. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
العادة أو تجرى على عمومه؟
وهذا الوجه هو الذي تكلّم فيه القاضي في "التقريب" والغزالي، وجماعة منهم الآمدي والمصنّف، وهؤلاء عندهم أن الذي جرت به العادة مراد قطعًا، وإنما الخلاف في أنَّ غيره هل هو مراد معه؟ عكس القسم الذي قبله.
فنقول: قال "الجمهور: إن العادة في تناول بعض خاصّ"، دون بعض "ليس بمخصص؛ خلافًا للحنفية، مثل" ما لو قال الشارع: "حرمت الربا في الطعام"، ومنه نهيه ﷺ عن بيع الطعام بجنسه، "وعادتهم تناول البُرّ"، فيجري اللفظ على عمومه في كل طعام، وهذا في عادة التناول دون الإطلاق.
أما إن كان عرفهم تخصيص لفظ الطعام بالبُرّ، فإنه يخص به، وسيذكره المصنف، وهو في الحقيقة قولنا: إن العرفي مقدم على اللغوي.
стр. 1472
لَنَا: أَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ لُغَةً وَعُرْفًا، وَلَا مُخَصِّصَ.
قَالُوا: يَتَخَصَّصُ بِهِ كَتَخْصِيصِ الدَّابَّةِ بِالْعُرْفِ، وَالنَّقْدِ بِالْغَالِبِ.
قُلْنَا: إنْ غَلَبَ الاِسْمُ عَلَيْهِ؛ كَالدَّابَّةِ - اخْتَصَّ بِهِ؛ بِخِلَافِ غَلَبَةِ تَنَاوُلِهِ، وَالْفَرْضُ فِيهِ.
قَالُوا: لَوْ قَالَ: "اشْتَرِ لِي لَحْمًا وَالْعَادَةُ تَنَاوُلُ الضَّأْنِ - لَمْ يُفْهَمْ سِوَاهُ.
قُلْنَا: تِلْكَ قَرِينَةٌ فِي الْمُطْلَقِ؛ وَالْكَلَامُ فِي الْعُمُومِ.
الشرح: "لنا" على أن العادة لا تخصص "أن اللفظ عام لغة وعرفًا".
أما لغة: فظاهر.
وأما عرفًا: فلأن عرفهم في تناوله لا في غَلَبَةِ استعمال اسم الطعام في البُرّ، "ولا مخصّص" له ببعض المَطْعُومات، فيبقى على عمومه.
"قالوا": بل المخصّص قائم؛ فإنّ اللفظ من أجل العادة، "يتخصص به" أي بالمعتاد، "كتخصيص الدَّابة بالعرف والنقد بالغالب".
"قلنا: إن غلب الاسم عليه كالدَّابة اختص به، بخلاف غلبة تناوله، والفرض فيه" لا في غلبة إطلاق الاسم.
والحاصل: أنك إذا أطلقت النقد في بلد الغالب فيها الدَّراهم، لم يحكم بأن الدنانير خارجة عن حقيقة اللفظ عرفًا، بل تفهم الدَّراهم بالعادة، والدنانير لا تنافيها، ولم يتصرّف أهل العرف في اللَّفظ بحال، وإنما عرفهم في الملفوظ فقط، واللفظ باقٍ على حاله.
"قالوا: لو قال: اشْتَرِ لي لحمًا، والعادة تناول الضَّأَن لم يفهم سواه"، فدلّ أن العادة مخصصة.
"قلنا": اللَّحم هنا مطلق لا عام؛ لكونه نكرة في سياق الإثبات، و"تلك" العادة "قرينة في المُطْلق" تقيده، "والكلام" ليس في ذلك، بل "في العموم"، والفرق بين العموم والإطلاق واضح، فإن العمل بالمقيد ليس فيه ترك المطلق، بخلاف الخاص.
"فرع"
إذا باع شَجَرة وأطلق، دخل في بيعها أغصانها إلا اليَابِس ؛ لأن العادة فيه القطع.
стр. 1473
مَسْأَلَةٌ:
الْجمْهُورُ إِذَا وَافَقَ الْخَاصُّ حُكْمَ الْعَامِّ، فَلَا تَخْصِيصَ ؛ خِلَافًا لِأَبِي ثَوْرٍ؛ مِثْلُ و"أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ"، وَقَوْلِهِ ﵊ فِي شَاةِ مَيْمُونَةَ: "دِبَاغُهَا طُهُورُهَا".
وقال صاحب "التهذيب": يحتمل ألَّا يدخل، كالصوف على ظهر الغَنَمِ، يعني إذا بيع وقد استحق الجَزَّ آخر.
قال صاحب "البيان" في "الوكالة": قال أبو العباس: إذا دفع إلى وكيله دراهم، وقال: أسلفها في طعام، أو في الطعام، أسلفها في الحِنْطَةِ فإن أسلفها في الشعير لم يصح؛ لأن إطلاق اسم الطَّعام في العرف ينصرف إلى الحِنْطَةِ، دون غيرها، وإن كان الطَّعام اسمًا للكلّ في اللغة، إلَّا أن الاعتبار بالعرف دون العموم، ألا ترى أنه لو قال: اشتر لي خبزًا، انصرف ذلك إلى الخبز المعتاد من موضعه. حتى لو كان في "العراق" لم يجز له أن يشتري خبز الأرز. هكذا ذكر عامة أصحابنا.
وقال أبو المحاسن (١): إذا قال: اشتر لي بها الطَّعَام، لم يصحّ التوكيل، خلافًا لأبي حنيفة. انتهى.
«مسألة»
الشرح: قال "الجمهور: إذا وافق الخاصّ حكم العام فلا [تخصيص (٢)] (٣) ".
وإن شئت قلت: إذا أفرد الشَّارع فردًا من أفراد العام بالذكر، وحكم عليه بما حكم
стр. 1474
لَنَا: لَا تَعَارُضَ؛ فَلْيُعْمَلْ بِهِمَا.
قَالُوا: الْمَفْهُومُ يُخَصِّصُ الْعُمُومَ.
قُلْنَا: مَفْهُومُ اللَّقَب مَرْدُودٌ.
مَسْأَلَةٌ:
رُجُوعُ الضَّمِيرِ إِلَى الْبَعْضِ لَيْسَ بِتَخْصِيصٍ.
الْإمَامُ وَأَبُو الحُسَيْنِ: تَخْصِيصٌ.
وَقِيلَ: بِالْوَقْفِ؛ مِثْلُ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٢٨] مَعَ ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٢٨].
على العامّ لم يخصصه؛ "خلافًا لأبي ثور، مثل" ما في صحيح مسلم من قوله ﷺ : "أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ"، وقوله ﵇ في شاة ميمونة: "دِبَاغُهَا طُهُورُهَا" واللفظ في "صحيح مسلم": أن رسول الله ﷺ مَرَّ بشاة ميتة لمولاةٍ لميمونة فقال: "أَلَا أَخَذُوا إِهَابَهَا فَدَبَغُوهُ فَانْتَفَعُوا بِهِ".
الشرح: "لنا": أن المخصص لا بد أن يكون بينه وبين العام تعارض، و"لا تعارض" بين الكُلّ والبعض في الحكم إذا حكم عليهما بحكم واحد، "فليعمل بهما".
وأبو ثور ومتابعوه "قالوا": مفهوم تخصيص الْفَرْدِ بالذكر كما في: "دِبَاغها طهورها" نفى الحكم عن المخالف، و"المفهوم تخصيص العموم".
"قلنا" إنما يخصّص العموم من المفاهيم ما تقوم به الحُجَّة، فأما "مفهوم اللقب" كالشَّاة، فإنه "مردود" كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وأنا أقول: إن أبا ثور لا يستند إلى أن مفهوم اللقب حجّة؛ فإن غالب الظن أنه لا يقول به، ولو قال به لكان الظاهر أنه يحكى عنه، فقد حكى عن الدَّقَّاق وهو دونه، ولكنه يجعل ورود الخاصّ بعد تقدم العام قرينة في أنَّ المراد بذلك العام هذا الخاص، ويجعل العام كالمطلق، والخاص كالمقيد، وليس ذلك قولًا منه بمفهوم اللقب فافهمه.
"مسألة"
الشرح: "رجوع الضمير" الواقع عقب اللّفظ العام "إلى البعض" من أفراده "ليس بتخصيص".
стр. 1475
لَنَا: لَفْظَانِ؛ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ مَجَازِ أَحَدِهِمَا مَجَازُ الآخَرِ.
قَالُوا: يَلْزَمُ مُخَالَفَةُ الضَّمِيرِ.
وَأَجِيبَ: بِأنَّهُ كَإِعَادةِ الظَّاهِرِ.
الْوَقْفُ لِعَدَمِ التَّرْجِيحِ.
وَأُجِيبَ: بِظُهُورِ الْعُمُومِ فِيهِمَا؛ فَلَوْ خَصَّصْنَا الْأَوَّلَ، خَصَّصْنَاهُمَا، وَلَوْ سُلِّمَ، فَالظَّاهِرُ أَقْوَى.
وإن شئت قلت: إذا عقب لفظ العام باستثناء، أو صفة، أو حكم خاص لا يتأتى إلا في بعض مدلوله لم يوجب ذلك تخصيصه عند الأكثرين من أصحابنا.
وقال "الإمام، وأبو الحسين" فيما نقله المصنف: "تخصيص" وعليه أكثر الحنفية (١).
"وقيل بالوقف" في المسألة، وهو رأي أبي الحسين، والإمامين، نصوا عليه في "المعتمد" و "البرهان" و"المحصول"، وذلك "مثل" قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٢٨] "مع" قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٢٨] فإن المطلقات عام في الرَّجعيات والبوائّن، والضمير في البُعُولة إنما يصحّ عوده إلى الرَّجعيات منهنّ فقط، فلا يقتضي تخصيص المطلّقات، وأن يقال: إنما أريد بهنّ الرجعيات، بل يجري على عمومه؛ خلافًا لهم.
الشرح: "لنا": أن العام والضمير "لفظان، فلا يلزم من مجاز أحدهما" وهو الضمير الخارج عن حقيقته الَّتي هي العموم "مجاز الآخر"، وهو العام.
ولقائل أن يقول: الخَصْمُ لا يسلّم وقوع المجاز في الضمير، بل هو عنده [عائد] (٢) إلى جميع ما تقدم.
نعم: عنده أن جميع ما تقدم خاص.
стр. 1476
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"قالوا: يلزم" من عدم التخصيص "مخالفة الضَّمِير" للظاهر؛ لكونه غير عائد إلى كل أفراده، واللازم باطل؛ لأنه يجب مطابقة الضَّمير للمستظهر.
"وأجيب: بأنه كإعادة الظَّاهر"، ولا شكّ أنه لو أعاد الظَّاهر، وأراد به ثانيًا الخصوص لم يلزم منه خصوص الأول، ولا مَحذُورَ فيه، فكذا هنا.
وأما "الوقف" فإنما ذهب إليه قائله "لعدم التَّرجيح" في ظنه.
"وأجيب: بظهور العموم فيهما".
أما في الظاهر فظاهر.
وأما في الضمير؛ فلإشعار ظاهره بالعَوْدِ إلى الكل، "فلو خصصنا الأول خصصناهما" معًا؛ لاستلزام تخصيص المظهر تخصيص مضمره، ويلزم منه مخالفة الظَّاهرين، وإذا خصّصنا الثاني لم يلزم تخصيص الأول، ومخالفة ظاهر واحد أولى من مُخَالفة ظاهرين، "ولو سلم" أنه لا يلزم من تخصيص الأول مخالفة ظاهرين، "فالظاهر" لاستغنائه عن الضمير "أقوى" منه، فيكون عمومه أقوى، [فمخالفة] (١) ظاهر الأقوى أضعف من مخالفة ظاهر الأضعف، وهذا الجَوَابُ هو المضمر؛ لما قَدَّمناه من أن الخصوم لا يسلمون أنه يلزم من تخصيص الأول تخصيصهما جميعًا.
"فائدة"
لا يخفى عليك أنا تصرفنا في الضمير فقلنا بعوده إلى بَعْضِ ما تقدم، فأخرجناه عن حقيقته، وتركنا المظهر بحاله على عمومه، والخصوم عكسوا، فتصرفوا في المظهر وقالوا: إنه خاصّ، وتركوا المضمر بحاله فقالوا: يعود إلى كلّ ما تقدّم، وكلّ ما تقدم هو الخاص.
وصنيعنا أولى من صنيعهم؛ لأن المضمر أضعف من المظهر، فالتصرّف فيه أولى من العكس، وهذا يفهم من قول المصنّف: الظَّاهر أقوى.
"فرع"
قال الحنفيّة في قوله ﵇: "لَا تَبِيعُوا البُرَّ بالبُرِّ إِلَّا كَيْلًا بِكَيْلٍ" (٢) أن المراد منه ما يكال من البر، فيجوز بيع الحِفْنَةِ بِالْحِفْنَتَيْنِ؛ لأن هذا القدر مما لا يكال، وهذا مخرج على أصلهم، وقد عرفته.
стр. 1477
مَسْأَلَةٌ:
الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَالْأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو هَاشِمٍ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ ﵏:
جَوَازُ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِالْقِيَاسِ.
ابْنُ سُرَيْجٍ: إِنْ كَانَ جَلِيًّا.
ابْنُ أَبَانٍ: إِنْ كَانَ الْعَامُّ مُخَصَّصًا.
وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الْأَصْلُ مُخَرَجًا.
الْجُبَّائِيُّ: يُقَدَّمُ الْعَامُّ مُطْلَقًا.
وَالْإِمَامُ وَالْقَاضِي: بِالْوَقْفِ.
والْمُخْتَارُ: إِنْ ثَبَتَتِ الْعِلَّة بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ، أَوْ كَانَ الْأَصْلُ مُخَصِّصًا - خُصَّ بِهِ؛ وَإِلَّا فَالْمُعْتَبَرُ الْقَرَائِنُ فِي الْوَقَائِعِ، فَإِنْ ظَهَرَ تَرْجِيحٌ خَاصٌّ فَالْقِيَاسُ وَإِلَّا فَعُمُومُ الخَبَرِ.
«مسألة»
الشرح: ذهب "الأئمة الأربعة، والأشعري، وأبو هاشم، وأبو الحسين" إلى أن الحقّ "جواز تخصيص العموم بالقياس"، أي بقياس نص خاص، كما صرح به الغزالي، ووافقهم (١):
стр. 1478
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"ابن سُريج: إن كان" القياس "جليًّا"، لا إن كان خفيًّا.
وقال "ابن أبان: إن كان العامّ مخصصًا" قبل ذلك جاز، وإلَّا فلا.
"وقيل: إن كان الأصل" المقيس عليه "مخرجًا" من ذلك العموم بنصّ جاز، وإلا فلا.
و"الجُبَّائي" قال: "يقدم العام مطلقًا" على القياس، ونقله القاضي في "التقريب" عن الأشعري، وهو أخبر بمذهبه.
"والقاضي والإمام" قالا "بالوَقْفِ".
والمصنف قال: و"المختار: إن ثبتت العلّة بنصّ، أو إجماع، أو كان الأصل مخصصًا خصّ" العام "به، وإلَّا فالمعتبر القرائن في "آحاد "الواقع، فإن ظهر ترجيح خاصّ" لأصل القياس، "فالقياس" يرجح "وإلَّا فعموم الخبر".
وقال قوم: يجوز التَّخصيص بقياس العلّة دون قياس الشَّبه.
وقال القاضي في "التقريب": والذي (١) فرق بين الجليّ والخفيّ فسر الجلي بقياس العلّة، والخفي بقياس الشَّبه.
стр. 1479
لَنَا: أَنَّهَا كَذَلِكَ كَالنَّصِّ الْخَاصِّ؛ فَيُخَصِّصُ بِهَا؛ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ.
وقال الإصْطَخْرِيّ (١) كما حكاه الشيخ أبو حامد: يخصّ بالقياس الذي ينقض بمخالفته قضاء القاضي دون ما لا ينقض فيه.
واعلم أن مذهبنا جواز التَّخْصيص بالقياس الجَلِيّ والواضح، وفي الخفي وجهان.
وذكر الشيخ أبو إسحاق الشِّيرَازي أَنَّ الشَّافعي نصّ على جواز التخصيص به في مواضع.
ثم قيل: الخفيّ قياس الشّبه، وقيل غيره، وذلك تحقّق في كتاب القياس، والمنع من التخصيص بغير الجلي، نقله المصنّف تبعًا لجماعة من المتأخرين عن ابن سريج، والذي نقله الشيخ أبو حامد عن ابن سريج جواز التخصيص بالقياس مطلقًا، وقال: إنه المذهب، وعزا التفرقة بين الجلي [والخفى] (٢) وغيره إلى إسماعيل بن مروان من أصحابنا.
وقال الكَرْخِيّ: إن كان العام قد خصّ بمنفصل جاز تخصيصه بالقياس، وإلا فلا.
وقال الآمدي: إن كانت العلّة منصوصة، أو مجمعًا عليها جاز التخصيص به، وإلا فلا.
وما اختاره صاحب الكتاب من التفصيل آيلٌ إلى اتباع أرجح الظّنين، وإن تساويا فالوقف، وهذا هو رأي الغزالي.
واعترف الإمام الرازي في أثناء المسألة بأنه حقّ، واستحسنه القَرَافِيّ، وقال الشيخ الأصفهاني: إنه حق واضح.
الشرح: "لنا: أنها" أي: القياسات إذا كانت "كذلك" تكون "كالنَّص الخاص" على
стр. 1480
وَاسْتُدِلَّ: بِأَنَّ الْمُسْتَنْبَطَةَ: إِمَّا رَاجِحَةٌ، أَوْ مَرْجُوحَةٌ، أَوْ مُسَاوِيَةٌ، وَالْمَرْجُوح، وَالْمُسَاوِي لَا يُخَصِّص، وَوُقُوعُ احْتِمَالٍ مِنِ اثْنَيْنِ - أَقْرَبُ مِنْ وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ.
وَأُجِيبَ: بِجَرْيهِ فِي كُلِّ تَخْصِيصٍ، وَقَدْ رُجِّحَ بِالْجَمْعِ.
الحكم في إفادة الظَّن، "فتخصيص" العام "بها للجمع بين الدَّليلين، واستدلّ" على أن المستنبطة لا يجوز التَّخصيص بها "بأن المستنبطة إما راجحة" على العموم، "أو مرجوحة أو مساوية، والمرجوح والمساوي لا يخصّص" واحد منهما، فلم يبق إلا الرَّاجح، وهذه تقديرات ثلاث يجوز التَّخصيص على تقدير واحد منها، وهو الرَّاجح، ولا يجوز على تقديرين "ووقوع احتمال عن اثنين أقرب من "وقوع "واحد معين"، فيكون عدم التَّخصيص أقرب وأغلب على الظَّن، وهذا الدَّليل ذكره الآمدي لمنع التخصيص بالمستنبطة مطلقًا؛ لأنه يرى ذلك كما حكيناه عنه، فأحب المصنف متابعته في ذكره.
وإن كان لو نهض لمنع بعض مقصوده، وهو جواز التَّخصيص بالمستنبطة من الدَّليل الذي خصّ العام به، فإن المصنف يُجَوِّز ذلك.
والحاصل: أنّ المصنف يجوز التخصيص ببعض المستنبطات، وهذا لو نهض منع كلّ مستنبطة، ولكنه لما كان عنده مدفوعًا لم يُبَال بذكره، واستعمل لفظة "استدل" فيه لأنه يوافق بعض مدعاه؛ إذ يتضّمن دفع ما لا يجوزه المصنّف من التخصيص بالمستنبطة لا من الدليل الذي خص العام، فهو دليل لبعض دعواه [لا يرتضيه، ويمكن أن نقرره على أنه دليل لكلّ دعواه] (١) فيقال:
مراده بالمستنبطة في قوله: "واستدلّ" المستنبطة التي لا تخصّص عنده، وإنما التي تخصص عنده، وهي معلومة الرُّجْحان، فلا يستدلّ عليها بهذا الدَّليل الإجمالى.
ومراد الآمدي بها كلّ مستنبطة، وذلك لأنهما اتفقا على أن المعلوم الرُّجْحان يخصص، وهذا لا شك فيه.
[واختلافهما في بعض من المستنبطات إنما منشؤه] (٢) اختلافهما في أنه هل هو راجح؟ وهذا دليلٌ إجمالي كما صرّح به الآمدي، أي يدلّ على الإجمال، فإنما يحسن الاستدلال به على ما لا يعلم فيه الرُّجحان.
стр. 1481
الْجُبَّائِيُّ: لَو خُصَّ بِهِ، لَزِمَ تَقْدِيمُ الأَضْعَف بِمَا تَقَدَّمَ فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ؛ مِنْ أَنَّ الْخَبَرَ يُجْتَهَدُ فِيهِ فِي أَمْرَيْنِ … إِلَى آخِرِهِ.
وَأُجِيبَ: بِمَا تَقَدَّمَ؛ وَبِأَنَّ ذَلِكَ عِنْدَ إِبْطَالِ أَحَدِهِمَا؛ وَهَذَا إِعْمَالٌ لَهُمَا، وَبِإِلْزَامِ تَخْصِيصِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ وَالْمَفْهُومِ لَهُمَا.
وَاسْتُدِلَّ: بِتَأْخِيرِهِ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ، وَتَصْويبِهِ ﵁.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ أَخَّرَ السُّنَّةَ عَنِ الْكِتَابِ، وَلَمْ يَمْنَعِ الْجَمْعَ.
وأما ما علم حاله فلا يحسن أن يقال فيه: إنه يلحق بالأعم الأغلب؛ لأن ذلك إنما يقال في المجهول، وهو عند المصنّف بعض المستنبطات، وعند الآمدي كلها، فافهم ذلك.
"وأجيب بجريه في كلّ تخصيص" بأن يقال: المخصّص في كلّ صورة إما راجح بالنسبة إلى العام، أو مرجوح، أو مساوٍ … إلى آخره، فلو كان هذا مبطلًا لتخصيص العام بالقياس لبطل التخصيص من أصله "وقد رجح" الخاص "بالجمع" بين الدليلين، فلم يكن مبطلًا.
الشرح: واستدل "الجُبَّائِي" أولًا: على أن العام لا يخصّ بالقياس مطلقًا بأنه "لو خُصّ به لزم تقديم الأضعف" على الأقوى، والملازمة تبين "بما تقدم في خبر الواحد من أن الخبر يجتهد فيه في أمرين": العدالة والدلالة، والقياس يجتهد فيه في أمور كثيرة "إلى آخره" أي آخر الدَّليل المذكور في كتاب "الخبر".
"وأجيب" بأوجه "بما تقدم، وبأن ذلك" أي تقديم الأضعف بعد تسليم كون القياس أضعف إنما يمتنع "عند إبطال أحدهما" بالكلية، "وهذا" ليس كذلك؛ إذ هو "إعمال لهما"، فكان أولى "بالتزام تخصيص الكتاب بالسُّنة والمفهوم لهما" أي يلزمكم ألَّا يجوز تخصيص الكتاب بالسُّنة، وألَّا يجوز تخصيص منطوقهما بالمفهوم؛ لأنه أضعف.
"واستدلّ" الجُبّائي ثانيًا: على أن القياس لا يخصّص العموم "بتأخيره في حديث معاذ" (١) عن الكتاب والسُّنة، "وتصويبه" ﵊ هذا الصنيع، كما رواه
وَاسْتُدِلَّ: بِأنَّ دَلِيلَ الْقِيَاسِ الإجْمَاع، وَلا إِجْمَاعَ عِنْدَ مُخَالَفَةِ الْعُمُومِ.
وَأُجِيبَ: بِأنَّ الْمُؤَثرَةَ وَمَحَلَّ التَّخْصِيصِ يَرْجِعَانِ إِلَى النَّصِّ؛ كَقَوْلِهِ ﵊: "حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ" وَمَا سِوَاهُمَا؛ إِنْ تَرَجَّحَ الْخَاصُّ، وَجَبَ اعْتِبَارُهُ؛ لأَنَّهُ الْمُعْتَبَر؛ كمَا ذُكِرَ في الإجْمَاعِ الظَّنِّي، وَهَذِهِ وَنَحْوُهَا قَطعِيَّةٌ عِنْدَ الْقَاضِي؛ لِمَا ثَبَتَ مِنَ الْقَطْعِ بِالْعَمَلِ بِالرَّاجِحِ مِنَ الأمَارَاتِ - ظَنِّيَّةٌ عِنْدَ قَومٍ؛ لأَنَّ الدَّلِيلَ الْخَاصَّ بِهَا ظَنَيٌّ
أحمد، وأبو داود، والترمذي، وسنذكر ذلك في كتاب "القياس"، ونذكر أن البخاري قال: لا يصحّ.
"وأجيب" عن تأخير معاذ القياس عن الكتاب والسُّنة على تقدير صحّته، "بأنه" غير مانع من تخصيصها به، وذلك لأنه "أخر السّنة عن الكتاب"، وصوبه ﵊ "ولم يمنع" تأخيرها عنه "الجمع" بينهما، بل خصّص الكتاب بها، فعُلِمَ أن التأخير غير مانع من الجَمْعِ.
الشرح: "واستدلّ" الجُبَّائي ثالثًا: "بأن دليل" كون "القياس" حجّة "الإجماع، ولا إجماع" على جوازه "عند مخالفة العموم" بدليل الخصوم الموافقين على المنع.
"وأجيب": بأنا لا نسلم أن الإجماع هو الدَّليل على كل قياس، بل قد يكون دليل بعض الأقيسة النص كما في هذه الصورة، ويظهر هذا "بأن" التنصيص على العلّة كالتنصيص على الحكم، فوضح أن "المؤثرة" وهي الثابتة بنص أو إجماع، "ومحل التخصيص"، وهو الأصل المخصص كلاهما "يرجعان إلى النص، كقوله ﵊: "حُكْمِي عَلَى الوَاحِدِ" حُكْمِي عَلَى الجَمَاعَةِ"، فإذا ثبتت العلّية، أو الحكم في حق واحد ثبتت في حق الجماعة بهذا النَّص، [ولزم] (١) [تخصيص] (٢) العام به، وكان في الحقيقة تخصيصًا بالنص لا بالقياس، "وما سواهما" يعني ما سوى المؤثرة، ومحل التخصيص قد اعتبرنا فيه ترجيح القَرَائِنِ، وحينئذٍ "إنْ ترجّح الخاص" صار مظنونًا، و"وجب اعتباره؛ لأنه" أي: لأن الرَّاجح
стр. 1485
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"المعتبر كما ذكر في الإجماع الظني" أن المعتبر فيه رُجْحَان الظَّن، وإلا عُمِلَ بالعام، "وهذه" نُكْتة ينبه عليها هنا، فنقول:
"هذه" المسألة "ونحوها" كتقديم خبر الواحد على عموم الكتاب "قطعية عند القاضي؛ لما ثبت من القَطْع بالرَّاجح من الأمارات" فيقال هكذا:
هذا مظنون، وكل [ما هو] (١) مظنون يجب العمل به، كما تقدم في أوائل الكتاب "ظنية عند قوم؛ لأن الدليل الخاصّ بها ظني"، والمأخوذ من الظني ظني.
واعلم أن المصنّف لو اقتصر على قوله: "إنها قطعية عند القاضي، ظنية عند قوم" كما صنع الآمدي، ولم يذكر علّة القطع كان صَنِيعًا جيّدًا؛ فإن القاضي لا يقبل في دعواه القطع بما ذكره، ولو كان هذا قوله لكان النزاع بينه وبين القائلين بأنها ظنية لفظيًّا، وإنما هو معنوي، والقائل بالقَطْع يقع بتخطئة المخالف كما صرح به القاضي غير مرة في "التقريب"، وأتباعه كإمام الحرمين والغزالي وغيرهما. وقد عرفناك غير مَرَّة أن القاضي يتطلّب القطع، ولذلك يتوقف في غالب المسائل؛ لقلة القواطع.
والناس مختلفون في مسائل أصول الفقه، هل هي بأجمعها قطعية، أو بعضها ظني؟
والأول هو رأي القاضي وأكثر المتقدمين، ونقل عن العلماء قاطبةً، والثاني هو الأظهر عندنا.
وإذا عرفت أنها قطعية عند القاضي، فتوقفه إنما هو عن القطع، ولا ننكر أن الأرجح التخصيص، ولكن عنده أن الأرجحية لا تكفي في هذه المسألة وأمثالها، فاعرف ذلك.
وعنده تبين لك أن خلافنا معه عائد إلى هذا الأصل، فإنا نوافقه على انتفاء القطع، وإنما ندعى أن الظَّن كافٍ في العمل، فلا نتوقّف، وهو لا يكتفي بالظن، فيتوقف.
وقد تقدم التنبيه على نظائر (٢) هذا كثيرًا.
"فرع"
قال ابن السَّمْعَاني: من تخصيص العموم بالقياس، قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [سورة النور: الآية ٢] ثم خصت الأمة بنصف الجلد بقوله:
стр. 1486
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [سورة النساء: الآية ٢٥].
ثم خص العبد بنصف الجلد قياسًا على الأمة، فصار بعض الآية مخصصًا بالكتاب، وبعضها مخصصًا بالقياس، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [سورة الحج: الآية ٣٦] إلى قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ ثم خص بالإجماع تحريم الأكل من جزاء الصيد.
وخص عند الشافعي تحريم الأكل من هَدْى المُتْعَةِ والقِرَانِ قياسًا على جزاء الصيد، فصار بعض الآية مخصِصًا بالإجماع، وبعضها بالقياس على الإجماع.
"فَائدة"
ذكر الشيخ أبو حامد أن مانع التَّخصيص بالقياس اعتلّ بقول الشَّافعي في باب "أحكام القرآن" من "الأم": إنما القياس الجائز أن يشبه ما لم يأت فيه حديث بحديث لازم.
فأما أن يعمد إلى حديث عامّ فيحمل على القياس، فأين القياس في هذا الموضع إن كان الحديث يقاس، فأين المسمى؟
قال: فقد ذكر الشّافعي أن القياس لا يعمل في الحديث العام، وإنما يعمل في أن يبتدأ به في موضع لا يكون فيه حديث، ويقاس على موضع فيه حديث، فدلّ أن مذهبه منع التخصيص بالقياس.
وردّه الشيخ أبو حامد وقال: قد ذكر الشافعي في "الأم" قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [سورة الطلاق: الآية ٢] واحتمل أمره - تعالى - بالإشهاد أن يكون على سبيل الوجوب، كقوله ﵊: "لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْل"، واحتمل أن يكون على النَّدْب، كقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٢].
وقال الشّافعي: لما جمع الله بين الطَّلاق وبين الرَّجْعَة، وأمر بالإشهاد فيهما، ثُمَّ كان الإشهاد على الطَّلاق غير واجب، كذلك الإشهاد على الرجعة.
قال الشيخ أبو حامد: فقد قاس الشافعي الإشهاد على الرَّجْعة على الإشهاد على الطَّلاق، وخص به ظاهر الأمر بالإشهاد؛ إذ ظاهر الأمر الوجوب.
стр. 1487
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قلت: والذي فهمته من هذا أنَّ الشيخ أبا حامد يقول:
لما كان ظاهر الأمر الوجوب ومع ذلك حمله الشافعي في بعض المواضع كما في قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [سورة الطلاق: الآية ٢] على الندب قياسًا، فقد قاس ولم يبال بظواهر الألفاظ، فلذلك يقيس ولا يبالي بعمومات الألفاظ؛ إذ ظاهرية العُمُوم في آحاده: إما دون ظاهرية الأمر في الوجوب أو مثلها، فإذا جاز العُدُول عن ظاهر الأمر للقياس جاز عن ظاهر العموم.
ثم قال الشيخ أبو حامد: وأما الكلام الذي تعلّق به ذلك القائل، فلم يقصد الشَّافعي منع التخصيص بالقياس، وإنما قصد أنه لا يجوز ترك الظاهر بالقياس، وذلك أنه ذكر هذا في مسألة النكاح بلا ولي، فروى حديث: "أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ".
ثم حكى عن أصحاب أبي حنيفة أنهم قالوا: العلّة في طلب الولي أنه يطلب الحظّ للمنكوحة، وبضعها في كفء، فإذا تولّت هي ذلك لم يحتج إلى الولي.
فقال الشَّافعي: هذا القياس غير جائز؛ لأنه يعمد إلى ظاهر الحديث ونصّه فيسقطه، فإن ما ذكروه يفضي إلى سقوط اعتبار الوَلِيّ، وذلك يسقط نصّ الخبر، واستعمال القياس هنا لا يجوز، وإنما يجوز حيث يخص العموم. انتهى معنى كلامه.
وحاصله: أن استنباط معنى من النص يعود عليه بالإبطال لا يجوز، وهو ما ذكره الشَافعي، وليس مراده تخصيص العموم بالقياس؛ فإن ذلك لا يبطل العموم، ثم الظَّن المستفاد من القياس أرجح، وإلا لم يخص.
فإن قلت: فما معنى قولكم: العموم؟
قلت: معناه أن للفظ العموم ظاهرًا، وهو الاستغراق، والقياس أظهر منه، فعدلنا إليه، ففي الحقيقة لم نعدل عن ظاهر إلَّا إلى أظهر منه، وقد قدمنا حكاية الشيخ أبي إسحاق عن نصّ الشَّافعي في مواضع أن التخصيص بالقياس جائز، فلا حاجة إلى التطويل.
وقد انتهى الكلام على العموم والخُصُوص، وهذا صنف آخر قريب منه يقال له: "المطلق والمقيد".
стр. 1488
[المُطْلَقُ وَالْمُقَيَّدُ]
(الْمُطْلَقُ وَالْمُقَيَّدُ): الْمُطْلَقُ: مَا دَلَّ عَلَى شَائِعٍ فِي جِنْسِهِ؛ فَتَخْرُجُ الْمَعَارِف، وَنَحْوُ: "كُلُّ رَجُلٍ وَنَحْوُهُ؛ لاِسْتِغْرَاقِهَا؛ وَالْمُقَيَّدُ بِخَلَافِهِ، وَيُطْلَقُ الْمُقَيَّدُ عَلَى مَا أُخْرِجَ مِنْ شِيَاعٍ بِوَجْهٍ كَـ "رَقَبَةٍ" مُؤْمِنَةٍ"، وَمَا ذُكِرَ فِي التَّخْصِيصِ مِنْ مُتَّفِقٍ وَمُخْتَلِفٍ، وَمُخْتَارٍ وَمُزَيَّفٍ - جَارٍ فِيهِ.
«مسألة»
الشرح: "المطلق: ما دلّ على شائع في جنسه" كذا عرفه المصنف (١).
وقوله "شائع" أي: لا يكون متعينًا بحيث يمتنع صدقه على كثيرين.
وقوله "في جنسه": أي له أفراد بمثاله.
وهذا الحَدّ يتناول اللفظ الدال على الماهية من حيث هي، والتي دلَّت على واحد غير معين، وهي النكرة؛ لأنها أيضًا لفظ دالّ على شائع في جنسه، فكأنه لا يفرق بين المطلق والنكرة.
وقد سبقه الآمدي إلى هذا فقال: المطلق: النكرة في سياق الإثبات.
والصواب: أن بينهما فرقًا (٢)، فالمطلق: الماهية من حيث هي، والنكرة: ما دلّ على
стр. 1489
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وحدة غير معينة، وعلى هذا أسلوب المنطقيين والأصوليين والفقهاء، ولهذا لَما استشعر بعضهم التنكير في بعض الألفاظ اشترط الوحدة (١).
فقال الغزالي فيمن قال: إن كان حَمْلها غلامًا، فأعطوه كذا، [فكان] (٢) غلامين: لا شيء لهما؛ لأن التنكير يشعر بالتَّوْحيد، ويصدق بأن غلامين لا غلامًا.
وكذا لو قال لامرأته: إن كان حَمْلُكِ ذكرًا، فأنت طالق طلقتين، فكان ذكرين.
قيل: لا تطلق؛ لهذا المعنى.
وقيل: تطلق حملًا على الجِنسِ.
فانظر كيف تردّد الفقهاء هنا في المطلق والنكرة حتى إن أُلْحِقَ بالنكرة كان للوحدة، وإنْ أُلْحِقَ بالمطلق كان لأعم منها؛ فدل أنهم يفرقون.
وأما قوله: "ما دلّ على شائع (٣) "، وكذا قولنا: ما دلّ على الماهية، "فتخرج" بهما "المعارف" كـ "زيد"، "ونحو: كلّ رجل ونحوه؛ لاستغراقها" وعمومها، والمطلق غير عام.
стр. 1490
وَنَزِيدُ مَسْأَلَةً: إِذَا وَرَدَ مُطْلَقٌ وَمُقَيَّدٌ: فَإِنِ اخْتَلَفَ حُكْمُهُمَا؛ مِثْلُ: "اكْسُ، وَأَطْعِمْ" - فَلَا يُحْمَلُ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ بِوَجْهٍ اتِّفَاقًا وَمِثْلُ: "إِنْ ظَاهَرْتَ، فَأَعْتِقْ رَقَبَةً" مَعَ: "لَا تَمْلِكُ رَقَبَةً كَافِرَةً" - وَاضِحٌ، فَإِنْ لَمْ يَخْتَلِفْ حُكْمُهُمَا؛ فَإِنِ اتَّحَدَ مُوجِبُهُمَا مُثْبَتَيْنِ - حُمِلَ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ، لَا الْعَكْسُ بَيَانًا لَا نَسْخًا.
وَقِيلَ نَسْخٌ، إِنْ تَأَخَّرَ الْمُقَيَّدُ.
"والمقيد" قياسًا إلى المطلق "بخلافه"، فهو "ما يدلّ لا على شائع في جنسه" (١)، فيدخل فيه المعارف والعمومات كلها.
"ويطلق المقيد على" معنى آخر، وهو "ما أخرج من شياع بوجه" من الوجوه كـ "رَقَبَة مُؤْمِنَةٍ"، فإنها وإن كانت شائعة بين الرِّقَاب المؤمنات، فقد أخرجت من شِيَاع الرقبة بوجه من حيث كانت شائعة بين المؤمنة وغير المؤمنة، فأُزِيلَ ذلك الشّياع بالتقييد بـ "المؤمنة"، وكان مطلقًا من وجه مقيدًا من وجه، وكذا كل قيد ضمّ إلى الحقيقة، "وما ذكر في التخصيص من متفق ومختلف، ومختار ومزيف جار فيه" أي في تقييد المطلق.
«مسألة»
الشرح: "ونزيد مسألة" في حمل المُطْلق على المقيد فنقول:
"إذا ورد مطلق ومقيد"، فلا يخلو إما أن يختلف حكمهما أو لا، "فإن اختلف حكمهما مثل: [اكس] (٢) "ثوبًا "وأطعم" طعامًا نفيسًا، "فلا يحمل أحدهما على الآخر بوجه اتفاقًا" (٣).
стр. 1491
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومنه ما ورد من تقييد الصيام بالتتابع في كَفَّارة القَتْلِ، وإطلاق الإطعام في الظهار.
ومنهم من أومأ إلى المُخَالفة فيه فقال: ينبغي أن يكون الثوب نفيسًا كالطعام، ويشهد بجريان الخلاف، وهو ما ذكره البَاجِي في "الفصول" وغيره - اختلافُ أصحابنا في أن القاتل إذا لم يقدر على الصِّيَام هل يجب عليه الإطعام كما في الظِّهَار؟
قيل: يجب، وربما روى قولًا للشَّافعي حَمْلًا لكفارة القَتْل على كَفّارة الظِّهَار، كما قيدنا الرقبة المطلقة بالإيمان حَمْلًا لها على الآية المقيدة.
والأصح: المنع؛ لأن آية القَتْل لم تتعرّض إلَّا للإعتاق والصيام، فلا يلحق بهما خصلة ثالثة، وإنما اعتبرنا الإيمان؛ لأن الرقبة مذكورة في الآيتين، وإن أطلقت في إحداهما.
وأما الإطعام فمسكوت عن أصله، والمسكوت لا يحمل على المذكور، كما أن الله - تعالى - نصّ في آية التيمم على عضوين وسكت عن عضوين، ونص في آية الوضوء على أربعة أعضاء، فلم يحمل التيمم على الوضوء.
"ومثل: "إن ظاهرت، فأعتق رقبة" مع: "لا تملك رقبة كافرة" واضح" فيه وجوب تقييد الرقبة بالمؤمنة؛ لاستحالة إعتاق الرقبة الكافرة مع عدم تملّكها، وهذه الصورة كالمستثناة مما تقدم (١).
والحاصل: أنه لا يحمل أحد الحكمين المختلفين على الآخر إلَّا في مثل هذه الصورة للضروة لا من أجل أن المطلق فيها محمول على المقيد.
"فإن لم يختلف حكمهما" فلا يخلو إما أن يتّحد موجبهما أي سببهما أو لا، "فإن اتحد موجبهما"، فلا يخلو إما أن يكونا "مثبتين" أو منفيين، فإن كانا مثبتين مثل أن تُذْكر الرقبة مطلقة في كَفَّارة القتل، ومقيدة بالإيمان في كَفَّارة القتل أيضًا.
стр. 1492
لنَا أَنَّهُ جَمْعٌ بَيْنَهُمَا؛ فَإِنَّ الْعَمَلَ بِالْمُقَيَّدِ عَمَلٌ بِالْمُطْلَقِ.
وَأَيْضًا: يَخْرُجُ بَيَقِينٍ وَلَيْسَ بِنَسْخٍ؛ لأَنَّهُ لَوْ كَانَ التَّقْييدُ نَسْخًا، لَكَانَ التَّخْصِيصُ نَسْخًا.
وَأَيْضًا لَكَانَ تَأَخُّرُ الْمُطْلَقِ نَسْخًا.
قَالُوا: لَوْ كَانَ تَقْييدًا، لَوَجَبَ دَلالَةُ "رَقَبَةٍ" عَلَى "مُؤْمِنَةٍ" - مَجَازًا.
وَأُجِيبَ: بِأنَّهُ لَازِمٌ لَهُمْ إِذَا تَقَدَّمَ الْمُقَيد، وَفِي التَّقْيِيدِ بِالسَّلَامَةِ، والتَّحْقِيقُ أَنَّ الْمَعْنِيَّ: رَقَبَةٌ مِنَ الرِّقَابِ؛ فَيَرْجِعُ إِلَى نَوع مِنَ التَّخْصِيصِ يُسَمَّى تَقْيِيدًا.
ومثله لو قال: عليَّ ألف، ثم قال: على ألف من ثمن ثوبٍ "حمل المطلق على المقيد لا العكس بيانًا لا نسخًا"، سواء أتقدم أو تأخر.
"وقيل: نسخ إن تأخر المقيد".
فهنا مقامان: حمل المطلق على المقيد، وأنه بيان لا نسخ.
الشرح: "لا" على الحمل: "أنه جمع بينهما؛ فإن العمل بالمقيد عمل بالمطلق" والعمل بالمطلق، لا يلزم منه العمل بالمقيد؛ لإمكان حصوله في ضمن غير ذلك المقيد.
"وأيضًا" فإنه "يخرج" بالعمل بالمقيد عن العهدة "بيقين"، سواء أكان مكلَّفًا بالمقيد أم بالمطلق، بخلاف العمل بالمطلق؛ إذ قد يكون مكلفًا بالمقيد، فلا يكون آتيًا بما كلّف به عند إتيانه بما عدا المقيّد من صور الإطلاق.
قال ابن السَّمْعَاني: ونقول أيضًا: إذا أجرينا المُطْلق على إطلاقه اعترضنا به على المقيد، وإذا اعتبرنا المقيد اعترضنا به على المُطْلق، ولا بُدَّ من واحد منهما، والثاني أولى؛ لأن الأمر المقيد صريح في وصف التقييد.
وأما المطلق فظاهر فيما عدا الصورة المقيدة، وليس بصريح، فكان الاعتراض بالصَّريح على الظاهر، وبالخاص على العام أولى.
إنما قلنا: إن هذا الحمل "ليس بنسخ؛ لأنه لو كان التقييد نسخًا" للإطلاق "لكان التخصيص" أيضًا "نسخًا" للعام، بجامع أن كلا منهما مخالف له ورد متأخرًا عنه، واللازم باطل بالاتفاق.
стр. 1493
وَإنْ كَانَا مَنْفِيَّيْنِ عُمِلَ بِهِمَا؛ مِثْلُ: "لَا تُعْتِقْ مُكَاتَبًا، لَا تُعْتِقْ مُكَاتَبًا كَافِرًا"، وَإنِ اخْتَلَفَ مُوجِبُهُمَا؛ كَالظِّهَارِ وَالْقَتْلِ.
فَعَنِ الشَّافِعِيِّ ﵀: حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى المُقَيَّدِ. فَقِيلَ بِجَامِعٍ، وَهُوَ الْمُخْتَار، فَيَصِيرُ كَالتَّخْصِيصِ بالْقِيَاسِ عَلَى مَحَلِّ التَّخْصِيصِ، وَشَذَّ عَنْهُ بِغَيْرِ جَامِعٍ. وَأبو حَنِيفَةَ ﵀: لَا يُحْمَلُ.
"وأيضًا" لو كان تأخر المقيد عن المطلق يوجب كونه ناسخًا للمطلق؛ لكونه رفع الخروج عن العُهْدَةِ بِأي فرد - "كان [لكان] (١) تأخر المطلق نسخًا"؛ لرفعه التقييد، فكما رفع تأخر المقيّد الإطلاف، رفع عكسه التقييد، وليس كذلك اتفاقًا.
"قالوا: لو كان" تأخر المقيد عن المطلق "تقييدًا" للمطلق لا نَسْخًا "لوجب دلالة رقبة على مؤمنة مجازًا"، والتالي باطل؛ لأن المجاز خلاف الأصل. بيان الملازمة: أن المقيد لو كان بيانًا للمطلق لكان المُرَاد بالمطلق هو المقيد، وإذا أطلق المطلق، وأريد المقيد كان مجازًا.
"وأجيب بأنه" أيضًا "لازم لهم" فيما "إذا تقدم المقيد" على المطلق؛ لأنهم سلموا أن المقيد حينئذٍ يكون بيانًا للمطلق لا ناسخًا له، "وفي التقييد بالسلامة" عن العيوب يلزمهم أيضًا؛ لأن الرقبة مطلقة، ويجب تقييدها بالسَّلامة عندهم، فدلالتها على السَّليمة مجاز، فما كان جوابهم فهو جوابنا، وهذا وجه جَدَلِيّ.
"والتحقيق" في الجواب: "أن المعنى" بالرقبة "رقبة من الرِّقَاب" أيّ رقبة كانت، فيصير عامًّا، إلا أنه عموم بَدَلي، ويصير تخصيصه بالمؤمنة تخصيصًا وإخراجًا لبعض المسميات من أن تصلح بدلًا، "فيرجع" ذلك "إلى النَّوْع من التخصيص سمى تقييدًا" في الاصطلاح، فحكمه حكم التخصيص، فكما أن تقدم الخاص بيان للعام، كذلك تقدم المقيد بيان للمطلق.
الشرح: "فإن كانا منفيين عمل بهما مثل: لا تعتق مكاتبًا، لا تعتق مكاتبًا كافرًا"، فلا يعتق المكاتب أصلًا من اللفظ، وهذا من باب تخصيص العام لا تقييد المطلق، ومن يخصص بدليل الخطاب لا بد أن يخصص المكاتب بمفهوم قوله: مكاتبًا كافرًا.
стр. 1494
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"وإن اختلف موجبهما" أي سبب الحكمين، "كالظِّهَار" في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [سورة المجادلة: الآية ٣] "والقتل" في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [سورة النساء: الآية ٩٢] فهذه هي المسألة المشهورة بالخلاف.
"فعن الشافعي حمل المطلق على المقيد"، ثم اختلف الأصحاب فيما يوجب الحمل:
"فقيل": إنه القياس، فلا يحمل إلا "بجامع، وهو المختار" عند المصنف، والصحيح عند أصحابنا، "فيصير" التقييد "كالتخصيص" للعام "بالقياس على محل التخصيص".
"وشَذّ" نقل بعض الأصحاب "عنها الحمل على المقيد "بغير جامع"، وأن نفس الورود كَافٍ، وهذا هو رأى بعض الأصحاب.
"وأبو حنيفة: لا يحمل" المُطْلق على المقيد رأسًا، سواء أكان بجامع أم لم يكن؛ لما تصوره من أنه يلزم منه رفع ما اقتضاه المُطْلق من الامتثال بأي صورَة كانت، فيكون نَسْخًا، والقياس لا يكون ناسخًا (١).
وجوابه: منع كونه نَسْخًا كالتقييد بالسَّليمة.
واعلم أن خلافنا مع الحنفية راجع إلى أصلين:
أحدهما: دليل الخِطَابِ، وهو عندنا حجة خلافًا لهم.
فإذا قيل: رقبة مؤمنة أو الغنم السَّائمة، فمفهوم "المؤمنة" و"السَّائمة" أن الكافرة والمعلوفة ليس "مخالف"، والإطلاق يتشخّص في كل الصور، فليقصر على المقيد؛ لأن ما عداه منفى بدليل الخطاب، والإِطلاق ليس نصًّا فيه.
والثاني: الزيادة على النص زعموها نسخًا، وزعموا التقبيد زيادة، ونحن ننازعهم في كل من الأمرين، ثم ننقض عليهم بالتقييد بالسلامة، وقد اعترضونا بكلمات لا بد من دفعها قالوا: ليس كالمعيبة والسَّليمة؛ لأن المعيب نُقصان جزء من الأجزاء البينة، فلا يكون فيه مطلقة.
стр. 1495
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأما الكافر فرقبته مطلقة مثل المؤمنة؛ لأن الكفر والإيمان ليسا من الأجزاء البينة، فلا يكون رقبة مطلقة.
فعلى هذا: لا يكون شرط السَّلامة زيادة على النَّص، بل يكون اعتبارها اعتبار ما يقتضيه النَّص.
وأما وصف الإيمان فلما كان سببًا وراء ما يقتضيه اسم الرقبة، فيكون زيادة محضة، وإذا كان زيادة لم يجز إثباته بالقياس؛ إذ لا تجوز الزيادة على النص بالقياس؛ إذ الزيادة نسخ، ونسخ القرآن لا يجوز؛ ولأن القياس إنما يجوز استعماله في غير مَوْضِعِ النص، وهذا استعمال للقياس في موضع النص؛ لأن كَفَّارة القتل منصوص عليها، وكَفَّارة الظِّهار منصوص، وقياس المنصوص على المنصوص باطل، كما لا يجوز قياس السَّرقة على قطع الطريق لإثبات قطع الرِّجْل مع اليد، وكذا قياس التيمُّم على الوضوء باطل في إدخال الرأس والرِّجْل في التيمم، وكذلك قياس كَفَّارة القتل على كفارة الطهار باطل في إثبات الإطعام، مثل الرقبة والصيام، يُبَيِّنُه: أن التقيد بالإيمان زيادة على حكم قد قصد استيفاؤه بالنص، فلم يجز كما لا يجوز في هذه الصورة التي بيناها.
وأجاب أصحابنا: بأن الرقبة وإن كانت اسْمًا للبينة بأجزائها، إلّا أن الإيمان والكفر وَصْفَان يَعْتَوِرَانهما، ويقال: مؤمنة وكافرة، كما يقال: سليمة ومَعيبة، وكما لا يتصور إلّا أن تكون سليمة أو معيبة؛ لأن السَّليمة هي ما لا عيب فيها، لا يتصوّر إلَّا أن تكون مؤمنة أو كافرة.
وقول الصَّيمري (١) من الحنفية: "إنَّ الإنسان يجوز ألا يعتقد الكفر ولا الإيمان فيخلو عنهما" هوس؛ لأنه إذا لم يعتقد الإيمان يكون كافرًا، فصار الإيمان والكفر كالعيب والسلامة، ثم إنا لا ندعي أنهما من الأجزاء البينة، وإنما ندعي كونهما وَصْفَيْن لهما،
стр. 1496
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وندّعي العموم من حيث الأوصاف، وآيته صحّة الاستثناء؛ ألا تراك تقول: اعتق رقبة إلَّا أن تكون كافرة، فيصح.
فإن قالوا: دعوى العموم باطلة، في قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾؛ لأن قوله: رقبة اسم لرقبة واحدة؛ لأنها نكرة في الإثبات فتخصّ، ودعوى العموم في اسم الفرد محال.
قلنا: صحّة الاستثناء دليل قاطع على العموم، وقولهم: اسم فرد صحيح، ولكن لا يلزم منه عدم العموم، بل هو عام في الأوصاف، أو نقول: هو وإن كان اسم فرد في الصورة، لكنه اسم عام في المعنى، فالتَّخصيص صحيح لعمومه من حيث المعنى.
قال ابن السَّمْعاني: ونزيد هذا إيضاحًا فنقول: التخصيص على وجهين: تخصيص بإخراج بعض المُسَمَّيات من اللفظ مثل: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾، فإن تخصيصه بإخراج بعض ما تناوله اللفظ.
وتخصيص هو إفراز ما يصلح له اللفظ عن البعض، وإن شئت قلت: تعيين بعض من يتناوله الاسم المبهم.
ونظيره: قول الرجل: رأيت زيدًا، هذا هو اسم مُبْهم لكلّ من يسمى زيدًا.
فإذا قلت: رأيت زيدًا العالم، فقد أفرزت بعض من يصلح له اللفظ عن البعض، أو عينت بعض ما يتناوله الاسم المبهم، وإذا ثبت العُمُوم سقط قولهم: إن تقييد الرَّقبة بالإيمان زيادة على النَّص، بل هو نقصان؛ لأن التخصيص نقصان لا زيادة، والتخصيص جائز بالقياس.
وما ذكروه من أن قياس كَفَّارة الظِّهَار على كفارة القتل قياس منصوص ليس بشيء، وقد تقرر بطلانه في الخلافيات.
ولقد هدمت الحنفية أصلهم بأيديهم فقالوا: يجزئ عِتْقُ الأَقْطَع، ولا يجزئ عتق الأَخْرس، والخَرَسُ وصف، فكان ينبغي ألَّا يفوت الاسم، ولا يمتنع الإجزاء، واليد نقصان في البينة، فكان ينبغي أن يفوت ويمنع.
وهنا فائدتان:
إحداهما: مَثَّلَ جماعةٌ حمل المطلق على المقيد باللفظ الوارد في التيمم، واللفظِ
стр. 1497
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الوارد في الوضوء؛ إذ يقول تعالى في الوضوء: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [سورة المائدة: الآية ٦] فقيد ذكر اليد بالمرافق وقال في التيمم: "وأيديكم منه"، فأطلق ذكر اليد في التيمم، ولم يقيده بالمَرَافِقِ، فاختلف هل يجب على المتيمّم أن يبلغ في مسح يده بالتراب إلى المرفق ردًّا إلى التقيد في غسل يديه بالماء إلى المرفق أم لا؟ لأجل أن الحَمْل على المقيد لا يجب، ومذهبنا الجديد: الصحيح أنه يجب المَسْحُ إلى المرافق، وفى قول قديم قوَّاه النَّووي إلى الكوعين فقط (١).
وقد أنكر أبو بكر الأبهري هذا المثال، وَأَوْمَأ إلى أن التمثيل الصحيح إنما يتصور باشتراط الإيمان في عِتْقِ المُظَاهر؛ لأن هذا إنما فيه زيادة صفة في الرقبة.
وأما الرقبة ففي الكَفَّارتين متساوية، وفي التيمم فيه زيادة عضو، وهو الذِّرَاع، وزيادة الذوات والأجْرَام بخلاف زيادة الصفة والنُّعوت.
قال المَاوَرْدِيّ: وهذا الذي أشار إليه يصير كمذهب ثالث في الحَمْلِ، فقوم يحملون، وقوم يمنعون، والأبهري يحمل إذا وقع زيادة صفة، وينكر الحمل إذا وقع بزيادةِ ذاتٍ مستقلّة بنفسها.
قلت: بل الأظهر أن الأبهري يدعي أن الذين يحملون إنما يحملون في زيادة الصِّفة، وليس مسألة التيمم منها، فإِذَن الحمل عنده وعند الحاملين إنما هو فيما لا يزيل الاسم، ولا يزيد عليه إلا وصفًا.
ويشهد لهذا: أن أصحابنا منعوا الحنفية كون التقييد زيادة على النص، ولا يتّجه منع كونه زيادة إلا عند كون الزيادة وصفًا.
стр. 1498
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أما إذا كانت ذاتًا مستقلّة، فهي زيادة قطعًا، وأن الأصح في مذهبنا في المحرم إذا قتل صيدًا، واختار من الخِصَال إخراج الطعام: أنه يفرقه على ثلاثة مساكين فصاعدًا؛ لأنه أمر بإعطائه لجمع في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ [سورة المائدة: الآية ٩٥] وأقلّه ثلاثة، مع أنه ورد في كفارة الإتلاف في الحج إعطاؤها لجمع مقيد بكونهم ستة، لكل مسكين نصف صاع، ولم يحمل ذلك المطلق من الجمع على هذا المقيد، وما ذلك إلَّا لأن في حمله عليه زيادة أَجْرَامٍ، وهي ثلاثة مساكين، وإلا فلم يحمل.
والثانية: عرفت حكم ما أُطْلق في موضع وقُيِّد في آخر.
وأما ما أُطلق في مكان ثم قيد في مكانين بقيدين متضادين، فمن قال بالحمل لفظًا قال ببقاء المُطْلق على إطلاقه؛ إذ ليس التقييد بأحدهما أولى من الآخر.
ومن قال بالحَمْلِ قياسًا، حمله على ما حمله عليه أَوْلى، فإن لم يكن قياس رجع إلى أصل الإطلاق، وبهذا يندفع اعتراض الحنفيّة حيث يقولون: لا يشترط التتابع في قضاء رَمَضَان مع كونه ورد مُطْلقًا في قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٥] ولم يحمل على القتل، ولا على صوم الظِّهَار، وكذا صوم كَفَّارة اليمين لم يحمل على الصوم في كَفَّارة القتل والظهار، إذ أصخ المولين جواز التفريق فيه.
ولأنا نقول: هذا المحلّ قد يحاذيه أصلان، أعني صوم المُتْعَةِ، حيث نصّ فيه على التفريق، وصوم الظِّهَار حيث نصن فيه على التَّتابع، فلم يكن إلحاقه بأحدهما أولى من إلحاقه بالآخر، فتركناه على حاله، والكلام في مطلق له مقيد واحد.
فإن قلت: لم لا حملتم الإطلاق في قوله ﷺ في الغسلات من وُلُوغ الكلب: "إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ" على المقيد في رواية من روى: "فَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَة"؟
قلت: قال القَرَافي: لأنه قد روى أيضًا: "أولَاهُنَّ"، وهي تعارض الثامنة، فرجعنا إلى أصل الإطلاق.
وقال بعض المتأخرين على هذا: ينبغي انحصار الوجوب في الأولى والثامنة، ويتخير بينهما.
قلت: وهو ما نصّ عليه الشَّافعي ﵁ في "الأم" و"مختصر
стр. 1499
الْمُجْمَلُ وَالْمُبَيَّنُ
الْمُجْمَلُ: الْمَجْمُوع، وَفِي الاِصْطِلَاحِ: مَا لَمْ تَتَّضِحْ دَلَالَتُهُ.
وَقِيلَ: اللَّفْظُ الَّذِي لَا يُفْهَمُ مِنْهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ شَيْء، وَلَا يَطَّرِدُ؛ لِلْمُهْمَلِ وَالْمُسْتَحِيلِ، وَلَا يَنْعَكِسُ؛ لِجَوَازِ فَهْمِ أَحَدِ الْمَحَامِلِ، وَللْفِعْلِ المُجْمَلِ؛ كَالْقِيَامِ مِنَ الرَّكْعَةِ؛ لاِحْتِمَالِ الْجَوَازِ وَالْسَّهْوِ.
البويطي" (١)، وقد حكينا النصين في "شرح المنهاج"، وعليه جرى المرعشي (٢) من أصحابنا في كتاب "ترتيب الأقسام".
وكان أبي ﵀ يقول: إنما ينبغي إيجاب كليهما؛ لورود الحديث فيهما، ولا تنافي في الجمع بينهما.
فإن قلت: قد قلتم بتخالف المتبايعان عند اختلافهما، سواء أكانت السلعة قائمة أم تالفة، وقد روى أنه ﷺ قال: "إِذَا اخْتَلَفَ المُتبَايِعَانِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ - تَحَالَفَا (٣)).
стр. 1500
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قلت: وقد روى الدَّارقطني: "إذا اختلف المُتبَايعان والمبيع مُسْتهلك" (١).
على أنه لا يصح عند المحدثين واحد من القيدين.
الشرح: وقد كان المصنّف أخَّره عن البيان والمبين، ثم إنه ألحق ورقة بخطّه، وجعله مقدّمًا عليه، وهو الأحسن.
"والمجمل" في اللغة: "المجموع" (٢).
يقال: أجمل الحساب: إذا جمعه، "وفي الاصطلاح: ما لم تتضح دلالته"، فيشمل القول والفعل، ويخرج عنه المهمل؛ إذ لا دَلَالَةَ له (٣)، وهذا له دلالة، ولكن غير واضحة.
стр. 1501
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"وقيل: اللفظ الذي لا يفهم منه عند الإطلاق شيء، ولا يطرد"؛ لكونه مدخلًا "للمهمل، والمستحيل"، وليسا من المجمل، وإنما يدخلان؛ لأنه لا يفهم من المهمل شيء، والمُسْتَحيل ليس بشيء، فلا يفهم عنه شيء (١).
ولقائل أن يقول: لا يدخلان؛ لأن مفهوم قولنا: "عند الإطلاق" أنه يفهم منه شيء لا عند الإِطْلَاق، والمهمل والمستحيل لا يفهم منهما شيء في الحالتين.
واعلم أن المصنّف كتب - كما رأيت - بخطّه في الأول:
وقيل: "اللفظ الذي لا يفهم منه شيء".
وأورد ما أورده، ثم زاد منه: "عند الإطلاق"، وكان حقه أن يصرف عن إِيراد المهمل والمستحيل عند ذكر هذه الزيادة، فلعله نسي.
"ولا ينعكس" هذا التعريف؛ لجواز فهم أحد المَحَامل" منه على الجملة، وهو أحد هذين، فيفهم انتفاء غيرهما.
"و" لجواز فهم "الفعل [كالقيام] (٢) من الرَّكْعَةِ" الثانية من غير تشهُّد، فإنه مجمل.
"لاحتمال الجواز والسهو"، مع أنه ليس بلفظ.
стр. 1502
أَبَو الْحُسَيْنِ: مَا لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ الْمُرَادِ مِنْهُ؛ وَيَرِد، الْمُشْتَرَكُ الْمُبَيَّن، وَالْمَجَازُ الْمُرَاد، بُيِّنَ أَوْ لَمْ يُبَيَّنْ.
وَقَدْ يَكَونُ فِي مُفْرَدٍ بِالْأَصَالَةِ، وَبِالإِعْلَالِ، كَـ"الْمُخْتَارِ"، وَفِي مُرَكَّبٍ؛ مِثْلُ ﴿أَوْ يَعْفُوَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٣٧]، وَفِي مَرْجِع الضَّمِيرِ، وَفِي مَرْجِعِ الْصِّفَةِ؛ كَطَبيبٍ مَاهِرٍ وَفِي تَعَدُّدِ الْمَجَازِ بَعْدَ مَنع الْحَقِيقَةِ.
الشرح: وقال "أبو الحسين": المجمل: "ما لا يمكن معرفة المراد منه". أي: من نفسه، احترازًا عن المجمل المبيّن؛ فإن معرفة المراد به ممكنة من البيان لا من نفس المجمل (١).
"ويرد" على طرده "المشترك المبين"؛ فإنه ليس بمجمل، ولا يمكن معرفة المراد منه؛ فإنه إنما يعرف من البيان لا مِنْهُ.
"والمجاز المراد"، أي: ويرد على طرده أيضًا: اللَّفظ الذي يراد به مجازه، سواء "بين أو لم يبين"، فإنه ليس بمجمل، ويصدق أنه لا يمكن معرفة المراد منه.
أما إذا لم يبين، فواضح.
وأما إذا بين، فإن المراد وإن عرف، لكن لا منه، بل من البيان، فلم يصحّ معرفة المراد منه في الحالين.
واعلم أن أبا الحسين لم يقل هذا الحَدّ، وإنما الذي قاله: إن المجمل قد يراد به: ما لا يمكن معرفة المراد منه، ويمكن أن يقال: المجمل: ما أفاد شيئًا من جملة أشياء هو متعيِّن في نفسه، واللفظ لا يعينه. انتهى. ذكره في "المعتمد".
"وقد يكون" الإجمال "في مفرد بالأصَالة".
كالقُرْءِ: (٢)، "وبالإعلال كالمختار"، فإنه بواسطة اعتلاله صالح للفاعل والمفعول.
стр. 1503
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"وفي مركب مثل" قوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٣٧]؛ لتردده بين الزوج والولي (١).
ولذلك اختلف فيه؛ فقال الشَّافعي بالأولى، ومالك بالثانية.
"وفي مرجع الضَّمِير" إلى ما تقدمه، كقول النبي ﷺ : "لَا يَمْنَعْ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَضَعَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ"، فضمير ما في الجدار يحتمل: العَوْد على نفسه، أي: في جدار نفسه، وعلى جداره أي: في جدار جاره.
وقد ذكر أصحابنا هذا في كتاب "الصلح".
والأصح عندنا: أنه لا يجوز له أن يضع على جدار الجار إلا بالإذْنِ.
"وفي مرجع الصفة: كطبيب ماهر"، في قولنا: زيد طبيب ماهر؛ فإن "ماهر" قد يرجع إلى الطبيب، وقد يرجع إلى زيد ويتفاوت المعنى باعتبارهما (٢).
"وفي تعدُّد المجاز بعد منع الحقيقة"، لدليل قام على انتفائها، وبعد تكافؤ المجازات، وإلا فلو ترجّح أحدهما بشهرة أو غيرها تعين، ولا إجمال. هذا ما ذكره المصنف.
وقد يكون الإجمال بواسطة استثناء المجهول، نحو ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [سورة الحج: الآية ٣٠]، أو بسبب تردّد اللفظ بين جمع الأجزاء، أو جمع الصفات؛ نظرًا إلى اللفظ، وإن
стр. 1504
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كان أحدهما يتعين من خارج نحو: الثلاثة زوج وفرد، فإنه بالنظر إلى دلالة اللفظ لا يتعين أحدهما.
وبالنظر إلى صدق القائل يتعين أن يكون المراد منه جمع الأجزاء، فإن حمله على جمع الصفات، أو على جمعهما يوجب كذبه.
أو بسبب الوقف والابتداء كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٧]. قالوا: "و" في "والراسخون" مترددة بين العطف والابتداء.
قال الغزالي: أو بصلاحية اللفظ لمتشابهين بوجه ما، كالنور للعقل، ونور الشمس (١).
قال: أو بصلاحيته لمتماثلين، كالجسم للسماء والأرض (٢)، والرجل لزيد وعمرو.
стр. 1505
مَسْأَلَةٌ:
لَا إِجْمَالَ فِي نَحْوِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [سورة المائدة: الآية ٣] ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ﴾ [سورة النساء: الآية ٢٣]؛ خِلَافًا لِلْبَصْرِيِّ وَالْكَرْخِيِّ.
لَنَا: الْقَطْعُ بِالاِسْتِقْرَاءِ أَنَّ الْعُرْفَ - الْفِعْلُ المَقْصُودُ مِنْهُ.
قَالُوا: مَا وَجَبَ لِلضَّرُورَةِ يُقَيَّدُ بِقَدْرِهَا؛ فَلَا يُضْمَرُ الْجَمِيع، وَالْبَعْضُ غَيْرُ مُتَّضِحٍ.
وقال علماؤنا: فهذه الوجوه لا يختلف المذهب في إجمالها، وافتقارها إلى البيان.
واختلف المذهب في ألفاظ منها: قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٧٥].
والربا: الزيادة، وما من بيع إلَّا وفيه زيادة، فافتقر إلى بيان ما يحل وما يحرم.
والأصح عدم الإجمال؛ لأن البيع منقول شرعًا، فحمل على عمومه ما لم يقم دليل التخصيص.
ومنها الآيات التي ذكر فيها الأسماء الشرعية مثل: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٤٣]، ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٥] ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٩٧].
فمن أصحابنا من قال: هي غير مجملة، ويحمل الصلاة على كل دعاء، والصوم على كل إمساك، والحج على كل قَصْد إلا ما خص بدليل.
ومنهم من قال: مجملة؛ لأن المراد بها لا يدلّ عليه اللغة، فافتقر إلى البيان، والأصح أنها مبينة؛ لأنا بَيَّنا ثبوت الحقائق الشرعية.
ومنها: اللفظ الذي علق التحليل والتحريم فيه على الأعْيَان، وإليه أشار بقوله:
стр. 1506
أجيبَ: مُتَّضِحٌ بِمَا تَقَدَّمَ.
"مسألة"
"لا إجمال" عند أئمتنا "في نحو: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [سورة المائدة: الآية ٣]، "وَ" ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [سورة النساء: الآية ٢٣]؛ "خلافًا للكرخى (١)، والبصري"، وبعض أصحابنا.
"لنا": أن "القطع" الحاصل "بالاستقراء" "أن العرف" قاضٍ بأن التحريم، أو التحليل إذا أضيف إلى جسم كان "الفعل المقصود منه"، لا نفس الجسم.
ألا ترى أنه إذا قال لغيره: حرمت عليك هذا الطعام، عقل منه تحريم الأكل، وكذلك تعقل من تحريم الميتة تحريم أكلها، والأمهات تحريم نكاحهن، فصار المراد معقولًا من هذا اللفظ، وما عقل منه المراد لا يكون مجملًا.
"قالوا": إسناد التحريم إلى الأعيان مُحَال، فلا بُدّ من إضمار؛ لاستقامة الكلام، وحينئذ يجب أن يقيد المضمر بقدر الحاجة؛ لأن "ما وجب للضرورة يقيد بقدرها"، "فلا يضمر الجميع"؛ لأن البعض كافٍ، "والبعض غير متضح"؛ إذ ليس بعض أولى من بعض، فوجب التوقف.
الشرح: "أجيب": بأنا لا نسلم أن البعض غير متضح، بل هو "متضح بما تقدّم" من قضاء العُرْف بإرادة المقصود من مثله.
وهذا إذا اتضح أحد المجازات، فإن لم يتضح واحد معين، فالأولى عندنا تقدير الجميع؛ لأنه الأقرب إلى نفي الحقيقة.
وقد سبق ذكر هذا في مسألة المقتضى، وكل هذا مبني على أصلنا في أن الأحكام إنما تتعلّق بالأفعال [المقدورة] (٢) للمكلف، وأن الأعيان لا يتعلّق بها حل ولا حرمة.
стр. 1507
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأما من ذهب من المعتزلة إلى تعلق الحل والحرمة بالأعيان، فواضح أنه لا إجمال عنده، ولكنه قول باطل.
وعلى أصلنا نقول: اعلم أن الشَّيء يوصف بنفي أمر عنه، أو إثبات أمر له، وهذا الإثبات قد يعود إلى نفس الذَّات، أو صفة نفسية، أو صفة معنوية قائمة بالذات، أو صفة تعلق، لا يرجع شيء منها إلى الذَّات، وهذا يكشف حقائقه في علم الكلام.
وقد اختلف في الأحكام، هل تكتسب بها الذوات صفة أو لا؟.
فالجمهور: على أنها من صفات التعلّق؛ فإذا قيل هذا نجس، فليست النجاسة، ولا كونه نجسًا راجعًا إلى نفسه، ولا إلى صفة نفسية، أو معنوية للذات.
بل هي حالة الطَّهارة والنجاسة على حدّ سواء، لم يستفد هذا الحكم صفة زائدة قائمة بها لأجل الحكم.
ومعنى النجاسة: تعلّق قوله تعالى: إنها تجتنب في الصلاة، ونحو ذلك.
وكذا قولنا: شرب الخمر حَرَام، ليس المراد: تجرّعها، وحركات الشَّارب، وإنما التحريم راجع إلى تعلق قول الباري في النهي عن شربها، وكذا: "حرمت الميتة"، ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ﴾، وأمثال ذلك.
وقد أخبرناك أن صفات التعلق لا تقتضي إفادة وصف عائد إلى الذات، وهذا كمن علم زيدًا قاعدًا بين يديه، فإن علمه - وإن تعلّق بزيد - لم يغير من صفات زيد شيئًا، ولا حدث لزيد صفة لأجل تعلق العلم به.
وذهب من لا تحقيق عنده إلى استفادة الذَّوات من الأحكام فائدة، ورأوا أن التحريم والوجوب يرجع إلى ذات الفعل المحرم والواجب، وَقدَّروه وصفًا ذاتيًّا.
قال القاضي في "التقريب": واعتلوا لذلك بضرب من الجهل، وهو أنه لو توهم عدم الفعل لعدمت أحكامه بأسرها، فوجب أن يكون أحكامه هي هو.
قال: وهذا باطل؛ لأنه قول بوجب أن يكون جميع صفات الأجسام وأحكامها، وأقوالها، وأفعالها، هي هي؛ لأنه لو تصوّر عدم الجسم، لعدمت أحواله وأكوانه وجميع متصرفاته، فيجب أن يكون هو عبارة عن أفعاله، ولا يقول ذلك عاقل.
стр. 1508
مَسْأَلَةٌ:
لَا إِجْمَالَ فِي نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [سورة المائدة: الآية ٦].
لنَا: إِنْ لَمْ يَثْبُتْ فِي مِثْلِهِ عُرْفٌ فِي بَعْضٍ كَمَالِكَ؛ وَالْقَاضِي، وَابْنُ جِنِّي: فَلَا إِجْمَالَ.
وَإنْ ثَبَتَ؛ كَالشَّافِعِي وَعَبْدِ الْجَبَّارِ وَأَبِي الحُسَيْنِ: فَلَا إِجْمَالَ.
وأعتلوا أيضًا بقولك: هذا الفعل حلال، وهذا حرام.
وأجاب القاضي: بأنه لا اعتبار بالإطلاقات التي منها حقيقة، ومنها مجاز.
الشرح: "لا إجمال في نحو: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ"؛ خلافًا لبعض الحنفية (١).
"لنا: أن" إدخال "الباء" على الفعل المتعدي إما أن يثبت من جهة التصرف ظهورها في أي بعض كان أولا إن "لم يثبت عرف في مثله"، أي: في إدخال "الباء" "في بعض كمالك والقاضي، وابن جني، فلا إجمال"؛ لأن "الباء" للإلصاق، وحقيقة الرأس كله، فوجب مسح كله.
"وإن ثبت" أن العرف يقتضي التبعيض "كالشافعي، وعبد الجَبَّار، وأبي الحسين، فلا إجمال" أيضًا؛ لظهور المراد، وهو التبعيض.
والحاصل أنه: لا إجمال على مذهبي مالك والشَّافعي.
стр. 1509
قَالُوا: الْعُرْفُ فِي نَحْوِ: "مَسَحْتُ بِالْمِنْدِيلِ" - الْبَعْضُ.
قُلْنَا: لأَنَّهُ آلَةٌ؛ بِخِلَافِ: مَسَحْتُ بِوَجْهِي.
وأمَّا "الْبَاءُ" لِلتَّبْعِيض، فَأَضْعَفُ.
الشرح: "قالوا: العرف" يفرق بين: "مسحت بالمنديل" فكذا يجب أن يكون في "وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ"، وإذا اقتضى "البعض" وهو غير معين - لزم الإجمال.
"قلنا": إنما اقتضى قولنا: "مسحت بالمنديل" التبعيض؛ "لأنه آلة"، والعمل بالآلات حاصل ببعضها لا "للباء"؛ ولذلك تقول: "مسحت بالمنديل" "بخلاف "مسحت بوجهي"، ولا نسلم التبعيض في نحو: "مسحت بوجهي" الذي هو نظير: "وامسحوا بِرُءُوسِكُمْ".
"وأما الباء" والقول بأنها "للتبعيض" كما ذهب إليه بعض الشَّافعية، "فأضعف" مما تقدم؛ لعدم ثبوته عن أهل اللغة.
والذي ذهب إلى أنها للتبعيض من الشَّافعية توصل بها إلى الاكتفاء بما ينطلق عليه الاسم.
ومن ادَّعى الإجمال يصلح له الاحتجاج به أيضًا؛ لأنه ليس بعض أولى من بعض.
ولكن جوابه: إن رأى بعض كان، وهو كافٍ، وإنما يلزم ترجيح بعض على بعض لو عين أحد البعضين، ولا قائل بالتعيين.
واعلم أن المحفوظ عن الشافعي: الاكتفاء بأقل ما ينطلق عليه الاسم.
والصحيح عندنا أن مأخذه: أن المسح لمطلق الرأس، وهو صادق ببعضه، لا أنها موضوعة للتبعيض على أن القول بأنها للتبعيض أثبته الأصمعي، والفارسي، و [القتبي] (١)، وابن مالك، وغيرهم.
وجعلوا منه: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [سورة الإنسان: الآية ٦].
وقولَ الشاعر: [الكامل]
فَلَثَمْتُ فَاهَا آخِذًا بِقُرُونِهَا … شُرْبَ النَّزِيفِ بِبَرْدِ مَاءِ الحَشْرَجِ (٢)