورأي المصنّف، وقد عرفتهما، ويرجع اختيار المصنف إلى الوقف؛ لأن القائل به إنما يقول به عند عدم القَرِينَةِ، ووجه ما اختاره ظاهر، وهو أن الاتصال يجعلها كالواحدة، والانفصال يجعلها كالأجنبية، والإشكال يوجب الشك.
ومنها: رأي إمام الحرمين، وقد قارب فيه مسلك الوَاقِفِيَّة، وحاصله:
أن الجمل المتقدمة إن كانت مناسبة، والغرض فيها كالمتحد نحو: حبست داري على عُمُومتي، ووقفت بُسْتاني على أخوالي، وسَبِلْتُ سِقَايتي لجيراني إلَّا أن يسافروا، فهذا يتوقّف فيه، ولا يظهر اختصاص الأخيرة، ولا اشتراك الكل، وإن اختلفت المقاصد نحو: أكرم العلماء واحبس ديارك على أقاربك وأعتق عبيدك إلا الفَسَقَة منهم، فالظاهرُ منه اختصاص الاستثناء بالأخيرة.
وزعم أن "الواو" في مثل هذا الموضع لاسْتِرْسَالِ الكلام وحسن نَظْمه، ولا يكون للعطف، وأنت تراه في إحدى الحالتين أخرج "الواو" عن كونها عاطفة، وإن ثبت له هذا لم يكن من محل النزاع؛ لأن الكلام في العاطفة، فهو من الواقفية.
стр. 1394
الشَّافِعِيَّةُ: الْعَطْفُ يُصَيِّرُ الْمُتَعَدِّدَ كَالْمُفْرَدِ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ ذلِكَ فِي الْمُفْرَدَاتِ.
ومنها: رأي ابن السَّمْعَاني، وقد سلك فيه مسلك أصحابنا، وانتقض من الإمام حيث أدَّاه تفصيله إلى العدول عن مذهب الشَّافعي.
وحاصله: أنه إن لم يكن في المذكور أجزاء ما يوجب إضرابًا عن الأول، وصلح رجوع الاستثناء إلى الكُلّ رجع إلى الكُلّ.
قال: ويمكن أن يعبر عن هذا فيقال: إذا لم يكن الثَّاني خُرُوجًا من قصّة أخرى لا تليق بها عاد إلى الكُلّ، وإن كان اختص بالأخيرة.
ونظيره: اضرب بني تميم، والأشراف هم قريش إلا أهل البلد الفلاني، وهذا لأنه لما عدل عن الأول إلى مثل هذا، وأحدهما لا يليق بالآخر، أو أحدهما قضيّة والآخر قضية أخرى دلّ أنه استوفى غرضه من الأوّل؛ لأنه لا شيء أدلّ على استيفاء الغرض بالكلام من العدول عنه إلى نوع آخر من الكلام، وعلى هذا إذا قال:
من استقامت طريقته فأكرمه، ومن عصاك فاضربه، إلَّا أن يتوب، فالاستثناء ينصرف إلى ما يليه.
وعلى هذا قيل أيضًا: إذا قال: أكرم ربيعة، واضرب بني تميم إلا الطوال منهم، ينصرف إلى ما يليه أيضًا. انتهى.
والحاصلُ أنه إن صلح العود إلى الكُلّ عاد إلى الكل، والكلام إنما هو حيث صلح.
الشرح: واحتجت "الشَّافعية" لمذهبهم بدليل، قال ابن السَّمْعَاني: وربما نسبوه إلى الشافعي فقالوا:
"العطف يصير المتعدّد كالمنفرد"، ويجري الجمل مجرى الجملة الواحدة، وواو العطف في الأسماء المختلفة تجري مجرى واو الجمع في الأسماء المتماثلة.
فإن قولك: رأيت زيدًا الطويل، وزيدًا القصير، وزيدًا الأعمى بمثابة: رأيت الزيدين في الإفادة مع تعدد الأول ووحدة الثاني، وكذا لا فرق عند أهل اللغة بين قولهم: أكرم العرب إلا الطوال، وقولهم: أكرم مضر وربيعة وقَحْطان إلَّا الطوال منهم، وإذا صار الجمع كالجملة الواحدة انصرف الاستثناء إلى الكلِّ.
стр. 1395
قَالُوا: لَوْ قَالَ: "وَالله، لا أكَلْت، وَلا شَرِبْت، وَلا ضَرَبْتُ؛ إنْ شَاءَ اللهُ" عَادَ إِلَى الْجَمِيعِ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ شَرْطٌ، فَإِنْ أُلْحِقَ بِهِ فَقِيَاسٌ، وَإنْ سُلِّمَ، فَالْفَرْقُ: أَنَّ الشَّرْطَ مُقَدَّرٌ تَقْدِيمُه، وَإنْ سُلِّمَ؛ فَلِقَرِينَةِ الاتِّصَالِ، وَهِيَ الْيَمِينُ عَلَى الْجَمِيعِ.
"وأجيب: بأن ذلك" أي: جعل المتعدّد كالمنفرد، وإنما هو "في المفردات" لا في الجمل، وهذا الجواب لم يذكره الآمدي.
وإنما المصنّف أخذه من إمام الحرمين؛ فإنه قال: إنما يجري ذلك في الأفراد التي لا تستقلّ بنفسها، وليست جملًا مقصودةً بانفرادها كقول القائل: رأيت زيدًا وعمرًا.
فأما إذا اشتمل الكلام على جمل وكلّ جملة لو قدر السّكوت عليها لاستقلت بالإفادة، فكيف يتخيّل اقتضاء "الواو" التشريك فيها، ولكل جملة معناها الخاص بها، وقد يكون بعضها نفيًا وبعضها إثباتًا؟! انتهى.
ويظهر منه أنه قصد بـ "المفردات" أن يكون كلّ من المعطوفات لا يستقل بنفسه، ولو قدر السكوت عليه لم يفد مثل: أكرم الفقهاء والنحاة والأصوليين إلَّا أن يفسقوا؛ فإن "الأصوليين" لا يستقلّ بنفسه، بخلاف: أكرم الفقهاء، وأكرم النُّحاة، وأكرم الأصوليين، فإن قوله: وأكرم الأصوليين مفيد لو قدر السكوت عليه لا يستقل بالإفادة.
ومقتضى هذا الجَوَاب أن المفردات يرجع الاستثناء فيها إلى الجميع بالاتفاق، وإلَّا فلو كانت من محلّ النزاع لم يتأت له ما ذكره.
الشرح: "قالوا" ثانيًا؟ "لو قال: والله لا أكلت، ولا شربت، ولا ضربت إن شاء الله، عاد إلى الجميع"، وقد حكى القاضى في "التقريب" وغيره الاتفاق على ذلك.
"وأجيب" أولًا: بأن ما ذكرتم مما ينازع فيه الخَصْم. ذكره القاضي أيضًا.
وثانيًا: "بأنه شرط" لا استثناء، "فإن ألحق" الاستثناء "به" بجامع أنه تخصيص متصل "فقياس" في اللغة؛ وهو باطل.
"وإن سلم" صحّة القياس في اللغة، "فالفرق أن الشرط"، وإن تأخر لفظًا فهو "مقدر تقديمه"، وله صدر الكلام.
"وإن سلم" استواء الشرط والاستثناء، وهو التحقيق كما سيقوله إن شاء الله تعالى؛
стр. 1396
قَالُوا: لَوْ كُرِّرَ، لَكَانَ مُسْتَهْجَنًا.
قُلْنَا: عِنْدَ قَرِينَةِ الاِتِّصَالِ، وَلَوْ سُلِّمَ فَلِلطُّولِ، مَعَ إِمْكَانِ "إِلَّا كَذَا" مِنَ الْجَمِيعِ.
قَالُوا: صَالِحٌ؛ فَالْبَعْضُ تَحَكُّمٌ كَالْعَامِّ.
قُلْنَا: صَلاحِيَّتُهُ لا تُوجِبُ ظُهُورَهُ فِيهِ؛ كَالْجَمْعِ الْمُنكَّرِ.
قَالُوا: لَوْ قَالَ: "لَهُ عَلَيَّ خَمْسَةٌ وَخَمْسَةٌ إِلَّا سِتَّةً" - كَانَ لِلْجَمِيعِ.
قُلْنَا: مُفْرَدَاتٌ.
وَأَيْضًا: فَلِلاسْتِقَامَةِ.
"فلقرينة الاتصال" بين الجمل، "وهو اليمين على الجميع"، وذلك مما يقول به، إنما النزاع حيث لا قرينة.
الشرح: "قالوا" ثالثًا: "لو كرر" الاستثناء في كلّ جملة قبل الأخرى، فقال: اضرب من سَرَقَ إلا زيدًا، ومن زَنَا إلَّا زيدًا، ومن قَتَل إلَّا زيدًا "لكان مستهجنًا"؛ فدلَّ على أن الاستثناء بَعْدُ للجميع؛ لتعيّنه طريقًا.
"قلنا": إنما يستهجن "عند قرينة الاتصال".
أما عند عدمها فلا، "وإن سلم" الاستهجان مطلقًا، "فللطول مع إمكان" الاختصار بأن يقول: "إلَّا كذا من الجميع"، فيصرّح بالعود إلى الكل.
"قالوا" رابعًا: هو "صالح" للجميع إذ ذلك هو الغرض، "فالبعض" إذا خصص بأنه الذي يعود إليه "تحكم، كالعام" لو خصّ بِفَرْدٍ كان تحكّمًا.
"قلنا: صلاحيته" للكل "لا توجب ظهوره فيه، كالجمع المنكر" مثل رجال، فإنه صالح للجميع، وليس بظاهر فيه، ولا في شيء مما يصلح له من مراتب الجمع.
"قالوا" خامسًا: "لو قال: على خمسة وخمسة إلَّا ستة، كان للجميع" اتفاقًا، فكذا في غيره من الصور دفعًا للاشتراك والمجاز.
"قلنا": ليس محل النزاع؛ لأن النزاع في الجمل، وهذه "مفردات.
وأيضًا"؛ فلأن النزاع إنما هو فيما يصلح للجميع وللأخيرة، وهذا ليس منه، فإنه إنما يصلح للجميع "للاستقامة"، إذ لو قيل بعوده إلى كُلّ واحد على حدته كان مستغرقًا، أو نقول: هذه قرينة أوجبت عوده إلى الجميع، والنزاع حيث لا قرينة.
стр. 1397
الْمُخَصِّصُ: آيَةُ الْقَذْفِ؛ لَمْ تَرْجِعْ إِلَى الْجَلْدِ اتِّفَاقًا.
قُلْنَا: لِدَلِيلٍ، وَهُوَ حَقُّ الآدَمِيِّ؛ وَلذلِكَ عَادَ إِلَى غَيْرِهِ.
قَالُوا: "عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا أَرْبَعَةً إِلَّا اثْنَيْنِ"- لِلأَخِيرِ.
قُلْنَا: أَيْنَ الْعَطْفُ؟!
وَأَيْضًا: مُفْرَدَاتٌ.
وَأَيْضًا: لِلتَّعَذُّرِ؛ فكَانَ الأقْرَبُ أَوْلَى؛ وَلَوْ تَعَذَّرَ، تَعَيَّنَ الأوَّلُ؛ مِثْلُ: "عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا اثْنَيْنِ إِلَّا اثْنَيْنِ".
الشرح: وقال: "المخصّص" للاستثناء بالجملة الأخيرة: "آية القذف" دالَّة على المطلوب؛ فإن الاستثناء فيها "لم يرجع إلى الجَلْد اتفاقًا" أي بين الإمامين أبي حنيفة، والشافعي في الجديد، وإلَّا فللشافعي قول قديم مخالف، وعليه بعض أصحابنا، وهو مذهب الشعبي.
"قلنا" أولًا: معارض بآية قُطَّاع الطريق.
وثانيًا: لا يلزم من ظهوره لجميع العود إليه دائمًا، بل قد يصرف عنه "لدليل، وهو" هنا "حقّ الآدمي"؛ إذ الجلد حقّه، وحقوق الآدميين لا تسقط بالتوبة، "ولذلك عاد إلى غيره" لما لم يَقُمِ المانع به، وهو قبول الشهادة عند علمائنا، فعلم أنه لو لم يصدّنا الدليل عن الأولى لا نسحبنا على التعميم.
"قالوا" ثانيًا: لو قال: له "عليّ عشرة إلا أربعة إلا اثنين" عاد قوله: إلَّا اثنين، "للأخير" وهو الأربعة، فيفيد استثناء الاثنين من الأربعة حتى يلزم ثمانية.
"قلنا": الكلام حيث العطف و"أين العطف؟! ".
وأيضًا: فإن المستثنى منه هنا "مفردات"، والنزاع في الجمل، وفي هذا نظر؛
فإن العودَ إلى الكلِّ في المفردات أولى من الجمل.
"وأيضًا" فإنما عاد الاستثناء هنا إلى الأخيرة "للتعذُّر" تعذّر عوده إلى الجميع؛ إذ لو عاد إلى العشرة والأربعة لزم التناقض، ولو عاد إلى العشرة وحدها لعاد إلى الأبعد مع صحة العود إلى الأقرب، "وكان الأقرب أولى" بالعود إليه، "ولو تعذّر" العود إلى الأقرب "تعيّن" عَوْدُهُ "للأول" وحده "مثل: عشرة إلاّ اثنين إلَّا اثنين" فإنه يعود إلى الأول"
стр. 1398
قَالُوا: الثَّانِيَةُ حَائِلَةٌ كَالسُّكُوتِ.
قُلْنَا: لَوْ لَمْ يَكُنِ الْجَمِيعُ بِمَثَابَةِ الْجُمْلَةِ.
قَالُوا: حُكْمُ الأولَى يَقِينٌ، وَالرَّفْعُ مَشْكُوكٌ.
قُلْنَا: لا يَقِينَ مَعَ الْجَوَازِ لِلْجَمِيعِ.
وَأَيْضًا: فَالْأَخيرَةُ كَذَلِكَ؛ لِلْجَوَازِ بدلِيلٍ.
قَالُوا: إِنَّمَا يَرْجِعُ؛ لِعَدَمِ اسْتِقلالِهِ؛ فَيَتَقَيَّدُ بِالأقَلِّ، وَمَا يَلِيهِ هُوَ الْمُتَحَقَّقُ.
قُلْنَا: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَضْعُهُ لِلْجَمِيعِ؛ كمَا لَوْ قَامَ دَلِيلٌ.
لاستحالة اسثتناء اثنين من الاثنين؛ لأن أصحابنا قالوا فيما لو قال لها: ثلاثًا اثنتين إلا اثنتين، يقع واحد، ويلغو الاستثناء الثاني.
ويمكن أن يجاب بأن إلغاء الثاني هنا إنما كان لتعذّر عوده من الأولين.
أما الاستثناء فواضحٌ؛ لاستغراقه.
وأما المستثنى منه؛ فلأنه لم يَبْقَ منه إلا واحد، واستثناء اثنين منها يستغرقها، ولا كذلك في العشرة إلا اثنين إلا اثنين، فإنّ الاستثناءين إذا عادا إلى المستثنى منه لم يُلْغَ؛ لعدم الاستغراق.
الشرح: "قالوا" ثالثًا: الجملة "الثانية حائلة" بين الاستثناء والأولى، فيكون ذلك مانعًا من عوده إليها "كالسكوت".
"قلنا": إنما يكون كذلك "لو لم يكن الجميع بمثابة الجملة".
أما إذا كان الجميع بمثابة الجملة الواحدة كما هو الواقع فلا.
"قالوا" رابعًا: "حكم الأوّل أيقين" (١)، والرفع مشكوك"؛ لجواز كونه للأخيرة فقط، [واليقين] (٢) لا يزال بالشك، فلا يعود إلى ما قبل الأخيرة، وهذا عندي أوجه شُبَهِهِمْ.
стр. 1399
الْقَائِلُ بِالاِشْتِرَاكِ: حَسَّنَ الاسْتِفْهَامَ.
"قلنا": لا نسلّم ثبوت حكم الجملة الأولى يقينًا؛ "لا يقين مع الجواز" جواز كون الاستثناء "للجميع.
وأيضًا: فالأخيرة كذلك" فإن حكمها كالأولى.
فإن كانت الأولى يقينية، فهي أيضًا يقينية، والرفع مشكوك "للجواز" جواز العود إلى الأولى دونها "بدليل" كما في: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ [سورة البقرة: الاية ٢٤٩] وفي: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [سورة الأحزاب: الاية ٥٢].
ولهم أن يقولوا: ليس مرادنا باليقين إلا ما يريده الفقهاء حيث يقولون: اليقين لا يرفع بالشك، وهو استصحاب الأَصل لا القطع.
وقولكم: "الأخيرة كذلك" فيه نظر؛ فإنها أولى من الأولى بلا رَيْبٍ، غاية الأمر أنها قد تتعذّر، فينتقل إلى الأولى.
"قالوا" خامسًا: "إنما يرجع" الاستثناء إلى ما قبله "لعدم استقلاله، فيتقيّد بالأقل"؛ لأن ما وجب للضرورة يقدر بقدرها، ويكفى في ذلك العود إلى جملة واحدة، "وما يليه هو المحقق"، فيحمل عليه دون غيره.
وإن شئت قلت:
الأصل عدم الاستثناء، خالفناه في الأخيرة للدَّليل، ففيما عداها على أصل، وهو كالذي قبله.
"قلنا": لا نسلّم أنه يرجع من أجل الضرورة، بل "يجوز أن يكون وضعه للجميع" فلا يتقيد بالأخيرة "كما لو قام دليل" على عوده إلى الكُلّ، فإنه يعتبر إجماعًا، ومع جواز وضعه للجميع لا يتمّ، ويمكن أن يجاب بما يندفع به هذا والذي قبله، فيقال: ليس المستثنى مع المستثنى منه إلا جملة واحدة.
أما على رأي القاضي القائل بأنه كالاسم المركب، فواضح.
وأما عند المصنف؛ فلأن الإسناد بعد الإخراج، فليس فيه رفع لشيء ثبت، ولا مخالفة للأصل.
الشرح: وقال "القائل بالاشتراك" وهو الشريف: "حسن الاستفهام" عن الاستثناء هل هو راجع إلى الجميع، أو إلى البعض؟
стр. 1400
قُلْنَا: لِلْجَهْلِ بِحَقِيقَتِهِ أَوْ لِرَفْعِ الاِحْتِمَالِ.
قَالُوا: صَحَّ الإِطْلاق، وَالْأَصْلُ الْحَقِيقَةُ.
فُلْنَا: وَالْأَصْلُ عَدَمُ الاشْتِرَاكِ.
دليله "قلنا": جاز أن يكون حسن الاستفهام "للجهل بحقيقته، أو "على تقدير تسليم أن المستقيم عارف بحقيقته، قد يكون الاستفهام "لرفع الاحتمال" وحصول اليقين.
"قالوا" ثانيًا: "صَحّ الإطلاق" للكل، وللأخيرة فقط، "والأصل" في الإطلاق "الحقيقة".
"قلنا: والأصل" أيضًا "عدم الاشتراك" وقد مَرّ أن المجاز أولى منه.
وهذه تنبيهات:
الأوّل: قد قيد صاحب الكتاب المسألة بالجمل المُتَعَاطفة بالواو، فأما الجمل، فقيد ذكره الأكثرون، ولا يكاد يخفى عليك مما مَرّ أن المفردات كذلك، أو أولى بالعود إلى الجميع.
وفي كلام المصنف السابق [ما يؤخذ] (١) منه الاتفاق في المفردات.
وأما العطف فلا بد منه، وممن صرح بذكره القاضي في "التقريب"، والقاضي أبو الطيب، والشيخ أبو إسحاق، وابن السَّمعاني، والسُّهيلي أبو عبد الله، وأبو نصر القُشَيري، والامدي، والقرطبي (٢)، وابن السَّاعاتي (٣)، والشيخ الهندي.
стр. 1401
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومن لم يصرح بذكر اشتراطه كالمَاوَردِي في "الحاوي"، وإمام الحرمين في
"البرهان"، وابن الصباغ في "العدة"، والغزالي، [والمازري] (١)، والإمام الرازي وأتباعه، والشيخ الموفق بن قدامة الحنبلي (٢)، فأمره محمول على أنه سكت عن ذلك لوضوحه، ودلائلهم ترشد إلى أن مرادهم حالة العطف، وكذلك ما يوردون من المثل، فتأمل كلامهم، واحمل المطلق على المقيد ولا تَغْتَرَّ بما فهمه أبو العباس القَرَافي من جريان الخلاف وإن لم يكن ثَمَّ عطف، فذلك شيء حمله عليه إطلاق الإمام الرازي، وليس بجيّد؛ فإنه إذا لم يكن عطف لا يكون بين الجملتين ارتباط.
قال أبي تَغَمَّده الله برحمته: نعم ذكر البيانيون أن ترك العَطْف قد يكون لكمال الارتباط، فإذا كان في مثل ذلك، فلا يبعد مجيء الخلاف فيه.
قلت: بل قد يقال: العود فيه إلى الجميع أولى؛ لأنه إنما ترك العطف لكمال الارتباط، فليقع الاشتراك في الحكم لذلك، والكلام فيما وراء هذه الحالة لندورها. وأما كون العطف بالواو، وهو ما ذكره إمام الحرمين في تَدْريسه في أصول الفقه، ونقله عنه الرَّافعي في باب الوَقْف بعد أن ذكر أن أصحابنا أطلقوا العطف فقال: رأى الإمام تقييده بقيدين:
أحدهما: أن يكون العطف بالواو الجامعة، فإن كان بـ "ثم" اختص بالأخيرة.
стр. 1402
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والثاني: ألَّا يتخيل بين الجُمْلتين كلام طويل، وعليه جرى الآمدي، وتبعه المصنف وابن السَّاعاتي.
والصواب: أن "الفاء" و"ثم" و"حتى" مثل "الواو "في ذلك، وقد صَرَّح القاضي في "التقريب" بـ "الفاء" وغيرها فقال: وهذه سبيل جمل عطف بعضها على بعض بأي حروف العطف عطفت من "فاء" و"واو" وغيرهما، انتهى.
والإمام في "البرهان" (١) مثَّلَ بما إذا قال: وَقَفْتُ داري على بني فلان، ثم على بني فلان، وعَدّ طوائف، ومَيَّز بعضهم من بعض ذِكْرًا، ثم قال عند الطَّائفة الأخيرة: إلَّا أن يفسق منهم فاسق.
فانظره كيف أتى بـ "ثُمّ" في المثال.
وأبو نصر القُشَيري قال: أما إذا اشتمل الكلام على جملة منقطعة تنبئ كل واحدة عما لا تنبئ [عنه] (٢) أخواتها، ولكنها جمعت بحرف من حروف العطف جامع في مقتضى الوضع، ثم تعقب باستثناء، وهذا محل الخلاف.
فانظره أيضًا: كيف لم يخص "الواو".
فالصواب: أنه لا فرق.
وأما العطف بـ "لَكِنْ" أَو بـ "بل" أو بـ "أو" أو بـ "حتى" فظاهر إطلاق القاضي وغيره أنه كذلك، ويشهد للعطف بـ "أو" آية المُحَاربة، وقد مثل بها الجماهير.
وذكر القَرَافي أن "حتى" كـ "الواو"، وتردد في "بل" و"لا" و"لكن" مثل: جاء القوم لا النساء، وما جاء القوم بل النساء أو لكن النساء، من قبل أنهما لم يَنْدَرِجَا في حكم واحد.
قال: ويحتمل أن يقال: يعود عليهما؛ لكونهما جميعًا محكومًا عليهما وإن كان إحداهما بالنفي والأخرى بالثبوت، قال: وأما "أم" فهي لأحد الشيئين لا بعينه، فالمحكوم عليه فيها، ولم يتعرض للآخر بالنفي. ولا بالثبوت، فلا يتأتى فيه الاحتمال الذي في "بل"
стр. 1403
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وما معها، بل يتعين في هذه ألَّا يندرج الجمل، [فهذه] (١) الثلاثة في صورة النزاع قطعًا، بخلاف "بل" و"لا" و"لكن"؛ فإنها لأحد الشيئين بعينه.
إذا عرفت هذا: علمت أن تقييد المصنّف كلامه بالعطف حق.
وأما خصوص "الواو" فليس بجيد، وإن سبقه إليه إمام الحرمين.
وأما اشتراط كون ما تقدم جملًا فقد يكون؛ لأن المفردات يعود الاستثناء بعدها على الجميع بلا خلاف، وهو قضية كلامه في أثناء الحِجَاجِ كما سبق.
وأصحابنا في الفقهيات لم يخصوا الجمل، وكذلك النحاة فإنهم قالوا: إذا عقب الاستثناء معمولات والعامل فيها واحد نحو: اهْجُرْ بني فلان إلَّا من صلح وبنى فلان إلَّا من صلح، كان راجعًا إلى تلك المعمولات.
وكذا لو تكرر العامل توكيدًا نحو: اهْجُرْ بني فلان، واهْجُرْ بني فلان إلَّا من صلح، فإن اختلف العامل والمعمول واحد كقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [سورة المائدة: الآية ٣٤] فقال ابن مالك: الحكم كالحكم فيما إذا اتَّحد العامل.
وقال المهاباذي (٢): لا يكون الاستثناء إلا من الجملة التي تليه، والشافعي أعرف باللغة من المهاباذي.
الثاني: عرفت نقل الأكثرين عن الشَّافعي أن الاستثناء يعود إلى الجميع عند الصلاحية.
قال القاضي أبو الطيب: وما وجدت من كلامه ما يدل عليه إلَّا أنه قال في كتاب "الشاهد واليمين": إذا تاب القَاذِفُ قُبِلَت شهادته، وذلك بَيِّنٌ في كتاب الله ، وهذا يدل على أنه رد الاستثناء إلى الفسغ، ورد الشهادة.
стр. 1404
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقد استدلّ أبو إسحاق وغيره من أصحابنا على قبول شهادته بعموم الاستثناء، فإنه راجع إلى الجميع. انتهى.
وقال الرافعي في "الإقرار": ومهما كان في الاستثناء أو المستثنى منه عددان معطوف أحدهما على الآخر، ففي الجمع بينهما وَجْهان:
أصحهما، ويحكى عن نصّه في الطلاق، وبه أجاب ابن الحَدَّاد، والأكثرون - أنه لا يجمع؛ لأن "الواو "العاطفة وإن اقتضت الجمع لكنها لا تخرج الكلام عن كونه ذا جُمْلتين من جهة اللَّفْظ، والاستثناء يدور على اللفظ.
مثاله: إذا قال: عليَّ دِرْهَمَان ودرهم إلَّا درهمًا [إن لم يجمع لزم الثلاثة؛ لأنه استثنى درهمًا من درهم] (١)، وإن جمعنا لزمه درهمان، وكان الاستثناء من ثلاثة. هذا كلام الرافعي.
وأنت تراه كيف جعل نصّ الشَّافعي وقول الأكثرين أن الاستثناء يرجع إلى الأخيرة فقط، ولهذا قال: إنه استثنى درهمًا من درهم، وأعاده في كتاب "الطلاق" فقال: ولو عطف بعض العددين على بعض إما في المستثنى منه، أو في المستثنى، أو كليهما، فوجهان في أنه هل يجمع بينهما؟
أحدهما: يجمع؛ لأنه لو قال: علي درهم ودرهم، يلزمه درهمان، كما لو قال: عليّ درهمان.
وأصحّهما: المنع، وبه أجاب ابن الحَدَّاد؛ لأن الجملتين المعطوفتين يفردان بالحُكْم.
وإن كان "الواو" للجمع؛ ألا ترى أنه لو قال لغير المدخول بها: أنت طالق وطالق، لا يقع إلا واحدة، ولا ينزل منزلة ما لو قال: أنت طالق طلقتين، ثم قال بعد ذلك: أنت طالق وطالق، لا يقع إلّا واحدة، ولا ينزله منزلة ما لو قال: أنت طالق طلقتين، ثم قال بعد ذلك: لو قال: أنت طالق ثلاثًا وثلاثًا (٢) إن شاء الله، أو ثلاثًا وواحدة إن شاء الله، أو واحدة وثلاثًا إن شاء الله.
قال ابن الضَّبَّاغ: الذي يقتضيه المذهب أنه لا يقع شيء، وتبعه المُتَوَلِّي عليه.
стр. 1405
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والوجه بناؤه على الخلاف السابق في أن الاستثناء بعد الجملتين ينصرف إليهما، أو إلى الأخيرة، وكذلك أورده الإمام.
وقد ذكرنا أنَّ الظاهر الانصراف إلى الأخيرة وحدها، ويوافق هذا البناء ما ذكره في "التهذيب" أنه لو قال: حَفْصَة وعَمْرة طالقتان إن شاء الله، فيرجع الاستثناء إلى عمرة وحدها، أو إليهما جميعًا؟
والأصح: الأول.
ولو قال: أنت طالق واحدة واثنتين إن شاء الله، ففي "النهاية" تخريجه على الوجهين: إن جمعنا المفرق لم يقع شيء، وإن لم نجمع وقعت واحدة.
وعن رواية الشيخ أبي محمد عن القَفَّال أنه لو قال: أنت طالق واحدة ثلاثًا إن شاء الله من غير "واو" لم يقع شيء.
ولو قال: أنت طالق ثلاثًا ثلاثًا إن شاء الله، فكذلك، وفي معناه ما لو قال: أنت طالق أنت طالق أنت طالق إن شاء الله، وقصد التأكيد. انتهى.
وظاهره أن المرجح عنده عود الاستثناء إلى الأخيرة فقط، وأنه حكى خِلافًا سابقًا في ذلك، وخصّص اختصاص الأخيرة، وهو لم يحك في كتاب "الوَقْف" خلافًا في الاستثناء المتعقب، فضلًا عن أن يرجح مقابله.
قال أبي ﵀: والذي قاله ابن الصَّبَّاغ هو الذي يظهر.
قال: وقول الرافعي: "والوجه إلى آخره" قد يظن أنه معارض لما قاله في الوَقْفِ من عود الاستثناء إلى جميع الجمل المتقدّمة، وليس كذلك؛ لأنه إنما أشار به إلى ما قدّمه على هذا الكلام من أنه إذا عطف بعض العدد على بعض المسألة.
قلت: وهذا وإن كان ظاهر كلام الرافعي خلافه إلّا أنه يدّعو إليه ضرورة تصحيح كلام الرافعي، ويمكن أن يقال: أشار به إلى الوجهين اللَّذين حكاهما من قبل فيما إذا قال: أنت طالق واحدة، بل ثلاثًا إن دخلت الدار:
أحدهما - وبه قال ابن الحَداد، وهو الأصح -: إنه يقع واحدة بقوله: أنت طالق، ويتعلق طَلْقَتَانِ بدخول الدار؛ ردًّا للشرط إلى ما يليه خاصة، وهو قوله: بل ثلاثًا.