← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6338

رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (2 330 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . واحتج الشَّافعي بما روى معمر عن الزهريّ عن سالم (١) عن أبيه: أن غيلان بن سلمة الثقفي (٢) أسلم وعنده عشر نسوة، فقال له النبيّ ﷺ : "أَمْسِكْ أَرْبَعًا، وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ" هكذا لفظ رواية الشَّافعي: "أَمْسِكْ"، وفي أكثر الروايات لفظ الاختيار، وهي لفظ رواية الترمذى، وابن ماجه والبيهقي. ومدار الحديث على معمر بن راشد (٣)، وهو أحد الأعلام الثقات روى له الجماعة، وقد

стр. 1577

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . رواه عنه ابن أبي عَرُوبة (١) وإِسماعيل بن إِبراهيم، ومحمد بن جعفر غندر (٢)، ويزيد بن زريع (٣)، وهم من حفاظ أهل "البصرة". فإِن قلت: فقد قال البخاري: هذا حديث غير محفوظ، والصحيح ما روى شعيب بن أبي حمزة (٤) وغيره عن الزهري قال: حديث عن محمد بن سويد الثقفي أن غيلان بن سلمة

стр. 1578

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أسلم وعنده عشرة نسوة … الحديث. قال: وإِنما حديث الزهري عن سالم عن أبيه أن رجلًا من "ثقيف" طلق نساءه فقال له عمر: "لتراجعهنّ أو لأرجمن قبرك كما رجم قبر أبي رغال" (١). وقال أبو حاتم: معمر بن راشد صالح الحديث، وما حدث بـ "البصرة" فيه أغاليط، وهذا من جملة ما حدث به بـ "البصرة". قلت: هذا حديث صحيح، ومعمر [ثِقَةٌ] (٢)، وإِن كان فيما حدث به بـ "البصرة" غلط، فهذا ممَّا حدث به ولا غلط فيه؛ لأنه قد روى هكذا موصولًا عن معمر، ورواه عنه جماعة غير بصريين: سفيان، وعبد الرحمن بن محمد المحاربي (٣)، وعيسى بن يونس (٤)، وهم كوفيّون.

стр. 1579

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والفضل بن موسى الشَّيْبَاني، وهو خراساني. ولو سلّمنا أن رفعه غير صحيح، فلا يشكّ أحد في حجّته مرسلًا، كما رواه عبد الرَّزاق (١) فأرسله، وكذلك مالك عن الزهري وغيرهم، والكُلّ أرسلوا، وفي لفظهم الاختيار. فإِن قلت: فأنتم لا تقولون بالمراسيل؟ قلت: نحن نقول به إِذا اشتد من جهة أخرى، وهذا مسند من جهة أخرى كما عرفت. وإذا قال به أكثر أهل العلم، وهذا كذلك. قال الترمذي: العمل على حديث غيلان عند أصحابنا منهم: الشَّافعي، وأحمد، وإِسحاق. قلت: ووجدت لحديث معمر شاهدًا قويًّا في الدَّارقطني. الدَّارَقُطْني: حَدَّثنا محمد بن نوح الجنديسابوري، حَدَّثنا عبد القدوس بن محمد (٢) وحَدَّثنا مخلد، حَدَّثنا جعفر بن عمر بن زيد قالا: حدثنا سيف بن عبيد الله

стр. 1580

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الجرمي (١)، حدثنا سرار بن مجشر (٢)، عن أيوب، عن نافع، وسالم عن ابن عمر ﵄: أن غيلان الثقفي أسلم، وعنده عشر نسوة، فأمره النبيّ ﷺ أن يمسك منهن أربعًا زاد ابن نوح: فأسلم وأسلمن معه. وسرار وسيف بن عبيد الله كلاهما ثِقَةٌ. واحتج الشَّافعي أيضًا بحديث: فيروز الدَّيلمي المذكور في الكتاب، فإِنه أسلم وتحته أُخْتَان، فقال له النبيّ ﷺ : "اخْتَرْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ"، رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه. ولحديث نوفل بن معاوية (٣) قال: أسلمت تحتي خمس نسوة، فسألت النبيّ ﷺ

стр. 1581

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فقال: "فَارِقْ وَاحِدَةً، وَأَمْسْكِ أَرْبَعًا"، فعمدت إِلى أقدمهن عندي عاقر منذ سنين، ففارقتها (١). إِذا عرفت هذا فنقول: وجه الاحتجاج من وجهين: أحدهما: العبارة المحفوظة عن الشَّافعي أن ترك الاستفصال في حكاية الأحوال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المَقَالِ. وهذا واضح لا خفاء به، فإِنه ﷺ لم يستفصل هل [تزوجهن] (٢) معًا، أو على التعاقب؟ فلولا أن الحكم يعم الحالتين لما أطلق؛ إِذ كان مطلقًا في موضع التفصيل. وما يقال عليه: جاز أن يكون ﵇ علم الحال، يأتي جوابه في [غضون] (٣) الكلام. والثَّاني: وهو ما في الكتاب أن ظاهر قوله: "أَمْسِكْ" يقتضي جواز إِمساك أيَّة أربع شاء، فتخصيص الأول عدول عن الظاهر، وهذا على لفظ "أمسك". وأما على لفظ "اختر" وهو الشهير، فهو صريح في رأينا؛ إِذ تفويض الخِيَرَةِ إِليه مع الاحتجار عليه في محلّ واحد غير معقول؛ فمخصص الأوائل مخالف لظاهر "أمسك" ولنص "اختر" الوارد في الأحاديث الَّتي ذكرناها. فإِذن قول الخصوم: "إِنه أراد الأوائل" مدفوع بالنص والظاهر. وعُمْدَةُ الخصوم في الكلام على الحديث أنه أراد بقوله: "أمسك"، أن يمسكهن ويجدد العقد عليهن على موجب الشَّرع. جعل حذّاقهم هذا هو العُمْدة لاندفاع التأويل الأول بما ذكرناه. وهذا أيضًا يدرؤه وجوه:

стр. 1582

وَمِنْهَا قَوْلُهُمْ فِي: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]، أَيْ: إِطْعَامُ طَعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا؛ لأَنَّ الْمَقْصُودَ دَفعُ الْحَاجَةِ، وَحَاجَةُ سِتِّينَ كَحَاجَةِ وَاحِدٍ فِي سِتِّينَ يَوْمًا؛ فَجُعِلَ الْمَعْدُومُ مَذْكُورًا، وَالْمَذْكُورُ عَدَمًا مَعَ إِمْكَانِ قَصْدِهِ لِفَضْلِ الْجَمَاعَةِ وَبَرَكَتِهِمْ وتَضَافُرِ قُلُوبِهِمْ عَلَى الدُّعَاءِ لِلْمُحْسِنِ. أحدها: أنه يخالف ظاهر لفظ الإِمساك؛ لأن مقتضاه الاستمرار واستصحاب الحال لا التجديد. والثَّاني: أنه فوض الإِمساك والفراق إِلى الزوج، ولو كان المراد الإِنكاح وعدمه لما كان ذلك؛ إِذ رضا الزوج لا يحصل النكاح، بل لا بد من رضا الزوجة أو وليها، والفراق حاصل بنفس الإِسلام عندهم. والثالث: لو كان المراد منه ابتداء النِّكَاح لذكر له شرائط النِّكَاح، وإِلَّا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة. والرابع: أنه لم ينقل تجديد عقود النِّكَاح قطّ كما ذكر في الكتاب، بل نقلت النقلة الحكايات نقل مَنْ لا يستريب في أنهم استمرُّوا في الإِسلام على مناكحاتهم القديمة. والخامس: أن نكاح الابتداء لا يختصّ بهنّ، بل جوازه سائغ في نساء العالم، وهذه أوجه لائحة لا خفاء بها. وذكرت أوجه أخر ضربت عنها لاحتمالها التشكيك. وأما هذه فظواهر، وإِن بحث باحث في واحد منها، وأثبت له معنى لم يدرأ كلها. ثم يقول: إِنْ جحد مُعَاند اقتضاء ذكرناه إِلى الغرض أيضًا لم يجحد ظهوره، وعليه الظن في صفو قصد الشَّارع إِلى ما قررناه، والظهور كافٍ في الحكم على مُقَابله بالبعد، وهذا ضرب من تأويلاتهم البعيدة. الشرح: "ومنها قولهم" في قوله تعالى: " ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ " أي: إِطْعَام طعام ستين مسكينًا". قالوا: "لأن المقصود رفع الحاجة، وحاجة ستين" مسكينًا في يوم واحد "كحاجة واحد في ستين يومًا"، فاستويا في الحكم. "فجعل" في هذا التأويل "المعدوم" وهو طعام

стр. 1583

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . "مذكورًا"؛ [ليصح] (١) كونه مفعولًا لإِطعامٍ، و"المذكور" وهو ستين مسكينًا، "عدمًا"، مع صلاحيته لأن يكون مفعولًا لـ"إِطعام". و"مع" ظهوره معنى من جهة "إِمكان قصده"، أي: قصد العدد، "لفضل الجماعة وبركتهم وتضافر قلوبهم على الدعاء للمحسن"، وهذه معان لائحة، ولا توجد في الواحد. واعلم أنه لا يجوز أن يستنبط من النص معنى يعود على أصله بالإِبطال. ويجوز أن يستنبط منه معنى يعود بالتعميم، كاستنباط ما يشوش الفكر من قوله ﵇: "لا يَقْضِي القَاضي وَهُوَ غَضبَانُ" (٢)، وغالب الأقيسة. وهل يجوز أن يستنبط منه معنى يخصصه؟ فيه قولان: إِذا عرفت هذا، وَضحَ لك بطلان تأويلهم؛ لأنه مبني على أن المعنى: إِطعام طعام ستين، وأنه حذف المضاف، وأقيم المضاف إِليه مقامه؛ لأنَّ المقصود دفع الحاجة. ووجه بطلانه: أن هذه العلّة مستنبطة من قوله: فإِطعام ستّين، وهي رافعةٌ لاعتبار العدد الذي هو حكم الأصل، فكانت مبطلة له. ثم هذا على تقدير تسليم أن المقصود دفع حاجة المسكين.

стр. 1584

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والحق: أن المقصود دفع حاجة ستّين مسكينًا، لا مسكين واحد ستّين يومًا لما عرفت. وما يقولون من "أن دعاء مسكين واحد في ستّين وقتًا أسرع للحاجة" من فضول الكلام؛ فإِن عدد الدَّاعين والشَّافعين أولى من تكرار الدعاء من الشفيع الواحد. ولو سلم استواؤهما، فذلك إِن فرض أن المسكين يدعو ستّين دعوة، ومن أين لنا أن يفعل ذلك؟! لا، ومن أين لنا أن الستين يدعون؟ لأنا نقول: العطاء وسد الخَلَّة قرينة في قيام داعية الدعاء، وقد نظرنا نحن وأنتم إِليها. ولذلك قلنا: إِنَّ الستين يدعون. وقلتم: إِنَّ الواحد يدعو، وإِن كان الدعاء قد لا يقع لا من السِّتين، ولا من الواحد ألبتّة. ثُمَّ الواحد إِذا أعطى ستّين مرة يتقاصر داعيته في العطاء الثاني، والثالث، وهلمّ جَرًّا عن الدعاء، وهذا ما لا مراء فيه؛ فإِن العطيّة الأولى أنجح في قيام الدَّاعية، ويتلوها الثَّانية، وهكذا، ولا كذلك عطاء ستّين نفسًا؛ لأن العَطَاء بالنسبة إِلى كلّ منهم أول عطاء، فتقوم عنده الداعية. ولو سلّم الاستواء من كلّ وجه، فذلك حيث لا يكون صَرَاحة تدفع أحد الأمرين. واللَّفظ صريح في ستّين مسكينًا، فلماذا يخرج عنه؟ ثم قال أئمتنا في إِفحامهم: لا يخفى على من شَذَا طرفًا من العربية أن ما تعدّى إِلى مفعولين، وإِفراد أحدهما بالذكر أن الإِفراد دليل الاهتمام به، فإِذا قلت: أطعمت زيدًا، ولم تذكر ما أطعمته دلّ على اهتمامك إِنما هو بأصل إِطعامه، لا بما أطعمته. وإِن قلت: أطعمت البُرّ مثلًا ولم تذكر من أطعمت دلّ على أن اهتمامك إِنما هو بِمَا أطعمت لا بِمَنْ أطعمت. وإِن أنت اهتممت بالأمرين جميعًا أبرزتهما معًا فقلت: أطعمت زيدًا البُرّ. ومن هذا قوله: ستّين مسكينًا، ولم يقل: ستّين مسكينًا مُدًّا، وذلك آية أن المقصود

стр. 1585

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الأعظم إِطعام هذا العدد من المَسَاكين، لا المعدود من الأمداد. هذا ما ذكره أصحابنا، وأطنب فيه إِمام الحرمين. وقد انتصر أبو عبد الله المَازِرِيّ للحنفية، وإِن كان لا يوافقهم في حكم المسألة بوجهين: فقهي، ونحوي. أما الفقهي: فقال ما حاصله: لا يلزم من مذهبهم إِبطال النص إِلَّا لو جوزوا إِعطاء المسكين الواحد ستّين مُدًّا في يوم واحد، والقوم لا يقولون ذلك، بل يراعون صورة العَدَد، ويشترطون في تكرير ذلك على المسكين الواحد تكرر الأيّام، فرأَوا أن الله - تعالى - أمر بإِطعام ستّين مسكينًا؛ ولم يعين مسكينًا من مسكين، ولا خلاف أن المساكين لم يعينوا، وأطعم مسكينًا آخر، فإِذا انتهى به التَّكْرَار إِلى ستّين يومًا صار مطعمًا ستين مسكينًا، لكون هذا المسكين كلّ يوم من جملة المساكين، فإِذا لم يخلوا بصورة العدد المنصوص لم يكونوا مُعَطّلين للنص. وأما النحوي، فذكر أن سيبويه قال: إِنّ المصدر يقدر بـ "مَا" وبـ "أَنْ"، فإِذا قدّرنا المصدر هنا، وهو الإِطعام بمعنى "مَا" اقتضى ذلك ما قالته الحنفيّة، ويكون التقدير: فَمَنْ لم يستطع فما يطعم ستّين مسكينًا. وإِن قدّر بـ "أن" كان التقدير: فعليه أن يطعم ستين مسكينًا، وهذا التقدير الآخر يخرج إِلى ما لا يريد. فقال: فقد زاحمنا أبَا المَعَالي - يعني: إِمام الحرمين - فيما تعلّق به من صناعة النحو. وذكرنا أن لأبي حنيفة متعلقًا بها من وجه آخر ذكره الإِمام الأول فيها، وهو سيبويه. قلت: أما الوجه الأول، فإِنا نقول عليه: القوم وإِن لم يخلُّوا بصورة العدد، فقد أخلّوا بصورة المعدود، وهو الستون من المساكين. وقولكم: ينجر إِلى إِطلاق "ستين" على مسكين واحد، ونحن نحاكمكم إِلى أهل اللسان؛ فإِنهم يأبون إِطلاق الستين على الواحد، سواء أعطى في ستين مسكين يومًا [أم لا] (١)، فقد عطلوا من النص لفظ الستين، وكل تأويل عطل النص أو شيئًا من النص، فهو

стр. 1586

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مردود وإن كان لدليل، فما ظنك بتأويل لا دليل عليه؟ فإِنَّا قد بَيَّنا أن العدد يصلح أن يكون مقصودًا، واللفظ نص فيه، وغاية ما يتعلّقون به: معنى سد الخَلّة، وهو موجود مع العزم على أتم وجه، فإِذا كان ممكنًا مع مُرَاعاة العدد حصل المقصود مع الخلاص من عُروّ المخالفة. هذا، وفي الكَفَّارات نوع من التعبّد، وهو العدد، فيكون التمسُّك باللَّفظ المحصل للمقصود من كلّ وجه أولى. وأما الوجه الثَّاني: فالَّذي يقدر به المصدر العامل في مذهب سيبويه "أن" المشددة الناصبة لضمير الشأن، فمذهبه: تقدير الماضي بأنه فعل، والحاضر والمستقبل بأنه يفعل؛ لأن "يفعل" صالح للحال والاستقبال. وقال جماعة منهم ابن عصفور: يقدر بـ"أن والفعل" و بـ "أن الَّتي خبرها فعل" ويعنون بذلك: أنه يقدر بـ"أن" والفعل في المستقبل والماضي، و بـ"أن" الَّتي خبرها فعل في الحاضر. وقال الأكثرون: يقدر بأن فعل في الماضي، وتارة يفعل في المستقبل، وبما يفعل في الحاضر. وزعم ابن مالك أن المصدر على أربعة أوجه: أحدها: أن يقدر بـ "ما" والفعل. والثاني: بـ "أن" والفعل. والثالث: بـ"أن" المخففة من الثقيلة والفعل. وذلك: في نحو: علمت ضربك زيدًا، فإِنه لا يمكن أن يقدر هنا: أن ضربت، ولا: أن تضرب؛ لأن "علم" وأخواتها من أفعال اليقين، إِنما قياسها أن ندخل على "أن" المؤكدة مشددة كانت مثل: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٧] أو مخففة نحو: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ﴾ [سورة المزمل: الآية ٢٠]، ولا يجوز: علمت أن يقوم، ولا يمكن أن يقدر: ما تضرب لأن "ما" والفعل لا يسدّان مسدّ المفعولين. فلما تعذّرت التقديرات الثَّلاث عدل إِلى هذا التقدير؟

стр. 1587

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والرابع: ألّا يقدر بشيء من هذه نحو: ضربي زيدًا قائمًا. وأما نقل المَازِرِيّ عن سيبويه فخلاف المعروف من مذهبه، وقد يكون ذلك وقع في بعض كلامه في غير مظنته، فالناقل رجل كبير منتشر الأطراف، ولكني أرسلت سائلًا سأل الشيخ جمال الدين بن عبد الله بن هشام (١) ﵀ عن هذا، وهو أعلم أهل هذه الأقاليم اليوم بالنحو فيما أظن، فقال: إِنه لا يعرفه في كلام سيبويه. قال: وهذا التَّخَالف الواقع بين النَّحويين فيما يقدر به المصدر العامل لا يرجع إِلى اختلاف في المعنى، وإِنما هو اختلاف في التعبير لا غَيْر، وبتقدير صحّة أن مذهب سيبويه: التقديرُ بـ "أن" فليس ذلك في كلّ المواضع، بل ربّ مكان لا يتَّجه فيه "ما" وآخر بالعكس. وبتقدير اتجاه "ما" هنا، فإِنما يصح كلامه لو كانت "ما" المقدرة بمنزلة "الذي" ليكون التقدير: فعليه ما يطعم ستّين مسكينًا، أي: الذي يطعم. فأما إِذا كانت حرفًا مصدريًّا خلافًا للأخفش، وابن السراج (٢)، فلا يصح ذلك قطعًا. بل لا فرق بين الإِطعام، وما يطعم كما أنه لا فرق بين: بما كانوا يكذبون وقول القائل: بكونهم يكذبون. فإِن قلت: فيتجه كلامه على قول أبي الحسن، وأبي بكر؟! قلت: لا؛ لأنهما يريان أنها اسم واقع على الحديث، وبهذا الاعتبار سمياها

стр. 1588

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مصدرية؛ لأنها واقعة على المصدر، لا لأنها يسبك منها ما بعدها مصدر، كما هو قول الجماعة. فمعنى قولك: أعجبني ما قمت: أعجبني الذي قمته، أي: القيام الذي قمته، فالتقدير حينئذٍ: فعليه الإِطعام الذي يطعم بالقيام به ستّين مسكينًا. فتلخص من هذا أن المنقول عن سيبويه لا يعرف، وبتقدير صحّته لا يجدي على الحنفية شيئًا؛ إِذ لا فرق في المعنى بين أن يقوم، وما يقوم، والقيام. وأنه لا يجوز أحد لا سييوبه ولا غيره تقدير "أن"، و"ما" في كلّ موضع، بل لكلّ منهما موضع، فقد ترامينا على أبي عبد الله، وضايقناه على مزاحمة سيد الجماعة أبي المعالي. "فائدة" في "التسهيل" في المصدر: الغالب إِن لم يكن بدلًا من اللَّفظ بفعله تقديره بعد "أن" المخففة أو المصدرية، أو "ما" أختها. انتهى. وفي "شرح التسهيل" لشيخنا أبي حَيَّان: ليس التقدير دائمًا، ولكنه الغالب، ويقدر بـ "أَنْ" ماضيًا؛ مثل: [البسيط] عَلِمْتُ بَسْطَكَ بِالمَعْرُوفِ خَيْرَ يَدٍ … فَلا أَرَى فِيكَ إِلَّا بَاسِطًا أَمَلا (١) وحالًا؛ مثل: [البسيط] [وَ] لَوْ عَلِمَتْ إِيثَارِيَ الَّذِي هَوِيَتْ … مَا كُنْتُ مِنْهَا مُسْتَغْنِيًا عَلَى القُلُبِ واستقبالًا؛ مثل: [الخفيف] لَوْ عَلِمْنَا إِخْلافكُمْ عِدَةَ السِّلْـ … مِ عَدِمْتُمْ عَلَى النَّجَاةِ مُعِينًا (٢) وبـ "ما" المصدرية ماضيًا مثل: ﴿كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٠٠]. وحالًا مثل: ﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ﴾ [سورة الروم: الآية ٢٨].

стр. 1589

وَمِنْهَا: قَوْلُهُمْ: "فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ"، أَيْ: قِيمَةُ شَاةٍ؛ بِمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ أَبْعَدُ؛ إِذْ يَلْزَمُ أَلَّا تَجِبَ الشَّاة، وَكُلُّ مَعْنى إِذَا اسْتُنْبِطَ مِنْ حُكْمٍ أَبْطَلَهُ - بَاطِلٌ. ومضارعًا؛ مثل: [البسيط] وَمَنْ يَمُتْ وَهْوَ لَمْ يُؤْمِنْ يُصَلَّ غَدًا … شُوَاظَ نَارٍ دَوَامَ النَّارِ فِي سَقَرَا (١) وفي "شرح الالفية" لابن المصنّف: يقدر بـ "أن" والفعل إِن كان ماضيًا، أو مستقبلًا، و بـ "بما" والفعل إِن كان حالًا؛ لأن فعل الحال لا يدخل عليه "أن". انتهى. وقد يتصوّر أنه مخالف لما في "شرح التسهيل"، ويقال: كيف يقدر - إِذا كان حالًا - بـ "أن". وجوابه - كما قال بـ "أن" جمال الدين بن هشام - أنه لا يقدر بـ "أن" الناصبة، بل بـ "أن" المخففة من الثقيلة؛ لأن الفعل السابق فعل علم، وهو قوله: علمت (٢) إِيثاري. ويدل عليه نص "التسهيل" كما حكيناه. وحيث قالوا: "أن" المخففة فمرادهم: المخففة من الثقيلة، لا "أن" المخففة وضعًا، ومراد بدر الدين: "أن" الخفيفة وضعًا، وهي الَّتي تُسَمَّى المصدرية، لا "أن" المخففة من الثقيلة، فلا اختلاف بينهما. قال: والذي في "التسهيل" - كما رأيت - تقديره بـ "أن" المخففة، أو بـ "أن" المصدرية أو بـ "ما" المصدرية، لا التقدير بـ "أن" و"ما" فقط - كما ذكر بدر الدين ابن المصنّف، فإِنه لم يذكر في اللَّفظ إِلا شيئين فقط، وهو المشهور في كتب النّحويين. قال: ويمكن أن يرجع إِلى كلام ابن مالك، وذلك بأن يحمل "أن" في كلامهم على أعم من المصدرية، والمخففة من الثقيلة. والله أعلم. الشرح: "ومنها: قولهم" في معنى قوله ﷺ : "فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ" وهو حديث

стр. 1590

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . صحيح، رواه البخاري من حديث أبي بكر الصديق ﵁ في كتاب "فريضة الصدقة". ولفظه: "وَفِي صدَقَةِ الغنم في سائمتها إِذا كانت أربعين إِلى عشرين ومائة" الحديث. وروى أبو داود، والترمذي، وحسّنه من حديث الزهري عن سالم عن أبيه: "وفِي الغَنَمِ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ … ". والحاصل: أن الأحاديث ناصّة على إِيجاب شَاةٍ في الأربعين، وهم جَوَّزُوا إِخراج القيمة، وقالوا: قوله ﵇: "فِي الغَنَمِ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ" (١) "أي: قيمة شاة بما تقدم" من أن المقصود دفع الحاجة سواء أكان بالشاة أم بالقيمة، "وهو أبعد" من التأويل السابق؛ "إِذ يلزم" منه: "ألَّا تجب الشاة"؛ لأنه إِذا وجبت القيمة لم تجب الشاة، فلا تكون مُجْزئة، وهي مجزئة بالاتفاق، فإِذا لم تجب الشاة كان هذا الاستنباط عائدًا على النَّص بالإِبطال، "وكلُّ معنى إِذا استنبط من حكم أبطله باطل" كما قدمناه؛ لأنه يوجب بطلان أصله المستلزم لبطلانه، فيلزم من صحّته اجتماع صحته وبطلانه، وهو [محال] (٢). واعلم أن هذا التأويل والذي قبله مشتركان - على ما قاله طائفة من أصحابنا منهم المصنّف - في التَّأدية إِلى تعطيل اللَّفظ، وقد غلظ الشَّافعي ﵁ القول على المؤولين بكلّ ما أدى إِلى تعطيل اللَّفظ، وسببه ما ذكرناه. وقد ذكرنا ما يمكن الحنفية أن يدافعوا به عن أنفسهم في التأويل السابق، وأما في هذا الحديث، فللقوم أن يقولوا: إِنما يكون ما أوّلنا معطلًا لو لم نجوز إِخراج الشاة. وأما إِذا جوزناه؛ فالتأويل حينئذٍ معمم، لا معطل كما قلتم في حديث: "وَلْيَسْتَنْج بِثَلاثَةِ أَحْجَارٍ" (٣): إِنه يجوز الاستنجاء بالخرق.

стр. 1591

وَمِنْهَا: حَمْلُ "أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذنِ وَليِّهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ" عَلَى الصَّغِيرَةِ وَالْأَمَةِ والْمُكَاتَبَةِ، وَ"بَاطِلٌ" أَيْ: يَئُولُ إِلَيهِ غَالِبًا؛ لاِعْتِرَاضِ الْوَلِيِّ؛ لأِنَّهَا مَالِكَةٌ لِبُضْعِهَا؛ فكَانَ كَبَيْعِ سِلْعَةٍ. وقد عرف كلّ ذي نظر أنه يجوز أن يستنبط من النَّص معنى يعود عليه بالتعميم، كاستنباط ما يشوش الفكر من قوله ﵇: "لا يَقْضِي القَاضِي وَهُوَ غَضْبَان"، وكغالب الأقيسة، فالحق عندنا أن ما ذهبوا إِليه مدفوع من جهة أن اللّفظ ظاهر في التَّعين، فلعلّ الشَّارع قصد مشاركة الفقير للغني في جنس ما يملك، ففي القصر على الشَّاة تحصيل مقصود الشَّارع من الخلاص من عذر المخالفة، وبأن الزكاة فيه بعيد، والإِضراب عَمَّا فعلوه حَقّ، وإِن كان لا يظهر أنه تعطيل، بل تأويل لا يعضده دليل. الشرح: "ومنها: حمل" الحنفية ما حملوه فيما رواه أبو داود الطّيالسي (١)، وأحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة، والدارقطني، من حديث سليمان بن موسى (٢)، عن الزهري عن عروة عن عائشة: أن النبيّ ﷺ قال: "لا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ" (٣) "" [وَ] أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذنِ وَليِّهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ"، وإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ وَلِيٌّ فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لا وَلِيَّ لَهُ". هذا لفظ الطّيالسي، وفي لفظ: إِنه ﷺ قال: "لا تُنْكَحُ امْرَأَةٌ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا، فَإِنْ

стр. 1592

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . نَكَحَتْ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ ثلاث مرات، فَإِنْ أَصَابَهَا فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا، بِمَا أَصَابَ مِنْهَا، فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لا وَليَّ لَهُ"، رواه البيهقي من حديث ابن عبد الحكم، عن ابن وهب، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى. وفي لفظ: "أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَاليها فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، وَلَهَا المَهْرُ بِمَا أَصَابَهَا" رواه الشافعي عن مسلم بن خالد، وعبد المجيد بن عبد العزيز (١) عن ابن جريج: أن سليمان بن موسى أخبره، فذكره. وفي "المعجم الكبير" للطبراني من حديث عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَكُونُ نِكَاحٌ إِلَّا بِوَليٍّ وَشَاهِدَيْنِ وَمَهْرٍ مَا كَانَ قَل أَوْ كَثُرَ". إذا عرفت هذا فنقول: جَهَابذة الحُفَّاظ على أن هذا حديث صحيح، وقد استدلّ به الشَّافعي على اشتراط الوليّ في النكاح. وحمله الحنفية "على الصغيرة والأمة والمكاتبة" والكل لم يحملوه على الثلاث، بل اتفقوا على أصل التأويل، ثم تَشَعَّبت بهم الأنحاء، فحمله بعضهم على الصَّغيرة. وردّ: بأن الصغيرة ليست امرأة في حكم اللِّسَان، كما ليس الصَّبي رجلًا، والتزموا سقوط التأويل على مذهبهم فإنَّ الصغيرة لو زوّجت نفسها انعقد عندهم صحيحًا موقوفًا نفاذه على إجازة الولي، وقد قال ﷺ : "فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ"، ثم أكد البطلان بالتكرار ثلاثًا. قال إمام الحرمين: وكان ﵇ إذا أراد التأكيد أكّد ثلاثًا. فعادوا وقالوا: "باطل أي: يئول إليه غالبًا"، وذلك أنه [يعود] (٢) إلى البطلان؛

стр. 1593

وَاعْتِرَاضُ الأوْليَاءَ: لِدَفْع نَقِيصَةٍ إِنْ كَانَتْ، فَأَبْطَلَ ظُهُورَ قَصْدِ التَّعْمِيمِ بِتَمْهِيدِ أَصْلٍ مَعَ ظُهُورِ "أَيٍّ" مُؤَكَّدَةً بِـ "مَا"، وَتَكْرِيرِ لَفْظِ الْبُطْلانِ، وَحَمْلُهُ علَى نَادِرٍ بَعِيْدٌ كَاللُّغَزِ مَعَ إِمْكَانِ قَصْدِهِ؛ لِمَنْعِ اسْتِقْلالِهَا فِيمَا يَلِيقُ بِمَحَاسِنِ الْعَادَاتِ. "لاعتراض الولي"، واستشهدوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [سورة الزمر: الآية ٣٠]. فقيل لهم: نكاحها يتردّد بين النفوذ والرد، فله حالتان؛ لأن الولي قد يختار الإمضاء، وقد يختار الرَّد، فليس المصير إلى البُطْلان فيه ضربة لازِب، فلا يسوغ والحالة هذه التعبير عن إحدى العاقبتين مع تجويز الأخرى، وإنما يعبر عما سيكون بالكائن فيما يكون لا مَحَالة، كالموت الذي إليه مصير كل زوج. وحمله آخرون على الأمة، وزعموا: أنه لا يمتنع تسمية السيد وليًّا. ورد بوجهين: أحدهما: أن نكاحها موقوف كما ذكرنا في الصَّغيرة، ومنتهى الكلام فيه كما سبق. والثّاني: أنه ﵇ جعل لها المهر بما أصاب منها، ومهر الأمة لمولاها. وزعم من يدعى الحذق والتحقيق من متأخريهم أنّ الحديث محمول على المكاتبة، وأراد التخلّص من المهر؛ فإن المكاتبة تستحقّه. وإنما حمل القوم على ارتكاب هذا التعسُّف أنهم لم يستمكنوا من الإعراض عن الحديث صفحًا، ولا رضوا بأن ينقضوا عند سماعه ما مقدوه من أصل قياس، وهو ملك المرأة البالغة العاقلة أمر نفسها؛ "لأنها مالكة لبضعها، فكان" تزويجها نفسها "كبيع سلعة". الشرح: قالوا: "اعتراض الأولياء"، لا لكونها غير مالكة لأمر نفسها، "بل لدفع نقيصة، إن كانت" عند تزويجها نفسها من غيرُ كفء. واعلم أن معظم الفقهاء ذهبوا إلى أن هذا الصنف من التأويل مقبول لو عضده دليل، وأنه لا يعطل اللفظ. وقال القاضي: هو مردود قطعًا، وعزا إلى الشافعي ﵁ قائلًا: إنه عنى علو قدره لم تكن لتخفى عليه هذه الجهات للتأويلات، وقد رأى الاعتصام بحديث عائشة

стр. 1594

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . اعتصامًا بنص، وقدّمه على الأقيسة الجَلِية، وكان ذلك شاهدًا عدلًا في أنه لا [يرى] (١) التعليق بمثل هذه المَحَامل. وذكر القاضي ما حاصله: أن النبي ﷺ ذكر أعم الألفاظ؛ إذ أدوات الشَّرط من أعم الصيغ، وأعمها "ما" و"أي"، فإذا فرض الجمع بينهما كان بالغًا في محاولة التعميم. انتهى. أي "ما" لو تجرّدت وكانت شرطية كانت أيضًا من صيغ العموم، وقد أتى بها زائدة للتأكيد، فكانت مقوية لما تدل عليه أي من التعميم. كذا فهمه المَازِرِيّ، وعليه جرى المصنف، وهو حق، ولم يرد أن "ما" المتصلة تأتي شرطية كما وهمه ابن الأنباري، ثم اعترض وقال: هذه غفلة عظيمة. ووافقه ابن المُنير المالكي (٢) في كتاب "الإنصاف"، ونسباه إلى إمام الحرمين، وهو في كلام القاضي، وإمام الحرمين ناقل له، ولكنه سكت عليه، ومعناه ما ذكرناه، فاعرف ذلك. قال القاضي: ثم الصيغ ينكرها من ينكر أن للعموم صيغة إذا لم يكن هناك قرائن، وهنا قرائن لا نُكْران معها، ولا يذكر هذا اللَّفظ على هذه الصُّورة، ويريد المُكَاتبة والصغيرة، والأمة إلا من جانب الجد في كلامه. وهذا لا يقع من المصطفى ﷺ ولا أحد من الفصحاء، ولئن وقع فإنما يقع جوابًا عن سؤال، لا ابتداء حيث يقصد تأسيس قاعدة. فإذا ابتدأ ﵇ الذي إليه ابتداء الشرع بأمر الله - سبحانه - بهذا الكلام كان بالغًا في التعميم، وما ذكروه صور نادرة شاذّة، والشاذ - كما قال الشافعي - ينتحى بالنص عليه، ولا يراد على الخُصُوص بالصِّيغة العامة، لا سيما مع هذه القَرَائن ومع تكرير لفظ البُطلان ثلاثًا.

стр. 1595

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وإلى هذا أشار يقوله: "فأبطل" بهذا التأويل "ظهور قصد التعميم" في: "أيما امرأة … " الحديث، "بتمهيد أصل" ابتدأه ﵇، وقاعدة أسسها "مع ظهور أي" في العموم؛ إذ هي من أظهر أدوات الشرط، وقد وقعت هنا "مؤكدة بـ "ما" كما في قوله تعالى: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾ [سورة القصص: الآية ٢٨]. ومع "تكرير لفظ البطلان، وحمله على النادر يعد كاللغز". هذا، ولا حامل للقوم على هذا التعسّف العظيم "مع إمكان قصده" ﵇ "لمنع" المرأة صغيرة كانت أو كبيرة حُرَّة أو مكاتبة من "استقلالها" بالتصرف "فيما" لا "يليق بمحاسن العَادَات" تصرف النساء فيه استقلالًا، وهو النكاح. فإذن ليس الحديث خارجًا عن قانون القِيَاسِ حتى يرتكبون هذا التأويل، بل منعُ المرأة من الاستقلال بالنكاح حسن في العرف كما ذكرناه. فإن قلت: أليس قوله: "أيما امرأة" عام، والمكاتبة والصغيرة والأمة بعض أفراده؟ وليس قصر العام على بعض أفراده من التَّأويل المردودة؟ قلت: إنما لا يكون مردودًا، إذا كان المقصور عليه غير شَاذّ. وأما الشَّاذ فالقصر عليه مردود؛ لأنه يخرج الكلام عن الفصاحة. قال القاضي والإمام وطبقات الأئمة: وقد سلَّم لرسول الله ﷺ الموافق والمخالف، أنه كان على النّهاية القصوى من الفَصَاحة، ولا ينكر هذا من عنده مُسْكَةٌ من عقل، والحمل على هذا يحط الكلام عن رتبة الفَصَاحة والجزالة. فإن قلت: أليس يصح استثناء ما عدا الصورة الشَّاذة؟ قلت: قال الإمام: هذا من الطِّراز الأول؛ فإنا لا نجوز أن يصدر من رسول الله ﷺ مثل هذا الاستثناء، بل قد منعه القاضي من غير النبي ﷺ ، فكيف به ﵇؟ ثم إن ما ذكرتم قياس اللُّغة، فلا يسمع. هذا حاصل ما ذكره أئمتنا في هذه المسألة. واعلم أن لنا خلافًا في الصورة النَّادرة هل تدخل تحت العموم أولا؟ لأنها لا تخطر بالبال غالبًا، وبنى عليه اختلاف أصحابنا في المُسَابقة على الفيل.

стр. 1596

وَمِنْهَا: حَمْلُهُمْ: "لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ" عَلَى الْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ؛ لِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُمْ مِنْ صِحَّةِ الصِّيَامِ بِنِيَّةٍ مِنَ النَّهَارِ، فَجَعَلُوهُ كَاللُّغَزِ، فَإِنْ صَحَّ الْمَانِعُ مِنَ الظُّهُورِ، فَلْيُطْلَبْ أَقْرَبُ تَأْوِيلٍ. فمن منع ذلك ادعى أنه لم يدخل تحت قوله ﵇: "لا سَبْقَ إِلَّا فِي خُفٍّ، أَوْ نَصْل، أَوْ حَافِرٍ" (١). ومنع الشيخ أبو محمد المُصَلّي أن يدعو في صلاته بما لا يليق مخاطبة الرب به من طلب جارية حسناء، ونحو ذلك، وادّعى أنه لم يدخل تحت عموم قوله ﵇: "وَلْيَتَخَيَّرْ مِنَ المَسْأَلَةِ مَا شَاءَ". قلت: وقد يستشهد لعدم دخول الصورة النَّادرة بقول الشَّافعي: الشاذ: ينتحى بالنص عليه، ولا يراد على الخصوص بالصيغة العامة. وقد قال الشيخ صدر الدين بن المُرَحّل: الخلاف في الصّورة النادرة هل تدخل: لا يبين لي في كلام الله - تعالى - فإنه لا يخفى عليه خافية؛ فكيف يقال: لا يخطر بالبال؟ قلت: وجوابه: أن المراد عدم الخُطُور ببال العَرَبِ في مخاطباتها، فإذا كانت عوائدهم إطْلاق العام في كلام الباري تعالى، قلنا: إنه - تعالى - لم يرد تلك الصُّورة؛ لأنه أنزل كتابه على أسلوب العرب في مُحَاوراتها وعاداتها في الخطاب. فافهم ذلك، واعرف أن كلامنا مع الحنفية إنما هو على تقدير دخول الصُّورة النادرة. وأما إن قلنا بعدم دخولها، فيسقط ما يتعلّقون به جملة وتفصيلًا. الشرح: "ومنها حملهم" ما روى من قوله ﷺ : "لَا صيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْل"، "على" صوم "القضاء والنَّذْر". وهو حديث جيد رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة من حديث الزهري، ولفظهم: "مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَلا صيَامَ لَهُ".

стр. 1597

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ورواه النسائي أيضًا من حديث مالك عن نافع عن ابن عمر من قوله، قال الترمذي: وهو أصح. قال البيهقي: اختلف عن الزهري في إسناده، وفي رفعه إلى النبي ﷺ . قلت: وممن صحّح وقفه: أبو حاتم الرازي، والنسائي، ولكن رواه الدارقطني مرفوعًا من حديث عمر، عن عائشة ﵂، وقال: رجال إسناده كلهم ثقات. إذا عرفت هذا فنقول: حمله الحنفية على ما ذكرناه؛ "لما ثبت عندهم من صحّة الصيام بنيّة من النهار، فجعلوه كاللغز"؛ إذ حملوه على النَّادِر مع اشتماله على صيغة العموم بنكرة مبنية على الفَتْحِ في سياق النَّفْي، وأنه مبتدأ قاعدة من الشَّارح كما سبق سواء. "فإن صح" لهم "المانع من الظُّهور"، وهو ما زعموه دليلًا على صِحّة الصيام بنيّة من النهار، "فليطلب أقرب تأويل" مثل: نفي الكمال؛ فإنّ الحمل عليه وإن كان مردودًا، ولكنه كما قال إمام الحرمين: أقرب من التأويل السّابق، وأقرب أيضًا كما قاله الإمام مما قاله الطَّحَاوي (١) وتبجح به من أن المراد: النهي عن الاكتفاء بنية صوم الغَدِ في بياض نهار اليوم، بل عليه أن [يؤخر] (٢) النية إلى غيبوبة الشَّمْسِ حتى يكون بإيقاع النية في الليلة مبيتًا. وزعم أن هذا التأويل يجري في جميع أنواع الصوم فرضها ونفلها. وقال الإمام: وهو كلام غثّ لا أصل له، وهو يحط من رتبة الطَّحَاوي. قلت: وحاصله أن من لم يبيت عام في الذين لا يُبيِّتون، وهم أضرب:

стр. 1598

ومِنْهَا: حَمْلُهُمْ لِذِي الْقُرْبَى" [سورة الأنفال: الآية ٤١] عَلَى الْفُقَرَاء مِنْهُمُ؛ لأَنَّ المَقْصُودَ سَدُّ الْخلَّةِ، وَلَا خَلَّةَ مَعَ الْغِنَى فَعَطَّلُوا لَفْطَ الْعُمُومِ مَعَ ظُهُورِ أَنَّ الْقَرَابَةَ سَبَبُ الاِسْتِحْقَاقِ مَعَ الْغِنَى. وَعَدَّ بَعْضُهُمْ حَمْلَ مَالِكٍ ﵀: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ … ﴾ إِلَى آخِرِهَا؛ عَلَى بَيَانِ الْمَصْرِفِ مِنْ ذَلِكِ، وَلَيْسَ مِنْهُ؛ لأِنَّ سِيَاقَ الآيَةِ قَبْلهَا مِنَ الرَّدِّ عَلَى لَمْزِهِمْ فِي الْمُعْطِينَ، وَرِضَاهُمْ فِي إعْطَائِهِمْ، وَسَخَطِهِمْ فِي مَنْعِهِمْ - يَدُلُّ عَلَيْهِ. الأول: من أضرب عن النية بالكلية. والثاني: من قدم النية على الليل، فنوى قبل غيبوبة الشمس. الثالث: من أخرها عن الليل، فأوقعها في النَّهَار، وظاهر العموم يقتضي بطلان صوم الجميع. فقال الطحاوي: يستقر العموم في قسمين: من لم يبيت أصلًا، ومن قدم النيَّة على الليل، ويخرج منه من أخر النية عن الليل، وأوقعها في نهار الصوم بناء على القياس على التَّطوع المنصوص عليه. وقد رد إمام الحرمين هذا التأويلَ، وتأويل نفي الكمال أيضًا بما لا مزيد على حسنه. الشرح: "ومنها: حملهم" قوله تعالى: " ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ " في قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [سورة الأنفال: الآية ٤١] "على الققراء منهم" دون الأغنياء. قالوا: "لأن المقصود" من دفع الخمس إليهم "سد الخَلّة، ولا خَلّة مع الغنى". "فعطلوا لفظ العموم مع ظهور أن القَرَابَة سبب الاستحقاق مع الغنى"؛ فإنها مناسبة قارنها الفقر أم لا، فالحاصل أنه - تعالى - علَّق الاستحقاق بالقَرَابَةِ، ولم يتعرض لذكر الحاجة، وهي مناسبة مع ذلك. فاعتبروا الحاجة، ولم يشترطوا القرابة. وقال الغزالي: إن جعلوا الأمر دائرًا مع الحاجة وجودًا وعدمًا حتى يعطى كل

стр. 1599

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . محتاج، وإن لم يكن قريبًا، ولا يعطى أحد من الأقرباء إلَّا عند الحاجة، وهو عندنا سَرَفٌ وتعطيل للفظ القرابة، مع أنه منصوص، والمعنى يعضّده كما ذكرناه. وإن قالوا: لا يعطى إلَّا القريب، ولكنّا نشترط فيه الحاجة، وهذا ليس ببعيد. وقد صرح إمام الحرمين: بأنه قريب، وعليه ينبغي أن ينزل كلام الغزالي، كما فعله الشَّافعي على أحد القولين في اعتبار الحاجة مع اليتم في سياق هذه الآية. انتهى. قلت: وهو على قربه والحالة هذه يتنازل عما فعل الشَّافعي في اليتامى من وجهين: أحدهما: أنه زاده على النص كتقييد الرقبة بالإيمان، وأبو حنيفة يراها نسخًا، والنسخ لا يكون بالأقيسة والمعاني. وأما الشَّافعي فلا معترض عليه؛ إذ لا يرى الزيادة نسخًا. والثاني: إنما نمانعه من مساعدة المعنى له ونقول: لفظ اليتم مع قرينة إعطاء المال مشعر بالحاجة، فاعتبارها يكون اعتبارًا لما دَلّ عليه لفظ الآية، فاليتم إذا تجرد عن الحاجة غير صالح للتعليل، بخلاف القرابة فمجردها مناسبة للإكرام باستحقاق خمس الخمس. "[وعدّ] (١) بعضهم حمل مالك": " ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [سورة التوبة: الآية ٦٠] "إلى آخرها على بيان المصرف"، دون إرادة استيعاب الأصناف بالعطاء، وقوله كأن الرب - تعالى - قال: هذه جهات الضرف، وكل منها كافٍ "من ذلك"، أي عده بعضهم من التأويلات البعيدة، وهذا منقولٌ عن الشَّافعي ﵁. وهو عندنا صواب، والمقتصر على الإعطاء لصنف واحد معطّل لا مؤوّل. وذكر إمام الحرمين في تقرير ذلك ما حاصله: أن الآية اشتملت على عد ثمانية أصناف عطف بعضهم على بعض بحرف "الواو "التي هي للجمع والتَّشْرِيك، وأكد هذا المعنى بقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ واللام تفيد التمليك، فإذا دخلت في قوله: "للفقراء" وعطف على ذلك ما ذكره بعده بحرف "الواو" وجب اشتراك الجميع في ملك هذا المال الذي هو الصَّدقة. وأوضح الشَّافعي هذا بالوصية؛ فإن الموصى إذا قال: ثلث مالي للفقراء، وفي

стр. 1600

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الرقاب، وفي سبيل الله لا يصح صرف جميع ثلثه إلى واحد، وإذا تعين اعتبار لفظ الموصى، واعتقاده نضًا، فيجب تنزيل لفظ الكتاب العزيز على مثله. قال إمام الحرمين: ولم يظن - يعني الشافعي - أن أحدًا يجز أن يقدم في مسألة الوصية على منع. وقد أحدث بعض المتأخرين منعًا وقالوا: هي بمثابة الصدقات يجوز صرفها إلى واحد، وهو باطل قطعًا. قلت: والمالكية لا يمنعون مسألة الوصية، فلا يشتغل بتقريرها. قال الشَّافعي ما حاصله: ثم إن الحاجة ليست مرعيةً في بعض الأصناف المذكورين كالعاملين، فإنهم يأخذونها لا من جهة حاجتهم، وكالغارمين بسبب حمالة يحملونها لإصلاح ذات البَيْنِ فقط بطل التعويل على الحاجة. واعلم أن المَازِرِيّ لم يرد هذا، بل أحال الكلام عليه في كتابه "شرح التلقين". وقال الغزالي: ليس هو كذلك عندنا، بل هو معطوف على قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ﴾ [سورة التوبة: الآية ٥٨]، وادعى أن منع الشَّافعي ﵁ الحكم لقصور في الدَّليل، لا لانتفاء الاحتمال، وتبعه أبو الحسن الأنباري شيخ المصنف، وزاد في بسطه: لأنه مالكي. وحاصل ما ذكره: أن "اللام" في قوله: للفقراء يحتمل أن تكون للملك، وأن تكون للأهلية والانتفاع، كما نقول؛ الجل (١) للفرس، فإن كان المراد الملك صح ما قاله الشافعي، وإلّا فلا؛ لاشتراك الكل في الأهلية وصحّة التصرف. وهذا هو الذي نختاره. فيخرج الكلام بهذا التقدير عن مرأى النصوص. فأما أن نقول: إنه مشترك بين الجهتين، فيفتقر إلى البيان في الجانبين، فيكون كل واحد مفتقرًا إلى الدليل.

стр. 1601

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أو نسلّم ظهور ما قالوه، فتخرج المسألة عن تعطيل النصوص، ويكون من التأويلات المقبولة التي يحتاج من صار إليها إلى دليل يعضّده. قلت: وهو يدور على منع [القضية] (١). ويقول: إنما خالفنا الظَّاهر لدليل. فإن قيل: ما هو؟ قال: هذا عندنا راجع إلى ما سبق من قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [سورة التوبة: الآية ٥٨]. إلى قوله: ﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [سورة التوبة: الآية ٥٩]، فإنه - تعالى - ذمّهم على تعرضهم لها مع خلوهم عن شرط استحقاقها، ثم بَيّن تعالى من يستحق الصرف، وهو أهل له فقال: إِنِّمَا الصدقات … " الآية. وإلى هذا أشار تلميذه صاحب الكتاب بقوله: "وليس منه" أي: من التأويلات البعيدة؛ "لأن سياق الآية قبلها من الرد على لَمْزِهم في المُعْطين، ورضاهم في إعطائهم، وسخطهم في منعهم يدل عليه" أي: على أن الغرض بيان المصرف. ثم قال ابن الأنباري: وإذا تقرر هذا، فإن قيل لنا: إذا كان احتمالًا مساويًا على وجه أي: وهو جعله مشتركًا بين الجهتين مفتقرًا إلى البيان. أو بعيدًا على وجه، وهو جعله ظاهرًا فيما ذكره الشافعي، فما الذي دلّكم على تعينه؟ ولم لم تقضوا بوجوب التعميم في الأصناف، أو التوقّف على ما يقتضيه كل واحد من الطريقين؟ قلنا: دلّنا على ذلك أمر كلي، وهو علمنا بأن الشَّارع قصد بأخذ هذه الأموال سَدَّ خَلّة ذوي الحاجات، وإذا كان كذلك، فلو تحتمت القسمة بين الأصناف على التساوي أفضى الأمر إلى تَبَعُّد في الصرف، فيخرج الأمر عن تعطيل النصوص، ويقع في قسم التأويل المقبول، أو التفسير المرضى. قلت: أما منعه أن "اللام" للملك، فهذا راجع إلى نقل أهل اللغة، ثم نقول: هب أنها

стр. 1602

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . للانتفاع، أليس المراد انتفاع جميع الأصناف؟ [فينبغي] (١) تعميمهم، وهذا لا يفرق الأمر فيه بين كونها للملك، أو للانتفاع. وهب أنه - تعالى - قال: إنما الانتفاع للثمانية، فلم تقتصر أنت على بعض قوله: هو راجع إلى ما سبق من قوله: "ومنهم من يلمزك"؟ قلنا: رجوعه واقع على التقديرين، ولكنه على - التقدير الذي نقوله أحسن وأبلغ، فكأنه تعالى يقول وَهُوَ أعلم بمراده: الذين يلمزونك مخطئون؛ لأنهم ليسوا واحدًا من هذه الأصناف، والصدقات لهذه الأصناف، فكيف يتعرضون لها؟ فإذا صحّ العود إليه مع ما يقوله، فلم يخرج عن ظاهر الكلام هذا، وهو مع ما يقول أحسن وأبلغ، وكأني بك تقول: قولك: "عن ظاهر الكلام" يقتضي تسليم أنه ليس بنصّ. فأقول: ليعلم طالب التحقيق الحائد عن وَرطات التعصّب - أن الظواهر إذا احتفَّت بها قرائن لفظية كانت أو غير لفظية صَيّرتها نصوصًا. وكل ما قدمنا ذِكْره في قوله: "لا نكاح"، "لا صيام"، و"لذي القربى"، وغير ذلك من هذا القبيل، فإذا اعتضد الظاهر عامًّا كان، أو حقيقة بالمعنى التحق بالنصوص، وهذا ظاهر يعضّده المعنى الذي يلمح في هذه الأصناف، ويقضى باستوائها كما ينسبك عنه الفقيه. وقد تقرر أنك إذا ذكرت لفظًا عامًّا، فحمله على الاستغراق ظاهر، فإذا احتفت به قرائن التعميم كان أولى، فإذا حملته والحالة هذه على الخصوص كنت أبعد من حملك إياه عليه إذا لم يكن قرائن. ثم الخصوص المحمول عليه إن كان كثيرًا غالبًا كان تأويلًا مقبولًا عند اعتضاده بالدليل، وإن كان نادرًا شاذًا قد لا يمرّ بالخاطر كان تعطيلًا مردودًا. ولا يقال: أنتم لا تشترطون في العام إذا خصّ أن يكون الباقي جمعًا كثيرًا؛ لأنا لا نعني بالكثير الغالب هنا الكثير عددًا، بل الكثير وقوعًا والغالب وجودًا، بحيث يقرب أنه مما خطر بالبال عند ذكر لفظ العام، فافهم ذلك، وهو من أسرار هذا المكان، ونحن وإن خصّصنا هذا المكان بذكر هذه الزّبدة، وهي لا تختص به، بل تنفع في باب التأويل جميعه.

стр. 1603

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وكذلك تقول إذا ذكرت لفظًا خاصًّا ذا حقيقة ومجاز كما إذا قلت: رأيتا أسدًا. فإن عنيت الحيوان المفترس، كنت جاريًا على منهاج الحقائق. وإن عنيت رجلًا هجومًا مقدامًا، فهذا سائغ لا ينافيه الحد، ولكنه تأويل يفتقر إلى دليل. وإن عنيت رجلًا ذميمًا أو أبخر، لم يكن ذلك لفظًا منساغًا، وكان مريده مُلْغزًا. وهذا عند إطلاقك: رأيت أسدًا، فما ظنك إذا احتفت بالقرائن الدَّالة على إرادة الحقيقة؟ فإذا كانت "اللَّام" للملك أو لانتفاع الكلّ ظاهرا، وعضد ذلك المعنى المقتضى الكل، ولم يَنُبْ عنه العَطْف على: "ومنهم من يلمزك"، بل كان معه أحسن صار نصًّا، والخارج عنه معطل لا مؤول. وقوله: ما دلّك على التعيين؟ قلت: أمر كلي إلى آخره حاصله: إن تتم له أنه ذكر دليله على أن المرعى الحاجة، وذلك خروج عن فن الأصول؛ إذ هو من وظائف الفقه، وقد أجاد صاحب الكتاب حيث أهمله. ونحن حيث ذكره هنا نشير إلى ردّه فنقول: أولًا: هذا دليل يعارض هذه الآية لما تقرر من أنها نص، وهو عام وهي خاصة، فكانت أولى بالأغنياء. ثم هذا على تقرير انتهاضه، والصواب أنه لا ينهض؛ فإنَّ الله - تعالى - كما راعى ذَوِي الحَوَائج راعى مَنْ يصلح ذات البَيْن، ومن يغرم، وكل من يعمل أمرًا يعود على المسلمين بمصلحة غنيًّا كان أو فقيرًا. ثم لو سلم أن المراعي الحاجة، [فلم] (١) لم يجر على عمومها، بل دفعت إلى الغارم وإن لم يكن محتاجًا؟

стр. 1604

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقوله: لو تحتمت القسمة بين الأصناف على التساوي أفضى الأمر إلى [تبعد] (١) في الصرف، فإنه قد يتفق كثرة الفقراء وقلّة المال، وألَّا يوجد الغارمون، ولا الرّقاب، فلو صرف إلى الفقراء من ذلك المال الثمن، وأخر الثمن للغارمين إلى أن يوجدوا والفقراء هالكون بالجوع لم يكن ذلك لائقًا بحكمة الشَّريعة. قلنا: مذهبنا: أنه إذا فقد صنف يوفر نصيبه على الباقين، وليس مذهبنا أن لكل صنف الثمن، بل إنما نعطي العامل أُجْرة عمله، فإن كان الثمن أكثر ردّ الفاضل على بقية الأصناف، وإن [كان] (٢) أقل تمّم منها على الأصح. وقيل: من خمس الخمس، ولا يزاد الرقاب والغارمون على ما عليهم، وكذا غيرهم. وحاصله: أن التسوية عندنا غير واجبة، بل ولا جائزة، والأفضل أن يدفع إليهم على قدر حاجاتهم، وأن يسوي بينهم في ذلك. فينبغي للمعترض أن يعرف مذهبنا قبل الاعتراض. ثم نقول: لو سلم مسلم هذه الصورة التي ذكرها، وقلنا: إنها ليست مذهبنا، فمن أين له بقاء الفقراء الهالكين بالجوع؟ أليس من مذهبه ومذهبنا: أن الفقراء إذا لم تكفهم الزّكوات يجب على الأغنياء سَدُّ خلتهم؟ فلو عمل الأغنياء بما أمرهم الله - تعالى - به لم يعرف على وجه الأرض مَضْرُور. وأما مسألة الوصية التي ألزم الشافعي بها الخصوم حيث راعوا لفظ الموصى، ولما يراعوا لفظ الكتاب العزيز، فلا نرى لمن يلتزمها جوابًا. وحاول ابن الأنْبَاري الجواب عنها فقال: لَعَمْرِي إن النص بالوضع لا يختلف بالإضافة، بخلاف النص بالقرآن. وقد بيّنا أن حرف "اللام" لا يقتضى تمليكًا، وإنما هو محتمل، فإذا دلّ دليل على انحسام أحد المعنيين تعين الثاني.

стр. 1605

مَبْحَثُ المَفْهُوم وَالمَنْطُوقِ (١) [الْمَنْطُوقُ وَ] الْمَفْهُومُ": الدَّلالَةُ: مَنْطُوقٌ، وَهُوَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ فِي مَحَلِّ النُّطْقِ، وَالْمَفْهُومُ بِخِلافِهِ، أَي: لَا فِي مَحَل النُّطْقِ. وَالأوَّلُ صَرِيحٌ، وَهُوَ مَا وُضِعَ اللَّفْظُ لَه، وَغَيْرُ الصَّرِيحِ بِخِلافِهِ، وَهُوَ مَا يَلْزَمُ فَإِنْ قُصِدَ وَتَوَقَّفَ الصِّدْقُ أَوِ الصِّحَّةُ الْعَقْلِيَّةُ أَوِ الشَّرْعِيَّةُ عَلَيْهِ - فَدَلالَة اقْتِضَاءٍ؛ مِثْلُ: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ"، وَ ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [سورة يوسف: الآية ٨٢]، وَ"أَعْتِقْ عَبَدَكَ عَلَى أَلْفٍ"؛ لاِسْتِدْعَائِهِ تَقْدِيرَ الْمِلْكِ؛ لِتَوَقُّفِ الْعِتْقِ عَلَيْهِ. وقد دلّ الدليل في مسألة الموصى؛ لانحسام معنى الاستحقاق، وتحقق معنى التمليك. قال: وإنما صورة مسألة الصدقات: أن تطلب من الإنسان أن يصرف شيئًا من ماله لمن لا ترتضى أحوالهم. فنقول: ليس مالي لهذه الأصناف، وإنما مصرف مالى لأهل الفضل والدين والعلم، فهذا لا يقتضي تشريكًا ولا تمليكًا. قلت: وهو ضعيف؛ فإنَّ دعوى انحسام أحد المعنيين في مسألة الوصية ممنوع؛ فإنّ الموصى تارةً يقصد تمليك الغير، وتارةً يقصد تمليك المنفعة، وضرورة الموصى له أحق بالانتفاع بها، وهذا مقرر في الفقهيات.

стр. 1606

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فكما يحتمل قوله: أوصيت بمالي لزبد قصد التَّمْليك يحتمل قصد الاختصاص بالمنفعة، ولكن التمليك أظهر؛ لأنه موضوع "اللام" كما ذكرناه نحن، أو لأنه أرجح محاملها وأظهرها. فقد لاح أن معنى الانتفاع ليس مدفوعًا، ولا فرق بين قوله: أوصيت بمالي لزيد وعمرو وقوله لمن يسأله أن يصرف له شيئًا: إنما يصرف مالي للفقراء والعلماء. فإن قامت قرينة هناك على أن المقصود الجهة فليست موجودة في الآية، وبالله التوفيق. الشرح: "المفهوم": قد آن ينحاز الكلام على المنطوق، ونقدم الكلام عليه فنقول: "الدلالة" قسمان: "منطوق: وهو (١) ما دلّ عليه اللفظ في محلّ النطق" (٢)، مثل تحريم التأفيف،

стр. 1607

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ومفهوم: "والمفهوم بخلافه" أي بخلاف المنطوق، "أي": يدل عليه اللفظ "لا في محل النطق" (١). "والأول": أعني المنطوق قسمان: "صريح: وهو ما وضع اللفظ له" فيدلّ عليه بالمطابقة أو التضمّن، حقيقة أو مجازًا. أو غير صريح "وغير الصريح بخلافه، وهو ما يلزم عنه" أي: عما وضع له اللفظ، فيدل عليه بالالتزام (٢).

стр. 1608

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ثم غير الصريح ينقسم إلى: دلالة اقتضاء (١)، وإيماء (٢)، وإشارة (٣)؛ لأنه إما أن يكون

стр. 1609

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مقصودًا للمتكلم، أو لا (١). والمقصود قسمان بالاستقراء: أحدهما: أن يتوقف الصدق، أو الصحة العقلية، أو الصحة الشرعية عليه.

стр. 1610

وإِنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ وَاقْتَرَنَ بِحُكْمٍ: لَوْ لم يَكُنْ لِتَعْلِيلِهِ كَانَ بَعِيدًا - فَتَنْبِيهٌ وَإِيمَاءٌ؛ كَمَا سَيَأْتِي، وَإنْ لَمْ يُقْصَدْ، فَدَلالَةُ إِشَارَةٍ؛ مِثْلُ: ﴿النِّسَاءُ نَاقِصَاتُ عَقْلٍ وَدِينٍ﴾ - قِيلَ: وَمَا نُقْصَانُ دِينِهِنَّ؟ - قَالَ ﵊: "تَمْكُثُ إِحْدَاهُنَّ شَطْرَ دَهْرِهَا لا تُصَلِّي"، فَلَيْسَ الْمَقْصُودُ بَيَانَ أَكْثَرِ الْحَيْضِ؛ وَأَقلِّ الطُّهْرِ؛ وَلَكِنَّهُ لَزِمَ مِنْ أَنَّ الْمُبَالَغَةَ [فِي نُقْصَانِ دِينِهِنَّ] تَقْتَضِي ذِكْرَ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [سورة الأحقاف: الآية ١٥] مَعَ: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [سورة لقمان: الآية ١٤]. وَكَذَلِكَ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٧]- يَلْزَمُ مِنْهُ جَوَازُ الإِصْبَاحِ جُنُبًا. وَمِثْلُهُ: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ إلَى ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٧]. وثانيها: أن يقترن بحكم لو لم يكن للتعليل لكان بعيدًا. "فإن قصد وتوقف الصدق، أو الصحة العقلية، أو الشرعية عليه، فدلالة اقتضاء". فما يتوقف عليه الصدق "مثل: [رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ] ". فإن ذات الخطأ والنسيان لم يرتفع، فتضمن ما يتوقف عليه الصِّدق من المؤاخذة ونحوها. وما يتوقف عليه الصّحة العقلية مثل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [سورة يوسف: الآية ٨٢] إِذ لو لم يقدر: "أهلها" لم يصح عقلًا؛ إذ هي لا تسأل بناء على أنها لم تكن مسئولةً حقيقة للإعجاز، وعلى أنه لم يعبر بالقرية عن أهلها. وما يتوقف عليه الصحة الشرعية مثل قولك: "أعتق عبدك عَنّي على ألف" لاستدعائه تقدير الملك؛ لتوقّف العتق عليه"؛ إذ العِتْقُ شرعًا لا يكون [إلّا] (١) للمملوك، والتقييد بقوله: "على ألف" لا وجه له، فإنه لو قال: أعتق عبدك عَنّي فأعتقه عنه، دخل في ملك المستدعى، وعتق عليه وإن لم يذكر عوضًا. نعم في استحقاقه عليه قيمة العَبْدِ وجهان.

стр. 1611

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفيما إذا قال مجانًا لا يستحق جزمًا. وقال المُزَنِيّ: ولا يقع علي المستدعى، والمذهب خلافه. الشرح: "وإن لم يتوقف واقترن بحكم لو لم يكن" اقترانه به "لتعليله كان" التلفّظ به "بعيدًا" من الشارع، "فتنبيه وإيماء كما سيأتي" في كتاب "القياس". "وإن لم يقصد، فدلالة إشارة، مثل: "النِّسَاءُ نَاقِصَاتُ عَقْلٍ وَدِينٍ" (١) "قيل: وما نقصان دينهن؟ " قال: "تَمْكُثُ إحْدَاهُنَ شَطْرَ دَهْرِهَا لا تُصَلِّي". "فليس المقصود بيان أكثر الحيض"، وأنه خمسة عشر يومًا، "وأقل الطهر" وأنه خمسة عشرة، "ولكنه لزم" منه الإشارة إلى أن أكثر الحيض خمسة عشر يومًا، وأقل الطهر خمسة عشر يومًا بلفظ الشَّطر من حيث "إن المبالغة تقتضي ذكر ذلك"، أي: أكثر ما يتعلّق به الغرض، فلو كان زمان ترك الصَّلاة - وهو زمان الحيض - أكثر من ذلك، أو زمان الصَّلاة - وهو زمان الطّهر - أقل من ذلك - لذكره. واعلم أن ما يتعلّق له الغرض من الحديث، وهو ما ذكر من قوله ﵇: "تَمْكُثُ إِحْدَاهُنَّ شَطْرَ دَهْرِهَا لا تُصَلِّي". ونقل شيخ الإسلام تقي الدين بن دقيق العيد في كتاب "الإلمام" (٢) عن الحافظ

стр. 1612

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . البيهقي أنه قال: تتبعته فلم أجده في شيء من كتب الحديث. قلت: ويتعجب من القاضي أبي الطيب في اعتماده عليه في كتاب "المنهاج" في الاستدلال على أقل الطهر مع معرفته بالحديث. وقد أجاد تلميذه الشيخ أبو إسحاق الشِّيرَازي حيث لم يذكره في كتاب "النكت". وقال في "المهذب": لم أره إلا في كتب الفقه، ولعلّ الشيخ أبا إسحاق وقف على كلام البيهقي. ورأيت في بعض كتب الحَنَابلة: أن القاضي أبا يعلى (١) عزاه إلى كتاب "السنن" لابن أبي حاتم، وهذه فائدة. وبقية لفظ الحديث صحيح، ففي البُخَاري من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال للنساء يوم العيد: "مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهبَ للُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ". قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا؟ قال: "أَلَيْسَ شَهَادَةُ المَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ"؟ قلن: بلى قال: "فَذَاكَ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا، أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَل وَلَمْ تَصُمْ"؟ قلن: بلى. قال: "فَذَاكَ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا". و"لمسلم" نحوه وفيه: "وَتمْكُثُ اللَّيَالِي مَا تُصَلِّي، وَتُفْطِرُ فِي رَمَضَانَ" فقد يقال: فيه

стр. 1613

ثُمَّ الْمَفْهُومُ مَفْهُومُ مُوَافَقَةٍ، وَمَفْهُومُ مُخَالَفَةٍ: فَالأوَّلُ: أَنْ يَكُونَ الْمَسْكُوتُ مُوَافِقًا فِي الْحُكْمِ، وَيُسَمَّى "فَحْوَى الْخِطَابِ"، وَ"لَحْنَ الْخِطَابِ"، كَتَحْرِيمِ الْضَّرْبِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٢٣]، وَكَالْجَزَاءِ بِمَا فَوْقَ الْمِثْقَالِ مِنْ قَولِهِ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [سورة الزلزلة: الآية ٧]، وَكتَأْدِيَةِ مَا دُونَ الْقِنْطَارِ مِنْ قَوْلهِ: ﴿لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: الآية ٧٥] وَعَدَمِ الآخَرِ مِنْ: ﴿لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٧٥]، وَهُوَ تَنْبِيهٌ بِالأدْنَى؛ فَلِذَلِكَ كَانَ فِي غَيْرِهِ أَوْلَى. وَيُعْرَفُ بِمَعْرِفَةِ الْمَعْنَى، وَأَنَّهُ أَشَدُّ مُنَاسَبَةً فِي الْمَسْكُوتِ؛ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ قَوْمٌ: هُوَ قِيَاسٌ جَلِيٌّ. إشارة إلى أن زمن الحيض سبع ليالي ولا يقتصر على يوم وليلة. "وكذلك" تقدير: أقلّ مدة الحمل ستة أشهر من قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [سورة الأحقاف: الآية ١٥] "مع" قوله: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [سورة لقمان: الآية ١٤]. "وكذلك: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٧]، "يلزم منه جواز الإصباح جنبًا"؛ لأن آخر جزء من اللَّيل يصدق أنه منه، فجاز الرفث فيه وإن لم يكن مقصورًا. "ومثله: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ إلى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾، فمد غاية الجواز إلى طلوع الفجر. الشرح: "ثم المفهوم: مفهوم موافقة" "ومفهوم مخالفة"؛ لأن غير المذكور، إما أن يكون حكمه موافقًا للمذكور، أو لا. "فالأول: أن يكون المسكوت موافقًا في الحكم (١)، ويسمى: "فَحْوَى الخطاب"،

стр. 1614

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . "ولحن الخطاب كتحريم الضَّرب من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ (١) [سورة الإسراء: الآية ٢٣] والجزاء بما فوق المثقال من قوله: "فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ" خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [سورة الزلزلة: الآية ٨]. "وكتأدية ما دون القنطار من: ﴿يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾، وعدم الآخر من: ﴿لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ "، في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ (٢) [سورة آل عمران: الآية ٧٥]. "وهو تنبيه بالأدنى" على الأعلى، والأشد مناسبة. ولك أن تقول أيضًا: بالأعلى على الأدنى، [وكذلك في "المنهي": بالأدنى، على الأعلى، أو بالأعلى على الأدنى] (٣) وهو واضح. وقوله: "فلذلك كان" الحكم "في غيره أولى" صريح في اشتراط الأولوية في مفهوم الموافقة.

стр. 1615

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وسيقول في مفهوم المُخَالفة؛ وشرطه ألَّا يظهر أولوية، ولا مساواة في المسكوت، فيكون موافقة، وهو صريح في أن الأولوية غير مشترطة. ويدلّ له إطلاقه هنا من قبل حيث قال في تعريفه: أن يكون موافقًا في الحكم، ولم يقيده بوجه الأولوية. فأما اشتراط الأولوية، فهو ظاهر المنقول عن الشَّافعي ﵁ وعليه يدلّ كلام أكثر أئمتنا (١).
следующие страницы →