← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6338

رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (2 330 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

أجيبَ: مُتَّضِحٌ بِمَا تَقَدَّمَ. "مسألة" "لا إجمال" عند أئمتنا "في نحو: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [سورة المائدة: الآية ٣]، "وَ" ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [سورة النساء: الآية ٢٣]؛ "خلافًا للكرخى (١)، والبصري"، وبعض أصحابنا. "لنا": أن "القطع" الحاصل "بالاستقراء" "أن العرف" قاضٍ بأن التحريم، أو التحليل إذا أضيف إلى جسم كان "الفعل المقصود منه"، لا نفس الجسم. ألا ترى أنه إذا قال لغيره: حرمت عليك هذا الطعام، عقل منه تحريم الأكل، وكذلك تعقل من تحريم الميتة تحريم أكلها، والأمهات تحريم نكاحهن، فصار المراد معقولًا من هذا اللفظ، وما عقل منه المراد لا يكون مجملًا. "قالوا": إسناد التحريم إلى الأعيان مُحَال، فلا بُدّ من إضمار؛ لاستقامة الكلام، وحينئذ يجب أن يقيد المضمر بقدر الحاجة؛ لأن "ما وجب للضرورة يقيد بقدرها"، "فلا يضمر الجميع"؛ لأن البعض كافٍ، "والبعض غير متضح"؛ إذ ليس بعض أولى من بعض، فوجب التوقف. الشرح: "أجيب": بأنا لا نسلم أن البعض غير متضح، بل هو "متضح بما تقدّم" من قضاء العُرْف بإرادة المقصود من مثله. وهذا إذا اتضح أحد المجازات، فإن لم يتضح واحد معين، فالأولى عندنا تقدير الجميع؛ لأنه الأقرب إلى نفي الحقيقة. وقد سبق ذكر هذا في مسألة المقتضى، وكل هذا مبني على أصلنا في أن الأحكام إنما تتعلّق بالأفعال [المقدورة] (٢) للمكلف، وأن الأعيان لا يتعلّق بها حل ولا حرمة.

стр. 1507

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وأما من ذهب من المعتزلة إلى تعلق الحل والحرمة بالأعيان، فواضح أنه لا إجمال عنده، ولكنه قول باطل. وعلى أصلنا نقول: اعلم أن الشَّيء يوصف بنفي أمر عنه، أو إثبات أمر له، وهذا الإثبات قد يعود إلى نفس الذَّات، أو صفة نفسية، أو صفة معنوية قائمة بالذات، أو صفة تعلق، لا يرجع شيء منها إلى الذَّات، وهذا يكشف حقائقه في علم الكلام. وقد اختلف في الأحكام، هل تكتسب بها الذوات صفة أو لا؟. فالجمهور: على أنها من صفات التعلّق؛ فإذا قيل هذا نجس، فليست النجاسة، ولا كونه نجسًا راجعًا إلى نفسه، ولا إلى صفة نفسية، أو معنوية للذات. بل هي حالة الطَّهارة والنجاسة على حدّ سواء، لم يستفد هذا الحكم صفة زائدة قائمة بها لأجل الحكم. ومعنى النجاسة: تعلّق قوله تعالى: إنها تجتنب في الصلاة، ونحو ذلك. وكذا قولنا: شرب الخمر حَرَام، ليس المراد: تجرّعها، وحركات الشَّارب، وإنما التحريم راجع إلى تعلق قول الباري في النهي عن شربها، وكذا: "حرمت الميتة"، ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ﴾، وأمثال ذلك. وقد أخبرناك أن صفات التعلق لا تقتضي إفادة وصف عائد إلى الذات، وهذا كمن علم زيدًا قاعدًا بين يديه، فإن علمه - وإن تعلّق بزيد - لم يغير من صفات زيد شيئًا، ولا حدث لزيد صفة لأجل تعلق العلم به. وذهب من لا تحقيق عنده إلى استفادة الذَّوات من الأحكام فائدة، ورأوا أن التحريم والوجوب يرجع إلى ذات الفعل المحرم والواجب، وَقدَّروه وصفًا ذاتيًّا. قال القاضي في "التقريب": واعتلوا لذلك بضرب من الجهل، وهو أنه لو توهم عدم الفعل لعدمت أحكامه بأسرها، فوجب أن يكون أحكامه هي هو. قال: وهذا باطل؛ لأنه قول بوجب أن يكون جميع صفات الأجسام وأحكامها، وأقوالها، وأفعالها، هي هي؛ لأنه لو تصوّر عدم الجسم، لعدمت أحواله وأكوانه وجميع متصرفاته، فيجب أن يكون هو عبارة عن أفعاله، ولا يقول ذلك عاقل.

стр. 1508

مَسْأَلَةٌ: لَا إِجْمَالَ فِي نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [سورة المائدة: الآية ٦]. لنَا: إِنْ لَمْ يَثْبُتْ فِي مِثْلِهِ عُرْفٌ فِي بَعْضٍ كَمَالِكَ؛ وَالْقَاضِي، وَابْنُ جِنِّي: فَلَا إِجْمَالَ. وَإنْ ثَبَتَ؛ كَالشَّافِعِي وَعَبْدِ الْجَبَّارِ وَأَبِي الحُسَيْنِ: فَلَا إِجْمَالَ. وأعتلوا أيضًا بقولك: هذا الفعل حلال، وهذا حرام. وأجاب القاضي: بأنه لا اعتبار بالإطلاقات التي منها حقيقة، ومنها مجاز. الشرح: "لا إجمال في نحو: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ"؛ خلافًا لبعض الحنفية (١). "لنا: أن" إدخال "الباء" على الفعل المتعدي إما أن يثبت من جهة التصرف ظهورها في أي بعض كان أولا إن "لم يثبت عرف في مثله"، أي: في إدخال "الباء" "في بعض كمالك والقاضي، وابن جني، فلا إجمال"؛ لأن "الباء" للإلصاق، وحقيقة الرأس كله، فوجب مسح كله. "وإن ثبت" أن العرف يقتضي التبعيض "كالشافعي، وعبد الجَبَّار، وأبي الحسين، فلا إجمال" أيضًا؛ لظهور المراد، وهو التبعيض. والحاصل أنه: لا إجمال على مذهبي مالك والشَّافعي.

стр. 1509

قَالُوا: الْعُرْفُ فِي نَحْوِ: "مَسَحْتُ بِالْمِنْدِيلِ" - الْبَعْضُ. قُلْنَا: لأَنَّهُ آلَةٌ؛ بِخِلَافِ: مَسَحْتُ بِوَجْهِي. وأمَّا "الْبَاءُ" لِلتَّبْعِيض، فَأَضْعَفُ. الشرح: "قالوا: العرف" يفرق بين: "مسحت بالمنديل" فكذا يجب أن يكون في "وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ"، وإذا اقتضى "البعض" وهو غير معين - لزم الإجمال. "قلنا": إنما اقتضى قولنا: "مسحت بالمنديل" التبعيض؛ "لأنه آلة"، والعمل بالآلات حاصل ببعضها لا "للباء"؛ ولذلك تقول: "مسحت بالمنديل" "بخلاف "مسحت بوجهي"، ولا نسلم التبعيض في نحو: "مسحت بوجهي" الذي هو نظير: "وامسحوا بِرُءُوسِكُمْ". "وأما الباء" والقول بأنها "للتبعيض" كما ذهب إليه بعض الشَّافعية، "فأضعف" مما تقدم؛ لعدم ثبوته عن أهل اللغة. والذي ذهب إلى أنها للتبعيض من الشَّافعية توصل بها إلى الاكتفاء بما ينطلق عليه الاسم. ومن ادَّعى الإجمال يصلح له الاحتجاج به أيضًا؛ لأنه ليس بعض أولى من بعض. ولكن جوابه: إن رأى بعض كان، وهو كافٍ، وإنما يلزم ترجيح بعض على بعض لو عين أحد البعضين، ولا قائل بالتعيين. واعلم أن المحفوظ عن الشافعي: الاكتفاء بأقل ما ينطلق عليه الاسم. والصحيح عندنا أن مأخذه: أن المسح لمطلق الرأس، وهو صادق ببعضه، لا أنها موضوعة للتبعيض على أن القول بأنها للتبعيض أثبته الأصمعي، والفارسي، و [القتبي] (١)، وابن مالك، وغيرهم. وجعلوا منه: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [سورة الإنسان: الآية ٦]. وقولَ الشاعر: [الكامل] فَلَثَمْتُ فَاهَا آخِذًا بِقُرُونِهَا … شُرْبَ النَّزِيفِ بِبَرْدِ مَاءِ الحَشْرَجِ (٢)

стр. 1510

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقول الآخر: [الكامل] شَرِبَتْ بِمَاءِ الدُّحْرُضَيْنِ فَأَصْبَحَتْ … زَوْرَاءَ تَنْفِرُ عَنْ حِيَاضِ الدَّيْلَمِ (١) وقولَ الآخر: [الطويل] شَرِبْنَ بِمَاءِ البَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ … مَتَى لُجَجٍ خُضْرٍ لَهُنَّ نَئيجُ (٢)

стр. 1511

مَسْأَلَةٌ: لَا إِجْمَالَ فِي نَحْوِ: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ"؛ خِلَافًا لأَبِي الْحُسَيْنِ، وَالْبَصْرِيِّ. لنَا: الْعُرْفُ فِي مِثْلِهِ قَبْلَ الشَّرْعِ - الْمُؤَاخَذَةُ وَالْعِقَابُ، وَلَمْ يَسْقُطِ الضَّمَانُ: إِمَّا لأَنَّهُ لَيْسَ بِعِقَابٍ - أَوْ تَخْصِيصًا لِعُمُومِ الْخَبَرِ؛ فَلَا إِجْمَالَ. قَالُوا: وَأُجِيبَ بِمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَيْتةِ. «مسألة» الشرح: "لا إِجْمَال في نحو" ما قدَّمْناه في "بابِ العُمُوم" من قوله ﷺ : ""رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ"، خلافًا لأبي الحُسَيْن والبَصْري" أبِي عَبْد الله وبعْضِ الحَنفِيَّةِ (١). "لنا: العُرْف" فإنَّهُ يَقْضِي "في مثله قَبْل الشَّرع" بأن المَحْكُومَ يرفعه إنَّما هو "المؤاخذةُ والعِقَابُ". قال ابْنُ السَّمْعَانِي: ويمكن أن يُقال: إنَّهُ معقُولُ المَعْنَى لُغةً أيضًا؛ ألا ترى أنَّهُ إذا قال لِعَبْدِهِ: رفعْتُ عَنْكَ خِيانتَك عَقَلَ منه رفْعَ المُؤَاخَذَةِ، ولا يُقَالُ: فَلِمَ لم يَسْقُط الضَّمَان؟ لأنَّا نقول ذلك؛ "إمَّا لأَنَّه ليس بِعِقَاب"، بل هُو جبْرَانٌ لِلْمُنَافَاة، ولذلك يُؤاخَذُ بِهِ مَنْ لا أهْلِيَّة للتَّكلِيفِ أصْلًا، "أو تَخْصِيصًا لِلعُمُوم لخَبَر" كذا بِخطِّ المُصَنِّف، أي: تخصيصًا لِعُمُومِ المُؤَاخَذَةِ للخبر الدَّالِّ على التَّخْصيص، ولَكَ أنْ تقول: ما الخبر؟ فالأَوْلَى أنْ يُقال: أو تَخْصيصًا لِعُمُومِ هذا الخَبَرِ بالإجْمَاعِ وغَيْرِه من الأدِلة القَائِمَةِ على ذلِك، ولُزُومُ التَّخْصِيصِ أَسْهَلُ من القَوْلِ بِالإِجْمَال، "فلا إجْمَال". "قالوا": لا بُدَّ مِنْ إِضْمَارٍ لِمُتَعَلِّقِ الرَّفع، وهو مُتَعَدِّد. "وأُجِيبُ بِما تَقَدَّم في المَيْتَةِ" من أنَّ الْمُضْمَر هو ما اتَّضَحَ عُرْفًا.

стр. 1512

مَسْأَلَةٌ: لَا إِجْمَالَ فِي نَحْوِ: "لَا صَلَاة إِلَّا بِطُهُورٍ"؛ خِلَافًا لِلْقَاضِي. لَنَا: إِنْ ثَبَتَ عُرْفٌ شَرْعِيٌّ فِي الصَّحِيحِ - فَلَا إجْمَالَ؛ وَإِلَّا فَالْعُرْفُ فِي مِثْلِهِ نَفْيُ الْفَائِدَةِ مِثْلُ: لَا عِلْمَ إِلَّا مَا نَفَعَ؛ فَلَا إِجْمَالَ وَلَوْ قُدِّرَ انْتِفَاؤُهُمَا فَالأَوْلَى نَفْيُ الصِّحَّةِ؛ لأِنَّهُ يَصِيرُ كَالْعَدَمِ، فكَانَ أَقْرَبَ إلَى الْحَقِيقَةِ الْمُتَعَذِّرَةِ. فَإِنْ قِيلَ: إِثْبَاتُ اللُّغَةِ بِالتَّرْجِيحِ. قُلْنَا: إِثْبَاتٌ لِمَجَازٍ بِالْعُرْفِ فِي مِثْلِهِ وَهُوَ جَائِزٌ. «مسألة» الشرح: "لا إجْمَال في نحو: "لا صلاةَ إلَّا بِطُهُورٍ""، أو "إلَّا بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ"، فانتفى فيه الفِعْلُ (١)، والْمُرادُ نَفْيُ صِفَتِهِ؛ "خلافًا لِلْقَاضِي. لَنَا: إن ثَبَتَ عُرْفٌ شَرْعِيٌّ في الصَّحِيح"، أي: في أن الشَّرْعِيَّ هو الصَّحِيح، "فلا إجْمَالَ"؛ إذ حَقِيقَةُ الْفِعْلِ الشَّرْعِيِّ مَنْفِيَّةٌ، وإذَا أمْكَن نَفْيُ مُسَمَّاهُ تَعَيَّنَ، "وَإِلَّا فالْعُرْف" اللُّغَوِيُّ قاضٍ "في مِثْلِه" بأنَّ المُرَاد "نَفْيُ الفَائِدة" مِثل: "لا عِلْمَ إلَّا ما نَفَعَ، فلا إجْمَال" أيْضًا؛ لِظُهُورِ المُرَادِ وهو نَفْيُ الفَائِدةِ، "ولو قُدِّرَ انتِفَاؤُهُما"، أي: انْتِفَاءَ العُرْفِ الشَّرْعِيِّ واللُّغَوِيِّ "فالأَوْلَى" في التَّقْدِير "نَفْيُ الصِّحَّةِ؛ لأَنَّهُ يَصِيرُ إلى العَدَمِ"، "فكانَ أقْرَبَ إلى الحَقِيقَةِ المُتَعَذّرَة"، والمَجَازُ الأَقْرَبُ أَوْلى مِنَ البَعِيد، كنَفْي الكْمَال، وإذا كان ثَمَّ مَجَازٌ قَرِيبٌ كان ظَاهِرًا فيه وَلَا إجْمَال، فَإِذًا لا إجْمَال على التَّقادِير الثَّلاثِ. "فإن قيل": ما ذَكَرْتُم "إثباتَ اللُّغَة بالتَّرْجِيح" وأنْتُم تَمْنَعُونَه. "قلنا": لَيْس ذلك من إثْبَات اللُّغَةِ بالتَّرجيحِ، بل هُو "إثبات لمجاز" مِن المَجَازَات "بالْعُرْفِ في مِثلِهِ".

стр. 1513

قَالُوا: الْعُرْفُ شَرْعًا - مُخْتَلِفٌ فِي الْكَمَالِ وَالصِّحَّةِ. قُلْنَا: مُخْتَلِفٌ؛ لِلاخْتِلَافِ؛ وَلَوْ سُلِّمَ فَلَا اسْتِوَاءَ؛ لِتَرَجُّحِهِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ. الشرح: "قالوا: العُرْفُ شَرْعًا مُخْتَلَفٌ"، فيقال: "في الكمال" تارةً، "و" في "الصِّحَّة" أخرى، فكَانَ مُتَردِّدًا بَيْنَهُما، وَلَزِمَ الإجْمَالُ. "قلنا: مُخْتَلَفٌ" كما ذَكَرْتُم، وَلَكِن "الاخْتِلَاف" في أنَّهُ ظَاهِرٌ في نَفْي الصِّحَّةِ أو نَفْيِ الكَمَال، فَكُلُّ ذِي مذْهَبٍ يَحْمِلُهُ على مَا هُوَ الظَّاهِرُ فِيهِ عِنْدَه، لَا أَّنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَهُمَا، فهو ظَاهِرٌ عِنْدَهُمَا لا مُجْمَل. غَايَة الأَمْرِ: أَنَّ كُلًّا منهما يَجْعَلُهُ ظَاهِرًا في خِلَاف مَا جَعَلَهُ صاحِبُه، فلا إِجْمَال، "ولو سُلِّم" أنه مُتَرَدِّدٌ بَيْنَهُمَا، "فلا اسْتِواء" لهما بالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، أي: لَيْسَ التَّرَدُّدُ على السَّوَاءِ، بَلْ نَفْيُ الصِّحَّةِ أوْلَى؛ "لترجُّحِه" بما ذَكَرْنَاه" مِنَ الْقُرْبِ إِلى نَفْي الذَّات. واعْلمْ أن المَسْأَلَة معْقُودَةٌ في صِيَغٍ تَرِدُ فِي الشَّرع نَافِيَة لِذَوَات واقِعَةٍ، وهذا قَدْ جاء الشَّرْعُ به تَارَةً في قَالَبِ الْإِثْبَاتِ، وتارةً في قَالَبِ النَّفي. أمَّا الإثبات: فمِثْل ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [سورة النساء الآية ٢٣]، ومَعْلُوم أن نَفْس الأُمِّ لا تُحَرَّم، والْمُحَرَّمُ مَعْنًى آخَرُ غَيْرُ ذَاتِهَا، وَهُوَ غَيْرُ مذكورٍ، فالْمَنْطُوقُ غَيْر مُرادٍ، والْمُرادُ غَيْرُ مَنْطُوقٍ، وهذا تقدَّم. وأمَّا النفي: وهو مسألتُنَا نحو: لا عمل إلا بِنِيَّة (١)،: لا صِيَامَ لمن لم يُبيِّتِ الصِّيَامَ مِن اللَّيْل،: لا صَلَاةَ إِلّا بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ،: لا نِكَاحَ إِلَّا بِوَليٍّ، فمن يَقُولُ بِالحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ، ويَقُولُ مع ذلك: إِنَّ الشَّرْعِيَّ مَخْصُوصٌ بِالصَّحيحِ، ويَحْمِلُ اللَّفْظَ إذا وَرَدُ مِن الشَّارعِ عَلَى الشَّرْعِيِّ دُونَ اللُّغَوِيِّ وغَيْرهُ مِن الْمُحْتَمَلَاتِ، وهُوَ يَحْمِلُ الْكَلَام على حَقِيقَتِهِ، ولا وَجْهَ للإجْمَال عِنْدَه؛ إذ لا شَكَّ عِنْدَه في انْتِفَاء الذَّاتِ - فَأَيُّ دَاعٍ إلَى الإجْمَال، ومَن يُنْكِرُ الْحَقَائِقَ الشَّرْعِيَّةَ كالقَاضِي أَبِي بَكْرٍ، أو يَقُولُ: الشَّرْعِيُّ لأَعَمّ مِن الصَّحِيحِ والفَاسِدِ، أَو يَقُولُ: إذا وَرَدَ لفْظٌ له مَحْمَلٌ لُغَوِيٌّ ومحْمَلٌ شَرعِيٌّ كانا بالنِّسْبة إليه سواء يتَّجه منه دَعْوَى الإجْمَال. ثم اختَلَفَ القَائِلون بالإجمال، فذهب ذَاهِبُون إلى أن سَبَبِيَّة كوْن اللَّفْظِ لَمْ يُرِدْ نَفْي وُقُوع الفِعْل، أو وُقُوعَه مَوْجُودٌ ومشاهدٌ، وإنَّما أريد به أمرٌ آخر لم يُذكَرْ، والَّذِي أريدَ به غير مَعْلُومٍ، فكان مُجْمَلًا، وردَّ نازلون عن هذه المَرتبَةِ هذا.

стр. 1514

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقالُوا: اللَّفْظُ موضُوعٌ لِنَفْي الأَوْصَافِ دُونَ الذَّوَات؛ ألا تراهُم يَقُولُون لِمَن أجَابَ بما لا يُفِيدُ: لم يجب شيء، ولكن الأَوْصَافَ مُتَعَدِّدَةٌ، فسببُ الإجْمَال تَعَدُّدُهَا، وتردد لا صيامَ إلَّا بِنِيَّةٍ، وأمثالهُ بين نَفْي الجَوَازِ ونَفْي الكمال، وهذا اختيارُ الْقَاضِي، والحقُّ عَدَمُ الإجْمَال، وأنَّهُ ظَاهِرٌ في نَفْي الصِّفَات، ثُمَّ ما كانَ أقْرَبَ إلى الحَقِيقَةِ، كَان المَنْفِيَّ كَما عَرَفْت، فإن تَسَاوَتِ المجازَاتُ وكانَتْ مُتَنَافِيَةً كان مُجْمَلًا إذ ذاك، وإن كان بَيْنَهُمَا قدْر مُشْتَركٌ صُيِّرَ إلَيه. هذه هي الطَّرِيقَةُ المُرْضِيَةُ عِنْدنا الجَارِيَةُ عَلَى أُسْلُوبِ التَّحْقِيقِ ومِنْ أصحابنا من قال بِالْعُمُومِ في ذلِكَ على نَحْوِ العُمُومِ في المحذوفاتِ والمَنْطُوقَاتِ، لا على أصْلِ الواقِفِيَّةِ المُنْكِرين لِلْعُمُوم أصْلًا، ولا على أصْلِ المُعَمِّمين الَّذِين يَقْصرُون التعميم على الصِّيَغِ، ولا يَرَوْن تَعْمِيمَ المَحْذُوفَاتِ. وذكر القاضي أن المُعَمِّمِين أَخْطَأُوا، وإن سُلِّم لهم أصْلهم في العُمُوم، واعتلَّ بأن العُموم إنَّما يَصِحُّ دعواه فيما لا يتناقَض، وأمَّا إذا كان يَصِيرُ إلى تناقُضٍ وتهافُتٍ، فيستحيل دعوى العُمُومِ. قلت: وهذا حقٌّ فيما تنافَتْ فيه المحامِلُ كما قُلْناه، ولكن قد لا يُسَلِّمُ المُعَمِّمُونَ التَّنَافِيَ بَيْنَ الْكَمَال والصِّحَّةِ حالة النَّفْي، ويقولون: يَجُوز نَفْيُهُمَا معًا، وهذا مَوْضِعُ نَظَرٍ؛ فإنَّ إمام الحَرَمَيْن وابنَ السَّمْعَانيِّ وغَيْرَهمَا ذَكَرُوا أن من ضَرُورَةِ نَفْي ثُبُوتَ الجَوَازِ، وهذا إن صحَّ لهم ثَبَتَتْ دعوى نَفْي العُمُوم كما صَحَّتْ دعوى نَفْيِ الإجْمال، وقامَ تَقْدِير الجَوَاز فإنَّهُ أعَمُّ وَأَقْرَبُ إِلى نَفْي الحَقِيقَةِ، ولكِن لقائلٍ أن يقول: لا نُسَلِّمُ أن نَفْيَ الكمال يَقْتَضِي إثْباتَ الجَوَازِ؛ فإنَّ نَفْيَ الأخصِّ لا يقتضي ثُبُوتَ الأعَمِّ، بل هو صَادِقٌ وإنْ لم يثبت الأعمُّ أيضًا. والَّذِي أرَاهُ أنَّهم لم يَقصِدُوا أن قَضِيَّة نَفْي الكَمال إثباتُ الجواز؛ فإنَّ ذلك سَاقِطٌ كَمَا تَرَى، بل إنَّه يُشْعِرُ بإثبات الجَوَازِ إشْعارًا مَحْضًا؛ إذ لا يُقَال في العُرْفِ للصَّلاة الفَاسِدَةِ: صلاةٌ غَيْرُ كَامِلَةٍ، وإنَّما يُقَالُ ذلك لِنَاقِصَةِ الفَضَائِل الَّتِي لا تُوجِبُ الإخلال بها فسادًا. ثمَّ أقولُ: وإذا نَفَيْنا الجواز كان قولنا معه: "ولا كمال" غير محتاجٍ؛ إليه لتضمُّن نفي الجواز إيَّاه، فإذا قيل: يُفْهَمُ من إثباتِ الجَوازِ، ثم يُنَافِي قَوْلنا: لا جَوَازَ، فَمِنْ هُنا يجِيءُ التَّنَافِي؛ فإنَّ نَفْيَ الْكَمَال يُشْعِرُ بِثُبُوتِ الإجْزاء، ويُعْتَضَدُ هَذَا الإشْعارُ بضمِّهِ إلى نَفْسِ الجَوَازِ؛ فإنَّه لَوْ لَمْ يُفِدْ أمْرًا يُغَايِرُهُ لإفادَة نَفْيِ الإجْزاءِ لما كان لِذِكْرِه فَائِدَةٌ إلى نفي الجواز، ونفي الإجزاء مع ثبوت الإجزاء مما يتضاد، فافهم ما يلقى إليك فيه يظهر لك التَّنافي بين نفي الكمال والصحة، وتنكر به على مدعي العموم.

стр. 1515

مَسْأَلَةٌ: لَا إِجْمَالَ فِي نَحْوِ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [سورة المائدة: الآية ٣٨]. لَنَا: أَنَّ الْيَدَ إِلَى الْمَنْكِبِ حَقِيقَةٌ؛ لِصِحَّةِ: "بَعْضُ الْيَدِ" لِمَا دُونَه، وَالْقَطْعُ إِبَانَةُ المُتَّصِلِ؛ فَلَا إِجْمَالَ". وَاسْتُدِلَّ: لَوْ كَانَ مُشْتَرَكًا فِي الْكُوعِ وَالْمِرْفَقِ وَالْمَنْكِبِ - لَزِمَ الْإِجْمَالُ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ، لَزِمَ الْمَجَازُ. «مسألة» الشرح: "لا إجمال في نحو: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ " [سورة المائدة: الآية ٣٨] لا في اليد، ولا في القطع؛ خلافًا لبعض الحنفيَّة (١). واقتضى كلام المصنف اختياره في مسألة فعله ﷺ . "لنا: أن اليد" للعضو "إلى المنكب حقيقة". وإنما كان حقيقة "لصحة" إطلاق "بعض اليد لما دونه" أي: دون المنكب، فكان ظاهرًا في الكل؛ فلا إجمال. "والقطع" أيضًا ليس بمجمل؛ لأن حقيقته "إبانة المتّصل"، فهو ظاهر فيه؛ "فلا إجمال" (٢). "واستدل: لو كان" لفظ اليد "مشتركًا في "العضو إلى "الكوع والمرفق والمنكب، لزم الإجمال"؛ وهو خلاف الأصل، فيكون حقيقة لأحدهما ظاهرًا فيه؛ لنفي الإجمال. "وأجيب": بالمعارضة "بأنه لو لم يكن" لفظ اليد مشتركًا بين الثلاثة "لزم المجاز"،

стр. 1516

وَاسْتُدِلَّ: يُحْتَمَلُ الاِشْتِرَاك وَالتَّوَاطُؤ وَحَقِيقَة أَحَدِهِمَا، وَوُقُوعُ وَاحِدٍ مِنِ اثْنَيْنِ أَقْرَبُ مِنْ وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ إِثْبَاتُ اللُّغَةِ بِالتَّرْجِيحِ - وَبِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مُجْمَلٌ أَبَدًا. قَالُوا: تُطْلَقُ الْيَدُ عَلَى الثَّلَاثِ، وَالْقَطْعُ عَلَى الْإِبَانَةِ وَعَلَى الجَرْحِ فَثَبَتَ الْإِجْمَالُ. قُلْنَا: لَا إِجْمَالَ مَعَ الظُّهُورِ. ولك أن تقول: قولكم: لو كان مشتركًا ينبغي أن يكون دليلًا على نفي الاشتراك، لا نفي الإجمال، ومرادكم نفي الإجمال، وقولكم: لكان مجملًا يقال عليه، وهذا هو المقصور. والظاهر أن الدليل مقلوب، والمراد: لو كان مجملًا لكان مشتركًا؛ إذ لا موجب للإجمال هنا غيره، والأصل عدم الاشتراك. وجوابه: لو لم يكن، لكان مجازًا، والأصل عدم المجاز. ولقائل أن يقول: المجاز أولى من الاشتراك. الشرح: "واستدلّ" على المجاز أيضًا: بأن لفظ اليد "يحتمل الاشتراك" بين الأمور الثلاثة، بأن يكون موضوعًا لها "والتواطؤ، وحقيقة أحدهما" دون الآخر، "ووقوع واحد من اثنين أقرب من واحد معين"، فيكون الغالب على الظَّن أحد الاثنين، والإجمال إنما هو على تقدير الاشتراك، فيظن خلافه. "وأجيب" أولًا: "بأنه إثبات للغة بالترجيح". وثانيًا: "بأنه" لو صَحّ "لا يكون مجملًا أبدًا"؛ لجريان ما ذكر فيه. والمخالفون "قالوا: تُطْلق اليد على" الأشياء "الثلاثة، والقَطْع" يطلق "على الإبانة، وعلى الجروح" يقال لمن جرح يده بالسِّكين: قطع يده، والأصل الحقيقة، "فثبت الإجمال". "قلنا": بمجرد الإطلاق لا يلزم منه الإجمال، وإنما يلزم من عدم الظُّهور، وقد بينا اليد ظاهر في العضو من المنكب، والقطع من الإبانة، "ولا إجمال مع الظّهور".

стр. 1517

الْمُخْتَارُ أَنَّ اللَّفْظَ لِمَعْنًى تَارَةً، وَلمَعْنَيَيْنِ أُخْرَى: مِنْ غَيْرِ ظُهُورٍ - مُجْمَلٌ. الشرح: قال أبو عمرو: "المختار أن اللَّفظ" الذي يستعمل "لمعنى تارة، ولمعنيين أخرى من غير ظهور" لأحد الأمرين فيه "مجمل" (١). وقال الغزالي: إذا أمكن حمل كلام الشَّارع على ما يفيد معنيين، وحمله على ما يفيد معنى واحدًا، وهو متردّد بينهما، فهو مجمل. وقال بعض الأصوليين: يترجح حمله علي ما يفيد معيين، كما لو دار بين ما يفيد وما لا يفيد. انتهى. وكلام الآمدي نحوه، فإنه قال: اللَّفظ الوارد إذا أمكن حمله على ما يفيد معنى واحدًا، وعلى ما يفيد معنيين: قال الغزالي وجماعة من الأصوليين: هو مجمل؛ لتردّده .. إلى آخر ما ذكره، واختار أنه لا يكون مجملًا. وقال: محل النزاع إنما هم فيما إذا لم يكن حقيقة فيهما، فإنه يكون مجملًا، أو حقيقة في أحدهما مجازًا في الآخر، فإن الحقيقة مرجّحة لا ريب. وكذلك عبارة الهندي، فإنه قال: لفظ الشَّارع إذا دار بين أن يفيد معنى، أو يفيد معنيين، وهل هو مجمل بالنسبة إلى كلّ واحد منهما، وهو ظاهر بالنسبة إلى إفادة المعنيين؟ ذهب الأكثرون إلى أنه ظاهر … إلى آخره، وذكر كما ذكر الآمدي أنَّ محلّ النزاع فيما إذا لم يكونا حقيقة، أو أحدهما حقيقة والآخر مجازًا. وقال في آخر المسألة تبعًا للآمدي: الحمل على إفادة المعنيين أولى؛ لما فيه من رفع الإجمال الذي هو خلاف الأصل. وهذا المقصود وإن كان حاصلًا في الحمل على المعنى الواحد، لكنه خلاف الإجماع؛ إذ القائل قائلان.

стр. 1518

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فإنا نقول بالحمل على المعنيين. وقائل يقول بالإجمال، فأما تعين الحمل على معنى واحد، فقول لم يقل به أحد. هذه عبارات هؤلاء الأئمَّة. والذي وضح لي أن سورة المسألة فيما إذا ورد كلام من الشَّارع دائر بين مدلولين إن حمل على أحدهما أفاد معنى واحدًا، وإن حمل علي الآخر أفاد معنيين، وليس هو أظهر بالنسبة إلى أحدهما ليخرج ما إذا كان أحدهما حقيقة والآخر مجازًا؛ إذ الحقيقة راجحة، أو أحدهما مجازًا راجحًا، والآخر مرجوحًا؛ لتقدم الراجح. وقد أشار المصنف بقوله: "اللفظ لمعنى تارة، ولمعنيين أخرى" إلى أن محل الخلاف ليس فيما إذا كان أحدهما حقيقة، والآخر مجازًا؛ إذ لا يقال في المعنى المجازي: إن اللفظ له، بل اللفظ ليس إلا للحقيقة الموضوع بإزائها وضعًا أولًا. وبقوله: "من غير ظهور" إلى ما إذا كان أحد المحملين راجحًا؛ إما لكونهما مجازين، وأحدهما أشهر، أو لغير ذلك، ويدخل فيه ما إذا كان أحدهما حقيقة والآخر مجازًا، فإن الظهور للحقيقة، إلا أن تكون مهجورة. وإذا وضح أن محلّ الخلاف وصورة المسألة في لفظ دائر بين مدلولين: إن حمل على أحدهما أفاد معنى واحدًا. وإن حمل على الآخر أفاد معنيين من غير ظهور، فنقول: للمسألة حالتان: إحداهما: أن يكون المعنى الواحد ليس واحدًا من المعنيين، والذي يظهر في هذا أن يكون مجملًا، ولا يقال: الحمل على ما يفيد معنيين أولى؛ لكونه أكثر فائدة؛ لأنا نقول: إنما يتحقّق هذا لو كان المعنى الواحد أحد المعنيين. أما إذا لم يكن فهو قسيمه، وفي العمل به دفع لأحد محملي اللَّفظ بمجرّد كون الآخر أكثر فائدة، ولا نسلّم أن أكثرية فائدته توجب هذا الصنيع. والحالة الثانية: أن يكون واحدًا من المعنيين، والَّذي يظهر فيها: أنه يعمل بالمعنى الواحد على كل حال؛ لأنه إن كان هو تمام المُرَاد باللَّفظ، فلا إشكال، وإلا فهو أحد المُرَادين؛ فلا مانع من العمل، إنما يبقى النَّظر في المعنى الآخر. فإن قلت: فقد قال الآمدي فيما إذا ظهر كونه حقيقة، فيما قيل من المحملين مع

стр. 1519

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . اختلافهما: إنه لا خلاف فيه؛ لتحقّق إجماله؛ وهذا يقتضي أنه إذا كان حقيقة فيهما لا يكون من صور المسألة، كما قدمتموه عنه، وتابعه الهِنْدِيّ، وكلامهم ظاهر في أن صورة المسألة في أعم من ذلك، وهو اللفظ ذو المحملين المتساويين، سواء أكانا حقيقتين أو مجازين، أم أحدهما حقيقة مرجوحة، والآخر مجازًا راجحًا، عند من يقول بتساويهما. قلت: الذي قلناه نحن هو الذي يظهر، وإلَّا فإذا لم يكونا حقيقتين، ولا أحدهما حقيقة والآخر مجازًا، فما بقى إلا أن يكونا مجازيين؛ لانحصار دلالة اللفظ على المعنى في الحقيقة والمجاز، ونسبةُ المجازين إلى اللفظ نسبة الحقيقتين. فإن قلت: وهل لكلام الآمدي محمل صحيح؟. قلت: نعم، كلامه محمول على ما إذا كان كل من المحملين حقيقة، ولأحدهما معنى، وللآخر معنيان ليس واحد منهما هو ذلك المعنى. وإلى هذا يشير قول الآمدي "مع اختلافهما"؛ فإن هذا هو ظَاهِرُ الاختلاف. فإن قلت: الحالة الثانية: أن يكون المعنى الواحد فيهما أحد المعنيين من المحمل الآخر، قد ذكرتم أنه لا يتّجه خلاف في العمل بذلك المعنى، وإنَّمَا يبقى النظر في المعنى الثاني، فما معنى قول الآمدي والهِنْدِيّ: لم يقل بالحمل على المعنى الواحد أحد؟. قلت: هو أيضًا محمول على الحالة الأولى، وهي ما إذا لم يكن المعنى الواحد هو أحد المعنيين، من المعنى الآخر، فلم يقل أحد فيه بالحمل على المعنى الواحد، والإعراض عن المحمل الآخر ذي المعنيين المغايرين للمعنى الواحد، بل الظاهر الإجمال كما ذكرناه. ويحتمل على بعد أن يقال: ترجيح المحمل ذي المعنيين؛ لكونه أكثر فائدة، وهو ضعيف كما سبق. أما إذا كان المعنى الواحد هو أحد المعنيين من المحمل الآخر، فلا يتجه في العمل به خلاف، فإنما نفى الآمدي والهندي الخلاف فيما إذا كان المعنى الواحد ليس هو أحد المعنيين من المحمل الآخر. هذا ما ظهر لي. ويحتمل أن يقال: إنه لم يقل أحد بالحمل على المعنى الواحد بمعنى: صيرورته هو

стр. 1520

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . تمام المراد باللفظ والحمل عليه، إنما العمل به من جِهَةِ أنه داخل في المراد، إن لم يكن تمام المراد، فلم يتعرض له لوضوحه. وينبغي تنزيل كلام المصنف على ما قررنا، فيقال: قوله: اللفظ لمعنيين .. إلى آخر نصه. معناه: اللفظ إذا كان يطلق تارة، ويراد به معنيان، وأخرى ويراد به معنى، وإطلاقه عليهما على حَدّ سواء، وهو معنى قوله من غير ظهور. وهو أحسن ممن صرح بالحقيقتين، أو الحقيقة والمجاز؛ لما عرفت. وهل يترجّح الحمل على المعنيين، أو يكون مجملًا، أو يفرق بين أن يكون أحد المعنيين هو المعنى الآخر، الذي هو أحد محملى اللفظ؟. فيه الخلاف. وقد مثل بعض الشَّارحين المسألة بـ"الدابة" تطلق تارة بِإِزاء الفرس، وأخرى بإزاء كلّ من البَغْلَ والحمار، وهو على كونه فرض ما ليس بواقع من إطلاق الدَّابة على الفرس تارة، والبَغْل والحمار أخرى مثال للحالة الأولى دون الثانية. وبعضهم أنها تطلق على الفرس تَارَةً، وعلى الفرس والحمار أخرى. وهو أيضًا كالأول، ومختص بالحالة الثانية. ومثَّل بعضهم بقوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [سورة النور: الآية ٣٣]؛ فإن الشَّافعي ﵁ قال: المراد بالخير الكَسْب والأمانة. وقال آخرون: أحدهما فقط. وهذا إن صحّ يكون مثالًا للحالة الثانية أيضًا فقط. ثم هو ضعيف؛ إذ موضوع الخير بلا شك عند الشَّافعي وغيره ما هو أعم من ذلك كله، ويصدق على كلّ من الكَسْب والأمانة صِدْقَ المتواطئ إذا أطلق على أفراده، فأين دوران لفظ بين معنيين ومعنى؟. فإن قلت لم حمل الشَّافعي الخير عليهما؟.

стр. 1521

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قلت: ليس لأنه موضوع بإزائهما، بل قام عنده دليل من خارج على أنهما مرادان من اللفظ المتواطئ الصالح لهما معًا، وكل منهما. كما إذا استعملت المتواطئ في فرد بخصوصه، فهو عند ذوي التحقيق لم يخرج عن حقيقته بذلك، والقائل بأنه يخرج ليس بشيء ممَّا نحن فيه. ولا نقول: إِنَّ الفرد الآخر يعارضه. ومن قال إِنَّ الأمرين - أعني الكسبَ والأمانة - إذا فقد أحدهما نفى الاستحباب، فقد أخذ بحقيقة الإطلاق، وهو وجه لأصحابنا فيمن علم فيه الكسب دون الأمانة، أو بالْعكس. فليس حمل الشافعي الخير على الكسب والأمانة معًا، لكونه دائرًا بين مدلولين: أحدهما الكسب والأمانة معًا، والثاني الأعم، أو أحدهما؛ ولا لأن الخبر عنده موضوع بإزائهما معًا بخصوصهما. بل هو موضوع للقدر المشترك بين الكل بلا ريب. ودل دليل من خارج عنده على أن المراد به خير خاص متعلق بالأمانة والكسب معًا، كما في المطْلَق إذا قام الدليل على إرادة المقيد به. مما يوضح لك بطلان التمسك بهذا، أَنَّ القائل في المسألة الآصوليّة بأن لا يكون مجملًا ويحمل على المعنيين، قد علل دعواه بأن ذلك أكثر فائدة. والحمل على الأمانة والكسب معًا لا يكون أكثر فائدة، بل أقل، بل كلُّ مطلق حملته على المقيد كذلك؛ لأنك تزيل التمكن من أصل الإطلاق. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [سورة النساء: الآية ٦]. وقد قال الشَّافعي: الرّشد: الدين والمال معًا. وقال غيره: صلاح المال فقط. وقد يقال في هذه الآية: إِن الرشد موضوع للدين والمال معًا، ولا يمكن أن يقال مثل ذلك في الخير؛ فإِنَّهُ بلا شك لأعم من الكسب والأمانة.

стр. 1522

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقد مثل الشيخ فخر الدين الجاربردي (١) للمسألة بقول الرجل لامرأته: أنت على حرام كظهر أمي، قال:. فإنه يطلق تارة ويراد به: الطَّلاق وَالظِّهار. وأخرى ويراد بقوله: حرام: الظِّهار، وبقوله: كظهر أمي: تأكيده. وهو غير مطابق؛ لأن القائل إن نوى الطَلاق والظهار معًا بقوله: حرام، لم يقعا، بل: هل يثبت الطَّلاق أو الظّهار أو يُخيَّرُ؟. فيه أوجه، أَصَحُّهَا: الثَّالثُ. فلم يقل أحد: إنَّ لفظ الحرام صالح لهما معًا. بل صالح لكل منهما لا على المَعِيَّةِ. وإن نوى الطلاق بقوله: حرام، والظِّهَار بقوله: ظهر أمي، وقع الطلاق، وحصل الظِّهار وإن كان الطَّلاق رجعيًّا على الصَّحيح. ولكن لم يحصلا بلفظ واحدٍ، بل بلفظين، والكلام في لفظ واحد. وإن أطلق فلا طلاق؛ لعدم الصريح والنِّيَّة. وفي كونه ظهارًا وجهان. وقد يمثل للحالة الأولى بقوله ﵇: "المُحْرِمُ لا يَنْكِحُ وَلَا يُنْكِحُ"، إذا قلنا: النكاح مشترك بالاشتراك اللفظي (٢) بين العَقْد والوطء، فإنه دائر بينهما من غير ترجيح على هذا القول. فإن حمل على الوطء، استفيد منه معنى واحد، وهو أن المحرم لا يَطَأ ولا يُوطِئ.

стр. 1523

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وإن حمل على العقد استفيد من شيئان بينهما قدر مشترك، وهما أن المحرم لا يعقد لنفسه، ولا يعقد لغيره. وقد يمثل للحالة الثانية بقوله ﵇: "الأَيِّمُ أحَقُّ بِنَفْسِهَا"؛ (١) [فإنه يحتمل أنها أحق بنفسها، فتعقد على نفسها، كما يقول به بعض المخالفين. أو أنها أحقّ بنفسها] (٢)، فتمكن من أمرين: أحدهما: أن تأذن لمن يعقد عليها. الثاني: أن تعقد بنفسها. ومن أصحابنا من يقول بالثاني، وذلك إذا كانت المرأة في مكان لا وَلِيّ فيه، ولا حاكم. وقد نقله يونس بن عبد الأعلى (٣) عن النَّصِّ. وليس لقائل أن يعترضنا فيقول: لم يأتونا بمثال مُطَابق.

стр. 1524

لَنَا: أَنَّهُ مَعْنَا. قَالُوا: يَظْهَرُ فِي الْمَعْنَيَيْنِ؛ لِتَكْثِيرِ الْفِائِدَةِ. قُلْنَا: إِثْبَاتُ اللُّغَةِ بِالتَّرْجِيحِ، وَلَوْ سُلِّمَ، عُورِضَ بأَنَّ الْحَقَائِقَ لِمَعْنًى وَاحدٍ - أَكْثَرُ؛ فكانَ أَظْهَرَ. قَالُوا: يَحْتَمِلُ الثَّلَاثَةَ؛ كَالسَّارِقِ. أما الأول؛ فلأن النِّكاح إن حمل على العقد أيضًا لم يُفِدْ إلَّا معنى واحدًا، وقولكم يستفاد منه العقد لنفسه ولغيره. قلنا: المستفاد مطلق العقد، وهو أعم، وتعدّد المحال لا يوجب تعدد المدلول. وأما الثاني فكذلك؛ لأن العقد معنى واحد؛ لأنّا نقول: موضوع المسألة لفظ يستعمل تارة، ويستفاد منه شيء واحد، وأخرى ويستفاد شيئان، وهذا حاصل بما ضربناه مثلًا، ولم يشترط كونه موضوعًا بإزائهما حتى يرد ما ذكرتم. واستفادة العقد يترتب عليها معنيان، وهما مسألتان فقهيتان. واستفادة الوطء لا يحصل به إلَّا شيء واحد، فحصل الغرض. وقد أطلنا في هذه المسألة لاختلاف كلام الشَّارحين فيها. الشرح: واحتجّ المصنف للمختار فقال: "لنا: أنه" إذا كان اللفظ له معنى تَارَةً، ومعنيان أخرى ولا ظهور، كان مجملًا؛ لأن الإجمال ليس "معناه" إلا هذا؛ لأنه غير متّضح. "قالوا: يظهر في المعنيين؛ لتكثير الفائدة". "قلنا: إثبات اللغة بالترجيح"، وهو كثرة الفائدة. "ولو سلم" أنه ليس كذلك، أو أنه يجوز إثبات اللّغة بالترجيح، "عورض بأن الحقائق". أي: الألفاظ الموضوعة وضعًا أولًا وضعها "لمعنى واحد أكثر" من وضعها؛ لمعنيين، "فكان" اللفظ في الواحد "أظهر". "قالوا": اللفظ "يحتمل" الأمور "الثلاثة": الاشتراك، والتواطؤ، وحقيقة أحدهما في مجاز الآخر، "كالسارق" إلى آخره. قلنا: ما تقدم من أنه إثبات اللُّغة بالترجيح، وأنه لا يبقى مجمل أبدًا.

стр. 1525

مَسْأَلَةٌ: مَا لَهُ مَحْمَل لُغَوِيٌّ، وَمَحْمَلٌ فِي حُكْمٍ شَرْعِيٍّ؛ مِثْلُ: "الطَّوَافُ بِالبَيْتِ صَلَاةٌ" - لَيْسَ بِمُجْمَلٍ. لنَا: عُرْفُ الشَّارعِ تَعْرِيفُ الأَحْكَامِ، وَلَمْ يُبْعَثْ لِتَعْرِيفِ اللُّغَةِ. قَالُوا: يَصْلُحُ لَهُمَا، وَلَمْ يَتَّضِحْ. قُلْنَا: مُتَّضِحٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ. «مسألة» الشرح: "ماله محمل لغوي، ومحمل في حكم شرعي"، أو محمل عقلي، أو محمل في حكم الشرع، أو محمل يقرر اللَّفظ على الحكم الأصلي، ومحمل في حكم شرعي (١). فاللُّغوي والشرعي "مثل": قوله ﷺ : "الطَّوَافُ بِالبَيْتِ صَلَاةٌ"، إِلَّا أَنَّ الله أَحَلَّ فِيهِ الكَلَامَ" (٢).

стр. 1526

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = السائب صدوق، وإذا روى عنه الحديث مرفوعًا تارة وموقوفًا أخرى، فالحكم عند هؤلاء الجماعة للرفع، والنووي ممن يعتمد ذلك، ويكثر منه، ولا يلتفت إلى تعليل الحديث به إذا كان الرافع ثقة، فيجيء على طريقته أن المرفوع صحيح، فإن اعتل عليه بأن عطاء بن السائب اختلط ولا تقبل إلا رواية من رواه عنه، قبل اختلاطه، أجيب بأن الحاكم أخرجه من رواية سفيان الثوري عنه والثوري ممن سمعه قبل اختلاطه باتفاق، وإن كان الثوري قد اختلف عليه فرب وقفه ورفعه فعلى طريقتهم تقدم رواية الرفع أيضًا، والحق أنه من رواية سفيان موقوف، ووهم عليه من رفعه، قال البزار: لا نعلم أحدًا رواه عن النبيّ ﷺ إلا ابن عباس، ولا نعلم أسند عطاء بن السائب عن طاوس غير هذا، ورواه غير واحد عن طاوس موقوفًا، وأسنده جرير وفضيل بن عياض قلت: وقد غلط فيه أبو حذيفة فرواه مرفوعًا عن الثوري عن عطاء عن طاوس عن ابن عمر، أخرجه الطبراني في الأوسط عن محمد بن أبان عن أحمد بن ثابت الجحدري، عنه، ثم ظهر أن الغلط من الجحدري وإلا فقد أخرجه ابن السكن من طريق أبي حذيفة فقال: عن ابن عباس. وله طريق أخرى ليس فيها عطاء، وهي عند النسائي من حديث أبي عوانة عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس عن ابن عباس موقوفًا، ورفعه عن إبراهيم محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير، وهو ضعيف رواه الطبراني، ورواه البيهقي من طريق موسى بن أعين عن ليث بن أبي سليم عن طاوس عن ابن عباس مرفوعًا، وليث يستشهد به. قلت: لكن اختلف على موسى بن أعين فيه فروى الدارمي عن علي بن معمر عنه عن عطاء بن السائب؛ فرجع إلى رواية عطاء، ورواه البيهقي من طريق الباغندي، وله طريق أخرى مرفوعة أخرجها الحاكم في أوائل تفسير سورة البقرة من المستدرك ٢/ ٢٦٦، ٢٦٧ من طريق القاسم بن أبي أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال: قال الله لنبيه: "طهر بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود" فالطواف قبل الصلاة، وقد قال رسول الله ﷺ : "الطواف بمنزلة الصلاة إلا أن الله قد أحل فيه المنطق، فمن نطق فلا ينطق إلا بخير" وصحح إسناده وهو كما قال؛ فإنهم ثقات، وأخرج من طريق حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، أوله الموقوف ٢/ ٢٦٧، ومن طريق فضيل بن عياض عن عطاء عن طاوس آخره المرفوع، وروى النسائي وأحمد من طريق ابن جريج عن الحسن بن مسلم عن طاوس عن رجل أدرك النبيّ ﷺ : أن النبيّ ﷺ قال: "الطواف الصلاة، فإذا طفتم فأقلوا الكلام" وهذه الرواية صحيحه، وهي تعضد رواية عطاء بن السائب وترجح الرواية المرفوعة، والظاهر أن المبهم فيها هو ابن عباس، وعلى تقدير أن يكون غيره فلا يضر إبهام الصحابة، ورواه النسائي أيضًا من طريق حنظلة بن أبي سفيان عن طاوس عن ابن عمر موفوفًا. وإذا تأملت هذه الطرق عرفت أنه اختلف على طاوس على خمسة أوجه، فأوضح الطرق وأسلمها =

стр. 1527

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وهو حديث جَيّد رواه الترمذي، والنسائي، وأبو يعلى الموصلي، وابن حبان، والحاكم، وصححه. والشرعي مع العقلي، أو لتقرير الأصل لم يمثل له المصنف تبعًا للغزالي وغيره، والكل "ليس بمجمل"، بل يحمل على الحكم الشرعي. ويقال: كالصَّلاة في الطَّهَارة واشتراط السَّير ونحو ذلك، لا على اللُّغوي، حتى يقال: المراد بالصلاة: الدعاء (١). خلافًا للغَزَالي حيث ادّعى الإجمال فيه. "لنا: عرف الشَّارع تعريف الأحكام، ولم يبعث لتعريف اللغة"، فيرد كلامه إلى الشَّرعي ما أمكن. "قالوا: يصلح لهما، ولم يتضح" المراد منه؛ فكان مجملًا. وعبارة الغزالي: لم يثبت أن رسول الله ﷺ لا ينطق بالحكم العقلي، ولا بالاسم اللغوي، ولا بالحُكْمِ الأصلى، قال: فترجيح الشرعي تحكم. "قلنا: يتضح بما ذكرناه" من أنه ﷺ بعث لبيان الشرعيات (٢)، والتحكم منتفٍ من جهة أن الشَّرعي أرجح، وأغلب من، غيره، وإنْ كان غيره قد يقع، فالحكم للغالب. "فائدة" مثل الغزالي بـ: "الطَّوَافُ بِالبَيْتِ صَلَاةٌ"، وبقوله ﷺ : "الاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ" (٣).

стр. 1528

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قال: فإنه يحتمل أن يكون المراد: [أنه] (١) يسمى جماعة، وانعقاد الجماعة، وحصول فضيلتها. واعلم أن هذه المسألة فيما إذا وَرَدَتْ لفظة لها مسمّى لغوي، ومسمّى شرعي، وتعذّر الشرعي، ولم يمكن الرد إليه إلا بضرب من التَّجوز، فهل يحمل على اللّغوي أو يكون مجملًا، أو يرد إلى الشرعي؟. فيه الخلاف. ولم يحك المصنّف فيه القول بالحَمْلِ على اللغوي (٢). ونظير المسألة أيضًا: أن يتعذر الحمل على اللغوي كما تعذر على الشرعي، فهل يرد إلى الشرعي أو يكون مجملًا؟. فيه هذا الخلاف.

стр. 1529

لَا إِجْمَالَ فِيمَا لَهُ مُسَمًّى لُغَوِيٌّ وَمُسَمًّى شَرْعِيٌّ. وَثَالِثُهَا، لِلْغَزَالِيِّ ﵀: فِي الإِثْبَاتِ، لِلشَّرْعِيِّ، وَفِي النَّهْي، مُجْمَلٌ. وَرَابِعُهَا: وَفِي النَّهْي: لِلُّغَوِيِّ،، مِثْلُ: "إِنِّي إِذنْ لَصَائِمٌ". لَنَا: أَنَّ عُرْفَهُ يَقْضِي بِظُهورِهِ فِيهِ. - الإِجْمَالُ يَصْلُحُ لَهُمَا. الغَزَالِيُّ فِي النَّهْي: يَبْعُدُ الشَّرْعِيُّ لِلُزُومِ صِحَّتِهِ. وَأُجِيبَ: لَيْسَ مَعْنَى الشَّرْعِيِّ: الصَّحِيْح؛ وَإلَّا لَزِمَ فِي "دَعِي الصَّلَاةَ" - الإِجْمَالُ. ويظهر أن قوله ﵇: "الطَّوَاف بالبيت صلاة" من هذا القبيل؛ فإن الطواف ليس هو نفس الصَّلاة الشرعية، ولا اللغوية، فهل يرد إلى الشرعية أو يكون مجملًا؟. ويقرب من هذا: إذا أوصى الرجل لآل غير النبي ﷺ . وفيه وجهان: أحدهما: بطلان الوصية؛ لإيهامِ اللفظ، وتَرَدُّده بين القرابة وغيرها بوضع اللغة؛ فإن الآلَ تطلق على القَرَابة وغيرها. وهذا الوجه ناظر إلى مدلول اللفظ لغة. وأصحهما: الصحة؛ لظهور أصل له في الشرع، وهو آلُ النبي ﷺ ؛ فإن موضوعه الشرعي: بنو هاشم، وبنو المُطّلب على الصحيح. وقيل: جميع الأُمّة. وإذا كان له موضوع شرعي فيرد إليه ما أمكن. وعلى هذا قال الأستاذُ أبو منصور: يحتمل أن يكون كالوصيّة للقرابة، ويحتمل أن يفوض إلى اجتهاد الحاكم. وأما إذا لم يتعذّر الحمل على المدلول الشَّرعي، وهي المسألة المشار إلها بقولنا: الشرح: "لا إِجمال فيما له مسمّى لغوي، ومسمى شرعي".

стр. 1530

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بل اللَّفظ محمول على الشَّرْعي عند الأكثرين، وأكثرهم جزم به ولم يَحْكِ سواه، وهو أحد المذاهب في المسألة. وثانيها: أنه مُجْمَل (١). "وثالثها للغزالي": إن ورد في "الإثبات، فالمراد الشَّرْعي"، "وفي النهي: مجمل" (٢). "ورابعها": لا إجمال، والمراد في الإثبات: الشرعي، "وفي النهي: اللغوى". قاله الآمدي (٣). والإثبات "مثل" قوله ﷺ : "إِنِّي إِذنْ لَصَائِمٌ" (٤) ". ولفظ مسلم: "إِنَّي إِذنْ صَائِمٌ"، قاله لعائشة ﵂، وقد دخل عليها ذات يوم فقال: "هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ"، فقيل: لا، قال:"إِنِّي إِذنْ صَائِمٌ … " الحديث. والنهي: مثل النهي عن صوم يوم النَّحْرِ. "لنا: أن عُرْفه" ﷺ "يقضى بظهوره فيه" أي: بظهور المعنى الشَّرعي فيما ورد من لفظه. واحتجّ مَنْ مذهبه "الإجمال" بأن اللَّفظ "يصلح لهما".

стр. 1531

الرَّابِعُ: فِي النَّهْي، تَعَذَّرَ الشرْعِيُّ؛ لِلُزُومِ صِحَّتِهِ؛ كَبَيْعِ الْحُرِّ وَالْخَمْرِ. وَأُجِيبَ: بِمَا تَقَدَّمَ، وَبِأَنَّ: "دعِي الصَّلَاةَ" لِلُّغَوِيِّ وَهُوَ بَاطِلٌ. وجوابه: ما تقدم، من أنه أوضح في الشرعي. واحتج "الغَزَالي": بأن اللفظ في الإثبات واضح، وأما "في النهي" فإنه بَعُدَ فيه الشرعي؛ للزوم صحته"، أي: أن النهي لو حمل على الشَّرعي استلزم صحة المنهى؛ لامتناع النَّهْي عن الممتنع، فكان الشرعي بعيدًا. وكذلك اللغوي بعيد؛ لأنه ﷺ بعث لبيان الشَّرْعيات، فتحقّق الإجمال. "وأجيب": بأنه "ليس معنى الشرعي: الصحيح". بل ما يسميه الشارع بذلك الاسم من الهَيْئَاتِ المخصوصة، ولذلك يقول: هذه صلاة صحيحة وفاسدة، "وإلَّا" فلو كان معناه الصحيح، "لزم في "قوله ﵇: ""دَعِي الصَّلَاة" أَيَّامَ أَقْرَائِكِ" "الإجمال" بين الصلاة والدعاء، وليس كذلك؛ بل هو ظاهر في معناه الشرعي قطعًا. واعلم أن ما ذهب إليه الغَزَالي مبنى على أصله المتقدم في أن النهي لا يقتضي االفَسَاد، ثم هو مع أصله هذا لا يقول بأنه يقتضي الصِّحَّة؛ فلذلك قال: يبعد فيه الشَّرعي، ولم يقل: يمتنع؛ إذ لو كان ممتنعًا عنده كان يقول باقتضائه الصحة، ومذهبه لا ينتهي إلى هذا. على أن بعض نسخ "المختصر": "يتعذّر"، وليست في أصل المصنّف، ولكن شهد قوله في "المستصفى" ولا إمكانه، لما قيل له: لا تفعل، ولكنها مخالفة لأصله في أنَّ النهي لا يقتضي الصِّحَّة. الشرح: وأما المذهب "الرابع" فحجّته أنه "في النهي تعذّر الشرعي، للزوم صحته؛ "كبيع الحر والخمر"، فإنه إذا ورد النَّهى وحمل على الشرعي يلزم تصوّره؛ لاستحالة النهي عما لا يتصوّر، والإجمال خلاف الأصل، فيظهر اللّغوي. "وأجيب بما تقدّم" من أن النهي لا يقتضي الصِّحة. "وبأن" ذلك لو صحّ، لزم أن يكون قوله ﵇: ""دَعِي الصَّلَاةَ" أَيَّامَ أَقْرَائِكِ" "للغوي، وهو باطل"؛ لأن الحائض لا تمنع من الدعاء اتفاقًا.

стр. 1532

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . واعلم أنه لو جعل السَّابقة فرعًا عن هذه لكان سديدًا، فيقال: ما له مسمّى لغوي وشرعي هل يحمل على الشرعي أم ماذا يكون؟. فيه خلاف. فإن قلنا: يحمل على الشرعي، فلو تعذّر، ولكن أمكن الرد إليه فهل يرد إليه محافظة على الشرعي، أو يكون مجملًا؟. فيه خلاف. واختيار الغزالي كما قدمناه أنه مجمل. والحق عندنا في الأمرين: الحمل على الشرعي كما اختاره المصنّف؛ لأنه الأغلب، ويتلو الشرعي العرفي، ثم اللغوي. هكذا أطلقه أئمتنا. وعندي: أنه مختصّ بالكلام الصَّادر من الشَّارع، فينظر فيه إلى عُرْفه، وهو الشرعي، ثم عرف الناس؛ لأن الظاهر أنه يكلمهم بما يتعارفونه، ثم اللغوي. ولو كان في اللفظ الذي له مسميات حيث ورد لقلنا: يحمل كلام كلّ لافظ على عُرْفه، ثم عُرْف الذين خاطبهم، ثم مدلوله المَوْضُوع له بالأَصَالَةِ، فإن يكن اللَّافظ من أهل اللغة فأول ما يحمل كلامه على اللُّغوي، فاعرف ذلك، واحمل عليه كلام المنطقيين. واعلم أنهم إنما تكلَّموا فيما صدر من الشَّارع. فإن قلت: من المشهور على ألسنة الفقهاء: أن ما ليس له حَدّ في الشرع، ولا في اللغة يرجع فيه إلى العرف، وهذا صريح في تأخير العُرْف عن اللغة، وقد قضيتم في الأصول بتقديمه، فهل هما مُتَوَاردان على محلّ واحد حتى يلزم الاختلاف، أو كيف الحال؟. قلت: قال أبي ﵀ في "شرح المهذب": مراد الأصوليين: إذا تعارض معناه في العرف ومعناه في اللغة. ومراد الفقهاء: إذا لم يعرف حَدّه في اللغة، فإنما نرجع فيه إلى العُرْف، ولهذا قالوا: كل ما ليس له حَدّ في اللغة، ولم يقولوا: ليس له معنى، فالمراد أن معناه في اللغة لم ينصوا على حدّه بما يبينه، فيستدلّ بالعرف عليه.

стр. 1533

البَيَانُ وَالمُبَيَّنُ (١) يُطْلَقُ الْبَيَانُ عَلَى فِعْلِ المُبيِّنِ، وَعَلَى الدَّلِيلِ، وَعَلَى الْمَدْلُولِ؛ فَلِذَلِكَ قَالَ الصَّيْرَفِيُّ: إِخْرَاجُ الشَّيْءِ مِن حَيِّزِ الإشْكَالِ إِلَى حَيِّزِ التَّجَلِّي وَالْوُضُوحِ. وَأُورِدَ: الْبَيَانُ ابْتِدَاءً، وَالتَّجَوز، بِالْحَيِّزِ وَتَكْريِرُ الْوُضُوحِ. قلت: تقرير هذا عدم التَّوارد على كُلِّ واحد. وإن كلام الفُقَهَاء في الضَّوَابط، وهي في اللّغة أضبط، فتقدّم اللغة بالنسبة إليها. وكلام الأصوليين في أصل المعنى، وهو في العرف أظهر، فتقدم بالنسبة إليه. ومما يرجع إلى الشرع فيه قبل العُرْف: إذا حلف لا يبيع الخمر، أو المستولدة، فإن أراد: لا يتلفّظ بلفظ العَقْد مضافًا إليها، فإذا باع حنث، وإن أطلق لم يحنث؛ لأن الشرعي لا يتصّور فيها، وفيه وجه قال به المزنى. ولو حلف لا يركب دابّة عَنْد زيد، لا يَحنث بالدَّابة المُعَدّة لاستعماله، إلَّا أن يريد، فإن ملَّكه السيد دابّة خرج على أنه هل يملك؟. وقال ابن كَجّ: لا يحنث وإن قلنا: يملك؛ لأن ملكه ضعيف. الشرح: "يطلق البيان" تارة: "على فعل المبين" وهو التبين، كالسلام والكلام للتسليم والتكليم. "وعلى: الدليل" الدَّال على ذلك. "وعلى: المدلول" وهو متعلّق النبيين ومحله. "ولذلك" أي: لأجل إطلاقه على المعاني الثلاثة، اختلف تفسير العلماء له بالنظر

стр. 1534

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . إليها، حتى "قال الصّيرفي" ناظرًا إلى أن البيان فعل المبين: إنه "إخراج الشيء (١) من حَيِّزِ الإشكال إلى حَيّز التجلّي". كذا نقله ابن السَّمْعَاني وغيره. وزاد إمام الحرمين، فتبعه الآمدي والمصنف: الوضوح، فقالوا: إخراج الشيء من حَيِّزِ الإشكال إلى حيز التجلّي "والوضوح". "وأورد" عليه: أنه غير جامع؛ لأنه يخرج عنه "البيان ابتداء"، وهو الظاهر من غير سبق إجمال. قال ابن السمعاني: فإنه ربما ورد من الله - تعالى بيان لما لم يخطر ببال أحد. "والتجوز بالحيز"؛ فإن الحيز حقيقة في الجوهر دون غيره. "وتكرير الوضوح"؛ إذ التجلِّي والوضوح واحد (٢). ولقائل أن يقول: أما الإيراد الأول - وهو للقاضي أبي بكر وتبعه مَن بعده - فللصيرفي أن يمنع تسميته ما كان ظَاهرًا ابتداء بـ"البيان"؛ فإنّ البيان الذي هو فعل المبين إنما يكون لما ليس واضحًا. وله أن يقول: إن ما ورد ابتداء أفاد علمًا لم يكن حاصلًا للسَّامع، فهو قبل السماع كمن أشكل عليه خطاب سبق وروده.

стр. 1535

وَقَالَ الْقَاضِي وَالأَكْثَرُ: الدَّلِيلُ. وَقَالَ الْبَصْرِيُّ: الْعِلْمُ عَنِ الدَّلِيلِ. وَالْمُبَيَّنُ: نَقِيضُ الْمُجْمَلِ، وَيَكُونُ فِي مُفْرَدٍ، وَفِي مُرَكَّبٍ، وَفِي فِعْلٍ، وَإِنْ لَمْ يَسْبِقْ إِجْمَالٌ. وهذا ذكره القاضى عبد الوهّاب، المالكي، فقد لا يسمى القاضي أبو بكر عدم العلم إشكالًا. ويصح إيراده على الصَّيرفي، إلّا أن يمنع الصَّيرفي تسمية ما ورد ابتداء بـ"البيان"، ويزعم أن البيان مقصور على كلام قصد به إيضاح مشكل تقدمه كما عرفت. وأما التجوز فإمام الحرمين أورده، وهو [أولًا] (١) لا يختص بالحَيّز، بل يرد على لفظ الحيز والتجلّي كما ذكر إمام الحرمين حيث قال: وهذه العبارة وإن كانت محومة على المقصود فليست مرضية؛ فإنها مشتملة على ألفاظ مستعارة، كالحيز والتجلّي. انتهى. ولقائل أن يقول: فلم قلتم: إنَّ المجاز الظَّاهر لا يدخل التعارف، [ولو استتب] (٢) بكم هذا لفسدت أكثر تعاريفكم؟. وأما تكرير الوضوح فإن ثبت، فليس قيدًا بل زيادة في إيضاح المراد بـ"التَّجلِّي"، وذلك لم يورده إمام الحرمين. الشرح: "وقال القاضي"، وإمام الحرمين والغزالي "والأكثر"، ومنهم الآمدي: البيان "الدليل". ["وقال البصري: العلم" الحاصل "عن الدليل"] (٣). والمختار: حدّ الصيرفي، وإياه اختار القاضي أبو الطيب وغيره من أئمتنا. واعترضه ابن السَّمْعَاني: بأن لفظ البيان أظهر من لفظ إخراج الشيء من حَيّز الإشكال إلى حيز التجلّي. وللصيرفي منع ذلك.

стр. 1536

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقال المَاوَرْدِيّ: إن جمهور الفقهاء قالوا: البيان إظهار المراد بالكلام الذي لا يفهم منه المراد إلّا به. قال ابن السَّمْعَاني: وهذا الحد أحسن من جميع الحدود، مع إيراده على الصيرفي ما ورد ابتداء من غير سبق إجمال. وهو إن ورد على الصَّيرفي ورد على المَاوَرْدِيّ بطريق أولى؛ إذ قد يقول الصيرفي فيما لم يكن غير قربة: إنه كان في حَيّز الإشكال، وصار في حيّز التجلي كما عرفت. ولا يمكن للمَاوَرْدِيّ أن يقول: إنه داخل في تعريفه؛ لأنه لم يتقدمه كلام أظهر المراد به؛ لأن البيان: الظهور من قولهم: بَانَ الهلالُ: إذا ظهر. واعلم أن الشَّافعي ﵁ قال في "الرسالة": البيان: اسم جامع لأمور متّفقة الأصول متشعبة الفروع. واعترضه أبو بكر بن داود بأن البيان أبين من التفسير الذي ذكره. قال أئمتنا: وهذا لا يصح؛ لأن الشافعي ﵀ لم يقصد حدّ البيان، [ولا تفسير] (١) معناه، وإنما أراد: أن البيان اسم عام جامع لأنواع مختلفة اتفقت في وقوع اسم البيان عليها، واختلفت في مراتبها، فبعضها أجلى من بعض؛ لأن من البيان، ما يدرك معناه من غير تدَبّر، ومنه ما يحتاج إلى تدبّر؛ ولذلك قال ﵇: "إِنَّ مِنَ البَيَانِ لَسِحْرًا" (٢)، فأخبر أن بعض البيان أظهر من بعض. ويدلّ على ذلك أن الله - تعالى - خاطبنا بالنص، والعموم، والظاهر، والمفهومين، والكلّ بيان وإن اختلفت مراتبها. قلت: ولذلك عقد الشَّافعي في "الرسالة" أبوابًا للبيان حيث قال: باب البيان الأول، باب البيان الثاني، وهكذا.

стр. 1537

الْجُمْهُورُ: الْفِعْلُ يَكُونُ بَيَانًا. لَنَا: أنَّهُ ﵊ بَيَّنَ الصَّلَاةَ وَالْحَجَّ بِالْفِعْلِ؛ وَقَوْلُهُ: "خُذُوا عَنِّي [مَنَاسِكَكُمْ] "، وَ"صَلُّوا كَمَا" - يَدُلُّ عَلَيْهِ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْمُشَاهَدَةَ أَدَلُّ؛ وإِذْ لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ. ولو عرّف الشافعي البَيَان، أو غيره من الحقائق بتعريف لكان جامعًا مانعًا، [يتعذر] (١) على من بعده أن يأتي بمثله. "والمبين: نقيض المجمل" أي: متّضح الدلالة. "ويكون في مفرد، وفي مركب، وفي فعل". وقد يكون البيان بعد سبق الإجمال، وهو واضح. وقد يكون "وإن لم يسبق إجمال" كما ذكرناه فيما يرد ابتداء واضحًا. وقد كُنَّا غافلين عنه وجاهلين به. وقرَّرَ بعض الشَّارحين على أنه قد يكون البَيَان بالفعل بعد سبق الإجمال، وقد لا يكون. والصَّوَاب ما ذكرناه من أن البيان من حيث هو فعلًا كان أو قولًا قد يكون بعد سبق الإجمال، وقد لا يكون. الشرح: قال "الجمهور: الفعل" قد "يكون بيانًا" (٢).

стр. 1538

قَالُوا: يَطُولُ فَيَتَأَخَّرُ الْبَيَانُ. قُلْنَا: وَقَدْ يَطُولُ بِالْقَوْلِ. وَلَوْ سُلِّمَ، فَمَا تَأَخَّرَ، لِلشُّرُوع فِيهِ، وَلَوْ سُلِّمَ؛ فَلِسُلُوكِ أَقْوَى الْبَيَانَيْنِ، وَلَوْ سُلِّمَ فَمَا تَأَخَّرَ عَنْ وَفْتِ الحَاجَةِ. "لنا": الوقوع، وذلك "أنه ﷺ بين الصَّلاة والحج بالفعل"، "وقوله" ﷺ : ""خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ" و"وَصَلُّوا" "كَمَا" رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" لا يقال: إنه الذي وقع به البيان دون الفعل، وهو قوله؛ لأنا نقول: إنما البيان بالفعل، وهذا القول "يدل عليه". "وأيضًا، فإن" الفعل يشاهد بخلاف القول، ولا شك أن "المشاهدة إدراك من القول، فكانت "أولى" بالجواز، "وليس الخبر كالمُعَاينة" فيما أخبرنا به أبي ﵀، وأبو عبد الله الحافظ في كتابهما قال: أنبأنا إسحاق بن أبي بكر النحاس سماعًا، أنبأنا يوسف بن خليل الحافظ (١)، أنبأنا الجمال أبو الحسن مسعود بن أبي منصور، أنبأنا حمزة بن أبي الفضل

стр. 1539

مَسْأَلَةٌ: إِذَا وَرَدَ بَعْدَ الْمُجْمَلِ قَوْلٌ وَفِعْلٌ: فَإِنِ اتَّفَقَا، وَعُرِفَ الْمُتقَدِّمُ - فَهُوَ الْبَيَان، وَالثَّانِي تَأْكِيدٌ. فَإِنْ جُهِلَ، فَأَحَدُهُمَا، وَقيلَ: يَتَعَيَّنُ غَيْرُ الأرْجَحِ؛ لِلتَّقْدِيمِ؛ لأَنَّ الْمَرْجُوحَ لَا يَكُونُ تَأْكيدًا. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْمُسْتَقِلَّ لَا يَلْزَمُ فِيهِ ذَلِكَ. العلوي، أنبأنا أبو أحمد محمد بن علي بن محمد المكفوف، أنبأنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان (١) المعروف بأبي الشيخ بن حامد بن شعيب البلخي بن شريج بن يونس بن هشيم عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ : "لَيْسَ الخَبَر، كَالمُعَايَنَةِ" (٢) وهذا سند صحيح أخرجه أحمد بن حنبل في "مسنده" عن هشيم كما سُقْنَاه. الشرح: والمانعون "قالوا": الفعل "يطول فيتأخر البيان" به مع إِمْكَانِ تعجيله؛ فلا يجوز. "قلنا": "وقد يطول بالقول"، ويزيد على زمان الفعل.

стр. 1540

"فَإِنْ لَمْ يَتَّفِقَا؛ كَمَا لَوْ طَافَ بَعْدَ آيَةِ الْحَجِّ طَوَافّيْنِ، وَأَمَرَ بِطَوَافٍ وَاحِدِ - فَالْمُخْتَارُ: أَنَّ القَوْلَ [بَيَانٌ]، وَفِعْلهُ نَدْبٌ أَوْ وَاجِبٌ، مُتَقَدِّمًا أَوْ مُتَأَخِّرًا؛ لأَنَّ الْجَمْعَ أَوْلَى. أَبُو الْحُسَيْنِ، الْمُتقَدِّمُ بَيَانٌ؛ وَيَلْزَمُهُ نَسْخُ الْفِعْلِ مُتَقَدِّمًا، مَعَ إِمْكَانِ الجَمْعِ. "ولو سلم" أن الفعل لا يكون أبدًا أعجل، "فما تأخر" البيان بالفعل، وذلك "للشروع" "فيه" وإنما يلزم التأخير أَنْ لو لم يحصل الشروع فيه، "ولو سلم" أن الفعل يقتضى التأخير دائمًا، "فلسلوك أقوى البيانين"، وهو الفعل يجوز التأخير، "ولو سلم" تساوي البَيَانين، "فما تأخر عن وَقْتِ الحاجة"، والممنوع إنما هو ذاك. «مسألة» الشرح: إذا عرفت جواز البيان بكل من القول والفعل، فنقول: "إذا ورد بعد المجمل قول وفعل"، فإما أن يتفقا في الحكم، وإما أن يختلفا. "فإن اتفقا"، فإما أن يعرف المتقدم منهما، أولا (١). فإن اتفقا "وعرف المتقدم فهو البيان" فعلًا كان أو قولًا، "والثاني تأكيد". "فإن جهل فأحدهما" هو البيان من غير تعيين له. "وقيل: يتعيّن غير الأرجح للتقديم"؛ "لأن المرجوح لا يكون تأكيدًا" للرَّاجح؛ لعدم الفائدة في تأكيد الشيء بما دونه، واختاره الآمدي. "وأجيب بأن" المؤكد "المستقل لا يلزم فيه ذلك"، كالجمل التي يذكر بعضها بعد بعض للتأكيد؛ فإن التأكيد يحصل بالثانية، وإن كانت أضعف بانضمامها إلى الأولى، وإنما يلزم كون المؤكّد أقوى في المفردات نحو: جاءني القوم كلهم.

стр. 1541

مَسْأَلَةٌ: الْمُخْتَارُ: أَنَّ الْبَيَانَ أَقْوَى. وَالْكَرْخِيُّ: يَلْزَمُ الْمُسَاوَاةُ. أَبُو الْحُسَيْن: بِجَوَاز الأَدْنَى. لَنَا: لَوْ كَانَ مَرْجُوحًا، أُلغِيَ الأَقْوَى فِي العَامِّ إِذَا خُصِّصَ، و [فِي] الْمُطْلَقِ إِذَا قُيِّدَ، وَفِي التَّسَاوِي: التَّحَكُّمُ. الشرح: "وإن لم يتفقا كما لو طاف" ﷺ "بعد آية الحج طوافين وأمر بطواف واحد (١)، فالمختار" "أن" البيان هو "القول"، "وفعله" إما "ندب أو واجب" في حقه ﷺ مما اختصّ به ﵇، سواء [أكان] (٢) القول "متقدمًا" على الفعل، "أو متأخرًا"؛ "لأن الجمع" بين الدليلين "أولى". وقال "أبو الحسين": "المتقدم" "بيان"، قولًا كان أو فعلًا، كما في سورة اتفاق القول والفعل.

стр. 1542

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . "ويلزمه نسخ الفعل"، بالقول إِذا وقع الفعل "متقدمًا مع إِمكان الجمع" بينهما. "مسألة" الشرح: "المختار" عند المصنّف "أن البيان" يجب أن يكون "أقوى" دلالة من المبيَّن. "والكرخى" قال: "يلزم المساواة" بمعنى: أنه لا يجوز الأدنى، بل المُسَاوي (١)، وإِن كان أقوى جاز بطريق أولى. "وأبو الحسين" قال: "بجواز الأدنى"، واختاره الإِمام الرَّازي، ونقله الشَّيخ الهندي عن الجماهير، فيقبل المظنون في بيان المَعْلُوم (٢). قال الهِنْدِي: ولا يتوهّم في حقّ أحد أنه ذهب إِلى اشتراط أنه كالمبين في قوة الدّلالة؛ فإِنه لو كان كذلك لما كان بيانًا له، بل كان هو يحتاج إِلى بيان آخر. "لنا": لو "لم يكن البيان الذي هو مخصص أو مقيد أقوى من المبين الذي هو العام أو

стр. 1543

مَسْأَلَةٌ: تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ مُمْتَنِعٌ، إِلَّا عِنْدَ مُجَوِّزِ تَكْلِيفِ مَا لا يُطَاق، وَإِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ يَجُوزُ. وَالصَّيْرَفِيّ، والغزالِيُّ والحَنَابِلَةُ: مُمْتَنِعٌ. وَالْكَرْخِيُّ: مُمْتَنِعٌ فِي غَيْرِ الْمُجْمَلِ. وَأَبُو الْحُسَيْنِ: مِثْلُهُ فِي الإِجْمَالِيِّ لا التَّفْصِيلِيِّ؛ مِثْلُ: "هَذَا الْعُمُومُ مَخْصُوصٌ وَ"الْمُطْلَقُ مُقَيّدٌ"، وَ"الْحُكْمُ سَيُنْسَخُ". وَالْجُبَّائِيُّ: مُمْتَنِعٌ فِي غَيْرِ النَّسْخِ. المطلق، بل "كان مرجوحًا"، أو مساويًا "ألغى" في صورة المرجوحية "الأقوى" بالأدنى "في العام إِذا خصص، والمطلق إِذا قيد". "وفي" صورة "التساوي" يلزم "التحكّم"، وكلاهما لا يجوز. وأنت ترى المصنّف كيف ادّعى أن البيان يجب كونه أقوى، ولم يقيد المسألة في صدرها بتخصيص العام، وتقييد المطلق، ثم [خصص] (١) في دليله. فإِن كان ما اختاره هو الفَصْل بين بيان العام والمطلق، وبيان المجمل، وهو غير مذهب من عم اشتراط كونه أقوى من الكلّ، وإِلَّا فيكون دليله خاصًّا ودعواه عامة. والمختار عندنا: إِطلاق جواز الأدنى؛ لأنا بَيّنَّا جواز التخصيص والتقييد للمقطوع بالمظنون. وأما المجمل: فكفاية الأدنى فيه واضحة؛ إِذ لا تعارض بينه وبين المبين. «مسألة» الشرح: "تأخير البيان عن وقت الحاجة" إِلى الامتثال "ممتنع، إِلا عند من يجوز تكليف ما لا يُطاق" وهم أئمتنا (٢).

стр. 1544

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولو أن المصنّف قال: "غير واقع"، لطابق أصولنا؛ فإِنا وإِن جَوّزناه فلا نقضي بوقوعه كما مَرّ، والغرض أنه لم يقع. والتعبير بـ "الحاجة" لم يستحسنه الأستاذ، وقال: هي عبارة تليق بمذهب المعتزلة القائل: إِن بالمؤمنين حاجة إِلى التكليف (١).

стр. 1545

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قال: فالعبارة الصحيحة على مذهبنا أن يقال: تأخير البيان عن وقت وجوب الفعل بالخطاب (١). قلت: وهي مضايقة في العبارة، وقد عُرِفَ أن المعنيَّ بـ "الحاجة" كما قال إِمام الحرمين [توجه] (٢) الطلب. "و" أما تأخير البيان عن وقت الخطاب "إِلى وقت الحاجة، فيقدم عليه أن الخطاب المحتاج إِلى البيان ضربان: أحدهما: ما له ظاهر، وقد استعمل في خلافه، كتأخير بيان التَّخصيص، وبيان مدّة النسخ، وبيان الأسماء الشرعية، إِذا أريد بها مُسَمَّاها اللغوي، وبيان اسم النكرة، إِذا أريد المعين. والثَّاني: ما لا ظاهر له. إِذا عرفت هذا فنقول: في جواز تأخيره عن وقت الخطاب مذاهب: قال أكثر أصحابنا، وطائفة من الحنفية والمالكية: إِنه يجوز مطلقاً، واختاره الإِمام الرَّازي، وأتباعه والمصنّف في غالب المتأخرين. وذهب بعض الحنفية، "والصيرفي" أولاً "والحنابلة" إِلى أنه "ممتنع".
следующие страницы →