← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6338

رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (2 330 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

وَقَالَ بِهِ الْأَئِمَّةُ الأرْبَعَة، وَبِالْمُتَوَاتِرِ اتِّفَاقًا. ابْنُ أَبَانٍ: إِنْ كَانَ خُصَّ بِقَطْعِيٍّ. الْكَرْخِيُّ: إِنْ كَانَ خُصَّ بِمُنْفَصِلٍ. "الأئمة الأربعة" فيما نقل المصنّف، والحنفية ينكرونه، ومنعه بعض المتكلّمين مطلقًا،

стр. 1437

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1438

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1439

القاضي بالوقف. "[وبالمتواتر] (١) اتفاقًا"، أي: يجوز تخصيص الكتاب بالسُّنة المتواترة بالاتفاق، ولذلك حكى الاتّفاق الشيخ الهِنْدِي. وعبارة الآمدي: لا أعرف فيه خلافًا، ومنهم من حكى خلافًا في السُّنة الفعلية. وقال "ابن أبان (٢): إن كان" العام قد "خصّ" قبل ذلك "بقطعي" جاز تخصيصه بخبر الواحد، وإلا فلا (٣). وقال "الكَرْخي: إن خصّ" (٤) قَبلُ "بمنفصل" جاز، وإلا فلا" (٥). الشرح: وقال "القاضي" أبو بكر (٦) "بالوقف".

стр. 1440

لَنَا: أَنَّهُمْ خَصُّوا ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ﴾ [سورة النساء: الآية ٢٤] بقَوْلهِ ﵊: "لا تُنكحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلا عَلَى خَالَتِهَا"، وَ ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة النساء: الآية ١١] بِقَوْلِهِ [﵊]: "لا يَرِثُ الْقَاتِلُ وَلا الْكَافِرُ مِنَ الْمُسْلِمِ، وَلا الْمُسْلِمُ مِنَ الْكَافِرِ"، وَ"نَحْنُ - مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاء - لا نُورَثُ. قيل بمعنى: لا أدري. وقيل: بمعنى أنه يقع التعارض في ذلك القَدْرِ الذي دلَّ العموم على إثباته، والخصوص على نفيه، فتوقف عن العمل، وهذا هو ظاهر كلامه في "التقريب". وذكر ابن السَّمْعَاني أن محل الخلاف في أخبار الاحاد التي لم تجمع الأُمة على العمل بها. قال: وأما ما أجمعت على العمل به كقوله ﵊: "لا مِيرَاثَ لِقَاتِلٍ وَلا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ" (١)، [ولنهيه] (٢) عن الجمع بين المرأة وعمّتها، أو خالتها، أو ابنة أخيها، فيجوز تخصيص العموم، ويصير ذلك كالتخصيص بالمتواتر؛ لانعقاد الإجماع على حكمها، ولا يضرّ عدم انعقاده على روايتها. ولقائل أن يقول: لا حاصل لهذا؛ فإن الإجماع لا بُدَّ له من مستندٍ، فإن كان غير أخبار الآحاد، فليس من مسألة تخصيص الكتاب بخبر الواحد في شيء، وإن كان من الآحاد، فلا بدّ أن يحيله من يمنع التخصيص بها؛ لأنه عنده باطل، والأمة لا تجمع على باطل. نعم إنْ نُقِلَ أَنَّ الأمَّة أجمعت على التَّخصيص بخبر الواحد في صورة ما كان ردًّا على من يمنع التخصيص به، وهو ما يدعيه المصنف بقوله: الشرح: "لنا": على الجواز الوقوع من الصحابة بدليل "أنهم خصوا" قوله تعالى: " ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [سورة النساء: الآية ٢٤] الذي هو عام في نكاح المرأة على

стр. 1441

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . عمّتها، وعلى خالتها "بقوله ﷺ : "لا تُنْكحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلا خَالَتِهَا" (١) والحديث رواه الأئمة السّتة من حديث أبي هريرة. ولفظه: "نهى رسول الله ﷺ أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها"، "و "كذلك خصُّوا قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [سورة النساء: الآية ١١] وهو عام في كل ولد، سواء أكان قاتلًا أم كافرًا أم غير ذلك وفي كل والد، سواء أكان نبيًّا أم غيره "بقوله ﷺ : "لا يَرِثُ القَاتِلُ وَلا الكَافِرُ مِنَ المُسْلِمِ وَلا المُسْلِمُ مِنَ الكافِرِ" (٢)، و"نَحْنُ مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاء لا نُورَثُ". وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه عن النبي ﷺ قال: "لا يَرِثُ القَاتِلُ شَيْئًا"، رواه النَّسائي من حديث إسماعيل بن عَيَّاش (٣) عن ابن جريج (٤)، ويحيى بن سعيد.

стр. 1442

وَأُورِدَ: إِنْ كَانُوا أَجْمَعُوا، فَالْمُخَصِّصُ الْإِجْمَاعُ؛ وَإِلَّا فَلَا دَلِيلَ. قُلْنَا: أَجْمَعُوا عَلَى التَّخْصِيصِ بِهَا. وعن عمرو بن شعيب أن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لَيْسَ لِقَاتِلٍ مِيرَاثٌ" رواه مالك في "الموطأ"، والنسائي أيضًا. وقال: هذا هو الصواب، وحديث إسماعيل خطأ. وعن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "القَاتِلُ لَا يَرِثُ" رواه الترمذي، وابن ماجه، والدارقطني، والبيهقي من حديث إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة (١)، وهو شيخ لا يحتجّ به أهل الجرح والتعديل، وقد قال الترمذي: لا يصح. وأنا أقول: حديث منع القاتل له طرق يؤيد بعضها بعضًا، وكذلك قال البَيْهَقي: إسحاق لا يحتج به إلا أن شواهده تقويه. وفي "الصحيحين" أن النبي ﷺ قال: "لَا يَرِثُ المُسْلِمُ الكَافِرَ وَلَا الكَافِرُ المُسْلِمَ". وتقدم حديث: "نَحْنُ مَعَاشِرَ الأنْبِيَاءِ" أول العموم. الشرح: "وأورد" على هذا الدَّليل أنهم "إن كانوا أجمعوا" على التخصيص، "فالمخصّص الإجماع" الصَّادر منهم لا خبر الواحد، "وإلا فلا دليل". "قلنا: أجمعوا على التخصيص بها"، وهم لا يجمعون على باطل، فدلَّ على أن التخصيص بها حق؛ فوضح سقوط هذا السؤال، وإن كان ينطبق على دعوى ابن السمعاني التي قدمناها.

стр. 1443

قَالُوا: رَدَّ عُمَرُ ﵁ حَدِيثَ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ؛ "أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَجْعَلْ لَهَا سُكْنَى وَلَا نَفَقَةً" لَمَّا كَانَ مُخَصِّصًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ [سورة الطلاق: الآية ٦]؛ وَلِذِلِكَ قَالَ: "كَيْفَ نَتْرُكُ كِتَابَ رَبِّنَا لِقَوْلِ امْرَأَةٍ". قُلْنَا: لِتَرَدُّدِهِ فِي صِدْقِهَا؛ وَلِذلِكَ قَالَ: لَا نَدْرِي أَصَدَقَتْ أَمْ كَذَبَتْ. قَالُوا: الْعَامُّ قَطْعِيٌّ وَالْخَبَرُ ظَنِّيٌّ. واعترض القاضي في "التقريب" دعوى الإجماع؛ فإن جميع الأخبار التي خصوا بها العام قامت بها الحُجَّة عند الصحابة ﵃، وعلموا صحّتها، أي: فما خصوا إلا قطعيًّا بقطعي. قال: وقد بسطنا الجواب عن كل خبر في الكتاب الكبير. قلت: يعني "التقريب" و"الإرشاد الكبير" [الذي له] (١) الذي لم نَقِفْ عليه، والذي وقفنا عليه هو الصّغير كما ذكر في خُطْبته، والصغير في أربعة أسفار كبار، وبلغنا أن الكبير في اثني عشر سفرًا. الشرح: "قالوا: ردّ عمر حديث فاطمة بنت قيس" (٢) عن النبي ﷺ "أنه لم يجعل لها سُكْنَى ولا نفقة" في الطَّلاق البائن "لما كان مخصّصًا لقوله" تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ [سورة الطلاق: الآية ٦]. "ولذلك قال: "كيف نترك كتاب ربنا لقول امرأة" وقد تقدم الكلام على هذا الحديث في الأخبار.

стр. 1444

وَزَادَ ابْنُ أَبَانِ وَالْكَرْخِيُّ: لَمْ يَضْعُفْ بِالتَّجَوُّزِ. "قلنا": إنما ردّ خبرها "لتردّده في صدقها"، لا لأنه خبر واحد، "ولذلك قال": "لا ندري أصدقت أم كذبت" كذا ذكر المصنّف. والحق: أنه إنما تردّد في صدقها؛ لأنه لم يدر أحفظت، فيكون خبرها مطابقًا، فيكون صدقًا، أم نسيت، فلا يكون مُطَابقًا، فيكون كذبًا، وهذا هو لفظ عمر ﵁ قال: "كيف نترك كتاب رَبّنا وسُنَّة نبينا لقول امرأة لا ندري أحفظت أو نسيت" رواه مسلم، ثم هو مع ذلك مختلف في صحة نقل أبي داود عن أحمد بن حنبل أنه لا يصح عنده. وقال ابن أبي حاتم: إن أباه أبا حاتم ذكر أنه عنده غير متّصل. وأما: "لا ندري كذبت أو صدقت فلفظ ربّما أوهم ظاهره أنه توهم فيها اعتمادًا للكذب، ومعاذ الله أن يتوهّم عمر ﵁ ذلك في فاطمة بنت قَيْسٍ، فكيف ثبت هذا عن عمر؟. وإنما روي بإسناد ضعيف مظلم، ذكره الحارثي فقال: أنبأنا أحمد بن محمد بن سعيد الهَمْدَاني، حدثنا الحسن بن حماد بن حكيم الطَّالقاني حدّثنا أبي حدَّثنا خلف بن ياسين الزَّيَّات عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن الأسود (١) قال: قال عمر بن الخطاب: "لا ندع كتاب ربّنا وسُنَّة نبينا ﵇ لقول امرأة لا ندري صدقت أم كذبت، المطلقة ثلاثًا لها السُّكنى والنفقة" وهذا الإسناد ساقط إلى أبي حنيفة. وأحمد بن محمد بن سعيد هو ابن عُقْدة، وهو مجمع الغرائب والمناكير. "قالوا: العام قطعي، والخبر ظني" فلو خصّصه لترك القطعي بالظني. الشرح: "وزاد ابن أبان والكَرْخي" على ذلك ما يتمشَّى على مذهبهما، فقالا: قطعي "لم يضعف بالتجوز".

стр. 1445

قُلْنَا: التَّخْصِيصُ فِي الدَّلَالَةِ، وَهِيَ ظَنِّيَّةٌ، فَالْجَمْعُ أَوْلَى. الْقَاضِي: كِلَاهُمَا قَطْعِيٌّ مِنْ وَجْهٍ؛ فَوَجَبَ التَّوَقُّفُ. قُلْنَا: الْجَمْعُ أَوْلَى. والخبر ظنّي، فكيف نترك القَطْعي من أجله. "قلنا": العام قطعي في مَتْنه، دون دلالته؛ لأن دلالة العام ظنيَّة، والخاص بالعكس، و"التخصيص" لم يقع في المَتْن، بل "في الدّلالة، وهي ظنية"، وإذا كان خبر الواحد الخاصّ قطعيّ الدلالة مظنون المَتْن، والكتاب العامّ عكسه، فيتعادلان، وإذا تعادلا، "فالجمع" بينهما بأن يجعل العام دَلِيلًا في غير مورد الخاص "أولى" من إلغاء أحدهما. واعلم أن ابن أبان (١)، والكرخي يعتقدان دلالة [العام] (٢) قطعية، فرجع اختلافًا معهما إلى أن دلالة العامّ على أفراده هل هي قطعية؟ لا سيّما إذا لم تخصّ، فلا يخصّها خبر الواحد، أو ظنية، فيخصها. ولذلك قال ابن السَّمْعَاني: ما قاله ابن أبان مبني على أصل له لا يوافقه عليه. والحاصل: أنهما على ضعف مذهبهما لا يوافقان على قولنا: العامّ ظني الدلالة، فلننقل الكلام معهما إلى أصلهما الذي لا يمتري - عند الإنصاف - ذوو الألباب في ضعفه، ولنا فيه قول ليس هذا موضعه. وقال "القاضي: كلاهما قطعي من وجه" العامّ في متنه، والخاصّ في دلالته، فتعادلا "فوجب التوقف". "قلنا": لا نسلّم عدم الأولوية، بل الخاصّ أولى؛ لما فيه من الجمع بينهما؛ إذ "الجمع" بين الدّليلين، ولو من وجه "أولى". وليتنبّه طالب التَّحقيق هنا لمهم، وهو أن شيخنا أبا الحسن، والقاضي أبا بكر يطلبان (٣) في مسائل أصول الفقه القطع، ولا يكتفيان بالظَّن إلَّا فيما ندر من فروعه، وربَّما

стр. 1446

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقع الخلاف في بعضها، هل هي من القَطْعيات أو غيرها؟ فيصرّح في المسألة بالخلاف فيه، كمسألة النَّقض، وتخصيص العموم بالقياس، وخبر الواحد ونحوها، فإذا توقّف الشيخ والقاضي، فاعلم أن وَقْفتهما إنما هي عن القطع، ولا يمنعان الظن. وأصحابنا يكتفون في العمليات بالظُّنون، ولا يمنعون أن القطع منتفٍ في أكثر المسائل، فالقاضي مثلًا في مسألتنا هذه واقف عن القطع لا عن الظن، وإنما لم يوجب تخصيص الكتاب بالآحاد؛ لأنه لا يعمل بالظنون. وأصحابنا أيضًا لا ينكرون أن القطع منتفٍ، ولكنهم يخصصونه؛ لأنهم يعملون بالظنون. وبهذا يتضح لك أنه لا يكاد يقع خلافٌ بيننا وبين الشيخ والقاضي إلا وهذه سبيله، ونحن عند التَّحقيق متفقون على وِجْدان الظَّنّ، ولكن مختلفون في أنه هل يعمل به. وقد قدمنا عن القاضي في مسألة تعقّب الاستثناء الجمل أنه واقف، مع قضائه برجحان مذهب الشَّافعي؛ ولذلك صرّح في مسائل لا تحصى برجحان أحد المذاهب مع وقفته عن القضاء بمذهب معين؛ لابتغائه القطع، فاحفظ ذلك فهو مفيد نافع، وبه ينجلي لك غَيْهَبُ مشكلة قعد عن القيام بإيضاحها الأكثرون، واستهون بأمرها من لا يدري الحقائق، وهي كثرة ذهاب العلماء إلى الوَقْفِ في مسائل الأصول، وحكاية المحققين وقفهم قَوْلًا مستقلًّا بنفسه، فيحكون مثلًا النفي والإثبات والوقف وعدم ذلك في الفقهيات، فلا ترى الفقهاء يحكون الوقف قَوْلًا، وإن تردّد منهم متردّد في مسألة ذكروا تردّده، ولم يجعلوا له في المسألة قولًا. وقد قال من استهان بهذا السؤال: إن هي إلا طرائق يسلكها من شاء، ويحيد عنها من شاء، ولم يدر الغبي أن ذلك لدقيقة، وهي أن الفقهيات يكتفى فيها بالظُّنون، وتقل وقفيات الظُّنون، فلا يكاد فرع فِقْهي يستوي الطَّرفان فيه حتى يكون مشكوكًا فقط، وإن وقع ذلك لم يقع إلَّا لواحد من ألف، ثم يقال: إنه متردّد، وربما لم يحك قوله؛ إذ لا فائدة في حكاية حال من لا قول له. وأما الأصوليات فالمآخذ فيها قطعية، ويكثر الوَقْف فيها؛ لقلة (١) القواطع، ثم السّر

стр. 1447

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . في حكاية أقوال الواقفية أنهم قاضون بانتفاء القَطْع، وقائلون عند ذلك بأنه لا عمل؛ إذ لا عضل عندهم إلَّا بقطعي، فحكى مذهبهم لينبّه على أنهم غير عاملين بواحد من المذاهب، بل هم حاكمون بردّ الجميع، راجعون في المسألة إلى البراءة الأصلية. فإن قلت: فلم يحكى عن بعض الفقهاء تردّدهم في بعض مسائل الفروع؟ قلت: لينبه على أنه ليس لا قول له مخافة أن يتخيّل وقوع الاتفاق في المسألة، وأنها صارت كالقَطْعِيَّات المتّفق عليها، ثم ذلك لم يقع إلا قليلًا، كما لا يرتاب فيه الفقيه، وليس ذلك لينبّه على أنه يعود الحال إلى البواءة الأصليَّة. وأما وقف الفقهاء في بعض المسائل كقولهم: مال المرتد موقوف، وملك المبيع في زمن الخِيَارِ موقوف، وأمثال ذلك، فذلك الوقف المراعى أي: منتظر إلى انتهائه، وليس المعنى أنه غير محكوم فيه الآن، بل يعلم أن الحكم واقع فيه الآن، ولكن لا يتبين لنا إلا بالآخرة، ثم ذلك قضاء منهم في شيء، فإنه موقوف فيهم قَاضُون لا واقفون، والشيء مَقْضِي عليه بأنه موقوف لا متردّد فيه، ومعنى الوقف ما ذكرناه؛ فليس من وقف الأصوليين في شيء. فإن قلت: فقد قال الفقهاء: وقف العقود قِسْمَان: وقف تبين، ووقف صحة، ومثلوا وقف التّبين ببيع مال أبيه على ظن أنه حي فإذا [هو] (١) مَيّت، ووقف الصّحة ببيع الفُضُولي، وكلامكم صريح في أن وقفهم وَقْف تبين فقط. قلت: هذا الآن خروج عن غرضنا؛ فإن غرضنا حاصل بأنهم لا يعنون بالوقف ما يعنيه الأصولي. وإن أردت تحقيق ما يعنونه على التفصيل فنقول: ذكر الإمام في باب النهي عن بيع الغَرَر: أن وقف العقود ثلاثة أصنافٍ: بيع الفضولي، وبيع ما يظنه لأبيه، ثم تبين أنه كان قد مات، والصنف الثالث إذا غصب أموالًا وباعها وتصرف في أثمانها وعسر التتبع، ففي تنفيذها قولان، ولما تكلم الإمام في عِتْقِ الراهن أبدى في بيع الرهن إجمالًا أنه توقف، كبيع المفلس. قال: ولا محمل لتصحيح بيع المفلس ماله على قولٍ إلَّا الحمل على الوَقْف، ومحمل

стр. 1448

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الوقف ليس يمتنع جريانه في الرَّهن، ولا نظر إلى كون حجر الفلس جرى من غير اختيار المحجور عليه، بخلاف حجر الرهن. والوجه: التسوية بين البابين، وتنزيل البيع والعِتْقِ على ترتيب واحد، والعتق أولى بالنفوذ، والبيع أنفذ منه. قال: وهذا فنّ من الوقف زائد على الأصناف التي ذكرناها في كتاب البيع. وقال الغزالي في تصرف المفلس: وجه التنفيذ أن البيع صدر من أهله، وصادف محلّه، وكنا نظنه دافعًا لحق لا سبيل إلى دفعه، والآن قد تبين أنه لم يحصل به دفع محذور. قال أبي ﵀: وبكلام الغَزالي هذا يتبين ما أشار إليه الإمام من أن هذا الوقف غير الأصناف الثلاثة؛ لأن بيع الفُضُولي والغاصب لم يصدر من أهله، وبيع ما يظنه للأب في الظاهر كذلك، وفي الباطن خلافه، وهذا في الظَّاهر، والباطن صادر من أهله، ولكن كونه دافعًا للحق أولًا مجهول موقوف على أمر مرتقب، [وهو يشبه تصرّف المريض؛ فإنه صادر من أهله في محلّه، ودفعه لحقّ الورثة أو الغرماء موقوف على أمر مرتقب] (١) يظهر عند الموت. وقال ابن الرِّفْعَةِ في شرح كلام الغزالي هذا: إن معناه أن الحجر على كل مال المفلس شرع مخافة تضييع الديون على أربابها، وليس ذلك بأمر محقق، فإذا بان بالآخرة أنها لم تضع، وأن في المال فَضْلة عنه، فقد بان أن الحجر لم يتناول ذلك الفاضل، فَبَانَ نفوذ التصرف فيه، [وينزل] (٢) الحَجْر عليه بالفلس منزلة الحجر على السيد في عبده الجاني لأجل جنايته، فإنا نقصر الحَجْر على قدر أَرْشِ الجناية لا على جميعه، كما [أن] (٣) ذلك رأيٌ لنا ذكره الغزالي في كتاب "الزكاة"، والجامع أن الحَجْر وجد برضا المحجور عليه فيه. نعم ما وجد الرضا به وإن كان زائدًا على قدر الدين، ولهذا لم يطرد الأصحاب قول الوقف فيه، وإن قال الإمام في كتاب "الإقرار": إنه لا يبعد تخريجه فيه. انتهى. قال أبي ﵀: فإن صحّ ما قاله، فينبغي أن يجري في المرهون قول الوقف المذكورُ في بيع الفُضُولي، فإنه جرى في بيع ملك الغير، فلأن يجري في ملكه الذي حجر عليه فيه لأجل الغير أولى، والوَقْف الذي حقّقه في المفلس نوع زائد على الثلاثة الأصناف

стр. 1449

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بلا شكّ، وهو من الوجه الذي ذكره شديد الشبه بالمريض؛ [فإن المريض] (١) ربما حجر عليه فيما يتبين بالموت به يدفع حقّ الغرماء، والزائد على الثلاث من التبرعات وغير ذلك لا يتعلّق به الحجر، وهذا المعنى ظاهر في [المزيد] (٢) بلا شكّ. وأما المفلس: فالقول بأن الحَجْر إنما تعلّق ببعض ماله [كعبد] (٣)، والأقرب أنه متعلّق بالمال، ولكنه لظننا مُزَاحمة الديون فهو رتبة متوسطة بين تصرّف الفضولي والمريض، بل بين تصرّف الراهن والمريض، وسواء ألحقناه بالمريض أم منعناه، فذلك في نفوذ التصرف، أما الحل فلا؛ فإن المريض يحل له الإقدام على التصرفات (٤) كلها الآن اعتمادًا على بقاء الحياة، والمفلس ممنوع منها؛ لمُرَاغمته ما شرع الحجر لأجله. انتهى كلام الشيخ الإمام الوالد ﵀. قلت: والحاصل أن ابن الرِّفْعَة يذهب في المُفْلس إلى أن الحَجْر لم يشمل الفاضل كما في المريض. والشيخ الإمام يقول: شمله ولكن نقضنا التصرف عند الاحتياج إلى نقضه (٥). وما قاله الشيخ الإمام أصحّ، وينبغي أن يبني على ما اختلف فيه ابن الرِّفْعَة وأبي رحمهما الله أنه هل ينقض من تصرفات المفلس الأضعف فالأضعف، أو الآخر فالآخر؟. فإن قلنا برأي الشيخ الإمام: اتّجه نقض الأضعف فالأضعف، وعليه جمهور الأصحاب، وهو الصحيح. وإن قلنا برأي ابن الرِّفْعَةِ: نقض الآخر فالآخر؛ لأنه المُصَادف لوقت الحجر، وهو رأي الشيخ أبي إسحاق الشِّيرَازي. وبتصحيح الأصحاب نقض الأضعف فالأضعف يظهر لك أن تصرّف أبي ﵀ أليق برأيهم من تصرف ابن الرِّفْعَة. ثم قال أبي ﵀: فتحصلنا على مراتب:

стр. 1450

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . إحداها: بيع الفضولي (١)، وقد أطلقوا وَقْف العقود عليه على الإجازة.

стр. 1451

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ومقتضى هذه العبارة أن العَقْد لا يوجد حتى يجاز، وهكذا عبارة من قال: "إن الصحة موقوفة" مقتضاه أن الصِّحة لا توجد إلّا بعد الإجازة، وهذا هو الظاهر، لكن الإمام قال: إن الصّحة ناجزة، والملك موقوف على الإجازة. وحكى الرَّافعي ذلك عنه ولم يخالفه، وفيه إشكال؛ لأن الصحة كيف توجد قبل وجود شرطها؛ ولأن الهبة يقف الملك فيها على القبض، والبيع يقف الملك فيه على [انقضاء] (١) الخيار على قول، ولا خلاف في وصفهما بالصحة. والحنفيّة نقلوا عن أبي حنيفة، وأبي يوسف أن الملك حاصل في بيع الفُضُولي، وأن معنى الوقف فيه يعرضه للإبطال إذا رد المالك. وعن محمد أن الملك لا يوجد إلّا إذا أجاز كالقول القديم عندنا، ولم يتعرضوا لوصفه بالصحة قبل ذلك. والأقرب في هذا النَّوْع على قول الوقف أن الإجازة مع الإيجاب والقبول [بانتهاء] (٢) [ثلاثتها] (٣) أركان العقد، فلا توجد الصحة والملك إلا بعدها.

стр. 1452

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الثانية: بيع الغاصب إذا عسر يبيعه بالبعض لكثرته، وإنما يفارق الرتبة الأولى بالعُسْر، وفيه قولان في الجديد. إذا قلنا ببطلان الأول، والقول بالصحة فيه مع القول في الأول بالبُطْلان يفضي إلى اعتبار الشرط بعد المشروط، وأجمع العقلاء أن الشَّرْط يجب أن يكون متقدمًا أو مقارنًا؛ فلذلك كان هذا القول ضعيفًا. الثالثة: بيع مال يظنه لأبيه، ويكون أبوه قَدْ مَاتَ وهو وارثه، والموقوف التبين والعلم بصحة العقد لا نفس الصِّحة ولا الملك، وإن كانوا أدرجوا هذه الصورة تحت قوله [وقف] (١) العقود. الرابعة: بيع المَرْهُون بغير إذن المرتهن على الاحتمال الذي أَبْدَاه الإمام. وقال: إن هذا الوقف زائد على الأقسام الثَّلاثة المتقدّمة، والذي يظهر أنه من القسم الأول، ولكنه أولى منه؛ لأن الوقف مع السَّبب وقيام المانع أولى منه مع عدم السبب، وهو الملك. ولعلّ قول الإمام: إنه غير الأصناف الثلاثة لمكان هذه الأولوية، ويتوهّم بعض الناس أن كونه منع نفسه بالرهن فارقٌ بينه وبين الفضولي، وموجب لأن لا يجري الخلاف فيه، وليس كذلك، بل الإمام في باب الإقرار ذكر أن بيع الرّاهن كبيع الفضولي بلا خلاف، وأن الخلاف في الجديد إنما هو في المفلس؛ لأنه لم يحجر على نفسه. الخامسة: بيع المُفلس ماله (٢)، وقد علمت المأخذ الذي أشار إليه الغَزَاليّ، وذكره ابن الرفعة فيه، وبه يعلم أنه أولى بالصّحة من المرهون، وكذلك ما قاله الإمام في "الإقرار".

стр. 1453

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1454

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . السَّادسة: تصرف المريض (١)، وقد تقَّدم بيان ظهور الصّحة فيه. انتهى كلام الشيخ الإمام، ذكره في كتاب "التفليس" من تكملة "شرح المهذب". وإنما أجملنا ذكره مع طوله ومُجَانبته لفنّ أصول الفِقْهِ لمكان نَفَاسته، وعظم فائدته.

стр. 1455

مَسْأَلَةٌ: الْإِجْمَاعُ يُخَصِّصُ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ ؛ كَتَنْصِيفِ آيَةِ الْقَذْفِ عَلَى الْعَبْدِ؛ وَلَوْ عَمِلُوا بِخِلَافِ نَصٍّ، تَضَمَّنَ نَاسِخًا. «مسألة» الشرح: "الإجماع [يخصص] (١) الكتاب والسُّنة" (٢)، بمعنى أنه دالّ على وجود المخصص في نفس الأمر؛ إذ الإجماع لا بد له من مستندٍ، ودليل كونه مخصّصًا الوقوع، "كتنصيف آية القَذْفِ على العبد"، ولك مبع قيام الإجماع؛ فإن جماعة منهم عمر بن عبد العزيز - كما نقله عنه مالك في "الموطأ" - ذهبوا إلى أن العَبْدَ يجلد بالقذف بما بين، اللَّهم إلا أن يثبت قيام الإجْمَاع بعد الاختلاف.

стр. 1456

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفيه ما فيه "ولو عملوا بخلاف نصّ" في حكم يتناوله بنصوصيته لا بعمومه "تضمن" عملهم "ناسخًا" أطْلَقُوا عليه، فلا فَرْقَ حينئذ بين أن يخصّ القرآن بالإجماع أو ينسخ؛ إذ الكلّ يتضمّن مقتضيًا لذلك إلّا أنه لم يقع نسخ قرآن بالإجماع. فقيل: لا ينسخ، ووقوع التخصيص، فقيل: يخصص. فإن قلت: قولكم: "ولو عملوا بخلاف نصّ" أمر تقديري؛ فإن ذلك لم يقع أمر تحقيقي؟ ودليله الإجماع على العمل، بخلاف حديث جمع النبي ﷺ بـ "المدينة" بين الصَّلاتين من غير خوف ولا مطر، بخلاف حديث: "مَنْ شَرِبَ الخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ … " الحديث، وفيه "فإنْ شَرِبَهَا فِي الرَّابِعَةِ فَاقْتُلُوهُ"؟ (١).

стр. 1457

مَسْأَلَةٌ: الْعَامُّ يُخَصُّ بالْمَفْهُومِ، إِنْ قِيلَ بِهِ؛ وَمُثِّلَ: "فِي الأَنْعَامِ الزَّكَاةُ"، "فِي الْغَنَمِ السَّائِمةِ زَكَاةٌ"؛ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ. فَإنْ قِيلَ: الْعَامُّ أَقْوَى؛ فَلَا مُعَارَضَةَ. قُلْنَا: الْجَمْعُ أَوْلَى كَغَيْرِهِ. قلت: بل هو تقديري، ولذلك عبر المصنّف بـ "لو" الدالة على الامتناع، ومَعَاذ الله أن تخالف الأمة النَّص؛ لأن ذلك مع العلم فسوق أو كفر، ومع الجهل خطأ، وما ذكر من حديث الجمع قد قال بظَاهِرِهِ جماعة منهم من أصحابنا ابن المُنْذِرِ، وأبو إسحاق، فأجازوا ذلك بلا عُذْرٍ، وَحَمَلَهُ قوم على الجمع بالمرض، فأجازوه به، وهو اختيار النووي. وأوله المانعون بأنه أخر الصلاة الأولى إلى أواخر الوَقْتِ، بحيث كان فراغها يعقبه خروج الوقت، ثم صلّى الثَّانية عقيبها، وهذا جمع ولكن في الوقت، وما ذكر من حديث القَتْل في الرَّابعة بالخمر: قيل: إنه منسوخ. وقيل: إنه غير صحيح. ونظيره حديث: "إذَا بُويعَ لِخَلِيْفَتَينِ فَاقْتُلُوا الآخِرَ مِنْهُمَا" (١) وهو في صحيح مسلم، وله تأويلات. «مسألة» الشرح: "العام يخص بالمفهوم" (٢) مفهوم المُخَالفة "إن قيل به" وأما إن لم يقل به فظاهره أنه لا يخصّ؛ إذ لا حجة له، "ومثل" بقول القائل "في الأنْعَامِ الزَّكَاةُ" مع "في الغَنَمِ

стр. 1458

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . السَّائِمَةِ زَكَاةٌ" فإن قضية الأول تعميم الوجوب في الأنعام إبلًا وبقرًا وغنمًا وأصنافها سَائِمة ومَعْلُوفة، ومفهوم الثاني إخراج معلوفة الغنم. واعلم أن الموجود بخطّ المصنّف: "ومثل في الأنعام الزكاة ليس في الغنم السَّائمة زكاة" بلفظ "ليس"، أو ليس ذلك في "الإحكام"، ولا يظهر له وجه، فشرحه الشارحون على ما في "الإحكام"، ثم إن المصنّف لم يُشِرْ بقوله: "ومُثِّل: في الأنعام الزكاة" إلى حديث؛ فإنا لا نعرف هذا اللفظ في حديث، ولذلك كانت عبارة الآمدي: كما لو ورد: في الأنعام الزكاة، وكانت عبارة المصنّف "ومُثِّلَ" مبني لما لم يسم فاعله، وقد رأيتها مضبوطةً بخطه، ولم يقل: ومُثِّل على العادة في ضرب الأمثلة؛ لأنه لفظ يوهم أن يكون هذا اللفظ قد ورد. وقد توهّم الشيرازي أن المصنّف قال: "وَمِثْلُ"، وقال: "الواو "عطف على شيء، كأنه سقط من قَلَمِ الناسخ، وهو ذكر مثال لمفهوم الموافقة. وليس كما توهّم؛ فإن المصنّف لم يتكلّم إلا في مفهوم المخالفة؛ بدليل قوله: إن قيل به، فإنه أشار إلى المفهوم المختلف في أنه حجّة، وهو المخالفة لا الموافقة. وأيضًا: فسنذكر قيام الإجماع على أنّ مفهوم الموافقة تخصيص، فلم يكن كبير غرض في الاحتجاج له. وأيضًا: فقد وقفت على النُّسخة التي هي بخطّه، وليس فيها ما ذكره الشيرازي. وأما "فِي الغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ" فأشار به إلى ما في: "الصحيح، وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة" "الحديث"، ولذلك كانت عبارة الآمدي: ثم ورد قوله: "فِي السَّائِمَةِ زَكَاةٌ". وإنما قلنا: يجب العمل بالمفهوم "للجمع بين الدَّليلين" العام، والمفهوم؛ فإنه أولى كما سبق. وقال الآمدي (١): لا نعرف خلافًا بين القائلين بالعموم والمفهوم في أنه يخص العموم. قلت: وإنما محلّ الاتفاق في مفهوم الموافقة، ولذلك لم يتحدّث فيه المصنّف؛ إذ لا كبير غرض في الاحتجاج لما لا نِزَاعَ فيه، وإنما تحدث في موضع النزاع، وهو مفهوم

стр. 1459

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . المُخَالفة، ولقد توقّف الإمام الرازي فلم يختر شيئًا في "المحصول"، وجزم في "المنتخب" بأنه لا يخصص به. وقال ابن دقيق العيد: إنه رآه لبعضهم (١)، وحَكَاه أبو الخَطَّاب الحنبلي عن قوم. وقال ابن السَّمْعَاني: يجوز تخصيص العموم بدليل الخطاب على الظاهر من مذهب الشَّافعي، ولفظ "الظاهر ظاهر" في أن الخلاف موجود. قال: ومثاله في الكتاب قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٤١]؛ فإنه عام في كل مطلقة، ثم قال: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٣٦]. [فكان] (٢) دليله أن لا مُتْعَةَ للمدخول بها، فخصّ بها في أظهر قوليه عموم المطلقات، وامتنع من التخصيص بها في القول الآخر. انتهى. وقضيته: تخريجُ قول للشَّافعي في تخصيص العموم بالمفهوم بكلام هذا الإمام الثَّبَت، واستفد ذلك. والأصح في المذهب وجوب المُتْعَةِ للمدخول بها، ولكن المختار في الأصول أن المفهوم يخصّ العموم؛ لما ذكرناه. "فإن قيل: العام أقوى" من المفهوم؛ لكونه منطوقًا، "فلا معارضة"؛ إذ شأن المتعارضين التعادل، وإذا لم يعارضه فلا يخصصه. "قلنا": لا نسلم أنّ العام أقوى مطلقًا، بل من حيث إنه منطوق فقط، والمفهوم أقوى من حيث الدّلالة على الخاص، و"الجمع أولى" من سقوط أحد الدليلين؛ فإنَّ العمل بالمفهوم لا يلزم منه إبطال العُمُوم مُطْلقًا، بخلاف العكس، فيجمع عند تعارضهما بين دليليهما "كغيره" من المخصّصات، فإنا نعمل بها جمعًا بين الأدلّة، ولا يشترط التَّساوي في القوة من حيث المَتْن، كما يخصّ المتواتر بخبر الواحد وليسا متساويين، بل كل منهما أرجح من وجه. ولقائل أن يقول: لا نسلّم أن المفهوم راجح من حيث الدّلالة، وليس كالعام والخاص؛ فإنهما منطوقان.

стр. 1460

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وأما المفهوم فغير منطوق، فلم قلتم: إنه أقوى من دلالة العموم؟ "تنبيه" إنما أتى المصنّف بحرف الشرط في قوله: "فإن قيل"، ولم يقل: "يقل" على العادة؛ لأنه كالآمدي لم يعرف مخالفًا في المسألة، فذكر بحثًا يمكن أن يقال به، ولم ير هو من قال به. "فائدة" قال الشيخ أبو حامد بعد أن ذكر أن دليل الخِطَابِ يخصّ العموم، هذا إذا عارضه غير النُّطق الذي هو أصله. فأما إذا عرض على نطقه وأصله، فإما أن نسقطه ونبطله أو نخصّه فقط، فإن أعرض بالإسقاط والإبْطَال سقط الدليل، وذلك مثل ما روى عن النبي ﷺ أنه قال: "أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتَ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَليِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ" (١) نص على البطلان بغير الإذن، ودليله يقتضي جوازه بالإذْنِ، إلّا أن هذا الدليل إذا ثبت سقط النُّطق؛ لأن الأمّة أجمعت على التسوية بين أن تنكح المرأة بغير إذن وليها، وبين أن تنكح نفسها بإذنه، فعندما يبطل النكاح في الموضعين معًا، وعند المخالفين يصحّ فيهما، فإذا ثبت بالدَّليل جواز ذلك بإذنه ثبت بالإجماع جوازه بغير إذنه، وإذا ثبت جوازه بغير إذنه سقط النُّطق، فيكون هذا الدّليل مسقطًا لأصله فيسقط الدليل، ويثبت النطق. قال: وأما إذا كان الدليل لا يسقط أصله، ولكن يخصه مثل قوله ﷺ : "إنَّ الله حَرَّمَ

стр. 1461

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الكَلْبَ وَحَرَّمَ ثَمَنَهُ" (١) فقوله: "إن الله حرم الكلب" يقتضي تحريم جميع جهات الانتفاع به من البيع، والإجارة، والهِبَةِ وغيرها. وقوله: "وحَرّم ثَمَنَهُ" دليل أن غير الثمن ليس بمحرم، وهذا يخص عموم ذلك النطق المحرم، فالمذهب أن الدّليل يسقط، ولا يخصص عموم أصله به. وحكي عن أبي الحسين بن القَطّان (٢) أنه قال: يجوز تخصيص أصله به، وليس بشيء؛ لأنه فرع الأصل، فلا يجوز أن يعترض عليه، وسقط شيء من حكمه. وأصحاب أبي حنيفة يجيزون مثل هذا في القياس إذا خصّ أصله، ولا نجيزه نحن، وقد تكلّمنا عليه في مسألة الزنا. فأما دَلِيلُ الخطاب [فهم] (٣) لا يقولون به حتَّى نتكلّم معهم في التَّخصيص به. قلت: وكذلك ذكره سليم الرَّازي تلميذ الشَّيخ أبي حامد في "التقريب"، وهو ما يقوله أصحابنا: لا يجوز أن يستنبط من النَّص معنى يعود على أصله بالبُطْلان، وهل يجوز أن يستنبط معنى يخصه؟ فيه قولان: قالوا: يجوز أن يستنبط منه معنى يعممه قَطْعًا، وهو القياس، وسيكون لنا عودة إلى ذكر هذا في كتاب "القياس" إن شاء الله تعالى.

стр. 1462

مَسْأَلَة: فِعْلُهُ ﷺ يُخَصِّصُ الْعُمُومَ؛ كَما لو قال ﵊: "الْوِصَالُ أَوِ الاسْتِقْبَالُ لِلْحَاجَةِ"، أَوْ: "كَشْفُ الفَخِذِ حَرَامٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ"، ثُمَّ فَعَلَ، فَإِنْ ثَبَتَ الاِتِّبَاعُ بِخَاصٍّ، فَنَسْخٌ، وَإِنْ ثَبَتَ بِعَامٍّ، فَالْمُخْتَارُ تَخْصِيصُهُ بِالْأوَّلِ. وَقِيلَ: الْعَمَلُ بِمُوَافِقِ الْفِعْلِ. وَقِيلَ: بالْوَقْفِ. الشرح: "فعله ﷺ يخصص العموم"؛ خلافًا لأبي الحسن الكرخي (١). قال ابن السَّمعاني: ولذلك أنه لم يخصّ نهى النبي ﷺ عن استقبال القِبْلَةِ، واستدبارها للبول والغائط (٢) باستقبال رسول الله ﷺ بـ "المدينة" "بيت المقدس"، واستدباره الكعبة، وقد خصصت الصحابة قوله ﵇ في الجمع بين الجَلْدِ والرَّجم بفعله في رَجْم ماعز والغَامِدِّية من غير جَلْد (٣)، هكذا ذكر الأصحاب. وعندي أن هذا بالنسخ أشبه. قلت: هو كما قال الشيخ: لا [يخصص] (٤). ومن الفوائد: نهيه ﵇ عن الوِصَالِ، ثم إنه خصّ في حقه بفعله هو إياه. ومثّل المصنّف للتخصيص بالفعل بألفاظ [يعرض] (٥) ورودها عامّة له "كما لو قال:

стр. 1463

لَنَا: التَّخْصِيصُ أَوْلَى؛ لِلْجَمْعِ. قَالُوا: الْفِعْلُ أَوْلَى؛ لِخُصُوصِهِ. قُلْنَا: الْكَلَامُ فِي الْعُمُومَيْن. الْجُمْهُورُ: إِذَا عَلِمَ ﷺ بِفِعْلِ مُخَالِفٍ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ - كَانَ مُخَصِّصًا لِلْفَاعِلِ، فَإِنَ تَبَيَّنَ مَعْنًى، حُمِلَ عَلَيْهِ مُوَافِقُهُ بِالْقِيَاسِ، أَوْ بِـ "حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ". لَنَا: أَنَّ سُكُوتَهُ دَلِيلُ الْجَوَازِ، فَإِنْ لَمَ يَتَبَيَّنَ، فَالْمُخْتَارُ: أَلَّا يَتَعَدَّى، لِتَعَذُّرِ دَلِيلِهِ. الوِصَالُ والاستقبال للحاجة، أو: كشف الفَخِذِ حرام كل كل مسلم"، فإن هذا يشمله، وينبغي أن يتذكر أن شموله إياه إنما هو بناء على دخول المُخَاطب في عموم خِطَابهِ، فإذا ورد هذا، "ثم فعل" علم أنه لم يدخل في حكم العموم، ثم وجب اتباعه علينا إما أن يكون بدليل خاصّ أو عام، "فإن ثبت الاتباع" بدليل "خاصّ" بما فعله مثل: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي"، فإنه خاص بالصلاة، وليس شاملًا لكل فعل يفعله، "فنسخ" لتحريمه، "وإن ثبت بعام" في جميع الأفعال مثل: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٢١] "فالمختار تخصيصه بالأول"، أي: تخصيص العام الذي ثبت به التأسّي، وهو: "لَقَدْ كَانَ لَكُمْ" بالعام الأول، وهو: الوصال حرام مثلًا، فكأنه استثنى من الأسوة الوصال. "وقيل: العمل بموافق الفعل" دون مخالفه، فيكون الفعل نَاسِخًا للعام الأول. "وقيل بالوقف"؛ لتساوي العمومين. الشرح: "لنا: التَّخصيص أولى" من النَّسْخ "للجمع" بين الدَّليلين. "قالوا: الفعل" خاصّ، والقول عام، والخاصّ "أولى لخصوصه" كغيره. "قلنا: الكلام" إنما وقع "في العمومين"، وهما مثلا: "لَقَدْ كَانَ لَكُمْ" و"الوِصَالُ حَرَامٌ"، وأما الفعل فلا دلالة له. الشرح: "الجمهور" على أنه: "إذا علم" النبي " ﷺ بفعل" صادر من بعض المكلّفين "مخالف" للعموم، "ولم ينكره كان مخصّصًا للفاعل، فإن تبين معنى" هو العلّة لتقرير ذلك الفاعل "حُمِلَ عليه" كلّ من هو "موافقه"، أي: مشاركه في العلّة، وكان حكمها سواء، إما

стр. 1464

مَسْأَلَةٌ: الْجُمْهُورُ: أَنَّ مَذْهَبَ الصَّحَابِيِّ لَيْسَ بمُخَصِّصٍ، وَلَوْ كَانَ الرَّاوِيَ - خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلةِ. لَنَا: لَيْسَ بِحُجَّةٍ. قَالُوا: يَسْتَلْزِمُ دَليلًا، وَإِلَّا كَانَ فَاسِقًا؛ فَيَجِبُ الْجَمْعُ. قُلْنَا: يَسْتَلْزِمُ دَلِيلًا فِي ظَنِّهِ، فَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ اتِّبَاعُهُ. بالقياس عنْد من يخصّ العموم "بالقياس، أو بـ "حُكْمِي عَلَى الوَاحِدِ" حُكْمِي عَلَى الجَمَاعَةِ، وهو الحديث الذي قلنا: إنه وإن لم يعرف فمعناه مجمع عليه، ويشترط ألّا يستوعب ذلك المعنى جميع أفراد العام، وإلّا يكون نسخًا. "لنا: أن سكوته" ﵊ عن الإنكار "دليل الجواز"؛ لما مَرّ من أنه لا يقرّ على باطل، "فإن لم يتبين" المعنى المقتضى للتخصيص، "فالمختار ألّا يتعدى" حكمه إلى غيره؛ "لتعذّر دليله" أي: دليل التعدّى. أما بالقياس فظاهر، وأَما بـ "حكمي على الواحد"؛ فلأنه مخصوص بما علم فيه عدم الفارق، وهنا لم يعلم؛ لاختلاف الناس في الأحكام. ولقائل أن يقول: إذا ثبت "حكمي على الواحد" لم يحتج إلى العلم بالجامع، بل يكفي عدم العلم بالفارق، والأصل بعد ثبوت هذا الحديث أن الخلق في الشرع شرع، فالمختار عندنا التَّعميم، وإن لم يظهر المعنى ما لم يظهر ما يقتضى التخصيص، ثم إن استوعب الأفراد كلها فهو نسخ، وإلا فتخصيص. «مسألة» الشرح: ذهب "الجمهور" إلى "أن مذهب الصَّحابي" (١) إذا كان على خلاف العموم "ليس بمخصّص، ولو كان" هو الرَّاوي لذلك العام، كذلك مذهب الرَّاوي لا يخصص

стр. 1465

قَالُوا: لَوْ كَانَ ظَنِّيًّا، لَبَيَّنَهُ. قُلْنَا: وَلَوْ كانَ قَطْعِيًّا، لَبَيَّنَهُ. وَأَيْضًا: لَمْ يَخْفَ عَنْ غَيْرِهِ. وَأَيْضًا: لَمْ يَجُزْ لِصَحَابِيٍّ مُخَالَفَتُه، وَهُوَ اتِّفَاقٌ. العموم الذي رواه ولو كان صحابيًّا؛ "خلافا للحنفيّة والحنابلة" فيهما، ثم مأخذهم في الصَّحابي أن قوله حجّة، وفي الراوي إذا لم يكن صحابَيًّا أنه أعرف بمخرج ما رواه من غيره. ومذهبنا: أن نقول: الصَّحابي ليس بحجّة، وعلى القول بأنه حجّة - وهو القديم - اختلف أصحابنا في تخصيص العموم به على وجهين. أحدهما: الجواز؛ لأنه حجّه شرعية. والثاني: المنع؛ لأنه محجوج بالعموم، وقد كانت الصّحابة يتركون أقوالهم إذا سمعوا العموم. قال ابن عمر: "كنا نُخَابِرُ أربعين سَنَةً حتى روى لنا رافع بن خديج أن النبي ﷺ نهى عن المُخَابَرَةِ، فتركناها". "لنا": أن العموم حجّة، وقول الصحابي "ليس بحجّة"، فلا تخصيص. "قالوا" خلافه "يستلزم دليلًا، وَإلَّا كان فاسقًا، فيجب الجمع" بين [العام] (١) والدليل الذي خالف من أجله. "قلنا": أما أن خلافه "يستلزم دليلًا" فحقّ، ولكن "في ظنه" لا في نفس الأمر، وإذا كان كذلك، "فلا يجوز لغيره اتباعه"؛ لأن المجتهد لا يقلد مجتهدًا. الشرح: "قالوا" دَفْعًا لهذا الجواب: إن الَّذي خالف من أجله قطعي؛ إذ "لو كان ظنيًّا لبينه"؛ لينظر فيه غيره، ولتندفع التُّهْمَة. "قلنا" أولًا. هذا معارض بمثله، فنقول: "ولو كان قَطْعيًّا لبيّنه" دفعًا للتُّهمة، وليصير غيره إليه، "وأيضًا": لو كان قطعيًّا "لم يَخْفَ عن غيره" من الصحابة عادة، "وأيضًا: لم يَجُزْ

стр. 1466

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لصحابي" آخر "مخالفته"؛ إذ القاطع لا يخالف، "وهو "أي: جواز المُخَالفة "اتفاق" أي: يجوز بالاتفاق مُخَالفة صَحَابي آخر. واعلم أن هنا مسألتين: إحداهما: مخالفة الصَّحابي للعام، فإن قلنا: مذهبه حجّه خص، سواء كان الراوي أم لا على الأصح. وقيل: لا يخصّ، وإنما يحتج به إذا لم يعارضه العموم كما عرفت. وقيل: لا يخصّ إلّا إذا كان هو راوي العموم. والثانية: في مخالفة الراوي غير الصَّحابي، والأصح لا يخص. وقيل: يخصّ؛ لأنه أعلم بما رواه. وحجاج المصنّف ودليله يقتضي أن كلامه في الرَّاوي مطلقًا، وأنّ كلامه فيه إذا كان صحابيًّا إنما هو على التفريع بأنه غير حجّة؛ إذ استدلّ بأن قوله غير حجّة، ولو لم يكن مفرعًا على ذلك لكان مُصَادرًا على المطلوب، أو على التفريع بأنه حجة، ولكن لا يعارض العموم، فاعرف ذلك. وقد قَدّمنا في عمل الراوي بخلاف روايته أنه لا فَرْقَ بين أن يكون صحابيًّا أو لا، فَتَذَكَّره واعتمده. "فرع" نقول على أصلنا: قول ابن عباس: "إن المرأة لا تقتل بالرِّدَّة" (١) إن ثبت عنه لا يخصّ عموم ما رواه من قوله ﷺ : "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ" (٢)، ويحتمل أنه كان يرى أن المؤنث لا

стр. 1467

مَسْأَلَةٌ: الْجُمْهُورُ: إِنَّ العَادَةَ فِي تَنَاوُلِ بَعْضٍ خَاصٍّ - لَيْسَ بِمُخَصِّصٍ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ ؛ مِثْلُ: "حَرَّمْتُ الرِّبا فِي الطَّعَامِ"، وَعَادَتُهُمْ تَنَاوُلُ الْبُرِّ. يدخل تحت لفظ "مَنْ" الشرطية، ولا يكون مخالفًا حينئذٍ لروايته، وغَسْل أبي هريرة من وُلُوغ كلب الزرع ثلاثًا لا يخصّ عموم ما رواه من قوله ﷺ : "إِذَا وَلغَ الكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا". والعموم في هذا الحديث في الكلب؛ إذ هو اسم جنس محلّي بـ "الألف" و"اللام"، فيعم كلب الزَّرْع وغيره؛ لأن في قوله: "سبعًا" وإن قاله القاضي في "التقريب" وغيره؛ إذ أسماء الأعداد نصوص في مسمّياتها لا عامة، فإن كان القاضي يرى أن أسماء العدد عامة، وإلَّا فتقريره مدخول. "مسألة" الشرح: أطلق أئمتنا كالشيخ أبي إسحاق الشِّيرَازي، وابن السَّمعاني وغيرهما القول بأن العادة لا تخصص العموم، وهذا الإطلاق يحتمل أمورًا: (١) أحدها: أن يوجب النبي ﷺ أو يحرم أشياء بلفظ عام، ثم يرى من بعد العادة جارية بترك بعضها أو بفعله، وهل يخصص حتى يقال: المراد من العام ما عدا ذلك البَعْض الذي جرت به العادة؟ وهذا الوجه هو الَّذي تكلّم فيه الإمام الرَّازي وأتباعه، واختار أنه إن علم جريان العَادَةِ في زمن النبي ﷺ مع عدم منعه عنها، فيخص، والمخصص في الحقيقة تقريره ﵇،

стр. 1468

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وإن علم عدم جَرَيَانِهَا لم يخص إلا أن يجمع على فعلها، فيكون تخصيصًا بالإجماع العقلي، وإن جهل الحال فاحتمالان. والثاني: أن تكون العادة جارية بفعل شيء قبل ورود اللَّفظ العام، فيرد العام بعد، فهل يكون اللّفظ مقصورًا على ما وراء تلك الصورة حتى يقال: إن تلك الصورة غير مرادة، وإنما المراد ما عداها؟ وهذا الوجه هو الذي تكلم فيه الشيخ أبو حامد، ولعلّه الذي أراده الشيخ أبو إسحاق، وابن السمعاني؛ لأنهما يتبعان الشيخ أبا حامد. قال أبو حامد: ولا يجوز التخصيص به. قال: وذلك مثل أن يرد عن النبي ﷺ خبر في بيع أو غيره، وعادة الناس تُخَالفه، فيجب الأخذ بالخبر، وإطراح تلك العادة. قال: وليس في هذا خلاف. قلت: وعنده أن ما وراء الذي جرت به العادة مراد من اللَّفظ بلا نظر، وإنما الكلام فيما جرت به عادة كما ترى. ثم قال: فإن قيل: أليس قد خصصتم عموم لفظ اليَمِينِ بالعادة، فقلتم: إذا حلف لا يأكل بَيْضًا، أو لا يأكل الرّءوس، فلا يحنث إلا بما يعتاد أكله من الرُّءوس والبيض؟ فهلّا قلتم في ألفاظ الشارعِ مثل ذلك. قيل: نحن لا نخص اليمين بعرف العادة، وإنما نخصّه بعرف الشَّارع، مثل: لا تُصَلِّ أو لا تصم، فيحنث بالشرعي، أو بعرف قائم في الاسم مثل: لا تأكل البيض أو الرّءوس، فيعقل من إطلاق هذا الاسم الرءوس التي تقصد بالأكل، فيخص اليمين بعرف قائم في الاسم، فأما بعرف العادة فلا يخصّ؛ لأنه لو حلف لا يأكل خبزًا ببلد لا يؤكل فيه خبز الأرز حنث بأكل خبز الأرز، وإن كان لا يعتاد أكله. قلت: وحاصله: أن العرف إن جرى بتخصيص اللَّفظ ببعض مدلولاته اعتمد (١)، ولذلك نقول: الحقيقةُ العرفية مقدّمة على اللّغوية.

стр. 1469

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ونقول: إن الاعتماد في الأيمان على العرف. والثالث: أن تجرى العادة بفعل معيّن، ثم يرد لفظ عام، فهل يقصر على ما جرت به

стр. 1470

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1471

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . العادة أو تجرى على عمومه؟ وهذا الوجه هو الذي تكلّم فيه القاضي في "التقريب" والغزالي، وجماعة منهم الآمدي والمصنّف، وهؤلاء عندهم أن الذي جرت به العادة مراد قطعًا، وإنما الخلاف في أنَّ غيره هل هو مراد معه؟ عكس القسم الذي قبله. فنقول: قال "الجمهور: إن العادة في تناول بعض خاصّ"، دون بعض "ليس بمخصص؛ خلافًا للحنفية، مثل" ما لو قال الشارع: "حرمت الربا في الطعام"، ومنه نهيه ﷺ عن بيع الطعام بجنسه، "وعادتهم تناول البُرّ"، فيجري اللفظ على عمومه في كل طعام، وهذا في عادة التناول دون الإطلاق. أما إن كان عرفهم تخصيص لفظ الطعام بالبُرّ، فإنه يخص به، وسيذكره المصنف، وهو في الحقيقة قولنا: إن العرفي مقدم على اللغوي.

стр. 1472

لَنَا: أَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ لُغَةً وَعُرْفًا، وَلَا مُخَصِّصَ. قَالُوا: يَتَخَصَّصُ بِهِ كَتَخْصِيصِ الدَّابَّةِ بِالْعُرْفِ، وَالنَّقْدِ بِالْغَالِبِ. قُلْنَا: إنْ غَلَبَ الاِسْمُ عَلَيْهِ؛ كَالدَّابَّةِ - اخْتَصَّ بِهِ؛ بِخِلَافِ غَلَبَةِ تَنَاوُلِهِ، وَالْفَرْضُ فِيهِ. قَالُوا: لَوْ قَالَ: "اشْتَرِ لِي لَحْمًا وَالْعَادَةُ تَنَاوُلُ الضَّأْنِ - لَمْ يُفْهَمْ سِوَاهُ. قُلْنَا: تِلْكَ قَرِينَةٌ فِي الْمُطْلَقِ؛ وَالْكَلَامُ فِي الْعُمُومِ. الشرح: "لنا" على أن العادة لا تخصص "أن اللفظ عام لغة وعرفًا". أما لغة: فظاهر. وأما عرفًا: فلأن عرفهم في تناوله لا في غَلَبَةِ استعمال اسم الطعام في البُرّ، "ولا مخصّص" له ببعض المَطْعُومات، فيبقى على عمومه. "قالوا": بل المخصّص قائم؛ فإنّ اللفظ من أجل العادة، "يتخصص به" أي بالمعتاد، "كتخصيص الدَّابة بالعرف والنقد بالغالب". "قلنا: إن غلب الاسم عليه كالدَّابة اختص به، بخلاف غلبة تناوله، والفرض فيه" لا في غلبة إطلاق الاسم. والحاصل: أنك إذا أطلقت النقد في بلد الغالب فيها الدَّراهم، لم يحكم بأن الدنانير خارجة عن حقيقة اللفظ عرفًا، بل تفهم الدَّراهم بالعادة، والدنانير لا تنافيها، ولم يتصرّف أهل العرف في اللَّفظ بحال، وإنما عرفهم في الملفوظ فقط، واللفظ باقٍ على حاله. "قالوا: لو قال: اشْتَرِ لي لحمًا، والعادة تناول الضَّأَن لم يفهم سواه"، فدلّ أن العادة مخصصة. "قلنا": اللَّحم هنا مطلق لا عام؛ لكونه نكرة في سياق الإثبات، و"تلك" العادة "قرينة في المُطْلق" تقيده، "والكلام" ليس في ذلك، بل "في العموم"، والفرق بين العموم والإطلاق واضح، فإن العمل بالمقيد ليس فيه ترك المطلق، بخلاف الخاص. "فرع" إذا باع شَجَرة وأطلق، دخل في بيعها أغصانها إلا اليَابِس ؛ لأن العادة فيه القطع.

стр. 1473

مَسْأَلَةٌ: الْجمْهُورُ إِذَا وَافَقَ الْخَاصُّ حُكْمَ الْعَامِّ، فَلَا تَخْصِيصَ ؛ خِلَافًا لِأَبِي ثَوْرٍ؛ مِثْلُ و"أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ"، وَقَوْلِهِ ﵊ فِي شَاةِ مَيْمُونَةَ: "دِبَاغُهَا طُهُورُهَا". وقال صاحب "التهذيب": يحتمل ألَّا يدخل، كالصوف على ظهر الغَنَمِ، يعني إذا بيع وقد استحق الجَزَّ آخر. قال صاحب "البيان" في "الوكالة": قال أبو العباس: إذا دفع إلى وكيله دراهم، وقال: أسلفها في طعام، أو في الطعام، أسلفها في الحِنْطَةِ فإن أسلفها في الشعير لم يصح؛ لأن إطلاق اسم الطَّعام في العرف ينصرف إلى الحِنْطَةِ، دون غيرها، وإن كان الطَّعام اسمًا للكلّ في اللغة، إلَّا أن الاعتبار بالعرف دون العموم، ألا ترى أنه لو قال: اشتر لي خبزًا، انصرف ذلك إلى الخبز المعتاد من موضعه. حتى لو كان في "العراق" لم يجز له أن يشتري خبز الأرز. هكذا ذكر عامة أصحابنا. وقال أبو المحاسن (١): إذا قال: اشتر لي بها الطَّعَام، لم يصحّ التوكيل، خلافًا لأبي حنيفة. انتهى. «مسألة» الشرح: قال "الجمهور: إذا وافق الخاصّ حكم العام فلا [تخصيص (٢)] (٣) ". وإن شئت قلت: إذا أفرد الشَّارع فردًا من أفراد العام بالذكر، وحكم عليه بما حكم

стр. 1474

لَنَا: لَا تَعَارُضَ؛ فَلْيُعْمَلْ بِهِمَا. قَالُوا: الْمَفْهُومُ يُخَصِّصُ الْعُمُومَ. قُلْنَا: مَفْهُومُ اللَّقَب مَرْدُودٌ. مَسْأَلَةٌ: رُجُوعُ الضَّمِيرِ إِلَى الْبَعْضِ لَيْسَ بِتَخْصِيصٍ. الْإمَامُ وَأَبُو الحُسَيْنِ: تَخْصِيصٌ. وَقِيلَ: بِالْوَقْفِ؛ مِثْلُ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٢٨] مَعَ ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٢٨]. على العامّ لم يخصصه؛ "خلافًا لأبي ثور، مثل" ما في صحيح مسلم من قوله ﷺ : "أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ"، وقوله ﵇ في شاة ميمونة: "دِبَاغُهَا طُهُورُهَا" واللفظ في "صحيح مسلم": أن رسول الله ﷺ مَرَّ بشاة ميتة لمولاةٍ لميمونة فقال: "أَلَا أَخَذُوا إِهَابَهَا فَدَبَغُوهُ فَانْتَفَعُوا بِهِ". الشرح: "لنا": أن المخصص لا بد أن يكون بينه وبين العام تعارض، و"لا تعارض" بين الكُلّ والبعض في الحكم إذا حكم عليهما بحكم واحد، "فليعمل بهما". وأبو ثور ومتابعوه "قالوا": مفهوم تخصيص الْفَرْدِ بالذكر كما في: "دِبَاغها طهورها" نفى الحكم عن المخالف، و"المفهوم تخصيص العموم". "قلنا" إنما يخصّص العموم من المفاهيم ما تقوم به الحُجَّة، فأما "مفهوم اللقب" كالشَّاة، فإنه "مردود" كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وأنا أقول: إن أبا ثور لا يستند إلى أن مفهوم اللقب حجّة؛ فإن غالب الظن أنه لا يقول به، ولو قال به لكان الظاهر أنه يحكى عنه، فقد حكى عن الدَّقَّاق وهو دونه، ولكنه يجعل ورود الخاصّ بعد تقدم العام قرينة في أنَّ المراد بذلك العام هذا الخاص، ويجعل العام كالمطلق، والخاص كالمقيد، وليس ذلك قولًا منه بمفهوم اللقب فافهمه. "مسألة" الشرح: "رجوع الضمير" الواقع عقب اللّفظ العام "إلى البعض" من أفراده "ليس بتخصيص".

стр. 1475

لَنَا: لَفْظَانِ؛ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ مَجَازِ أَحَدِهِمَا مَجَازُ الآخَرِ. قَالُوا: يَلْزَمُ مُخَالَفَةُ الضَّمِيرِ. وَأَجِيبَ: بِأنَّهُ كَإِعَادةِ الظَّاهِرِ. الْوَقْفُ لِعَدَمِ التَّرْجِيحِ. وَأُجِيبَ: بِظُهُورِ الْعُمُومِ فِيهِمَا؛ فَلَوْ خَصَّصْنَا الْأَوَّلَ، خَصَّصْنَاهُمَا، وَلَوْ سُلِّمَ، فَالظَّاهِرُ أَقْوَى. وإن شئت قلت: إذا عقب لفظ العام باستثناء، أو صفة، أو حكم خاص لا يتأتى إلا في بعض مدلوله لم يوجب ذلك تخصيصه عند الأكثرين من أصحابنا. وقال "الإمام، وأبو الحسين" فيما نقله المصنف: "تخصيص" وعليه أكثر الحنفية (١). "وقيل بالوقف" في المسألة، وهو رأي أبي الحسين، والإمامين، نصوا عليه في "المعتمد" و "البرهان" و"المحصول"، وذلك "مثل" قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٢٨] "مع" قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٢٨] فإن المطلقات عام في الرَّجعيات والبوائّن، والضمير في البُعُولة إنما يصحّ عوده إلى الرَّجعيات منهنّ فقط، فلا يقتضي تخصيص المطلّقات، وأن يقال: إنما أريد بهنّ الرجعيات، بل يجري على عمومه؛ خلافًا لهم. الشرح: "لنا": أن العام والضمير "لفظان، فلا يلزم من مجاز أحدهما" وهو الضمير الخارج عن حقيقته الَّتي هي العموم "مجاز الآخر"، وهو العام. ولقائل أن يقول: الخَصْمُ لا يسلّم وقوع المجاز في الضمير، بل هو عنده [عائد] (٢) إلى جميع ما تقدم. نعم: عنده أن جميع ما تقدم خاص.
следующие страницы →