← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6338

رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (2 330 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

مَسْأَلَةٌ: الْمُخْتَارُ: أَنَّ الْبَيَانَ أَقْوَى. وَالْكَرْخِيُّ: يَلْزَمُ الْمُسَاوَاةُ. أَبُو الْحُسَيْن: بِجَوَاز الأَدْنَى. لَنَا: لَوْ كَانَ مَرْجُوحًا، أُلغِيَ الأَقْوَى فِي العَامِّ إِذَا خُصِّصَ، و [فِي] الْمُطْلَقِ إِذَا قُيِّدَ، وَفِي التَّسَاوِي: التَّحَكُّمُ. الشرح: "وإن لم يتفقا كما لو طاف" ﷺ "بعد آية الحج طوافين وأمر بطواف واحد (١)، فالمختار" "أن" البيان هو "القول"، "وفعله" إما "ندب أو واجب" في حقه ﷺ مما اختصّ به ﵇، سواء [أكان] (٢) القول "متقدمًا" على الفعل، "أو متأخرًا"؛ "لأن الجمع" بين الدليلين "أولى". وقال "أبو الحسين": "المتقدم" "بيان"، قولًا كان أو فعلًا، كما في سورة اتفاق القول والفعل.

стр. 1542

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . "ويلزمه نسخ الفعل"، بالقول إِذا وقع الفعل "متقدمًا مع إِمكان الجمع" بينهما. "مسألة" الشرح: "المختار" عند المصنّف "أن البيان" يجب أن يكون "أقوى" دلالة من المبيَّن. "والكرخى" قال: "يلزم المساواة" بمعنى: أنه لا يجوز الأدنى، بل المُسَاوي (١)، وإِن كان أقوى جاز بطريق أولى. "وأبو الحسين" قال: "بجواز الأدنى"، واختاره الإِمام الرَّازي، ونقله الشَّيخ الهندي عن الجماهير، فيقبل المظنون في بيان المَعْلُوم (٢). قال الهِنْدِي: ولا يتوهّم في حقّ أحد أنه ذهب إِلى اشتراط أنه كالمبين في قوة الدّلالة؛ فإِنه لو كان كذلك لما كان بيانًا له، بل كان هو يحتاج إِلى بيان آخر. "لنا": لو "لم يكن البيان الذي هو مخصص أو مقيد أقوى من المبين الذي هو العام أو

стр. 1543

مَسْأَلَةٌ: تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ مُمْتَنِعٌ، إِلَّا عِنْدَ مُجَوِّزِ تَكْلِيفِ مَا لا يُطَاق، وَإِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ يَجُوزُ. وَالصَّيْرَفِيّ، والغزالِيُّ والحَنَابِلَةُ: مُمْتَنِعٌ. وَالْكَرْخِيُّ: مُمْتَنِعٌ فِي غَيْرِ الْمُجْمَلِ. وَأَبُو الْحُسَيْنِ: مِثْلُهُ فِي الإِجْمَالِيِّ لا التَّفْصِيلِيِّ؛ مِثْلُ: "هَذَا الْعُمُومُ مَخْصُوصٌ وَ"الْمُطْلَقُ مُقَيّدٌ"، وَ"الْحُكْمُ سَيُنْسَخُ". وَالْجُبَّائِيُّ: مُمْتَنِعٌ فِي غَيْرِ النَّسْخِ. المطلق، بل "كان مرجوحًا"، أو مساويًا "ألغى" في صورة المرجوحية "الأقوى" بالأدنى "في العام إِذا خصص، والمطلق إِذا قيد". "وفي" صورة "التساوي" يلزم "التحكّم"، وكلاهما لا يجوز. وأنت ترى المصنّف كيف ادّعى أن البيان يجب كونه أقوى، ولم يقيد المسألة في صدرها بتخصيص العام، وتقييد المطلق، ثم [خصص] (١) في دليله. فإِن كان ما اختاره هو الفَصْل بين بيان العام والمطلق، وبيان المجمل، وهو غير مذهب من عم اشتراط كونه أقوى من الكلّ، وإِلَّا فيكون دليله خاصًّا ودعواه عامة. والمختار عندنا: إِطلاق جواز الأدنى؛ لأنا بَيّنَّا جواز التخصيص والتقييد للمقطوع بالمظنون. وأما المجمل: فكفاية الأدنى فيه واضحة؛ إِذ لا تعارض بينه وبين المبين. «مسألة» الشرح: "تأخير البيان عن وقت الحاجة" إِلى الامتثال "ممتنع، إِلا عند من يجوز تكليف ما لا يُطاق" وهم أئمتنا (٢).

стр. 1544

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولو أن المصنّف قال: "غير واقع"، لطابق أصولنا؛ فإِنا وإِن جَوّزناه فلا نقضي بوقوعه كما مَرّ، والغرض أنه لم يقع. والتعبير بـ "الحاجة" لم يستحسنه الأستاذ، وقال: هي عبارة تليق بمذهب المعتزلة القائل: إِن بالمؤمنين حاجة إِلى التكليف (١).

стр. 1545

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قال: فالعبارة الصحيحة على مذهبنا أن يقال: تأخير البيان عن وقت وجوب الفعل بالخطاب (١). قلت: وهي مضايقة في العبارة، وقد عُرِفَ أن المعنيَّ بـ "الحاجة" كما قال إِمام الحرمين [توجه] (٢) الطلب. "و" أما تأخير البيان عن وقت الخطاب "إِلى وقت الحاجة، فيقدم عليه أن الخطاب المحتاج إِلى البيان ضربان: أحدهما: ما له ظاهر، وقد استعمل في خلافه، كتأخير بيان التَّخصيص، وبيان مدّة النسخ، وبيان الأسماء الشرعية، إِذا أريد بها مُسَمَّاها اللغوي، وبيان اسم النكرة، إِذا أريد المعين. والثَّاني: ما لا ظاهر له. إِذا عرفت هذا فنقول: في جواز تأخيره عن وقت الخطاب مذاهب: قال أكثر أصحابنا، وطائفة من الحنفية والمالكية: إِنه يجوز مطلقاً، واختاره الإِمام الرَّازي، وأتباعه والمصنّف في غالب المتأخرين. وذهب بعض الحنفية، "والصيرفي" أولاً "والحنابلة" إِلى أنه "ممتنع".

стр. 1546

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قال الأستاذ أبو إِسحاق: ثم نزل أبو الحسن الأشعري بالصيرفي ضيفًا فَنَاظَرَهُ في هذا إِلى أن رجع إِلى مذهب الشَّافعي. وفصل قوم، فقال بعض أصحابنا "والكَرْخِي: ممتنع في غير المُجْمَلَ"؛ كبيان التخصيص والتقييد، والنسخ. "وأبو الحسين" مذهبه "مثله" إِلا "في" البيان "الإِجْمَالي"، أي قال: يجوز تأخير بيان المجمل مطلقًا إِجمالًا وتفصيلًا، وأماما سواه ممَّا له ظاهر استعمل في غيره كالمطلق والعام والمخصوص، فيمتنع تأخير بيانه الإِجمالي "دون التفصيلي". والإِجمالي "مثل: هذا العام مَخْصوص، والمُطْلق مقيد، والحكم سينسخ". وذهب "الجُبّائي" وابنه عبد الجبار إِلى أنه "ممتنع في غير النسخ"، جائز فيه، وما حكاه طائفة من أنه قيل: يجوز في الأمر والنهي، ويمتنع في الخبر. وقيل: عكسه ليس في محلّ النزاع؛ لأن موضوع المسألة الخطاب التكليفي، فلا يذكر فيها الأخبار، وسيقوله عند قول المصنّف: مع كونه خبرًا. وأنت ترى سياق هذه المذاهب قاضيًا بأن النسخ من محلّ الخلاف. وقضية كلام القاضي، وإِمام الحرمين وغيرهما وقوع الاتفاق على جواز التأخير فيه، وصرح به الغزالي، وابن برهان. والذي يظهر من جهة النَّقل: أن بعض من منع تأخير البيان غلا، فمنع فيه أيضًا، وعذر من ادعى الاتفاق أنه لم يعبأ بخلاف هذا المفرط. وخصّ ابن السمعاني المسألة بالمجمل والعام. وأرى أن المطلق عنده والعام سواء في هذا الباب، والنسخ خارج عن محلّ النزاع، فلذلك لم يذكرهما. وجعل في المسألة أربعة أوجه لأئمتنا: فإِنه نقل الجواز فيهما عن ابن سريج والإِصطخري، وابن أبي هريرة، وابن خيران. والمنع عن أبي إِسحاق المروزي، والصيرفي، والقاضي أبي حامد. وكلَّا من جواز تأخير بيان المجمل دون العام، وعكسه عن بعض أصحابنا.

стр. 1547

لَنَا: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ إِلَى ﴿[وَلِذِي] الْقُرْبَى﴾ [سورة الأنفال: ٤١]، ثُمَّ بَيَّنَ ﵊؛ أَنَّ السَّلَبَ لِلْقَاتِلِ: إِمَّا عُمُومًا، وإِمَّا بِرَأَيِ الْإِمَامِ، وَأَنَّ ذَوِى الْقرْبَى بَنُو هَاشِمٍ دُونَ بَنِي أُمَّيَةَ وَبَنِي نَوْفَلٍ، وَلَمْ يُنْقَلِ اقْتِرَانٌ إِجْمَالِيٍّ مَعَ أَنَّ الأَصْلَ عَدَمُهُ. الشرح: "لنا": على الجواز مطلقًا قوله تعالى: "وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ "فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ". قوله: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [سورة الأنفال: الآية ٤١] فإِنه عام في كلّ ما يغنم، "ثم بين ﷺ أن السَّلَبَ للقاتل، باتفاق الأمّة. "إِما عمومًا"، وإِما برأي الإِمام" على اختلاف الإِمامين: الشَّافعي، ومالك، فإِنهما وإِن اختلفا: فقال الشَّافعي بالتعميم في كلّ قاتلٍ، سواء أقال الإِمام: مَنْ قتل قتيلًا فله سَلَبُهُ أم لا، لقوله ﷺ الثَّابت في "الصحيحين": "مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ" (١). وقال مالك: ذلك تصرف من النبيّ ﷺ بالإِمامة، فلا يستحق القاتل حتَّى يقول الإِمام هذا القول. فلم يختلفا في أن هذا منه ﷺ تخصيص للعموم في "غنمتم" وبيان؛ لأن المراد به ما وراء السَّلَب على اختلاف الرأيين في طريق أخذ القاتل السَّلَب. وبيَّن كما روى البخاري "أن ذوي القُرْبَى بنو هاشم"، وبنو المطّلب، هذا هو مذهب الشَّافعي، وهو الذي في الحديث، وعليه جرى الآمدي؛ لأنه شافعي. وحذف المصنّف "بني المطّلب"؛ لأنه مالكي. والأصحّ عند المالكية: انحصار ذوي القُرْبَى في بني هاشم. واتَّفق الإِمامان على الانحصار فيمن "دون بني أمية" بن عبد شمس، "وبني نوفل"، وأن اشتراك هاشم والمطلب وعبد شمس ونوفل في بنوة عبد مناف بن قصى، فهذا عامّ بيانه إِذ ورد من غير بيان تفصيلي بلا رَيْبٍ، "ولم ينقل اقتران الإِجْمَالي"، ولو اقترن لنقل، "مع أن الأصل عدمه".

стр. 1548

وَأَيْضًا: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٤٣]، ثُمَّ بَيَّنَ جِبْرِيلُ وَالرَّسُولُ ﵉، وَكَذَلِكَ الزَّكَاة، وَكَذلِكَ السَّرِقَة، ثُمَّ بَيَّنَ عَلَى تَدْرِيج. وَأَيْضًا: فَإِن جِبْرِيلَ ﵇ قَالَ "اقْرَأْ"، قَالَ [﵊]: "وَمَا أَقْرَأُ"؟، وَكَرَّرَ ثَلاثًا، ثُمَّ قَالَ: "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ" [سورة العلق. الآية ١]. وَاعْتُرِضَ: بِأَنَّهُ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ، لأِنَّ الْفَوْرَ يَمْتَنِعُ تَأْخِيرُه، وَالتَّرَاخِي يُفِيد جَوَازَهُ فِي الزَّمَنِ الثَّانِي؛ فَيَمْتَنِعُ تَأْخِيرُهُ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الأَمْرَ قَبْلَ الْبَيَانِ لا يَجِبُ بِهِ شَيْءٌ، وَذَلِكَ كَثيرٌ. وإِذا ثبت في العام ثبت في كلّ ماله ظاهر؛ لمُسَاواته له، وفي المُجْمل بطريق أولى. ولا احتفال برأي من قال من المعتزلة: يجوز التأخير فيما له ظاهر دون الحَمْلِ؛ فإِنه مذهب ساقط. واعلم أن المصنّف لو قال وبيّن أن عبد شمس ونوفلًا ليسا من ذوي القُرْبى، كان أخصر وأجمع لمذهب الشَّافعي ومالك؛ لأن انتفاءهما من ذوي القربى متفق عليه عندهما، والخلاف في ثبوت بني عبد المُطّلب، وكان أصوب؛ فإِن وضع "أميّة" "موضع شمس" مدخول. وقد أعقب عبد؛ شمس غيرَ أمية، فإِنما كان يحسن وضع أمية موضع أبيه لو لم يعقب أبوه سواه. الشرح: "وأيضًا": ممَّا يدلّ على التأخير قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٤٣] فإِنها نزلت، "ثم بين جبريل" ﵇ للنبي ﷺ ، "والرسول ﷺ " للمكلّفين. فروى أبو داود، والترمذي، وابن خزيمة في "صحيحه"، وأحمد، أن جبريل ﵇ جاء إِلى النبيّ ﷺ حين مالت الشَّمس، فقال: قُمْ يَا مُحَمَّدُ فَصَلِّ الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْس، ثم جاءه العصر (١) .... الحديث.

стр. 1549

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قال البُخَاري: هو أصح شيء في الوقت. وفي "صحيح البخاري": أن جبريل نزل فصلى، فصلى رسول الله ﷺ ، وهكذا خمس مرات (١). "وكذلك الزكاة، وكذلك السرقة" في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٤٣]، وقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [سورة المائدة: الآية ٣٨]، وإِن كنا قدمنا أن آية السرقة ليست بمجملة، فلم نقدم أنها ليست بعامّة، بل هي عامة، وقد تأخّر تخصيصها ببعض السَّارقين، وبعض المسروق، وإِليه أشار بقوله: "ثم بيّن" ﷺ ما تجب فيه الزَّكاة، ومقدار الواجب، والواجب في حديث فريضة الصَّدقة وغيره ممَّا يكثر تَعْدَاده، وما يجب فيه القطع قدرًا ووضعًا في غير حديث "على تدريج". "وأيضًا" قال أصحابنا: "فإِن جبريل قال: اقْرَأْ؟ قال: "وَمَا أَقْرَأُ؟ "، وكرر ثلاثًا، ثم قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [سورة العلق: الآية ١]. كذا ذكر المصنّف، وهو يشير إِلى حديث جبريل في بَدْءِ الوحي المتفق على صحته. واللفظ "اقرأ، قَالَ: مَا أَنَا بقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي، فغطني حَتَّى بَلَغَ منّي الجَهْدُ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغطني الثَّالِثَةَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ .... " الحديث. قال أصحابنا: فقد أخر البيان، "واعترض" ما ذكر من الأوامر. وقيل: وهو منافى الأحكام، بل الاستدلال بحديث بدء الوحي فقط "بأنه متروك الظاهر"، سواء قلنا: الأمر يقتضي الفور أم التراخي؛ لأن ظاهره جواز التأخير عن وقت

стр. 1550

وَاسْتُدِلَّ: بِقَوْلهِ: ﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [سورة البقرة: الآية ٦٧]، وَكَانَتْ مُعَيَّنَةً؛ بِدَلِيلِ تَعَيُّنِهَا بِسُؤَالِهِمْ مُؤَخَّرًا، وَبِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يُؤْمَرُ بِمُتَجَدِّدٍ، وَبِدَلِيلِ الْمُطَابَقَةِ لِمَا ذُبِحَ. وَأُجِيبَ: بِمَنع التَّعْيِينِ؛ فَلَمْ يَتَأَخَّرْ بيَانٌ؛ بِدَلِيلِ "بَقَرَةً"؛ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَبِدَلِيلِ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: "لَوْ ذَبَحُوا بَقَرَةً مَا لأَجْزَأَتْهُمْ"، وَبِدَلِيلِ: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٧١]. الحاجة، ولا قائل به. وإِنما قلنا ذلك؛ لأن الأمر يوجب فعل المأمور به، إِما على الفور أو التراخي على الخلاف فيه. وعلى التقديرين: يمتنع تأخير البيان؛ "لأن الفور يمتنع تأخيره"، أي: تأخير بيانه؛ لأنه وقت الحاجة، "والتراخي يفيد جوازه" أي جواز الفعل المأمور به "في الزمن الثَّاني"، أي: عقيب الأمر؛ "فيمتنع تأخيره"؛ لأن الجواز أيضًا حكم كالواجب يحتاج إِلى البيان كما يحتاج إِليه الوجوب. فلو أخر تبيين الجواز لأخر عن وَقْتِ الحاجة، فتبين أنه متروك [الظَّاهر] (١)، فلا يحتج به. "وأجيب": بأن الأمر قبل البيان لا يجب به شيء"، وهذا الترديد إِنما لزم بناء على أنه يجب شيء بالأمر، وهو لا يجب إِلَّا بعد البيان؛ فانتفى، وإِذا لم يجب به شيء، فلا ظاهر حتَّى يقال: ترك. ولقائل أن يقول: لم قلتم: لا يجب قبل البيان شيء فيما له ظاهر؛ فإِن هذا مخصوص بما لاظاهر له؟. قال المصنّف: "وذلك" أي: ما أخر فيه البيان عن وقت الخطاب "كثير"، ومن أظهره آية المواريث. قال الشَّافعي ﵁ محتجًّا: أثبت الله المواريث بين الناس، ثم بيَّن النبيّ ﷺ ألَّا يتوارث أهل الكفر وأهل الإِسلام، ثم إِن الأنبياء ﵈ لا يورثون.

стр. 1551

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وأيضًا، فإِن الله أثبت الميراث بعد الوصية مطلقًا، ثم بين النبيّ ﷺ أن المراد به الوصية بالثلث فما دونه. الشرح: "فاستدلّ" على المختار "بقوله" ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [سورة البقرة: الآية ٦٧] وكانت معينة"، ولم يكن المراد بها أيّ بقرة كانت: "بدليل تعينها بسؤالهم مؤخرًا" ما هي؟ ما لونها؟. والضمير عائد عليها، فقيل: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ [سورة البقرة: الآية ٦٩]. "وبدليل أنه لم يأمر بمتجدد"، ولو كان المأمور به أولًا بقرة ما، لكان الأمر بالمعين أمرًا بمتجدد لا بالأول، وينفيه سياق الآية، والاتفاق. "وبدليل المطابقة": مطابقة البقرة المأمور بذبحها أولًا "لما ذبح" آخرًا، فعلم أن المأمور بها معيّنة. ولقائل أن يقول: دليلُ المطابقة، وأنه لم يأمر بمتجدّد واحد. "وأجيب بمنع التَّعيين"، بل هي بقرة مَا "فلم يتأخر بيان" حتَّى يستدلّ به، ولا احتياج إِليه، وإِنما كانت غير معينة بدليل أنه قال: "بقرة" منكرًا، "وهو ظاهر" في عدم التعيين. "وبدليل قول ابن عباس: لو ذبحوا بقرة ما لأجزأهم"، ولكنهم شدّدوا وتعنّتوا بموسى؛ فشدَّدَ الله عليهم، فقالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٧٠]. رواه ابن أبي حاتم في التفسير عن أبي زرعة (١) عن عمرو بن حماد بن طلحة (٢) عن

стр. 1552

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أسباط (١) عن السدي (٢) قال: قال ابن عباس، فذكره. ورواه البزار (٣) في مسنده مرفوعًا إِلى النبيّ ﷺ من حديث عباد بن منصور (٤) عن

стр. 1553

وَاسْتُدِلَّ: بِقَوْلِهِ ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٩٨]، فَقَالَ ابْنُ الزِّبَعْرَى: فَقَدْ عُبِدَتِ الْمَلائِكَةُ وَالْمَسِيحُ؛ فَنَزَلَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ١٠١]. الحسن عن أبي رافع عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ قال: "إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَوْ أَخَذُوا أَدْنَى بَقَرَةٍ لأَجْزَأَتْهُمْ" (١). "وبدليل" قوله تعالى: " ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٧١]؛ فإِنه ظاهر في أنهم كانوا قادرين على الفعل، وأن السؤال كان تعنُّتًا وتعللًا. الشرح: "واستدلّ" أيضًا: "بقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ" حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٩٨]. "فقال ابن الزبعري (٢): فقد عبدت الملائكة والمسيح، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ١٠١] ". أخبرنا به القاسم بن محمد البرزالي (٣) الحافظ إِذنًا، أنبأنا سليمان بن جمرة القاضي

стр. 1554

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بقراتي، أنبأنا محمد بن عبد الواحد المقدسي الحافظ، أنبأنا أبو بكر محمد بن محمد المؤذن أن محمد بن رجاء أخبرهم، أنبأنا أحمد بن عبد الرحمن، أنبأنا أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه أنبأنا، محمد بن علي بن سهل، أنبأنا محمد بن الحسين الأنماطي، أنبأنا إِبراهيم بن محمد بن عرعرة، أنبأنا يزيد بن أبي حكيم بن الحكم - يعني ابن أبان - عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: جاء عبد الله بن الزبعري إِلى النبيّ ﷺ فقال: يا محمد تزعم أن الله أنزل عليك هذه الآية: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾؟. قال ابن الزبعري (١): قد عبدت الشمس، والقمر، والملائكة، والمسيح، وعزير، وعيسى بن مريم، كلّ هؤلاء في النار مع آلهتنا؟. فنزلت: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [سورة الزخرف: الآية ٥٧، ٥٨]، ثم نزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ١٠١]. ورواه الحاكم في "المستدرك" عن الحسن بن واقد عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ قال المشركون: فالملائكة وعيسى، وعزير يعبدون من دون الله. قال: فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ١٠١]. وهذا إِسناد صحيح، وليس فيه تصريح بأن المعترض عبد الله بن الزبعري.

стр. 1555

وَأُجيبَ: بِأَنَّ "مَا": لِمَا لا يَعْقِل، وَنُزُولُ "إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ" [سورة الأنبياء: الآية ١٠١] زِيَادَةُ بيَانٍ لِجَهْلِ المُعْتَرِضِ مَعَ كَوْنِهِ خَبَرًا. وَاسْتُدِلَّ: بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُمْتَنِعًا، لَكَانَ لِذَاتِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ بِضَرُورَةٍ أَوْ نَظَرٍ، وَهُمَا مُنْتَفِيَانِ. وَعُورِضَ: لَوْ كَانَ جَائِزًا … إِلَى آخِرِهِ. الشرح: "وأجيب": "بأن" الاعتراض لم يكن متوجهًا، فإِن ""ما" لما لا يعقل" فكيف ينتقض بالمسيح والملائكة؟. "ونزول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ" … ﴾ ليس مخصصًا لذلك العموم حتَّى يقال: إِنه بيان، بل هو "زيادة لبيان جهل المعترض". وهذا كلّه "مع كونه خبرًا" والنزاع إِنما هو في التكاليف الَّتي يحتاج إِلى معرفتها للعمل بها. ولذلك عقدنا المسألة في التأخير إِلى وقت الحاجة أي: وقت توجّه الطلب التكليفي. هذا تقرير قوله: "مع كونه خبرًا" فاعتمده. ولقائل أن يقول: من يعقل يدخل مع مَنْ لا يعقل تغليبًا، ولو سلم عدم الدُّخول؛ فقد نقض ابن الزبعري لمن لا يعقل أيضًا، وكان من أهل اللسان. وما يذكر أنه ﵇ قال له: "مَا أَجْهَلَكَ بِلُغَةِ قَوْمِكَ" فشيء لا يعرف. وقد أسلم ابن الزبعري بعد ذاك، وحسن إِسلامه، وكان من جلّة الصحابة. والنزاع يطرق الأخبار كما يطرق التكاليف على ما مَرّ في حكاية المذاهب، وإِن اختص عقد المسألة بالتكاليف. "واستدلّ" أيضًا: "بأنه" أي التأخير "لو كان ممتنعًا، لكان إِما لذاته، أو لغيره". وعلى التقديرين فإِما أن يعلم ذلك "بضرورة أو نظر، وهما منتفيان". أما الضَّرورة، فواضح، كيف والخلاف قائم، ودعواها مع قيام الخلاف غير مسموع؟. وأما النظر؛ فلأنه لو امتنع لامتنع لجهل مراد المتكلم من كلامه؛ لعلمنا أنه لا يحصل بالبيان إِلا ارتفاع ذلك.

стр. 1556

الْمَانِعُ: بَيَانَ الظَّاهِرِ: لَوْ جَازَ لَكَانَ إِلَى مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ؛ وَهُوَ تَحَكُّمٌ، وَلَمْ يُقَلْ بِهِ - أَوْ إِلَى الأَبَدِ؛ فَيَلْزَمُ الْمَحْذُورُ. وَأُجِيبَ إِلَى مُعَيَّنَةٍ عِنْدَ اللهِ، وَهُوَ وَقْتُ التَّكْلِيفِ. قَالُوا: لَوْ جَازَ لَكَانَ مُفْهِمًا؛ لأَنَّهُ مُخَاطِبٌ؛ فَيَسْتَلْزِمُه، وَظَاهِرُهُ جَهَالَةٌ، وَالْبَاطِنُ مُتَعَذِّرٌ. وَأُجِيبَ: بِجَرْيِهِ فِي النَّسْخِ؛ لِظُهُورِهِ فِي الدَّوَامِ، وَبِأَنَّهُ يُفْهَمُ الظَّاهِرُ مَعَ تَجْوِيزِهِ التَّخْصِيصَ عِنْدَ الْحَاجَةِ؛ فَلا جَهَالَةَ وَلا إِحَالَةَ. وهو لا يصلح مانعًا كما في النسخ. "وعورض" بمثله، فقيل: "لو كان" تأخير البيان "جائزًا" لكان جوازه إِما لذاته أو لغيره .... إِلخ. الشرح: احتج "المانع بيان الظاهر" أي: المانع من تأخير البَيَان فيما له ظاهر بأنه: "لو جاز" تأخير بيانه "لكان": إِما "إِلى مدّة معيّنة، وهو تحكم، ولم يقل به، أيضًا، والقول بالتحكُّم وخلاف الإِجماع باطل عقلًا ونَقْلًا. "أو إِلى؛ الأبد فيلزم المحذور"، وهو الخطاب والتكليف به مع عدم الفهم، وذلك تكليف بالمحال. "وأجيب" بأنه لم لا يجوز التأخير، "إِلى" مدّة "معينة عند الله، وهو وقت التكليف" أي: الاحتياج إِلى البيان بالامتثال؟. "قالوا: لو جاز" تأخير بيان ماله ظاهر، "لكان" المتكلّم بالظاهر قبل البيان "مفهمًا؛ لأنه مخاطب"، والغرض من الخطاب التفهيم، "فيستلزمه"، وإِلَّا لكان عبثًا، ولو كان كذلك لزم المُحَال؛ لأن المخاطب إِما أن يفهم ظاهر الخطاب، أو باطنه، "وظاهره" غير مراد؛ فالحمل عليه "جَهَالة، والباطن" قبل البيان "متعذّر". "وأجيب" عن هذا الإِلزام: أولًا: "بجريه في النسخ؛ لظهوره في الدَّوام" مع أنّه غير مراد، فيجئ فيه ما ذكرتم بِعَيْنهِ، لم يمنعوا من التأخير فيه.

стр. 1557

قَالَ عَبْدُ الْجَبَّارِ: تَأْخِيرُ بيَانِ الْمُجْمَلِ يُخِلُّ بِفِعْلِ الْعِبَادَةِ فِي وَقْتِهَا؛ لِلْجَهْلِ بِصِفَتِهَا؛ بِخِلافِ النَّسْخِ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ وَقْتَهَا وَقْتُ بيَانِهَا. قَالُوا: لَوْ جَازَ تَأْخِيرُ بَيَانِ الْمُجْمَلِ، لَجَازَ الْخِطَابُ بِالْمُهْمَلِ، ثُم يُبَينُ مُرَادُهُ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ يُفِيدُ أَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِأَحَدِ مَدْلُولاتِهِ؛ فَيُطِيعُ وَيَعْصِي بِالْعَزْمِ؛ بِخِلافِ الآخَرِ. وقد عرفت فيما تقدم أن النسخ وإِن كان من محلّ الخلاف، فلم يخالف فيه إِلا شِرْذمة لا يعبأ بهم. "و" ثانيًا: "بأنه يفهم الظاهر مع تَجْويزه التخصيص عند الحاجة؛ فلا جهالة"؛ إِذ لم يعتقد عدم التخصيص، بل هو مجوز له، "ولا إِحالة"؛ إِذ لم يرد منه فهم التخصيص تفصيلًا. واعلم أن منع التأخير إِلَّا في النسخ نقله أئمتنا كما تقدّم عن الجُبّائي وابنه، ونقله عنهما أيضًا عبد الجَبَّار في كتاب "العمد"، واختاره كما عرفت. الشرح: واحتج له بدليل لا يعرف أنهما ذكراه، وإِنما نعرفه من كلام عبد الجبار، فلذلك نعزوه إِليه فنقول: "قال عبد الجبار: تأخير البيان المجمل يخل بفعل العبادة في وقتها، للجهل بصفتها بخلاف النسخ"، فإِن صِفَةَ الفعل فيه مثبتة، فجاز فيه التأخير. "وأجيب: بأن وقتها وقت بيانها"؛ إِذ لا تكليف قبله، فلا إِخلال حينئذ. ومن هنا يتبين لك أن الخلاف بيننا وبينهم يرجع إِلى أصل نحن فيه مُتَشَاجرون، وهو النظر إِلى الاستصلاح. فعندهم أن الخطاب لا يرد إِلَّا عند قضاء العقل بحسنه، وإِذا قضى العقل بذلك احتاج العبد إِلى الامتثال؛ وما لم يتبين له لم يمكنه الامتثال، مع أن الحاجة دَاعِيَةٌ إِلى الامتثال، لقضاء العقل. وهذه قاعدة لهم قد تهدّمت أركانها. وضربوا لنا مثلًا فقالوا: المطلقات اللاتي أمرهن الباري - تعالى - بتربص ثلاثة قُرُوءِ ماذا أراد منهن؟.

стр. 1558

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أأراد تخييرهن، فمن شاءت اعتدّت بالأَطْهَار، ومن شاءت اعتدت بالحَيْضِ؟ أو أراد واحدًا بعينه؟. وأي الأمرين فقد أراد ما لا سبيل لهنّ إِلى فهمه من قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٢٨]؛ لأنه لا ينبئ عن التخيير ولا التعيين. وإِن قلتم: لم يرد شيئًا فهو محال، ولم يقل به عاقل. ونحن نقول: إِنما أراد واحدًا بعينه إِلَّا أنه لم يرد فهم تَعيينه في الحال، وإِنما أراد فهم الجملة منه، كأنه قال: اعْتَدِّي بما سأبيّنه لك منهما، وما تهتدون به من أنه لولا تعيّن الاعتداد عقلًا، لما قيل هذا، وإِذا تعيّن وجب أن يبين ليفعل، مبنى على قاعدتهم. ولو سلمت: فلعلّ المصلحة الإِجمال أولًا والتعيين آخرًا، وأين ما يمنع من ذلك في العقول؟. "قالوا" ثانيًا - أعني عبد الجَبَّار، ورفقته -: "لو جاز تأخير بيان المجمل، لجاز" من الله "الخطاب بالمُهْمَل، ثم ببين مراده"، بجامع عدم الفهم فيهما. "وأجيب": بالفرق "بأنه" في المُجْمل "يفيد" شيئًا، فيفيد "أنه مخاطب بأحد مدلولاته، فيطيع ويعصى بالعزم". "بخلاف الآخر" أعني: المهمل فإِنه لا يفيد شيئًا، فأني يستويان؟. ثم إِن المهمل لا مدلول له، فما الذي يبين؟. وإِن هو أراد به شيئًا فقد أتى بلفظ لا يدلّ على المراد بوجه. بخلاف المجمل فإِنه إِذا تبيّن اتضح كونه، وإِلا على المبين، فقياس المجمل بالمهمل في غاية الفساد. وزعماء الخصوم لا يرضون هذا القياس، وإِنما يقيسون على خطاب العربي بالزِّنْجِيّة مع القدرة على مخاطبته بالعربي. وأجاب القاضي ﵁: بأنكم لم منعتم هذا الخطاب؟ بل نلتزم جوازه؛ ألا ترى أن القرآن خطاب للعرب والعجم؟. قلت: وهذا هو الحقّ، وإِنما يمتنع خطاب المرء غيره بما لا يفهمه المخاطَب ولا

стр. 1559

وَقَالَ الْجُبَّائِيُّ: تَأْخِيرُ بيَانِ التَّخْصِيصِ يُوجِبُ الشَّكَّ فِي كُلِّ شَخْصٍ؛ بِخِلافِ النَّسْخِ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْبَدَلِ، وَفِي النَّسْخِ يُوجِبُ الشَّكَّ فِي الْجَمِيعِ؛ فكَانَ أَجْدَرَ. المخاطب، كالمهمل أَمَّا ما يفهمان جميعًا أو يفهمه المخاطب، وبعض المخاطبين كالقرآن - فالإِجماع على جوازه؛ لإِمكان توصل من لم يفهمه من فاهميه. الشرح: "وقال الجبائي" أيضًا: "تأخير بيان التخصيص يوجب الشَّك فِي كلِّ شخص، بخلاف النسخ"؛ فإِنّ تأخيره لا يوجب ذلك، فكان تأخير بيان التَّخصيص ممتنعًا. "وأجيب: بأن" الشَّك في جواز تأخير النسخ أكثر؛ لأن "ذلك" شك في كلّ شخص "على البدل". "وفي النسخ" جواز التأخير "يوجب" أن يقع "الشَّك في الجميع؛ فكان" تأخير البيان في النسخ "أجدر" بالامتناع من التخصيص وأولى. ومن الطلبة من "يقرأ" أحذر بالحاء أي أكثر حذرًا، والأمر قريب. "فائدة" ثمرة مسألة تأخير البيان عن وقت الخطاب أن الفقيه إِذا عَثَرَ على عموم القرآن، ثم عثر على خبر يرفع بعض ذلك العموم، وعلم أن تاريخ الخبر متراخٍ عن نزول الآية، فإِنه إِن اعتقد إِحالة تأخير البيان قضى بكون الخبر نسخًا، فلم يأخذ به إِلَّا أن يكون متواترًا؛ إِذ النَّسْخ لا يكون بأخبار الآحاد (١).

стр. 1560

مَسْأَلَةٌ: الْمُخْتَارُ؛ عَلَى الْمَنعِ: جَوَازُ تَأْخِيرِ إِسْمَاعِ الْمخَصِّصِ الْمَوْجُودَ. لَنَا: أَنَّهُ أَقْرَبُ مِنْ تَأْخِيرِهِ مَعَ الْعَدَمِ. وأَيْضًا: فَإِنَّ فَاطِمَةَ ﵂ سَمِعَتْ: "يُوصِيكُمُ اللهُ [فِي أَوْلادِكُمْ]، وَلَمْ تَسْمَعْ: "نَحْنُ مَعَاشِرَ الأَنْبِياءِ". وَسَمِعُوا: "اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ" [سورة التوبة: الآية ٥]، وَلَمْ يَسْمَعِ الأَكثَرُ: "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ"، إِلَّا بَعْدَ حِينٍ. وإِن أجاز تأخير البيان قضى بكونه مخصصًا، فأخذ به إِن كان ممن يخصّ بالآحاد. وهذا كما يأخذ الشَّافعي بقوله ﷺ : "مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ"، فإِن أهل الحديث نقلوا أنه كان في غزوة "حنين"، وأن الآية وهي قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ [سورة الأنفال: الآية ٤١] قبل ذلك في غزوة "بدر". وكما يأخذ أيضًا بقوله: إِن عدّة الحامل بوضع الحمل، سواء أكانت متوفى عنها، أم مطلقة؛ لحديث سُبَيْعَةَ الأسلمية، وأنها حلت بوضع الحمل من عدة الوفاة مع قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٣٤]، فإِنه عام في الأزواج الحوامل وغيرهن. ولكن حديث سبيعة مبيّن ومعتضد أيضًا بعموم آخر، وهو قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [سورة الطلاق: الآية ٤]؛ إِذ يشمل المتوفي عنها، والمطلقة. فإِذا وضح لك أن الحق جواز تأخير البيان، وتخصيص المقطوع بالمظنون وضح أن عدّة الحامل بوضع الحمل لا بأربعة أشهر وعشرًا، ولا بأقصى الأجلين كما ذهب إِليه بعض العلماء. ولك أن تقول: ليست مسألة العدّة ممَّا نحن فيه؛ لاعتضاد الحديث بالقرآن، ونحن نقول: إِنما ذكرناها لقربها ممَّا نحن فيه، فيظهر بها ما أوردنا.

стр. 1561

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والأمثلة كثيرة، فانظر فيما هذا شأنه، واعرف تاريخه، ثم انظر هل أنت متطلب نسخًا، فلا يكون إِلا بقاطع، أو تخصيصًا فيكتفي بالظنون. وبهذا يعلم أن لمعرفة التَّوَاريخ فائدة عظيمة، وأنه يترتَّب عليه من الأحكام الشرعية ما يكثر تَعْدَادُهُ. «مسألة» الشرح: "المختار على المنع" من تأخير البيان إِلى وقت الحاجة "جواز تأخير إِسماع المخصص الموجود"، وهو رأى أبي هاشم، والنَّظَّام، وأبي الحسين. وقال الجُبّائي وأبو الهُذَيل (١): يمتنع في الدليل المخصص السّمعي، دون العقلي؛ فإِن الكلّ متفقون على جواز أن يُسمِع الله المكلف العلم من غير أن يعلمه أن في العَقْل ما يخصّصه. ولك نصب "الموجود" في كلام المصنّف على أنه صفة لمفعول ثانٍ للإِسماع، أي: إِسماع الله الشيء المخصص المكلف الموجود، ويكون في ذكر الموجود فائدتان: إِحداهما: أن مَنْ ليس موجودًا حال نزول المخصص لا يشترط إِسماعه؛ لعدم إِمكانه. والثانية: أن القائل بإِسماع المخصص يشترط إِسماعه الموجودين كلهم، ولا يكتفي بإِسماع البعض، ولولا ذلك لما صحّ الاستدلال أن فاطمة لم تسمع مخصص: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة النساء: الآية ١١] ﵂. والأكثر: "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الكِتَابِ"؛ فإِن الخصم كان يقول: نحن لم نشترط إِلا سَمَاع البعض، وقد سمع غير فاطمة ﵂، وغير الأكثر.

стр. 1562

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وإِن جررتَ "الموجود" كان صفة للمخصص، يعني: أن المخصص إِذا كان موجودًا جاز تأخير إِسماعه. ويشهد [للجَرّ] (١) قوله: أقرب من تأخيره مع العدم. فإِن قلت: لو نَصَبْنَا لم يكن فيه دلالة على أن الكلام في مخصص موجود الذي هو موضوع المسألة؛ بدليل قوله: أقرب من تأخيره مع العدم، وبدليل أن غير الموجود هو المسألة المخرج عليها، وقد سبقت. قلت: بلى فيه دلالة من لفظ الإِسْماع؛ فإِنه لا يصحّ إِلَّا فيما يصحّ سماعه وهو الموجود؛ لأنَّ الذي يصح أن يسمع لا يكون معدومًا. "لنا: أنه أقرب من تأخيره مع العدم" أي: أنا قد بَيّنا جواز تأخيره المخصص عن الخطاب، إِذا كان سميعًا، مع أن عدم سماعه لعدمه في نفسه [أتم] (٢) من عدم سماعه مع وجوده في نفسه، فإِذا جاز تأخير المخصّص مع عدمه في نفسه، فجواز تأخير إِسماعه مع وجوده أولى. كذا ذكره الآمدي، فتبعه المصنّف. وأنت تعلم أنه بعد تسليم المنع لا يتوجّه، وغايته أن يقال: منع هذا أبعد من منع ذلك، ولكنهما في البعد مشتركان، فالأولى الاقتصار على الاستدلال بالوقوع. وإِليه أشار بقوله: "وأيضًا: فإِن فاطمة ﵂ سمعت: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [سورة النساء: الآية ١١] " .... ، "ولم تسمع" ما قدمناه في أول العموم من قوله ﷺ : ""نَحْنُ مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ" لا نُورَثُ" إِلى أن روى لها بعد حين. "و" الصحابة "سمعوا قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة التوبة: الآية ٥]، ولم يسمع الأكثر" منهم المخصص للمجوس، وهو ما رواه الشَّافعي ﵁ في "مسنده" من حديث جعفر بن محمد عن أبيه أن عمر ﵁ ذكر المجوس فقال: ما أدري كيف؟. فقال له عبد الرحمن بن عوف ﵁: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الكِتَابِ" فدلّ أن بعض المكلفين لم يسمع المخصص "إِلَّا بعد حين".

стр. 1563

مَسْأَلَةٌ: الْمُخْتَارُ؛ عَلَى الْمَنْعِ: جَوَازُ تَأْخِيرِهِ ﷺ تَبْلِيغَ الْحُكْمِ إِلَي وَقْتِ الْحَاجَةِ ؛ لِلْقَطْعِ بِأَنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنْهُ مُحَالٌ، وَلَعَلَّ فِيهِ مَصْلَحَةً. قَالُوا: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [سورة المائدة: الآية ٦٧]. وَأُجِيبَ؛ بَعْدَ كَوْنِهِ لِلْوُجُوبِ وَالْفَوْرِ: أَنَّهُ لِلْقُرْآنِ. وفي صحيح البُخَاري: أن عمر ﵁ لم يأخذ الجِزْيَةَ من المَجُوس حتَّى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ أخذها من مجوس "هَجَرَ". «مسألة» الشرح: "المختار" تفريعًا "على المنع" أيضًا "جواز تأخيره ﷺ تبليغ الحكم إِلى وقت الحاجة؛ للقطع بأنه لا يلزم منه مُحَال، ولعلَّ فيه مصلحة". فإِن قلت: من جملة الأحكام المخصِّص، وقد قدّمتم - على المَنْع - جواز تأخير إِسماعه، فهل ذلك فَرْد من أفراد هذه المسألة، فيما إِذا كان تأخير الإِسماع من النبيّ ﷺ ؟ قلت: لا؛ لأنا إِذا فَرَّعنا على المنع فنحن مانعون من ورود العام إِلا ومعه الخاص، وإِنما هذه المسألة في تبليغ الحكم من حيث الجملة، سواء العام المقارن للخاص، والمطلق المقارن للمقيد، والمُجْمل المقارن للمبين، والمبين بنفسه. والمانعون "قالوا" قوله تعالى: " ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ " [سورة المائدة: الآية ٦٧] يدلّ على وجوب المبادرة. "وأجيب" "بعد" تسليم "كونه للوجوب والفَوْرِ: أنه للقرآن" (١) لا لجميع الأحكام. ذكره الإِمام الرَّازي، والآمِدِيّ.

стр. 1564

مَسْأَلَةٌ: الْمُخْتَارُ؛ عَلَى التَّجْوِيزِ: جَوَازُ بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ. لَنَا: أَنَّ "المُشْرِكِينَ" بُيِّنَ فِيهِ الذِّمَّيّ، ثُمَّ الْعَبْد، ثُمَّ المَرْأَةُ؛ بِتَدْرَيجٍ، وَآيَةُ الْمِيرَاثِ بَيَّنَ ﵊ مِيرَاثَ الْكَافِرِ والْقَاتِلِ؛ بِتَدْرِيجٍ. قَالُوا: يُوهِمُ الْوُجُوبَ فِي البَاقِي؛ وَهُوَ تَجْهِيلٌ. قُلْنَا: إِذَا جَازَ إِيهَامُ الْجَمِيعِ، فَبَعْضُهُ أَوْلَى. وفي الفرق بين تبليغ القرآن وغيره نظر (١). «مسألة» الشرح: "المختار" تفريعًا "على التجويز" الذي هو المختار أيضًا "جواز" إِسماع "بعض" من البيان "دون بعض". وقيل: لا. وقيل: يجوز في المُجْمل، دون العموم. وقيل: يمتنع مطلقًا إِلَّا أن يشعر المبين بأنه قد بقي بيان آخر. "لنا: أن" قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة التوبة: الآية ٥] بين فيه الذّمى، ثم العبد، ثم المرأة بتدريج، وآية الميراث بَيّن ﷺ القاتل والكافر بتدريج"، وآية الحج فسر النبيّ ﷺ

стр. 1565

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الاستطاعة بالزَّاد والرَّاحلة، ولم يتعرّض للسلامة في الطَّريق وطلب الخِفَارة [إِلَّا] (١) بعد حين. "قالوا: يوهم الوجوب في الباقي"؛ لأنَّ المخاطب قصد بيان ما أشكل، فاقتضى الحال إِكمال ما أشكل، فإِن لم يكمل كان موهمًا، "وهو تجهيل". "قلنا": الإِيهام إِنما يكون في العام دون المُجْمل، والذي لا يفهم منه شيء، "وإِذا جاز" في العام "إِيهام الجميع"، بسبب تأخير إِسماع الكُلّ، "فبعضه أولى". ولقائل أن يقول: العام ما لم يدخله التَّخصيص، فغلبة الظَّن قائمة بأنه سيوجد المخصّص؛ إِذ الغالب أن كلّ عام مخصوص، ولذلك لا يجوز عند المصنّف وغيره العمل به قبل البحث. وأما إِذا دخله فيغلب على الظَّن العكس، فكان الإِيهام بعد تطرف التَّخصيص أكثر، فلا يستويان فائدة، ثم يقتضي التشريك، في الحكم والترتيب والمُهْلة. فقد يقال: قوله: "الذمى، ثم العَبْد، ثم المرأة" يقتضى تأخر العَبْد عن الذِّمِّي والمرأة عن العبد لما ذكرناه، وذلك مستدعي نقل التَّاريخ فيه، ولا نحفظه. ثم قوله: "بتدريج" غير محتاج إِليه مع لفظة "ثم". ويمكن الجواب: بأن الترتيب في "ثم" قد يتخلف، كما ذهب إِليه بعض النُّحاة؛ مُحتَجًّا بقوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [سورة الزمر: الآية ٦] [وقوله: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ] (٢) وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ [سورة السجدة: الآية ٧ - ٩]. وقولِ الشاعر: [الخفيف] إِنَّ مَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أَبُوهُ … ثُمَّ قَدْ سَادَ قَبْلَ ذَلِكَ جَدُّهُ (٣)

стр. 1566

مَسْأَلَةٌ: يَمْتَنِعُ الْعَمَلُ بِالْعُمُومِ قَبْلَ الْبَحْثِ عن الْمُخَصِّصِ ؛ إِجْمَاعًا. وَالأَكْثَرُ: يَكْفِي بِحَيْثُ يَغْلِبُ انْتِفَاؤُهُ .. الْقَاضِي: لا بُدَّ مِنَ الْقَطْعِ بِانْتِفَائِهِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ دَلِيلٍ مَعَ مُعَارِضِهِ. وإِذا كان كذلك فإِنما أتى بـ "ثم" لتبين التشريك والمُهْلة، وهما حاصلان، وإِن لم يعرف عين المتقدّم من المتأخر. ويدلّ لهذا قوله: "بتدريج"؛ فإِنه يشعر بأن القصد وقوع التَّدْريج في بيان هذه الأشياء لا تعيين المتقدم من المتأخر، وإِلَّا لم يكن لذكر التدريج فائدة. ولو عطف المصنّف بـ "الواو" كما فعل في "القاتل والكافر" كان أولى. «مسألة» الشرح: قال المصنّف، تبعًا للغزالي، والآمدي: "يمتنع العمل بالعُمُوم قبل البحث عن المخصّص إِجماعًا" (١). ثم اختلف المجمعون في كيفية البحث. "والأكثر: يكفي بحيث يغلب على الظَّن انتفاؤه". وقال "القاضي: لا بُدَّ من القطع بانتفائه". وكذلك كلّ دليل مع معارضه"، فلا تظنّن مسألة العموم مختصّة بذلك. واعلم أن المصنّف ادّعى أمرين: أحدهما: أن لا بد من أصل البحث، ولم يحتج إِلى الاستدلال عليه؛ إِذ قد نقل فيه الإِجماع.

стр. 1567

لَنَا: لَوِ اشْتُرِطَ لَبَطَلَ الْعَمَلُ بِالأَكْثَرِ. قَالُوا: مَا كَثُرَ الْبَحْثُ فِيهِ تُفِيدُ الْعَادَةُ الْقَطْعَ، وَإِلَّا فَبَحْثُ الْمُجْتَهِدِ يُفِيدُه، لِأَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ لاطَّلعَ عَلَيْهِ. [وَمُنِعَا]، وَأُسْنِدَ بأَنَّهُ قَدْ يَجِدُ مَا يَرْجِعُ بِهِ. والثَّاني: أنه لا يشترط القَطْع، واستدلّ له فقال: "لنا": "لو اشترط، لبطل العمل بالأكثر"؛ لعدم القَطْع بانتفاء مخصّصها. وأنا أقول: لعلّ القاضي يمنع بُطْلان التالي؛ فهو لا يقيم للعمومات وَزْنًا. "قالوا" يعنى القاضي ومتابعيه: "ما كثر البحث فيه" من المسائل بين النّظار، ولم يوجد له مخصص، "تفيد العادة القطع" بانتفاء المخصّص. "وإِلَّا" أي: وما لم يكثر فيه بحث النظار "فبحث المجتهد" وحده مع عدم اطلاعه على المخصص "يفيده" القطع؛ "لأنه لو أريد" التَّخْصيص "لا طَلع عليه"؛ لأن الله - تعالى - ينصب على ذلك أمارة، وإِلَّا كان تكليفًا بما لا يُطَاقُ. "ومنعا" أي الدليلان المذكوران، "وأسند" المنع فيهما، "بأنه قد يجد" المجتهد بعد الحكم بالعموم من المخصصات "ما يرجع به"، وهذا يقع للمجتهدين كثيرًا، فدلّ أنه كانت أمارة ولم يجدها، وهو واضح. واعلم أن دعوى الإِجْمَاع على أنه لا بد من البَحْثِ ممنوعة؛ فالمسألة مشهورة بالخلاف بين أئمتنا، حكاه الأستاذ أبو إِسحاق الإِسفراييني، والشيخ أبو الحسن الخلاني، والشيخ أبو إِسحاق الشِّيرَازي، ومن يطول تَعْدَاده، وعليه جرى الإِمام الرازي وأتباعه. والذي عليه الصَّيْرفي أنه يجب اعتقاد العموم في الحال والعمل بمقتضاه كما نقله من ذكرناه. واقتصر القاضي أبو الطيب، وإِمام الحرمين، وابن السمعاني، فنقلوا عن الصيرفي وجوب اعتقاد العموم في الحال، ولم يذكروا عنه وجوب العمل، وما سكتوا عنه قد صرح به من ذكرناه.

стр. 1568

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والقول بوجوب البحث قول ابن سُرَيج، والإِصْطَخْري، وابن خيران، والقَفَّال الكبير كما نقله الشيخ أبو حامد. وأما قول المصنّف: "وكذا كلّ دليل مع مُعَارضه" فهي طريقة بعض الأصوليين، وعليها جرى الشيخ أبو حَامِدٍ حيث قال: وهكذا الخلاف بين أصحابنا في لفظ الأمر والنَّهْي إِذا وردا مطلقين. والأصح عندنا ومنهم من نقل فيه الإِجماع: أنه لا يجب عند سماع الحقيقة طلب المجاز، وإِن وجب عند سماع العام البحث عن الخاصّ؛ لأن تطرق التَّخصيص إِلى العمومات أكثر. قال أبي ﵀: ولأن في العام دلالتين: إِحداهما: على أصل المعنى، وهو نصّ. والثانية: على استغراق الأفراد، وهي ظاهرة، واحتمال المجاز حاصل في الأول، وفي كلّ حقيقة يدلّ فيها على معنى مفرد، والدلالة الإِفرادية عليه قطعيّة، فلذلك لم يطلب المجاز، واحتمال التخصيص إِنما هو في الثَّانية. قال: ومن شبه العام بالحقيقة، فقد أتى بساقط من القول. "فائدة" قال الشيخ أبو حامد: حكى القَفَّال: أن الصيرفي سئل عن قوله تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [سورة الملك: الآية ١٥] هل تقول: إِنَّ من سمع هذا يأكل جميع ما يجده من الرزق؟ فقال: أقول إِنه يبلع الدنيا بلعًا. قلت: فانظر كيف يعمل بمقتضى العُمُوم قبل البَحْثِ كما نقلناه. ثم قال الشيخ أبو حامد: وذكر الصَّيرفي أن ما ذهب إِليه مذهب الشَّافعي، لأنه قال في "الرسالة": والكلام إِذا كان عامًّا ظاهرًا كان على ظهوره وعمومه حتَّى تأتي دلالة تدلّ على خلاف ذلك. قال: وزعم ابن سريج ورفقته أن ما ذهبوا إِليه مذهب الشَّافعي؛ لأنه قال: وعلى أهل العلم في الكتاب والسُّنة أن يطلبوا دليلًا يفرقون به بين الحَتْمِ وغيره في الأمر والنهي. فأخبر أنه يجب أن يطلب دليلًا يستدلّ به على موجب اللَّفظ.

стр. 1569

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . "فائدة" مثار الخلاف في وجوب البَحْثِ التعارض بين الأصل والظاهر، وبين آخر نفيس، وهو التردّد في أن التَّخصيص مانع أو عدمه شرط؟. فالصَّيرفي يقول: إِنه مانع، فيتمسَّك بالعموم ما لم ينهض المانع، لأن الأصل عدمه. وابن سُرَيْج يقول: عدمه شرط، فلا بد من تحققه. وحاصله: أن ابن سريج يقول: صيغ العموم لا تدلّ على الاستيعاب إِلا عند انتفاء القَرَائِنِ، وانتفاء القرائن شرط، فلا بد من البحث عنه. وكذا نقله عنه ابن السَّمْعَاني وغيره، واختاره القاضي أبو الطيب، وابن السَّمعاني وغيرهما من أئمتنا. قال القاضي أبو الطيب: إِنما يدلّ على العموم صيغة متجرّدة، والتجرّد لم يثبت، قال: وهذا كما تقول: إِذا شهد عند الحاكم شاهدان لا يعرف حالهما، فإِنه يجب السُّؤال عن عَدَالَتهما، ولا يجوز الحكم بها قبل السؤال؛ لأن البَيّنة: الشاهدان مع العدالة، لا الشاهدان فقط. قلت: ونظير هذا أن صيغ العموم للاستيعاب عند عدم العَهْدِ. وإِن أشكل الحال هل ثمّ عهد فكذلك؛ خلافًا لقوم، وعليه إِمام الحرمين. ومثاره أن عدم العهد شرط أو جوده مانع؟ "فرع" إِذا اقتضى العام عملًا مؤقتًا، وضاق الوقت عن طلب الخصوص، فهل يعمل بالعموم أو يتوقف؟ حكى ابن الصَّباغ فيه خلافًا: ونظيره هل للمجتهد التَّقْليد عند ضيق الوقت؟ وفيه وجهان. وكذا القادر على الاجتهاد في القِبْلَةِ، وكذا لو استيقظ قبل الوقت، وكان بحيث لو اشتغل بالوضوء يخرج، فهل يباح له التيمم أو يتوضأ ويصلى خارج الوقت؟ وجهان.

стр. 1570

مَبْحَثُ الظَّاهِرِ وَالمُؤَوَّلِ الظَّاهِرُ وَالْمُؤَؤَلُ": الظَّاهِرُ: الْوَاضِح، وَفِي الاِصْطِلاحِ: مَا دَلَّ دَلالَةً ظَنِّيَّةً: إِمَّا بالْوَضْعِ؛ كَالْأَسدِ، أَوْ بِالْعُرْفِ؛ كَالْغَائِطِ. الشرح: "الظاهر" في اللغة: "الواضح" (١).

стр. 1571

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . "وفي الاصطلاح: ما دلّ دلالة ظنيّة". وعلى هذا فالنَّص وهو الدَّال دلالة قطعية - قسيم له، وقد تقدم. ومنهم من يجعله قسمًا منه. وقريب: من هذا التعريف قول ابن السَّمعاني: الظاهر لفظ معقول يبتدر إِلى الفهم منه معنى مع احتمال اللَّفظ غيره. ثم دلالته الظنية: "إِما بالوضع كالأسد" للحيوان المفترس، والعموم في الاستيعاب، والأمر في الوجوب.

стр. 1572

وَالتَّأْوِيلُ: مِنْ آلَ يَئُول، أيْ: رَجَعَ (١). وَفِي الاِصْطِلاح: حَمْلُ الظَّاهِرِ عَلَى الْمُحْتَمَلِ الْمَرْجُوحِ، وَإِنْ أَرَدتَ الصَّحِيحَ، زِدتَ: "بِدَلِيلٍ يُصَيِّرُهُ رَاجِحًا". الْغَزَالِيُّ ﵀ احْتِمَالٌ يَعْضُدُهُ دَلِيلٌ يَصِيرُ بِهِ أَغْلَبَ عَلَى الظَّنِّ مِنَ الظَّاهِرِ. وَيَرِدُ: أَنَّ الاِحْتِمَالَ لَيْسَ بِتَأْوِيلٍ، بَلْ شَرْطٌ، وَعَلَى عَكْسِهِ التَّأْوِيلُ المَقْطُوعُ بِهِ، وَقَدْ يَكُونُ قَرِيبًا؛ فَيَتَرَجَّحُ بِأَدْنَى مُرَجِّحٍ، وَقَدْ يَكُونُ بَعِيدًا؛ فَيَحْتَاجُ لِلأَقْوَى، وَقَدْ يَكُونُ مُتَعَذِّرًا فَيُرَدُّ. "أو بالعرف كالغائط" للخارج المستقذر، فإِنه غالب فيه، مع كونه في الأصل للمكان المطمئن. الشرح: "والتأويل: من آل يئول (٢) أي: رجع"، فالتأويل ترجيع.

стр. 1573

فَمِنَ الْبَعِيدَةِ: تَأْوِيلُ الْحَنَفِيَّةِ قَوْلَهُ ﵊ لِغَيْلانَ، وَقَدْ أَسْلَمَ عَلَى عَشْرِ نِسْوَةٍ: "أَمْسِكْ أَرْبَعًا، وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ"، أَيِ: ابْتَدِئِ النِّكاحَ، أَوْ أَمْسِكِ الْأَوَائِلَ -؛ فَإِنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ يُخَاطَبَ بِمِثْلِهِ مُتَجَدِّدٌ فِي الْإِسْلامِ مِنْ غَيْرِ بيَانٍ، ومَعَ أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ تَجْدِيدٌ قَطُّ. وَأَمَّا تَأْوِيلُهُمْ قَوْلَهُ ﵊ لِفَيْرُوزٍ الدَّيْلَمِيِّ، وَقَدْ أَسْلَمَ عَلَى أُخْتَيْنِ: "أَمْسِكْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ" - فَأَبْعَدُ؛ لِقَوْلهِ: "أَيَّتَهُمَا". "وفي الاصطلاح: حمل الظاهر على المحتمل المرجوح". وهذا التعريف يشمل: الصَّحيح والفاسد. "وإِن أردت" أن تعرف "الصحيح" فقط "زدت: بدليل يصيّره راجحًا". وقال "الغَزَالي": التأويل: "احتمال يعضُده دليل يصير به أغلب على الظن من الظاهر". "ويرد" عليه: "أن الاحتمال ليس بتأويل، بل" التأويل: الحمل عليه، والاحتمال "شرط" له. "وعلى عكسه" يرد "التأويل المقطوع به"، فإِنه تأويل، وعاضده يفيد القَطْع لا الظن. وقد يمنع الغَزَالي وجود ذلك، ويقول: غاية ما يوجد لفظ قام القاطع على صرفه عن ظاهره. أما أن المراد به شيء معين، فلا قاطع فيه، بل ظن، وهذا كما يقول في ظواهر الصفات: إِن القواطع دلّت على أنّ الظاهر غير مراد، ثم تعيين المراد ظَنّي لا قطعي فنقول مثلًا في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ﴾ [سورة الفتح: الآية ١٠]؛ الجارحة منفية قطعًا، وهل المراد القدرة أو شيء وراءها، أو لا يدري؟ هذه أماكن تزاحم الظُّنون، "وقد يكون" التأويل "قريبًا، فيترجّح بأدنى مرجّح"، "وقد يكون بعيدًا، فيحتاج للأقوى، وقد يكون متعذرًا فيرد".

стр. 1574

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الشرح: "فمن" التأويلات "البعيدة: تأويل الحنفية قوله ﵇ لابن غيلان وقد أسلم على عشر": "أَمْسِكْ أَرْبَعًا، وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ" (١)، فإِنهم حملوا الإِمساك إِما على الابتداء، "أي: ابتدئ النكاح" في أربع منهن. "أو" أن المراد بقوله: "أَمْسِكْ" أَرْبَعًا" أي: "الأوائل" منهن، و"فارق سائرهن"، أي: الأواخر [ليثبت] (٢) لهم أصلهم في وجوب تجديد النكاح إِن تزوجهن معًا، وإِمساك الأربع الأوائل إِن تزوجهن مرتبًا. فردوا الحديث إِلى مذهبهم، ولم يردوا مذهبهم إِلى الحديث. وهذا التأويل إِذا أنصفت من نفسك تعرف أنه بعيد؛ "فإِنه يبعد أن يخاطب بمثله" من هو "متجدّد في الإِسلام من غير" سبق "بيان" لشرائط النكاح، "مع" كان الحاجة داعيةٌ إِليه لقرب عهده بالإِسلام. "ومع أنه لم ينقل تجديد قَطّ" لا منه، ولا من غيره مع كثرة إِسلام الكُفَّار المتزوجين، ولو كان لتوفرت دواعي حملة الشريعة على نقله. "وأما تأويلهم قوله ﷺ لفيروز الدَّيْلَمِي (٣)، وقد أسلم على أختين: "أَمْسِكْ أيَتَّهُمَا

стр. 1575

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . شِئْتَ" (١) بمثل ما مَرَّ "فأبعد"؛ إِذ فيه ما عرفت من وجهي البعد، وهو تجدد إِسلامه، وعدم نقل التجديد. ويختصّ بثالث، وهو التصريح "بقوله: "أيتهما" شئت"؛ لظهوره في أن التَّرْتيب غير معتبر. واعلم أنه قد وقع بخطّ المصنّف: "ابن غيلان" كما رأيت، وكذا هو في "النهاية" و"الوسيط" و"المستصفى" و"الإِحكام" وغيرها، ورأيت المصنّف ضبط بخطّه: "عيلان" بعين مهملة، وهو وَهْمٌ. إِنما هو غيلان بن سلمه الثقفي بالغين المعجمة، نعم في الرواة قيس بن عيلان بن مضر وزفر بن عيلان كلاهما بالمهملة، وليس في الرواة ابن عيلان إِلا بالمهملة ولا غيلان إِلا بالمعجمة، وصاحب الحديث غيلان [لا ابنُ عيلان] (٢)، [والمصنّف لما توهمه ابن عيلان] (٣) احتاج أن يضبطه بالمهملة، ولا بد في هذا المقام من بسط العبارة قليلًا، فإِن الكلام في التأويل ممَّا يعظم خطره: فنقول: مذهبنا أن الكافر إِذا أسلم على أكثر من أربع كان له اختيار أربع منهن، سواء عقد عليهن معًا، أم مرتبًا، سواء اختار الأوائل أم الأواخر،، ولذلك لو أسلم على أختين تخير بينهما، ولا يتعيّن أولاهما. وقال أبو حنيفة: إِن عقد على التفريق، واختار الأوائل منهن صح النكاح، وإِلا فلا.

стр. 1576

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . واحتج الشَّافعي بما روى معمر عن الزهريّ عن سالم (١) عن أبيه: أن غيلان بن سلمة الثقفي (٢) أسلم وعنده عشر نسوة، فقال له النبيّ ﷺ : "أَمْسِكْ أَرْبَعًا، وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ" هكذا لفظ رواية الشَّافعي: "أَمْسِكْ"، وفي أكثر الروايات لفظ الاختيار، وهي لفظ رواية الترمذى، وابن ماجه والبيهقي. ومدار الحديث على معمر بن راشد (٣)، وهو أحد الأعلام الثقات روى له الجماعة، وقد

стр. 1577

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . رواه عنه ابن أبي عَرُوبة (١) وإِسماعيل بن إِبراهيم، ومحمد بن جعفر غندر (٢)، ويزيد بن زريع (٣)، وهم من حفاظ أهل "البصرة". فإِن قلت: فقد قال البخاري: هذا حديث غير محفوظ، والصحيح ما روى شعيب بن أبي حمزة (٤) وغيره عن الزهري قال: حديث عن محمد بن سويد الثقفي أن غيلان بن سلمة

стр. 1578

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أسلم وعنده عشرة نسوة … الحديث. قال: وإِنما حديث الزهري عن سالم عن أبيه أن رجلًا من "ثقيف" طلق نساءه فقال له عمر: "لتراجعهنّ أو لأرجمن قبرك كما رجم قبر أبي رغال" (١). وقال أبو حاتم: معمر بن راشد صالح الحديث، وما حدث بـ "البصرة" فيه أغاليط، وهذا من جملة ما حدث به بـ "البصرة". قلت: هذا حديث صحيح، ومعمر [ثِقَةٌ] (٢)، وإِن كان فيما حدث به بـ "البصرة" غلط، فهذا ممَّا حدث به ولا غلط فيه؛ لأنه قد روى هكذا موصولًا عن معمر، ورواه عنه جماعة غير بصريين: سفيان، وعبد الرحمن بن محمد المحاربي (٣)، وعيسى بن يونس (٤)، وهم كوفيّون.

стр. 1579

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والفضل بن موسى الشَّيْبَاني، وهو خراساني. ولو سلّمنا أن رفعه غير صحيح، فلا يشكّ أحد في حجّته مرسلًا، كما رواه عبد الرَّزاق (١) فأرسله، وكذلك مالك عن الزهري وغيرهم، والكُلّ أرسلوا، وفي لفظهم الاختيار. فإِن قلت: فأنتم لا تقولون بالمراسيل؟ قلت: نحن نقول به إِذا اشتد من جهة أخرى، وهذا مسند من جهة أخرى كما عرفت. وإذا قال به أكثر أهل العلم، وهذا كذلك. قال الترمذي: العمل على حديث غيلان عند أصحابنا منهم: الشَّافعي، وأحمد، وإِسحاق. قلت: ووجدت لحديث معمر شاهدًا قويًّا في الدَّارقطني. الدَّارَقُطْني: حَدَّثنا محمد بن نوح الجنديسابوري، حَدَّثنا عبد القدوس بن محمد (٢) وحَدَّثنا مخلد، حَدَّثنا جعفر بن عمر بن زيد قالا: حدثنا سيف بن عبيد الله

стр. 1580

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الجرمي (١)، حدثنا سرار بن مجشر (٢)، عن أيوب، عن نافع، وسالم عن ابن عمر ﵄: أن غيلان الثقفي أسلم، وعنده عشر نسوة، فأمره النبيّ ﷺ أن يمسك منهن أربعًا زاد ابن نوح: فأسلم وأسلمن معه. وسرار وسيف بن عبيد الله كلاهما ثِقَةٌ. واحتج الشَّافعي أيضًا بحديث: فيروز الدَّيلمي المذكور في الكتاب، فإِنه أسلم وتحته أُخْتَان، فقال له النبيّ ﷺ : "اخْتَرْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ"، رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه. ولحديث نوفل بن معاوية (٣) قال: أسلمت تحتي خمس نسوة، فسألت النبيّ ﷺ
следующие страницы →