. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومن لم يصرح بذكر اشتراطه كالمَاوَردِي في "الحاوي"، وإمام الحرمين في
"البرهان"، وابن الصباغ في "العدة"، والغزالي، [والمازري] (١)، والإمام الرازي وأتباعه، والشيخ الموفق بن قدامة الحنبلي (٢)، فأمره محمول على أنه سكت عن ذلك لوضوحه، ودلائلهم ترشد إلى أن مرادهم حالة العطف، وكذلك ما يوردون من المثل، فتأمل كلامهم، واحمل المطلق على المقيد ولا تَغْتَرَّ بما فهمه أبو العباس القَرَافي من جريان الخلاف وإن لم يكن ثَمَّ عطف، فذلك شيء حمله عليه إطلاق الإمام الرازي، وليس بجيّد؛ فإنه إذا لم يكن عطف لا يكون بين الجملتين ارتباط.
قال أبي تَغَمَّده الله برحمته: نعم ذكر البيانيون أن ترك العَطْف قد يكون لكمال الارتباط، فإذا كان في مثل ذلك، فلا يبعد مجيء الخلاف فيه.
قلت: بل قد يقال: العود فيه إلى الجميع أولى؛ لأنه إنما ترك العطف لكمال الارتباط، فليقع الاشتراك في الحكم لذلك، والكلام فيما وراء هذه الحالة لندورها. وأما كون العطف بالواو، وهو ما ذكره إمام الحرمين في تَدْريسه في أصول الفقه، ونقله عنه الرَّافعي في باب الوَقْف بعد أن ذكر أن أصحابنا أطلقوا العطف فقال: رأى الإمام تقييده بقيدين:
أحدهما: أن يكون العطف بالواو الجامعة، فإن كان بـ "ثم" اختص بالأخيرة.
стр. 1402
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والثاني: ألَّا يتخيل بين الجُمْلتين كلام طويل، وعليه جرى الآمدي، وتبعه المصنف وابن السَّاعاتي.
والصواب: أن "الفاء" و"ثم" و"حتى" مثل "الواو "في ذلك، وقد صَرَّح القاضي في "التقريب" بـ "الفاء" وغيرها فقال: وهذه سبيل جمل عطف بعضها على بعض بأي حروف العطف عطفت من "فاء" و"واو" وغيرهما، انتهى.
والإمام في "البرهان" (١) مثَّلَ بما إذا قال: وَقَفْتُ داري على بني فلان، ثم على بني فلان، وعَدّ طوائف، ومَيَّز بعضهم من بعض ذِكْرًا، ثم قال عند الطَّائفة الأخيرة: إلَّا أن يفسق منهم فاسق.
فانظره كيف أتى بـ "ثُمّ" في المثال.
وأبو نصر القُشَيري قال: أما إذا اشتمل الكلام على جملة منقطعة تنبئ كل واحدة عما لا تنبئ [عنه] (٢) أخواتها، ولكنها جمعت بحرف من حروف العطف جامع في مقتضى الوضع، ثم تعقب باستثناء، وهذا محل الخلاف.
فانظره أيضًا: كيف لم يخص "الواو".
فالصواب: أنه لا فرق.
وأما العطف بـ "لَكِنْ" أَو بـ "بل" أو بـ "أو" أو بـ "حتى" فظاهر إطلاق القاضي وغيره أنه كذلك، ويشهد للعطف بـ "أو" آية المُحَاربة، وقد مثل بها الجماهير.
وذكر القَرَافي أن "حتى" كـ "الواو"، وتردد في "بل" و"لا" و"لكن" مثل: جاء القوم لا النساء، وما جاء القوم بل النساء أو لكن النساء، من قبل أنهما لم يَنْدَرِجَا في حكم واحد.
قال: ويحتمل أن يقال: يعود عليهما؛ لكونهما جميعًا محكومًا عليهما وإن كان إحداهما بالنفي والأخرى بالثبوت، قال: وأما "أم" فهي لأحد الشيئين لا بعينه، فالمحكوم عليه فيها، ولم يتعرض للآخر بالنفي. ولا بالثبوت، فلا يتأتى فيه الاحتمال الذي في "بل"
стр. 1403
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وما معها، بل يتعين في هذه ألَّا يندرج الجمل، [فهذه] (١) الثلاثة في صورة النزاع قطعًا، بخلاف "بل" و"لا" و"لكن"؛ فإنها لأحد الشيئين بعينه.
إذا عرفت هذا: علمت أن تقييد المصنّف كلامه بالعطف حق.
وأما خصوص "الواو" فليس بجيد، وإن سبقه إليه إمام الحرمين.
وأما اشتراط كون ما تقدم جملًا فقد يكون؛ لأن المفردات يعود الاستثناء بعدها على الجميع بلا خلاف، وهو قضية كلامه في أثناء الحِجَاجِ كما سبق.
وأصحابنا في الفقهيات لم يخصوا الجمل، وكذلك النحاة فإنهم قالوا: إذا عقب الاستثناء معمولات والعامل فيها واحد نحو: اهْجُرْ بني فلان إلَّا من صلح وبنى فلان إلَّا من صلح، كان راجعًا إلى تلك المعمولات.
وكذا لو تكرر العامل توكيدًا نحو: اهْجُرْ بني فلان، واهْجُرْ بني فلان إلَّا من صلح، فإن اختلف العامل والمعمول واحد كقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [سورة المائدة: الآية ٣٤] فقال ابن مالك: الحكم كالحكم فيما إذا اتَّحد العامل.
وقال المهاباذي (٢): لا يكون الاستثناء إلا من الجملة التي تليه، والشافعي أعرف باللغة من المهاباذي.
الثاني: عرفت نقل الأكثرين عن الشَّافعي أن الاستثناء يعود إلى الجميع عند الصلاحية.
قال القاضي أبو الطيب: وما وجدت من كلامه ما يدل عليه إلَّا أنه قال في كتاب "الشاهد واليمين": إذا تاب القَاذِفُ قُبِلَت شهادته، وذلك بَيِّنٌ في كتاب الله ، وهذا يدل على أنه رد الاستثناء إلى الفسغ، ورد الشهادة.
стр. 1404
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقد استدلّ أبو إسحاق وغيره من أصحابنا على قبول شهادته بعموم الاستثناء، فإنه راجع إلى الجميع. انتهى.
وقال الرافعي في "الإقرار": ومهما كان في الاستثناء أو المستثنى منه عددان معطوف أحدهما على الآخر، ففي الجمع بينهما وَجْهان:
أصحهما، ويحكى عن نصّه في الطلاق، وبه أجاب ابن الحَدَّاد، والأكثرون - أنه لا يجمع؛ لأن "الواو "العاطفة وإن اقتضت الجمع لكنها لا تخرج الكلام عن كونه ذا جُمْلتين من جهة اللَّفْظ، والاستثناء يدور على اللفظ.
مثاله: إذا قال: عليَّ دِرْهَمَان ودرهم إلَّا درهمًا [إن لم يجمع لزم الثلاثة؛ لأنه استثنى درهمًا من درهم] (١)، وإن جمعنا لزمه درهمان، وكان الاستثناء من ثلاثة. هذا كلام الرافعي.
وأنت تراه كيف جعل نصّ الشَّافعي وقول الأكثرين أن الاستثناء يرجع إلى الأخيرة فقط، ولهذا قال: إنه استثنى درهمًا من درهم، وأعاده في كتاب "الطلاق" فقال: ولو عطف بعض العددين على بعض إما في المستثنى منه، أو في المستثنى، أو كليهما، فوجهان في أنه هل يجمع بينهما؟
أحدهما: يجمع؛ لأنه لو قال: علي درهم ودرهم، يلزمه درهمان، كما لو قال: عليّ درهمان.
وأصحّهما: المنع، وبه أجاب ابن الحَدَّاد؛ لأن الجملتين المعطوفتين يفردان بالحُكْم.
وإن كان "الواو" للجمع؛ ألا ترى أنه لو قال لغير المدخول بها: أنت طالق وطالق، لا يقع إلا واحدة، ولا ينزل منزلة ما لو قال: أنت طالق طلقتين، ثم قال بعد ذلك: أنت طالق وطالق، لا يقع إلّا واحدة، ولا ينزله منزلة ما لو قال: أنت طالق طلقتين، ثم قال بعد ذلك: لو قال: أنت طالق ثلاثًا وثلاثًا (٢) إن شاء الله، أو ثلاثًا وواحدة إن شاء الله، أو واحدة وثلاثًا إن شاء الله.
قال ابن الضَّبَّاغ: الذي يقتضيه المذهب أنه لا يقع شيء، وتبعه المُتَوَلِّي عليه.
стр. 1405
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والوجه بناؤه على الخلاف السابق في أن الاستثناء بعد الجملتين ينصرف إليهما، أو إلى الأخيرة، وكذلك أورده الإمام.
وقد ذكرنا أنَّ الظاهر الانصراف إلى الأخيرة وحدها، ويوافق هذا البناء ما ذكره في "التهذيب" أنه لو قال: حَفْصَة وعَمْرة طالقتان إن شاء الله، فيرجع الاستثناء إلى عمرة وحدها، أو إليهما جميعًا؟
والأصح: الأول.
ولو قال: أنت طالق واحدة واثنتين إن شاء الله، ففي "النهاية" تخريجه على الوجهين: إن جمعنا المفرق لم يقع شيء، وإن لم نجمع وقعت واحدة.
وعن رواية الشيخ أبي محمد عن القَفَّال أنه لو قال: أنت طالق واحدة ثلاثًا إن شاء الله من غير "واو" لم يقع شيء.
ولو قال: أنت طالق ثلاثًا ثلاثًا إن شاء الله، فكذلك، وفي معناه ما لو قال: أنت طالق أنت طالق أنت طالق إن شاء الله، وقصد التأكيد. انتهى.
وظاهره أن المرجح عنده عود الاستثناء إلى الأخيرة فقط، وأنه حكى خِلافًا سابقًا في ذلك، وخصّص اختصاص الأخيرة، وهو لم يحك في كتاب "الوَقْف" خلافًا في الاستثناء المتعقب، فضلًا عن أن يرجح مقابله.
قال أبي ﵀: والذي قاله ابن الصَّبَّاغ هو الذي يظهر.
قال: وقول الرافعي: "والوجه إلى آخره" قد يظن أنه معارض لما قاله في الوَقْفِ من عود الاستثناء إلى جميع الجمل المتقدّمة، وليس كذلك؛ لأنه إنما أشار به إلى ما قدّمه على هذا الكلام من أنه إذا عطف بعض العدد على بعض المسألة.
قلت: وهذا وإن كان ظاهر كلام الرافعي خلافه إلّا أنه يدّعو إليه ضرورة تصحيح كلام الرافعي، ويمكن أن يقال: أشار به إلى الوجهين اللَّذين حكاهما من قبل فيما إذا قال: أنت طالق واحدة، بل ثلاثًا إن دخلت الدار:
أحدهما - وبه قال ابن الحَداد، وهو الأصح -: إنه يقع واحدة بقوله: أنت طالق، ويتعلق طَلْقَتَانِ بدخول الدار؛ ردًّا للشرط إلى ما يليه خاصة، وهو قوله: بل ثلاثًا.
стр. 1406
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والثاني: أن الثلاث تتعلّق بالدخول، لكن هذا إنما يتم لو كانت "بل" مثل الواو، وقد قدمنا ما في ذلك.
والأظهر: أنها ليست كـ"الواو"؛ فإنها للإضراب، فلذلك كان الأصحّ تخصيص الشرط بالأخيرة، بخلاف "الواو" المشركة، فليكن الأمر على ما ذكره الشَّيخ الإمام من أن الرافعي أشار إلى الخلاف في عطف العَدَدِ على العدد.
ثم قال الشَّيخ الإمام: وينبغي أن يكون الضَّابط في جَرَيَانِ الوجهين أن يكون الاستثناء لا يمكن عوده إلى كلّ منهما، فيجري الوجهان، هل يجمع بين المعطوفين ليصح العود إليهما أولا؟
فلو أمكن عود الاستثناء إليهما، وإلى كل منهما فهي مسألتنا هنا.
ومذهب الشَّافعي العود إلى الجميع.
والذي قاله ابن الصَّبَّاغ قياس المذهب؛ لأن المشيئة يصح عودها إلى كل منهما بخلاف: عليَّ درهم ودرهم إلا درهمان.
و"مسألة الوقف" لم يذكر الرافعي فيها خلافًا إلَّا ما حكاه عن الإمام من القَيْدَيْن، وليسا ولا واحد منهما في هذه الصورة التي قالها ابن الصَّبَّاغ، فمن أين يأتي فيه خلاف؟
قلت: ما ذكر من أنه ينبغي أن يكون ضابط الوجهين لو تَمَّ كان حسنًا، وتكون المسألة الأصولية في عود الاستثناء إلى الجمل السابقة التي لكلّ منها صلاحية عود الاستثناء إليها، ومسألة العدد في الاستثناء التي لا يمكن عوده إلى كل منها، وهذا لا يتم؛ فإن الشيخ الإمام إن أراد بقوله: "إن شرط مسألة العدد ألَّا يمكن عود الاستثناء إلى كل منهما" الكلي المجموعي، فلا شك في إمكان عود الاستثناء إليه حتى في قوله: عليّ درهم ودرهم إلا درهمًا؛ إذ هي بمنزلة: عليَّ درهمًا، وهو لم يرد هذا، ولا يعبر عن"الكلي المجموعي" بكل منهما.
وإن أراد إمكان العود إلى كلٍّ على حدته، فهو أيضًا ممكن أن يعود على الأول في قولنا: عليّ درهمان ودرهم إلَّا درهمًا بصحّة استثناء درهم من درهمين مع أن فيه خلاف العدد بعينه.
فإن قال الشيخ الإمام هنا: لا يمكن عوده إلى كُلٍّ منهما.
стр. 1407
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أما درهم؛ فللاستغراق، وأما درهمان؛ فلأنها سابقة على درهم لفظًا، فلو تَخَطَّاها الاستثناء لعاد إلى الأبعد دون الأقرب، وهو مذهب لم يقل به أحد.
قلنا أولًا: الاستثناء إذا صادف قبله معطوفات، فهو يعود إلى ما يناسبه منها، فإن لم يناسب إلا الأبعد اختص به كما ذكرناه في: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٤٩] وأمثاله، فلا علينا من عدم إمكان العود إلى الأخير؛ لقيام المانع فيه.
وأيضًا: فالخلاف جار فيمن قال: عليّ درهم ودرهمان جريانه في عكسه سواء؛ إذ لا فرق في مسألة العدد بين قولك: درهم ودرهم إِلّا درهمًا، ودرهم ودرهمان إِلَّا درهمًا، ودرهمان ودرهم إِلَّا درهمًا، وهذا يلفت على أصل، وهو إن قلنا في المسألة الأصولية بعود الاستثناء إلى جميع الجمل معناه العود إلى كلّ واحدة منها بمفردها، وسنحكى فيه خلافًا عن المَاوَرْدِيِّ.
ومن قال بأن معناه العَود إلى المجموع، وهو أولى بأن يجعله ممكن العود إليها حتى في قولك: درهم ودرهم إلّا درهمًا.
ثم قال الشيخ الإمام: وقول الرافعي: يوافق هذا البناء ما ذكره صاحب "التهذيب" إلى آخره، فليس ما قاله صاحب "التهذيب" مُسَلَّمًا له، والوَجْه الرجوع إلى حَفْصة وعمرة جميعًا؛ لأن هذه جملة واحدة تعدّد فيها المبتدأ بالعطف، وقوله: طالقان حكم واحد عليهما، والاستثناء منه، فلا وجه لعوده إلى الأخيرة.
ونظير مسألتنا أن يقول: طلقت حفصة وعمرة إن شاء الله، ومقتضى المذهب أنه لا يقع شيء؛ لأن المشيئة يمكن رجوعها لكل منهما، فإجراء الخلاف الذي ذكره صاحب "التهذيب" غير سديد.
والفرقُ بين الصورتين: أن قوله: طلقت حفصة وعمرة، وإن كان من عطف المفردات، فيحتمل أن يجعل من عطف الجمل، والمعنى على ذلك: فيمكن أن يقال على مذهب أبي حنيفة بالرجوع إلى الأخيرة وَحْدها، بخلاف قوله: حفصة وعمرة طالقان إن شاء الله؛ إذ هي جملة واحدة من كل واحدة، وليس شيء من نظائر ما يجري فيه الخلاف بيننا وبين الحنفية يشبهها، فلا خِلافَ فيها في مذهب الشافعي فَضْلًا عن أن يقال: إن الأصح العود إلى الأخيرة وحدها.
стр. 1408
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقد بان بهذا أن ما ادّعاه الرافعي من موافقة هذه الصورة للبناء المذكور ممنوع.
قلت: اعلم أن ما نقله الرافعي عن "التهذيب" وقع على وجه الغَلَطِ من الناسخين؛ فالذي في "التهذيب": أنه لو قال: حَفْصة وعمرة طالقان إن شاء الله، لا تطلق واحدة منهما.
ولو قال: حفصة طالق وعمرة طالق إن شاء الله، طلّقت حفصة، ولا تطلق عمرة؛ لأن الاستثناء يرجع إلى ما يليه.
وقيل: إليهما، والأول أصح. انتهى.
وقياس المذهب: العود إليهما، وقول الرافعي: وكذلك أورده الإمام. مراده أصل الخلاف لا البناء.
وعبارة الإمام: ولو قال: أنت طالق واحدة وثلاثًا - بـ "الواو" العاطفة - إن شاء الله ففي المسألة وجهان:
أحدهما: أن الاستثناء يرجع إلى الجميع، وإن عطفت فلا مزيد على الثلاث. فإذا تعلقت الثلاث بالمشيئة لم يقع شيء.
والوجه الثاني: أن الطلقة الأولى تقع، و"الواو" فاصلة -. انتهى.
ذكره قبيل باب "طلاق المريض".
وأما قول الشيخ الإمام: لا خلاف في مذهب الشافعي أن الاستثناء يعود إلى الجميع فقد ينازع فيه قولي الرّافعي في أول كتاب "الإيمان":
ولو قال: أنت طالق وعَبْدي حُرّ إن شاء الله، فيجيء خلاف في أنه يختصّ بالجملة الأخيرة، أو ينصرف إليهما جميعًا؟
قال النووي: الأصح التعميم، والله أعلم.
وبالجملة: مسألة العدد تحتاج أن يفرق بينها وبين المسألة الأصولية، ولا يظهر لى ما ذكره الشيخ الإمام فارقًا؛ لما عرفت.
ويمكن أن يفرق بوجه آخر، وهو أن مسألة العدد مخصوصة بما إذا ذكر معطوفين متماثلين، فإن عدوله عن ذكر اسم العدد فيهما إلى تَعْدَادهما قرينة أنه لم يرد بالاستثناء
стр. 1409
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بعدها إلَّا الأخير منهما مثل: طالق وطالق إن شاء الله، فمن يعتمد هذه القرينة، فيوقع طلقتين، ويدفع الثالثة؛ لأنها المعلّقة بالمشيئة، وهو الأصح.
ومن قال بالجَمْع فيجعل كأنه قال: طالق ثلاثًا إن شاء الله، فلا يقع شيء.
ومسألة الاستثناء [عقب] (١) الجمل مخصوصة بمعطوفين مختلفين حكمًا وموضوعًا، مثل: أنت طالق، وعبدي حرّ إن شاء الله، أو أنت طالق، ولك على ألف إن شاء الله، ولا يقال: إذا عاد في المُخْتلفتين فأولى في المُتَمَاثلين؛ لأنا نقول: المختلفتان لا ينتظمهما لفظ واحد، بخلاف المتماثلين، إذ ينتظم قولك: زيد وزيد وزيد الزيدون، بخلاف زيد وعمرو وبَكْر، فالعدول عن الزيدين قرينة إرادة اختصاص الأخيرة، ولولا أن الفَرْقَ واقع بين مسألة العدد، والمسألة الأصولية لناقض كلامهم في الطلاق ما قدموه في الوقف.
ونظيره قول الشيخ أبي إسحاق في "المهذب": وإن قال: أنت طالق طلقة وطلقة إلا طلقة، ففيه وجهان:
أحدهما: تطلق طلقة؛ لأن "الواو" في الاسمين المنفردين كالتثنية، فيصير كما لو قال: أنت طالق طلقتين إلا طلقة.
والثاني وهو المنصوص، أنها تطلق طلقتين؛ لأن الاستثناء يرجع إلى ما يليه، وهو الطلقة، واستثناء طلقة من طلقة باطل، فيسقط ويبقى الطلقتان. انتهى.
وهو صريح في أن المنصوص اختصاص الاستثناء بالأخيرة، وإنما أراد في عطف العدد، وإلَّا فهو قد صرح في مجموعاته الأصولية أن مذهب الشَّافعي عود الاستثناء إلى الجميع.
فإن قلت: ذلك في الجمل، وهذه مفردات.
قلت: المفردات أولى بالعود إلى الجميع كما عرفت.
"التنبيه الثالث"
قول [الشافعي] (٢): إن الاستثناء يعود إلى جميع الجمل السَّابقة معناه: العود إلى كل واحدة منها بمفردها.
стр. 1410
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقيل: تجمع الجمل كلها، ويخرج منها.
وهذا الخلاف حكاه المَاوَرْدِيِّ، فإنه قال في كتاب "الإقرار": لو قال: له عليّ ألف درهم ومائة دينار إلا خمسين، وأراد بالخمسين المستثناة جنسًا من الدراهم، أو الدنانير أو هُمَا، قُبِلَ منه.
فإن فات بيانه، فعند أبي حنيفة يعود إلى ما يليه.
وعندنا يعود إلى المالين المذكورين من الدراهم والدنانير، ثم هو على وجهين:
أحدهما: يعود إلى كل واحد منهما جمع الاستثناء، فيستثنى من ألف درهم خمسين، ومن مائة دينار خمسين.
والوجه الثاني: يعود إليهما نصفين، فيستثنى من الدراهم خمسة وعشرين، ومن الدنانير خمسة وعشرين.
"التنبيه الرابع"
مذهبنا أن التائب تزول عنه سِمَةُ الفِسْقِ، وتقبل شهادته.
وقال أبو حنيفة: تزول سِمَةُ الفسق، ولا تقبل شهادته، ثم منهم من خرَّج الخلاف على هذا الأصل.
ومن أصحابنا من قال على تقدير تسليم الاختصاص بالأخيرة: إن الأخيرة. هي عدم قبول الشَّهادة؛ فإنه المحكوم به.
وأما سِمَةُ الفسق فهي علة هذا الحكم.
والاستثناء إذا تعقب حكمًا وتعليلًا، فإما أن يرجع إلى الكل، أو إلى الحكم دون التعليل؛ لأنه المقصود، ولا سبيل إلى رجوعه إلى التعليل فقط.
وسلك أبو زيد الدبوسي من الحنفية مسلكًا آخر، فزعم أن ردّ الشهادة حد، وقال هو: عُقوبة مؤلمة مثل الجلد، فيكون في حكمه، ولا يسقط بالتوبة.
وهذا مسلك قد تقرر انحطاطه في الخلافيات.
стр. 1411
" مسألة:
الاِسْتِثْناءُ مِنَ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ، وَبالْعَكْسِ ؛ خِلافًا لأَبِي حَنِيفَةَ ﵀.
لَنَا: النَّقْلُ.
وَأَيْضًا: لَوْ لَمْ يَكُن، لَمْ يَكُنْ "لا إِلَه إِلَّا اللهُ" تَوْحِيدًا.
«مسألة»
الشرح: "الاستثناء من الإثبات نفي "وبالعكس" خلافًا لأبي حنيفة" (١) قيل: فيهما.
وقيل: في الثاني فقط.
"لنا: النقل" عن أئمة اللغة أنه كذلك، وهو العمدة في إثبات مدلولات الألفاظ.
"وأيضًا: لو لم يكن" الاستثناء من النفي إثباتًا "لم يكن" قولنا: "لا إله إلا الله (٢) توحيدًا".
وبيان الملازمة: أن التوحيد إنما يتم بإثبات الألوهية لله ونفيها عن غيره، والمفروض أنه لا يفيد الإثبات لها، وإنما يفيد النفي فقط، فلو تكلم به دَهْريٌّ ينكر وجود الصانع لما نافي عَقِيدَتَهُ.
стр. 1412
قَالُوا: لَوْ كَانَ، لَلَزِمَ مِنْ: "لا عِلْمَ إِلَّا بِحَيَاة"، وَ"لا صَلاةَ إِلَّا بِطُهُورٍ" - ثُبُوتُ العِلْمِ وَالصَّلاةِ بِمُجَرَّدِهِمَا.
قُلْنَا: لَيْسَ مُخْرَجًا مِنَ الْعِلْمِ وَالصَّلاةِ، فَإِنِ اخْتَارَ تَقْدِيرَ: "إِلَّا صَلاةً بِطُهُورٍ" - اطَّرَدَ، وَإنِ اخْتَارَ: "لا صَلاةَ تَثْبُتُ بِوَجْهٍ إِلَّا بِذَلِكَ" - فَلا يَلْزَمُ مِنَ الشَّرْطِ الْمَشْرُوط، وَإنَّمَا الإِشْكَالُ في الْمَنْفي الْأَعَمِّ فِي مِثْلِهِ وَفِي مِثْلِ: "مَا زَيْدٌ إِلَّا قَائِمٌ"؛ إِذْ لا يَسْتقِيمُ نَفْيُ جَمِيعِ الصِّفَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ.
الشرح: "قالوا: لو كان" الاستثناء من النفي إثباتًا "للزم" "من" قولنا: "لا علم إِلَّا بحياة، ولا صلاة إلا بطهور - ثبوت العلم والصَّلاة بمجردها" أي: بمجرد ثبوت الحياة والطهور، كاستلزام قولنا: لا عالم إلا زيد ثبوت العلم لزيد.
"قلنا: ليس" واحد من الحياة والطهور "مخرجًا من العلم والصلاة" حتى يلزم
ثبوتهما، وذلك أنا لم نَقُلْ: لا صلاة إلا الطّهور، ولا علم إلا الحَيَاة، بل قلنا بحياة وبطهور، فلا بدّ من تقدير متعلّق هو المستثنى بالحقيقة، وهو إما صلاة بطهور أو: لا صلاة تثبت بوجه إلا بطهور.
والحاصل: أن المذكور بعد "إلّا" ليس داخلًا في المستثنى منه، فإما أن يكون منقطعًا، وسيقول المصنف: إنه بعيد.
وإما أن يقدر فيه ما يصير به متصلًا، وهو الواجب في كل استثناء؛ إذ الانقطاع لا يُصَار إليه حتى يفقد سبيل الانقياد، وإذا قدر ما يصير به متّصلًا.
فإما أن يقرر في المستثنى أو المستثنى منه، "فإن اختار" الخصم "تقدير" شيء في المستثنى، وقال: التقدير: "إلّا صلاة بطهور اطّرد" قولنا: إن الاستثناء من النفي إثبات، ولا ينهض ما ذكر نقضًا. "وإن اختار" التقدير في المستثنى منه، فقال: التقدير "لا صلاة تثبت بوجه إلا بذلك، فلا يلزم" ما ذكر من النقض أيضًا؛ لأن معناه على ما اختاره: أن الطهور شرط في الصلاة.
ومعلوم أنه لا يلزم "من" حصول "الشَّرط المشروط"، وهذا لا إشكال فيه، "وإنما الإشكال" في إرادة "النفي الأعم" الذي يقتضيه الاستثناء المفرغ "في مثله" أي: في مثل: لا صلاة إلا بطَهُور.
стр. 1413
وَأُجِيبَ بِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْغَرَضَ الْمُبَالَغَةُ بِذَلِكَ.
وَالآخَرُ: أنَّهُ آكَدُهَا، والْقَوْلُ بِأَنَّهُ مُنْقَطِعٌ بَعِيدٌ، لأَنَّهُ مُفَرَّغٌ، وَكُلُّ مُفَرَّغٍ مُتَّصِلٌ؛ لأَنَّهُ مِنْ تَمَامِهِ".
فإن تقديره: أن الصلاة لا صفة لها من الصفات المعتبرة إلا الطهور، فلو كان الاستثناء من النفي إثباتًا، لزم من حصول الطهارة فقط حصول الصلاة.
"وفي مثل" قولك: "ما زيدٌ إلا قائم"؛ فإن تقديره أن زيدًا لزم من حصول قيام زيد حصول جميع صفات زيد في كونه زيدًا، وهذا موضع الإشكال؛ "إذ لا يستقيم نفي جميع الصِّفات المعتبرة"؛ لوقوع إجماع أكثر الأوصاف، كما أنْ الصَّلاة عند عدم الطَّهارة يجوز اجتماع السّتر والاستقبال وغيرهما من الأوصاف المعتبرة فيها، وكذلك زيد عند انتفاء القيام؛ فإنه إنسان، وحيّ، وموجود، وغير ذلك.
واعلم أن المصنف أراد بقوله في مثله مثل: لا صلاة إلا بطهور فقط، ولم يرد مثل: لا علم إلا بِحَيَاةٍ، ولذلك أخذ بعد أن مثل باللفظين يتحدّث في: لا صلاة إلا بطهور فقط حيث قال: فإن اختار تقدير: لا صلاة إلى آخره.
والسّر فيه أن هذا الإشكال لا يرد على قولنا: لا علم إلا بحياة؛ لوجوب انتفاء جميع الصفات المعتبرة في العلم عند انتفاء الحياة، ولذلك جعلنا الضَّمير في مثله عائدًا إلى أحد المثالين، وهو: لا صلاة إلا بطهور، وفيه كان حديث المصنف كما عرفت.
الشرح: "وأجيب" عن هذا الإشكال "بأمرين":
"أحدهما: أن الغرض" من إدْخَالِ حرف النفي في مثل: لا صَلاة إلا بطهور، وما زيد إلا قائم "المبالغة بذلك" دون حقيقة نفي الصفات.
"والآخر: أنه" أي أن ذلك الوصف "آكَدُهَا" أي آكَدُ الصفات المعتبرة، وأجدرها بالاعتناء.
وهذا البحث كلّه على تقدير رَدِّ هذا الاستثناء إلى الاتِّصال، وهو القريب، "والقول بأنه منقطع بعيد؛ لأنه" استثناء "مفرغ متّصل؛ لأنه" بالنسبة إلى الأول "من تمامه"، ولذلك لا يجيز النَّحوي نصبه، ولا يقدر الأصولي فيه إلَّا بقدر الضرورة، ولا كذلك المنقطع.
стр. 1414
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"فوائد"
الأولى: "لا صلاة إلا بطهور" يذكره الأصوليون على أنه حديث، وهو لا يُعْرَف، فلو أبدل بما صَحّ وثبت من قوله ﷺ :"لا صَلاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ" كان جيدًا.
الثانية: اتفق الكُلّ على إثبات مقتضى ما قبل الاستثناء بعده، وإنما الخلاف في أَنَّا هل نثبت نقيض المحكوم به، أو نقيض الحكم؟ فنحن نقول بالأول، والحنفية بالثاني.
فإذا قلت: قدم القوم إلا زيدًا، فقد اتفقوا على أن"إلا" مخرجة، وأن زيدًا خارج، وما قبل "إلا" مخرج منه، غير أنه قد تقدم قبل "إلا" القيام والحكم به.
والقاعدة أن من خرج من نقيضٍ دخل في النقيض الآخر، فمن خرج من العدم دخل في الوجود وبالعكس.
وقال علماؤنا: زيد مخرج من القيام.
وقالت الحنفية: بل من الحكم به.
فعندنا: لما خرج من القيام دخل في عدمه، وهو غير قائم.
وعندهم: خرج من الحكم، فدخل في عدم الحكم، وهو غير محكوم عليه (١).
الثالثة: قال القرافي في قولهم: "الاستثناء من النفي إثبات" ليس على الإطلاق؛ لأن الاستثناء يقع من الأحكام نحو: ما قام القوم إلا زيدًا.
ومن الموانع نحو: "لا تسقط الصلاة عن المرأة إلا بالحَيْضِ".
ومن الشروط نحو: "لا صلاة بغير طُهُور"، فالاستثناء من الشرط مستثنى، فإنه لا يلزم من القضاء بالنَّفي لأجل عدم الشُّرْط القضاء بالوجود لأجل وجود الشرط؛ لأن الشَّرْط لا يلزم من وجوده، الوجود وبإخراج الشُّروط عن محل النزاع يحصل الجواب عن شُبْهَةِ الحنفية؛ فإن النصوص التي ألزمونا إياها أجمع من باب الشروط.
"فروع"
قال: ليس له عليَّ عشرة إلا خمسة، لم يلزمه شيء عند الأكثرين.
стр. 1415
(التَّخْصِيصُ بِالشَّرْطِ):
الْغَزَّالِيُّ: الشَّرْطُ مَا لا يُوجَدُ الْمَشْرُوطُ دُونَه، وَلا يَلْزَمُ أَنْ يُوجَدَ عِنْدَهُ.
وَأُورِدَ: أَنَّهُ دَوْرٌ، وَعَلَى طَرْدِهِ جُزْءُ السَّبَبِ.
وَقِيلَ: مَا يَتَوَقَّفُ تَأْثِيرُ الْمُؤَثِّرِ عَلَيْهِ.
وَأُورِدَ عَلَى عَكْسِهِ: الْحَيَاةُ فِي الْعِلْمِ الْقَدِيمِ.
وَالْأُوْلَى: مَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيُهُ نَفْيَ أَمْرٍ؛ عَلَى غَيْرِ جِهَةِ السَّبَبِيَّةِ.
وفي وجه: يلزمه خمسة؛ لأن الاسثناء من النفي إثبات، والأول أصح؛ لأن مجموع عشرة إلَّا خمسة في جانب الإثبات معناه خمسة، فإذا تسلّط عليه النفي كان المعنى ليس له عليَّ المفهوم من قول القائل: عشرة إلَّا خمسة، وهو خمسة، وبهذا لا يلزمه شيء، فافهم ذلك.
لو قال: لا أجامعك سَنَة إلا مرّة، فمضت سنة ولم يطأها، ففي وجه: تلزمه الكَفَّارة؛ لاقتضاء اللفظ الوطء، قال النووي: والأصح: لا.
الشرح: ومن المخصّصات المتّصلة: "التخصيص بالشرط" (١).
قال "الغزالي":"الشرط": "ما لا يوجد المشروط دونه، ولا يلزم أن يوجد عنده، وأورد: أنه دور"؛ لأن المشروط مشتقّ من الشرط، فيتوقّف تعقله على تعلقه، "وعلى طرده جزء السبب"؛ إذ لا يوجد المسبب دونه، ولا يلزم أن يوجد عنده مع أنه ليس بشرط.
قال القاضي عضد الدين (٢): وقد يجاب عن الأول: أن ذلك بمثابة قولنا: شرط
стр. 1416
وَهُوَ عَقْلِيٌّ؛ كَالْحَيَاةِ لِلْعِلْمِ، وَشَرْعِيٌّ؛ كَالطَّهَارَةِ، وَلُغَوِيٌّ؛ مِثْلُ: "أَنْتِ طَالِقٌ، إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ"، وَهُوَ فِي السَّبَبِيَّةِ أَغْلَبُ، وَإِنَّمَا اسْتُعْمِلَ فِي الشَّرْطِ الَّذِي لَمْ يَبْقَ لِلْمُسَبَّبِ سِوَاهُ؛ فَلِذَلِكَ يَخْرُجُ بِهِ مَا لَوْلاهُ لَدَخَلَ لُغَةً؛ مِثْلُ: "أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ، إِنْ دَخَلُوا فَيَقْصُرُهُ الشَّرْطُ عَلَى الدَّاخِلِينَ، وَقَدْ يَتَّحِدُ الشَّرْطُ وَيَتَعَدَّدُ؛ عَلَى الجَمْع، وَعَلَى الْبَدَلِ، فَهَذِهِ ثَلاثَةٌ كُلٌّ مِنْهَا مَعَ الْجَزَاءَ كَذَلِكَ؛ فَتَكُونُ تِسْعَةً.
الشيء ما لا يوجد ذلك الشيء بدونه، وظاهر أن تصور حقيقة المشروط غير محتاج إليه في تعقل ذلك.
وعن الثاني: أن جزء السَّبب قد يوجد المسبب دونه إذا وجد سبب آخر.
"وقيل": الشرط "ما يقف تأثير المؤثر عليه" (١) كالقَدُوم بالنسبة إلى النَّجَّار، ويفهم منه أنه لا تقف ذات المؤثر عليه، فيخرج جزء السبب.
"وأورد على عكسه: الحياة" لواجب الوجود؛ فإنها شرط "في العلم القديم"، مع أنه لا تأثير في العلم القديم في الأزل؛ إذ المحوج إليه الحدوث، فقد صدق الشرط مع عدم صدق التعريف عليه.
"والأولى" في التعريف أن يقال: "ما يستلزم نفيه نفي أمر على غير جهة السببية" بألَّا يكون سببًا تامًّا، ولا جُزْءًا منه.
ولقائل أن يقول: معرفة الشرط حينئذٍ تتوفف على معرفة السَّبب، وهو مثله في الخفاء.
والمختار ما ذكره القَرَافِيّ آخرًا، وهو أن الشرط ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته.
قال: فالقيد الأول: احتراز من المانع؛ فإنه لا يلزم من عدمه شيء.
والثاني: من السبب؛ فإنه يلزم من وجوده الوجود.
والثالث: من مقارنة الشرط ووجود السبب، فيلزم كالحَولِ مع النِّصَابِ، أو فيلزم المانع، فيلزم العدم، ولكن ذلك ليس لذاته، بال لوجود السبب والمانع.
الشرح: "وهو" أي: الشَّرْط ثلاثة أقسام:
стр. 1417
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"عقلي، كالحياة للعلم، وشَرْعِيّ، كالطَّهارة، ولغوي" وأدواته كثيرة منها: "إنْ"، وهي أم الباب "مثل: أنت طالق إِنْ دخلت الدار" "وهو "أي: الشرط اللغوي "في السببية أغلب"، يستلزم وأكثر استعمالًا. لا يقال: إن دخلت الدار فأنت طالق، والمراد أن الدخول سبب الطلاق يستلزم وجوده لا مجرّد كون عدمه مستلزمًا لعدمه من غير سبب.
"وإنما استعمل" السبب "في الشرط الذي لم يبق للمسبب سواه" من حيث إنه يستتبع الوجود مثل: أنت طالق إِنْ دخلت؛ فإنه يفهم أنه لم يبق من أسباب الطلاق إلَّا الدخول، [فكذلك] الذي قلناه من أن الغالب على استعمال الشَّرط في شرط لم يبق للمسبب [سواه] (١) "يخرج" من الكلام "به" أي بواسطة الشَّرط "ما لولاه لدخل" في ذلك الكلام "لغة" مثل: "أكرم بني تميم إن دخلوا" فلولا الشَّرْط لدخل كل واحد من بني تميم في الإكرام، "فيقصره الشرط لغة على الدَّاخلين"، وكذلك أيضًا قبل الشروط اللُّغوية أسباب؛ إذ صار يلزم من وجودها الوجود، ومن عدمها العَدَم، وهذا حقيقة السبب.
"وقد يتحد الشرط، و" قد "يتعدّد" إما "على الجَمْع، و" إما "على البدل، فهذه" أقسام "ثلاثة" بالنَّظر إلى الشرط "كلّ منها مع الجزاء كذلك" بأن يتّحد الجزاء تارة ويتعدّد [أخرى] (٢)، ثم تعدده إما على الجميع، أو على البدل أيضًا؛ "فتكون" الأقسام عند التركيب "تسعة" حاصلة من ضرب ثلاثة في ثلاثة، وأحكامها واضحة.
فإنك إذا رتبت جزاء على شرطين على الجمع لم يحصل إِلَّا عند حصولهما، وعلى البدل يكفي أحدهما، وكذا الجزاءان، وهي وَحْدَتهما، [وتعدّدهما جمعًا، وتعددهما بدلًا] (٣).
ووحدة الشرط مع تعدّد الجزاء جمعًا وبَدَلًا.
وتعدّد الشرط على الجمع مع وحدة الجزاء، وعلى البَدَل.
стр. 1418
وَ الْشَّرْطُ كالاِسْتِثْنَاءِ فِي الاِتِّصَالِ وَفِي تَعَقُّبِهِ الْجُمَلَ.
وَعَنِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁: لِلْجَمِيعِ؛ فَفَرَقَ.
وَقَوْلُهُمْ فِي مِثْلِ: "أُكْرِمُكَ، إن دَخَلْتَ الدَّارَ": مَا تَقَدَّمَ خَبَرٌ، وَالْجَزاءُ مَحْذُوفٌ؛ مُرَاعَاةً لِتقَدُّمِهِ؛ كَالاِسْتِفْهَامِ وَالْقَسَمِ، فَإِنْ عَنَوْا: "لَيْسَ بِجَزَاءٍ فِي اللَّفْظِ"، فَمُسَلَّمٌ، وَإِنْ عَنَوْا: "وَلا فِي الْمَعْنَى"، فَعِنَادٌ.
وَالْحَقُّ: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ جُمْلَةً، رُوعِيَتِ الشَّائِبَتَانِ.
وتعدد الشرط على الجمع مع تعدّد الجزاء على البدله.
وتعدد الشرط على البدل مع تعدّد الجزاء على الجمع.
"فرع"
[لو] (١) قال لامرأتيه: إن حضتما فأنتما طالقان لم تطلق واحدة منهما حتى يحيضا، وإن قال: إن دخلتما هذين الدَّارين فدخلت كل واحدة إحدى الدَّارين لم تطلقا على الأصح، أو: أكلتما هذين الرغيفين، فأكلت كل واحدة منهما رغيفًا طلقتا على الأصح؛ لعدم إمكان أكل (٢) كل واحدة الرغيفين.
الشرح: "والشرط كالاستثناء في" حكم الاتصال، وفي تعقبه الجمل" هل هو للكل أو الأخيرة أو الوقف؟
"وعن أبي حنيفة: للجميع" له، "ففرق" بين الاستثناء والشرط؛ معتلًّا بأن الشرط له صدر الكلام، وهو مقدم تقديرًا، وذلك ضعيف؛ فإنه إنما يتقدم على ما يرجع إليه فقط.
وأما النحاة "وقولهم في مثل: أكرمك إن دخلت الدار" بِناءً على أن الشرط له صدر الكلام أن "ما تقدم" يعني: أكرمك "خبر" مبتدؤه: محذوف تقديره: أنا أكرمك، "والجزاء محذوف مراعاة لتقدمه كالاستفهام والقسم"؛ لأن الشرط متقدّم على المشروط، وأكرمك متقدم على: إن دخلت، فلا يكون جزاء له.
"فإن عنوا" بقولهم هذا أنه "ليس بجزاء في اللفظ، فمسلم" حق، ولذلك لم يجزم.
стр. 1419
(التَّخْصِيصُ بِالْصِّفَةِ) مِثْلُ: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ الطِّوَالَ، وَهِيَ كالاِسْتِثْنَاء فِي العَوْدِ عَلَى مُتَعَدِّدٍ.
(التَّخْصِيصُ بِالْغَايَةِ) مِثْلُ: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ إِلَى أَنْ يَدْخُلُوا فَتَقْصُرُهُ عَلَى [غَيْرِ] الدَّاخِلِينَ كَالصِّفَةِ. وَقَدْ تَكُونُ هِيَ وَالْمُقَيَّدُ بِهَا مُتَّحِدَيْنِ وَمُتَعَدِّدَيْنِ؛ كَالشَّرْطِ، وَهِيَ كالاِسْتِثْنَاء فِي الْعَوْدِ عَلَى الْمُتَعَدِّدِ.
"وإن عنوا" لا في اللفظ، "ولا في المعنى، فعناد"؛ إذ يعلم قطعًا أنه لا يدلُّ إلا على إكرام مقيد بقيد دخول الدار، ولذلك لو لم يدخل، ولم يكرم لم يعد مخلفًا وعده.
"والحق: أنه لما كان" المتقدّم "جملة" خبرية مستقلّة لفظًا ومعنى، "روعيت الشَّائبتان"، وهما شَائِبَةُ اللفظ، فحكم بكونه خبرًا، والجزاء محذوف يدلّ الخبر عليه، وشائبة المعنى، فحكم بأنه جزاؤه.
الشرح: ومن المخصّصات المتّصلة "التخصيص بالصّفة (١) مثل: أكرم بني تميم الطوال"، فإن الصفة تقتضي قصر الإكرام على المتّصف، ولولاها لعم كلّ بني تميم طويلهم وقصيرهم، "وهي كالاستثناء في [العود] (٢) على متعدّد"، هل يعود إلى الكلّ أو تختص بالأخيرة كما مضى؟
واعلم أن الصِّفة المتقدمة كالمتأخرة في عود الخلاف، والأصحّ عندنا عودها على الجميع، ومثالها لو قال: وقفت على محتاجي أولادي وأولادهم، فيشترط الحاجة في أولاد الأولاد.
стр. 1420
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأما المتوسط مثل: أولادي المحتاجين وأولادهم، فلا نعرف فيها نقلًا، ويظهر اختصاصها بما وليته، ويدلُّ له ما نقل الرَّافعي والنووي في أوائل "الأيمان" عن ابن كج، وسكتا عليه: أنه لو قال: عبدي حرّ إن شاء الله، وامرأتي طالق، ونوى صرف الاستثناء إليها صح؛ فإن مفهومه أنه إذا لم يَنْوِ لا يحمل الاستثناء عليهما، وإذا كان هذا في الشرط الذي له صدر الكلام.
وقال بعوده إلى الجميع بعض من لا يقول بعود الاستثناء والصفة إلى الجميع، [فلأن] (١) يكون في الصفة بطريق أولى، وحكم الاستثناء حكم الصفة، وكذلك الشرط، [بل] (٢) أولى.
ومنها "الغاية" (٣)، وحكم ما بعدها خِلافُ ما قبلها، وصيغتها: "إلى" و"حتى" "مثل: أكرم بني تميم إلى أن يدخلوا، فيقصره على الداخلين"، كذا بخط المصنف، وفي النسخ: على غير الداخلين، وهو إصلاح جيد أي: فيقصر الكلام على من لم يدخل.
ثم من لم يدخل قسمان:
قسم لم يدخل أصلًا، وقسم دخلوا بعد أن لم يكونوا دخلوا.
فالأولون مكرمون دائمًا، والآخرون مكرمون قبل الدخول.
وأما نسخة المصنف، فلا وجه لها، وكأنه سقط لفظة "غير" منها "كالصفة" حيث يقصر الحكم على الموصوف بها، "وقد تكون" الغاية "هي والمقيد بها متّحدين" كما ذكرناه، "ومتعددين" إما على الجمع، أو على البدل فيهما، أو في أحدهما، فتكون الأقسام تسعة "كالشرط، وهي كالاستثناء في العود على المتعدد" هذا ما أطلقه الأصوليون.
وإطلاقهم أن الغاية مخصّصة محمول على غاية تقدمها عموم يشملها لو لم يؤت بها مثل قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [سورة التوبة: الآية ٢٩]؛ فإنه لولا هذه الغاية لشمل قتال المشركين حالتي إعْطَاء الجزية وعدمها، ولا يأتي ذلك في مثل قوله ﷺ : "رُمعَ القَلَمُ
стр. 1421
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتيقِظَ، وَعَن المَجْنُونِ حَتَّى [يفِيقَ (١)] (٢)؛ لأن حالة البلوغ، والإفاقة، والاستيقاظ: خارجة عن الصَّبِيِّ، والمجنون، والنائم، ولو لم تذكر الغايات (٣) المذكورة لم يشملها، وإنما يقصد بالغايات في مثل هذا تأكيد العموم السَّابق، فإذن الغاية ترد لتأكيد العموم كما ترد لتخصيص العموم.
نبه عليه أبى - قَدّس الله روحه - قال: ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [سورة القدر: الآية ٥]، فطلوعه وزمن طلوعه لَيْسَا من الليل حتى يشملهما قوله: ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾ قال:
وربما قصد بها ارتفاع ذلك الحكم عند الغاية؛ فإنه لو اقتصر على قوله: "رفع القلم عن الصبي" شمل حالة الصِّبَا، ولم يتعرض لحالة البلوغ؛ بنفي ولا إثبات، فلما قال: "حتى يبلغ" فُهِمَ إثبات التكليف قب حالة البلوغ عند القائلين بالمفهوم.
قلت: وقد يقال: إنَّ المفهوم ثابت في لفظ "الصبي"؛ فإنه مشعر بأن العلة الصبا، ولكن تأتي الغاية لتأكيد هذا الفَهْم، واجتماعُ مفهومين حسن.
وقال في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٧]: أنه يحتمل أن يكون مثل قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [سورة النوبة: الآية ٢٩]؛ فإن الصيام لعله يشمل الليل والنهار، فخص هذا العموم بقوله: ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾، والظاهر أنه مثل قوله: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾؛ فإن الصيام شرعًا لا يكون إلّا نهارًا.
وأيضًا عموم قوله: ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ﴾ إنما هو في أفراد الصيام، أي: أتموا كلّ صيام، ولا تعرض فيه للوقت.
"فائدتان"
الأولى: الغايات ثلاث:
إحداها: غاية تقدمها عموم يشملها لو لم يُؤت بها، وهي التي تخصص.
стр. 1422
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والثانية: غاية لو سكت عنها لم يدلّ اللفظ عليها نحو قوله: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْر﴾ و ﴿رُفِعَ القَلَمُ﴾، وهذه خارجة قطعًا.
والثالث: ما يكون اللّفظ الأول شاملًا لها، وتجري هي مجْرَى التأكيد مثل قولنا: قطعت أصابعه كلها [من الخِنْصَر إلى الإبْهَام؛ فإنه لو اقتصر على قوله: قطعت أصابعه كلّها] (١) [الأفاد] (٢) الاستغراق، وهي داخلة قطعًا، والمقصود فيها إنما هو تحقيق العموم لا تخصيصه، وكذا: بعتك الأشجار من هذه الشجرة إلى هذه الشجرة.
وإنما اختلف الأصْحاب فيما إذا قال: بعتك من هذه النَّخْلة إلى هذه النخلة، هل يدخل الابتداء أو الانتهاء، أو لا يدخل واحد منهما؛ لأنه لم يتقدم لفظ صريح في الدخول؟.
ونظيره: عليَّ مِنْ درهم إلى عشرة، أو: ضمنت مالك على فلان من درهم إلى عشرة قيل: يلزمه عشرة، وهو الصحيح عند البَغَوِيّ، وأبي ﵀.
وقيل: تسعة، وصحّحه العراقيون، والغزالي، والنووي.
وقيل: ثمانية.
الثانية: من شرط المُغَيَّا أن يثبت قبل الغاية، ويتكرر حتى يصل إليها كقولك: سرت من "البصرة" إلى "الكوفة"، فإن السير الذي هو المُغَيَّا ثابت قبل "الكوفة"، ومتكرر في طريقها، وعلى هذا يمتنع أن يكون قوله: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [سورة المائدة: الآية ٦] غاية لغسل اليد؛ لأن غسل اليد إنما يحصل بعد الوصول إلى الإِبطِ، فليس ثابتًا قبل المِرْفَقِ الذي هو الغاية، فلا تنتظم غاية له.
نعم: لو قيل: اغسلوا إلى المرافق ولم يقل: أيديكم انتظم؛ لأن مطلق الغسل ثابت [ومتكرر] (٣).
قال بعض الحنفية: فنعيّن أن يكون المُغَيَّا غير الغسل، أو يكون التقدير: اتركوا من آباطِكُمْ إلى المرافق، فيكون مطلق الترك بيانًا قبل المرفق ومتكررًا إليه، ويكون الغسل بعينه
стр. 1423
التَّخْصِيصُ بِالْمُنْفَصِلِ
مَسْألَةٌ:
يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بالْعَقْلِ.
لَنَا: ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة الزمر: الآية ٦٢]. وَأَيْضًا: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٩٧]؛ فِي خُرُوجِ الْأطْفَالِ بِالْعَقْلِ.
لم يُغى، وهنا يتعارض المجاز والإضمار؛ فإن لنا أن نتجوّز بلفظ اليد إلى جزئها حتى يثبت المُغَيَّا قبل الغاية ولا يضمر، ولنا أن نضمر كما قال هذا الحنفي.
ومن هذا قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ﴾؛ فإنه يقتضي ثبوت الصِّيَام بوصف التمام، وقبل غروب الشَّمس، وتكرره إلى الغروب، وليس كذلك، فيشكل كون الليل غاية للصوم.
قال القرافي: وأجاب الشَّيخ عز الدين بن عبد السَّلام عن هذا السؤال بأن المراد: أتموا كلّ جزء من أجزاء الصوم بسننه وفرائضه، وكرروا ذلك إلى الليل، والكمال في الصوم قد يحصل في جزء من أجزاء اللَّيْل دون جزء من جِهَةِ اجتناب الكذب، والغيبة، والنميمة، وغير ذلك مما يأباه الصوم، فَأُمِرْنَا بتكرير هذا إلى الغروب. وقد انتهى الكلام على التخصيص بالمتصل، وهذا:
«مسألة»
الشرح: "يجوز التخصيص بالعقل" ضروريًّا كان أو نظريًّا.
وقال قوم: لا يجوز (١).
стр. 1424
قَالُوا: لَوْ كَانَ تَخْصِيصًا، لَصَحَّتِ الإِرَادَةُ لُغَةً.
قُلْنَا: التَّخْصِيصُ لِلْمُفْرَدِ، وَمَا نُسِبَ إِلَيْهِ: مَانِعٌ هُنَا، وَهُوَ مَعْنَى التَّخْصِيصِ.
قَالُوا: لَوْ كَانَ مُخَصِّصًا، لَكَانَ مُتَأخِّرًا؛ لأِنَّهُ بَيَانٌ.
قُلْنَا: لَكَانَ مُتَأَخِّرًا بيَانُهُ لا ذَاتُهُ.
قَالُوا: لَوْ جَازَ بِهِ، لَجَازَ النَّسْخُ.
قُلْنَا: النَّسْخُ عَلَى التَّفْسِيرَيْنِ مَحْجُوبٌ عَنْ نَظَرِ الْعَقْلِ.
قَالُوا: تَعَارَضَا.
قُلْنَا: فَيَجِبُ تَأْوِيلُ المُحْتَمِلِ.
"لنا": في الضروري قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة الزمر: الآية ٦٢]؛ فإنا نعلم بالضرورة أنه ليس خالقًا لنفسه.
"وأيضًا": لنا في النظري قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٩٧]؛ "في خروج الأطفال بالعقل".
ولقائل أن يقول على الأول: إنما يتأتى إذا قلنا بدخول المُخَاطِب في خطابه، وبإطلاق لفظ "شيء" على الباري تعالى.
وعلى الثاني: الطفل إذا كان لا يستطيع فهو خارج بقوله: ﴿مَنِ استَطَاعَ إِليهِ سَبِيلًا﴾، وإلا فلا نسلم أن العقل يخرجه.
واعلم أن الخلاف في المسألة لفظي؛ فإن أحدًا لا ينازع في أن ما يسمى مخصّصًا بالعقل خارج، وإنما النزاع في أن اللفظ هل شمله؟
فمن لا يسمى العقل مخضصًا يدعى أن اللفظ لم يشمل ذلك، وهذا هو ظاهر نصّ الشافعي كما نبّهنا عليه في "شرح المنهاج".
الشرح: والذين وافقوه على ذلك "قالوا" أولًا: "لو كان" مثل ذلك "تخصيصًا"، لكان اللفظ صالحًا له، ولو صلح له "لصحّت الإرادة" إرادة ما قضى العقل بإخراجه من العام "لغة" وهو باطل" لأنا نعلم أن المتكلّم لا يريد ما يخالف صريح العقل.
"قلنا: التخصيص" إنما وقع في "المفرد" أعني: لفظة "كل شيء"، ولفظة "الناس" بالنظر إلى كونه مفردًا "وإنما نسب إليه" مما لا يجوز بالعَقْل نسبته إلى كل أفراده كالخالقية في: ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ووجوب الحج في ﴿وللهِ عَلَى النَّاسِ حجُّ البَيْتِ﴾ "مانع هنا"
стр. 1425
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
من إرادة الجميع من اللَّفظ الصالح له قبل النسبة، "وهو معنى التخصيص".
"قالوا" ثانيًا: "لو كان" العقل يسمى "مخصصًا" للعام "لكان متأخرًا" عنه؛ "لأنه بيان"، والبيان متأخر عن المبين.
"قلنا": العقلي له ذات، وله صفة، وهي كونه بيانًا.
فإن أردتم بالمتأخر في قولكم: لو كان مخصّصا "لكان متأخرًا" بذاته، فلا يلزم، وإن أردتم بيانه، فلا يمتنع، فالمتأخر "بيانه لا ذاته".
"قالوا" ثالثًا: "لو جاز" التخصيص "به لجاز النسخ" به بجامع أن كلًّا منهما بيان.
"قلنا" أولًا نسلم: انتفاء اللازم، فقد قال الإمام الرازي:
يجوز النسخ به، ولكنه احتج بأن من سقط رِجْلاه نسخ عنه غسلهما.
وهو مدخول؛ فإن الوجوب زائل ثَمَّ؛ لعدم القدرة.
هذا وقد صرح في "باب النَّسْخ" بأنه لا بد أن يكون بطريق شرعي.
فالتحقيق أن يقول: "النسخ على التفسرين" اللذين فسّر بهما هما بيان مدة الحكم، أو رفعه "محجوب عن نظر العقل"؛ إذ لا اطِّلاع له على انتهاء مدة الحكم، حتى يبين ذلك، ولا له حكم فيرفعه.
"قالوا" رابعًا: إن الدليل العقلي والنقلي "تعارضا"، فليس كون العقل مخصصًا أولى من جريان دليل النَّقْل على قضيته.
"قلنا": إذا تعارضا، "فيجب تأويل المحتمل" منهما للتأويل، وهو النقلي؛ لاستحالة إبطال قواطع العقول.
"فائدة"
ادّعى الشيخ أبو حامد الإجماع على أن العَقل يخصّص، وهو محمول على أن ما [يسمى] (١) مخصصًا خارج، ولا خلاف في المعنى لا على أنه يسمى، فإن الخلاف فيه مشهور، والشافعي ممن لا يسميه كما عرفناك.
стр. 1426
مَسْأَلَةٌ:
يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ.
أَبُو حَنِيفَةَ وَالْقَاضِي وَالْإِمَامُ ﵏: إِنْ كَانَ الْخَاصُّ مُتَأَخِّرًا؛ وَإِلَّا فَالْعَامُّ نَاسِخٌ، فَإِنْ جُهِلَ تَسَاقَطَا.
«مسألة»
الشرح: "يجوز تخصيص الكتاب بالكتاب" خلافًا لشذوذ (١).
وقال "أبو حنيفة، والقاضي، والإمام": في كل عمام، سواء أكان من الكتاب أم من غيره "إن كان الخاص متأخرًا" خصص العام كتابًا كان أو غيره، "وإلّا فالعام ناسخ" للخاص.
"وإن جهل" التاريخ "تساقطا"، وربما. قيل: يوقف، والتساقط والتوقف مُتَقَاربان، ويرجع إلى دليل آخر.
وذهب الحسن بن عيسى بن العارض المعتزلي صاحب كتاب "النكت" إلى الوقف عند تعارض العام والخاص.
واعلم أن المصنّف تكلّم في هذه المسألة في شيئين:
أحدهما: مسألة تخصيص الكتاب بالكتاب، ولم يصرح فيها بذكر المخالف، وقد ذكرنا أنهم شذوذ.
والثاني: المسألة الملقّبة عند الأصوليين بـ "بناء العام على الخاصّ"، والخلاف فيها مع أبي حنيفة ومن وافقه، كما عرفت.
стр. 1427
لنَا: أَنَّ ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ﴾ [سورة الطلاق: الآية ٤]- مُخَصِّصٌ لِقَوْلهِ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٣٤]، وَكَذَلِكَ ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ﴾ [سورة المائدة: الآية ٥]- مُخَصِّصٌ لِقَوْلهِ: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٢١].
وبين المسألتين عموم وخصوص من وجه؛ فإن من منع تخصيص الكتاب بالكتاب فقد منعه، سواء أكان المخصّص متقدمًا أم متأخرًا.
ومن قال: العام المتأخر ناسخ، فقد قال به، سواء أكان في الكتاب أم في غيره.
ولا شك أنّ كل من أجاز كون العام المتأخر من الكتاب مخصصًا، وهم أصحابنا، فقد أجازوا تخصيص الكتاب ضرورة أن هذا فرد من أفراده.
ومن منع تخصيص الكتاب مطلقًا فقد وافق الحنفية في منع كون العام المتأخر من الكتاب مخصصًا؛ إذ ما منعوه فرد مما منعه، ولا [ندري] (١) هل يوافقهم أيضًا في جعله ناسخًا أو يخالفهم؟
لأن النسخ أضعف، فإذا منع التخصيص منعه بطريق أوْلى.
وإذا عرفت هذا، فلا يخفى عليك أن كُلَّ ما دل على أن العام المتأخر في الكتاب يكون مخصّصًا بالخاص المتقدم منه، فقد دلّ على مطلق تخصيص الكتاب، وكان فيه الرَّد على الفريقين:
مانعي تخصيص الكتاب مطلقًا.
ومانعي كون المتأخر مخصصًا، بخلاف ما يدلّ على منع كون العام المتأخر ناسخًا؛ فإنه لا يلزم منه منع مطلق التخصيص ولا إثباته.
الشرح: "لنا": الوقوع، وذلك "أن" قوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [سورة الطلاق: الآية ٤] "مخصص" "لقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٣٤]. "وكذلك" قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [سورة المائدة: الآية ٥]. فإنه "مخصّص لقوله": ﴿وَلا تَنْكِحُوا المُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٢١]
стр. 1428
وَأَيْضًا: لا يَبْطُلُ الْقَاطِعُ بِالْمُحْتَمِلِ.
قَالُوا: إِذَا قَالَ: "اقْتُلْ زَيْدًا" ثُمَّ قَالَ: "لا تَقْتُلِ الْمُشْرِكِينَ"؛ فَكَأَنَّهُ قَالَ: "لا تَقْتُلْ زَيْدًا" فَالثَّانِي نَاسِخٌ.
قُلْنَا: الْتَّخْصِيصُ أَوْلَى؛ لأِنَّهُ أَغْلَب، وَلا رَفْعَ فِيهِ كمَا لَوْ تَأَخَّرَ الْخَاصُّ.
فهذا دليلٌ على وقوع تخصيص الكتاب بالكتاب. وقد قيل: إنَّ الخاص في الاثنين متقدّم ورودًا على العام، فإن ثبت هذا كان أيضًا دليلًا على من يجعل الخاصّ المتقدم منسوخًا، [وتتم] (١) به الدعوتان جميعًا [انتهى] (٢).
ومما يدلّ على الأمرين جميعًا أعني: تخصيص الكتاب بالكتاب، وكون العام المتأخر لا ينسخ الخاص المتقدم ما أشار إليه بقوله:
"وأيضًا لا يبطُل القاطع"، وهو الخاص "بالمحتمل"، وهو المدلول عليه بالعام، بل يعمل بالخاص؛ لقوته، سواء أتأخر عنه العام، وهو صورة النزاع مع الحنفية، ومن وافقهم، أم كان أعم من أن يتقدم أو يتأخر، وهو صورة النزاع مع منع تخصيص الكتاب مطلقًا.
فإن قلت: الحنفية لا يسلمون أن المدلول عليه بالعام محتمل، بل يدعونه قطعيًّا؛ لأن دلالة العام عندهم قطعية.
قلت: هم وإن ادّعوه قطعيًّا، فلا يقولون: إن دلالته مساوية لدلالة الخاصّ، وإذا سلموا أن دلالة الخاصّ أقوى تَمَّ الدليل، ولو عبر المصنّف بـ"الأقوى" كما فعل الإمام الرازي، والآمدي فقال: "وأيضًا لا يبطل الأقوى وهو الخاصّ بما هو دونه، وهو العام" لكان أحسن وأسلم عن هذا الإيراد.
ولا يخفى عليك أنا تعسّفنا في تنزيل هذا الدَّليل على الحنفيّة، فإنهم يقولون: إنَّ دلالة العام مساوية لدلالة الخاصّ، فلا [ينهض] (٣) الدليل عليهم.
وإن كانوا غير مخطئين في هذه الدعوى، بل الظن أن من ادَّعى ذلك فقد باهت، والحامل لنا على هذا التعسّف ابتغاء تنزيل كلام المصنّف على المسألتين جميعًا.
وأما الخصوم، وهم فريقان: مانعو تخصيص الكتاب مطلقًا، والقائلون بكون العام المتأخر ناسخًا لا مخصصًا، فقد "قالوا" أجمعون:
стр. 1429
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"إذا قال: اقتل زيدًا" المشرك، "ثم قال: لا [تقتل] (١) المشركين، فكأنه قال، لا تقتل زيدًا"، ولا عمرًا إلى أن يأتي على الأفراد واحدًا واحدًا، ولكنه اختصر المطول، وأجمل المفصل.
فقال: لا [تقتل] (٢) المشركين، وإذا كان بمثابة: لا تقتل هذا ولا هذا إلى آخر الأفراد، فكأنه قال: لا تقتل زيدًا، "والثاني" وهو: لا تقتل زيدًا "ناسخ" بلا شكّ؛ لوروده بعد: اقتل زيدًا، وكذا ما هو بمثابته.
إلى هنا ينتهي استدلال الحنفيّة، ومن وافقهم على أن العام المتأخر ناسخ.
ويزيد من يمنع تخصيص الكتاب مطلقًا، فيقول: وإذا كان المتأخر ناسخًا لكونه بمنزلة النَّص، وكذا لو تقدم العام؛ فإنه يقع التعارض بين الخاصّ ومحل التخصيص من لفظ العموم، فلا يخصّ به، ولا سبيل لنا هنا إلى دعوى أن الأول هنا - وهو العام - يكون ناسخًا؛ لأن الناسخ لا يتقدم على المنسوخ، أو لأنا إذا منعنا التخصيص، فبطريق أولى أن نمنع النسخ.
"قلنا:" زيد بخصوصه إذا نص عليه لم يتأت التخصيص فيه، فيضطر إلى القضاء بالنسخ.
وأما إذا لم ينصّ عليه، بل أتى بلفظ عام، فإن تخصيصه ممكن، فلا يصار إلى النسخ بل "التخصيص أولى" من النسخ، "لأنه أغلب"، والإلحاق بالأغلب أولى، كلقيط في بلد غالبُ أهلها مسلمون، فإنه يقضي عليه بالإسلام إلْحَاقًا للفرد الأعم بالأغلب.
"و" لأنه "لا رفع فيه"، بل هو دافع، والنسخ رافع، والدفع أسهل من الرفع، وكلاهما "كما لو تأخر الخاص"، فإنه يحمل على التخصيص.
وإن كان النسخ محتملًا بأن تقرر حكم العام، ثم يرفع، فلا يصار إليه، بل يجزم بالتخصيص بالوجهين المذكورين، ولمانع "تخصيص الكتاب مطلقًا أن يمنع قولنا؛ فإنه يحمل على التخصيص؛ فإن ذلك مصادرة له على دعواه.
стр. 1430
قَالُوا: عَلَى خِلافِ قَوْلِهِ: ﴿لِتُبَيِّنَ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٤].
قُلْنَا: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة النحل: الآية ٨٩]، وَالْحَقُّ أَنَّهُ الْمُبَيَّنُ بالْكِتَاب وَبِالسُّنَّةِ.
قَالُوا: الْبَيَانُ يَسْتَدْعِي التَّأَخُرَ.
قُلْنَا: اسْتِبْعَادٌ.
قَالُوا: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: كُنَّا نَأْخُذُ بِالأَحْدَثِ فَالْأحْدَثِ.
قُلْنَا: يُحْمَلُ عَلَى غَيْرِ الْمُخَصّصِ؛ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ.
الشرح: "قالوا" ثانيًا: لو كان الكتاب مخصصًا لكان "على خلاف قوله: "لِتُبَيِّنَ" لِلنَّاسِ مَا نزِّلَ إِلَيْهِمْ" [سورة النحل: الآية ٤٤]؛ إذ التخصيص يتبين، والآية صريحة في أن المبيِّن هو الرسول ﷺ [فكيف] (١) يكون الكتاب مبينًا؟ فدل أن القرآن لا يكون مخصصًا ألبتة.
وإلى هنا ينتهي استدلال من منع تخصيص الكتاب مطلقًا، ويزيد الحنفي فيقول: وإذا لم يكن الكتاب مخصّصًا مطلقًا، لم يكن العام المتأخر من الكتاب مخصصًا؛ لأنه من جملة الأفراد.
ولا يقال: فيلزم ألَّا يكون الكتاب مخصّصًا ألبتة، وأنت أيها الحنفي لا تقول به.
لأنا نقول: مقتضى هذا الدليل ما ذكرتم، ولكن خالفناه فيما إذا تقدم العام على الخاص؛ للإجماع منا ومن خصومنا، فبقي ما عداه على الأصل.
فإن قلت: هَبْ أنه دالّ على أن العام المتأخر في الكتاب لا يكون مخصصًا إلا أنه لا يدل على أن كل عام متأخر لا يكون مخصصًا، ودعوى الحنفية هذا لا ذاك، والمسألتان كما تقدم بينهما عموم وخصوص مطلق؛ لأن من منع كون العام المتأخر مخصصًا منعه سواء أكان في الكتاب أم في غيره، ومن منع التَّخصيص في الكتاب منعه سواء أكان متأخرًا أم لا.
قلت: هذا صحيح، ولكن إذا ثبت أنه لا يكون المتأخّر مخصصًا، وهو من الكتاب فلأن لا يكون المتأخر الذي هو من غير الكتاب مخصصًا بطريق أولى.
стр. 1431
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"قلنا": هذا ولا [تعارض] (١) بقوله تعالى في صفة القرآن: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة النحل: الآية ٨٩] فإنه يقتضي أنه يبين جميع الأشياء، ومن جملتها الكتاب.
"والحق أنه" ﷺ هو "المبين"؛ إذ الكلّ ورد على لسانه ﷺ ، فكان المبين للكلّ "بالكتاب" تارةً، "وبالسُّنة" أخرى.
"قالوا" ثالثًا: "البيان يستدعي التأخر" عما هو بيان له، ثم افترقوا:
فقال مانعو تخصيص الكتاب مطلقًا: والقرآن لا يتقدم بعضه بعضًا؛ لأنه كلام الله الأزلي الواحد بالذات، وهو كالكلمة الواحدة.
وقالت الحنفية: فلا يكون الخاصّ المتقدّم [مبينًا] (٢) للعام المتأخر.
"قلنا": هذا "استبعاد"، وأي مانع من ورود المبيّن مع ما هو بيان له، أو قبله؟
وقلنا: ["مع"] (٣) ليخص بالكلام من منع تخصيص الكتاب مطلقًا معتلًّا بأنه كالكلمة الواحدة.
وقلنا: "قبل" ليخصّ الحنفية.
وحذف المصنّف اللفظين ليصلح كلامه للفريقين، [فافهم] (٤) صغار الكلمات تعرف كبارها.
فإن قلت: لم لا أجاب المصنف هنا بالاستفسار كما فعل فيما تقدم؟ فقال: إن كان المراد تأخر ذات البيان، فلا نسلّم أنه يلزم.
وإن كان صفته وهو كونه بيانًا فلا نسلم أنه سابق، بل هو متأخر، فالسَّابق ذاته لا صفته؟!
قلت: لأنه لو أجاب بهذا هنا لاختصّ بالحنفية، ولم يكن فيه ردّ على من منع تخصيص الكِتَاب، فأجاب بما يشمل الفريقين.
وأنت إذا تأملت كلامه وجدته قد ذكر دلائل الفريقين من الخصوم بعبارة صالحة لهما، وترك في كل دليل الزيادة التي يختص بها كل واحد منهما مُحَالةً على شارحي كلامه
стр. 1432
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كما فعلنا، فلم يكن له سبيل إلى أن يذكر ما يختصّ بفريق؛ لئلا يتوهّم أن المسألة موضوعة للبحث مع [ذلك الفريق وحده، وإنما هي موضوعة للبحث مع [(١) الفريقين جميعًا.
نعم [ختم] (٢) المسألة بدليل يختصّ بالحنفية فقال: "قالوا: قال ابن عباس: "كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث" (٣) ولفظه في صحيح مسلم: وكان صحابة رسول الله ﷺ يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره، وهو صريح في اتباع الجماعة كلّهم، فكان إجماعًا.
وفي "الموطأ": "وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث"، وهو ظاهر في الإجماع، والعام المتأخر أحدث، فيجب الأخذ به، وترك الخاص المتقدم؛ وهو المدعي.
"قلنا: يحمل" الأحدث في قول ابن عباس "على غير" العام "المخصص جمعًا بين الأدلَّة" من الجانبين، فإن الجمع - ولو بوجه - أولى.
وقد ادَّعى الإمام الرازي، والآمدي، والهندي أن الحامل لهم على تخصيص قول ابن عباس بما إذا كان الأحدث هو الخاص: أنه قول صحابي.
وحذف المصنّف ذلك، وهو حسن، فإن لقائل أن يقول: قد قدمنا صراحة رواية مسلم، وظهور رواية "الموطأ" عن ابن عباس في نقل إجماع الصحابة ﵃ فاندفع هذا.
نعم في صحيح البخاري عن ابن عباس: "وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر" ولكنه محمول على ما صحّ في مسلم و "الموطأ"، فالأولى ما قررناه من الجمع؛ لأنه أولى، لا لأن القول قول صحابي لما ذكرناه، ولأنه لو كان قول صحابي لما احتجنا إلى الجمع؛ فإن قول الصَّحابي ليس عندنا حُجَّة.
"تنبيه"
لا يخفى عليك أن من جعل من الشَّارحين كلام المصنف مقصورًا على الكلام مع الحنفية، ومن وافقهم يلزمه أمور.
стр. 1433
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أحدها: أن يكون افتتح المسألة بمسألة كبرى، وهي مسألة تخصيص الكتاب بالكتاب، ثم أضرب عنها، وانتقل إلى مسألةٍ أخرى، وهي بناء العام على الخاصّ، ولا يقال: مسألة بناء العامّ على الخاص فرع لتلك، بل بينهما عموم وخصوص، من وجه كما قدمناه.
نعم لو كان أبو حنيفة يخص جعل العام المتأخر ناسخًا بما إذا ورد في الكتاب، اتجه هذا وكنا نقول: هذه المسألة في تخصيص الكتاب بالكتاب، فالمختار جوازه.
والقول بالمنع لم يحكه المصنف، وقول التفصيل بين العام المتقدم والمتأخّر هو رأي أبي حنيفة وموافقيه، ولكن أبا حنيفة لا يقول بذلك، ولا تعلّق له بخصوص الكتاب، بل كلامه في تعارض العامّ والخاصّ مطلقًا، ولا فرق قيه بين أن يقع في الكتاب أو غيره.
والثاني: أن يكون استدل بالدَّليلين اللذين صدر بهما المسألة على الحنفيَّة، وهما لا [ينهضان] (١) إلَّا بضميمة كلّ منهما.
أما الآيتان فلا ينهضان إلَّا أن [يثبت] (٢) نقلُ تاريخ التقدم والتأخر، ثم يقول: والظاهر أن المصنّف لو ادعى ثبوت نقل التاريخ في ذلك لبيّنه فقال: وهي متقدمة؛ لأن مثل هذا لا يهمل.
وأيضًا: فالآمدي لم يذكر في "الإحكام" هذا، وإنما استدل بالآيتين على مطلق تخصيص الكتاب بالكتاب، والظاهر أن المصنّف تبعه.
والثالث: أن يكون من قال: العامّ المتأخر للنَّاسخ استدل بقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ﴾ ولم ير ذلك لأحد، وإنما استدلّ بهذه الآية من منع تخصيص الكتاب بالكتاب، كذا هو في "الإحكام" وغيره من كتب أصحابنا والحنفية، وإنما نحن تعسّفنا، وجعلنا الآية دليلًا لكلٍّ من الفريقين.
والرابع: مخالفة ظاهر قول المصنف في المسألة الآتية عقبهما، وهي كالتي قبلها؛ فإنه إنما أراد به أن [يخصّ] (٣) السُّنة بالسُّنة كتخصيص الكتاب بالكتاب.
وظاهره أن الذي [قبلها] (٤) هو تخصيص الكتاب بالكتاب، ولا يخفى عليك أن من
стр. 1434
مَسْأَلَةٌ:
يجُوزُ تَخْصِيصُ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ.
لَنَا: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ" - مُخَصِّصٌ لِقَوْلِهِ: "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ"، وَهِيَ كَالَّتِي قَبْلَهَا فِي الْخِلافِ.
قصر كلامه على تخصيص الكتاب بالكتاب يلزمه أمور:
أحدها: أن يكون المصنّف ترك البحث مع الحنفية في مسألة بناء العام على الخاص، وهي من أكبر مسائل الأصول التي لا يسع ابن الحاجب حذفها من مختصره.
والثاني: أن يكون ما نقله عن أبي حنيفة وموافقيه حَشْوًا في هذه المسألة؛ لأنه ليس بمذهب مفصل فيها كما عرفت، وإنما هو شيء استطرد ذكره مع عدم تعلّقه بما هو فيه.
والثالث: أن الدليل الأوَّل ظاهر في أنه من قبل الحنفية، وكذلك الثالث، وإنما [نحن] (١) تعسّفنا فيهما؛ فجعلناهما من قبل الفريقين رَوْمًا لتعميم كلام المصنّف.
وأما الرابع: فمتعين أنه من قبل الحنفية.
وإذا وقفت على ما يلزم هؤلاء وهؤلاء، فلا يخفى عليك أن ما ارتكبناه نحن أحسن وأولى.
«مسألة»
الشرح: "يجوز تخصيص السُّنة بالسُّنة"؛ خلافًا لداود، وطائفة (٢).
"لنا": أن ما رواه البخاري ومسلم من قوله ﷺ : "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ" (٣) مخصص لقوله ﷺ الثابت في "الصحيحين" وغيرهما: "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ" أو كان [عَثْريًّا] (٤) "العُشْر، وهي كالتي قبلها" أعني تخصيص الكتاب - بالكتاب، فانقل ما مرّ بك ثَمَّ إلى هنا.
стр. 1435
مَسْأَلَةٌ:
يَجُوزُ تَخْصِيصُ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ.
لَنَا: "تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيءٍ" [سورة النحل: الآية ٨٩].
وَأيْضًا: لا يُبْطَلُ الْقَاطِعُ بِالْمُحْتَمِل.
قَالُوا: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٤]، وَقَدْ تَقَدَّمَ.
مَسْأَلَةٌ:
"يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْقُرآنِ بِخبَرِ الْوَاحِدِ.
«مسألة»
الشرح: "يجوز تخصيص السُّنة بالقرآن" خلافًا لقوم.
"لنا": قوله تعالى في صفة الكتاب ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾.
وأيضًا لا يبطل القاطع" دلالة ومتنًا، وهو القران الخاص "بالمحتمل" دلالة، وهو خبر الآحاد العام، أو المحتمل دلالة لا متنًا، وهو المتواتر العام.
"قالوا": قوله تعالى: " ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ " يقتضي أن الرسول ﷺ هو المبين لا غيره، "وقد تقدم، جوابه، وهو أنه ﵇ هو المبين بالكتاب تارةً، وبالسنة أخرى (١).
«مسألة»
الشرح: "يجوز تخصيص القرآن بخبر الواحد، وقال به" جمهور أصحابنا (٢)، وكذا
стр. 1436
وَقَالَ بِهِ الْأَئِمَّةُ الأرْبَعَة، وَبِالْمُتَوَاتِرِ اتِّفَاقًا.
ابْنُ أَبَانٍ: إِنْ كَانَ خُصَّ بِقَطْعِيٍّ.
الْكَرْخِيُّ: إِنْ كَانَ خُصَّ بِمُنْفَصِلٍ.
"الأئمة الأربعة" فيما نقل المصنّف، والحنفية ينكرونه، ومنعه بعض المتكلّمين مطلقًا،
القاضي بالوقف.
"[وبالمتواتر] (١) اتفاقًا"، أي: يجوز تخصيص الكتاب بالسُّنة المتواترة بالاتفاق، ولذلك حكى الاتّفاق الشيخ الهِنْدِي.
وعبارة الآمدي: لا أعرف فيه خلافًا، ومنهم من حكى خلافًا في السُّنة الفعلية.
وقال "ابن أبان (٢): إن كان" العام قد "خصّ" قبل ذلك "بقطعي" جاز تخصيصه بخبر الواحد، وإلا فلا (٣).
وقال "الكَرْخي: إن خصّ" (٤) قَبلُ "بمنفصل" جاز، وإلا فلا" (٥).
الشرح: وقال "القاضي" أبو بكر (٦) "بالوقف".
стр. 1440
لَنَا: أَنَّهُمْ خَصُّوا ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ﴾ [سورة النساء: الآية ٢٤] بقَوْلهِ ﵊: "لا تُنكحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلا عَلَى خَالَتِهَا"، وَ ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة النساء: الآية ١١] بِقَوْلِهِ [﵊]: "لا يَرِثُ الْقَاتِلُ وَلا الْكَافِرُ مِنَ الْمُسْلِمِ، وَلا الْمُسْلِمُ مِنَ الْكَافِرِ"، وَ"نَحْنُ - مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاء - لا نُورَثُ.
قيل بمعنى: لا أدري.
وقيل: بمعنى أنه يقع التعارض في ذلك القَدْرِ الذي دلَّ العموم على إثباته، والخصوص على نفيه، فتوقف عن العمل، وهذا هو ظاهر كلامه في "التقريب".
وذكر ابن السَّمْعَاني أن محل الخلاف في أخبار الاحاد التي لم تجمع الأُمة على العمل بها.
قال: وأما ما أجمعت على العمل به كقوله ﵊: "لا مِيرَاثَ لِقَاتِلٍ وَلا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ" (١)، [ولنهيه] (٢) عن الجمع بين المرأة وعمّتها، أو خالتها، أو ابنة أخيها، فيجوز تخصيص العموم، ويصير ذلك كالتخصيص بالمتواتر؛ لانعقاد الإجماع على حكمها، ولا يضرّ عدم انعقاده على روايتها.
ولقائل أن يقول: لا حاصل لهذا؛ فإن الإجماع لا بُدَّ له من مستندٍ، فإن كان غير أخبار الآحاد، فليس من مسألة تخصيص الكتاب بخبر الواحد في شيء، وإن كان من الآحاد، فلا بدّ أن يحيله من يمنع التخصيص بها؛ لأنه عنده باطل، والأمة لا تجمع على باطل.
نعم إنْ نُقِلَ أَنَّ الأمَّة أجمعت على التَّخصيص بخبر الواحد في صورة ما كان ردًّا على من يمنع التخصيص به، وهو ما يدعيه المصنف بقوله:
الشرح: "لنا": على الجواز الوقوع من الصحابة بدليل "أنهم خصوا" قوله تعالى: " ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [سورة النساء: الآية ٢٤] الذي هو عام في نكاح المرأة على