← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6338

رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (2 330 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أما بعده؛ فإما لأن التكليف بذلك الفعل المأمور به بعد مضي وقته ينتفي (١)؛ لانتفاء شرطه وهو الوقت، وإذا انتفى فلا يمكن رفعه؛ لامتناع رفع المعدوم. وإما؛ لأن المكلّف إن كان أوقع المأمور به في وقته فقد أطاع، وإنْ لم يكن قد أوقع فقد عصى، وعلى التقديرين فلا نسخ. وأما مع الوقت فلما سلمته الخصوم من امتناعه حينئذ مصيرًا منهم إلى لزوم تَوَارد النفي والإثبات حينئذ على [شيء] (٢) واحد في زمان واحد. وقد يقال على الأول: التكليف مقيد بعدم الموت عقلًا؛ فلا رفع. وعلى الثاني أن الكلام فيما إذا لم يقع فعل من الأفراد التي تناولها التكليف، وليس كلّ نسخ كذلك، فلم يتوجّه الإلزام. "واستدل" على المختار بدليل صحيح حاصله: التَّمَسُّك "بأن إبراهيم أمر بالذبح"، ونسخ عنه قبل التمكّن من الفعل، فأمر "بدليل: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [سورة الصافات: الآية ١٠٢] وبالإقدام، وبِتَرْوِيعِ الولد"، ولو لم يكن مأمورًا به لكان حرامًا، والأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - لا يقدمون على حرام، "ونسخ" لقوله: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة الصافات: الآية ١٠٧] "قبل التمكن"؛ إذ لو كان بعده لعصى بتأخيره. "واعترض" بأنا لا نسلم أنه لو لم يفعل وقد حضر الوقت كان عاصيًا، وأسند المنع "بجواز أن يكون" الوقت "موسعًا"، فيحصل التمكن، ولا يعصى بالتأخير؛ لأنه موسع ثم ينسخ. "وأجيب" أولا "بأن ذلك" أي: كون الوقت موسعًا "لا يمنع رفع تعلّق الوجوب بالمستقبل؛ لأن الأمر باقٍ عليه" في الوقت الموسع إذا لم يأت بالمأمور به، "وهو المانع عندهم" أي: بقاء الأمر عليه عند الخصم هو المانع من جواز النسخ حينئذ، فقد جاز ما منعوه؛ وهو المَطْلُوب. وثانيًا: "بأنه لو كان موسعًا لقضت العادة بتأخيره" الذبح، "رجاء نسخه أو موته" ومثله مما تقضي العادة بتأخيره "لعظمه" على الأنفس.

стр. 1717

وَأَمَّا دَفْعُهُمْ بِمِثْلِ: لَمْ يُؤْمَرْ، وَإِنَّمَا تَوَهَّمَ، أَوْ أُمِرَ بِمُقَدِّمَاتِ الذّبْحِ، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، أَوْ ذَبَحَ وَكَانَ يَلْتَحِمُ عَقِيبَه، أَوْ جُعِلَ صَفِيحَةَ نُحَاسٍ أَوْ حَدِيدٍ، فَلا يُسْمَع، وَيَكُونُ نَسْخًا قَبْلَ التَّمَكُّنِ. الشرح: "وأما دفعهم" يعني الخصوم هذا الاستدلال "بمثل" قولهم: إن إبراهيم ﵇ "لم يؤمر، وإنما توهم، أو أمر بمقامات الذّبح، فليس بشيء"؛ لقوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ وللإقدام والترويع، كما مَرَّ؛ ولقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ [سورة الصافات: الآية ١٠٦]، ولولا الأمر ما كان بلاءً مبينًا، ولقوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة الصافات: الآية ١٠٧]، ولولا الأمر لما احتاج إلى الفِدَا. ويرده من أصولهم أنه لو كان كذلك؛ لكان توريطًا لإبراهيم ﵇ في الجهل بما يظهر [أنه] (١) أمر، وليس بأمر وهم لا يجوزون ذلك. "أو ذبح" أي: وأما دفعهم بمثل أنه امتثل الأمر وذبح "وكان" كلما قطع جزءًا "يلتحم عقبه، أو جعل صفيحة نحاس أو حديد، فلا يسمع"؛ لأنه خلاف العادة والظَّاهر، ولو كان لنقل مثله نقلًا متواترًا. [وأيضًا] (٢) لو كان صفيحة لمنعت إمكان الذبح، فيصير مكلفًا بما لا يُطَاق، وهم لا يجوزونه، ثم قد نسخ، وإلا لأثم بتركه، "و" حينئذ "يكون نسخًا قبل التمكّن"، وأيضًا لو كان لما احتاج إلى الفِدَا. وقد يقال: لعلّ الفداء لأجل الحياة الحاصلة مع الذّبح لا لنفس الذبح، ويكون الذبح قد وقع، ولكن لم يترتب عليه موت. وهذا بحث، والإنصاف أنه لم يقع ذبح، ودعوى وقوعه مُبَاهتة عظيمة، ومما يدرأ قولهم: ذبح ولكنه التأم اتفاقهم على أن إسماعيل ﵇ ليس [بمذبوح] (٣)، واختلافهم في إبراهيم ﵇ هل هو ذابح؟. فقال قوم: هو ذابح؛ للقطع، والولد غير مذبوح؛ للالتئام (٤).

стр. 1718

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وأنكره قوم وقالوا: ذابح ولا مذبوح مُحَال.

стр. 1719

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فإن قلت: كيف يستحيل عند المعتزلة إثبات ذابح ولا مذبوح مع قولهم: يجوز

стр. 1720

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . اشتقاق اسم الفاعل لمن لم يقم به الفعل؟.

стр. 1721

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قلت: اسم الفاعل لا يطلق إلّا عند وقوع الفعل بالإجماع، ولكن هل يختصّ بمن قام لفعل، أو يطلق على من لم يقم به؟.

стр. 1722

قَالُوا: إِنْ كَانَ مَأْمُورًا بِهِ ذَلِكَ الْوَقْتَ تَوَارَدَ النَّفْيُ وَالإِثْبَات، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلا نسخ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَلْ قَبْلَه، وَانْقَطَعَ التَّكْلِيفُ عِنْدَهُ كَالْمَوْتِ. فيه الخلاف بيننا وبينهم. وهنا عند هؤلاء أن الفعل لم يقع؛ لأنّ الفعل هو الذبح، وحقيقته على ما يقولون ثبوت مذبوح تزهق روحه. الشرح: والخصوم "قالوا: إن كان" الفعل "مأمورًا به ذلك الوقت" الذي عدم الوجوب فيه، لزم كونه مأمورًا به في ذلك الوقت [وغير] (١) مأمور به فيه، و "توارد النفي والإثبات" على محلّ واحد، وهو محال. "وإن لم يكن فلا نسخ"، أي: فلا يكون نفى الوجوب فيه نسخًا له.

стр. 1723

مَسْألَةٌ: الْجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِ نَسْخِ مِثْلِ: صُومُوا أَبَدًا، بِخِلافِ: الصَّوْمُ وَاجِبٌ مُسْتَمِرٌّ أَبَدًا. وأجيب: باختيار أنه ليس مأمورًا به في ذلك الوقت. قولكم: فلا نسخ. قلنا: ممنوع؛ فإنه مأمور به قبل ذلك الوقت، ثم ورد تجويز تركه في وقت آخر متعلقًا كما لو مات قبل الوقت فانقطع عنه التكليف بالموت، فالتكليف وعدمه قبل الوقت في زمانين، فلا تناقض إلَّا أن متعلّقهما هو الفعل في وقت واحد، وذلك جائز، وهو محل النزاع. وإليه أشار بقوله: "وأجيب: لم يكن، بل قبله، وانقطع التكليف عنده كالموت". «مسألة» الشرح: قال "الجمهور: جواز نسخ" الخطاب المقيد بالتأبيد إذا كان إنشاء حقّ "مثل: صوموا أبدًا" (١).

стр. 1724

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . "بخلاف: الصوم واجب مستمر أبدًا"، فإنه يجوز نسخه. واعلم أن قوله: إن الجمهور على جواز نسخ الخطاب المقيد بالتأبيد، صحيح. وأما قوله: بخلاف: الصوم واجب مستمر أبدًا، فزيادة لم يصرح بها الآمدي ولا غيره، وإنما قال الآمدي: فإن قيل: لفظ التأبيد جار مجرى التَّنصيص على كل وقت من أوقات الزَّمان بخصوصه، والتنصيص على وجوب الفعل المتعيّن لا يجوز نسخه، فكذلك هذا. وأيضًا، فإنا لو أمرنا بالعبارة بلفظ يقتضي الاستمرار جاز نسخ، فلو جاز ذلك مع التقييد بلفظ التأبيد لم يكن للتقييد معنى. ثم قال: وأيضًا، فإن المخاطب إذا أخبر بلفظ التأبيد لم يجز نسخه، فكذلك في غير الخبر. ثم أجاب عن الأول: بأنا لا نسلّم أن لفظ التأبيد يتنزل منزلة التنصيص، وإن سلم فلا نسلّم امتناع نسخه. وعن الثاني: أن فائدة التأبيد تأكيد الاستمرار. وعن الرَّابع: بمنع ذلك في الخبر أيضًا هذا كلامه. فيحتمل أن يكون مراد المصنّف بقوله: بخلاف نحو: الصوم واجب مستمر أبدًا الخبر أي: يجوز نسخ المقيد بالتأبيد إذا كان إنشاء مثل: صوموا أبدًا، بخلاف ما إذا كان خبرًا مثل: الصوم واجب مستمر أبدًا. وعلى هذا جرى شيخنا الأصفهاني وغيره. ويتأيد هذا بأن المصنّف لما رأى الآمدي اعترض بالخبر، ثم التزمه بناء على أصله في جواز نسخ الأخبار، كما ستعرف حتى أن يتصور أنه موافق له على الالتزام أيضًا، وهو لا

стр. 1725

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يرى نسخ الخبر؛ فقال: بخلاف الخبر، والفرق بينهما واضح؛ يلزم من الخبر الخلف كما ستعرف إن شاء الله تعالى. وإليه أشار إمام الحَرَمَيْنِ في أول النَّسْخ حيث قال: فإن قيل: لو قال الشَّارع: هذا الحكم مؤبّد لا ينسخه شيء، فهل تجوزون تقدير نسخه؟. قلنا: لا؛ لأن تقدير وروده تجويز الخلف. ولكن في هذا نظر من وجهين: أحدهما: أنه له أراد الخبر لم يحتج إلى قوله: مستمر؛ فالفرق واضح بدون هذه اللَّفظة الموهمة شيئًا زائدًا. والثاني: أن الخبر عنده لا ينسخ، قيد بالتأبيد أم لم يقيد، فلا يتجه الفرق؛ إذ البحث هنا عن التأبيد هل يمنع النَّسخ أم لا؟ والقائل قائلان: قائل بأنه يمنعه، وهذا لا يفرق بين الإنشاء والخبر. وقائل لا يمنعه، وإذا لم يمنعه في الإنشاء لم يمنعه في الخبر أيضًا. والمنع في الخبر إنما نشأ من خصوص الخبر؛ لاقتضائه الخلف، لا من جهة أنه قيد بالتأبيد، فافهم ذلك؛ فلا جامع بين مسألة الخبر والتقييد بالتأبيد؛ لاختلاف المأخذ فيهما. ويحتمل أن يكون فصل في الإنشاءات بين مقيد، ومقيد فجوَّز النسخ في أحدهما دون الآخر، فقال في التأبيد: المجعول قيدًا في فعل المكلف مثل: صوموا أبدًا بالجواز. وقال في الثانية: المجعول قيدًا للوجوب، وبيانًا لمدة بقائه واستمراره إذا كان نصًّا مثل أن يقول: الصَّوم واجب مستمر أبدًا؛ لأنه لا يجوز. وعلى هذا جرى القاضي عضد الدّين الإيجي، وهو الأظهر عندي. والذي دعا المصنّف إلى ذلك أنه لما سأل السائلُ: إن لفظ التأبيد جار مجرى التنصيص، والتنصيص لا يجوز نسخه، [وأن] (١) التأبيد إذا ضمّ إلى الاستمرار، فلو جوز نسخه لم يكن له معنى، وأجاب الآمدي، بما رأيت، توسط المصنف في الجواب، فوافقه

стр. 1726

لَنَا: لا يَزِيدُ عَلَى: صُمْ غَدًا ثُمَّ يُنْسَخُ قَبْلَهُ. قَالُوا: مُتَنَاقِضٌ. قُلْنَا: لا مُنَافَاةَ بَيْنَ إِيجَابِ صَوْمِ غَدٍ وَانْقِطَاعِ التَّكْلِيفِ قَبْلَه، كَالْمَوْتِ. على أن لفظ التأبيد لا يتنزل منزلة التَّنصيص، ولا يمنع النسخ لكن لا مطلقًا، بل إذا لم يؤت معه بلفظ الاستمرار، ويجعل قيدًا في الوجوب. وقال: بخلاف مثل: الصوم واجب مستمر أبدًا. هذا ما يظهر عندي. ولقائل أن يقول: لا يصحّ له فرق؛ فإن قوله: الصوم واجب مستمر أبدًا، إذا لم يكن على وَجْهِ الخبر لا يزيد على: صوم غد واجب في النُّصوصية، ونحن نقول بجواز نسخ ذلك إذا لم يكن خبرًا، فلنقل بهذا بطريق أولى. فالمختار أن الإنشاء يجوز نسخه وإن قيد بضروب من التأكيد، وانتهى إلى أقصى درجات النصوص، وعليه الجمهور. وخالف بعض المتكلمين، ومن الحنفية أبو بكر الجصَّاص، وأبو منصور الماتريدي، وأبو زيد الدبوسي، والبرذويان الأخوان. الشرح: "لنا": أن قوله: صوموا أبدًا، "لا يزيد" في دلالته على جزئيات الزمان "على: صم غدًا" في دلالته على صوم الغد، "ثم" قوله: صم غدًا "ينسخ قبله"، ولا يلزم مَحْذُور كما سبق مع قوّة النصوصية فيه، فـ"صم أبدًا" مع ظهوره واحتماله ألَّا يتناول أجدر. ولك أن تقول: والصوم واجب مستمر أبدًا لا يزيد على: صم غدًا، كما عرفت. نعم للخصم أن يقول: لا نسلم أنه يجوز نسخ: صم غدًا، وإذن لا تنهض الحجّة عليه. وقد ادّعى بعض الحنفية الاتفاق على أنَّ التنصيص على وقت بخصوصه يمنع النسخ. صرح به عبد العزيز في شرح البزدوي المسمى بـ"كشف الأسرار" فليس بجيّد، فنحن أوّل من يمنع ذلك، وإنما استفدنا منه أنهم يمنعون نسخ: صم غدًا، فلا يستدلّ عليهم به. والأولى في الاستدلال أن يقول: مِنْ شرط النّسخ أن يرد في الزمان الذي دلَّ الخطاب على ثبوت الحكم فيه ظاهرًا أو نصًّا، وقد بيّنا جواز النَّسخ قبل التمكّن، فنصوصية الخطاب الدَّالة على ثبوت الحكم لا تنافي النَّسْخ، بل هي شرط له على البدلية، ودلالة التأبيد سواء

стр. 1727

مَسْأَلَةٌ: الْجُمْهُورُ: جَوَازُ النَّسْخِ مِنْ غَيْرِ بَدَلٍ. لَنَا: أَنَّ مَصْلَحَةَ الْمُكَلَّفِ قَدْ تَكُونُ فِي ذلِكَ؛ وَأَيْضًا؛ فَإِنَّهُ وَقَعَ كنَسْخِ وُجُوبِ الْإِمْسَاكِ بَعْدَ الْفِطْرِ، وَتَحْرِيمِ ادِّخَارِ لُحُومِ الأَضَاحِي. قَالُوا: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [سورة البقرة: الآية ١٠٦]. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الخِلافَ فِي الْحُكْمِ لا فِي اللَّفْظِ. سَلَّمْنَا لكِنْ خُصِّصَ. سَلَّمْنَا، وَيَكُونُ نَسْخُهُ بِغَيْرِ بَدَلٍ خَيْرًا لِمَصْلَحَةٍ عُلِمَتْ، وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ، فَمِنْ أَيْنَ لَمْ يَجُزْ؟!. أكانت ظاهرة أم نصًّا بشرط النَّسخ، وشرط الشيء لا ينافيه. "قالوا: معنى التأبيد الدَّوام، والنسخ يقطعه، فهو إذن "متناقض"، فلم يَجُزْ على الله تعالى. "قلنا": لا نسلّم التناقض؛ إذ "لا منافاة بين إيجاب" فعل مقيد بالأبد، وعدم أبدية [التكليف] (١) به، وذلك كما لا مُنَافاة بين إيجاب "صوم" مقيد بزمان مثل: صوموا "غدًا، وانقطاع التكليف قبله" كما يقال: صم غدًا ثم ينسخ قبله، وهو "كالموت"؛ إذ قد يتعلّق التكليف بصوم غد، ثم يموت قبله، فلا يوجد في غد التكليف. والحاصل: أن كلّ تكليف وإن قيد بضروب التأكيد وألفاظ التأبيد فمعناه: ما لم ينسخ، كما أن معناه ما لم يعجز المكلّف بمرض أو موت ونحوهما. «مسألة» الشرح: قال "الجمهور: جواز النَّسْخ من غير بدل" (٢) حقّ.

стр. 1728

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وخالف بعض المعتزلة والظَّاهرية. "لنا: أن مصلحة المكلف قد تكون في ذلك"، إن قلنا برعاية المَصَالح، وإلَّا فلا إشكال. "وأيضًا، فإنه وقع"، فكان جائزًا، وذلك "كنسخ وجوب الإِمْسَاك بعد الفطر" في الليل، "وتحريم ادِّخَار لحومِ الأضاحي". "قالوا: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ " [سورة البقرة: الآية ١٠٦] " ولا يتصوّر كونه خبرًا ومثلًا إلَّا في بدل. "وأجيب: بأن الخلاف في الحكم لا في اللفظ"، والمراد في الآية: نأت بلفظ خير منها، أو مثلها، وليس محل النزاع. "سلمنا" [بأن] (١) المراد نأت بحكم، أو أن الخلاف يطرق اللفظ، "لكن" هو عام يقبل التخصيص، فلعله "خصص" بما نسخ بلا بدل. "سلمنا" عدم تخصيصه، "ويكون نسخه بغير بدل خيرًا" للمكلف "لمصلحة علمت". "ولو سلم أنه لم يقع" النسخ إلَّا إلى بدل، "فمن أين" تدلّ هذه الآية على أنه "لم يجز" عقلًا؟ وقصاراها الدلالة على عدم الوقوع، ولا يلزم منه عدم الجواز. واعلم أن هنا مسألتين: إحداهما: الجواز، وقد عرفتها. والثانية: الوقوع، وقد اشتمل الكلام على دَعْوَاه حيث استدلّ به، وعليه الأكثرون. ونقل عن الشافعي ﵁ خلافه، وعبارته - كرم الله وجهه - في "الرسالة":

стр. 1729

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وليس ينسخ فرض أبدًا إلا أثبت مكانه فرض كما نسخت قِبْلَة "بيت المقدس"، فأثبت مكانها "الكعبة" … انتهى. وظاهرها: أنه لا ينسخ الفرض إلا ببدل هو فرض أيضًا. وإنما أراد الشَّافعي بهذه العبارة - كما نبّه عليه أبو بكر الصَّيرفي في "شرح الرسالة" - أنه ينقل من حظر إلى إباحة، أو إباحة إلى حظر، أو تخيير على حسب أحوال الفروض، قال: ومثل ذلك المُنَاجاة، كما يناجي النبي ﷺ بلا تقديم صدقة، ثم فرض الله - تعالى - تقديم الصَّدقة، ثم أزال ذلك، فردهم إلى ما كانوا عليه، فإن شاءوا تقرّبوا بالصدقة إلى الله - تعالى - وإن شاءوا ناجوه من غير صدقة قال: فهذا معنى قول الشَّافعي ﵁: فرض مكان فرض، فافهمه انتهى. فقد وضح أن مراد الشَّافعي بالبدل الذي ذكر أنه لا يقع النسخ إلا به: انتقالهم من حكم شرعي إلى حكم شرعي، وذلك أعم من أن يعادوا إلى ما كانوا عليه مثل المُنَاجاة، وإليها أشار الصيرفي بقوله: رذهم إلى ما كانوا عليه. [أو] (١) يحدث شيء مغاير لذلك كما في نسخ التوجّه إلى "بيت المقدس" بالكعبة، وليس مراد الشافعي بالبدل: أنه لا بد من بدل غير [ما] (٢) كانوا عليه، بل البدل أعم من ذلك. والمقصود أنهم ينقلون من حُكْمٍ شرعي إلى مثله، ولا يتركون غير محكوم عليهم بشيء. إذا عرفت ما أراده فنقول: هذا شيء لا ينبغي لمن له أدنى اطلاع على الشريعة أن يخالف فيه، فما في الشريعة مَنْسوخ إلَّا وقد انتقل عنه إلى أمر آخر هو حكم شرعي، ولو أنه إلا صيرورة ما كان واجبًا مباحًا وذلك بدل؛ إذ هو حكم أيضًا، فلم يترك الرب - سُبْحانه - عبارة هملًا، فالصور أربع: إحداها: الجواز، ولا يخالف فيه إلَّا بعض المعتزلة والظاهرية. والثانية: وقوعه بلا بدل أصلًا، بحيث يعود الأمر كهو قبل ورود الشَّرائع، مثل أن يقول: نسخت وجوب الصَّدقة عند المُناجاة، وصيرت الحال بعد النسخ غير محكوم فيه

стр. 1730

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بشيء، بل هو كالأفعال قبل الشرع، وهذا مع جوازه لا يقع، ولا نحفظ أحدًا قال بوقوعه، وقائله مطلوب بتصديق دعواه بصورة يوردها، ولن يصل إلى ذلك. والثالث: وقوعه ببدل من الأحكام الشَّرعية إما إحداث أمر مغاير لما كان واجبًا أو لا، كالكعبة بعد المقدس، أو الحكم بإباحة ما كان واجبًا كالمُنَاجاة والنسخ لم يقع إلا هكذا كما قال الشافعي، وهو قضية كلام القاضي، وهو الحق؛ فما من صورة نسخت إلا وقد انتقل عنها إلى حكم شرعي، ولو أنه إلا إباحة الترك إن كان ما تقدم وجوبًا كالصدقة عند المُنَاجاة، أو [تأصيل] (١) أمر آخر كالكعبة بعد "بيت المقدس". والرابعة: وقوعه ببدل بشرط أن يكون تأصيلًا لأمر آخر، كالكعبة بعد "بيت المقدس"، وهذا المردود في الكتاب، ولم يشترطه الشافعي، ومن ذهب إليه بقول مردود عليه. وإن رأيت أحدًا نقله عن الشَّافعي، فاعلم أنه لم يفهم مراد الشَّافعي بالبدل، وربما [أُتى] (٢) أقوام من عدم عِرْفَانهم ما يعنيه اللَّافظ بلفظه. وكلام إمام الحرمين في كتاب "التلخيص" مختصر "التقريب" و"الإرشاد"، للقاضي كالنص فيما قررنا؛ إذ قال بعد أن ذكر أنه يجوز النسخ إلى بدل ما نصّه: فإن قال قائل: كيف يتصور ذلك؛ ولو وجبت عبادة فمن ضرورة نسخ وجوبها إباحة تركها، والإباحة حكم من الأحكام، وهو بدل من الحكم الثابت أولًا، وهو الوجوب. قلنا: من مذهب من يخالفنا أن العبادة لا تنسخ إلا بعبادة ولا يجوزون نسخها بإباحة، على أن ما طالبتمونا به يتصور بأن يقول الرب سبحانه: نسخت عنكم العبارة، وعاد الأمر إلى ما كان عليه قبل ورود الشَّرائع، وهذا مما يعقل ولا ينكر. فإن استروحوا في منع ذلك بقوله : ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [سورة البقرة: الآية ١٠٦]، وهذا تصريح بإثبات البدل. قلنا: هذا إخبار عن أن النسخ يقع على هذا الوجه، وليس فيه ما يدل على أنه لا يجوز وقوع النسخ على غير هذا الوجه. انتهى.

стр. 1731

مَسْأَلَةٌ: الْجُمْهُورُ: جَوَازُ النَّسْخِ بأَثْقَلَ. لَنَا: مَا تَقَدَّمَ، وَبِأَنَّهُ نُسِخَ التَّخْيِيرُ فِي الصَّوْمِ وَالْفِدْيَةِ وَصَوْمُ عَاشُورَاءَ بِرَمَضَانَ، وَالْحَبْسُ فِي الْبُيُوتِ بِالْحَدِّ. قَالُوا: أَبْعَدُ فِي الْمَصْلَحَةِ. قُلْنَا: يَلْزَمُكُمْ فِي ابْتِدَاءِ التَّكْلِيفِ، وَأَيْضًا، فَقَدْ يَكُونُ عَلِمَ الْأَصْلَحَ فِي الْأَثْقَلِ كَمَا يُسْقِمُهُمْ بَعْدَ الصِّحَّةِ، وَيُضْعِفُهُمْ بَعْدَ الْقُوَّةِ. فانظر كيف صرح بتسليم أن النسخ لا يقع إلا على هذا الوجه بعد أن جوّز وقوعه لا إلى بدل، وهو عين ما نقوله، وهو الحق الذي لا مِرْيَةَ فيه. والظاهر: أنه من كلام القاضي في "التقريب" و"الإرشاد الكبير" الذي كتاب "التلخيص" فرع له، وأما "التقريب" و"الإرشاد الصغير" الذي وقفنا عليه، فلم يذكر فيه هذا، ولا "التلخيص" فرعه فإن "التلخيص" ملخص من الكبير دون الصغير على ما ظهر لي. وإذا تأملت ما ذكرناه علمت أن الاستدلال بقوله: ﴿مَا نَنْسَخْ … ﴾ على ما مرادنا صحيح. وقوله: الآية في اللفظ تبع فيه الآمدي، وهو ضعيف؛ لأن المسألة في أعم من نسخ اللفظ، ثم إن لفظ الآية حكم شرعي لا يمسّه المحدث، ولا يقرؤه الجنب. وقوله: إنه مخصص. قلنا: ما ذكرت ليس فيه نسخ الحكم بلا بدل، بل ببدل هو أعم من عود الأمر إلى ما كان عليه، ونحن لا ننكر ذلك. وقوله: "من أين لم يجز"؟ صحيح على من يمنع الجواز. وفيصل الأمر: أن الجواز [لا ينكره] (١)، وليس في الآية دليلٌ على منعه، والبدل الذي نثبته لا ينبغي إنكاره، وبدل أخص معه لا ندّعيه.

стр. 1732

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . «مسألة» الشرح: "الجمهور: جواز النسخ بأثقل" ووقوعه (١). ومنع بعضهم منه عقلًا. وبعضهم سمعًا، وهو رأي أبي بكر بن داود. وقيل: جائز ولكن لم يقع. وفد حكى هذه الأقوال القاضي في "التقريب" وغيره. وزعم الهِنْدِيّ أن من قال بالجواز قال بالوقوع، وليس بجيّد لما عرفت. وذكر ابن بَرْهَان: أن بعضهم نقل المنع عن الشَّافعي، قال: وليس بصحيح. "لنا: ما تقدم" من أن التكليف إن تبع المصالح، فلعلّ الأثقل أصلح، وإلَّا فواضح. "وبأنه" وقع، والوقوع دليل الجواز وزيادة، وذلك أنه "نسخ التخيير في الصوم، والفِدْيَة" بتعين الصوم، "وصوم عاشوراء برمضان، والحَبْس في البيوت" في الزّنا "بالحد"، والصَّبر على أذى الكفار في أول الإسلام بإيجاب القتال. "قالوا": التكليف بالأثقل "أبعد في المصلحة"؛ لانتقال المكلف من سهل إلى عسر. "قلنا" - بعد تسليم مراعاة المصالح -: "يلزمكم في ابتداء التكليف"؛ لكونه نقلًا من عدم الحرج إلى المشقة والتقييد. "وأيضًا، فقد يكون علم الأصلح" في الأثقل كما يسقمهم بعد الصحة، ويضعفهم بعد القوة".

стр. 1733

قَالُوا: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [سورة النساء: الآية ٢٨]، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٥]. قُلْنَا: إِنْ سُلِّمَ عُمُومٌ فَسِيَاقُهَا لِلْمَآلِ فِي تَخْفِيفِ الْحِسَابِ وَتَكْثِيرِ الثَّوَابِ، أَوْ تَسْمِيَةٌ لِلشَّيْءَ بِعَاقِبَتِهِ مِثْلُ: [الوافر] لِدُوا لِلْمَوْتِ وَابْنُوِا لِلْخَرَابِ … ....................... وَإنْ سُلِّمَ الْفَوْرُ فَمَخْصُوصٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ كَمَا خُصَّتْ ثِقَالُ التَّكَالِيفِ وَالابْتِلاءُ بِاتِّفَاقٍ. قَالُوا: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [سورة البقرة: الآية ١٠٦]، وَالْأَشَقُّ لَيْسَ بِخَيْرٍ لِلْمُكَلَّفِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ خَيْرٌ بِاعْتبَارِ الثَّوَابِ. الشرح: "قالوا: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [سورة النساء: الآية ٢٨]، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٥] ونحوه - يمنع النسخ بالأثقل. "قلنا": لا نسلم العموم في كل تخفيف ويسر، "وإن سلم عموم فسياقها للمآل في تخفيف الحساب وتكثير الثواب"، لا في الحال؛ ولأن فعل الأثقل أقرب إلى تخفيف الحساب، وتكثير الثواب، "أو" أن تسمية الأثقل بالأخف "تسمية الشيء بعاقبته مثل" قول الشاعر: [الوافر] لَهُ مَلَكٌ يُنَادِي كُلَّ يَوْمٍ … "لِدُوا لِلْمَوْتِ وَابْنُوا لِلْخَرَابِ" (١) فإنه لما كان عاقبة الولادة للموت، والبناء للخراب، جعلهما غاية لهما، تسمية للشيء باسم عاقبته، كذلك عاقبة الأثقل نيل الثواب واليسر ودفع العقاب والعسر. "وإن سلم الفور" أي: إرادة التَّخفيف واليسر في كلّ شيء يدخل فيه التخفيف، واليسر في الفور، "فمخصوص بما ذكرناه" من الصور المتضمّنة لنسخ الأخف بالأثقل، "كما خصت ثقال التكاليف" المبتدأة "والابتلاء" بالسقم ونحوه "باتفالق" ولو تم لهم هذا

стр. 1734

مَسْأَلَةٌ: الْجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِ نَسْخِ التِّلاوَةِ دُونَ الْحُكْمِ وَبِالْعَكْسِ. وَنَسْخِهِمَا مَعًا. وَخَالَفَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ (١). وجب ألَّا يقع تكليف مبتدأ. قال القاضي: بل يجب على دعواهم أن يسقط الواجب [بغير] (٢) بدل أصلًا؛ لأنه أخف وأيسر من النسخ ببدل شاق وإن كان دون المرفوع. "قالوا: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾، والأشق ليس بخير للمكلف". "وأجيب: بأنه خير باعتبار الثَّواب"؛ فإن الأثقل أكثر ثوابًا على ما قال ﵇ لعائشة: "إِنَّمَا أَجْرُكِ عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ" (٣).

стр. 1735

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . "فائدة" لا خلاف في جواز النسخ بالأخف كنسخ العدّة حولًا بالعدّة أربعة أشهر وعشرًا، والمثلِ كاستقبال "بيت المقدس" بالكعبة. وأما نسخ التخيير بين أمرين يتحتّم أحدهما فهو من الأثقل، وقد مَرّ مثاله. «مسألة» الشرح: "الجمهور على جواز نَسْخ التلاوة دون الحكم (١)، وبالعكس (٢)، ونسخهما معًا. وخالف بعض المعتزلة" (٣). قلت: والخلاف في نسخهما معًا لا يتجه إلا ممن يمنع نسخ القرآن من حيث هو، والمقصود بهذا الخلاف الخاصّ إنما هو نسخ التلاوة دون الحكم والعكس، ويدل عليه قوله بعد ذلك قالوا: التلاوة مع حكمها كالعالميَّة … إلى آخره، فإنه ذكر من جانبهم الاستدلال - على منع أحدهما دون الآخر، لا على منعهما معًا، فدلَّ أنه مقصودهم. وإنما الأصوليون لما ذكروا نسخ أحدهما دون الآخر دعاهم التَّقسيم إلى ذكر نسخهما معًا، وإن كان لا يخالف فيه أحد ممن يجوز وقوع النَّسْخ في القرآن.

стр. 1736

لَنَا: الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ، وَأَيْضًا: الْوُقُوعُ عَنْ عُمَرَ ﵁: وَكَانَ فِيمَا أُنْزِلَ، "الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ": وَنُسِخَ الاِعْتِدَادُ بِالْحَوْلِ. وَعَنْ عَائِشَةَ -: ﵂ كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ: "عَشْرُ رَضَعَاتٍ مُحَرِّمَاتٌ"، فَنُسِخْنَ بِخَمْسٍ. الشرح: "لنا: القطع بالجواز" في الأقسام الثلاثة. "وأيضًا: الوقوع عن عمر: كان فيما أنزل: "الشَّيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة" (١) رواه الشافعي ﵁ من حديث سعيد بن المسيب عن عمر ﵁. واللفظ: "إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم أن يقول قائل: لا نجد حدّين في كتاب الله، فلقد رجم رسول الله ﷺ ورجمنا، فوالذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله لكتبتها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة؛ فإنا قد قرأناها". وللترمذي نحوه، وللبخاري ومسلم ما يقرب منه، فهذا مما نسخت تلاوته دون حكمه. "ونسخ الاعتداد" في الوفاة "بالحول" الثابت بقوله تعالى: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٤٠]، بقوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٣٤]. ومنسوخ الحكم دون التلاوة أمثلته كثيرة، والقول بأن هذا منها عليه جمهور المفسرين، فروى البُخَاري في الصحيح عن مجاهد: أنها غير منسوخة، وعليه أبو مسلم الأصفهاني، وأبي ﵀ ولكن تناءت بهم الأنحاء كما حكيت في "التعليق" و"شرح المنهاج".

стр. 1737

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . "وعن عائشة ﵂ " فيما رواه مسلم: "كان فيما أنزل عشر رضعات محرمات" كذا في الكتاب، ولفظها "معلومات، بدل "محرمات"، "فنسخن بخمس" معلومات، وهذا منسوخ الحكم والتلاوة معًا (١).

стр. 1738

وَالْأَشْبَهُ: جَوَازُ مَسِّ المُحْدِثِ لِلْمَنْسُوخِ لَفْظُهُ. قَالُوا: التِّلاوَةُ مَعَ حُكْمِهَا كَالْعِلْمِ مَعَ الْعَالِمِيَّةِ وَالْمَنْطُوقِ مَعَ الْمَفْهُومِ، فَلا يَنْفَكَّانِ. وَأُجِيبَ بِمَنْعِ الْعَالِمِيَّةِ وَالْمَفْهُومِ، وَلَوْ سُلِّمَ فَالتِّلاوَةُ أَمَارَةُ الْحُكْمِ ابْتِدَاءً لا دَوَامًا فَإِذَا نُسِخ لَمْ يَنْتَفِ الْمَدْلُول، وَكَذلِكَ الْعَكْسُ. قَالُوا: بَقَاءُ التِّلاوَةِ يُوهِمُ بَقَاءَ الْحُكْمِ، فَيُوقِعُ فِي الْجَهْلِ. وَأَيْضًا، فَتَزُولُ فَائِدَةُ الْقُرْآنِ. قُلْنَا: مَبْنِيٌّ عَلَى التَّحْسِينِ، وَلَوْ سُلِّمَ فَلا جَهْلَ مَعَ الدَّلِيلِ؛ لأِنَّ الْمُجْتَهِدَ يَعْلَمُ وَالْمُقَلِّدَ يَرْجِعُ إِلَيْهِ، وَفَائِدَتُهُ كَوْنُهُ مُعْجِزًا وَقُرْآنًا يُتْلَى. الشرح: "والأشبه"، وهو أصح الوجهين عند أصحاب الشَّافعي: "جواز مسّ المحدث للمنسوخ لفظه"؛ خلافًا للآمدي. قال أصحابنا: ولذلك تبطل الصَّلاة بذكره فيها. وذكر الرَّافعي في أول باب حد الزنا: أن القاضي ابن كَجّ حكى وجهًا أنه لو قرأ قارئ آية الرجم في الصَّلاة لم تفسد.

стр. 1739

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وأما المنسوخ حكمه دون لفظه، فله حكم ما لم ينسخ بإجماع المسلمين. والمانعون من جواز نسخ التلاوة دون الحكم وبالعكس "قالوا" أولًا: "التلاوة مع حكمها كالعلم مع العالميَّة والمنطوق مع المفهوم" من حيث إن أحدهما لا يتحقق بدون الآخر، فكذلك الحكم مع التلاوة، "فلا ينفكان". "وأجيب: بمنع" ثبوت "العالمية والمفهوم"؛ إذ لا نسلّم أن العالمية مغايرة لقيام العلم بالذّوات، ولا الملازمة بين المنطوق والمفهوم ليصحّ التمثيل، وإنما منعناه؛ لأنه فرع ثبوت الأحوال، ولسنا ممن يثبت الأحوال. "ولو سلم" التغاير والتلازم؛ "فالتلاوة أمارةُ الحكم ابتداء، لا دوامًا" أي: يدل ثبوت التلاوة على ثبوت الحكم، ولا يدل دوامه، فلا يلزم من انتفاء الأمارة في طرف الدوام انتفاء ما دلَّت عليه، "فإذا نسخ" كونه يتلى "لم ينتف المدلول". "وكذلك العكس"، ولا يلزم من انتفاء الحكم لأمارة تدلّ عليه انتفاء تلك الأمارة لدالة عليه. والحاصل: أنه إذا نسخت التلاوة وَحْدَها فهو نسخ لدوامها، ودوامها ليس هو الدَّليل، وإذا نسخ الحكم وحده فهو نَسْخ للدوام، وهو غير مَدْلُول، فلا يلزم انفكاك الدَّليل

стр. 1740

مَسْأَلَةٌ: الْمُخْتَارُ: جَوَازُ نَسْخِ التَّكْلِيفِ بِالْإِخْبَارِ بِنَقِيضِهِ ؛ خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ. والمدلول، بخلاف العالمية مع العلم، والمنطوق مع المفهوم إن ثبتا؛ لتلازمهما ابتداءً ودوامًا. "قالوا" على منع نسخ الحكم دون التِّلاوة "بقاء التلاوة: يوهم بقاء الحكم، فيوقع في الجهل". "وأيضًا [فتزول] (١) فائدة القرآن"؛ لأن فائدة اللفظ إفادة مدلوله، فإذا لم يقصد به بطلت فائدته، ويجب تنزيه القرآن عن كلام لا فائدة فيه. "قلنا" أولًا: هذا "مبني على" أصل "التحسين" والتقبيح الباطل، "ولو سلم" فلا يتم قولك أولًا: فيه إيقاع في الجهل. قلنا: "لا جهل مع الدَّليل؛ لأن المجتهد" عند نصب الدَّليل "يعلم" أنه منسوخ الحكم، "والمقلّد يرجع إليه" فانتفى الجهل. قولك ثانيًا: تزول الفائدة. قلنا: لا نسلّم، وإنما يلزم لو انحصرت الفائدة فيما ذكرت، وهو ممنوع، ففائدته أيضًا كونه كان أولًا مرادًا به المدلول، فليس كما يذكر لفظ ابتداء ولا يراد مدلوله، "وفائدته" أيضًا "كونه معجزًا وقرآنًا يتلى". «مسألة» الشرح: "المختار جواز نسخ التكليف بالإخبار" (٢) بشيء بأن يقول: نسخت عنك تكليفي إياك بأن تخبر بالأمر الفلاني، ثم إما ألَّا يكلف بالإخبار بنقيض ما كان كلف به، بل ينسخ التكليف الماضي فقط، فهذا جائز بلا خلاف، سواء أكان المخبر عنه مما يتغير أم لا.

стр. 1741

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وإما أن يكلف مع ذلك بالإخبار "بنقيضه". فإن كان مما يتغير كما إذا قال: كلفتكم بأن تخبروا بقيام زيد، ثم يقول: كلفتكم بأن تخبروا بأن زيدًا ليس بقائم، فلا خلاف أيضًا في جوازه؛ لاحتمال كونه قائمًا وقت الإخبار بقيامه غير قائم وقت الإخبار بعدم قيامه. وإن كان مما لا يتغيّر ككون السماء فوق الأرض مثلًا، فهو محلّ الخلاف. ومذهبنا: الجواز؛ "خلافًا للمعتزلة". واحتج لهم الآمدي بأنه كذب، والتكليف به قبيح، ثم قال: وهذا مبني على قاعدة الحُسْن والقُبْح الباطلة عندنا، وعلى هذا فلا مانع من التكليف بالخبر بنقيض الحق. انتهى. فإن قلت: الكذب نقص، ونحن نوافق المعتزلة على أن قبحه عقلي؛ فينبغي لنا المنع من ذلك أيضًا. قلت: قد لا يكون نقصًا؛ لتعلّق غرض به، وعلى تقدير كونه نقصًا، فإنما هو نقص في حق الكاذب، وهو المكلَّف بفتح اللام - وهو المخبر لا المكلّف بكسرها - وهو الله تعالى المكلف بالإخبار، ويجوز التكليف عندنا بما هو نقص في حقّ العبد لا سيما إذا تعلّق به غرض يصير به من حيث ذلك الغرض حسنًا. بل لقائل أن يقول: لا التفات لهذا على قاعدة التَّحْسِين والتقبيح، بل ينبغي القول به على أصلنا وأصلهم. أما على أصلنا فواضح. وأما على أصلهم؛ فلأنه قد يتعلّق به قصد صحيح، فلا يكون نقصًا في حقّ المكلف ولا المكلف، وقد ذكر الفقهاء أماكن يجب الكذب فيها لتعلّق غرض شرعي به. فلو قال متغلّب لضعيف: اكذب كذبة خفيفة، وإلَّا ضربت عنقك، وجب عليه [أن] (١) يقترحها، وما أظن المعتزلة يخالفون في ذلك. وفي مذهبنا وجه أنه يجب التلفُّظ بكلمة الكفر عند الإكراه (٢) عليها، ولا خلاف أنه

стр. 1742

وَأَمَّا نَسْخُ مَدْلُولِ خَبَرٍ لا يَتَغَيَّر، فَبَاطِلٌ، وَالْمُتَغَيِّرُ كَإِيمَانِ زَيْدٍ، وَكُفْرِهِ مِثْلُهُ؛ خِلافًا لِبَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ. وَاسْتِدْلالُهُمْ بِمِثْلِ: "أَنْتُمْ مَأْمُورُونَ بِصَوْمِ كَذَا" ثُمَّ يُنْسَخُ بِرَفْعِ الخِلافِ. يجب على المودع إذا طالبه ظالم بالوديعة أن يدفعه بالإنكار والإخفاء ما أمكنه، وإذا أنكر وحُلِّف جاز له أن يحلف، ثم تلزمه الكفَّارة على المذهب؛ لأنه كاذب، والكفَّارة منوطة بالكَذِبِ، فلا فرق بين أن يحنث أو لا، وكذلك من التَجَأ إليه مظلوم فَخَبَّأه في داره، وغير ذلك مما خاطب الله به عباده فيه بنقيض الصدق لتعلّق غرض صحيح، وهو حسن في قضايا العقول، فلا ينبغي لذوي الاعتزال إنكاره، هذا في نسخ التكليف بالإخبار. الشرح: "وأما نسخ مدلول خبر" وثمرته، وهي المسألة الملقّبة بـ "نسخ الأخباري" بين الأصوليين (١).

стр. 1743

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فإن كان مدلوله "لا يتغير فباطل" بالإجماع. "والمتغير كإيمان زيد، وكفره مثله"، سواء أكان الخبر ماضيًا، أم مستقبلًا، وعدًا أم وعيدًا وفاقًا لأكثر المتقدمين. وقال عبد الجبار، وأبو الحسين، والإمام الرازي، والآمدي: يجوز مطلقًا. وقال قوم: إن كان مدلوله مستقبلًا جاز، وإلَّا فلا، واختاره البيضاوي في "منهاجه". "واستدلالهم" أي: واستدلال المجوزين لنسخ مدلول الخبر، "مثل" أن يقول: "أنتم مأمورون بكذا، كصوم" رمضان مثلًا، "ثم ينسخ" حيث يجوز اتفاقًا "برفع الخلاف" بيننا وبينهم من حيث المعنى؛ لأنه نسخ لوجوب صوم رمضان، فليس بخبر، بل هو أمر أخبر عنه. وأما مدلول الخبر، وهو وقوع الأمر فلم ينسخ، وإلى هذا أشار في "المنتهى" حيث قال: قالوا: إذا قال: أنتم مأمورون بصوم كل رمضان، جاز نسخه. قلنا: لأنه بمعنى: "صوموا" فليس بخبر. ثم قال: قالوا ثانيًا: لو قال: إنما يفعل كذا أبدًا، ثم قالا: أردت عشرين، جاز. قلنا: تخصيص مَحْض باتقاق. ولم يذكر هنا في "المختصر" دليل المنع، وذكره في "المختصر الكبير"، فقال: إن كان معنى الخبر بنصّ أو علم القصد إليه، فالخبر الثاني نفيضه، وهو باطل، وإن كان بظاهر، فالثاني تخصيص. يعني وليس بنسخ، والخلاف إنما هو في النسخ، فلا خلاف في المعنى. واعلم أن القاضي في "التقريب" بنى الخلاف في المسألة على أن النسخ رفع أو بيان. فإن قلنا: رفع، لم يجز نسخ الخبر قطعًا؛ لأن الخبر إن كان صادقًا كان الناسخ الرافع لبعض مدلوله كاذبًا، ضرورة أنه صدق، وإلا فهو كاذب.

стр. 1744

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وإن قلنا: بيان للمراد اتَّجَهَ أن يقال: الخطاب - حينئذٍ - وإن دلَّ على ثبوت الأزمنة كلّها ظاهرًا، لكنه غير مراد من اللَّفظ، فلم يفض نسخ الخبر حينئذٍ إلى كذب. ومَدَار الخلاف على أنه: هل يفضى إلى الكذب، فيمتنع، أو لا فلا؟ "فوائد" الأولى: قد يقول من يجوِّز نسخ المستقبل دون الماضي: إن الكذب لا يتعلق بالمستقبل. فإن قلت: وهل يقول أحد: إن الكذب يختصّ بالماضي؟ قلت: نعم، وهو المفهوم عن الشَّافعي ﵁ ومن أجله قال: إنه لا يجب الوفاء بالوعد، وضعف سؤال من قال لصاحبه: غدًا أعطيك درهمًا، ثم لم يفعل كان كاذبًا؛ والكذب حرام، فكيف لا يوجبون الوفاء بالوعد؟ فقال: إنه والحالة هذه حاكم على أمر مستقبل، ولا كذب فيه، والوعد إنشاء لا خبر، وإنما يسمى من لم يَفِ بالوعد مخلفًا لا كاذبًا. ولذلك قال ﵊ في صفة المُنَافق: "إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذَا وَعَدَ أَخلَفَ". فسمَّاه: مخلفًا لا كاذبًا، ولو كان الإخلاف كذبًا دخل تحت عموم "إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ". وقد صرح أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي (١) في كتاب "الأذكار" بأن الإخبار بضد الصدق إذا كان مستقبلًا يقال فيه: أخلف، ولا يقال: كذب. قلت: وقد يقول القائل إذا لم يدخله الكذب: لا يكون خبرًا؛ لأن الخبر ما يقبل الصِّدق والكذب، وإذا لم يكن خبرًا خرجنا عن مسألة نسخ الأخبار.

стр. 1745

مَسْألَةٌ: يَجُوزُ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِالْقُرْآنِ، كالعِدَّتَيْنِ، وَالْمُتَوَاتِر بالْمُتَوَاتِرِ وَالآحَادِ بِالآحَادِ، وَالآحَادِ بِالمُتَوَاتِرِ، وَأَمَّا نَسْخُ المُتَوَاتِرِ بِالآحَادِ فَنَفَاهُ الأَكْثَرُونَ، بِخَلافَ تَخْصَيصِ الْعَامِّ كمَا تَقَدَّمَ. لنَا: قَاطِعٌ فَلا يُقَابِلُهُ الْمَظْنُونُ. والظَّاهر عندنا: أن الخبر قد يتعلّق بالمستقبل كما يقول: سيخرج الدَّجَّال، ويصح فيه التصديق والتكذيب، والوعد إنشاء لا خبر؛ فليس مما نحن فيه. والثَّانية: كلّ ما تقدم فيما هو خبر لفظًا ومعنى، أما ما هو خبر لفظًا لا معنى مثل: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنّ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٢٨]، فنسخه جائز في قول الأكثرين؛ فإنه ليس إلَّا صيغة الخبر استعملت على وجه التجوز في الأمر. وخالف فيه أبو بكر الدَّقَّاق من أصحابنا، كما نقل ابن السَّمْعَاني، ولا وجه له. الثالثة: نسخ الوعيد جائز، وممن صرح به من أصحابنا ابن السَّمْعَاني قال: ولا يعد ذلك خلفًا، بل عفوًا وكرمًا. قلت: ونسخ الوعد لا يفضي إلى الكذب كما عرفت؛ لأنه إنشاء، ولكنه لا يقع؛ لأنه إخلاف في الإنعام، وهو على الرب - تعالى - مستحيل. قال الأصمعي: سمعت أعرابيًّا يقول: سبحان مَنْ إذا وعد وفى، وإذا توعّد عفا. «مسألة» الشرح: ذكروا أنه يمتنع نسخ كلّ القرآن إجماعًا. وأما نسخ بعضه فنقل عن أبي مسلم الأصفهاني منعه. وقد عرفت أنه نقل عنه أيضًا منع النسخ رأسًا. والحق أنه "يجوز نَسْخ القرآن بالقرآن كالعدتين" (١) وقد تقدّم الكلام عليها، "والمتواتر

стр. 1746

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بالمتواتر، والآحاد بالآحاد، والآحاد بالمتواتر. وأما نَسْخُ المتواتر بالآحاد، فنفاه الآكثرون، بخلاف تخصيص العام" المتواتر بالآحاد، فإنه جائز "كما تقدّم" (١). والفرق أن التخصيص بيان وجَمْعٌ بين الدليلين، والنسخ رفع وإبطال. وظاهر كلام المصنّف أن الأكثرين نفوا الجواز وليس كذلك، بل إنما أنكروا الوقوع، ولم ينكر الجواز إلَّا الأقلون. "لنا": المتواتر "قاطع، فلا يقابله المظنون"، وهو الآحاد. ولقائل أن يقول: أولًا: هذا لو تم نفى [بقاء] (٢) الجواز العقلي، وقد قلنا: إنْ الأكثرين عليه، وإنما ادعوا نفى الوقوع.

стр. 1747

قَالُوا: وَقَعَ فَإنَّ أَهْلَ قُبَاءَ سَمِعُوا مُنَادِيَهُ ﷺ ألا إِنَّ الْقِبْلَةَ قَدْ حُوِّلَتْ، فَاسْتَدَارُوا" وَلَمْ يُنكَرْ عَلَيْهِمْ. أُجِيبَ: عَلِمُوا بِالْقَرَائِنِ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ. قَالُوا: كَانَ يُرْسِلُ الآحَادَ بِتَبْلِيغِ الأَحْكَامِ مُبْتَدَأَةً وَنَاسِخَةً. وَأُجِيبَ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا ذَكَرْنَاه، فَيُعْلَمُ بِالْقَرَائِنِ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ. وثانيًا: أنه لا يتم؛ لأن المتواتر مظنون الدلالة بخلاف الآحاد؛ فتعادلا. لا يقال حينئذ: يتعين أن يكون الآحاد مخصصًا، ولا خلاف فيه؛ لأن ذلك إنما يتعيّن إذا ورد قبل العمل بالعام المتواتر. أما إذا ورد بعد العمل به، فيكون ناسخًا. وأيضًا قال القاضي:. لا نسلّم أن المقطوع لا يدفع بالمَظْنُون قال: ألا ترى أن انتفاء الأحكام قبل ورود الشرائع مقطوع به عندنا، وثبوت الحظر أو الإباحة مقطوع به عند آخرين، ثم خبر الآحاد يرفع ذلك باتفاق؟. وأيضًا فإنا مهما جَوَّزنا نسخ النص بخبر الواحد، فلا نسلّم مع ورود كون النَّص مقطوعًا به ذكره القاضي أيضًا. ومراده: أن المقطوع به إنما هو أصل الحكم، لا دوامه، والنَّسْخ يرد على دوامه لا على أصله، وهو حسن. فالحَق إثبات الجواز، وأما الوقوع، فقد أعلمناك أن الأكثرين نفوه، وخالف جماعة من أهل الظاهر. وفصل القاضي والغَزَالي، فقالا بوقوعه في زمان الرسول ﷺ دون ما بعده. ونقل القاضي إجماع الأمة على منعه بعد زمن النبي ﷺ قال: وإنما اختلفوا في زمانه. وقال إمام الحرمين: أجمع العلماء على أن الثَّابت قطعًا لا ينسخه مظنون، ولم يتعرّض لزمان الرسول ﷺ (١). وعندي أن الفارق أن الأحكام في زمن النبي ﷺ في معرض التغير بخلاف ما بعده؛

стр. 1748

قَالُوا: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٤٤] نُسِخَ بِنَهْيِهِ عَنْ [أَكلِ] "كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ"، فَالَخَبَرُ أَجْدَرُ. أُجِيبَ: إِمَّا بِمَنْعِهِ، وَإمَّا بِأنَ الْمَعْنَى: لا أَجِدُ الآنَ. وَتَحْرِيمُ حَلالِ الأَصْلِ لَيْسَ بِنَسْخٍ، وَيَتَعَيَّنُ النَّاسِخُ بِعِلْمِ تَأَخُّرِهِ أَوْ بِقَوْلِهِ ﵇: هَذَا نَاسِخٌ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ مِثْلُ: "كنْتُ نَهيْتُكُمْ"، أوْ بِالإجْمَاعِ، وَلا يَثْبُتُ بِتَعْيِينِ الصَّحَابِيِّ؛ إذْ قَدْ يَكُونُ عَنِ اجْتِهَادِ، وَفِي تَعْيِينِ أَحَدِ المُتَوَاتِرَيْنِ نَظَرٌ. لاستقرار الأحكام، فكان لا قطع في زمانه، وبهذا يصح نقل الإمام الإجماع، وحكاية من حكى الخلاف، فإن من قال بالنَّسْخِ في زمان الرسول ﷺ يمنع القطع. الشرح: والمجّوزون "قالوا: وقع فإن أهل "قباء" سمعوا مناديه ﷺ ، وهو آحاد: "أَلا إِنَّ القِبْلَةَ قد حُوِّلَتْ" فاستداروا، ولم ينكر عليهم". عن ابن عمر ﵄ قال: بينما الناس بـ "قباء" في صلاة الصبح، إذ جاءهم آت فقال: إن النبي ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل القِبْلَة، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى "الشام" فاستداروا إلى "الكعبة" رواه البخاري ومسلم. "أجيب: علموا" ذلك "بالقرائن نما ذكرناه" فيما مضى من أن خبر الواحد إذا انضمت إليه القرائن أفاد العلم. "قالوا: كان ﷺ يرسل الآحاد بتبليغ الأحكام مبتدأة وناسخة" من غير فرق بينهما، والمبعوث إليهم متعبّدون بتلك الأحكام، وربّما كان في الأحكام ما ينسخ متواترًا؛ لأنهم لم ينقلوا الفرق، وهو دليلُ جواز نسخ المتواتر بالآحاد. "أجيب": بتسليم الإرسال والقول "إلّا أن يكون الخبر مما ذكرناه" وهو كونه ناسخًا للمتواتر، "فيعلم بالقرائن؛ لما ذكرناه" من أن المظنون لا يقابل القاطع، فلم يقبل الواحد بمجرّده من نسخ المتواتر. الشرح: "قالوا" ثالثًا: قوله تعالى: " ﴿قُلْ لَا أَجِدُ" فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ … ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٤٥] "نسخ بنهيه" ﷺ الثابت في الكتب السّتة من حديث أبي ثعلبة "عن أكل كلّ ذي ناب من السِّبَاع، وهو خبر واحد، فإذا نسخ به القرآن، "فالخبر" المتواتر"أجدر". "وأجيب: إما بمنعه" أي بمنع النَّسْخ في الآية، "وإما بأن المعنى لا أَجِدُ الآنَ"،

стр. 1749

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والتحريم في المستقبل لا ينافيه حتى يلزم النَّسْخ به، غايته أن عدم التحريم يثبت بالآية، ولازم عدم التَّحريم بقاء البَرَاءة الأصلية لا ثبوت الإباحة الشرعية، والبراءة هي المرفوعة بالحديث، فالحديث محرم لحلال الأصل، "وتحريم حلال الأصل ليس بنسخ"؛ لأنه لم يرفع حكمًا شرعيًّا. وحيث ذكرنا ما ينسخ به، فلنذكر ما يعرف به كون الحكم ناسخًا، وإليه الإشارة بقوله: "ويتعيّن الناسخ بعلم تأخره" عن المنسوخ. "أو بقوله ﷺ : هذا ناسخ أو ما في معناه"، أي: معنى هذا ناسخ "مثل" ما روى مسلم في "الصحيح" من قوله ﷺ : "كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ" عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا" (١). "وبالإجماع" على أنه ناسخ، وهذه الطرق الصحيحة في معرفة الناسخ. ولقائل أن يقول: علم التأخير يشمل الأقسام التي يعرف بها النَّاسخ كلها؛ لأن كل ناسخ فهو معلوم التأخير. فصواب العبارة أن يقال: يتعيّن الناسخ بعلم تأخّره، وله طرق: قوله ﵇: هذا ناسخ، أو ما في معناه، والإجماع. "ولا يثبت بتعيين الصحابي؛ إذ قد يكون عن اجتهاد".

стр. 1750

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقيل: يثبت به. وقال الكرخي: إن عين الناسخ كقوله: هذا نسخ هذا، فلا يقبل [كذلك] (١)، وإلا قُبِلَ؛ لأنه لولا ظهور النَّسخ فيه ما أطلق النسخ إطلاقًا. قال الإمام الرَّازي: هو ضعيف، فلعله أطلق لغلبة ظنّه. "وفي تعيين أحد المتواترين" لكونه ناسخًا للآخر بقول الصَّحابي "نظر" من حيث إنه نسخ للمتواتر بالآحاد، وبالمتواتر، والآحاد دليل كونه ناسخًا. وما لم يغتفر ابتداء قد يغتفر تبعًا، كما يقبل الشَّاهدان في الإحصان، وإن رتب الرجم دون الزِّنَا، والنساء في الولادة دون النَّسب، وإن ترتب النسب. وإذا قطعت يد المحرم لا فِدْيَة عليه للشعر الذي عليها والظّفر؛ لكونهما تابعين، وكذا لو كشط جلد الرأس فلا فدية. ولو كان تحته امرأتان صغيرة وكبيرة، فأرضعت الكبيرة الصغيرة، بطل النِّكَاح، ووجب المَهْر، ولو قتلها لم يجب المهر؛ لأن البُضْعَ عند القتل تابع غير مقصود. والشُّفْعَة لا تثبت في الأشجار والأبنية بطرق الأصالة، وتثبت تبعًا للأرض إذا بيعت معها وهو كثير (٢).

стр. 1751

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقال القاضي في "مختصر التقريب" لإمام الحرمين: لو قال: هذا الحديث سابق قبل؛ إذ لا مدخل للاجتهاد فيه، قال: والضابط ألَّا يكون ناقلًا، فيطالب بالحِجَاجِ. وأما إذا كان ناقلًا فيقبل.

стр. 1752

وَلا يَثْبُتُ بِقَبْلِيَّتِهِ فِي الْمُصْحَفِ، وَلا بِحَدَاثَةِ الصَّحَابِيِّ، وَلا بِتَأَخُرِ إسْلامِهِ، وَلا بِمُوَافَقَةِ ألأَصْلِ، وَإذَا لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ فَالْوَجْهُ الْوَقْفُ لا التَّخْييرُ. الشرح: "ولا يثبت" النَّاسخ "بقبليته في "وضع "المصحف"؛ فإن ترتيب الآيات ليس على ترتيب النزول، "ولا بحداثة" سن "الصّحابي"؛ لأن منقول حديث السّن قد يكون متقدمًا، وبالعكس "وبتأخر إسلامه"؛ لجواز أن يسمع متقدم الإسلام بعده، "ولا بموافقة الأصل" للحكم الذي رواه. "وإذا لم يعلم ذلك" أي: النَّاسخ من المنسوخ لتعذّر السبيل إلى ذلك، "فالوجه الوقوف" عن العمل "لا التخيير". وقال الآمدي: إن علم اقترانهما مع تعذُّر الجمع، فعندي أنّ ذلك غير متصوّر الوقوع، وإن جوزه قوم، وبتقدير وقوعه، فالواجب إما الوقوف عن العمل، أو التخيير إن أمكن.

стр. 1753

مَسْالَةٌ: الجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِ نَسْخِ السُّنَّة بِالْقُرآنِ، وَللشَّافِعيِّ ﵀ قَوْلانِ. لنَا: لَوِ امْتَنَعَ لَكَانَ لِغَيْرِهِ، وَالأَصْلُ عَدَمُه، وَأَيْضًا: التَّوَجُّهُ إِلَى [بَيْتِ] الْمَقْدِسِ بِالسُّنَّةِ، وَنُسِخَ بِالْقُرْآنِ، وَالْمُبَاشَرةُ بِاللَّيْلِ كَذَلِكَ، و [صَوْمُ] يَوْمِ عَاشُورَاءَ. وَأُجِيبَ بِجَوَازِ نَسْخِهِ بِالسَّنَّةِ، وَوَافَقَ الْقُرآنَ. وَأُجِيبَ بَأَنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ تَعْيِينَ نَاسِخٍ أَبَدًا. وكذلك الحكم فيما إذا لم يعلم شيء من ذلك. هذا كلامه. فقول المصنّف: "وإذا لم يتم ذلك" يشمل ما إذا علم اقترانهما، وذلك لا يقع، وما إذا لم يعلم الحال، وما إذا علم أن أحدهما متأخر، ولكن جهل عينه، وما إذا علم عين المتأخر، ثم نسى. وقد ذكر الفُقَهَاء [مثل] (١) هذه الأقسام في الجمعتين، والنِّكاحين، وعقد الإمامة لاثنين، وموت جماعة من الأقارب بالغرق أو الهدم. واعلم أن المصنف قال في الاجتهاد: إنه يجوز تعادل الأمارات الظَّنية عند الجمهور؛ خلافًا لأحمد، والكرخي، وقال هناك: وأجيب: يُعْمَلُ بهما في أنهما [وقفا] (٢)، أو بأحدهما مخيرًا، أو لا يعمل بهما. قلت: وإذا علم عين المتقدم والمتأخر ثم نسى، فلا وجه للقول بالتخيير، إنما الوجه الوقف، وهو نظير كلام الفقهاء في النكاحين وغيره. «مسألة» الشرح: "الجمهور على جواز نسخ السنة بالقرآن (٣).

стр. 1754

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وللشافعي قولان: "لنا: لو امتنع لكان". إما لذاته، وهو باطل قطعًا. وإما "لغيره، والأصل عدمه"، أي: عدم ذلك الغير. "وأيضًا" قد وقع؛ إذ "التوجّه إلى [بيت] (١) المقدس" كان ثابتًا "بالسُّنة ونسخ بالقرآن، والمباشرة بالليل كذلك"، فإنها كانت محرمة على الصَّائم بالسنة، ثم نسخت بالقرآن [و "يوم] (٢) عاشوراء" كذلك. ولقائل أن يقول: الأول لا يثبت إلا الجواز العقلي، والشَّافعي لا ينكره كما سنحرره إن شاء الله تعالى. والثاني: وهو دعوى الوقوع ممنوع، فقد حكى الحازمي (٣) قولين للعلماء في أن التوجَّه إلى [بيت] (٤) "المقدس" هل كان بالقرآن أو السُّنة؟. قلت: والقول بأنه كان بالقرآن هو ظاهر كلام الشَّافعي، وعليه يدلّ قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ [سورة البقرة: الآية ١٤٣]. الآية، فإن الضمير في "جعلنا" "يعود على الله تعالى" وظاهره أنه جعل بالقرآن. وأما المُبَاشرة بالليل فالذي ذكره أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب "الناسخ والمنسوخ": أن الأكل والشرب والجماع ليلة الصِّيام بعد أن ينام الإنسان كان محرمًا، ثم شُكِيَ إلى النبي ﷺ ، فأنزل الله : ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ … ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٧] الآية.

стр. 1755

قَالُوا: ﴿لِتُبَيِّنَ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٤]، وَالَنَّسْخُ رَفْعٌ لا بيَانٌ. قُلْنَا: الْمَعْنَى: لِتُبَلِّغَ، وَلَوْ سُلَّمَ فَالَنَّسْخُ أَيْضًا بيَانٌ وَلَوْ سُلِّمَ فَأَيْنَ نَفْيُ الَنَّسْخِ؟. قَالُوا: مُنَفرٌ. قُلْنَا: إذَا عُلِمَ أَنَّهُ مُبَلِّغٌ فَلا نَفْرَةَ. وكذلك ذكر أبو جعفر النحاس، ولم ير من قال: إن ذلك كان بالسّنة. وأما إيجاب صوم عاشوراء ثم نسخه، فهو قول الحنفيّة، وحكاه عبد الرزاق في "مصنفه" عن علي، وأبي موسى. والذي عليه أصحابنا: أنه لم يكن فرضًا قط، وقد بين ذلك البيهقي في "الخلافيات"، وأبو إسحاق الشيرازي في "النكت"، وغيرهما من علمائنا. "وأجيب" عن دعوى الوقوع أيضًا "بجواز نسخه بالسُّنة، ووافق" نسخه بها "القرآن"، فاستغنى به عن نقلها. "وأجيب" عنه: "بأن ذلك يمنع تعيين ناسخ أبدًا"، فلا يدعى ناسخ إلا ويمكن أن يقال: لعلّ النسخ واقع بغيره. ولقائل أن يقول: جريان الاعتراض في أماكن كثيرة لا يدفعه، بل الجواب أن يقال: الأصل عدم غيره. الشرح: والمانعون "قالوا": قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ "لِتُبَيِّنَ" لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ … ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٤] يقتضى أن شأنه البيان، "والنسخ رفع لا بيان" (١).
следующие страницы →