← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6338

رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (2 330 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

وَاسْتُدِلَّ بِأَنَّ فَائِدَتَهُ أَكْثَرُ فكَانَ أَوْلَى؛ تَكْثيرًا لِلْفَائِدَةِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ مِنْ جَعْلِ تَكْثِيرِ الْفَائِدَةِ يَدُلُّ عَلَى الْوَضْعِ. وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ دَوْرٌ؛ لِأَنَّ دِلالَتَهُ تَتَوَقَّفُ عَلَى تَكْثِيرِ الْفَائِدَةِ وَبِالْعَكْسِ - يَلْزَمهُمْ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ. وَجَوَابُهُ: أَنَّ دَلالَتَهُ تَتَوَقَّفُ عَلَى تَعَقُّلِ تَكْثِيرِ الْفَائِدَةِ عِنْدَهَا لا عَلَى حُصُولِ الْفَائِدَةِ. كالعدد الذي أشرنا إِليه آنفًا في: "إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ"، والشرط المشار إِليه بهذا، والغاية الدَّاخلة في الدَّليل المشار إِليه بقوله: واستدل على مفهوم المخالفة مطلقًا غاية كان أم غيرها" ممَّا تقدم الاستدلال له بخصوصه. الشرح: "واستدل بأن فائدته أكثر"؛ فإِن إِثبات المذكور، ونفى غيره أكثر فائدة من إِثباته فقط، "فكان أولى تكثيرًا للفائدة". "وما قيل" اعتراضًا على هذا الاستدلال "من أنه دور" لأن دلالته" أي: دلالة اللفظ على نفي الحكم عما عداه "تتوقّف على تكثير الفائدة"؛ إِذ به تثبت، "وبالعكس" أي: لا يحصل تكثير الفائدة إِلَّا بدلالته على النفي عن الغير، فاعتراض مردود؛ لأنه "يلزمهم في كلّ موضع" يثبت الشيء لفائدة، سواء أكان وصفًا أم حكمًا شرعيًّا أم غيرها، فلو صح لم يثبت الشيء لفائدة أصلًا، فتنتفي المقاصد والحكم، وهو ظاهر البطلان، وهذا ردّ جَدَلي. "وجوابه" الحقيقي "أن دلالته تتوقّف على تعقّل تكثير الفائدة عندها، لا على حصول الفائدة". وحاصله: أن الموقوف والموقوف عليه غير متَّحدين وإِن اتّحدا لفظًا؛ فلا دَوْرَ، وبين عدم الاتحاد بأن المتوقّف عليه الدّلالة على تكثير الفائدة عقلًا أي: إِن تعقل أنه لو دل لكثرت الفائدة لا علي تكثير الفائدة عينًا، وهو حصولها، والمتوقف على الدلالة هو تكثير الفائدة عينًا لا عقلًا، أي: حصولها في الواقع لا تعقل حصولها عنده.

стр. 1647

وَاسْتُدِلَّ: لَوْ لَمْ يَكُن مُخَالِفًا لَمْ يَكُن السَّبْعُ فِي قَوْلِهِ ﵊: "طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِيهِ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعًا" - مُطَهِّرَةً؛ لأِنَّ تَحْصِيلَ الْحَاصلِ مُحَالٌ، وَكَذلِكَ: "خَمْسُ رَضَعَاتٍ يُحَرِّمْنَ". الشرح: "واستدلّ" لدلالة مفهوم العدد على الناقص بأنه أيضًا "لو لم يكن" المسكوت عنه الناقص "مخالفًا" للمذكور في الحكم "لم يكن السبع في "ما روى مسلم في صحيحه من "قوله ﷺ : "طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبعًا … " الحديث - "مطهرة"؛ لأن الطَّهارة إِن حصلت بدون السّبع فلا تحصل بالسبع؛ "لأن" ذلك "تحصيل" للحاصل، وإِن تحصيل "الحاصل مُحَال. وكذلك" ما رواه مسلم من قول عائشة ﵂: "كان فيما أنزل عشر رضعات معلومات يحرمن، فنسخن بخمس معلومات .. " (١) الأثر. وإليه أشار بقوله: "خمس يحرمن "، فإِنه يلزم ألَّا تكون الخمس محرمة؛ لأن الحرمة تحصل بدون الخمس فلتحصل بالخمس، وإِلَّا يلزم تحصيل الحاصل. فإِن قلت: لم أخر المصنّف هذا الدليل الدَّال على نفي الناقص عن الدَّال على نفي الزائد، ولم لا جمعهما؟ قلت: لأنه لم يذكر له جوابًا، فأراد الختام به، أو لأنه رأى أن جوابه واضح. وقد قال الآمدي في جوابه: لا يلزم من كون الغسلات السَّبع غير دالَّة على نفي الطَّهارة فيما دونها، ومن كون الرّضعات الخمس غير دالَّة على نفي الحرمة فيما دونها أن يكون المحلّ قبل [السابعة] (٢) طاهرًا، ولا أن يكون ما دون الخمس محرمًا؛ لجواز ثبوت النجاسة والحرمة قبل ذلك بدليل غير المفهوم. قلت: بل لا بد من دليل على كونها قبل ذلك طاهرة ومحرمة؛ لأن الطَّهارة والحرمة لا يثبتان إِلَّا بدليل.

стр. 1648

النَّافِي: لَوْ ثَبَتَ لثَبَتَ بِدَلِيلٍ، وَهُوَ عَقْلِيٌّ وَنَقْلِيٌّ … إِلَى آخِرِهِ. وَأُجِيبَ بِمَنع أشْتِرَاطِ التَّوَاتُرِ وَالْقَطْعِ بِقَبُولِ الآحَادِ، كَالْأَصْمَعِي أَوِ الْخَلِيلِ، أَو أَبِي عُبَيْدَةَ أَوْ سِيبَوَيْه. قَالُوا: لَوْ ثَبَتَ لثَبَتَ فِي الْخَبَرِ، وَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ مَنْ قَالَ: فِي الشَّامِ: "الْغَنَمُ السَّائِمَةُ" لَمْ يَدُلَّ عَلَى خِلافِهِ قَطْعًا. وَأُجِيبَ بِالْتِزَامِهِ وَبِأَنَّهُ قِيَاسٌ، وَلا يَسْتَقِيمَانِ. الشرح: واحتج "النَّافي" لدليل الخطاب أولًا بأنه "لو ثبت لثبت بدليل، وهو عقلي ونقلي"، وكلاهما منتفٍ "إِلى آخره" أي: إِلى آخر هذه الشُّبْهة بأن يقال: والعقلي منتف، والنقلي إِما متواتر عن العرب؛ وهو غير موجود، أو آحاد؛ وهي لا تفيد. وهذا الوجه اعتمده القاضي أبو بكر في "التقريب". "وأجيب" عنه "بمنع اشتراط التواتر والقطع" من علماء الأمة "بقبول الآحاد" من الثقات فيما ينقلون عن العرب "كالأصمعي، أو الخليل، أو [أبي عبيدة] (١)، أو سيبويه" واعتمادهم فيما يروونه يدلّ على أنهم لا يشترطون التواتر. "قالوا" ثانيًا: "لو ثبت لثبت في الخبر، وهو باطل؛ لأن من قال: في "الشام" الغنم السائمة لم يدل على خلافه قطعًا"، وكذا إِذا قال: زيد الطويل في الدار لا يدل على أن زيدًا القصير ليس فيها. وبيان الملازمة: أن الذي به ثبت في الأمر، وهو الحذر من عدم الفائدة قائم في الخبر بعينه. "وأجيب: بالتزامه، وبأنه قياس" في اللغة فلا يسمع، "ولا يستقيمان". أما الالتزام؛ فلأنه مُكَابرة، وأيضًا فقد صرح أئمتنا القائلون بالمفهوم أنهم لا يقولونه في الأخبار. وأما القياس؛ فممنوع؛ لأن مثل هذا استقرائي لا قياس.

стр. 1649

وَالْحَقُّ الْفَرْقُ بِأَنَّ الْخَبَرَ وَإِنْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَسْكُوتَ عَنْهُ غَيْرُ مُخْبَرٍ بِهِ، فَلا يَلْزَمُ أَلَّا يَكُونَ حَاصِلًا، بِخِلافِ الْحُكْمِ؛ إِذْ لا خَارِجِيَّ لَهُ فَيَجْرِي فِيهِ ذلِكَ. قَالُوا: لَوْ صَحَّ لَمَا صَحَّ "أَدُّوا زَكَاةَ السَّائِمَةِ وَالْمَعْلُوفَةِ" كَمَا لا يَصِحُّ: "لا تَقُلْ لَهُ أُفٍّ، وَأضْرِبْهُ"؛ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ وَللتَّنَاقُضِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْفَائِدَةَ عَدَمُ تَخْصِيصِهِ، وَلا تَنَاقُضَ فِي الظَّوَاهِرِ. الشرح: "والحق" في الجواب "الفرق" بين الإِنشاء والخبر، "بأن الخبر وإِن دلَّ على أن المسكوت عنه غير مخبر به، فلا يلزم ألَّا يكون حاصلًا" في الخارج؛ لجواز أن يكون حاصلًا ولم يخبر عنه؛ لأن الخبر يفتقر إِلى خارج، وهو متعلّقه "بخلاف الحكم؛ إِذ لا خارجي له فيجري فيه ذلك" أي: حتى يجري فيه ذلك فإِن وجوب الزَّكاة هو نفس قوله: "أوجبت" فإِذا انتفى هذا القول فيه فقد انتفى وجوب الزَّكاة فيه، ولا يلزم من انتفاء قولك: في الشَّام الغنم السائمة انتفاء كونها في "الشام"، بل قد تكون وأنت لم تخبر عنها. وفي قول المصنّف: الخبر وإِن دلَّ على أن المسكوت غير مخبر به مناقشة، فإِنه لا يدلّ على المسكوت ألبتة. فالصواب أن يقال: وإِن لم يدلّ على المسكوت بشيء. ولقائل أن يقول: في الجواب رجوع إِلى نفي المفهوم، وكونه سكوتًا، وعدم حكم، وهو مذهب الخصم. وابن السَّمعاني فرق بأن المخبر قد يكون له غرض في الإِخبار بأن في "الشام" غنمًا سائمة مثلًا، أو أن زيدًا الطويل في الدار، ولا يكون له غرض في الإِخبار عن غير "الشام"، ولا غير زيد الطويل، فخصهما بالإِخبار كذلك. وأما الشَّارع في مقام الإِنشاء، فغرضه أن يبين جميع الأحكام الَّتي كلفنا بها. فإِذا قال: زكوا عن الغنم السَّائمة علمنا أنه لو كانت الزكاة في جميع الغنم تعلق بمطلق الاسم. "قالوا" ثالثًا: "لو صحّ" القول بالمفهوم "لما صحّ" أن يقال "أدُّوا زكاة السَّائمة

стр. 1650

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والمعلوفة، كما لا يصح" أن يقال في مفهوم المُوَافقة: "لا تقل له أُفٍّ، واضربه؛ لعدم الفائدة"؛ إِذ يكفيه حينئذ أن يقول: في الغنم زكاة. "وللتناقض"؛ فإِن قوله: أدّ زكاة السائمة، على ما يقولون ينفي المعلوفة، وقوله: والمعلوفة تنفي السَّائمة فيتناقضان أيضًا. "وأجيب": بأن مفهوم المُخَالفة ليس كمفهوم الموافقة؛ لأن ذاك قطعي، وهذا ظني. وأما ما ذكر في بيانه فلا نسلّم عدم الفائدة، بل ندعي "أنّ الفائدة عدم تخصيصه" أي تخصيص المعلوفة والحالة هذه بالاجتهاد، ولا نسلم وجود التناقض؛ إِذ "لا تناقض في الظَّواهر"، وبهذا فارق الفحوى فإِنها قطعية. وننبّهك هنا على شيء ينفعك، وهو أنَّ المعاني المستفادة من اللفظ تقع استفادتها منه من وجهين: أحدهما: من جهة لفظه. والثَّاني: من جهة معناه. فالمستفاد من اللَّفظ، يسمى منه ما لا احتمال فيه "نصًّا"، وما فيه احتمال "ظاهرًا"، وما يستفاد من جهة إِشعاره وبحثه على قسمين أيضًا: ما لا احتمال فيه أصلًا. وما فيه احتمال، لكنه ظاهر في أحد محتمليه. فالأول: يستدلّ به وفاقًا. والثَّاني: فيه خلاف، فتلخص من ذلك أن ما لا احتمال فيه يعمل به قطعًا، سواء أدلّ عليه لفظ الخطاب أم معناه. وما فيه احتمال مع الظّهور يعمل به إِن كان لفظيًّا بلا خلاف، وإن كان معنويًّا ففيه الخلاف. وتبين لك أن مفهوم المخالفة ظاهر، فلا يمنع التصريح بخلافه.

стр. 1651

قَالُوا: لَوْ كَانَ لَمَا ثَبَتَ خِلافُهُ لِلتَّعَارُضِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُه، وَقَدْ ثَبَتَ فِي نَحْوِ: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾. أُجِيبَ بِأَنَّ الْقَاطِعَ عَارَضَ الظَّاهِرَ فَلَمْ يَقْوَ، وَتَجِبُ مُخَالَفَةُ الأَصْلِ بِالدَّلِيلِ. الشرح: "قالوا" رابعًا: "لو كان" المفهوم حقًّا "لما ثبت خلافه، للتعارض" حينئذٍ بين المفهوم ودليل خلافه؛ "والأصل" في التعارض "عدمه، وقد ثبت في نحو: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٣٠] "؛ إِذ مفهومه، عدم النهي عن أكله لا على هذا الوجه، والنهي ثابت عن الرِّبا قليله وكثيره، وهذا الوجه اعتمده الآمدي. "وأجيب" بمنع المُلازمة. وقوله: يلزم التَّعارض ممنوع؛ "فإِن القاطع" الدَّال على تحريم الرِّبا مطلقًا "عارض الظاهر"، وهو دليل الخطاب "فلم [يَقْوَ] (١) "الظَّاهر على معارضته، بل اضْمَحَلَّ دونه، فعمل القاطع عمله، ولم يوجد تعارض، ولو سلّمنا وقوع المعارضة لكن يجب المصير إِليه عند قيام الدليل، كما أن الأصل البراءة، ويخالفها [لدليل] (٢)، فإِذن "يجب مخالفة الأصل بالدليل". ويمكن دفع الدَّليل بأن قوله: ﴿أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ ليس من محلّ النزاع؛ لأنه خرج مخرج الغالب أن الرِّبا إِنما يؤكل كذلك. "تَنْبِيهَاتٌ" الأول: ما نقله المصنّف عن أبي عبيد سبقه إِليه الآمدي، وابن السمعاني، وغيرهما. ونقله القاضي في "التقريب"، وإِمام الحرمين، وغيرهما عن أبي عبيدة معمر بن المثنى، وكلاهما من أئمة اللغة، فلا معنى للتحرير في ذلك. الثَّاني: أصل وضع الصفة أن تجيء إِما للتخصيص في النكرات، وللتوضيح في المعارف نحو: مررت برجل عاقل، [وبزيد] (٣) العالم.

стр. 1652

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقد تجيء لمجرّد الثناء، أو الدوام، أو التوكيد، أو التخمين مثل: زيد المسكين. وقد يعبر عن التخصيص بـ "الشَّرْط"، وعن التوضيح بـ "التعريف" و"الكاشف". ومن أماكن التردّد بين التوضيح والتخصيص قوله تعالى: ﴿لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ في قوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [سورة النحل: الآية ٧٥]. فإِن كان لتوضيح دلَّ لمذهبنا على أن العبد لا يملك. وإِن كان للتخصيص، دلّ للمالكية، وكأنه تعالى إِنما ضرب المثل بهذا العبد الذي لا يقدر لا بكل عبد. وكذا قوله ﵇ لصفوان لما استعار منه: "بَلْ عَارِيَةٌ مَضمُونَةٌ" (١). إِن كان لتوضيح دلّ على أن العارية تضمن أبدًا، وأن هذا شأنها، وهو مذهبنا. وإِن كان للتخصيص دلّ لأبي حنيفة على أنها لا تضمن إِلا بالشرط، وكذا إِذا قال الرجل لزوجته: إِذا تظاهرتُ من فلانة الأجنبية، فأنت علي كظهر أمي ثم تزوجها، وظاهر منها هل يصير مظاهرًا من الأولى؟ فيه وجهان:

стр. 1653

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أحدهما: نعم، ويجعل الوصف بالأجنبية توضيحًا. والثَّاني: لا، ويكون لفظ الأجنبية للشرط. الثالث: قال ابن السمعاني: إِذا اقترن بالحكم المعلّق بالصفة حكم فقد اختلف قول الشَّافعي في دليل المقيد بالصفة هل يصير مستعملًا في المطلق على قولين. ومثاله قوله تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٤٩]، وكان نصه أن لا عدة على غير المدخول بها، ودليله وجوب العدّة على المدخول بها، ثم قال: ﴿ومتّعوهن﴾، فهل تكون المتعة معطوفًا على العدة في اشتراط الدخول فيها؟ على قولين: أحدهما: تصير بالعطف مشروطة. والثَّاني: لا، ويجري قوله: "ومتعوهن" على إِطلاقه. الرابع: لم يفرد المصنّف مفهوم العدد بالذكر، بل وقع ذكره في أثناء مفهوم الصفة في قوله: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾. وفي قوله ﵇: "إِذَا وَلَغَ الكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا"، كما تقدم. وقد صرح ابن السَّمعاني بأنه دليلٌ مستعمل، وأنه مثل الصفة سواء، وإِلى هذا أشار الشيخ أبو حامد، وغيره فلعلّ المصنّف إِنما أشار إِليه في مفهوم الصّفة لذلك، وكأنه رأى اسم الصّفة ينطلق عليه، وإِن اختص هو باسم العدد. وكلام القاضي في "التقريب" يقرب من هذا الصَّنيع، وكذلك أكثر أصحابنا. وممَّا يوضح لك هذا ما تقدّم عن البَصْري في الحكم بالشاهدين، فإِنه أشار إِلى قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٢]، قيد بشهيدين قال: فدلّ أن الشهيد الواحد لا يكفي. وأنت ترى هذا من مَفَاهيم العدد، وقد جعله ممَّا له دليل، وعدّه من الصفة، وما ذلك إِلا لما ذكرناه من انطلاق اسم الصفة عليه. وهذا المكان من أسرار هذا المختصر الَّتي غفل عنها شارحوه، فإِياك أن تظن أنه أهمل مفهوم العدد بعد أن ذكره في قوله: وهو أقسام: الصفة، والشرط، والغاية، والعدد، بل قد ذكره في الصفة؛ لأنه منها، وحكى فيه الخلاف المحكي فيها، وأشار إِلى أنه داخلٌ

стр. 1654

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فيها، وإِنما جاء ذكره ابتداء لتميزه باسم يخيل أنه قسيم، وإِنما هو قسم من جملة أقسام مفهوم المُخَالفة، وهو الصفة. والقول بأن مفهوم العدد حجّة هو المنقول عن الشافعي، [وممن] (١) نقله الشيخ أبو حامد الإِسفراييني والمَاوَرْدي، في باب "بيع الطعام قبل أن يستوفي"، وإِمام الحرمين، والغزالي. وقال آخرون: لا يدلّ، وهو رأي منكري الصفة، فالخلاف الخلافُ؛ لأن العدد فرد من أفراده. وقد قلنا: إِن المصنّف لذلك أدرجه فيه، ولذلك لم يعد ذكره بخلاف الشَّرط والغاية، فإِنه أعادهما لمخالفة بعض النَّاس في الصفة دونهما. وأما الصفة فلم ينكرها أحد مع القول بالعدد، وإِنما بعضهم عكس. وممن أنكر العدد الإِمام الرَّازي بعد تفصيل ذكره فيه حاصله كما هو: أنه لا يدلّ. وكان أبي ﵀ يقول: التحقيق عندي أن الخلاف في مفهوم العدد، إِنما هو عند ذكر نفس العدد، كاثنين وثلاثة، أما المعدود فلا يكون مفهومه حجّة، كقوله ﵇: "أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ" (٢)، فلا يكون عدم تحريم ميتة ثالثة مأخوذًا من مفهوم العدد. ثم ذكر تمثيل الأصوليين بقوله ﵇: "إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ" ولم يرتضه؛ لأنه ليس فيه اسم العدد، واعتلّ بأن العدد نسبة الصفة، والمعدود نسبة اللقب. وما ذكره إِن لم يكن تنقيح مَنَاط فهو تفصيل حسن. الخامس: مفهوم الحال لم يذكره أكثر المتأخرين؛ لأنه من جملة مفهوم الصفة أيضًا.

стр. 1655

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ومعناه: تقييد الخطاب بالحال مثل: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٧]. وقد أفرده ابن السمعاني بالذكر وقال: إِنه كالصفة. السادس: ما قدمناه من مفهوم الصفة صورته: ما إِذا ذكرت ذات، ثم ذكرت صفتها، مثل: الغنم السائمة، والرجل القائم. أما إِذا ذكر الاسم المشتق مثل القائم فقط، أو السائمة فقط، فهل هو كالصفة أو لا مفهوم له؛ لأن الصفة إِنما جعل لها مفهوم؛ لأنه لا فائدة لها إِلَّا نفي الحكم، والكلام بدونها لا يختلّ، وأما المشتقّ فكاللقب يختل الكلام بدونه. اختلف أصحابنا في ذلك كما حكاه الشَّيخ أبو حامد، وابن السَّمعاني، وغيرهما، وعبارة ابن السمعاني: الاسم المشتق من معنى كالمسلم، والكافر، والوارث، والقاتل يجري مجرى تعليقه بالصّفة في استعمال دليله في قول جمهور أصحاب الشَّافعي. وقال بعضهم: ينظر في الاسم المشتق، فإِن صلح للعليّة استعمل دليله، وإِلا فلا. قلت: وهذا غير ما يقوله المتأخرون: المعلق باسم مشتق يعلل بما منه الاشتقاق؛ فإِن ذلك نظر في العلّة، ولا يلزمها الانعكاس، وهذا نظر في دليل هذا اللفظ، فافهم ذلك. السَّابع: ردّ ابن السَّمعاني على إِمام الحرمين حيث فرق بين الوصف المناسب وغيره بأنه خلاف مذهب الشَّافعي، وبأن العلَّة ليس من شرطها الانعكاس. ولك أن تقول: الإِمام لم يلتزم مذهب الشَّافعي هنا. وأما الانعكاس فقد أورده هو على نفسه، وأجاب بما حاصله: [إِن] (١) قضية اللسان هي الدَّالة عند إِحالة الوَصْفِ على ما عداه، بخلافه. وزعم أن هذا وضع اللِّسَان [ومقتضاه والحالة هذه]، وما كان من مقتضيات اللِّسَان] (٢) فبخلاف العلل المستنبطة، ثم لا يقدح في هذه الصِّفة الجارية مجرى التعليل بمعنى

стр. 1656

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مستنبط؛ فحيل بما يقدح به في العِلَلِ المستنبطة؛ لأن هذه كلفظ أصَّله صاحب الشَّرع في الأحكام، فيتصرف فيه كيف. شاء، بخلاف ما نظنّه نحن ونستنبطه، فإِن القَوَادح إِذا تطرقت إِليه أشعرت بخطئنا فيما استنبطناه. واعترضه شارحًا كلامه المازري وابن الأنباري. أما ابن الأنباري فقال: فهم التعليل من الصفة المناسبة صحيح، وأما استفادة أنه حكم بالنقيض على غيره، فلا يحصل من التعليل؛ إِذ لا يستفاد من التعليل إِلا معرفة البَاعِثِ، فإِذا قلت: أكرم زيدًا لم يفهم النهي عن إِكرام غيره، فإِذا زدت ذكر العلّة في إِكرامه لا يصير له بالزيادة مفهوم لم يكن قبل ذلك، وهذا واضح. قال: فمن زعم أن دلالة اللفظ تزيد عند تعليله، فليس على بَصِيرَةٍ من أمره. وأما المازري فسلّم الدلالة على النفي عند التَّعليل، ولكن قال: القائلون بدليل الخطاب يقولون: إِن الصفة لم ترد في الشَّرع إِلَّا للإِشعار بأنَّ ما عداها في الحكم بخلافها، سواء عرفنا نحن المُنَاسبة أم لم نعرفها، ولا حاجة لنا إِلى معرفتها بعد نصب الشَّارع الوصف، فلهذا أطلق القوم الجواب في الصفة. قلت: واعتراض ابن الأنباري بارد؛ فإِنَّ الإِمام قد نقل أن الصيغة تدل على النفي عند ذكر العلة، والنقل لا يمنع، ولا سيما من مثل هذا الإِمام. وقوله: العلة لا تزيد مفهومًا - ممنوع، فقد تذكر العرب الباعث للتنبيه على انتفاء الحكم عند الانتفاء. وأما ما ذكره المَازِرِيّ فالإِمام يقول بأن الصفة لا يعرف كونها للتَّعليل إِلَّا عند فهم المناسبة، ويمتنع قولهم: إِنها لم ترد في الشَّرع إِلا للتعليل. ويقول حيث وردت لذلك: لاحت عليها آثار المُنَاسبة، وهذا ينبنى على أنه هل ظهور الإِحالة من شروط العلّة المستنبطة أو لا؟ والإِمام يدّعى أنه شرط، وهي مسألة معروفة في القياس.

стр. 1657

مَفْهُومُ الشَّرْطِ وَأَمَّا مَفْهُومُ الشَّرْطِ فَقَالَ بِهِ بَعْضُ مَنْ لا يَقُولُ بِالصِّفَةِ. وَالْقَاضِي، وَعَبْدُ الْجَبَّارِ، وَالْبَصْرِيُّ عَلَى الْمَنْعِ. لِلْقَائِلِ بِهِ مَا تَقَدَّمَ، وَأَيْضًا يَلْزَمُ مِنِ انْتِفَاءِ الشَّرْطِ انْتِفَاءُ الْمَشْرُوطِ. وَأُجِيبَ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا. قُلْنَا: أَجْدَرُ إِنْ قِيلَ بالاتِّحَادِ، وَالأَصْلُ عَدَمُهُ إِنْ قِيلَ بِالتَّعَدُّدِ. وَأُورِدَ: "إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا". وَأُجِيبَ بِالأَغْلبِ وَبِمُعَارَضَةِ الْإِجْمَاعِ. الشرح: "وأما مفهوم الشرط (١) فقال به بعض من لا يقول بالصفة" وكل القائلين

стр. 1658

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بها (١) وهو إِذن أقوى، والإِمام ينازع في كونه أقوى إِذا كانت الصِّفة مناسبة "والقاضي" أبو بكر، "وعبد الجَبَّار، والنَصْري" والغزالي مصرُّون "على المنع" "القائل به" رجلان كما عرفت، أحدهما من قال بالصفة أيضًا، فحجّته "ما تقدم" في مفهوم الصِّفة من: مقبول، ومزيف، فعاوده. "وأيضًا" دليل يختص به هذا المفهوم، ويقتصر عليه الرّجل الثَّاني الذي أنكر الصفة وأثبته، ومن أجله أقررنا مفهوم الشَّرْط بالذكر بعد أن تضمّنه مفهوم الصفة، وهو أنه إِذا كان شرطًا فهذا معناه؛ لأنه "يلزم من انتفاء الشرط انتفاء المشروط".

стр. 1659

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . "وأجيب": بأنا لا نسلّم أن المشروط في الشَّرط اللغوي يعدم بعدمه؛ لأنه "قد يكون سببًا" وأن يغلب استعمالها في السببية. "قلنا:" كونه سببًا "أجدر" وأدلّ على ما يدّعيه من الانتفاء عند الانتفاء "إِن قيل بالاتحاد" أي: بوجوب اتحاد السَّبب، أو بجواز تعدّده. أما عند الاتِّحَاد؛ فلأنه إِذا انتفى [المسبّب] (١) لامتناع المسبب بدون سببه، بل هو مع عدم السَّبب أجدر بالانتفاء من المشروط؛ لانتفاء شرطه مع وجود السَّبَب، "والأصل عدمه" أي: عدم تعدّد السبب "إِن قيل بالتعدّد". فإِذا انتفى فقد انتفى السَّبب مطلقًا، فينتفى المسبب. "وأورد" على سبيل النقض: " ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [سورة النور: الآية ٣٣] "؛ فإِنه شرط، لقوله: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾، ولا ينتفى الحكم بانتفائه؛ إِذ يحرم الإِكراه إِن أردن التَّحصين أم لم يردن. "وأجيب بالأغلب" أي: أنه ممَّا خرج مخرج الأغلب؛ إِذ الغالب أن الإِكراه يكون عند إِرادة [التَّحصن] (٢)، فلا مفهوم له كما تقدَّم. "ومعارضة الإِجماع" أي: وأجيب: بمعارضة الإِجماع القائم على تحريم الإِكراه على البغاء مطلقًا بمفهوم "إِن أردن"، والمفهوم إِذا عارضه الإِجماع اضمحلّ. وأحسن من الجوابين أن يقال: لا يتصوّر الإِكراه عند عدم إِرادة التَّحصين؛ لأنه حمل المرء على ما يكره. تنبيه لا خلاف في انتفاء الحكم عند انتفاء الشَّرْط، ولكن هل الدَّال على الانتفاء صيغة الشرط أو البقاء على الأصل؟ قال من جعل الشَّرط حجة بالأول.

стр. 1660

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقال من أنكره بالثاني. والحنفية يختلفون في مفهوم الشَّرط: فذهب الكَرْخي وغيره منهم إِلى الاحتجاج به. وأنكره أبو زيد الدبوسي (١) وقال: انتفاء المعلق حال عدم الشَّرط لا يفهم من [التعلق] (٢)، بل يبقى على ما كان قبل ورود النص؛ قال أبو زيد: [وحاصل] (٣) الخلاف يرجع إِلى أن الشرط هل يمتنع به انعقاد علَّة الحكم؟ فعندنا: يمتنع. وعندهم: لا. فإِذا لم يكن الشَّرْط عندهم ممَّا يمتنع انعقاد العلّة كانت العلّة موجودة، وكانت موجبه للحكم، والشرط منع [دخول] (٤) الحكم. قال: وعندنا لما كان الشَّرط يمنع انعقاد العلّة لم تكن العلّة موجودة حتى توجب الحكم، فلم يتصوّر إِسناد منع الحكم إِلى الشرط. وقد احتجّت الحنفية على قولهم بأن: التعليق دخل على السَّبب، لا على الحكم؛ فإنَّ السبب قوله: أنت طالق، والتعليق دخل عليه، فإِن [قوله] (٥). أنت طالق تطليق، وقد علقه بدخول الدار؛ ألا ترى أنه قصد التطليق [عند دخول الدار، لا في الحال؟ وهذا لأنه جعل التَّطليق] (٦) جزاء لدخول الدَّار، والجزاء في اللغة يتعلّق وجوده بوجود الشرط؛ فإن من قال

стр. 1661

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لغيره: إِن أكرمتني أكرمتك، أو أكرمك إِن أكرمتني، فقد علّق التزام إِكرامه بإِكرام صاحبه إِياه، كذلك هنا جعل [التطليق] (١) جزاء دخول الدَّار، فتعلق وجود التطليق بوجود دخول الدَّار، فيكون التعليق على العدم قبل الدُّخول؛ فدلّ أن الشَّرْط امتنع به انعقاد العلّة. تنبيه [إِنه] (٢) إِذا دخل الشَّرط على الطَّلاق وعلّقه منع تعلقه وصوله إِلى محله، والعلة الشرعية لا تصير علّة إِلا بوصولها إِلى محلّها، ولا تكون علّة إِذا قصرت عن محلها. وهذا بخلاف البيع على أن البائع بالخيار، أو على أن المشترى بالخيار؛ فإِن كلمة "على [أن] " (٣) وإِن كانت كلمة شرط لكن عملها خلاف كلمة التعليق، وهو كلمة "إِن"، فإِنك إِذا قلت: أزورك إِن زرتني كنت معلقًا وجود زيارتك بزيارة صاحبك. وإِذا قلت: أزورك على أن تزورني كنت معلقا زيارة صاحبك بزيارتك، وتكون زيارتك سابقة على زيارة صاحبك. وإِذا كانت كلمة "على أن" عملها خلاف عمل كلمة "إِن" فلا توجب كلمة "على أن" تعليق نفس البيع، بل توجب تعليق أمر آخر هو المطلوب من البيع، وهو الملك، فيتعلّق حكم البيع - أعني الملك - بالاختيار. وأما نفس البيع فانعقد في الحال، يدلّ عليه أن في مسألتنا دخلت كلمة الشَّرط على السبب؛ لأنه قال: إِن دخلت الدار فأنت طالق، وفي البيع لم تدخل كلمة الشَّرْط على السَّبب، إِنما نجَّز البيع تنجيزًا، ثم أثبت لنفسه فيه خيارًا، وحكمه ما عرف في الشَّرع من امتناع اللزوم وعدمه. وقال أبو زيد في "تقويم الأدلّة": قوله لعبده: إِن دخلت الدّار فأنت حر، الحرية قبل دخول الدّار منعدمة؛ لانعدام العلّة، لا لانعدام الشرط ها هنا بعد وجود سببها؛ لأن قوله:

стр. 1662

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أنت حر كما لا يعمل حتى تتم الصيغة، فقوله: أنت حر لا يعمل حتى يحلّ محلًّا صالحًا للتحرير، فإِنه لو أضافه إِلى ميتة أو بهيمة لغا. فقوله: إِن دخلت الدّار منع وصول هذا الإِيجاب إِلى العبد؛ لأنه تعلّق بالدخول، فلا يصل إِليه قبل وجوده، كالقِنْدِيلِ المعلّق بحبل لا يكون واصلًا إِلى الأرض، وإِذا لم يصل إِلى محله لم يصر قوله: أنت حر علّة، بل كان يعرض أنه يصير علّة بالوصول إِليه عند وجود الشرط، كالرّمي لا يكون سببًا للقتل قبل وقوع السهم في المرمى، ولكن يعرض أن يكون علَّة إِذا وصل إِلى محله. وعرفهم في هذا أن الشرط يحول بين العلّة ومحلها، فلا يصير معه علَّة؛ لأنه داخل على أصل العلّة، لا على الحكم، بخلاف شرط الخِيَارِ والأجل، فإِنهما يدخلان على الحكم على ما ذكرنا. ولهذا لو حلف ألَّا يبيع فَبَاعَ بأجل، أو شرط خيار حنث، ولو حلف لا يطلق فعلّق الطلاف لم يحنث. قال: ولهذا جوزنا تعليق الطلاق بالملك؛ لأنّه ليس بطلاق؛ لأن ما كان معلقًا بالشرط غير واصل إِلى المرأة على ما ذكرنا، وإِنما هو يبين ويصير طلاقًا عند الشرط، فاعتبر الملك - حينئذٍ؛ لأن الملك - أعني ملك النكاح شرط الطلاق لا اليمين، ومحل اليمين هو الذمة مثل اليمين بالله. قال: ولهذا الأصل لا يجوز تعجيل الكَفَّارة قبل الحنث؛ لأن اليمين سبب الكَفَّارة بشرط الحنث، فقبل الشرط لا يكون سببًا، ويكون ابتداء وجوب الكَفَّارة حين الحنث، فلا يتصور الأداء قبله، كما لا يتصوّر الأداء قبل اليمين، وكما لا يتصوّر تعجيل الصوم. قال: وفرْقهم بالبدني والمالي ساقط؛ لأن الكَفَّارة عبادة، والعبادة عبارة عن فعل العبد ماليًّا كان أو بدنيًّا، وإِنما يختلف محلّ الفعل، فالمالي ما يكون محله المال، والبدني ما محلّ فعله البدن. وأما الواجب ففعل من العبد في الحالين بإِيجاب الله تعالى. قال: وهذا بخلاف دين العبد الذي يجب عوضًا؛ لأن الواجب هناك هو المال، والتسليم لنفس الواجب؛ لأن المستحقّ لصاحبه مال بإِزاء حقه، وليس المستحق لصاحبه

стр. 1663

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فعل؛ لأنه لا حق للعبد في فعل العبد. وأما الباري - عَزَّ اسمه - فما استحق على العبد إِلَّا العبادة، وهي فعل يفعله العبد. قال: وعلى هذا الفصل نقول في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [سورة النساء: الآية ٢٥]: إِن الله - تعالى - أباح الأمة عند عدم الطول، وما حرمها عند وجوده، بل لم يذكره أصلًا، فاستبيح نكاحها في هذه الحالة بسائر الآيات. هذا حاصل كلام أبي زيد. ودليلنا على أن الشرط يدلّ على انتفاء الحكم عند انتفائه، وقد قدمناه. ولكن لما أورد علينا أنه قد يكون سببًا أجبنا بأنه حينئذٍ أجدر وأدل كما عرفت. وهنا قد علمت أن أصحابنا لا يجعلون السَّبب منتفيًا عند انتفاء الشرط، وإِنما عمل ذلك الحنفية. ولما كان غرضنا في الأصول إِثبات المفهوم فقط، قلنا: كونه سببًا أدلّ. وإِذا جئنا إِلى تحقيقات الفروع ما نعناهم انتفاء السببية، وذكرنا ما يدرأ كلماتهم ويمخضها، فنقول: الشرط لا يؤثر في العلّة، وإِنما يؤثر في حكمها؛ فإِنّ من قال لامرأته: أنت طالق إِن دخلت الدّار، فقوله: إِن دخلت لا يؤثر في قوله: أنت طالق، بل في حكمه؛ فإِنه يمنع ثبوت حكمه ولا يمنع ثبوته؛ فإِن قوله: أنت طالق ثابت مع الشرط، كما هو ثابت بدونه، ولكن حكمه لا يثبت لأجل الشرط، فكان أثر الشرط في منع حكم العِلة، لا في نفس العلّة. والدَّليل عليه: أنه لو لم يقترن به الشَّرط ثبت حكم العلّة، وقوله: أنت طالق ثابت في الصورتين، ولكن الحكم منعدمٌ عند عدم الشرط، ويثبت عند وجوده. فثبت أن عمل الشرط في الحكم فحسب، وتحقيق هذا الفصل أن سبب الطلاق قوله: أنت طالق، وقد وجد هذا بصورته سواء وصل به قوله: إِن دخلت أو لا، وكلمة "إِن" يجوز أن تدخل على السَّبب فتعلقه كما قالوا، ويجوز أن تدخل على الحكم، فيكون عمله تأخير الحكم. والدَّليل على جواز ذلك: أنه كما يجوز أن يكون معنى قوله: إِن دخلت الدار فأنت طالق سببًا يجوز أن يكون المعنى: إِن دخلت الدار أنت طالق وقوعًا ونزولًا؛ لأن النَّازل في

стр. 1664

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . المحلّ والواقع قوله: أنت طالق. ألا ترى أنه إِذا اتَّصل الحكم بالسَّبب تكون هي طالقًا من حيث الوقوع، وإِذا لم يتّصل، وتعلّق بالدخول تكون هي طالقًا من حيث السبب. والحرف على هذا أن المعلّق هو الطَّالقية نزولًا لا الطَّالقية سببًا. فثبت قطعًا أنه يجوز أن يدخل الشرط على الحكم، ويجوز أن يدخل على السبب. فنقول: دخوله على الحكم لمنعه أولي؛ لأن قوله: أنت طالق كلمة مستقلّة صحيحة لثبوت التَّطليق، أو لثبوت عقد الطَّلاق، وإِيصال حكمه؛ ألا ترى أنه لو لم يعلقه بالشرط ثبت كلاهما، فإِذا وصل بالشَّرْط نمنع الحكم لضرورة الشرط، ولا ضرورة في منع السبب، وانعقاده علّة، فانعقد السبب وتأخر الحكم؛ ولأن الطلاق عَقْد شرعي له حكم، وقد وجدنا في أصول الشَّرع وحود عقد بصورته، وتأخر حكمه، ولم نجد في أصول الشَّرع وجود عقد بصورته وتأخر العقد عنه، وهذا لأن عقد التطليق قوله: أنت طالق مضافًا إِلى المحلّ، فإِذا وجد وتحقق، فكيف يحكم بتأخره؟. نعم يجوز أن يتأخر حكمه؛ لأنه لم يوجد، فأما تأخر عقد الطَّلاق مع وجوده بصورته من أهله في محله، فمحال. وخرج على هذا قوله: إِن أكرمتني أكرمتك؛ لأنه لا يتصوّر دخوله إِلَّا على الإِكرام فحسب، وها هنا يتصوّر دخوله على الحكم [لا على] (١) السبب، وهذا لأن الإِكرام شيء واحد، فلا بد إِذا علّق بشيء أن يتأخر. وأما هنا فإِنه عقد شرعي له حكم، فيجوز أن يدخل على الحكم فيتأخر، ويتنجّز العقد. وهذا فصل عظيم أطال فيه أصحابنا النفس في خلافيات الفُرُوع، وفيما ذكرناه مقنع وبلاغ. وقولهم: إِن الطَّلاق ما ينزل في محلّه. قلنا: قد اتّصل بالمحلّ بقوله: أنت طالق، وهذا كافٍ للاتصال سببًا، وأما الاتصال

стр. 1665

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقوعًا ونزولًا، فيكون عند الشرط. وأنت ترى ماذا من عظائم المسائل ينبنى على هذا الأصل بيننا وبين الخصوم، فعليك بحفظه. وكان أبي - تغمده الله برحمته - يقول في قولك مثلًا: إِن دخلت الدار فأنت طالق: إِن هذا إِنشاء للتعليق، لا تعليق للإِنشاء؛ فإِن الإِنشاءات يستبعد تعليقها. قال: وإِنما قلنا ذلك؛ لأن القضية المَجْعُولة جواب الشرط سواء أكانت خبرية أو إِنشائية فيها أمران: أحدهما: نسبة أحد جزئيها إِلى الآخر. والثَّاني: الحكم بتلك النِّسْبة. وهذا الثَّاني هو المنقسم إِلى: الإِخبار، والإِنشاء، وكلّ منهما يستحيل تعليقه؛ لأنهما نوعان من أنواع الكلام، يستحيل وجودهما حيث لا كلام. والشرط قد يوجد حين يكون الشَّارط ساهيًا ونائمًا وغير متكلّم، فيستحيل كون الإِنسان منشئًا ومخبرًا حيث لا يكون متكلمًا، فالتعليق إِنما هو في النسبة الحاصلة بين جزئي الجملة، يعني أن تلك النسبة موقوفة على ذلك الشرط. والشخص المعلّق حاكم بتعليقه بذلك إِما خبرًا، وإِما إِنشاء، فحكمه حاصل الآن. ولذلك إِذا قال: إِن قام زيد قام عمرو حسن تصديقه وتكذيبه الآن، فيقال: ليس إِن قام زيد قام عمرو، فالموقوف على دخول الدَّار هو الطلاق لا التطليق؛ فإِن الطَّلاق هو انقطاع العِصْمة، وهو انفصال ناشيء عن التَّعْليق ووجود الصفة، وهذا معنى قول الفقهاء: الصِّفة وقوع الإِيقاع. وأما التَّطليق فهو تصرف الزوج تارةً بالتنجيز، وتارة بالتَّعليق، فإِذا وجد المعلق عليه وجد أثره، وهذا معنى قول الفقهاء: التعليق مع الصفة تطليق، وليس معناه: أن الصفة جزء من التَّطليق الذي هو فعل الزوج، وإِنَّمَا معناه: أنه عند ذلك يصدق التَّطليق، كما لا يصدق عليه حقيقة إِلا عند حصول العلم، وتخلّل الزمان بين التعليق والصفة لا يقدح في ذلك. وقد أطال أبي ﵀ في تقرير ذلك في كتابيه في الرد على ابن تيمية في مسألة

стр. 1666

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الطلاق: كتاب "التحقيق" وكتاب (رافع الشقاق)، ولا مزيد على نفاسته، وبه يتحقق ما يقوله علماؤنا من أن سبب وقوع الطَّلاق موجود مع التعليق. ومن أصحابنا من يقول: سببه التَّعْليق والصفة جميعًا، وليس بشيء، بل الصفة شرط فقط. والحنفية يقولون: التَّعليق يصير إِيقاعًا في ثاني الحال كما عرفت، وعليه يتخرج أمهات من المسائل كما عرفناك. وكنت أسمع أبي ﵀ يقول: استنبطت من التَّدبير والوصية أن من علّق الطلاق بصفة لا يقدر أنه منشيء للطلاق عند وجودها كما يقول الحنفيّة؛ إِذ لو كان كذلك الموصى والمدبر يقدر تصرفه حال الموت، وهو حينئذٍ غير مالكٍ للتصرف، بل التصرف حال اللَّفظ والحكم مستند إِليه. قلت: وهذا حسن ينضم إِلى ما تقدم. وإِن مَوَّه مُمَوِّه بأن يعتق حال الموت، وهو في حال موته مالك، والتفت على أن العلة مع المعلول. دفعنا هذا التمويه بقولك: إِن متّ ودخلت الدار فأنت حر، فإِنه صحيح، ودخول الدار يتراخي عن الموت، فلو قدر عنده إِيقاع لقدر بعد حصول الموت قطعًا. ومن فروع الفقه [المبنية] (١) على مفهوم الشَّرط أن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [سورة الطلاق: الآية ٦] يدل عندنا بالمفهوم على أن النفقة لا تجب عند عدم الحمل، فلا نفقة للمعتدة الحِائل؛ خلافًا لهم. ومسألة نكاح الأمة لمن لم يستطع طولًا تقدمت في خلال الكلام، وفي المسائل كثرة فلا نطيل. تمّ الجزء الثالث من كتاب رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب ويليه الجزء الرابع وأوله مفهوم الغاية

стр. 1667

رَفعُ الحَاجِبِ عَن مُختَصَر ابْن الحَاجِب تأليف تَاج الدّين أبي نَصر عَبْد الوهَّاب بن عَلي بن عَبْد الكافي السُّبْكي (٧٢٧ - ٧٧١ هـ) تحَقيق وَتعِليق وَدِرَاسَة الشيخ عَلي محمَّد معَوض الشيخ عَادِل أحمد عَبد المَوجُود الجزءُ الرابع عالم الكتب

стр. 1668

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1669

رَفعُ الحَاجِبِ عَن مُختَصَر ابْن الحَاجِب

стр. 1670

عالم الكتب للطباعة والنشر والتوزيع بيروت - لبنان ص. ب: ٨٧٢٣ - ١١، برقيًا: نابعلبكي هاتف: ٨١٩٦٨٤ - ٣١٥١٤٢ - ٦٠٣٢٠٣ (٠١) خليوي: ٣٨١٨٣١ (٠٣) فاكس: ٦٠٣٢٠٣ - ١ (٩٦١) جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة للدار الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ - ١٩٩٩ مـ يمنع طبع هنا الكتاب، أو أي جزء منه، أو اختزال مادته بطريقة الاسترجاع، كما يمنع الاقتباس منه أو التمثيل أو الترجمة لأية لغه أخرى، أو نقله على أي نحو، وبأية طريقة، سواء كانت إلكترونية أو ميكانيكية أو بالتصوير أو بالتسجيل أو خلاف ذلك، إلا بموافقة خطية مسبقة من الناشر.

стр. 1671

مَفْهُومُ الغَايَةِ (١) مَفْهُومُ الْغَايَةِ قَالَ بِهِ بَعْضُ مَنْ لا يَقُولُ بِالشَّرْطِ، كالْقَاضِي وَعَبْدِ الْجَبَّارِ. لِلْقَائِلِ بِهِ مَا تَقَدَّمَ، وَبِأَنَّ مَعْنَى: صُومُوا إِلَى أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ آخِرُهُ غَيْبُوبَةُ الشَّمْسِ، فَلَوْ قُدِّرَ وُجُوبٌ بَعْدَهُ لَمْ يَكُنْ آخِرًا. الشرح: "قال به بعض من لا يقول بالشرط كالقاضي" (٢) أبي بكر، فإِنه نص عليه في

стр. 1672

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . "التقريب"، "وعبد الجَبَّار"، ومن أجلهما أفردناه بالذكر بعد تضمُّن دليل الصفة له. وصمم بعضهم كالآمدي، وطائفة من الحنفية على المنع "القائل به" رجلان: أحدهما من قال بالشرط أيضًا، فاحتج بمثل "ما تقدم" في الصفة، "وبأن معنى: صوموا إِلى أن تغيب الشمس" صوموا صومًا "آخره غيبوبة الشمس، فلو قدر وجوب بعده لم يكن آخرًا"، وهو خلاف المنطوق.

стр. 1673

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وهذا دليل ينفرد به من ينكر ما عدا الغاية ويقول بها. قال القاضي في "التقريب" محتجًا له: ولهذا لم يحسن أن يقول قائل: اضرب المذنب حتى يتوب وهو يريد: واضربه وإِن تاب، وإِلا يلغو كلامه. قال: وهذا من توقيف أهل اللُّغة معلوم، فكان بمنزلة قولهم: تعليق الحكم بالغاية موضوع للدلالة على أن ما بعدها بخلاف ما قبلها. واحتج القاضي أيضًا بالاتفاق على أنك تقدر في الغاية الطّهر فتقول في: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٢٢]، تقديره: فاقربوهن، وفي: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٣٠]: فتحل، ونحو ذلك. وإِذا تأملت كلام القاضي وقوله: إِن هذا معلوم من توقيف أهل اللُّغة إِلى آخره ظهر لك منه أنه يدعى ثبوت الحكم فيما بعد الغاية وضعًا لفظيًّا، فليس عنده مفهومًا، بل منطوقًا، فاندفع إِيراد القُطب الشِّيرَازي حيث ردد في قول المصنّف لو قدر وجوب بعده لم يكن أخيرًا، فقال: لم يكن آخرًا للمأمور به، أو لمطلق الصوم؟ الأول مسلم، ولا يدفع الدعوى، والثَّاني ممنوع. فنقول: إِذا كان الحكم ثابتًا فيما بعدها نطقًا استحال ورود اللَّفْظ بخلافه، ولا مخصصًا أو ناسخًا، ويخرج عما نحن فيه، فافهم. فإِن قلت: فإِذن لا مفهوم للغاية عند القاضي، بل هي منطوق. قلت: كذلك هو، ولذلك احتج إِلى إِفراده بالذكر كما علمت. وإِنما حسن إِيراده في المفاهيم قول الأكثر: إِنه مفهوم، فسلكنا سبيلهم، وأوردناه، ولم نهمل جانب من ادّعى أنه منطوق، وأنه فوق الشَّرط والصفة، بل من أجله خصصناه بالذكر، وأفردناه، فهو كأنما قيل: لا يفيد. وقيل: منطوق. وقيل: مفهوم، [فهذه] (١) المفاهيم الأربعة الَّتي ذكرها سلفنا يظهر فيها نزاعهم، وأكثرها على القول بها.

стр. 1674

وَأَمَّا مَفْهُومُ اللَّقَبِ فَقَالَ بِهِ الدَّقَّاق، وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ، وَأَيْضًا فإِنَّهُ كَانَ يَلْزَمُ مِنْ: "مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله" وَ"زَيْدٌ مَوْجُودٌ" وأَشْبَاهِهِ - ظُهُورُ الْكُفْرِ. الشرح: "وأما مفهوم اللَّقب، (١) فقال به" أبو بكر "الدَّقَّاق" من الشَّافعية، وكذا أبو بكر الصَّيرفي منهم كما نقل السهيلي في "نتائج الفكر" في "باب العطف"، وهو غريب (٢). وابن خُوَيز منداد من المالكية كما نقل المَازِرِيّ، "وبعض الحنابلة". ومنهم من عَزَاهُ إِلى أحمد نفسه (٣).

стр. 1675

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفرق بعض علمائنا بين أسماء الأنواع، فجعل لها مفهومًا، دون أسماء الأشخاص. ووقع في كلام جماعة من أئمتنا كالشيخ أبي حامد، وابن السمعاني وغيرهما ذكر مفهوم الأعيان قالوا: وهو كقولك: في هذا المال زكاة، وعلى هذا الرجل حج قالوا:. وهو كاللَّقب. قلت: وحذف المتأخرون هذه العبارة لاشتمال اللقب على معناها، "وقد تقدم" ذكر أنه مردود، أو ذكر الفرق بينه وبين الصفة بأنها لو أسقطت لم يختل الكلام، بخلافه، فلم يكن المقتضى لكونه حجة - وهو أنه لا فائدة لتخصيصه بالذكر - إِلَّا تخصيص الحكم قائمًا؛ إِذ الفائدة [استقامة] (١) الكلام.

стр. 1676

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . "وأيضًا فإِنه" لو كان حجّة "كان يلزم من" قول القائل: "محمد رسول الله وزيد موجود، وأشباهه ظهور الكفر"؛ لأن مفهومه نفي رسالة غيره من الأنبياء، ويلزم عدم وجود غير زيد، فيعم، فيكون ظاهره أنه نفى وجود الرّب تعالى. وإِنما قال المصنّف: ظهور الكفر، ولم يقل: الكفر نفسه كما فعل غيره؛ لأن الكفر يستدعى كون القائل متنبهًا لدلالة اللفظ مريدًا. ولذلك اعترض الآمدي (١) على من ألزم الكُفْر بهذا، فخلص المصنّف عن اعتراضه بما ذكره. قلت: وقد تبع الآمدي في التمثيل بـ "زيد موجود، ومحمد رسول الله"، وأنت تعلم أنه قدم اختصاص المفاهيم بالإِنشاء، وما ذكره جملتان خبريتان لا مفهوم لهما إِلَّا إِذا قلنا: إِن المفاهيم تطرق الأخبار، ولا نحفظ في ذلك نقلًا عن الدَّقاق، ولا غيره من القائل بمفهوم اللقب. فالصَّواب الإِلزام بضرب من الإِنشاء، وهو ما فعله الأقدمون. حكى الأستاذ أبو إِسحاق: أن ابن الدقاق ألزم عدم إِيجاب الزكاة من وجوب الصلاة. قال: فظهر له بطلانه، وتوقف فيه. قلت: وليت شعري لم توقف ولم لا، قال: هذا مفهوم اللَّفظ، ولكن عارضه منصوص، كما أنّ من قال: أكرم الذات العابدة الموجودة أفهم بالصفة عدم إِكرام الذات الَّتي ليست بعابدة، ويلزم عليه ذات الباري - تعالى - فإِنها معبودة لا عابدة؟ فجوابنا في مفهوم اللَّقب كجوابكم في مفهوم الصِّفَةِ عن هذا. وقد يقال؛ إِنَّ القائلين بمفهوم اللَّقب يمنعون أن تكون العَرَبُ تنطق بهذا؛ لأنه لا فائدة فيه، فهو ضربٌ من اللَّغو؛ إِذ الغرض أن لفظ الصفة لا فائدة له غير نفي الحكم عما عدا الملفوظ، فإِذا فرض أن لفظ الصفة لا فائدة له غير نفي الحكم عما عدا الملفوظ، فإِذا فرض أنه لا نفي فيه كما في قولك الفائدة في هذا المثال كان حشوًا.

стр. 1677

وَاسْتُدِلَّ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ إِبْطَالُ الْقِيَاسِ؛ لِظُهُورِ الْأَصْلِ فِي الْمُخَالَفَةِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْقِيَاسَ يَسْتَلْزِمُ التَّسَاويَ فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، فَلا مَفْهُومَ، فكَيْفَ بِهِ [هَا] هُنَا؟. الشرح: "واستدلّ بأنه يلزم منه" لو كان حجّة "إِبطال القياس؛ لظهور الأصل" المقيس عليه "في المخالفة" للفرع، فإِنَّ النَّص الدَّال على حكم الأصل إِن تناول الفرع لم يكن فرعًا، بل كان ثابتًا بالنص كالأصل، وإِلَّا دلَّ المفهوم على انتفاء الحكم فيه، وكان إِثباته بالقياس مراغمًا للمفهوم فقوله مثلًا: البُرّ بالبر يفهم أن الزبيب ليس بربوي، فلو أَلحق به قياسًا بجامع الطعم راغم المفهوم. "وأجيب بأن القياس يستلزم التساوي"؛ بين الأصل والفرع في المعنى، وإِذا حصل ذلك، دلّ على الحكم في الفرع بمفهوم الموافقة، وبطل مفهوم المخالفة كما علمت. وهذا في المفهوم "المتفق عليه" بيننا، وهو الصفة والشرط، "فلا مفهوم" مخالفة مع التساوي؛ إِذ شرطه ألَّا يظهر أولوية مُسَاواة. ولو كان في المفهوم القوي المتفق بيننا وبين من يثبت اللَّقب على أنه حجّة، "فكيف به ها هنا؟ " مع ضعفه والخلاف فيه. والحاصل أن التعارض بين المفهوم والقياس غير متصوّر؛ لأن القياس مساواة، والمفهوم لا يكون أولى ولا مساويًا، وإِلَّا كان مفهوم موافقة لا مخالفة، فلا مفهوم إِذن مع المساواة، ولا قياس مع عدمها. ولا يخفى عليك أنَّ هذا لا [ينهض] (١) إِلَّا على من يسلم أنّ شرط مفهوم المخالفة ألَّا تظهر [مساواة] (٢). وكان أبي ﵀ يقول: ولئن تخيل ثبوت المُخَالفة مع المُسَاواة، فللدّقاق أن يقول: المفهوم يدلّ على انتفاء ما عدا البُرّ مثلًا مطلقًا، والقياس إِنما يُلْحق ما شاركه في المعنى كالزَّبيب دون ما لم يشاركه كالرَّصاص، فغاية فعل القياس حينئذٍ تخصيص المفهوم، ولا بدع في تخصيص المَفْهُوم بالقياس، بل ولا المنطوق.

стр. 1678

قَالُوا: لَوْ قَالَ لِمَنْ يُخَاصِمُهُ: لَيْسَتْ أُمِّي بِزَانِيَةٍ، وَلا أُخْتِي - تبَادَرَ نِسْبَةُ الزِّنَا إِلَى أُمِّ خَصْمِهِ وَأُخْتِهِ، وَوَجَبَ الْحَدُّ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ رَحِمَهُمَا اللهُ. قُلْنَا: مِنَ الْقَرَائِنِ لا مِمَّا نَحْنُ فِيهِ. الشرح: والقائلون بمفهوم اللَّقب "قالوا: لو قال لمن يخاصمه: ليست أمي بزانية، ولا أختي، تبادر" إِلى الفهم منه "نسبة الزنا إِلى أم خصمه وأخته، ووجب الحد" - حد القذف - "عند مالك وأحمد"، ولو لا ثبوت مفهوم اللّقب لما تبادر ذلك. "قلنا": تبادر "من القرائن" الحالية، وهي الخصام، وإِرادة الإِيذاء "لا ممَّا نحن فيه" من المفهوم الذي يكون اللَّفظ ظاهرًا فيه لغة. وعلى أنا لا نسلّم هذا الحكم، فمذهبنا: أنه ليس بقذف صريح، ولا كناية، بل لا نجعله - على الصحيح - كناية، وإِن ثبت له مفهوم؛ إِذ مذهبنا الصحيح فيمن قال: أما أنا فلست بزان، أنه ليس بقاذف وإِن نوى. وقال الشيخ أبو حامد: يكون كناية، ولا خلاف في أنه غير صريح مع حصول المفهوم المتّفق عليه بين القائلين بالمفاهيم؛ لأن "أما" حرف شرط مع انضمام حصر المبتدأ في الخبر بقوله: أنا لست بزانٍ، وهذا على تقدير أنَّ المفاهيم يعمل بها في كلام النَّاس. وكان أبي ﵀ يقول: إِنما يعمل بها في كلام الشارع. قلت: وهو ظاهر في المذهب، إِذ نقل الرافعي عن فَتَاوى القاضي الحسين من غير أن يتعقّبه بنكير، أنه لو ادّعى عليه غيره فقال: لا يلزمني تسليم هذا المال اليوم لا يجعل مقرًّا؛ لأن الإِقرار لا يثبت بالمفهوم. قلت: ويمكن أن يقال: إِن قلنا: دلالة المفهوم بوضع اللِّسَان فهي والمنطوق سواء، فيعمل بها في كلّ كلام. وإن قلنا بالشرع فلا يعمل بها إِلَّا في كلام الشَّارع، واعلم أن هذه هي المفاهيم الَّتي ذكرها الأصوليون.

стр. 1679

وَأَمَّا الْحَصْرُ بِـ "إِنَّما" فَقِيلَ: لا يُفِيدُ. وقيلَ: مَنْطُوقٌ. وَقِيلَ: مَفْهُومٌ. الأَوَّلُ: إِنَّمَا زَيْدٌ قَائِمٌ مِثْلُ إِنَّ زيدًا قَائِمٌ، وَالزَّائِدُ كَالْعَدَمِ. الثَّانِي: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة طه: الآية ٩٨] بِمَعْنَى مَا إِلَهُكُمْ إِلَّا الله، وَهُوَ المُدَّعي، وأمَّا مِثْلُ: ﴿إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ﴾، وَ "إِنَّمَا الْوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ فَضَعِيفٌ؛ لأِنَّ العُمُومَ فِيهِ لِغَيْرِهِ فَلا يَسْتَقِيمُ لِغَيْر الْمُعْتِقِ وَلاءٌ ظَاهِرًا. الشرح: "وأما الحصر" الذي يدعى بعضهم حصوله بـ "إِنما" فنقول: اختلف في "إِنما" هل تفيد الحصر؟ (١).

стр. 1680

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . "فَقيل: لا تفيد". "وقيل": تفيد. ثم اختلف فقيل: "منطوق". "وقيل": مفهوم. وعلى هذا يتّجه ذكره في المفاهيم دون القولين. وإنما ذهب إِلى هذا شِرْذِمَةٌ قليلون؛ فلذلك لم يذكر الأكثرون "إِنما" في باب المفاهيم، وإِن ذكروا الغاية. والقول بأنها لا تفيد الحَصْر: هو رأي الآمدي، واختاره شيخنا أبو حيّان، واشتد نكيره على من يخالفه. والقول بأنها تفيده هو رأي أبي إِسحاق الشيرازي، والغزالي، وإِلكيا، والإِمام الرازي وغيرهم. واختاره أبي ﵀ وقال: إِن المخالف فيه مستمرّ على لجاج (١) ظاهر. ونقله ناقلون عن القاضي، والذي رأيته في "التقريب" أنها عنده محتملة لتأكيد الإِثبات، ومحتملة للحصر، وزعم أن العرب استعملتها لكلّ من الأمرين: احتج "الأول" وهو النّافي بأن [قولنا] (٢): "إِنما زيد مثل: إِن زيدًا قائم" والزائد وهو لفظ "ما" كالعدم. واحتج "الثَّاني" وهو القائل بأنه يفيد بمنطوقه بأن قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ﴾ (٣)

стр. 1681

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [سورة طه: الآية ٩٨] بمعنى: ما إِلهُكُم إِلا الله". قوله: "وهو المدعى" يحتمل أن يكون من تمام الاستدلال الثَّاني [أي] (١) وإِذا كان المعنى: ما إِلهكم إِلا الله، فهو الحصر المدعي. والأظهر: أنه ابتداء كلام من المصنّف تقريره: أن كلًّا من دليل الأول والثَّاني عين دعواه، فلا يفيد؛ لأن قول الأول: إِنما زيد مثل: إِن زيدًا، وقول الثَّاني: إِنما زيد بمعنى ما زيد إِلَّا كذا، عين الدعوى. وللثاني أن يقول: ولو لم يكن المعنى: ما إِلهكم إِلا الله، لكان المعنى: الله إِلهكم، وهم [لم ينازعوا] (٢) في ذلك إِنما كان الكلام في إِلهية غيره، فلم يكن ذلك نفس الدعوى. وذكر أبي ﵀ آيات كثيرة يتبادر فهم الخَصْم منها، ومن أوضحها: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٢٠]. قال: لو لم تكن هناك للحصر لكانت بمنزلة: وإن تولوا فعليك البلاغ، وهو عليه البلاغ تولوا، أم لم يتولوا. قال: وإِنما المرتب على توليهم نفى غير البلاغ ليكون تسليةً له وإِعلامًا أن توليهم يضره. وأما احتجاج من احتجّ على الحصر بتبادره إِلى الفَهْم في قوله ﷺ ﴿إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ﴾، "وَإِنَّمَا الوَلاءُ" لِمَنْ أَعْتَقَ"، وهما حديثان ثابتان في "الصحيحين" وغيرهما، "فضعيف؛ لأن العموم فيه" وهو الحصر واقع "بغيره"، "فلا يستقيم لغير المعتق ولاء ظاهر". أي: أن الحصر نشأ من عموم الأعمال والولاء؛ إِذ معناه: كلّ عمل بِنِيَّةٍ، وكل ولاء للمعتق، وهو كفى موجب، فينتفى مقابله الجزئي السَّالب، وهو: بعض العمل بغير نية، وبعض الولاء ليس لمن أعتق.

стр. 1682

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . كذا قرره القاضي عضد الدِّين الإِيجي، وهو حسن، وجعله بعضهم جواب سؤال مقدر تقريره: لو كانت "إِنما" للحصر؛ لما صحّ عمل بغير نِيَّة، ولا ثبت ولاء لغير المعتق للمحدثين، والتالي باطل؛ إِذ بعض الأعمال صحيح بغير نيّة، والولاء قد ثبت لوارث المعتق، وهو من تلقى (١) عن المعتق. وجوابه: أنّ ذلك لغير هذا الحديث، ولكن ظاهر الحديث أن الولاء لا يكون لغير المعتق، وأن العمل لا يكون بغير نيّة مطلقًا. وقد يجاب بالمنع فيقال: لا نسلم ثبوت عمل بغير نِيَّة، وما يذكر من عمل لا نية فيه، ليس المنتفى عنه إِلا النّية المقارنة لا مطلق النّية كما يحقق ذلك الفقيه، فيقول في قراءة القرآن مثلًا: لا يشترط فيها نيّة مقارنة؛ لتميزها بنفسها. وأما أصل القصد فلا بد منه، وألَّا يكون [غافلًا] (٢)، ولا نسلّم ولاء لغير المعتق، ووارثه يتلقى عنه، ويدعى أنه يثبت للمعتق ابتداء، ثم ينتقل عنه إِلى ورثته، ولا بدع في هذا، وإن كان المعتق [ميتًا] (٣). كما قلنا في الدِّيَةِ على أحد القولين: إِنها تثبت للمقتول، ثم تنتقل إِلى الورثة. وليس لك دفع هذا بأنها على القول بثبوتها للمقتول تثبت في آخر جزء من حياته، فإِنه ما دامت فيه حياة مستقرة لا دية واجبة. "تنبيه" "ما" في "إِنما" ليست نافية، بل زائدة كافّة موطّئة لدخول الفعل. وزعم جمع من الأصوليين والبيانيين أنها نافية، وأن ذلك سبب إِفادة "إِنما" للحصر. قالوا: لأن "إِن" للإِثبات "وما" للنفي، فلا يجوز توجيههما معًا إِلى شيء واحد؛ لئلا يتناقض. ولا أن يقال: "إِن" تقتضى ثبوت غير المذكور، و"ما" تنفى المذكور؛ لأنه خلاف

стр. 1683

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الواقع والاتفاق، فيتعين أن يكون "إِن" لإِثبات المذكور، و"ما" لنفى غيره، وذلك هو الحصر. وهذا مبنى على مقدّمتين باطلتين بإِجماع النُّحاة؛ إِذ ليست "إِن" للإِثبات، وإِنما هي لتأكيد الكلام إِثباتًا كان أو نفيًا نحو: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [سورة النساء: الآية ٤٨]، وليست "ما" للنفي، بل هي كما ذكرناه. وهي بمنزلتها في أخواتها "ليتما"، و "لعلما"، و"لكنما"، و"كأنما". وقد نسب القَرَافي القول بأنها نافية لأبي على الفارسي في كتاب "الشيرازيات". قال بعض أئمة النحو في زماننا: ولم يقل ذلك الفارسي في "الشيرازيات" [ولا غيرها، ولا قاله نحويٌّ غيره قال: وإِنما قال الفارسي في "الشيرازيات"] (١): إِن العرب عاملوا "إِنما" معاملة النفي و"إِلّا" في فصل الضمير؛ كقول الفرزدق [الطويل] .... ....................... وإِنَّمَا … يُدَافعُ عَنْ أَحْسَابهِمْ أَنَا أَوْ مِثْلِي وهذا (٢) كقول الآخر: [السريع]. قَدْ عَلِمَتْ سَلْمَى وَجَارَاتُهَا (٣) … مَا قَطَّرَ (٤) الفَارِسَ إِلَّا أَنَا (٥) وقال أخي الشيخ العلامة بهاء الدّين أبو حامد، تغمّده الله برحمته: لعلَّ القرافي أخذه من قول أبي علي في "الشِّيرَازيات" بعد ذكره، أن "إِنما" للحصر أن الحصر أيضًا في: "شرأهر ذاناب، وشيء جاء بك". ثم قال: والأول أسهل من هذا؛ لأن معه حرفًا قد دلّ عندهم على النفي. انتهى. ثم قال: وهذا ليس صريحًا في أنها والحالة هذه نافية. قلت: هو ظاهر فيه.

стр. 1684

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فائدة ما تقدم في "إِنما" بكسر "إِن"، أما المفتوحة فزعم الزمخشري في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ١٠٨] إِفادتها القصر. وبه صرح التنوخي (١) في كتاب "الأقصى [القريب] " (٢)، وردّ شيخنا أبو حيَّان على الزمخشري، بأنه يلزمه انحصار الوحي في الوحدانية. واعترضه أخي الشيخ أبو حامد: بأن ذلك لازم، وإن لم تكن المفتوحة للحصر؛ لأن الإِلزام جاء من "إِنما". ولو قلت: إِنما يوحي الوحدانية لزم ذلك. قلت: وهو صحيح؛ إِلا أن لأبي حيان أن يقول: المعنى على قول الزمخشري: جميع ما يوحي أن إِلهكم ليس إِلَّا واحدًا فيلزمه: إِن إِلهنا واحد وقادرٌ، وحَيٌّ، وسميع، وبصير إِلى غير ذلك من الصِّفات الَّتي تثبتها، فيلزم من يدعى حصر المكسورة عدم إِيحاء غير الوحدانية، وهو باطل؛ لأنه يوحي إِليه أمور أخر. ومن يدعى حصر المفتوحة أن الإِله ليس إِلَّا واحد، ولعل هذا الإِلزام مراد أبي حيان، وكان صواب عبارته أن يقول: انحصار الإِله في الوحدانية، ولكن المكان ضيق تَنْبُو عنه العبارات. ولعلَّ الزمخشري إِنما ادَّعى الحَصْر لعدم مُبَالاته بهذا الإِلزام؛ فإِنه معتزلى لا يثبت الصفات السَّبعة.

стр. 1685

وَأَمَّا مَفْهُومُ الْحَصْرِ فَمِثْلُ: صَدِيقِي زَيْدٌ وَالْعَالِمُ زَيْدٌ، وَلا قرِينَةَ عَهْدٍ. فَقِيلَ: لا يُفِيدُ. وَقِيلَ: مَنْطُوقٌ. وَقِيلَ: مَفْهُومٌ. الأَوَّلُ: لَوْ أَفادَهُ لأَفَادَ الْعَكْسَ؛ لِأَنَّهُ فِيهِمَا لا يَصْلُحُ لِلْجِنْسِ، وَلا لِمَعْهُودٍ مُعَيَّنٍ؛ لِعَدَمِ الْقَرِينَةِ، وَهُوَ دَلِيلُهُمْ، وَأَيْضًا: لَوْ كَانَ لَكَانَ التَّقَدُّمُ يُغَيِّرُ مَدْلُولَ الْكَلِمَةِ. الشرح: "وإِما" ما يقال فيه "مفهوم الحصر" حصر المبتدأ في الخبر "فمثل: صديقي زيد، والعالم زيد"، ولا يخفى أن النظم الطَّبيعي خلافه، والأصل قولك: زيد صديقي، لا صديقي زيد، فالعدول إِليه، "ولا قرينة عهد" هناك دالّة على أن المراد بالمبتدأ معهود هل يفيد الحصر؟. اختلفوا فيه كخلافهم في "إِنما". "فقيل: لا يفيد". وقيل: يفيد. ثم اختلف "فقيل: منطوق"، وهو رأي الغزالي والهراسي. وقيل: مفهوم". واحتج: الفريق "الأول" بأنه "لو أفاده، لأفاد العكس"، وهو زيد صديقي، وزيد العالم؛ "لأنه" أي المبتدأ "فيهما" أي في المثالين صديقي زيد، والعالم زيد "لا يصلح للجنس"، وهو الحقيقة الكلية؛ لأن الإِخبار عنها بأنها زيد الجزئي كاذب، "ولا لمعهود معيّن؛ لعدم القرينة" الصَّارفة إِليه كما فرضناه، فكان لما يصدق عليه الجنس مطلقًا، فيفيد أن كلّما صدق عليه العالم فهو زيد، وهو معنى الحصر، "وهو " [بعينه] (١) "دليلهم" على الحصر، فإِذا كان الدليل آتيًا في زيد العالم، كما أتى في: العالم زيد، وجب اشتراكهما في الحكم، ولا قائل بإِفادة الحصر في: زيد العالم. "وأيضًا لو كان": العالم زيد للحصر، وعكسه ليس للحصر، "لكان التقديم يغير
следующие страницы →