← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6338

رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (2 330 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفيما إذا قال مجانًا لا يستحق جزمًا. وقال المُزَنِيّ: ولا يقع علي المستدعى، والمذهب خلافه. الشرح: "وإن لم يتوقف واقترن بحكم لو لم يكن" اقترانه به "لتعليله كان" التلفّظ به "بعيدًا" من الشارع، "فتنبيه وإيماء كما سيأتي" في كتاب "القياس". "وإن لم يقصد، فدلالة إشارة، مثل: "النِّسَاءُ نَاقِصَاتُ عَقْلٍ وَدِينٍ" (١) "قيل: وما نقصان دينهن؟ " قال: "تَمْكُثُ إحْدَاهُنَ شَطْرَ دَهْرِهَا لا تُصَلِّي". "فليس المقصود بيان أكثر الحيض"، وأنه خمسة عشر يومًا، "وأقل الطهر" وأنه خمسة عشرة، "ولكنه لزم" منه الإشارة إلى أن أكثر الحيض خمسة عشر يومًا، وأقل الطهر خمسة عشر يومًا بلفظ الشَّطر من حيث "إن المبالغة تقتضي ذكر ذلك"، أي: أكثر ما يتعلّق به الغرض، فلو كان زمان ترك الصَّلاة - وهو زمان الحيض - أكثر من ذلك، أو زمان الصَّلاة - وهو زمان الطّهر - أقل من ذلك - لذكره. واعلم أن ما يتعلّق له الغرض من الحديث، وهو ما ذكر من قوله ﵇: "تَمْكُثُ إِحْدَاهُنَّ شَطْرَ دَهْرِهَا لا تُصَلِّي". ونقل شيخ الإسلام تقي الدين بن دقيق العيد في كتاب "الإلمام" (٢) عن الحافظ

стр. 1612

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . البيهقي أنه قال: تتبعته فلم أجده في شيء من كتب الحديث. قلت: ويتعجب من القاضي أبي الطيب في اعتماده عليه في كتاب "المنهاج" في الاستدلال على أقل الطهر مع معرفته بالحديث. وقد أجاد تلميذه الشيخ أبو إسحاق الشِّيرَازي حيث لم يذكره في كتاب "النكت". وقال في "المهذب": لم أره إلا في كتب الفقه، ولعلّ الشيخ أبا إسحاق وقف على كلام البيهقي. ورأيت في بعض كتب الحَنَابلة: أن القاضي أبا يعلى (١) عزاه إلى كتاب "السنن" لابن أبي حاتم، وهذه فائدة. وبقية لفظ الحديث صحيح، ففي البُخَاري من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال للنساء يوم العيد: "مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهبَ للُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ". قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا؟ قال: "أَلَيْسَ شَهَادَةُ المَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ"؟ قلن: بلى قال: "فَذَاكَ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا، أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَل وَلَمْ تَصُمْ"؟ قلن: بلى. قال: "فَذَاكَ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا". و"لمسلم" نحوه وفيه: "وَتمْكُثُ اللَّيَالِي مَا تُصَلِّي، وَتُفْطِرُ فِي رَمَضَانَ" فقد يقال: فيه

стр. 1613

ثُمَّ الْمَفْهُومُ مَفْهُومُ مُوَافَقَةٍ، وَمَفْهُومُ مُخَالَفَةٍ: فَالأوَّلُ: أَنْ يَكُونَ الْمَسْكُوتُ مُوَافِقًا فِي الْحُكْمِ، وَيُسَمَّى "فَحْوَى الْخِطَابِ"، وَ"لَحْنَ الْخِطَابِ"، كَتَحْرِيمِ الْضَّرْبِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٢٣]، وَكَالْجَزَاءِ بِمَا فَوْقَ الْمِثْقَالِ مِنْ قَولِهِ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [سورة الزلزلة: الآية ٧]، وَكتَأْدِيَةِ مَا دُونَ الْقِنْطَارِ مِنْ قَوْلهِ: ﴿لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: الآية ٧٥] وَعَدَمِ الآخَرِ مِنْ: ﴿لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٧٥]، وَهُوَ تَنْبِيهٌ بِالأدْنَى؛ فَلِذَلِكَ كَانَ فِي غَيْرِهِ أَوْلَى. وَيُعْرَفُ بِمَعْرِفَةِ الْمَعْنَى، وَأَنَّهُ أَشَدُّ مُنَاسَبَةً فِي الْمَسْكُوتِ؛ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ قَوْمٌ: هُوَ قِيَاسٌ جَلِيٌّ. إشارة إلى أن زمن الحيض سبع ليالي ولا يقتصر على يوم وليلة. "وكذلك" تقدير: أقلّ مدة الحمل ستة أشهر من قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [سورة الأحقاف: الآية ١٥] "مع" قوله: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [سورة لقمان: الآية ١٤]. "وكذلك: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٧]، "يلزم منه جواز الإصباح جنبًا"؛ لأن آخر جزء من اللَّيل يصدق أنه منه، فجاز الرفث فيه وإن لم يكن مقصورًا. "ومثله: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ إلى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾، فمد غاية الجواز إلى طلوع الفجر. الشرح: "ثم المفهوم: مفهوم موافقة" "ومفهوم مخالفة"؛ لأن غير المذكور، إما أن يكون حكمه موافقًا للمذكور، أو لا. "فالأول: أن يكون المسكوت موافقًا في الحكم (١)، ويسمى: "فَحْوَى الخطاب"،

стр. 1614

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . "ولحن الخطاب كتحريم الضَّرب من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ (١) [سورة الإسراء: الآية ٢٣] والجزاء بما فوق المثقال من قوله: "فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ" خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [سورة الزلزلة: الآية ٨]. "وكتأدية ما دون القنطار من: ﴿يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾، وعدم الآخر من: ﴿لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ "، في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ (٢) [سورة آل عمران: الآية ٧٥]. "وهو تنبيه بالأدنى" على الأعلى، والأشد مناسبة. ولك أن تقول أيضًا: بالأعلى على الأدنى، [وكذلك في "المنهي": بالأدنى، على الأعلى، أو بالأعلى على الأدنى] (٣) وهو واضح. وقوله: "فلذلك كان" الحكم "في غيره أولى" صريح في اشتراط الأولوية في مفهوم الموافقة.

стр. 1615

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وسيقول في مفهوم المُخَالفة؛ وشرطه ألَّا يظهر أولوية، ولا مساواة في المسكوت، فيكون موافقة، وهو صريح في أن الأولوية غير مشترطة. ويدلّ له إطلاقه هنا من قبل حيث قال في تعريفه: أن يكون موافقًا في الحكم، ولم يقيده بوجه الأولوية. فأما اشتراط الأولوية، فهو ظاهر المنقول عن الشَّافعي ﵁ وعليه يدلّ كلام أكثر أئمتنا (١).

стр. 1616

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . القول بأنها لا تشترط هو طريقة الإمام الرازي وأتباعه (١).

стр. 1617

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وعندي: أن أصحابنا عليه، ولكن يرون تخصيص الأولى (١) باسم وإن احتجوا

стр. 1618

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بالمساوي كاحتجاجهم به. وأما تسمية مفهوم الموافقة بـ "فحوى الخِطَاب"، و"لحن الخطاب" فطريقة لبعض أصحابنا. وقال آخرون منهم: لحن الخطاب: ما دلّ على مثله، والفحوي: ما دلّ على أقوي وهذا يرشدك إلى أنهم يفرقون في التَّسمية دون الحكم، والأمر في التَّسْمية هَيّن؛ لأنه اصطلاحي، والأحسن عندنا هذا القول، فليكن مفهوم المُوَافقة متناولًا لفحوى الخطاب، وهو ما كان الحكم في المسكوت فيه أولى. ولحن الخطاب وهو المساوي، "ويعرف" كون الفَحْوى في محل المسكوت موافقته، "بمعرفة المعنى، وأنه أشد مُنَاسبة في المسكوت"، فيكون أولى. فإن لم ينته الحال إلى كونه أشدّ كان مساويًا، وقد عرفته. "ومن ثَمَّ" أي: ومن أجل النظر إلى المناسبة "قال قوم: هو قياس جَلِيّ". وهو رأي الشافعي ﵁، والصحيح عندنا. وقالت الحنفية: ليس بقياس، ولا يسمى دلالة النص [ولكنه دلالته] (١) لفظية. ثم اختلفوا فقيل: إن المنع من التأفيف مثلًا منقولٌ بالعرف عن موضوعه اللغوي إلى المنع من أنواع الأذى. وقيل: إنه فهم من السِّياق والقرائن، وعليه المحققون من أهل هذا القول،

стр. 1619

لنَا: الْقَطْعُ بِذَلِكَ لُغَةً قَبْلَ شَرْعِ الْقِيَاسِ. وَأَيْضًا: فَأَصْلُ هَذَا قَدْ يَنْدَرجُ فِي الْفَرْعِ مِثْلُ: "لا تُعْطِهِ ذَرَّةً"؛ [فَإِنَّهَا مُنْدَرِجَةٌ فِي الذَّرَّتَيْنِ]. قَالُوا: لَوْلا الْمَعْنَى، لَمَا حُكِمَ. وَأُجِيبَ: بَأنَّهُ شَرَطَهُ لُغَةً؛ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ بِهِ النَّافِي لِلْقِيَاسِ. وَ [قَدْ] يَكُونُ قَطْعِيًّا؛ كالأمْثِلَةِ، وَظَنِّيًا؛ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي كَفَّارَةِ الْعَمْدِ وَاليَمِينِ الْغَمُوسِ. كالغزالي والآمدي، والمصنف، والدلالة عندهم مجازية من باب إطلاق الأخص وإرادة الأعم. الشرح: واحتج المصنف لما ارتضاه، فقال: "لنا: القطع بذلك لُغَةً قبل شرع القياس"، وهذه حجة باردة ذكرها المعترضون على الشَّافعي، ومن تمام كلامهم، أنهم يعلمون هذا باضطرار، والقياس لا يكون كذلك، وأنه يشترك في علمه الخاصّةُ والعامة، ولو كان قياسًا لغلط فيه غالط أو شكّ فيه شاك. وأجاب ابن السَّمعاني بأن الضرب والشَّتم غير مذكور في قوله: " ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٢٣] " مثلًا، وإنما يأتي من قبله، فأشبه علمنا بالفرع من ناحية أصله، وأنه لا بد من نوع نظر، فإنه ما لم يعرف قصد المتكلم، وأنه أخرج الكلام لمنع الأذى لا يحصل له هذا العلم؛ ألا يرى أنه ربما قال ذو الأغراض الصحيحة: لا تشتم فلانًا، ولا تستخف به، واقتله. قلت: قوله: فأشبه علمنا بالفرع من ناحية أصله، يقتضي أنه يشبه القياس، وليس بقياس. أنا أقول: الصواب: أنه قياس حقيقة؛ فإن المسكوت فرع، والمنطوق أصل، والأذى علّة جامعة، والفرع قد يكون أولى بالحكم، ولا يلزم من فهم الأول قبل شرعية القياس ألّا يكون هو الآن قياسًا جلِيًّا، فاعرف ذلك. وسيكون لنا مباحثة في أنه هل يمكن اجتماع كونه قياسًا ومفهومًا في كتاب "القياس" إن شاء الله.

стр. 1620

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قال صاحب الكتاب: "وأيضًا فأصل" القياس لا يكون مندرجًا في الفرع، وأصل "هذا قد يندرج في الفرع مثل: لا تُعْطه ذرة" "فإنها داخلة في الذّرتين"؛ فدل أنه غير قياس. ونحن نقول: الذّرة من حيث هي غيرها من حيث إنها بعض الذرتين، وإنما تندرج في الفرع بالاعتبار الثاني، وهي به ليست أصل القياس، وإنما تكون أصلًا للقياس بالاعتبار الأول، فافهم ذلك. وهي من حيث الاندراج مفهوم موافقة بالحيثية الأخرى قياس جليّ لأولوية المعنى فيه. وستزداد انشراحًا بهذا إذا وصلت إلى ما بحثناه فيه في "باب القياس". ومن أجل أنه ذو جهتين (١) أجمع على القول به مُنكرو القياس ومُثْبتوه. وقد قال ابن سريج (٢) لأبي بكر بن داود: ما تقول فيمن يعمل مثقال ذرّتين؟ فقال: الذَّرتان ذرة وذرة. فقال: ابن سريج: فلو عمل مثقال ذرّة ونصف؟ قال إمام الحرمين: فتبلّد وظهر خِزْيه. قلت: لأن قضية إنكاره القياس ألّا يحرم إلا ذرة ذرة، وما زاد على الذرة إن لم ينته إلى ذرة كاملة حتى يصير من أفراد عموم الذرة، لا دليل على تحريمه إلا المعنى، وهو لا يقول به. والذَّاهبون إلى أن فحوى الخطاب قياس "قالوا: لولا المعنى" في الفرع بحكم المشترك المناسب، "لما حكم" في المسكوت، والتعلق بالمعنى أنه القياس. "وأجيب" بـ "بأنه شرط لغة"، لا أنه يثبت به الحكم حتى يكون قياسًا، "ومن ثَمّ قال به النَّافي للقياس"، ولو كان قياسًا لم يقل به، وإن كان جليًّا؛ لأن بعضهم كابن حزم أَنكر خَفِيّ القياس وجَلِته.

стр. 1621

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولقائل أن يقول: لا نسلّم أن شرطه لغة، فقد يقال: اقتل زيدًا، ولا تقل له: أفّ كما عرفت. وإن سلم فلا ينافي اشتراطه لغة كونه قياسًا، وقول منكر القياس به لأنه مفهوم، وقد بينا أنه أجمع فيه جهتان من أجلها اجتمع فيه الفريقان. "ويكون" مفهوم الموافقة "قطعيًّا (١)، كالأمثلة" السَّابقة؛ للقطع بالتعليل بالمعنى، وأنه موجود في المسكوت. "وظنيًّا (٢)، كقول الشافعي في كَفَّارة العَمْد واليمين الغموس" بوجوب الكفارة قياسًا على قتل الخَطَأ، وغير الغموس؛ لأنها إذا وجبت في أصغر الجِنَايَتَيْنِ وجبت في أكثرهما،

стр. 1622

مَفْهُومُ الْمُخَالفَةِ أَنْ يَكُونَ الْمَسْكُوتُ عَنْهُ مخَالفًا، وَيُسَمَّى دَلِيلَ الْخِطَابِ"، وَهُوَ أَقْسَامٌ: مَفْهُومُ الصِّفَةِ، وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ، مِثْلُ: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ﴾ [سورة الطلاق: الآية ٦]، وَالْغَايَةُ مِثْلُ: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٣٠] وَالْعَدَدُ الْخَاصُّ مِثْلُ: "ثَمَانِينَ جَلْدَة"، وَشَرْطُهُ ألّا تَظْهَرَ أَوْلَويَّةٌ وَلا مُسَاوَاةٌ فِي الْمَسْكُوتِ [عَنْهُ] فَيَكُونُ مُوَافَقَةً، وَلا خَرَجَ مَخْرَج الأغْلَبِ مِثْلُ: "اللَّاتي فِي حُجُورِكُمْ" [سورة النساء: وهذا ظاهر؛ لأن ما يقال: من أن العمد والغموس لعظم أمرهما لا يكفران محتمل، وإن كان مرجوحًا ضئيلًا. وقد نجز مفهوم الموافقة. الشرح: وأما: "مفهوم المخالفة" فهو "أن يكون المسكوت عنه مخالفًا" للمنطوق،

стр. 1623

الآية ٢٣]، "فَإِنْ خِفْتُمْ" [سورة البقرة: الآية ٢٢٩]، "أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَليِّهَا"، وَلا لِسُؤَالٍ وَلا حَادِثَةٍ، وَلا تَقْدِيرِ جَهَالَةٍ أَوْ خَوْفٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُقْتَضى تخَصِيصهُ بِالذِّكْرِ. "ويسمى: "دليل الخطاب" (١). وحاول بعض أصحابنا الفرق بينهما، والحق عدم التفرقة، وأنهما اسم لمسمى واحد. "وهو أقسام" (٢): "مفهوم الصفة" (٣). ومفهوم الشرط مثل: " ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ … ﴾ [سورة الطلاق: الآية ٦٠] ".

стр. 1624

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . "والغاية مثل: " ﴿حَتَّى تَنْكِحَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٣٠] ". "والعدد الخاص مثل " ﴿ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [سورة الور: الآية ٤] ". "وشرطه ألَّا تظهر أولوية ولا مساواة في المسكوت، فيكون" مستلزمًا ثبوت ذلك الحكم في المسكوت، فيصير "موافقة" لا مخالفة. "و" يشترط أيضًا ألا يكون "خرج مخرج الأغلب" عادة "مثل" قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [سورة النساء: الآية ٢٣] "، فإنه إنما ذكر هذا القيد؛ لأن الغالب كون الربيبة في الحِجْر.

стр. 1625

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ومثل: " ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ" أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [سورة البقرة: الآية: ٢٢٩]؛ فإن الخلع جائز في حالة الشِّقَاق وغيرها؛ خلافًا لابن المنذر من أصحابنا حيث اشترط الشقاق، وتخصيص الخوف بالذكر لأجل العلة. ومثل ما سبق من قوله ﵇: ""أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَليِّهَا" فنِكَاحُهَا بَاطِلٌ"؛ فإن الغالب أن المرأة، إنما تتحمل مشقّة العقد على نفسها مع استحيائها من المماكسة على فَرْجها عند إِرهاق الولي، إيّاها، فلا تفهمْ منه أنها إذا نكحت نفسها بإذن الولي يكون صحيحًا كما قاله أبو ثور، ومحمد بن الحسن. ونازع إمام الحرمين في هذا الشرط، ووافقه شيخ الإسلام عزّ الدين بن عبد السلام، وزاد فقال: ينبغي العَكْس، أي لا يكون له مفهوم إلّا إذا خرج مخرج الغالب. والمختار عندنا: خلاف ما قالاه، وهو المنقول عن الشَّافعي ﵁. "و" يشترط أيضًا ألَّا يكون خرج "لسؤال" عن حكم إحدى الصفتين، "ولا حادثة" خاصّة بالمذكور مثل: أن يسأل: هل في الغنم السَّائِمَةِ زكاة؟

стр. 1626

فَأَمَّا مَفْهُومُ الصِّفَةِ فَقَالَ بهِ: الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَد، وَالأَشْعَرِيُّ، والإمَام، وَكَثيرٌ، وَنَفَاهُ: أَبُو حَنِيفَةَ، وَالْقَاضِي، وَالْغَزَالِيُّ، وَالْمُعْتَزِلَةُ. البَصْرِيُّ: إِنْ كَانَ لِلْبَيانِ كَالسَّائِمَةِ، أَوْ لِلتَّعْلِيمِ كَالتَّحَالُفِ، أَوْ كَانَ مَا عَدَا الصِّفَةَ دَاخِلًا تَحْتَها كَالْحُكْمِ بِالشَّاهِدَيْنِ، [وَإِلَّا فَلَا]. فيقول: "فِي الغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ"، أو يمرّ بشاة ميمونة فيقول: "دِباغُهَا طُهُورُهَا". "و" أيضًا ألَّا يكون من أجل "تقدير جَهَالة" من المخاطب بألّا يعلم المخاطب وجوب زكاة السَّائمة، ويعلم حكم المَعْلُوفة فيقول ﵇: "فِي الغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ"؛ فإن التخصيص حينئذٍ لا يكون لنفي الحكم عما عداها. "أو خوف" أي: ألَّا يكون ذكره لدفع خوف يمنع عن ذكر حال المسكوت عنه، "أو غير ذلك مما يقتضي تخصيصه بالذكر"، فإن المعتمد في دلالته، أن للصفة فائدة، وما عدا تخصيص الحكم منتفٍ، فيدل عليه. فإذا لاحت فائدة أخرى بطلت دلالته على نفي الحكم. ولو قال قائل: شرطه ألَّا يظهر للتخصيص بالذكر فائدة غير نفي الحكم لاستوعب المراد. الشرح: "فأما مفهوم الصفة فقال به الشافعي"، ومالك، "وأحمد، والأشعري"، وأكثر أصحابه، وأبو عبيدة معمر بن المثنى، "والإمام" على ما نقل المصنف، "وكثير" من اللغويين والفقهاء والمتكلمين (١). "ونفاه أبو حنيفة، والقاضي"، وأبو العباس بن سريج، والقَفَّال الشاشي، "والغزالي،

стр. 1627

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والمعتزلة" والآمدي، ونقله الإمام وأتباعه عن الإمام، والذي اختاره في "البرهان" التفرقة بين أن يكون الوصف مناسبًا (١) فيكون له مفهوم، أو لا فلا (٢).

стр. 1628

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وهو قضية اختيار القاضي عبد الوَهَّاب كما ذكر المَازِرِيّ.

стр. 1629

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقال "البَصْرِي (١): إن كان" الخطاب ورد "للبيان كالسَّائمة" كما في قوله عليه

стр. 1630

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . السلام: "فِي الغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ"، فإنه ورد بيانًا لآية الزكاة، "وللتعليم كالتحالف" في قوله

стр. 1631

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ﵇: "إِذَا اخْتَلَفَ المُتبَايِعَانِ تَحَالَفَا" (١)؛ وإنما جعل السائمة بيانًا لا تعليمًا؛ لأن الزكاة سبق وجوبها، بخلاف التحالف فإنه لم يسبق حكمه على قوله ﵇: "إِذَا اخْتَلَفَ المُتبَايِعَانِ … "، فالبيان ما تقدمه الحكم مجملًا، والتعليم ما يرد واضحًا لم يتقدمه شيء. قال: "أو كان ما عدا الصفة داخلًا تحتها كالحكم بالشَّاهدين" دلّ على نفي الحكم عما عداه، "وإلّا فلا". واختلف النَّقَلَةُ عن داود فقيل: يقول بمفهوم المُوَافقة والمخالفة جميعًا. وقيل: بمفهوم الموافقة فقط (٢).

стр. 1632

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ثم اختلف المُثْبتون للمفهوم. فقال أكثر أصحابنا: دليله اللغة، ووضع اللسان، وهو الصحيح. وقال بعضهم: الشرع. وقال الإمام الرازي: العرف العام. واختلفوا أيضًا هل دَلّ على النفي عما عداه مطلقًا، سواء أكان من جنس المثبت فيه أم لم يكن، أو اختصت دلالته بما إذا كان من جنسه؟. مثاله: إذا قلنا: في الغنم السائمة زكاة. فهل نفينا الزكاة عن المعلوفة مطلقًا سواء أكانت من الإبل أم البقر أم الغنم، أو لم ننف إلَّا عن معلوفة الغنم؟ على قولين حكاهما الإمام الرازي وغيره، وحَكَاه الشيخ أبو حامد خلافًا لأصحابنا. وقال: الصحيح تخصيصه بالنَّفْي عن مَعْلُوفة الغنم فقط.

стр. 1633

الْمُثْبِتُونَ: قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي "لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عُقُوبَتهُ وَعِرْضهُ": يَدُلُّ عَلَى أَنّ لَيَّ مَنْ لَيْسَ بِوَاجِدٍ لَا يُحِلُّ عُقُوبَتهُ وَعِرْضَه، وَفِي: "مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ" مِثْلَهُ. وَقِيلَ لَهُ فِي قَوْلِهِ ﵊: "خَيْرٌ لَهُ مِنَ أَنْ يَمْتَلِيءَ شِعْرًا الْمُرَادُ: الْهِجَاءُ وَهِجَاءُ الرَّسُولِ ﷺ فَقَالَ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ الاِمْتِلاءِ مَعْنًى؛ لأِنَّ قَلِيلَهُ كَذَلِكَ، فَأُلْزِمَ مِنْ تَقْدِيرِ الصِّفَةِ الْمَفْهُومُ. وَقَالَ بِهِ الشَّافِعِيُّ ﵀، وَهُمَا عَالِمَانِ بِلُغَةِ الْعَرَبِ؛ فَالظَّاهِرُ فَهْمُهمَا ذَلِكَ لُغَةً. قَالُوا: بَنَيَا عَلَى اجْتِهَادِهِمَا. أُجِيبَ: بِأَنَّ اللَّغُةَ تَثْبُتُ بِقَوْلِ الأئِمَّةِ مِن أَهْلِ اللُّغَةِ، وَلا يَقْدَحُ فِيهِمَا التَّجْوِيزُ. وَعُورِضَا: بِمَذْهَبِ الأخْفَشِ. وَأُجِيبَ: بِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ كَذَلِكَ، وَلَوْ سُلِّمَ، فَمَنْ ذَكَرْنَاهُ أَرْجَح، وَلَوْ سُلَّمَ فَالْمُثْبِتُ أَوْلَى. الشرح: واحتجّ "المثبتون" لمفهوم الصفة بأنه قد "قال أبو عبيد" القاسم بن سلام "في" قوله ﵇: "لَيُّ [الوَاجِدِ] (١) يُحِلُّ عُقُوبَتَهُ وعِرضَهُ". وهو حديث رواه البخاري "تعليقًا" بغير صيغة الجزم، وأخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ماجة أنه "يدلّ على أن في من ليس [بواجد] (٢) لا يحلّ عقوبته وعرضه". فلذلك قال "في" قوله ﷺ الثابت في الكتب السّنة: "مَطْلُ الغَنِيّ ظُلْمٌ" مثله"، وقيل له في قوله ﷺ الثابت في "الصحيحين": "لأنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قيحًا يربه "خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا" (٣): المراد" بهذا: الشعر المذموم" الهجاء، وهجاء الرسول ﷺ فقال: لو

стр. 1634

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . كان كذلك لم يكن لذكر الامتلاء معنى؛ لأن قليله كذلك"، [واستدل به] (١) "فألزم من تقدير الصفة المفهوم"، واستدلّ به على أن قليل الشعر غير مذموم. "وقال به الشَّافعي، وهما" أعني الشَّافعي، وأبا عبيد "عالمان بِلُغَةِ العرب، فالظاهر فيهما ذلك لغة"، ولا يخفى عليك أن هذا الدَّليل يدل على أن المفهوم حجة بوضع اللغة. "قالوا: بنيا على اجتهادهما"، واجتهادهما ليس حجة على غيرهما. "أجيب: بأن اللغة تثبت بقول الأئمة" ولا يقدح فيهما هذا التجويز". قال أصحابنا: وأيضًا فأبو عبيد إنما فسر حديث النبي ﷺ في كتابه على ما عرفه من لسان العرب لا على ما يعرض في خاطره، وقد كانوا يحترزون في تفسير الحديث أشدّ الاحتراز. "و" قد "عورض" الاستدلال بالشَّافعي، والقاسم بن سلام "بمذهب الأخفش"؛ فإنه أنكر دليل الخطاب، وهو أيضًا من أهل اللغة. "وأجيب بأنه" رأيٌ "لم يثبت كذلك". فإن رأى الشافعي نقله الجمع العظيم، وهم أصحابه الذين طبقوا طبق الأرض، ورَأْى أبي عبيد نقله المعتنون بـ"غريب الحديث"، وهم عدد لا يحصى. "ولو سلم فمن ذكرناه أرجح" من الأخفش. "ولو سلم" التساوي "فالمثبت أولى". ثم معارضة أبي عبيد بالأخفش ربما يسهل أمرها لأنهما ناقلان عن لسان العرب، وإن ترجح أبو عبيد بزيادة الثبت والعلم، وصحة السند إليه، وأنه مثبت. وأما معارضة الشافعي به فمن الطَّامات الكُبَر؛ فإن الشافعي قرشى متين، ومنطقه طَبْعُهُ، وحملة [الشريعة] (٢) يستدلون بقول أعرابي جلف بَوّال على عقبيه، فكيف لا يستدلّون بابن عم المصطفي ﵊، الذي تَفَقَّأت عنه بَيْضَةُ بني مضر، وثمرة الشجرة التي أظلت أهل البدو والحَضَر، ومن قال فيه الأصمعي: إن له لغة يحتج بها.

стр. 1635

وَأَيْضًا: لَوْ لَمْ يَدُلَّ عَلَى الْمُخَالَفَةِ، لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ مَحَلِّ النُّطْقِ بِالذِّكْرِ فَائِدَةٌ، وَتَخْصِيصُ، آحَادِ الْبُلَغَاءِ لِغَيْرِ فَائِدَةٍ مُمْتَنِعٌ، فَالشارعُ أَجْدَرُ. اعْتُرِضَ: لا يَثْبُتُ بالوَضْعِ بِمَا فِيهِ مِنَ الْفَائِدَةِ. وَأُجِيبَ بِأنَّهُ يُعْلَمُ بِالاِسْتِقْراءِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلَّفظِ فَائِدةٌ سِوَى. وَاحِدَةٍ تَعَيَّنَتْ. وَأَيْضًا: ثَبَتَتَ دِلالَة التَّنْبِيهِ بِالاِسْتِبْعَادِ اتِّفَاقًا؛ فَهَذَا أَوْلَى. ولا حاصل لدفع إمام الحرمين هذه الطريق بأن الأعرابي منطقه طَبْعُه، والأئمة في مسالك النظر بالدليل مطالبون. فإن الشافعي إن كان نطق بطبعه فهو حُجّة، وإن نقل عن عشرته فهو ثقة، ثم نَقْله أولى بالاعتبار من نقل الأحاديث. الشرح: "وأيضًا لَو لم يدل" دليل الخطاب "على المُخَالفة، لم يكن لتخصيص محلّ النطق بالذكر فائدة، وتخصيص آحاد البلغاء لغير فائدة ممتنع، فالشارع أجدر". وهذا هو الذي اعتمده الشّافعي ﵁ وهو يدلّ على أنه حجّة بالشرع، وليس فيه ما يدل على أنه بوضع اللغة. "واعترض" بأن الاستدلال بأنه لا فائدة سوى التخصيص على أنه وضع لذلك لا يستقيم؛ لما علم منه أنه "لا يثبت بالوضع بما فيه من الفائدة". "وأجيب: بأنه يعلم بالاستقراء" من لغة العرب الذين هم فُرْسَان الكلام أنه "إذا لم يكن للفظ فائدة سوى واحدة تعينت"، فإِذًا لم يثبت الوضع بالفائدة، بل بالاستقراء للقاعدة الكلية: أن كلّ ما لا فائدة للفظ سواه تعين هو، "وأيضًا تثبت دلالة [التنبيه] (١) بالاستبعاد" المجرّد حيث قلنا؛ لو لم يكن للتعليل لكان ذكره بعيدًا من الشارع، فكان "اتفاقًا، وهذا أولى". ولقائل أن يقول: هذا لا يتم إلّا إن كانت الدعوى ثبوت المفهوم بالشرع دون اللغة.

стр. 1636

وَاعْتُرِضَ لِمَفْهُومِ اللَّقَبِ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ لَوْ أُسْقِطَ لاخْتَلَّ الْكَلامُ؛ فَلا مُقْتَضَى لِلْمَفْهُومِ فِيهِ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ فَائِدَتَهُ تَقْوِيَةُ الدِّلالَةِ حَتَّى لا يُتَوهَّمَ تَخْصِيصٌ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ ذَلِكَ فَرْعُ الْعُمومِ، وَلَا قَائِلَ بِهِ؛ وَإِنْ سُلِّمَ فِي بَعْضِهَا خَرَجَ؛ فَإِنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ لَا شَيْء يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ سِوى الْمُخَالفَةِ. الشرح: "واعترض" ثانيًا - والمعترض إمام الحرمين - "بمفهوم اللقب" أو يجيء فيه مثل ذلك، فيقال: لو لم ينف الحكم عَمَّا عداه لم يكن ذكره مفيدًا، فيلزم أن يعتبر، وهو غير معتبر عندنا. "وأجيب: بأنه لو أسقط" اللّقب "لاختلّ الكلام"، فلم يصدق أنه لو لم يثبت المفهوم، لم يكن ذكره مفيدًا، "فلا مقتضى للمفهوم فيه"، بخلاف الضفة، فإن الكلام لا يختل بسقوطها. "واعترض" ثالثًا بأن قولكم: لا فائدة إلَّا التخصيص ممنوع؛ "فإنَّ فائدته تقويةُ الدلالة حتى لا يتوهّم تخصيص" بما وراء الملفوظ، وأن الملفوظ خارج. وحاصله: أنه لو قيل: "في الغنم زكاة" عمّ السائمةَ والمعلوفَة، وكان يجوز والحالة هذه إخراج السائمة؛ بالاجتهاد، فذكرت السائمة لينبه على أنه لا يجوز إخراجها؛ لأنها أولى. فربّ صفة تأتي لتبين أنها أولى، فلم يتعين أن يكون إثباتها لأجل نفي الحكم عما عداه. "وأجيب بأن ذلك فرع العموم". وتقريره: أن قولكم: "ذكر السَّائمة لينبّه على أنها لا تخرج" فرع تعميم لفظ "الغنم" في قوله: "الغنم السَّائمة"، وأن المعنى: في الغنم لا سيما السَّائمة زكاة، ولو كان كذلك وجب إخراج زكاة المعلوفة والسَّائمة لفظًا؛ لاندراجها تحت العموم، ولم تتميز السَّائمة إلَّا بأنها لا تخرج بالاجتهاد، [وهذا] (١) "لا قائل به"؛ فإن الناس بين قائل بدلالة هذا اللفظ

стр. 1637

وَاعْتُرِضَ بِأَن فَائِدَتَهُ ثَوَابُ الاِجْتِهَادِ بالْقِيَاسِ فِيهِ. وَأُجِيبَ: بِأنَّهُ بِتَقْدِيرِ الْمُسَاوَاةِ يَخْرُجُ وَإِلَّا انْدَرَجَ. واسْتُدِلَّ: لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْحَصْرِ لَزِمَ الاِشْتِرَاكُ إِذْ لا وَاسِطَةَ، وَلَيْسَ للاشْتِرَاكِ؛ بِاتِّفَاقٍ. وَأُجِيبَ: إِن عَنَى السَّائِمَةَ فَلَيْسَ مَحَلَّ النِّزاعِ، وَإِنْ عَنَى إِيجابَ الزَّكَاةِ فِيهَا فَلَا دَلالَةَ لَهُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا. على انتفاء الحكم فيما عدا السَّائمة، وهم أصحاب المفاهيم، وقائل بأنه مسكوت عنه، وهم المنكرون. أما القول بأنه داخل فخارق للإجماع، فإذن لا عموم إجماعًا حتى يدعى أن ما ذكر فائدة. "ولو سلم" العموم "في بعضها" أي في بعض الصور "خرج" عن محل النّزاع، "فإن الغرض أنه لا شيء يقتضي تخصيصه" بالذِّكْر "سوى المخالفة". فإن كان التَّخصيص لغرض سوى هذا لم يكن له مفهوم؛ وهذا كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٣١] جاء لئلا يتوهم أنه لم يرد، وليدل على ما عداه بطريق أولى. فاعتمدْ هذا التقرير. الشرح: "واعترض" أيضًا - والمعترض القاضي في "التقريب" - "بأن فائدته" "ثواب الاجتهاد بالقياس فيه"، وهو إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق لمعنى خارج، وهذه فائدة. "وأجيب: بأنه" لا قياس إلا عند المساواة، و "بتقدير المساواة يخرج" عن صورة المسألة؛ لأن صورة المفهوم الذي فيه نتكلم ألَّا يكون المسكوت مساويًا ولا أولى بالحكم، "وإلَّا" فإن انتفت المساواة والأولوية "اندرج" فيما لا فائدة له إلَّا نفي الحكم؛ لانتفاء فائدة القياس. "واستدلّ" على المطلوب بدليل غير مرضى، فقيل: "لو لم يكن" ذكر الوصف "للحصر" أي: دالًّا على نفي الحكم عما عَدَاه "لزم الاشتراك" بين المسكوت والمنطوق في الحكم؛ "إذ لا واسطة" بين الاختصاص والاشتراك، "وليس" التخصيص "للاشتراك باتفاق"، بل غايته أنه محتمل، فثبت الاختصاص، أعنى الحصر.

стр. 1638

الإِمَامُ: لَوْ لَمْ يُفِدِ الْحَصْرَ لَمْ يُفِدِ الاِخْتِصَاصَ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ؛ لأَنَّهُ بِمَعْنَاه، وَالثَّانِيَةُ مَعْلُومَةٌ، وَهُوَ مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ؛ فَإنَّهُ إِنْ عَنَى لَفْظَ السَّائِمَةِ فَلَيْسَ مَحَلَّ النِّزاعِ، وَإِنْ عَنَى الْحُكْمَ الْمُتَعَلقَ بِهَا فَلَا دَلالَةَ [لَهُ] عَلَى الْحَصْرِ، وَيَجْرِيَانِ مَعًا فِي اللَّقَبِ، وَهُوَ بَاطِلٌ. "وأجيب: إن عنى" هذا القائل "السَّائمة" بالحصر أي: أن وصف السَّائمة منتفٍ عن المَعْلُوفة، "فليس محلّ النزاع"، بل ذلك واقع بلا شكّ. "وإن عنى" بالحصر أن "إيجاب الزكاة" منحصر "فيها" فلا نسلّم أن اللَّفظ لو لم يدلّ عليه لتعين الاشتراك، بل ثَمّ واسطة، وهي عدم التعرض لأحدهما لا بنفي ولا بإثبات، "فلا دلالة على واحد منهما". والحاصل: أنه يلزم من عدم الاختصاص الاشتراك، ولا يلزم من عدم إفادة الاختصاص الاشتراك، وإفادته له. الشرح: واحتجّ "الإمام" على إثبات المفهوم بأنه "لو لم يفد" التقبيد بالوَصْفِ "الحصر لم يفد الاختصاص به دون غيره"، واللازم منتفٍ، فكذا الملزوم، والملازمة بيّنة؛ "لأنه بمعناه" أي: لأن اللازم بمعنى الملزوم؛ إذ لا معنى للحصر فيه إلا اختصاصه به دون غيره، فإذا لم يحصل الاختصاص لم يحصل الحصر. "والثَّانية معلومة" أي: وانتفاء اللازم معلوم؛ للعلم الضروري أنه يفيد اختصاص الحكم بالمذكور. "وهو" أي: هذا الدليل "مثل ما تقدم" من الدَّليل قبله. "فإنه إن عنى لفظ السَّائمة"، وأنه منتفٍ في المعلوفة، "فليس محل النزاع". "وإن عنى الحكم المتعلّق بها"، وأنه منتفٍ في المعلوفة، "فلا" نسلّم صحة الملازمة؛ إذ لا "دلالة له على الحَصْر"، ولا يلزم من لزوم أحد الأمرين دلالة اللفظ على أحدهما. واعلم أنا لم نَرَ هذا الدَّليل في كلام الإمام، وقد عرفناك أن مختاره في المسألة التفصيل. "ويجريان" أي: هذان الاستدلالان "معًا في "مفهوم "اللَّقب، وهو باطل"، فلو صحا لصح.

стр. 1639

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ووجه جريانهما أن يقال: لو لم يكن اللَّقب للحصر، لكان الاشتراك، واللازم باطل، ولو لم يفد الحصر لم يفد الاختصاص، ولكنه أفاد فأفاد. هكذا قرر الشَّارحون هذا الدليل وجوابه. ولقائل أن يقول: إذا كان معنى الحَصْر الاختصاص، فكيف يحسن بذي نَظَرٍ أن يجعل اللازم هو الملزوم، وكيف يحسن قوله: "إن انتفاء اللازم معلوم" مع كونه والحالة هذه محل النزاع؟ وقول المصنّف: إنه مثل ما تقدم فيه نظر؛ فإنَّ اللازم هناك الاشتراك، وهنا عدم إفادة الاختصاص، ولو كان مثله لأغنى ذكر الأول عنه. والوجه عندي أن يقال: المراد بـ "الاختصاص" تخصيص الوصف بالذّكر كالسَّائمة مثلًا، وبـ "الحصر" انتفاء الحكم عما عدا المنطوق. وبين الاختصاص والحصر فَرْق سنذكره عند ختام المَفَاهيم إن شاء الله - تعالى - من كلام الحَبْرِ الذي لم يسمح الدهر منذ ثلاثمائة عام بنظيره فيما ندين الله به. ثم تقرير الدليل أن يقال: لو لم يفد التقييد بالوصف الحصر، لم يفد الاختصاص شيئًا، و"الاختصاص" مرفوع، و"شيئًا" مفعول أفاد حذف اختصارًا لكنه مقيد قطعًا. وألا يكون ذكره لغوًا، وإن أفاد شيئًا تعين أن يكون هو الحَصْر؛ إذ لو أفاد غيره لم يكن صورة المسألة؛ لأن صورتها ألَّا يكون هناك فائدة غير نفي الحكم. ولو اختصر هذا الدليل لقيل: لا بد لتخصيص الوصف بالذكر من فائدة، وما عدا نفي الحكم منتفٍ بالغرض، فتعين أن يكون هو. وأشار إلى أنه لا بد من فائدة بقوله: والثانية معلومة. وإلى بيان الملازمة بقوله: لأنه بمعناه أي: لأن الاختصاص بالذكر بمعنى الحصر في هذا المقام، وكما دلَّ الحصر على الانتفاء ينبغي أن يدلّ الاختصاص بالذكر. فإن قلت: فما وجه كونه بمعناه؟ قلت: إنه لا فائدة إلَّا نفي الحكم، ولا بد من فائدة، فتعين أن يكون التخصيص لنفي الحكم كما أنه لا فائدة في الحصر إلا نفي الحكم.

стр. 1640

وَاسْتُدِلَّ بِأَنَّهُ لَوْ قِيلَ: الْفُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةُ أَئِمَّةٌ فُضلاءُ، نَفَرَتِ الشَّافِعِيَّة، وَلَوْلا ذلِكَ مَا نَفَرَتْ. وأُجِيبَ بِأَنَّ النَّفْرَةَ مِنْ تَرْكِهِمْ عَلَى الاِحْتِمَالِ كَمَا يُنْفَرُ مِنَ التَّقْدِيم أَوْ لِتَوَهُّم الْمُعْتقِدِينَ ذلِكَ. وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [سورة التوبة: الآية ٨٠] فَقَالَ ﵊: "لأزِيدَنَّ عَلَى السَّبْعِينَ" فَفُهِمَ أَنَّ مَا زَادَ بِخِلافِهِ، وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ. وَأُجِيبَ بِمَنع فَهْمِ ذلِكَ؛ لأِنَّهَا مُبَالَغَةٌ، فَتَسَاوَيَا، أَوْ لَعَلَّهُ بَاقٍ عَلَى أَصْلِهِ فِي الْجَوَازِ، فَلَمْ يُفْهَمْ مِنْهُ. وتقرير الجواب أن يقال: هذا مثل ما تقدَّم، فإنهما اشتركا في المأخذ، وهو أنه لا بد من فائدة لكن لم جعلتم اللَّازم في الأول الاشتراك، وفي الثاني عدم الفائدة؟ فنقول: إن عنيتم بالذي لا بد له من فائدة لفظ السَّائمة، فليس محلّ النزاع؛ إذ النزاع إنما هو في تعليق الحكم به لا في مجرد لفظ. وإن عنيتم الحكم المتعلّق، فلا دلالة لتخصيصه بالذكر على الحصر، بل غايته أن يجعل السائمة منطوقًا، والمعلوفة مسكوتًا عنها. والحاصل أن المستدل يصور أن المعلوفة إما أن تجب فيها الزكاة، فيتناول المنطوقة، فلا يكون لذكر السَّائمة فائدة، أوْ لا، فيثبت مفهوم المخالفة. ونحن نقول: هناك واسطة، وهي أن يكون مسكوتًا عنها. وفائدة اختصاص الوصف بالذكر صيرورة المَعْلُوفة غير محكوم فيها بشيء. وفرق بين عدم الحُكْم اللازم من تخصيص الوصف بالذكر، والحُكْم بالعدم الذي يدعي من يقول بالمفهوم ثبوته. ولقائل أن يقول: تضمّن الجواب دعوى أن لذكر الوصف فائدة غير انتفاء الحكم عما عدا الملفوظ، وهي صَيْرُورَةُ المعلوفة مسكوتًا عنها. وقلتم: فرض المسألة يأباه؛ ولكن تم سقط دليلكم السايق حيث قلتم: وأيضًا لو لم

стр. 1641

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يدل لم يكن [لتخصيص] (١) محل النطق فائدة. وإن لم يتم كان هذا الدَّليل هو ذلك الدليل. وقول المصنّف: "إن هذين الدليلين يجريان في اللَّقب" فيه نظر قدمه، وهو أن اللقب لو أسقطه لاختل الكلام، فما باله لم ينبه عليه هنا؟ ولا يخفى ما في هذا الكتاب من التعسُّف. الشرح: "واستدلّ" أيضًا "بأنه لو قيل: الفقهاء الحنفية أئمة فضلاء، نفرت الشَّافعية، ولولا" فهمها من "ذلك" الحصر "ما نفوت". وهذا دليل لائق بمن يدعي أن دليل كون المفهوم حجَّة [العرف] (٢) العام لا وضع اللغة ولا الشرع. "وأجيب: بأن النّفرة من تركهم على الاحتمال كما تنفر من التقديم، أو لتوهّم المعتقدين ذلك"، فيقرب من ذلك عبارة يتوهم منها بعض النَّاس نفي الفضل عنهم. وقد تمَّت الدلائل المختصة بمفهوم الصفة المغاير للعدد والشرط والغاية ما بين: مرتضٍ، ومزيف، ودالّ على أنه باللُّغة، أو الشرع، أو العرف، فلنذكر ما يختصّ بغيره، وما يشمل مفهوم - الصفة من حيث هو، عددًا كان، أو شرطًا، أو تقييدًا، بوصف أو غاية، فنقول: "واستدل" على مفهوم العدد (٣) "بقوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [سورة

стр. 1642

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1643

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . التوبة: الآية ٨٠] " فقال ﷺ : "لأزِيدَنَّ عَلَى السَّبْعِينَ" (١)، وهو أفصح من نطق بالضاد "أن ما زاد بخلافه"، وذلك مفهوم عدد، ومفهوم الصفة أدل منه، فإِذا ثبت هذا فما ظنّك بمفهوم الصفة؟. أو نقول: ومفهوم العدد مفهوم صفة، فإِذا ثبت الخاصّ ثبت العامّ، "والحديث صحيح" متفق عليه أخرجه البخاري ومسلم، فلا يغرنك قول الغزالي: الأظهر أن هذا الخبر غير صحيح؛ فإِنه تلقّاه من إِمام الحرمين، والإِمام تلقَّاه من القاضي، ولو علموا أنه في الصحيحين لما قالوا ذلك على أن عبارة القاضي في "التقريب": هذا الخبر من أخبار الآحاد الذي لا نعلم ثبوتها فلا حجة فيه، يعني في المسائل الأصولية على عادته في تطلّب القواطع. وإِذا وضح هذا الدَّليل فنقول: لمفهوم العدد صورتان: لأنه إِما أن يدّعي دلالته على الزائد، أو الناقص، وصورة ثالثة وهي دعوى دلالته عليهما، وهذا دَليل على الزائد، وسنذكر دليلًا على النَّاقص.

стр. 1644

وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ لِعُمَرَ ﵄: مَا بَالنا نَقْصُرُ وَقَدْ أَمِنَّا، وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ [النساء: الآية ١٠١]؟ - فَقَال عُمَرُ: تَعَجَّبْتُ مِمَّا تَعَجَّبْتَ مِنْهُ فَسَأَلْتُهُ ﵊ فَقَالَ: "إِنَّمَا هِيَ صَدَقَة تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ" فَفَهِمَا نَفْيَ الْقَصْرِ حَالَ عَدَمِ الْخَوْفِ، وَأقَرَّ ﵊ عُمَرَ. وَأُجِيبَ بِجَوَازِ أَنَّهُمَا اسْتَصْحَبَا وُجُوبَ الْإِتْمَام؛ فَلا يَتَعَيَّنُ. وأما الثَّالثة: فإِذا قام الدَّليلان [ثبت] (١). "وأجيب": إِما "بمنع فهم ذلك؛ لأنها" أي السبعين "مبالغة" في نفي المغفرة، ومن عادة العَرَبِ المبالغة بلفظ السَّبعين، "فتساويا" حينئذٍ، أعني ذكر العدد وعدمه؛ لأنه ليس مقصودًا، وإِنما المقصود المبالغة، فلا فرق بين السبعين وما زاد، وإِذا كان كذلك فلا جائز أن يكون ﵇ فهم أن ما زاد على السَّبعين بخلافه؛ لأن ذلك إِنما يتخيل حيث يكون المقصود العدد الخاص، وهو لم يكن المقصود، والنبي ﷺ لا يفهم إِلا المقصود. "أو" يسلم أن العدد مقصود، ونقول: إِن الزائد على السبعين "لعلّه باقٍ على أصله في الجواز، فلم يفهم منه"، بل قال: لأزيدن" لأن الأصل جواز الاستغفار، وكونه مظنة الإِجابة، فالفهم من حيث إِنه الأصل لا من التَّخصيص بالذكر. وهذا الجواب هو الصحيح، وأما الذي قبله فذكره القاضي بناء على اعتقاده أن الحديث لم يصح. وقد قلنا: إِنه صحيح. ولذلك قال المصنّف: والأوجه لمنع الفهم بعد ثبوت الحديث، فلو اقتصر المصنّف - رحمه ا لله - على هذا كان أولى. الشرح: "واستدلّ" على الشرط "بقول يعلى بن أمية لعمر: مَا بَالُنَا نَقْصُرُ وَقَدْ أَمِنَّا، وقد قال تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ [سورة النساء: الآية ١٠١]؟ فقال عمر: تعجّبت ممَّا تعجبت منه فسألته ﷺ فقال: "إِنَّمَا هِيَ صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ"،

стр. 1645

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ففهما نفي القصر حال عدم الخوف، وأقر ﷺ عمر" على ما فهم، فكان دليلًا على صحة المفهوم. أخبرنا أبي - تغمّده الله برحمته - قراءة عليه، وأنا حاضر في الرَّابعة، أنا أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الحافظ بقراءتي عليه، أنا الشَّيخان يحيى بن أبي [مسعود] (١) بن العميرة، والأعز بن الفضائل بن العليق قال ابن العميرة: أخبرتنا شهدة بنت أبي نصر الإِبري (٢)، وقال ابن العليق: أنا أبو الحسين عبد الحق بن عبد الخالق بن أحمد بن عبد القادر بن يوسف، أنا أبو غالب محمد بن الحسن الباقلّاني، أنا أبو علي بن شاذان، أنا عثمان بن السّماك، وسعيد بن إِسحاق، وأبو سهل بن زياد قالوا: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا إِدريس عن [ابن] (٣) أبي عمار عن عبد الله بن ثابتة عن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب: ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إِن خفتم، وقد أمن الناس؟ فقال: عجبت ممَّا عجبت منه، فسألت رسول الله ﷺ فقال: "صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ"، أخرجه مسلم عن جماعة عن إِدريس [به] (٤)، وأخرجه أيضًا أبو داود، والترمذي، وابن ماجه. "وأجيب بجواز أنهما استصحبا وجوب الإِتمام" حالة الأمن؛ فإِن الأصل الإِتمام، خولف في الخوف للآية فبقي في غيره، "فلا يتعين" أن يكون الفهم لدليل الخطاب، فلا يقوم به حجّة. ولا يخفى عليك أن هذا مفهوم الشَّرْط، لا مفهوم الصّفة، ولعل الغرض به إِلزام من لا يفصل بينهما، أو أن مفهوم الصفة لما كان مفتاح المفاهيم توسع فيه، وذكرت أدلّة غيره

стр. 1646

وَاسْتُدِلَّ بِأَنَّ فَائِدَتَهُ أَكْثَرُ فكَانَ أَوْلَى؛ تَكْثيرًا لِلْفَائِدَةِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ مِنْ جَعْلِ تَكْثِيرِ الْفَائِدَةِ يَدُلُّ عَلَى الْوَضْعِ. وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ دَوْرٌ؛ لِأَنَّ دِلالَتَهُ تَتَوَقَّفُ عَلَى تَكْثِيرِ الْفَائِدَةِ وَبِالْعَكْسِ - يَلْزَمهُمْ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ. وَجَوَابُهُ: أَنَّ دَلالَتَهُ تَتَوَقَّفُ عَلَى تَعَقُّلِ تَكْثِيرِ الْفَائِدَةِ عِنْدَهَا لا عَلَى حُصُولِ الْفَائِدَةِ. كالعدد الذي أشرنا إِليه آنفًا في: "إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ"، والشرط المشار إِليه بهذا، والغاية الدَّاخلة في الدَّليل المشار إِليه بقوله: واستدل على مفهوم المخالفة مطلقًا غاية كان أم غيرها" ممَّا تقدم الاستدلال له بخصوصه. الشرح: "واستدل بأن فائدته أكثر"؛ فإِن إِثبات المذكور، ونفى غيره أكثر فائدة من إِثباته فقط، "فكان أولى تكثيرًا للفائدة". "وما قيل" اعتراضًا على هذا الاستدلال "من أنه دور" لأن دلالته" أي: دلالة اللفظ على نفي الحكم عما عداه "تتوقّف على تكثير الفائدة"؛ إِذ به تثبت، "وبالعكس" أي: لا يحصل تكثير الفائدة إِلَّا بدلالته على النفي عن الغير، فاعتراض مردود؛ لأنه "يلزمهم في كلّ موضع" يثبت الشيء لفائدة، سواء أكان وصفًا أم حكمًا شرعيًّا أم غيرها، فلو صح لم يثبت الشيء لفائدة أصلًا، فتنتفي المقاصد والحكم، وهو ظاهر البطلان، وهذا ردّ جَدَلي. "وجوابه" الحقيقي "أن دلالته تتوقّف على تعقّل تكثير الفائدة عندها، لا على حصول الفائدة". وحاصله: أن الموقوف والموقوف عليه غير متَّحدين وإِن اتّحدا لفظًا؛ فلا دَوْرَ، وبين عدم الاتحاد بأن المتوقّف عليه الدّلالة على تكثير الفائدة عقلًا أي: إِن تعقل أنه لو دل لكثرت الفائدة لا علي تكثير الفائدة عينًا، وهو حصولها، والمتوقف على الدلالة هو تكثير الفائدة عينًا لا عقلًا، أي: حصولها في الواقع لا تعقل حصولها عنده.

стр. 1647

وَاسْتُدِلَّ: لَوْ لَمْ يَكُن مُخَالِفًا لَمْ يَكُن السَّبْعُ فِي قَوْلِهِ ﵊: "طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِيهِ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعًا" - مُطَهِّرَةً؛ لأِنَّ تَحْصِيلَ الْحَاصلِ مُحَالٌ، وَكَذلِكَ: "خَمْسُ رَضَعَاتٍ يُحَرِّمْنَ". الشرح: "واستدلّ" لدلالة مفهوم العدد على الناقص بأنه أيضًا "لو لم يكن" المسكوت عنه الناقص "مخالفًا" للمذكور في الحكم "لم يكن السبع في "ما روى مسلم في صحيحه من "قوله ﷺ : "طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبعًا … " الحديث - "مطهرة"؛ لأن الطَّهارة إِن حصلت بدون السّبع فلا تحصل بالسبع؛ "لأن" ذلك "تحصيل" للحاصل، وإِن تحصيل "الحاصل مُحَال. وكذلك" ما رواه مسلم من قول عائشة ﵂: "كان فيما أنزل عشر رضعات معلومات يحرمن، فنسخن بخمس معلومات .. " (١) الأثر. وإليه أشار بقوله: "خمس يحرمن "، فإِنه يلزم ألَّا تكون الخمس محرمة؛ لأن الحرمة تحصل بدون الخمس فلتحصل بالخمس، وإِلَّا يلزم تحصيل الحاصل. فإِن قلت: لم أخر المصنّف هذا الدليل الدَّال على نفي الناقص عن الدَّال على نفي الزائد، ولم لا جمعهما؟ قلت: لأنه لم يذكر له جوابًا، فأراد الختام به، أو لأنه رأى أن جوابه واضح. وقد قال الآمدي في جوابه: لا يلزم من كون الغسلات السَّبع غير دالَّة على نفي الطَّهارة فيما دونها، ومن كون الرّضعات الخمس غير دالَّة على نفي الحرمة فيما دونها أن يكون المحلّ قبل [السابعة] (٢) طاهرًا، ولا أن يكون ما دون الخمس محرمًا؛ لجواز ثبوت النجاسة والحرمة قبل ذلك بدليل غير المفهوم. قلت: بل لا بد من دليل على كونها قبل ذلك طاهرة ومحرمة؛ لأن الطَّهارة والحرمة لا يثبتان إِلَّا بدليل.

стр. 1648

النَّافِي: لَوْ ثَبَتَ لثَبَتَ بِدَلِيلٍ، وَهُوَ عَقْلِيٌّ وَنَقْلِيٌّ … إِلَى آخِرِهِ. وَأُجِيبَ بِمَنع أشْتِرَاطِ التَّوَاتُرِ وَالْقَطْعِ بِقَبُولِ الآحَادِ، كَالْأَصْمَعِي أَوِ الْخَلِيلِ، أَو أَبِي عُبَيْدَةَ أَوْ سِيبَوَيْه. قَالُوا: لَوْ ثَبَتَ لثَبَتَ فِي الْخَبَرِ، وَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ مَنْ قَالَ: فِي الشَّامِ: "الْغَنَمُ السَّائِمَةُ" لَمْ يَدُلَّ عَلَى خِلافِهِ قَطْعًا. وَأُجِيبَ بِالْتِزَامِهِ وَبِأَنَّهُ قِيَاسٌ، وَلا يَسْتَقِيمَانِ. الشرح: واحتج "النَّافي" لدليل الخطاب أولًا بأنه "لو ثبت لثبت بدليل، وهو عقلي ونقلي"، وكلاهما منتفٍ "إِلى آخره" أي: إِلى آخر هذه الشُّبْهة بأن يقال: والعقلي منتف، والنقلي إِما متواتر عن العرب؛ وهو غير موجود، أو آحاد؛ وهي لا تفيد. وهذا الوجه اعتمده القاضي أبو بكر في "التقريب". "وأجيب" عنه "بمنع اشتراط التواتر والقطع" من علماء الأمة "بقبول الآحاد" من الثقات فيما ينقلون عن العرب "كالأصمعي، أو الخليل، أو [أبي عبيدة] (١)، أو سيبويه" واعتمادهم فيما يروونه يدلّ على أنهم لا يشترطون التواتر. "قالوا" ثانيًا: "لو ثبت لثبت في الخبر، وهو باطل؛ لأن من قال: في "الشام" الغنم السائمة لم يدل على خلافه قطعًا"، وكذا إِذا قال: زيد الطويل في الدار لا يدل على أن زيدًا القصير ليس فيها. وبيان الملازمة: أن الذي به ثبت في الأمر، وهو الحذر من عدم الفائدة قائم في الخبر بعينه. "وأجيب: بالتزامه، وبأنه قياس" في اللغة فلا يسمع، "ولا يستقيمان". أما الالتزام؛ فلأنه مُكَابرة، وأيضًا فقد صرح أئمتنا القائلون بالمفهوم أنهم لا يقولونه في الأخبار. وأما القياس؛ فممنوع؛ لأن مثل هذا استقرائي لا قياس.

стр. 1649

وَالْحَقُّ الْفَرْقُ بِأَنَّ الْخَبَرَ وَإِنْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَسْكُوتَ عَنْهُ غَيْرُ مُخْبَرٍ بِهِ، فَلا يَلْزَمُ أَلَّا يَكُونَ حَاصِلًا، بِخِلافِ الْحُكْمِ؛ إِذْ لا خَارِجِيَّ لَهُ فَيَجْرِي فِيهِ ذلِكَ. قَالُوا: لَوْ صَحَّ لَمَا صَحَّ "أَدُّوا زَكَاةَ السَّائِمَةِ وَالْمَعْلُوفَةِ" كَمَا لا يَصِحُّ: "لا تَقُلْ لَهُ أُفٍّ، وَأضْرِبْهُ"؛ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ وَللتَّنَاقُضِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْفَائِدَةَ عَدَمُ تَخْصِيصِهِ، وَلا تَنَاقُضَ فِي الظَّوَاهِرِ. الشرح: "والحق" في الجواب "الفرق" بين الإِنشاء والخبر، "بأن الخبر وإِن دلَّ على أن المسكوت عنه غير مخبر به، فلا يلزم ألَّا يكون حاصلًا" في الخارج؛ لجواز أن يكون حاصلًا ولم يخبر عنه؛ لأن الخبر يفتقر إِلى خارج، وهو متعلّقه "بخلاف الحكم؛ إِذ لا خارجي له فيجري فيه ذلك" أي: حتى يجري فيه ذلك فإِن وجوب الزَّكاة هو نفس قوله: "أوجبت" فإِذا انتفى هذا القول فيه فقد انتفى وجوب الزَّكاة فيه، ولا يلزم من انتفاء قولك: في الشَّام الغنم السائمة انتفاء كونها في "الشام"، بل قد تكون وأنت لم تخبر عنها. وفي قول المصنّف: الخبر وإِن دلَّ على أن المسكوت غير مخبر به مناقشة، فإِنه لا يدلّ على المسكوت ألبتة. فالصواب أن يقال: وإِن لم يدلّ على المسكوت بشيء. ولقائل أن يقول: في الجواب رجوع إِلى نفي المفهوم، وكونه سكوتًا، وعدم حكم، وهو مذهب الخصم. وابن السَّمعاني فرق بأن المخبر قد يكون له غرض في الإِخبار بأن في "الشام" غنمًا سائمة مثلًا، أو أن زيدًا الطويل في الدار، ولا يكون له غرض في الإِخبار عن غير "الشام"، ولا غير زيد الطويل، فخصهما بالإِخبار كذلك. وأما الشَّارع في مقام الإِنشاء، فغرضه أن يبين جميع الأحكام الَّتي كلفنا بها. فإِذا قال: زكوا عن الغنم السَّائمة علمنا أنه لو كانت الزكاة في جميع الغنم تعلق بمطلق الاسم. "قالوا" ثالثًا: "لو صحّ" القول بالمفهوم "لما صحّ" أن يقال "أدُّوا زكاة السَّائمة

стр. 1650

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والمعلوفة، كما لا يصح" أن يقال في مفهوم المُوَافقة: "لا تقل له أُفٍّ، واضربه؛ لعدم الفائدة"؛ إِذ يكفيه حينئذ أن يقول: في الغنم زكاة. "وللتناقض"؛ فإِن قوله: أدّ زكاة السائمة، على ما يقولون ينفي المعلوفة، وقوله: والمعلوفة تنفي السَّائمة فيتناقضان أيضًا. "وأجيب": بأن مفهوم المُخَالفة ليس كمفهوم الموافقة؛ لأن ذاك قطعي، وهذا ظني. وأما ما ذكر في بيانه فلا نسلّم عدم الفائدة، بل ندعي "أنّ الفائدة عدم تخصيصه" أي تخصيص المعلوفة والحالة هذه بالاجتهاد، ولا نسلم وجود التناقض؛ إِذ "لا تناقض في الظَّواهر"، وبهذا فارق الفحوى فإِنها قطعية. وننبّهك هنا على شيء ينفعك، وهو أنَّ المعاني المستفادة من اللفظ تقع استفادتها منه من وجهين: أحدهما: من جهة لفظه. والثَّاني: من جهة معناه. فالمستفاد من اللَّفظ، يسمى منه ما لا احتمال فيه "نصًّا"، وما فيه احتمال "ظاهرًا"، وما يستفاد من جهة إِشعاره وبحثه على قسمين أيضًا: ما لا احتمال فيه أصلًا. وما فيه احتمال، لكنه ظاهر في أحد محتمليه. فالأول: يستدلّ به وفاقًا. والثَّاني: فيه خلاف، فتلخص من ذلك أن ما لا احتمال فيه يعمل به قطعًا، سواء أدلّ عليه لفظ الخطاب أم معناه. وما فيه احتمال مع الظّهور يعمل به إِن كان لفظيًّا بلا خلاف، وإن كان معنويًّا ففيه الخلاف. وتبين لك أن مفهوم المخالفة ظاهر، فلا يمنع التصريح بخلافه.
следующие страницы →