← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6338

رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (2 330 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [سورة طه: الآية ٩٨] بمعنى: ما إِلهُكُم إِلا الله". قوله: "وهو المدعى" يحتمل أن يكون من تمام الاستدلال الثَّاني [أي] (١) وإِذا كان المعنى: ما إِلهكم إِلا الله، فهو الحصر المدعي. والأظهر: أنه ابتداء كلام من المصنّف تقريره: أن كلًّا من دليل الأول والثَّاني عين دعواه، فلا يفيد؛ لأن قول الأول: إِنما زيد مثل: إِن زيدًا، وقول الثَّاني: إِنما زيد بمعنى ما زيد إِلَّا كذا، عين الدعوى. وللثاني أن يقول: ولو لم يكن المعنى: ما إِلهكم إِلا الله، لكان المعنى: الله إِلهكم، وهم [لم ينازعوا] (٢) في ذلك إِنما كان الكلام في إِلهية غيره، فلم يكن ذلك نفس الدعوى. وذكر أبي ﵀ آيات كثيرة يتبادر فهم الخَصْم منها، ومن أوضحها: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٢٠]. قال: لو لم تكن هناك للحصر لكانت بمنزلة: وإن تولوا فعليك البلاغ، وهو عليه البلاغ تولوا، أم لم يتولوا. قال: وإِنما المرتب على توليهم نفى غير البلاغ ليكون تسليةً له وإِعلامًا أن توليهم يضره. وأما احتجاج من احتجّ على الحصر بتبادره إِلى الفَهْم في قوله ﷺ ﴿إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ﴾، "وَإِنَّمَا الوَلاءُ" لِمَنْ أَعْتَقَ"، وهما حديثان ثابتان في "الصحيحين" وغيرهما، "فضعيف؛ لأن العموم فيه" وهو الحصر واقع "بغيره"، "فلا يستقيم لغير المعتق ولاء ظاهر". أي: أن الحصر نشأ من عموم الأعمال والولاء؛ إِذ معناه: كلّ عمل بِنِيَّةٍ، وكل ولاء للمعتق، وهو كفى موجب، فينتفى مقابله الجزئي السَّالب، وهو: بعض العمل بغير نية، وبعض الولاء ليس لمن أعتق.

стр. 1682

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . كذا قرره القاضي عضد الدِّين الإِيجي، وهو حسن، وجعله بعضهم جواب سؤال مقدر تقريره: لو كانت "إِنما" للحصر؛ لما صحّ عمل بغير نِيَّة، ولا ثبت ولاء لغير المعتق للمحدثين، والتالي باطل؛ إِذ بعض الأعمال صحيح بغير نيّة، والولاء قد ثبت لوارث المعتق، وهو من تلقى (١) عن المعتق. وجوابه: أنّ ذلك لغير هذا الحديث، ولكن ظاهر الحديث أن الولاء لا يكون لغير المعتق، وأن العمل لا يكون بغير نيّة مطلقًا. وقد يجاب بالمنع فيقال: لا نسلم ثبوت عمل بغير نِيَّة، وما يذكر من عمل لا نية فيه، ليس المنتفى عنه إِلا النّية المقارنة لا مطلق النّية كما يحقق ذلك الفقيه، فيقول في قراءة القرآن مثلًا: لا يشترط فيها نيّة مقارنة؛ لتميزها بنفسها. وأما أصل القصد فلا بد منه، وألَّا يكون [غافلًا] (٢)، ولا نسلّم ولاء لغير المعتق، ووارثه يتلقى عنه، ويدعى أنه يثبت للمعتق ابتداء، ثم ينتقل عنه إِلى ورثته، ولا بدع في هذا، وإن كان المعتق [ميتًا] (٣). كما قلنا في الدِّيَةِ على أحد القولين: إِنها تثبت للمقتول، ثم تنتقل إِلى الورثة. وليس لك دفع هذا بأنها على القول بثبوتها للمقتول تثبت في آخر جزء من حياته، فإِنه ما دامت فيه حياة مستقرة لا دية واجبة. "تنبيه" "ما" في "إِنما" ليست نافية، بل زائدة كافّة موطّئة لدخول الفعل. وزعم جمع من الأصوليين والبيانيين أنها نافية، وأن ذلك سبب إِفادة "إِنما" للحصر. قالوا: لأن "إِن" للإِثبات "وما" للنفي، فلا يجوز توجيههما معًا إِلى شيء واحد؛ لئلا يتناقض. ولا أن يقال: "إِن" تقتضى ثبوت غير المذكور، و"ما" تنفى المذكور؛ لأنه خلاف

стр. 1683

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الواقع والاتفاق، فيتعين أن يكون "إِن" لإِثبات المذكور، و"ما" لنفى غيره، وذلك هو الحصر. وهذا مبنى على مقدّمتين باطلتين بإِجماع النُّحاة؛ إِذ ليست "إِن" للإِثبات، وإِنما هي لتأكيد الكلام إِثباتًا كان أو نفيًا نحو: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [سورة النساء: الآية ٤٨]، وليست "ما" للنفي، بل هي كما ذكرناه. وهي بمنزلتها في أخواتها "ليتما"، و "لعلما"، و"لكنما"، و"كأنما". وقد نسب القَرَافي القول بأنها نافية لأبي على الفارسي في كتاب "الشيرازيات". قال بعض أئمة النحو في زماننا: ولم يقل ذلك الفارسي في "الشيرازيات" [ولا غيرها، ولا قاله نحويٌّ غيره قال: وإِنما قال الفارسي في "الشيرازيات"] (١): إِن العرب عاملوا "إِنما" معاملة النفي و"إِلّا" في فصل الضمير؛ كقول الفرزدق [الطويل] .... ....................... وإِنَّمَا … يُدَافعُ عَنْ أَحْسَابهِمْ أَنَا أَوْ مِثْلِي وهذا (٢) كقول الآخر: [السريع]. قَدْ عَلِمَتْ سَلْمَى وَجَارَاتُهَا (٣) … مَا قَطَّرَ (٤) الفَارِسَ إِلَّا أَنَا (٥) وقال أخي الشيخ العلامة بهاء الدّين أبو حامد، تغمّده الله برحمته: لعلَّ القرافي أخذه من قول أبي علي في "الشِّيرَازيات" بعد ذكره، أن "إِنما" للحصر أن الحصر أيضًا في: "شرأهر ذاناب، وشيء جاء بك". ثم قال: والأول أسهل من هذا؛ لأن معه حرفًا قد دلّ عندهم على النفي. انتهى. ثم قال: وهذا ليس صريحًا في أنها والحالة هذه نافية. قلت: هو ظاهر فيه.

стр. 1684

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فائدة ما تقدم في "إِنما" بكسر "إِن"، أما المفتوحة فزعم الزمخشري في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ١٠٨] إِفادتها القصر. وبه صرح التنوخي (١) في كتاب "الأقصى [القريب] " (٢)، وردّ شيخنا أبو حيَّان على الزمخشري، بأنه يلزمه انحصار الوحي في الوحدانية. واعترضه أخي الشيخ أبو حامد: بأن ذلك لازم، وإن لم تكن المفتوحة للحصر؛ لأن الإِلزام جاء من "إِنما". ولو قلت: إِنما يوحي الوحدانية لزم ذلك. قلت: وهو صحيح؛ إِلا أن لأبي حيان أن يقول: المعنى على قول الزمخشري: جميع ما يوحي أن إِلهكم ليس إِلَّا واحدًا فيلزمه: إِن إِلهنا واحد وقادرٌ، وحَيٌّ، وسميع، وبصير إِلى غير ذلك من الصِّفات الَّتي تثبتها، فيلزم من يدعى حصر المكسورة عدم إِيحاء غير الوحدانية، وهو باطل؛ لأنه يوحي إِليه أمور أخر. ومن يدعى حصر المفتوحة أن الإِله ليس إِلَّا واحد، ولعل هذا الإِلزام مراد أبي حيان، وكان صواب عبارته أن يقول: انحصار الإِله في الوحدانية، ولكن المكان ضيق تَنْبُو عنه العبارات. ولعلَّ الزمخشري إِنما ادَّعى الحَصْر لعدم مُبَالاته بهذا الإِلزام؛ فإِنه معتزلى لا يثبت الصفات السَّبعة.

стр. 1685

وَأَمَّا مَفْهُومُ الْحَصْرِ فَمِثْلُ: صَدِيقِي زَيْدٌ وَالْعَالِمُ زَيْدٌ، وَلا قرِينَةَ عَهْدٍ. فَقِيلَ: لا يُفِيدُ. وَقِيلَ: مَنْطُوقٌ. وَقِيلَ: مَفْهُومٌ. الأَوَّلُ: لَوْ أَفادَهُ لأَفَادَ الْعَكْسَ؛ لِأَنَّهُ فِيهِمَا لا يَصْلُحُ لِلْجِنْسِ، وَلا لِمَعْهُودٍ مُعَيَّنٍ؛ لِعَدَمِ الْقَرِينَةِ، وَهُوَ دَلِيلُهُمْ، وَأَيْضًا: لَوْ كَانَ لَكَانَ التَّقَدُّمُ يُغَيِّرُ مَدْلُولَ الْكَلِمَةِ. الشرح: "وإِما" ما يقال فيه "مفهوم الحصر" حصر المبتدأ في الخبر "فمثل: صديقي زيد، والعالم زيد"، ولا يخفى أن النظم الطَّبيعي خلافه، والأصل قولك: زيد صديقي، لا صديقي زيد، فالعدول إِليه، "ولا قرينة عهد" هناك دالّة على أن المراد بالمبتدأ معهود هل يفيد الحصر؟. اختلفوا فيه كخلافهم في "إِنما". "فقيل: لا يفيد". وقيل: يفيد. ثم اختلف "فقيل: منطوق"، وهو رأي الغزالي والهراسي. وقيل: مفهوم". واحتج: الفريق "الأول" بأنه "لو أفاده، لأفاد العكس"، وهو زيد صديقي، وزيد العالم؛ "لأنه" أي المبتدأ "فيهما" أي في المثالين صديقي زيد، والعالم زيد "لا يصلح للجنس"، وهو الحقيقة الكلية؛ لأن الإِخبار عنها بأنها زيد الجزئي كاذب، "ولا لمعهود معيّن؛ لعدم القرينة" الصَّارفة إِليه كما فرضناه، فكان لما يصدق عليه الجنس مطلقًا، فيفيد أن كلّما صدق عليه العالم فهو زيد، وهو معنى الحصر، "وهو " [بعينه] (١) "دليلهم" على الحصر، فإِذا كان الدليل آتيًا في زيد العالم، كما أتى في: العالم زيد، وجب اشتراكهما في الحكم، ولا قائل بإِفادة الحصر في: زيد العالم. "وأيضًا لو كان": العالم زيد للحصر، وعكسه ليس للحصر، "لكان التقديم يغير

стр. 1686

الْقَائِلُ بِهِ: لَوْ لَمْ يُفِدْهُ لأُخْبِرَ عَنِ الأَعَمِّ بَالأَخَصِّ؛ لِتَعَذُّرِ الْجِنْسِ وَالْعَهْدِ، فَوَجَبَ جَعْلُهُ لِمَعْهُودٍ ذِهْنِيٍّ بِمَعْنَى الْكَامِل وَالْمُنْتَهِي. مدلول الكلمة"، واللازم باطل؛ لأنه إِنما يتغيّر بالتقديم، والتأخير الهيئة التركيبية دون المفردات. وأما الملازمة؛ فلأنه لا فرق بين الأصل وعكسه إِلَّا التقديم والتأخير، وقد ادَّعيتم تغاير المفهوم، فإِذا كان التَّقديم والتأخير لا يفيده، لم تصحّ الدعوى، بل كان المفهوم واحدًا. قال القاضي عضد الدين: وقد يقال عليهما: إِنَّ الوصف إِذا وقع مسندًا إِليه قصد به الذّات الموصوفة به، وإِذا وقع مسندًا، قصد به كونه ذاتًا موصوفة، وهو عارض للأول، فاندفع الأول. وأما الثَّاني: فإِن أردت بتغير المفهوم هذا القدر، منعنا بطلانه. وإِن أردت غيره منعنا الملازمة. الشرح: وأما إِفادته للحصر، [فاحتج] (١)، القائل بأنه لو لم يفده لأخبر عن الأعمّ بالأخص". فإِن قلت: لم ادّعيت أنه يقع الإِخبار بالأعم عن الأخص؟. قلت: "لتعذّر الجنس والعهد" الخارجي كما تقدّم، وإِذا تعذّر كان لما صدق عليه العالم والحيوان مثلًا في قولنا: العالم زيد، والحيوان إِنسان، فإِذا كان غير الإِنسان - وهو الفرس مثلًا - حيوانًا وغير زيد - وهو عمرو مثلًا - عالمًا كان الحيوان والعالم أعمّ من الإِنسان والفرس، وقد أخبرت عنه بهما. فإِن قلت: وما وجه بطلان الثَّاني؟. قلت: لأن الخبر الثَّابت للعام ثابت لجزئياته، فيلزم ثبوت الفرس للإِنسان، وعمرو لزيد. وإِذا ثبت هذا بطل جعله للجنس وللعهد الخارجي لما تقدّم، ولما صدق عليه مع بقائه

стр. 1687

[قُلْنَا: صَحِيحٌ وَاللَّامُ لِلْمُبَالَغَةِ، فَأَيْنَ الْحَصْرُ؟]. وَأُجِيبَ: بَلْ جَعْلُهُ لِمَعْهُودٍ ذِهْنِيٍّ مِثْلُ: "أَكَلْتُ الْخُبْزَ" وَمِثْل: "زَيْدٌ الْعَالِمُ" هُوَ الْمَعْرُوفُ. وَأَيْضًا يَلْزَمُهُ: زَيْدٌ الْعَالِمُ بِعَيْنِ مَا ذكرَ: [وَهُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ فِي: زيْدٌ الرَّجُلُ]. فَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُخْبَرُ بِالأَعَمِّ فَغَلَطٌ؛ لأَنَّ شَرْطَهُ التَّنْكيرُ. فَإِنْ زَعَمَ أَن اللَّامَ لِزَيْدٍ فَغَلَطٌ؛ لِوُجُوبِ اسْتِقْلالِهِ بِالتَّعْرِيفِ مُنْقَطِعًا عَنْ زَيْدٍ، كالْمَوْصُولِ. على العموم، "فوجب جعله لمعهود ذِهْنِيّ بمعنى الكامل والمنتهي" [أي] (١): لما صدق عليه بعد تخصيصه بما يصلح أن يحمل عليه الحيوان، وزيد مثلًا من معين، وما ذاك إِلا لجعله لمعهود ذهني وهو شخص كامل، أو منتهٍ في العلم قد تصوره المخاطب، وتوهّمه عند [قول] (٢): العالم زيد. وأجيب: بل جعله لمعهود بعض مثل: أكلت الخبز، فإِنا نجعل الألف واللام في الخبز للبعض، ومثل: زيد العالم هو المعروف. وأيضًا يلزمه: زيد العالم [بعين] (٣) ما ذكر. كذا بخط المصنّف. الشرح: وفي "الحاشية" بخط غيره بدل هذا: "قلنا: صحيح واللام للمبالغة، فأين الحصر؟ " ويلزمه: زيد العالم، وهو الذي نصّ عليه سيبوبه: في زيد الرجل. انتهى ما في "الحاشية". وتقرير الجواب: أن ما ذكرتم صحيح، ونحن قائلون به، ولكن لا يثبت مطلوبكم بل ينافيه؛ لأنه لم يحصل حصر العالم في زيد لما قررتم، بل كون زيد كاملًا أو منتهيًا في العلم.

стр. 1688

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ويكون حاصله: أن اللام للمبالغة في علمه لا لحصر العلم فيه. وهو منصوص سيبوبه في قولنا: زيد الرجل، وهو منافٍ لما زعمتم. وأيضًا، فإِنه يلزم في: زيد العالم، الذي لم يقل فيه بالحَصْرِ مثل ذلك، فيقال: يلزم الإِخبار عن العام بالخاصّ، وتبين الملازمة وانتفاء اللازم بما بينا به هناك. "فإِن زعم" من يتوهّم الفرق بينهما "أنه يخبر بالأعم" عن الأخصّ من غير عكس "فغلط؛ لأن شرطه التنكير" أي: شرط الإِخبار عن الأخصّ بالأعم [تنكير الأعم] (١)؛ لتحصل الفائدة، فيقال: زيد حيوان، ولا يقال: زيد الحيوان، "وإِن زعم أن اللام في مثل: زيد" العالم لا يمتنع أن تكون للعهد الخارجي؛ إِذ يجوز أن تكون لزيد بقرينة التقدّم، بخلاف: العالم زيد؛ فإِنّه لا يجوز كون اللَّام فيه للعهد الخارجي؛ إِذ لا قرينة "فغلط" أيضًا؛ "لوجوب استقلاله" أي: استقلال الخبر الذي هو العالم "بالتعريف منقطعًا عن زيد كالموصول". لأنّ "اللام" فيه موصولة: بمعنى الذي، والموصول مستقلّ بالتعريف من غير ذكر خارجي بالاتفاق، فإِن صرفه صارف إِليه يكون مجازًا. ولأنه خبر عن زيد؛ فيجب استقلاله بالتعريف من غير احتياج إِلى زيد لكونه جزء كلام، فلا يحتاج إِلى الجزء الآخر في التعريف كالموصول، فإِنه يقع جزء كلام، ولا يحتاج في تعريفه إِلى الجزء الآخر. وكذا هذا. وإِذا كان مستقلًّا بالتعريف يتعذّر أن تكون اللام لزيد، وإِلَّا لم يكن مستقلًّا بالتعريف، فيمتنع أن تكون اللام فيه للعهد الخارجي. "خاتمة" المفاهيم أقسام: الأول: مفهوم الصفة، ويدخل فيه مفهوم العدد كما قدمناه، ومفهوم العلة مثل: ما

стр. 1689

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أسكر فهو حرام، ومفهوم الزمان مثل: سافر يوم الجمعة، ومفهوم المكان مثل: اجلس أمام زيد. الثَّاني: مفهوم الشَّرط. الثالث: مفهوم الغاية. ومنهم من اقتضى كلامه جعله نطقًا، وعلى هذا لا مدخل له في المفاهيم. الرابع: مفهوم اللقب، ويدخل فيه الاسم العلم نحو: قام زيد، واسم النوع نحو: في الغنم زكاة، وربما خص الأول باسم "مفهوم الأعيان" كما قدّمناه مع القضاء عليه بأن حكمه حكم اللقب، وقد تقدم ذلك كله. والخامس: شيء يقال له: "مفهوم الحصر" أنكره قوم، وعدّه قوم نطقًا، وعلى هذين لا مدخل له في المفاهيم. وقال قوم: له مفهوم، فعلى هذا يدخل كما عرفناك، ويدخل فيه "إِنما" ومثل: لا عالم إِلا زيد، ومثل: "تَحْرِيمُهَا التَّكْبِير، وَتَحْلِيلُهَا، التَّسْلِيمُ"، صديقي زيد. ومنه: فصل المبتدأ من الخبر بضمير الفصل نحو: زيد هو القائم، وعليه قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ [سورة الشورى: الآية ٩] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [سورة الكوثر: الآية ٣]. وقوله تعالى: حكاية عن عيسى ﵇: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [سورة المائدة: الآية ١١٧]. ومنه: تقدم المعمول نحو: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [سورة الفاتحة: الآية ٥]. قد بالغ طوائف البيانيين في إِفادته الاختصاص، ورده قوم منهم ابن الحاجب في "شرح المفصل"، وشيخنا أبو حيان. والذي يظهر لنا: أن التقديم يفيد الاهتمام، وقد يكون معه الاختصاص، وقد لا يكون، فإِنْ ظهر بدليل انتفاء جميع الفوائد عن التَّقديم سوى الحصر أفاد الحَصْر. ثم شرطه ألَّا يكون المعمول مقدمًا وضعًا؛ فإِن ذلك لا يسمى تقديمًا حقيقة، وذلك كأسماء الاستفهام، وقد اجتمع الاختصاص وعدمه في آية واحدة، وهي قوله تعالى: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾ [سورة الأنعام: ٤٠، ٤١]، فإِن التقديم في

стр. 1690

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الأولى قطعًا ليس للاختصاص، وفي "إِياه" قطعًا للاختصاص فتأمله. وإِذا تأملت هذه الخاتمة نقول لك: رب أمر يدلّ عليه اللفظ في محلّ نطقه بالنص، وآخر بالإِشارة، وثالث يدلّ عليه لا في محله وهو المفهوم، ورابع مختلف في أنه هل دلّ عليه في محله بالإِشارة، أو دلّ لا في محله، أو لم يدل أصلًا، فمن القسم الرابع "إِنما"، وحصر المبتدأ في الخبر، وتقديم المعمول ونحوها، فلا أحسب أحدًا يدّعى أنه نطق منصوص، بل قصاراه دعوى إِشارة النص. فإِن قلنا: إِنه يدلّ بالإِشارة كان مترقِّيًا عن مراتب المفاهيم؛ إِذ دلالة النص أقوى من مفهومه. ومنه أيضًا مفهوم الغاية، فإِذن أقوى المختلف في أنه مفهوم "ما" و "إِلا" كقولك: ما قام إِلا زيد، فإِنه صريح في نفي قيام غيره مقتضى لقيامه. قيل بالمنطوق. والأصح بالمفهوم، وهو أقوى المفاهيم؛ لأن "إِلَّا" موضوعة للاستثناء، وهو الإِخراج، فدلالتها عليه بالمنطوق، ولكن الإِخراج من عدم القيام ليس هو عين القيام، بل قد يستلزمه؛ فلذلك رجّحنا أنه مفهوم، ثم "إِنما"، والغاية، ثم حصر المبتدأ في الخبر، ثم الشَّرط؛ لأنه على القول به مفهوم، ولم يقل أحد: إِنه بالنطق، ثم الصفة المناسبة، ثم مطلق الصفة، ثم العدد، ثم تقدم المعمول. وإِنما أخّرناه لما ذكرناه من أنه لا يفيد في كُلِّ أحواله. ثم المحفوظ فيه عن القائلين به إِنما هو بلفظ الاختصاص لا الحصر. وقدوهم المتأخرون أن الاختصاص الحصر بعينه، وفَاهَتْ بذلك ألْسِنَةُ الطَّالبين في علم المعاني والبيان، وفرق أبي ﵁ في مصنفه المسمى بـ "الاقتناص" بينهما فقال: قد اشتهر أن تقديم المعمول يفيد الاختصاص. ومن الناس من أنكره، وقال: إِنما يفيد الاهتمام. وقال سيبويه في "الكتاب" هم يقدمون ما هم به أعنى. ثم فهم كثير أن الاختصاص، الحصر، وليس كذلك، بل هما متباينان.

стр. 1691

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والفضلاء لم يذكروا في تقديم المَعْمُول إِلّا لفظ الاختصاص منهم الزمخشري في: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، وفي: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [سورة الزمر: الآية ١٤] وغيرهما من الآيات. فإِن قلت: فما الفرق؟. قلت: الاختصاص: افتعال من الخصوص، والخصوص مركّب من شيئين، أو أشياء، والثَّاني معنى منضمّ إِليه بفصله عن غيره، كـ "ضرب زيد"، فإِنه أخصر من مطلق الضرب. فإِذا قلت: ضربت زيدًا أخبرت بضرب عام وقع منك على شَخْصٍ خاص، فصار ذلك الضرب المخبر به خاصًّا لما انضم إِليه مثل: ومن زيد؟ وهذه المعاني الثلاثة أعني مطلق الضرب، وكونه واقعًا منك، وكونه واقعًا على زيد - قد يقصدها المتكلم على السواء، وقد يترجّح قصده لبعضها، ويعرف ذلك بما ابتدأ به، فالمبتدأ به هو الأهم. فإِذا قلت: زيدًا ضربت علمت أن خصوص الضرب على زيد هو المقصود. ولكل مركّب من خاص وعام جهتان: فقد يقصد من جهة عمومه. وقد يقصد من جهة خصوصة، وهذا هو الاختصاص. وأما الحصر فمعناه إِثبات المذكور ونفى غيره، وهو زائد على الاختصاص، وإِنما جاء في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ للعلم بأن غيره لا يعبد، ولا يُسْتَعَان. ألا ترى آيات لا يطرد ذلك فيها؟. فإِنه قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٨٣] لو جعل في معنى: ما يبغون إِلَّا غير دين الله، وهمزة الإِنكار داخلة عليه لزم أن يكون المنكر الحصر، لا مجرد بغيهم غير دينه، ولا شكّ أنه منكر أيضًا، وكذا غيرهما من الآي. ثم قال: فليس الاختصاص الحصر، ولكنه قد يحصل منه. والحصر أقسام: أحدها: " [ما] (١) وإلا".

стр. 1692

مَبْحَثُ النَّسْخ النَّسْخُ: الإِزَالَة، نَسَخَتِ الشَّمْسُ الظِّلَّ، وَالنَّقلُ: نَسَخْتُ الْكِتَابَ، وَنَسَخْتُ النَّحْلَ، وَمِنْهُ الْمُنَاسَخَاتُ. فَقِيلَ: مُشْتَرَكٌ. وَقِيلَ: لِلأَوَّلِ. وَقِيلَ: لِلثَّانِي. وَفِي الاِصْطِلاحِ: رَفْعُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ مُتَأَخِّرٍ، فَيَخْرُجُ الْمُبَاحُ بِحُكْمِ الأَصْلِ، وَالْرَّفعُ بِالنَّوْمِ وَالْغَفْلَةِ، وَبِنَحْو: صَلِّ إِلَى آخِرِ الشَّهْرِ. والثاني: "إنما". والثالث: بالتقديم، وهو أدونها على تقدير القول به. وهو في قوّة جملتين: أحدهما: ما صدر به الحكم إثباتًا أو نفيًا، وهو المنطوق. والأخرى: ما فهم من التقديم. والحصر يقتضي نفي المنطوق فقط دون ما دل عليه من المفهوم؛ لأن المفهوم لا مفهوم له. فإذا قلت: أنا لا أكرم إلا إياك، أفاد التعويض بأن غيرك يكرم غيره، ولا يلزم أنك لا تكرمه. وقد قال تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [سورة النور: الآية ٣]؛ فأفاد أن العفيف قد ينكح غير الزَّانية، وهو ساكت عن نكاحه الزانية، فقال سبحانه بعده: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [سورة النور: الآية ٣]. بيانًا لما سكت عنه في الأولى. هذا مختصر من كلام الشيخ الإمام ﵀. وحاصله: منع أن التخصيص الحصر، والقول بأن الحصم إنما يكون في بعض المواضع، وقد قدمت نحوه اختيارًا لي، وإنما أردت الاعتضاد بكلام شيخ الإسلام في زمانه - رحمه الله تعالى -.

стр. 1693

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . «مسألة» الشرح: "النسخ": له في اللُّغة معنيان: "الإزالة" يقال: "نسخت الشَّمسُ الظلّ". "والنقل" يقال: "نسخت الكتاب" أي: نقلت ما فيه إلى آخر مع بقائه في نفسه، "ونسخت النّحل" أي: نقلتها من موضع إلى موضع، "ومنه المُنَاسَخَات" في المواريث أي: انتقال المال من وارث إلى وارث (١).

стр. 1694

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . واختلف في حقيقته:

стр. 1695

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . "فقيل: مشترك" بين الإزالة والنَّقْلِ، وعليه القاضي، كما نصّ في "التقريب"، والغزالي.

стр. 1696

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . "وقيل: للأول"، وعليه أبو الحسين، وهو المختار.

стр. 1697

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . "وقيل: للثاني"، وعليه القَفَّال (١).

стр. 1698

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي الاصطلاح: رفع الحكم الشَّرْعي بدليل شرعي متأخّر. فيخرج" بقيد "الشرعي" "المُبَاح بحكم الأصل"؛ إذ ليس حكمًا شرعيًّا. [وقوله: (بدليل شرعي) ليخرج" (١) "الرفع بالنَّوم والغَفْلة"، والموت والجنون. ويخرج بقوله: "متأخر" الرفع "بنحو: صلّ" عند كل زوال "إلى آخر الشَّهر" وهكذا حكم كلّ متّصل من المخصّصات شرطًا كان أو غايةً أو استثناء" (٢). ولقائل أن يقول: هذا ليس برفع؛ لأنَّ الحكم لم يثبت بأول الكلام؛ إذ الكلام بآخره، فكيف يرفع؟. ثم قيد التأخر يغني عنه قولنا: بدليل شرعي؛ فإنه لا بُدّ أن يتأخر عن الذي يرفعه، ثم المخصّص المتصل متأخر لفظًا.

стр. 1699

وَنَعْنِي بِالْحُكْمِ مَا يَحْصُلُ عَلَى الْمُكَلَّفِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، فَإِنَّ الْوُجُوبَ الْمَشْرُوطَ بالْعَقْلِ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ انْتِفَائِهِ قَطْعًا، فَلا يَرِدُ: الحُكْمُ قَدِيمٌ، فَلا يَرْتَفِعُ؛ لأَنَّا لَمْ نَعْنِهِ، وَالْقَطْعُ بِأَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ تَحْريمُ شَيْءٍ بَعْدَ وُجُوبِهِ انْتَفَى الْوُجُوب، وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بالرَّفْعِ. "الإِمَامُ: اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى ظُهُورِ انْتِفَاءِ شَرْطِ دَوَامِ الْحُكْمِ الأَوَّلِ، فَيَرِدُ أَنَّ اللَّفْظ دَلِيلُ النَّسْخِ [لا نَفْسُهُ] وَلا يَطَّرِدُ؛ فَإِنَّ لَفْظَ الْعَدْلِ: "نُسِخَ حُكْمُ كَذَا" لَيْسَ بِنَسْخِ، وَلا يَنْعَكِسُ؛ لأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ بِفِعْلِهِ ﵇. ثُمَّ حَاصِلُهُ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى النَّسْخِ؛ لأِنَّهُ فَسَّرَ الشَّرْطَ بِانْتِفَاص النَّسْخِ، وَانْتِفَاءُ انْتِفَائِهِ حُصُولُهُ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ ﵀: الْخِطَابُ الدَّالُّ عَلَى ارْتِفَاعِ الْحُكْمِ الثّابِتِ بِالْخِطَابِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى وَجْهٍ لَوْلاهُ لَكَانَ ثَابِتًا مَعَ تَرَاخِيهِ عَنْهُ. الشرح: "ونعنى بالحكم" في قولنا: رفع الحكم "ما يحصل على المكلف بعد أن لم يكن" ثابتًا، وهو تعليق الخطاب به تعلّق تنجيز؛ "فإن الوجوب المشروط بالعقل لم يكن ثابتًا عند انتفائه قطعًا، فلا يرد" حينئذ علينا اعتراض مَنْ قال: "الحكم قديم، فلا يرتفع"؛ لأن ما ثبت قدمه امتنع عدمه، فلا يتصوّر رفعه، ولا تأخره عن غيره. وإنما قلنا: إنه لا يرد؛ "لأنا لم نعنه" أي: لم نَعْنِ القديم كما عرفت، فأمكن رفعه وتأخره "والقطع" حاصل "بأنه إذا ثبت تحريم شيء بعد وجوبه انتفى الوجوب، وهو المعنى بالرفع" وإذا كان هذا هو المُرَاد بالحكم والرفع كان إمكان رفعه وتأخره ضروريًّا. الشرح: وقال "الإمام" في "البرهان": "اللَّفظ الدالّ على ظهور انتفاء شرط دَوَام الحكم الأول (١)، ويرد أن اللَّفظ دليل النسخ لا نفسه"، "ولا يطرد فإن لفظ العَدْل" القائل: "نسخ حكم كذا" يصدق عليه الحَدّ مع أنه "ليس بنسخ".

стр. 1700

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . "ولا ينعكس؛ لأنه قد يكون بفعله ﷺ ، ثم" إنه تعريف الشيء بنفسه إذ "حاصله: اللَّفظ الدال على النسخ؛ "لأنه فسر الشرط" شرط دوام الحكم "بانتفاء النسخ"، حيث قال في "البرهان": ويرجع التقدير في الحكم الأول إلى أن الحكم ثابت بشرط ألَّا ينسخ، فإذا ظهر النَّسْخ لم يكن مقتضاه دفع ما تحقَّق ثبوته، ولكن كان الانتفاء شرط الاستمرار … انتهى. فإذا كان مراده شرط دوام الأول انتفاء النسخ، "وانتفاء انتفائه حصوله"، فكأنه قال: النسخ: اللَّفظ الدَّال على النسخ، فعرف الشيء بنفسه. "وقال الغزالى" في "المستصفى" تبعًا للقاضي حيث قال في "التقريب": النسخ "الخطاب الدَّال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدّم على وجه لولاه لكان ثابتًا مع تراخيه عنه" (١). [وقصد] (٢) بالقيد الأوَّل تعميم كلّ خطاب كان من باب المنظوم أو غيره، والاحتراز عن الموت ونحوه مما يدلّ على ارتفاع الأحكام. وبالتالي وهو "الخطاب المتقدم": الاحتراز عن الدال على ارتفاع حكم الفعل قبل ورود الشرع.

стр. 1701

وَأُورِد: الثَّلاثَةُ الأُوَل، وَأَنَّ قَوْلَهُ: عَلَى وَجْهٍ … إلَى آخِرِهِ زِيَادَةٌ. وَقَالتِ الْفُقَهَاءُ: النَّصُّ الدَّالُّ عَلَى انْتِهَاء أَمَدِ الْحُكْمِ الشَّرْعِي مَعَ التَّأخُّرِ عَنْ مَوْرِدِهِ. وَأُورِدَ: الثَّلاثَةُ [الأُوَلُ]، فَإِنْ فَرُّوا مِنَ الرَّفْع لِكَوْنِ الْحُكْمِ قَدِيمًا وَالتَّعَلُّقِ قَدِيمًا، فَانْتِهَاءُ أَمَدِ الْوُجُوبِ يُنَافِي بَقَاءَهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَعْنَى الرَّفْعِ، وَإنْ فَرُّوا؛ لأَنَّهُ لا يَرْتَفِعُ تَعَلّقٌ بِمُسْتَقْبَلِ لَزِمَهُمْ مَنْعُ النَّسْخِ قَبْلَ الْفِعْلِ كَالمُعْتَزِلَةِ وَإنْ كَانَ لأَنَّهُ بَيَانُ أَمَدِ التَّعَلُقِ بالْمُسْتَقْبَلِ الْمَظْنُونِ اسْتِمْرَارُه، فَلا بُدَّ مِنْ زَوَالِهِ. وبالثالث: وهو "على وجه لولاه لكان مستمرًّا" الاحتراز عما إذا ورد الخطاب بحكم مؤقّت، ثم ورد عند تصرم ذلك الوقت بحكم مناقض للأول، فإنه لا يكون نسخًا للأول؛ لأنه انتهى. وبالرابع: الاحتراز عن المتّصل كالاستثناء والشرظ والغاية. وقد أطنب القاضي في "التقريب" في الانتصار لهذا الحد. الشرح: "وأورد" عليه "الثلاثة الأول" وهي. أنّ اللفظ دليل النسخ. وقول العدل يدخل فيه. وفعل الرسول ﷺ يخرِج عنه. ورابع وهو "أن قوله: على وجه … إلى آخره زيادة" لا يحتاج إليها. وأما قوله: "على وجه لولاه لكان ثابتًا"؛ فلأن الرفع لا يكون إلَّا كذلك، فقد أغنى لفظ الرَّفع عن هذا. وأما قوله: "مع تراخيه عنه"، فإنما ذكره - كما عرفت - احترازًا من الاستثناء والشرط والغاية، وبذلك صرّح القاضي في "التقريب"، ولفظ "المتقدم" يدرأ النقض بذلك.

стр. 1702

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولك أن تقول: ولفظ "الرفع" أيضًا يدفعه. وأيضًا: فقولنا: "الدَّالّ" يتضمّن كونه مؤخرًا عنه، والاستثناء والغاية والشرط لا يرفع، وإنما يدفع، فلم جعلتم التأخر قيدًا في تعريفكم مع أن لفظ التراخي أجود منه؛ لأنّ الاستثناء متأخر، وكذا الغاية، والشرط المتأخر مخرجًا لها بخلاف التراخي؛ لأنه يفهم إخراج ما لا يعقب اللفظ؟ "[وقالت] (١) الفقهاء: النص الدَّال على انتهاء أمَدِ الحكم الشرعي مع التأخر عن مورده (٢)، وأورد" عليهم "الثلاثة" الواردة على الحدّين السَّابقين (٣). "وأيضًا فإن فرُّوا من الرفع لكون الحكم قديمًا والتعلّق قديمًا، فانتهاء أمد الوجوب

стр. 1703

الْمُعْتَزِلَةُ: اللَّفْظُ الدَّالُ عَلَى أَنَّ مِثْلَ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالنَّصِّ الْمُتَقَدِّمِ زَائِلٌ عَلَى وَجْهٍ لَوْلاهُ لَكَانَ ثَابِتًا، فَيَرِدُ مَا عَلَى الْغَزَالِيّ، وَالْمُقَيَّدُ بِالْمَرَّةِ بِفَعْلٍ. ينافي بقاءه" أي: بقاء الوجوب "عليه" أي: على ما كان "وهو معنى الرفع"، فقد قالوا بالرفع معنى، وفروا منه لفظًا. "وإن فروا لأنه] لا] (١) يرتفع تعلّق [بمستقبل] (٢) "أي: لأن التعلق بفعل مستقبل لا يمكن رفعه، فإذا نسخ علم أنه لم يكن متعلّقًا به، "لزمهم" محذور آخر، وهو "منع النسخ قبل" وقت "الفعل"؛ لأنه إذا صدق أنما نسخ، فالخطاب لم يتناوله صدق بحكم عكس النقيض أن ما يتناوله الخطاب لا ينسخ، ولا شكّ أن الخطاب في قولك: صَلِّ يوم الخميس قد تناول الفعل على الجملة، فيجب ألَّا يمكن نسخه. فكان مذهبهم في ذلك "كالمعتزلة". "وإن كان" فِرَارهم من لفظ الرفع "لأن بيان أَمَد العلق بالمستقبل المظنون استمراره" قبل سماع الناسخ "فلا بد من زواله"، فإذان لا خلاف في المعنى. الشرح: وقالت "المعتزلة: اللفظ الدَّال على أن مثل الحكم الثابت بالنص المتقدم زائل على وجه لولاه لكان ثابتًا". وهو كتعريف القاضي والغزالي، إلَّا أنهم لم يأتوا بلفظ الرفع. "فيرد ما على الغزالي، والمقيد بالمرة" [الواحدة] (٣) "بفعل" يرد عليهم، ولا يرد على الغَزَالي. وصورته: يجب عليك الحج في عمرك مَرّة واحدة، وهو قد حجّ مرة، فإنه لفظ

стр. 1704

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [دَلَّكَ] (١) على أن مثل الحكم الثَّابت بالنص المتقدم - وهو الحج - زائل عنه على وجه لولاه لكان ثابتًا بحكم العموم الذي لا يدفعه التقييد بالمرة. واعلم أن أئمتنا وأئمة المعتزلة قد أكثروا القول في تعريف النَّسْخ، وأنا أبدًا أستثقل الإكثار من ذكر التَّعَاريف، والاشتغال بتزييفها؛ فإن المعاني إذا لاحت لم يحسن بطالب التحقيق تضييع الأوقات في تحرير العبارة عنها، والأوقات أنفس من التنافس في ذلك. وحاصل الخلاف يرجع إلى أن النسخ رَفْعٌ أو إثبات؟. وفيه قولان مشهوران. ثم كل ذي قول يرجع تعريفه إلى أصله، وإن اضطرب على أصله، فليس بخلاف من قبله، بل ربما أتى من اختلاف العبارات وقفة تصويبهم عما يرد عليها. وموضع التشاجر هو أن النسخ رفع أو بيان؟. والقول بأنه رفع هو رأي القاضي، والغزالي، وابن الأنباري، والآمدي، والمصنف، وجمع كثير، وإياه نختار. وأقرب الحدود عندنا على هذا أن النسخ: رفع الحكم الشرعي بخطاب. وقلنا: "بخطاب" ليخرج ارتفاعه بالموت ونحوه، وهو ما عرفه به ابن الأنباري. والقول بأنه بيان: رأى الأستاذ أبي إسحاق، وإمام الحرمين، والإمام، وأكثر الفقهاء، وقد عرفت ما نعني بالرَّفْع والبيان في أدراج الكلام، ووضح لك هو أن الخلاف بعده، وإن استعظمه مستعظمون. ولقد ذكر ابن السَّمْعَاني حدّ القاضي أولًا، ثم حدّ الفقهاء ثانيًا، واقتضى كلامه أنهما عنده صحيحان مرضيان. وللخلاف في أنه رفع أو بيان أصل أصيل، وهو اختلاف المتكلمين في أن زوال الأعراض بالذَّات أو بالضد؟. فإن من قال ببقائها قال: إنما ينعدم الضِّد المتقدم لطريان الطَّارئ، ولولاه لبقى.

стр. 1705

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ومن لم يقل ببقائها قال: إنه لم ينعدم بنفسه، ثم يحدث الضد الطاريء، وليس له تأثير في إعدام الضد الأول. ولا تحسبنّ موافقة الفقهاء للمعتزلة في أن النَّسْخ بيان جريًا على أصولهم، فإن المعتزلة إنما صاروا إلى ذاك لأن الحكم قول، والأقوال عندهم لا تبقى، فلا بد من تجدّدها. ولو قيل ببقائها، فلا يمكنهم تفسيره بالرفع؛ إذ الأمر عندهم يتبع الصّفات إما الذاتية، وإما التابعة للحدث، وهي مستقرة ثابتة لا تتبدّل ولا تزول، فاستحال عندهم أن تكون رفعًا. والفقهاء لا يوافقونهم على هذه الأصول، ولكن لم يعقلوا الرفع لكلام - الله تعالى - ففروا منه كما عرفت، ورجعوا إلى ما يتعلّق بالبيان (١).

стр. 1706

وَالإِجْمَاعُ عَلَى الْجَوَازِ وَالْوُقُوعِ. وَخَالفتِ الْيَهُودُ فِي الْجَوازِ، وَأَبُو مُسْلِمٍ الأَصْفَهَانِيُّ فِي الْوُقُوعِ. لَنَا: الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ، وَإنِ اعْتُبِرَتِ الْمَصَالِحُ فَالْقَطْعُ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ قَدْ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأَوْقَاتِ. وَفِي التَّوْرَاةِ: أَنَّهُ أَمَرَ آدَمَ ﵇ بِتَزْوِيجِ بَنَاتِهِ مِنْ بَنِيهِ، وَقَدْ حُرِّمَ ذَلِكَ باتِّفَاقٍ. وَاسْتُدِلَّ بَإِبَاحَةِ السَّبْتِ، ثُمَّ تَحْرِيمِهِ، وَبِجَوَازِ الْخِتَانِ ثُمَّ إِيجَابِهِ يَوْمَ الْوِلادَةِ عِنْدَهُمْ، وَبِجَوَازِ الأُخْتَيْنِ ثُمَّ التَّحْرِيمِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ رَفْعَ مُبَاحِ الأَصْلِ لَيْسَ بِنَسْخٍ. ونظير الخلاف في أنه رفع أو بيان، الخلاف في الحدث هل نقول: انتقض به الوضوء، وهو رأى ابن القاص، وظاهر تبويب صاحب "التنبيه"، أو انتهى، وهو رأى أكثرهم مع اتفاق الكل على أنه لا ينعطف على ما مضى لا في النسخ ولا في [الحدث] (١). الشرح: إذا عرفت حقيقة النسخ فنقول: "الإجماع على الجواز والوقوع، وخالفت اليهود" غير العيسوية "في الجواز". وكذلك بعض غُلاةِ الروافض، "وأبو مسلم الأصفهاني" صاحب "تفسير القرآن"، "في الوقوع"، وسنعرفك سرّ مذهبه. "لنا: القطع بالجواز"، إذ لا يلزم من فرض وقوعه مُحَال. "وإن اعتبرت المصالح" في التكاليف كما هو رأي القدرية، "فالقطع أن المصالح قد تختلف باختلاف الأوقات. "وفي التوراة: أنه " - تعالى - "أمر آدم بتزويج بَنَاته من بَنِيهِ، وقد حرم ذلك باتفاق" وهو النسخ، فدلّ على وقوعه (٢).

стр. 1707

قَالُوا: لَوْ نُسِخَتْ شَرِيعَةُ مُوسَى ﵇ لَبَطَلَ قَوْلُ مُوسَى ﷺ الْمُتَوَاتِرُ: هَذِهِ شُرِيعَةٌ مُؤَبَّدَةٌ. قُلْنَا: مُخْتَلَقٌ. قِيلَ: مِنِ ابْنِ الرَّاوَنْدِيِّ، وَالْقَطْعُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عِنْدَهُمْ صَحِيحًا لَقَضَتِ الْعَادَةُ بِقَوْلهِ ﷺ . قَالُوا: إِنْ نَسَخَ لِحِكْمَةٍ ظَهَرَتْ لَهُ لَمْ تَكُنْ ظَاهِرَةً لَهُ فَهُوَ الْبَدَاءُ، وَإلَّا فَعَبَثٌ. وَأُجِيبَ: بَعْدَ اعْتِبَارِ الْمَصالِحِ أَنَّهَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأَزْمَانِ وَألأَحْوَالِ، كمنْفَعَةِ شُرْبِ دَوَاءٍ في وَقْتٍ أَوْ حَالٍ وَضَرَرِهِ في آخَرَ، فَلَمْ يَتَجَدَّدْ ظُهُورُ مَا لَمْ يَكُنْ. قَالُوا: إِنْ كَانَ مُقَيّدًا فَلَيْسَ بِنَسْخٍ، وَإِنْ دَلَّ عَلَى التَّأْبِيدِ لَمْ يُقْبَلْ؛ لِلتَّنَاقُضِ بِأَنَّهُ مُؤَبَّدٌ لَيْسَ بِمُؤَبَّدٍ، وَلأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى تَعَذُّرِ الإِخْبَارِ بالتَّأْبِيدِ، وَإِلَى نَفْي الْوُثُوقِ بتَأْبيدِ حُكْمٍ مَا، وَإلَى جَوَازِ نَسْخِ شَرِيعَتِكُمْ. "واستدل" على الوقوع أيضًا "بإباحة" العمل يوم "السبت، ثم تحريمه، وبجواز الخِتَان، ثم إيجابه يوم الولادة عندهم، وبجواز الأختين، ثم التحريم. وأجيب: بأن" ما ذكرتم "رفع" للإباحة الثابتة بالعَقْل، وقد قدمنا أن رفع "مباح الأصل ليس بنسخ". الشرح: واليهود "قالوا: لو نسخت شريعة موسى لبطل قول موسى المتواتر: هذه شريعة مؤبّدة، قلنا": هذا حديث "مُخْتَلَقٌ" مفترى على موسى ﵇.

стр. 1708

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . "قيل: من ابن الراوندي (١)، (٢) والقطع أنه لو كان عندهم صحيحًا لقضت العادة بقوله

стр. 1709

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [له] (١) ﷺ " ولاتخذوا ذلك، من أقوى العصم، ولو فعلوا ذلك لتناقله الناقلون تواترًا؛ لأن الأمور الخطيرة لا يخفي وقوعها؛ لتوفر الدواعي على نقلها. "قالوا: إن نسخ لحكمة ظهرت له لم تكن ظاهرة له فهو البَدَاء، وإلَّا فعبث"، وكلاهما مستحيل على الرب، تعالى، وهذا الوجه هو عُمْدَتهم.

стр. 1710

وَأُجِيبَ: بِأَنَّ تَقْيِيدَ الْفِعْلِ الْوَاجِبِ بِالتَّأْبِيدِ لا يَمْنَعُ النَّسْخَ كَمَا لَوْ كَانَ مُعَيَّنًا مِثْلُ: صُمْ رَمَضَانَ" ثُمَّ يُنْسَخُ قَبْلَه، فَهَذَا أَجْدَرُ. وَقَوْلُهُ: "صُمْ رَمَضَانَ أَبَدًا" بِالنَّصِّ يُوجِبُ أَنَّ الْجَمِيعَ مُتَعَلَّقُ الْوُجُوبِ، وَلا يَلْزَمُ الاِسْتِمْرَار، فَلا تَنَاقُضَ كَالْمَوْتِ، وَإنَّمَا الْمُمْتَنِعُ أَنْ يُخْبِرَ بِأَنَّ الْوُجُوبَ بِاقٍ أَبَدًا، ثُمَّ يُنْسَخُ. قَالُوا: لَوْ جَازَ لَكَانَ قَبْلَ وُجُودِهِ، أَوْ بَعْدَه، أوْ مَعَه، وَارْتِفَاعُهُ قَبْلَ وُجُودِهِ أَوْ بَعْدَهُ بَاطِلٌ وَمَعهُ أَجْدَرُ؛ لاِسْتِحَالَةِ النَّفْي وَالإِثْبَاتِ. قُلْنَا: الْمُرَادُ أَنَّ التَّكْلِيفَ الَّذي كَانَ زَالَ كَالْمَوْتِ لا أَنَّ الْفِعْلَ يَرْتَفِعُ. "وأجيب: بعد" تسليم "اعتبار المصالح أنها تختلف باختلاف الأزمان والأحوال، كمنفعة شرب دواء في وقت أو حال وضرره في آخر، فلم يتجدّد ظهور ما لم يكن" بل تجددت مصلحة لم تكن، فلم يلزم البَدَاء. "قالوا: إن كان" المنسوخ "مقيدًا" بغاية، "فليس" زواله "بنسخ"، بل انتهى نهايته. "وإن دلّ" الخطاب الأول "على التأبيد" [أي] (١) كان مؤبدًا "لم يقبل" النسخ؛ "للتناقض بأنه مؤبد" بدلالة الخطاب الأول "ليس بمؤبد" بدلالة النَّسْخ. "ولأنه" إذا كان مؤبدًا أو جاز نسخه "يؤدي إلى تعذر الإخبار بالتأبيد"؛ إذ ما من عبارة تذكر له إلا وتقبل النسخ. ونحن على قَطْع أن ذلك معنى نفس، وكل معنى نفس يمكن التعبير عنه، "وإلى نفى [الوثوق] (٢) بتأبيد حكم ما" وقد ذكرتم أحكامًا مؤبدة كالصَّلاة، "وإلى جواز نسخ شريعتكم"؛ فإن دليلكم على تأبيدها الإخبار بذلك، فإذا جاز النسخ مع الإخبار به جاز نسخها. الشرح: "وأجيب بأن تقييد الفعل الواجب بالتأبيد لا يمنع النسخ كما لو كان"

стр. 1711

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الواجب "معينًا مثل: صم رمضان، ثم [ينسخ] (١) قبله" أي قبل دخول رمضان، "فهذا" لكونة غير متعين "أجدر"؛ إذ "في له: صم رمضان أبدًا" يقتضي إيجاب كل رمضان، وهو ظاهر في تناول أفراد الرمضانات لا نص. وقوله: صم رمضان المعين نص، فإذا جاز النسخ فيه كان الظَّاهر أجدر بالجواز. وقوله: صم رمضان أبدًا "بالنّص" على التأبيد "يوجب" أن الجميع متعلّق الوجوب، ولا يلزم" من ذلك "الاستمرار" أي استمرار الوجوب، "فلا تناقض". "كالموت" فإن خطاب الملكلف بالوجوب يدز على أن جميع عمره - ولو كان مائة سنة - متعلّق الوجوب، لا أنه يستمر الوجوب مائة سنة. وما ذكروه من جواز نسخ شريعتنا ظاهر السقوط؛ فإن كلامنا في الإنشاءات، وشريعتنا أخبر الصادق أنها لا تنسخ، والأخبار لا تنسخ، فهو هَذَيَانٌ لا يستحق أن يلتفت إليه، "وإنما [الممتنع] (٢) أن يخبر بأن الوجوب باق أبدًا ثم ينسخ"؛ لأنه يلزم منه الكذب، ولا كذلك في الإنشاء. "قالوا: لو جاز" النسخ "لكان" نسخ الفعل إما "قبل وجوده، أو بعده، أو معه، وارتفاعه قبل وجوده أو بعده باطل"؛ لأن رفع ما لم يوجد وما وجد وانقضى محال، "ومعه أجدر"، وأحق بالبطلان؛ "لاستحالة" [اجتماع] (٣) "النفي والإثبات"، فيوجد ولا يوجد، وذلك المُحَال. "قلنا: المراد" من النسخ "أن التكليف الّذي كان زال كالموت" يزول به التكليف الذي كان في الحياة "لا أن الفعل يرتفِع"، فلو فهم ما يعنيه بالارتفاع لم يورد هذا.

стр. 1712

قَالُوا: إِمَّا أنْ يَكُونَ الْبَارِي عَلِمَ اسْتِمْرَارَهُ أَبَدًا، فَلا نَسْخَ، أَوْ إِلَى وَقْتٍ مُعَيَّنٍ، فَلَيْسَ بِنَسْخٍ. قُلْنَا: إِلَى الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ الَّذي عَلِمَ أنَّهُ يَنْسَخُهُ فِيهِ، وَعِلْمُهُ بِارْتِفَاعِهِ بِالنَّسْخِ لا يَمْنَعُ النَّسْخَ. وَعَلَى الأَصْفَهَانِيِّ: الإِجْمَاعُ [عَلَى] شَرِيعَتَنَا نَاسِخَةٌ لِمَا يُخَالِفُهَا، وَنَسْخُ التَّوَجُّهِ وَالْوَصِيَّةِ لِلأَقْرَبِينَ بالمَوَارِيثِ، وَذَلِكَ كَثيرٌ. الشرح: "قالوا: إما أن يكون الباري علم استمراره أبدًا، فلا نسخ"؛ وإلَّا لزم الجهل، "أو" عَلِمَ استمراره "إلى وقت معين، فليس بنسخ" أيضًا؛ لانتهائه بانتهاء مدّته. "قلنا:" نختار أنه يعلم استمراره "إلى الوقت المعين الذي علم أنه ينسخه فيه، وعلمه بارتفاعه بالنسخ لا يمنع النسخ"، بل يثبته ويحققه. "وعلى الأصفهاني: الإجماع على أن شريعتنا ناسخةٌ لما يخالفها، ونسخ التوجّه" إلى "بيت المقدس" بالتوجه إلى "الكعبة"، "والوصية" التي كانت واجبة "للأقربين بالمواريث"، وصوم عاشوراء برمضان، [وثبات] (١) الواحد للعشرة إلى [ثباته] (٢) للاثنين، "وذلك كثير". قال ابن السَّمْعَاني: [فإن] (٣) لم يعترف بهذه الأشياء كان مكابرًا، واستحقّ أن يعرض عنه ولا يكلم. وإن قال: لا أسميه نسخًا كان تعنّتًا لفظيًّا. "فائدة" أبو مسلم هو محمد بن الأصفهاني قال ابن السمعاني: وهو رجل معروف بالعلم، وإن كان قد انتسب إلى المعتزلة ويعد منهم، وله كتاب كبير في التفسير، وله كتب كثيرة، فلا أدري كيف وقع هذا الخلاف منه. انتهى.

стр. 1713

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قلت: ووقفت على تفسيره وليس هو الجاحظ كما توهمه بعضهم، وإنما هو رجل من علماء المعتزلة. [وأنا] (١) أقول: الإنصاف أن الخلاف بين أبي مسلم والجماعة لفظي، وذلك أن أبا مسلم يجعل ما كان مغيًا في علم الله - تعالى - كما هو مغيًا باللفظ، ويسمى الجميع تخصيصًا، ولا فرق عنده بين أن نقول: ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٧]، وأن يقول: صوموا مطلقًا، وعلمه محيط بأنه سينزل: لا تصوموا وقت الليل. والجماعة يجعلون الأول تخلصيصًا، والثاني نسخًا. ولو أنكر أبو مسلم النَّسْخ بهذا المعنى لزمه إنكار شريعة المصطفى ﷺ ، وإنما يقول: كانت شريعة السَّابقين مغياة إلى مَبْعَثِهِ ﵊، وبهذا يتضح لك الخلاف الذي حكاه بعضهم في أن هذه الشريعة مخصّصة للشرائع السابقة، أو ناسخة؟. وهذا معنى الخلاف، وإياك أن يختلج في ضميرك أن ما أقر في هذه الشريعة على وفق ما كان قبل، باقٍ على حاله، وإذا كان البعض باقيًا يكون تخصيصًا، فليس شيء بِبَاقٍ، بل كُلُّ مشروع في شرعئا مفتتح التشريع غير منظور فيه إلى ما سبق، سواء أوافق أم خالف، وإنما معنى الخلاف ما ذكرناه. وقد قال الشيخ الهندي: ليس من ضرورة القول بصحّة نبوة سيدنا محمد ﷺ ، القول بصحّة النسخ حتى يلزم من أنكره إنكار النبوة، وذلك لاحتمال أن يقال: إن شرع الماضين كان مغيًا إلى ظهوره ﵊ في اللفظ. قلت: ولا حاجة إلى قوله: "في اللفظ" فقد يسميه منكره من المسلمين تخصيصًا، وإن لم يوجد في اللَّفظ كما قلناه، ويعود النزاع لفظيًّا كما قذمناه عن ابن السَّمْعَاني. وما ادّعاه المصنّف من الإجماع على أن شريعتنا ناسخة صحيح، ولا ينافيه حكاية بعضهم الخلاف في أنها مخصصة أو ناسخة؛ لأن مرادنا بكونها ناسخة أن كلّ مأمور ومنهى في شرعنا مفتتح التَّشريع، وأنّ كلّ الشَّرَائع السابقة قد انتهى أمرها، والخلاف المحكى لفظي لا معنوي.

стр. 1714

مَسْأَلَةٌ: الْمُخْتَارُ: جَوَازُ النَّسْخِ قَبْلَ وَقْتِ الْفِعْلِ، مِثْلُ: حُجَّوا هَذِهِ السَّنَةَ، ثُمَّ يَقُولُ قَبْلَهُ: لا تَحُجُّوا. وَمَنَعَ الْمُعْتَزِلَةُ وَالصَّيْرَفِيُّ. وقد ادّعى القاضي في "التقريب": إطباق الأمة على أن النبي ﷺ إما أن يكون ناسخًا لشريعة من تقدمه، أو ناسخًا لبعضها، ومتعبدًا في الباقي بأمر ابتدئ به. وأنكر أن يكون متابعًا، ذكره في باب النسخ، وفي مسألة التعلّق بشرائع الماضين، وسيكون لنا [عودة] (١) إلى ذكر ذلك عند الانتهاء إلى المسألة المذكورة إن شاء الله تعالى. «مسألة» الشرح: "المختار: جواز النَّسْخ قبل وقت الفعل، مثل: حجّوا هذه السّنة، ثم يقول قبله" أي قبل الوقت: "لا تحجوا (٢). ومنع المعتزلة والصيرفي ".

стр. 1715

لَنَا: ثَبَتَ التَّكْلِيفُ قَبْلَ وَقْتِ الْفِعْلِ؛ فَوَجَبَ جَوَازُ رَفْعِهِ، كالْمَوْتِ. وَأَيْضًا، فكُلُّ نَسْخٍ كَذَلِكَ؛ لأَنَّ الْفِعْلَ بَعْدَ الْوقْتِ وَمَعَهُ يَمْتَنِعُ نَسْخُهُ. وَاسْتُدِلَّ بِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ ﵇ أُمِرَ بِالذَّبْحِ بِدَلِيلِ: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [سورة الصافات: الآية ١٠٢] وَبِالإقْدَامِ وَبِتَرْوِيعِ الْوَلَدِ، وَنُسِخَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ. وَاعْتُرِضَ بِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مُوَسَّعًا. وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ لا يَمْنَعُ رَفْعَ تَعَلُّقِ الْوُجُوبِ بِالْمُسْتَقْبَلِ؛ لأَنَّ الأَمْرَ بَاقٍ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَانِعُ عِنْدَهُمْ، وَبِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُوَسَّعًا لَقَضَتِ الْعَادَةُ بِتَأْخِيرِهِ رَجَاءَ نَسْخِهِ أَوْ مَوْتِهِ؛ لِعِظَمِهِ. واعلم أنّ هذه العبارة أعني قوله: "النسخ قبل وقت الفعل" قاصرة عن الغرض وإن قالها الأكثرون. والأحسن في التعبير أن يقال: "يجوز نسخ الشيء قبل مضي مِقْدَار ما [يسعه] (١) من وقته؛ ليشمل ما إذا حضر وَقْت العمل، ولكن لم يمض مقدار ما [يسعه] (٢)، فإن هذه الصّورة في محل النزاع أيضًا. الشرح: "لنا: ثبت" بالدليل المتقدم في مسألة توجه الأمر قبل المباشرة "التكليف قبل وقت الفعل؛ فوجب جواز رفعه" بالنسخ "كالموت" أي كما يرفع بالموت؛ لأنهما سواء. "وأيضًا، فكلّ نسخ كذلك" أي: قبل وقت الفعل، وقد اعترفتم بثبوت النسخ، فيلزمكم تجويزه. وإنما قلنا: كلّ نسخ كذلك؛ "لأن الفعل" أي التكليف بالفعل "بعد الوقت ومعه يمتنع نسخه".

стр. 1716

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أما بعده؛ فإما لأن التكليف بذلك الفعل المأمور به بعد مضي وقته ينتفي (١)؛ لانتفاء شرطه وهو الوقت، وإذا انتفى فلا يمكن رفعه؛ لامتناع رفع المعدوم. وإما؛ لأن المكلّف إن كان أوقع المأمور به في وقته فقد أطاع، وإنْ لم يكن قد أوقع فقد عصى، وعلى التقديرين فلا نسخ. وأما مع الوقت فلما سلمته الخصوم من امتناعه حينئذ مصيرًا منهم إلى لزوم تَوَارد النفي والإثبات حينئذ على [شيء] (٢) واحد في زمان واحد. وقد يقال على الأول: التكليف مقيد بعدم الموت عقلًا؛ فلا رفع. وعلى الثاني أن الكلام فيما إذا لم يقع فعل من الأفراد التي تناولها التكليف، وليس كلّ نسخ كذلك، فلم يتوجّه الإلزام. "واستدل" على المختار بدليل صحيح حاصله: التَّمَسُّك "بأن إبراهيم أمر بالذبح"، ونسخ عنه قبل التمكّن من الفعل، فأمر "بدليل: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [سورة الصافات: الآية ١٠٢] وبالإقدام، وبِتَرْوِيعِ الولد"، ولو لم يكن مأمورًا به لكان حرامًا، والأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - لا يقدمون على حرام، "ونسخ" لقوله: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة الصافات: الآية ١٠٧] "قبل التمكن"؛ إذ لو كان بعده لعصى بتأخيره. "واعترض" بأنا لا نسلم أنه لو لم يفعل وقد حضر الوقت كان عاصيًا، وأسند المنع "بجواز أن يكون" الوقت "موسعًا"، فيحصل التمكن، ولا يعصى بالتأخير؛ لأنه موسع ثم ينسخ. "وأجيب" أولا "بأن ذلك" أي: كون الوقت موسعًا "لا يمنع رفع تعلّق الوجوب بالمستقبل؛ لأن الأمر باقٍ عليه" في الوقت الموسع إذا لم يأت بالمأمور به، "وهو المانع عندهم" أي: بقاء الأمر عليه عند الخصم هو المانع من جواز النسخ حينئذ، فقد جاز ما منعوه؛ وهو المَطْلُوب. وثانيًا: "بأنه لو كان موسعًا لقضت العادة بتأخيره" الذبح، "رجاء نسخه أو موته" ومثله مما تقضي العادة بتأخيره "لعظمه" على الأنفس.

стр. 1717

وَأَمَّا دَفْعُهُمْ بِمِثْلِ: لَمْ يُؤْمَرْ، وَإِنَّمَا تَوَهَّمَ، أَوْ أُمِرَ بِمُقَدِّمَاتِ الذّبْحِ، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، أَوْ ذَبَحَ وَكَانَ يَلْتَحِمُ عَقِيبَه، أَوْ جُعِلَ صَفِيحَةَ نُحَاسٍ أَوْ حَدِيدٍ، فَلا يُسْمَع، وَيَكُونُ نَسْخًا قَبْلَ التَّمَكُّنِ. الشرح: "وأما دفعهم" يعني الخصوم هذا الاستدلال "بمثل" قولهم: إن إبراهيم ﵇ "لم يؤمر، وإنما توهم، أو أمر بمقامات الذّبح، فليس بشيء"؛ لقوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ وللإقدام والترويع، كما مَرَّ؛ ولقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ [سورة الصافات: الآية ١٠٦]، ولولا الأمر ما كان بلاءً مبينًا، ولقوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة الصافات: الآية ١٠٧]، ولولا الأمر لما احتاج إلى الفِدَا. ويرده من أصولهم أنه لو كان كذلك؛ لكان توريطًا لإبراهيم ﵇ في الجهل بما يظهر [أنه] (١) أمر، وليس بأمر وهم لا يجوزون ذلك. "أو ذبح" أي: وأما دفعهم بمثل أنه امتثل الأمر وذبح "وكان" كلما قطع جزءًا "يلتحم عقبه، أو جعل صفيحة نحاس أو حديد، فلا يسمع"؛ لأنه خلاف العادة والظَّاهر، ولو كان لنقل مثله نقلًا متواترًا. [وأيضًا] (٢) لو كان صفيحة لمنعت إمكان الذبح، فيصير مكلفًا بما لا يُطَاق، وهم لا يجوزونه، ثم قد نسخ، وإلا لأثم بتركه، "و" حينئذ "يكون نسخًا قبل التمكّن"، وأيضًا لو كان لما احتاج إلى الفِدَا. وقد يقال: لعلّ الفداء لأجل الحياة الحاصلة مع الذّبح لا لنفس الذبح، ويكون الذبح قد وقع، ولكن لم يترتب عليه موت. وهذا بحث، والإنصاف أنه لم يقع ذبح، ودعوى وقوعه مُبَاهتة عظيمة، ومما يدرأ قولهم: ذبح ولكنه التأم اتفاقهم على أن إسماعيل ﵇ ليس [بمذبوح] (٣)، واختلافهم في إبراهيم ﵇ هل هو ذابح؟. فقال قوم: هو ذابح؛ للقطع، والولد غير مذبوح؛ للالتئام (٤).

стр. 1718

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وأنكره قوم وقالوا: ذابح ولا مذبوح مُحَال.

стр. 1719

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فإن قلت: كيف يستحيل عند المعتزلة إثبات ذابح ولا مذبوح مع قولهم: يجوز

стр. 1720

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . اشتقاق اسم الفاعل لمن لم يقم به الفعل؟.
следующие страницы →