← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6338

رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (2 330 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقال القاضي في "مختصر التقريب" لإمام الحرمين: لو قال: هذا الحديث سابق قبل؛ إذ لا مدخل للاجتهاد فيه، قال: والضابط ألَّا يكون ناقلًا، فيطالب بالحِجَاجِ. وأما إذا كان ناقلًا فيقبل.

стр. 1752

وَلا يَثْبُتُ بِقَبْلِيَّتِهِ فِي الْمُصْحَفِ، وَلا بِحَدَاثَةِ الصَّحَابِيِّ، وَلا بِتَأَخُرِ إسْلامِهِ، وَلا بِمُوَافَقَةِ ألأَصْلِ، وَإذَا لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ فَالْوَجْهُ الْوَقْفُ لا التَّخْييرُ. الشرح: "ولا يثبت" النَّاسخ "بقبليته في "وضع "المصحف"؛ فإن ترتيب الآيات ليس على ترتيب النزول، "ولا بحداثة" سن "الصّحابي"؛ لأن منقول حديث السّن قد يكون متقدمًا، وبالعكس "وبتأخر إسلامه"؛ لجواز أن يسمع متقدم الإسلام بعده، "ولا بموافقة الأصل" للحكم الذي رواه. "وإذا لم يعلم ذلك" أي: النَّاسخ من المنسوخ لتعذّر السبيل إلى ذلك، "فالوجه الوقوف" عن العمل "لا التخيير". وقال الآمدي: إن علم اقترانهما مع تعذُّر الجمع، فعندي أنّ ذلك غير متصوّر الوقوع، وإن جوزه قوم، وبتقدير وقوعه، فالواجب إما الوقوف عن العمل، أو التخيير إن أمكن.

стр. 1753

مَسْالَةٌ: الجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِ نَسْخِ السُّنَّة بِالْقُرآنِ، وَللشَّافِعيِّ ﵀ قَوْلانِ. لنَا: لَوِ امْتَنَعَ لَكَانَ لِغَيْرِهِ، وَالأَصْلُ عَدَمُه، وَأَيْضًا: التَّوَجُّهُ إِلَى [بَيْتِ] الْمَقْدِسِ بِالسُّنَّةِ، وَنُسِخَ بِالْقُرْآنِ، وَالْمُبَاشَرةُ بِاللَّيْلِ كَذَلِكَ، و [صَوْمُ] يَوْمِ عَاشُورَاءَ. وَأُجِيبَ بِجَوَازِ نَسْخِهِ بِالسَّنَّةِ، وَوَافَقَ الْقُرآنَ. وَأُجِيبَ بَأَنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ تَعْيِينَ نَاسِخٍ أَبَدًا. وكذلك الحكم فيما إذا لم يعلم شيء من ذلك. هذا كلامه. فقول المصنّف: "وإذا لم يتم ذلك" يشمل ما إذا علم اقترانهما، وذلك لا يقع، وما إذا لم يعلم الحال، وما إذا علم أن أحدهما متأخر، ولكن جهل عينه، وما إذا علم عين المتأخر، ثم نسى. وقد ذكر الفُقَهَاء [مثل] (١) هذه الأقسام في الجمعتين، والنِّكاحين، وعقد الإمامة لاثنين، وموت جماعة من الأقارب بالغرق أو الهدم. واعلم أن المصنف قال في الاجتهاد: إنه يجوز تعادل الأمارات الظَّنية عند الجمهور؛ خلافًا لأحمد، والكرخي، وقال هناك: وأجيب: يُعْمَلُ بهما في أنهما [وقفا] (٢)، أو بأحدهما مخيرًا، أو لا يعمل بهما. قلت: وإذا علم عين المتقدم والمتأخر ثم نسى، فلا وجه للقول بالتخيير، إنما الوجه الوقف، وهو نظير كلام الفقهاء في النكاحين وغيره. «مسألة» الشرح: "الجمهور على جواز نسخ السنة بالقرآن (٣).

стр. 1754

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وللشافعي قولان: "لنا: لو امتنع لكان". إما لذاته، وهو باطل قطعًا. وإما "لغيره، والأصل عدمه"، أي: عدم ذلك الغير. "وأيضًا" قد وقع؛ إذ "التوجّه إلى [بيت] (١) المقدس" كان ثابتًا "بالسُّنة ونسخ بالقرآن، والمباشرة بالليل كذلك"، فإنها كانت محرمة على الصَّائم بالسنة، ثم نسخت بالقرآن [و "يوم] (٢) عاشوراء" كذلك. ولقائل أن يقول: الأول لا يثبت إلا الجواز العقلي، والشَّافعي لا ينكره كما سنحرره إن شاء الله تعالى. والثاني: وهو دعوى الوقوع ممنوع، فقد حكى الحازمي (٣) قولين للعلماء في أن التوجَّه إلى [بيت] (٤) "المقدس" هل كان بالقرآن أو السُّنة؟. قلت: والقول بأنه كان بالقرآن هو ظاهر كلام الشَّافعي، وعليه يدلّ قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ [سورة البقرة: الآية ١٤٣]. الآية، فإن الضمير في "جعلنا" "يعود على الله تعالى" وظاهره أنه جعل بالقرآن. وأما المُبَاشرة بالليل فالذي ذكره أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب "الناسخ والمنسوخ": أن الأكل والشرب والجماع ليلة الصِّيام بعد أن ينام الإنسان كان محرمًا، ثم شُكِيَ إلى النبي ﷺ ، فأنزل الله : ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ … ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٧] الآية.

стр. 1755

قَالُوا: ﴿لِتُبَيِّنَ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٤]، وَالَنَّسْخُ رَفْعٌ لا بيَانٌ. قُلْنَا: الْمَعْنَى: لِتُبَلِّغَ، وَلَوْ سُلَّمَ فَالَنَّسْخُ أَيْضًا بيَانٌ وَلَوْ سُلِّمَ فَأَيْنَ نَفْيُ الَنَّسْخِ؟. قَالُوا: مُنَفرٌ. قُلْنَا: إذَا عُلِمَ أَنَّهُ مُبَلِّغٌ فَلا نَفْرَةَ. وكذلك ذكر أبو جعفر النحاس، ولم ير من قال: إن ذلك كان بالسّنة. وأما إيجاب صوم عاشوراء ثم نسخه، فهو قول الحنفيّة، وحكاه عبد الرزاق في "مصنفه" عن علي، وأبي موسى. والذي عليه أصحابنا: أنه لم يكن فرضًا قط، وقد بين ذلك البيهقي في "الخلافيات"، وأبو إسحاق الشيرازي في "النكت"، وغيرهما من علمائنا. "وأجيب" عن دعوى الوقوع أيضًا "بجواز نسخه بالسُّنة، ووافق" نسخه بها "القرآن"، فاستغنى به عن نقلها. "وأجيب" عنه: "بأن ذلك يمنع تعيين ناسخ أبدًا"، فلا يدعى ناسخ إلا ويمكن أن يقال: لعلّ النسخ واقع بغيره. ولقائل أن يقول: جريان الاعتراض في أماكن كثيرة لا يدفعه، بل الجواب أن يقال: الأصل عدم غيره. الشرح: والمانعون "قالوا": قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ "لِتُبَيِّنَ" لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ … ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٤] يقتضى أن شأنه البيان، "والنسخ رفع لا بيان" (١).

стр. 1756

مَسْأَلَةٌ: الْجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِ نَسْخِ الْقُرْآنِ بِالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ، وَمَنَعَ الشَّافِعيُّ ﵁. "قلنا: المعنى" من قوله: "لتبين": "لتبلغ، ولو سلم" أن المراد ظاهره، وهو البيان "فالنسخ أيضًا بيان". لا يقال: قد أخبرتم فيما مضى أنه رفع؛ لأنا نقول وقت النزول في الجواب: يختار الناظر أي مذهب شاء، والسّر فيه أنه يقول: ماذا تقول لو قال خصمك مثلًا: النسخ بيان، فعليك إبطال أنّ النسخ بيان ليتثبت مقصودك، فافهم هذا ينفعك في أماكن كثيرة يتخيل الشَّادي فيها تناقض اتكلام، أو نقول: ليس المعنى بالبيان مقابل الرفع؛ بل تقييد المطلق وتخصيص العام؛ لأن ذلك أيضًا بيان كما سبق في باب البيان، والسُّنة تقييد وتخصّص. "ولو سلم" أن النسخ ليس ببيان، "فأين نفى النسخ" في الآية؟. "قالوا": نسخ السُّنة بالقرآن "منفر" عن النبي ﷺ [الأغبياء] النَّاس؛ لأنهم ربما قالوا: لم يرض الله بالسُّنة. "قلنا: إذا علم أنه" ﷺ "مبلغ، فلا نفرة"؛ لأن الكُلّ من عند الله تعالى. «مسألة» الشرح: "الجمهور على جواز نسخ القرآن بالخبر المتواتر، ومنع الشافعي" (١) ونصه في "الرسالة": لا ينسخ كتاب الله إلا كتابه كما كان المبتدئ بفرضه، وهو المزيل المثبت لما شاء منه جل ثناؤه، ولا يكون ذلك لأحد من خلقه. انتهى. وظاهره: نفى الوقوع فقط. نعم قال: يبقى الجواز العَقْلي، الحارث بن أسد المحاسبي، وعبد الله بن سعيد (٢)

стр. 1757

لَنَا: مَا تَقَدَّمَ. وَاسْتُدِلَّ بأَنَّ: "لا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ" نَسَخَ الْوَصِيَّةَ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبينَ، وَالرَّجْمُ لِلْمُحْصَنِ نَسَخَ الْجَلْدَ. وأُجُيبَ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ نَسْخُ الْمَعْلُومِ بِالْمَظْنُونِ، وَهُوَ خِلافُ الْفَرْضِ. قَالُوا: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [سورة البقرة: الآية ١٠٦]، وَالسُّنَّةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ؛ وَلأَنَّهُ قَالَ: "نَأْتِ"، وَالضَّمِيرُ لِلهِ تَعَالَى. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْمُرَادَ الْحُكْمُ؛ لأَنَّ الْقُرْآنَ لا تَفَاضُلَ فِيهِ، فَيَكُونُ أَصْلَحَ لِلْمُكَلَّفِ أَوْ مُسَاوِيًا، وَصَحَّ "نَأْتِ" لأِنَّ الْجَمِيعَ مِنْ عِنْدِهِ. والقلانسي، وهم من كبار أهل السُّنة. وقيل: إنه رواية عن أحمد بن حنبل. وقيل: المانع منه الشرع لا العَقْل، وهو قول الشيخ أبي حامد الإسفراييني. وقيل: لم يمنع منه السمع أيضًا، ولكنه لم يقع، وهو قول ابن سُرَيج. ونص الشَّافعي هذا الذي حكيناه لا يدلّ على أكثر منه. الشرح: "لنا: ما تقدم" من أنه لو امتنع لكان لغيره، والأصل عدمه. "واستدلّ: بأن" ما رواه النَّسَائي، وابن ماجه، والترمذي، وصححه من قوله ﷺ : "لا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ" (١) نسخ الوصية للوالدين والأقربين، والرجم للمحصن" ثابت بالسُّنة في أحاديث كثيرة، وهو قد "نسخ الجَلْد" الثابت بالقرآن. "وأجيب: بأنه" لما كان حديث: "لا وصية لوارث"ورجم المحصن من أخبار الآحاد،

стр. 1758

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولم يقل أحد من المتأخرين هنا: إن خبر الواحد ينسخ المعلوم، فحينئذ "يلزم" من الاحتجاج بهما "نسخ المعلوم بالمَظْنُون، وهو خلاف الفرض". لا يقال: إذا جاز بخبر الواحد، فالمتواتر أحرى. لأنا نقول: ما يقتضيه من التجويز بخبر الواحد لم يقولوا به، وما يقولون به لا يقتضيه. نعم لقائل أن يقول: إذا وقع النسخ بالحَدِيثين، وقد ثبت أن الواحد لا ينسخ القرآن، علمنا أنهما متواتران؛ لوقوع الاتفاق على أن النسخ حاصل بهما، وأن الواحد لا ينسخ الكتاب، فانحصر الأمر في المتواتر. ويؤيد هذا أن زماننا ليس زمان النسخ إنما زمن النسخ سالف الزمان، فلعله كان متواترًا إذ ذاك. لكن جوابنا: أنا لا نسلم أن: "لا وصية لوارث" نسخ قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: الآية ١٨٠]، إنما الناسخ لهذه الآية إن كانت منسوخة قرآن آخر، وقد عينه ترجمان القرآن ابن عباس ﵁ حيث قال: النَّاسخ لها آيات المواريث في سورة "النساء"، فاندفع ما لعلّه يقال: من أن الأصل عدم غير ما ذكرناه بتعيين ابن عباس. وقد صرح مالك بن أنس ﵁ بهذا، نقله عنه القاضي عبد الوَهَّاب في "الملخص". وأما المحصن فليس مما نحن فيه؛ لأنه تخصيص لعموم: "الزَّانِيَةُ والزَّانِي فَاجْلِدُوا"، والكلام في النسخ لا في التخصيص (١).

стр. 1759

قَالُوا: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ﴾ [سورة يونس: الآية ١٥]. قُلْنَا: ظَاهِرٌ فِي الْوَحْي، وَلَوْ سُلَّمَ فَالسُّنَّةُ بِالْوَحْي. والمانعون "قالوا": قال الله تعالى ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [سورة البقرة: الآية ١٠٦]، والسُّنة ليست كذلك ولأنه قال: نأت، والضمير لله". "وأجيب: بأن المراد" بالمنسوخ "الحكم"، لا اللفظ أي: بحكم خير من حكم الآية المنسوخة، وذلك لأنه وصف البدل بالخير، فاستحال أن يكون المراد اللفظ؛ "لأن القرآن لا تفاضل فيه، فيكون" حكم السّنة الناسخة خيرًا، أو مثلًا؛ لكونه "أصلح للمكلف أو مساويًا". "وصح" لفظ ﴿نَأْتِ﴾ وإن كان النسخ بالسّنة؛ "لأن الجميع من عنده" . ولقائل أن يقول: قد قدم المصنف في مسألة جواز النسخ من غير بَدَلٍ ما مقتضاه أن المراد من قوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾: بخير في اللفظ لا الحكم، وقد عكس هنا. ولعلّه إنما قال: وأجيب في الموضعين بصيغة التمريض لأجل هذا. الشرح: "قالوا: قوله تعالى: " ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ﴾ [سورة يونس: الآية ١٥]، ينفي جواز التبديل عنه، والنسخ تبديل، فيبقى جوازه منه. "قلنا" النص المذكور "ظاهر في "تبديل "الوحي" بأن يوضع لفظ ما لم ينزل مكان ما أنزل، فلا يدلّ على منع تبديل الحكم. "ولو سلّم" أن المراد تبديل الحكم، "فالسنة، ثابتة "بالوحي"، وليست من تِلْقَاء نفس مَنْ لا ينطق عن الهَوَى، عليه أفضل الصلاة والسلام. واعلم أن مسألتي: نسخ السّنة بالكتاب، والكتاب بالسُّنة معزيتان إلى الشافعي ﵁ كما عرفت. وقد حكى المصنّف عنه قولين في جواز نسخ السُّنة بالكتاب، والجزم بأن الكتاب لا

стр. 1760

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . تنسخه السنة، وكذلك حكاه غيره. وممن حكاه كذلك القاضي أبو الطيب الطَّبري في "شرح الكفاية"، وصرح بلفظ الجواز كما في الكتاب، ولم يصرح بأن الجواز، هل المراد به الجواز العَقلي أو السمعي، بل أطلق. والمصنّف أراد العقلي حيث استدل بأنه لو امتنع لكان لغيره، والأصل عدمه. وذكر الشَّيخ أبو إسحاق في "شرح اللمع" في نسخ القرآن بالسُّنة أنه لا يجوز من جهة السمع على قول الشافعي. قال: ومن أصحابنا من منعه عقلًا، وهذا غير الصحيح. وقال ابن السَّمْعَاني: نص الشافعي في عامة كتبه أن القرآن لا ينسخ بالسُّنَّة. قال: ثم اختلف الوجه على مذهب الشَّافعي أنه يمنع العقل منه أو الشرع؟ فالظاهر من مذهبه أنهما جميعًا: العقل والشرع يمنعان منه، والثاني أنه الشرع دون العقل. انتهى. وقال إمام الحرمين: قطع الشَّافعي جوابه بأن الكتاب لا ينسخ بالسُّنَة، وتردد قوله في نسخ السُّنة بالكتاب. انتهى. وليس فيه كما ترى تصريح بمنع الجواز. ومنهم من نقل للشَّافعي قولين في كلّ من نسخ السنة بالقرآن وعكسه. والرافعي حكى في "باب الفدية" وجهين في نسخ السنة بالقرآن، أو قولين، التردد منه. قال: وينسب المنع إلى أكثر الأصحاب. إذا عرفت هذا فأقول والله المستعان: أما المنع عقلًا [فلا ينتهض] (١)، والذي عندي أن الشَّافعي لم يقله، ومقداره أجلّ من ذلك. نعم حكاه القاضي في "مختصر التقريب" قولًا لبعضهم.

стр. 1761

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والقول بأن نسخ السُّنة بالكتاب جائز، ولكن لم يقع هو رأي ابن سُرَيْجٍ إمام أصحابنا. فإن قلت: فهل هو القول المَنْسوب إلى الشَّافعي ﵁؟. قلت: تمهل قليلًا، واعلم أن هذا مكان وقع فيه الخَبْط والخطأ على الشافعي قديمًا، واطْلخم الأمر حتى أفضى إلى انكفاف طائفة من المُغَالين في نصرة آرائه عنه، ونقل شمس الإسلام إلكيا الهراسي ﵀ أن عبد الجَبَّار بن أحمد القاضي كان ينصر مذهب الشَّافعي في الأصول، فلما وصل إلى هذا المكان قال: هذا الرجل كبير، ولكن الحق أكبر منه، وفهم جماعة كلامه حق الفهم، وتابعوه، وصمموا على صحة مقالته. وخص منهم بالتصنيف في المسألتين. الإمام الجليل أبو الطيب سهل ابن الإمام أبي سهل الصّعلوكي، وقد كان سهل إمام زمانه بإجماع النَّقلة، وكذلك الأستاذان الكبيران أبو إسحاق الإسفراييني، وأبو منصور عبد القاهر بن طاهر البَغْدَادي، فصنف كلّ منهم فيهما مصنفًا. والذي أقوله: إن الشافعي لم يمنع الجواز العَقْلي، بل لم يتكلّم الشَّافعي في كتبه قطّ في الجواز العقلي. والكلام فيه عنده تضييع الأوقات، يعرف ذلك منه من غرفه، ويجهله من جهله. ثُمّ المنع العقلي إن أراد به قائله: أنه يلزم من فرض وقوعه مُحَال، فقد سفه نفسه، واستحق أن يعرض عنه. وإن أراد أن العقل يقضي بقبحه، فهو معتزلي، والشَّافعي برئ من المقالتين، فمن قال: إنه بواحدة منهما فقد أعظم الفِرْيَةَ عليه. ولو أراد الشَّافعي أن العقل يحسن أو يقبح لوقع ذلك من القاضي عبد الجَبَّار الذي هو شيخ المعتزلة في زمانه أعظم موقع. فإن قلت: فقد قال ابن السَّمْعَاني: إن ظاهر مذهبه منع العقل والشرع جميعًا من ذلك. قلت: يجب تأويل كلامه على أن يراد بالقياس القياس، والفقهاء كثيرًا يطلقون العقل، ويريدون ذلك كما قدّمنا في مسألة التحسين والتقبيح في صريح نقل الشيخ أبي إسحاق أنَّ الشَّافعي لا يمنعه إلَّا سمعًا كما رأيت.

стр. 1762

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والقاضي أبو الطَّيب - كما عرفناك - أطلق الجواز، ويظهر أن يراد به السمعي؛ فإنه الذي نقله تلميذه الشيخ أبو إسحاق. وإذا عرفت انتفاء إرادته نفى الجواز العَقْلي، فنقول: وراءه الجواز السمعي، فهل يقول الشافعي: إن الشَّرع منع منه، فامتنع سمعًا لئلا يتوهم بعض الأغبياء أن الله تعالى لم يرض بما سَنَّهُ نبيه ﷺ ، فلا يحصل مقصود السمعية؟ صريح نقل الشيخ أبي إسحاق وغيره كما رأيت أن الشافعي قائل بذلك. وأنا أقول: لم أجد مع تنقيبي عن ذلك في نصوصه تصريحًا به، ولكن القوم أئمة مذهبنا وأَدْرَى بمقالات إمامنا، ووراء الجواز السمعي الوقوع، وكل من منعه سمعًا قال: لم يقع لأن الشرع لا يرد بما يمتنع سمعًا. فإن كان الشَّافعي يمنعه سمعًا فلا رَيْبَ في أنه يدعى عدم الوقوع. وإن لم [يمنع] (١) فقال الأكثرون: وقع. وقيل: لا، وهو منسوب إلى الشَّافعي، ووراء الوقوع أمرَ آخر، وهو أنه إذا وقع نسخ السُّنة بالكتاب، فعلى أي وجه يكون؟. هل يشترط اقتران سنة مُعَاضدة للكتاب ناسخة، فنقول مثلًا: لا يقع نسخ السُّنة إلا بالكتاب والسُّنة معًا؛ لتقوم الحُجّة على الناس بالأمرين معًا، ولئلا يتوهّم [متوهم] (٢) انفراد أحدهما عن الآخر؛ فإن الكُلّ في الحقيقة من عند الله؟!. ولكن لبيان حكم الله سبحانه طريقان: طريق الكتاب، وطريق السُّنة، فليجتمعا في هذا الموضع إزالة لهذا المتوهّم؛ ولتقوم الحُجّة على النَّاس بهما، ولأمر ثالث، وهو انتقال المكلّفين من سنّة النبي ﷺ إلى سُنته. وفي ذلك فائدتان: إحداهما: التنويه بقدره ﷺ وإظهار عظمته، وهذه الفائدة في عكس هذه المسألة، وهي نسخ القرآن بالسنة أظهر منها فيها مع ظهورها في الموضعين؛ لأن سنته عليه الصلاة

стр. 1763

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والسلام إذا نسخت القرآن، فأنزل الله تعالى قرآنًا يوافقها، ففي ذلك من الإجلال والتَّعْظيم ما لا يخفي على ذي لُبّ. والفائدة الثانية: وهي في مسألتنا التي نحن فيها نسخ السُّنة بالكتاب أظهر منها في عكسها، انتقال النَّاس من سنة إلى سنة، فيحصل له أجر عظيم؛ لأن من سن سُنّة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، والنبي ﷺ وهو صاحب السُّنن الحسنة كلّها، فله الأجور أبدًا لا يتناهى، وفي كلّ يوم يزداد من الأجور ما لا ينحصر، فإذا نسخ الله سُنّته، نسختها سُنَّة أيضًا ليحصل له الأجر. وهذا الموضع - وهو أنه إذا وقع نسخ الكتاب بالسُّنة، وعكسه لا يقع إلَّا على هذا الوجه - لم يصرّح أهل الأصول بذكره، والشَّافعي قائل به، وهو الحَق إن شاء الله تَعَالى، ودليله الاستقراء، وهو سيّد العارفين بالشريعة والمطّلعين على منقولاتها، فلم يقله إلَّا عن ثبت. وهذه نصوص الشَّافعي ﵀ الشَّاهدة لقوله بهذا، وليس فيها ما يقتضى أنه يقول بشيء غيره كما عرفناك. قال ﵁ في "الرسالة" ما نصه: وهكذا سُنّة رسول الله ﷺ لا ينسخها إلا سُنّة رسول الله، ولو أحدث الله لرسوله في أمر سنّ فيه [غير ما سَنَّ] (١) رسول الله ﷺ لسن فيما أحدث الله إليه حتى يتبّيىن للنَّاس أنه له سُنة ناسخة للتي قبلها مما يخالفها. انتهى. ومن صدر هذا الكلام أخذ من نقل عن الشَّافعي - والله أعلم - أن السُّنة لا تنسخ بالكتاب، والذي يظهر أنه إنما أراد ما ذكرناه. وقوله: "ولو أحدث الله إلى آخره"، صريح في ذلك، وكذا قوله بعد ذلك ما نصّه: فإن قلت: هل تنسخ السُّنة بالقرآن؟. قيل له: لو نسخت السُّنة بالقرآن كانت للنبي ﷺ فيه سُنّة تبين أن سنته الأولى منسوخة بسُنّته الأخيرة، حتى تقوم الحُجّة على النَّاس بأن الشيء ينسخ بمثله. انتهى.

стр. 1764

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أي: فإذا نسخ الشَّيء بمثله لم يكن للغَبِيّ أن يقول: كيف نخالف الكتاب والسنة؟. وكذلك ما ذكره بعد ذلك إذ قال بعد أن تكلم على صلاة "ذات الرّقاع" ما نصه: وفي هذا دلالة على ما وصفت قبل في هذا الكتاب من أن رسول الله ﷺ ، إذا سَنّ سُنّة فأحدث الله تعالى في تلك السُّنة نسخًا [أو مخرجًا إلى سعة] (١) منها، سنّ رسول اللّه ﷺ سُنَّة تقوم الحُجة على الناس بها حتى يكونوا إِنما صاروا من سُنَّةٍ إلى التي بعدها. انتهى. فتأمل قوله: إنما صاروا من سُنَّة إلى سُنَّةِ التي بعدها. فإن قلت: فما حاصل ما يقوله الشافعي؟. قلت: إنه لا يقع نسخ الكتاب والسّنة إلَّا على هذا الوجه، وما عداه لا يقع، ولكنه لا يمتنع عقلًا. وأما أنه يمتنع سمعًا فما حكيناه من النصوص لا يدلّ له، ولكن قد نقله من ذكرناه، وهم أدري. هذا تمام القول في نسخ الكتاب. وأما عكسه فقد قدّمنا نصّ الشَّافعي فيه، وقلنا: إنه لا يدلّ على أكثر من نفي الوقوع، وحكينا فيه اختلاف أصحابنا. وذهب الأستاذ أبو الطيب الصُّعْلوكي (٢)، والأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، وصاحبه الأستاذ أبو منصور، وهم من أَسَاطين أئمتنا - إلى أن العقل يجوز نسخ كل منهما بالآخر، ولكن الشرع مانع منه فيهما جميعًا، وبالله التوفيق.

стр. 1765

مَسْأَلَةٌ: الْجُمْهُورُ: أَنَّ الإِجْمَاعَ لا يُنْسَخُ. لنَا: لَوْ نُسِخَ بِنَصٍّ قَاطِعٍ، أَوْ بإِجْمَاعٍ قَاطِعٍ كَانَ الأَوَّلُ خَطَأً، وَهُوَ بَاطِلٌ، وَلَوْ نُسِخَ بِغَيْرِهِمَا فَأبْعَدُ لِلْعلْمِ بتَقْدِيمِ الْقَاطِع. قَالُوا: لوْ أَجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلَي قَوْلَيْنِ فَإِجْمَاعٌ عَلَي أَنَّهَا اجْتِهَادِيَةٌ، فَلَوِ اتُّفِقَ [عَلَى] أَحَدِهِمَا كَانَ نَسْخًا. قُلْنَا: لا نَسْخَ بَعْدَ تَسْلِيمِ جَوَازِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ. «مسألة» الشرح: "الجمهور: أن الإجماع لا ينسخ" أي: الحكم الثَّابت به لا يرفع (١). "لنا: لو نسخ" فإما "بنص قاطع أو بإجماع قاطع" أو بغيرهما. فإن نسخ بهما "كان الإجماع خطأ"؛ لانعقاده بخلاف القاطع، "وهو باطل، ولو نسخ بغيرهما، فأبعد؛ للعلم بتقديم القَاطع"، فيلزم خطأ ذلك الإجماع كما في الأول مع تقديم الأضعف على الأقوى. "قالوا: لو أجمعت الأمة على قولين، فإجماع على أنها اجتهادية، فلو اتفق على أحدهما" أي إجماعهم على أحد القولين، "كان" الإجماع الثاني على أحد القولين "نسخًا" للأول؛ لرفعه جواز الأخذ بكلّ من القولين الذي كان الإجماع الأول قد قام عليه. "قلنا: لا نسخ"؛ لما تقدم أن الإجماع الأول مشروط [بعدم] (٢) الإجماع الثاني، وهذا "بعد تسليم جوازه" أي: جواز وقوع مثل هذا الإجماع، "وقد تقدمت" هذه المسألة - أعني مسألة الإجماع على أحد القولين - في الإجماع.

стр. 1766

مَسْأَلَةٌ: الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الإِجْمَاعَ لا يُنْسَخُ بِهِ ؛ لأَنَّهُ إِنْ كَانَ عَنْ نَصٍّ فَالنَّصُّ النَّاسِخ، وَإنْ كَانَ عَنْ غَيْرِ نَصٍّ وَالأوَّلُ قَطْعِيٌّ - فالإِجْمَاعُ خَطَأ، أَوْ ظَنِّيٌّ فَقَدْ زَالَ شَرْطُ الْعَمَلِ بِهِ، وَهُوَ رُجْحَانُهُ. قَالُوا: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِعُثْمَانَ ﵄: كَيْفَ تُحْجِبُ الأمَّ بِالأَخَوَيْنِ وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [سورة النساء: الآية ١١]، والأَخَوَانِ لَيْسَا إِخْوَةً. فَقَالَ: حَجَبَهَا قَوْمُكَ، يَا غُلامُ. قُلْنَا: إِنَّمَا يَكُونُ نَسْخًا بثُبُوتِ المَفْهُومِ قَطْعًا، وَأَن الآخَوَيْنِ لَيْسَا إِخْوَةً قَطْعًا، فيَجِبُ تَقْدِيرُ النَّصِّ، وإلَّا كَانَ الاجْمَاعُ خَطَأً. «مسألة» الشرح: "الجمهور: على أن الإجماع لا ينسخ به"؛ "لأنه إن كان عن نصّ فالنص الناسخ" في الحقيقة لا الإجماع. "وإن كان عن غير نصّ، والأول" أي دليل المنسوخ "قطعي - فالإجماع خطأ"؛ لأنه على خلاف القاطع، فلا يتصّور؛ لأنه لا يتصور خطأ الإجماع، "أو ظني فقد زال شرط العَمَل به، وهو رُجْحانه"؛ لطريان الإجماع، وإذا انتفى رجحانه لم يفد الظَّن، فلا يثبت به حكم، فلا يتصور رفع ونسخ. الشرح: "قالوا: قال ابن عباس لعثمان: كيف تحجب الأم بالأخوين، وقد قال الله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [سورة النساء: الآية ١١]: والأخوان ليسا إخوة؟ ". فقال: "حجبها قومك يا غلام"، كما تقدم في مسألة أقل الجمع، وهو تصريح بإبطال حكم القرآن بالإجماع، وذلك هو النسخ. "قلنا: إنما يكون نسخًا بثبوت" نصّه "المفهوم قطعًا"، وأن الأخوين ليسا إخوة قطعًا" لا ظاهرًا؛ فإن ذلك لو ثبت بدليل ظاهر وجب حمله على غير ظاهره؛ دفعًا للنسخ، ولكن ليس كلّ واحد من ثبوت المفهوم، وأن أقل الجمع بثلاثة قطعي، "فيجب تقدير النص" الدَّال على الحجب، "وإلا كان الإجماع خطأ"؛ لكونه على خلاف القاطع، وحينئذٍ فالناسخ النص لا الإجماع.

стр. 1767

مَسْألَةٌ: المخْتَارُ: أنَّ الْقِيَاسَ الْمَظْنُونَ لا يَكُونُ نَاسِخًا وَلا مَنْسُوخًا. أَمّا الأوَّلُ؛ فلأنَّ مَا قَبْلَهُ إِنْ كَانَ قَطْعِيًّا لَمْ يُنْسَخْ بِالْمَظْنُونِ، وَإنْ كَانَ ظَنِّيًّا تَبَيَّنَ زَوَالُ شَرْطِ الْعَمَلِ بِهِ، وَهُوَ رُجْحَانُهُ؛ لأَنَّهُ ثَبَتَ مُقَيَّدًا كَانَ الْمُصِيبُ وَاحِدًا أَوْ لا. «مسألة» الشرح: في كون القياس ناسخًا ومنسوخًا (١). أما كونه ناسخًا فقيل: يجوز مطلقًا. وقيل: إن كان جليًّا، وعليه الأنماطي (٢).

стр. 1768

وَأَمَّا الثَّانِي؛ فَلأنَّ مَا بَعْدَهُ قَطْعِيًّا أَوْ ظَنِّيًّا يُبيِّنُ زَوَالَ شَرْطِ الْعَمَلِ بِهِ، وَأَمَّا الْمَقْطُوعُ فَيُنْسَخُ بِالْمَقْطُوعِ فِي حَيَاتِهِ، وَأَمَّا بَعْدَهُ فَيَتبَيَّنُ أَنّهُ كَانَ مَنْسُوخًا. قَالُوا: صَحَّ التَّخْصِيصُ، فَيَصِحُّ. قُلْنَا: مَنْقُوضٌ بِالإِجْمَاعِ، وَالْعَقْلِ، وَخَبَرِ الْوَاحِدِ. وقيل: إن كان في زمنه ﵊ وعلّته منصوصة، وعليه الآمدي. وأما كونه منسوخًا فقال الجمهور: يجوز في زمنه ﵊. وخالف الحنابلة، وعبد الجبار. وشرط الإمام الرازي وغيره في ناسخه: إن كان قياسًا أن يكون أجلي. وأباه الآمدي كالتخصيص، وشرط أن تكون علّته منصوصة كما مرّ. "والمختار" عند صاحب الكتاب: "أن القياس المظنون لا يكون ناسخًا، ولا منسوخًا". "أما الأول؛ فلأن ما قبله" - عند صاحب الكتاب - "إن كان قطعيًّا لم ينسخ بالمظنون، وإن كان ظنيًّا تبين زوال شرط العَمَل به، وهو رجحانه؛ لأنه يثبت مقيدًا" - أي مشروطًا - بألا يترجّح عليه غيره، سواء "كان المصيب واحدًا أو لا"، فإذا ظهر راجح لم يكن رافعًا، فلم يكن ناسخًا؛ لأنه قبل ظهور الرَّاجح، لا حكم لما لم يظهر وبعده لا حكم للأول، فلا رفع على التَّقديرين؛ فلا نسخ. الشرح: "وأما الثاني؛ فلأن ما بعده قطعيًّا أو ظنيًّا يبين زوال شرط العمل به. "وأما" القياس "المقطوع فينسخ بالمقطوع في حياته" ﷺ . وهو ما إذا نسخ حكم الأصل بنص، فيقاس عليه "أما بعده" ﷺ "فيتبين أنه كان منسوخًا"، ولا سبيل إلى إنشاء النسخ؛ إذ ليس للأمة أن ينسخوا الأحكام. والمجوّزون للنسخ بالقياس المظنون "قالوا: صَحّ التخصيص" به، "فيصح" النسخ بجامع أن كلًّا من النسخ والتخصيص تخصيص، فكون أحدهما في الأعيان والآخر في الأزمان لا أثر له، فلا يصلح [فارقًا] (١).

стр. 1769

الْمُخْتَارُ: جَوَازُ نَسْخِ أَصْلِ الْفَحْوَى دُونَه، وَامْتِنَاعُ نَسْخِ الْفَحْوَى دُونَ أَصْلِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَهُمَا، وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُمَا. لنَا أَنَّ جَوَازَ التَّأفِيفِ بَعْدَ تَحْرْيمِهِ لا يَسْتَلْزِمُ جَوَازَ الضَّرْبِ، وَبَقَاءُ تَحْرِيمِهِ يَسْتَلْزِمُ تَحْرِيمَ الضَّرْبِ، وَإلَّا لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا مِنْهُ. فإن "قلنا: منقوض بالإجماع، والعَقْل، وخبر الواحد"، فإن ثلاثتها تختص بها، ولا تنسخ. "فائدة" الخلاف في النسخ بالقياس جار فيما يجرى مجراه من الاستدلال وطرق الاجتهاد، كمفهوم المخالفة ونحوه، ذكره القاضي في "التقريب"، وعزا القول بالمنع من النسخ بالقياس، وما يجرى مجراه إلى أكثر الفقهاء والمتكّلمين، واختاره. الشرح: "المختار: جواز نسخ أصل الفحوى دونه"، فيجوز نسخ التأفيف مثلًا دون الضرب في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٢٣]، "وامتناع نسخ الفحوى دون أصله"، فلا ينسخ الضرب دون التّأفيف (١). "ومنهم من جوزهما". "ومنهم من منعهما". "لنا: أن جواز التأفيف بعد تحريمه لا يستلزم جواز الضرب"، فجاز ثبوته دونه، "وبقاء تحريمه أن يستلزم تحريم الضرب، وإلّا لم يكن معلومًا منه" والأصل أن تحريم التأفيف ملزوم لتحريم الضَّرب،، وإلَّا لم يعلم منه من غير عكس؛ للأولوية في الفرع. ونسخ الفَحْوَى دون أصله معناه: بقاء تحريم التأفيف، وانتفاء تحريم الضرب، فيوجد الملزوم مع عدم اللازم، وذلك محال. وأما عكسه وهو انتفاء تحريم التأفيف مع بقاء تحريم الضَّرْب، فهو رفع للملزوم مع

стр. 1770

الْمُجَوِّزُ دَلالَتَانِ، فَجَازَ رَفْعُ كُلٍّ مِنْهُمَا. قُلْنَا: إِذَا لَمْ يَكُنِ اسْتِلْزَامٌ. الْمَانِعُ: الْفَحْوَى تَابعٌ، فَيَرْتَفِعُ بِارْتِفَاعِ مَتْبُوعِهِ. قُلْنَا: تَابعٌ لِلدَّلالَةِ لا لِلْحُكْمِ، وَالدَّلالَةُ بَاقِيَةٌ. بقاء اللازم، وذلك لا يمنع. ولقائل أن يقول: لم قلت: إن الضرب لازم لتحريم التأفيف مطلقًا، وإنما هو لازم عند الإطلاق؟ أما إذا صرح بتجوزه، فلا يلزم، ولذلك صح: اقتله ولا تستخف به، وإن كان أصل الاستخفاف يفهم عند إطلاق اقتله. الشرح: واحتج "المجوِّز" لنسخ كل منهما مع بقاء الآخر، بأن الفحوى، وأصله "دلالتان" متغايرتان، "فجاز رفع كل منهما" بدون الآخر. "قلنا": لا نسلّم دلالة التغاير على جواز رفع كلّ واحد منهما بدون الآخر، فإنما يتم ذلك "إذا لم يكن" بينهما "استلزام". أما إذا كان كما هو الواقع هنا فلا؛ لاستحالة رفع اللازم مع بقاء الملزوم. واحتج "المانع" لهما، فقال: "الفَحْوَى تابع، فيرتفع بارتفاع متبوعه"؛ لأنه لو بقى لم يكن تابعًا، فدل على ارتفاع الفحوى بارتفاع الأصل. وأما الفحوى دون الأصل، فدليله ما ذكرتم. "قلنا": الفحوى "تابع للدلالة لا للحكم، والدلالة باقية" بعد نسخ حكم الأصل؛ فإنّ دلالة اللّفظ لا تنتفى بارتفاع الحُكم، والمرتفع هو حكم تحريم التّأفيف لا دلالة اللفظ عليه، فالمتبوع وهو دلالة اللفظ لم يرتفع، والمرتفع وهو الحكم ليس بمتبوع. ولو سلمنا أنه متبوع، فقولكم: رفع المتبوع يستلزم رفع التَّابع، منقوض ببقاء الجواز بعد نسخ الوجوب، فإنه تابع للوجوب، ولا يلزم من ارتفاعه ارتفاعه، فبطل قولكم بامتناع نسخ الأصل مع بقاء الفحوى. وأما عكسه، فإنا نوافقكم عليه.

стр. 1771

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . "فائدة" أهمل في "المختصر" ذكر أن الفحوى تكون ناسخًا (١)، وهو مسطور حتى في "منهاج

стр. 1772

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . البيضاوي"، وادعى الإمام والآمدي الاتفاق عليه، وليس بجيد؛ فالخلاف موجود نقله أبو إسحاق الشيرازي، وأبو المظفر بن السمعاني وغيرهما، بناء على أن الفحوى قياس، والقياس لا يكون ناسخًا. "فائدة" عرفت حكم مفهوم الموافقة. وأما مفهوم المُخَالفة (١)، فيجوز نسخه مع نسخ الأصل، وبدونه، وقد بَيّناه في "شرح

стр. 1773

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . المنهاج" (١). وذكره القاضي عبد الوَهَّاب في "الملّخص"، وابن السَّمعاني وقال: دليل الخطاب

стр. 1774

مَسْألَةٌ: الْمُخْتَارُ: أَنَّ نَسْخَ حُكْمِ أَصْلِ الْقِيَاسِ لا يَبْقَى معَهُ حُكْمُ الْفَرْعِ. يجوز نسخ موجبه، ولا يجوز النسخ بموجبه؛ لأن النص أقوى من دليله (١). قلت: وأما نسخ الأصل بدون مفهوم المُخَالفة، فأظهر الاحتمالين عند الشيخ الهندي: أنه لا يجوز؛ لأن دلالته باعتبار القَيْدِ، فإذا بطل تأثيره، بطل ما بنى عليه، وفيه ما سبق. «مسألة» الشرح: "المختار: أن نسخ حكم أصل القِيَاسِ لا يبقى معه حكم الفرع". وخالفت الحنفيّة (٢).

стр. 1775

لَنَا: خَرَجَتِ الْعِلَّةُ عَنِ الاِعْتِبَارِ، فَلا فَرْعَ. قَالُوا: الْفَرْعُ تَابعٌ لِلدَّلالَةِ لا لِلْحُكْمِ، كَالْفَحْوَى. قُلْنَا: يَلْزَمُ مِنْ زَوَالِ الْحُكْمِ زَوَالُ الْحِكْمَةِ الْمُعْتَبَرَةِ، فَيَزُولُ الْحُكْمُ مُطْلَقًا؛ لاِنْتِفَاءِ الْحِكْمَةِ. قَالُوا: حَكَمْتُم بِالْقِيَاسِ عَلَى انْتِفَاءِ الْحُكْمِ بِغَيْرِ عِلَّةٍ. قُلْنَا: حَكَمْنَا بِانْتِفَاءِ الْحُكْمِ لاِنْتِفَاءِ عِلَّتِهِ. وإذا قلنا: لا يبقى، فقد وقع في كلام بعضهم تسميته نسخًا. وليس بجيّد، فلقد أجاد المصّنف في قوله: لا يبقى، وعدوله عن أن يقول: نسخ معه حكم الفرع؛ لما علمت من أن أصحابنا لا يقولون: إن حكم الفرع ينسخ باعتبار حكم الأصل، بل يزول حكمه؛ لزوال كون العلّة معتبرة، والحكم إذا زال لزوال علّته لا يقال: إنه منسوخ. وما أحسن قول إمام الحرمين في "التلخيص": إذا ثبت حكم من الأحكام في مسألة مثلًا بخبر، ثم استنبطنا منه علة فألحقنا بالمنصوص ما ليس بمنصوص قياسًا، ثم نسخ الأصل الذي منه استنبطنا القياس. فيتداعى ذلك إلى ارتفاع القياس المستنبط عنه. انتهى. وقول المصنّف: "لا يبقى" نظير قول الإمام: "يتداعى"، والعباراتان سديدتان. ومن عبر بـ "النسخ" فقد وهم، وأتى من سوء التعبير فقط، ولم يرد حقيقة النسخ. الشرح: "لنا: خرجت العلة" المستنبطة بنسخ الأصل "عن الاعتبار، فلا فرع"، وإلا لزم ثبوته بلا دليل؛ لأن دليله العلة، والفرض انتفاؤهما. وإن شئت قل: لا، حكمُ الأصل أصل للعلّة، فإذا بطل بطلت، فلا فرع. "قالوا" أولًا: "الفرع تابع للدّلالة لا للحكم، كالفحوى". "قلنا: يلزم من زوال الحُكم زوال الحكمة المعتبرة"؛ لأنها لو بقيت لبقى الحكم، "فيزول الحكم مطلقًا؛ لانتفاء الحكمة"، ولا كذلك مفهوم الموافقة؛ إذ لا يلزم من انتفاء الحكمة المحرمة للتأفيف، انتفاء الحِكْمة المحرمة للضرب؛ إذ لا يلزم من ارتفاع الأقوى ارتفاع الأضعف. "قالوا" ثانيًا: الحكم لا يفتقر إليها في دوامه؛ لأن إسلام الطّفل معلّل بإسلام أبيه،

стр. 1776

مَسْألَةٌ: الْمُخْتَارُ: أَنَّ النَّاسِخَ قَبْل تَبْلِيغِهِ ﷺ لا يَثْبُتُ حُكْمُهُ. ولا يلزم من زوال إسلام الأب زواله، وإن لزم فقد "حكمتم بالقياس على انتفاء الحكم بغير علّة"؛ لأنكم تقولون: يرتفع حكم الفرع قياسًا على رفع حكم الأَصْل، وليس هنا علّة جامعة بينهما موجبة للرفع. "قلنا": الحكم مفتقر في دوامه إلى دوام احتمال حكمته المعتبرة، وإسلام الأب ليس من هذا، ونحن لم نرفع حكم الفرع بالقياس على الأصل، وإنما "حكمنا بانتفاء الحكم لانتفاء علّته"، وذلك نوع آخر من الاستدلال يحتاج إلى أصل وفرع وجامع. نعم علمنا عدم اعتبار العلّة ببطلان حكم الأصل، لا أَنَّا قسنا الفرع في عدم الحكم على الأصل بجامع عدم العلة. "فائدة" بَنَتِ الحنفية على أصلهم، كما ذكر القاضي أبو الطيب، وإمام الحرمين في "التلخيص" وغيرهما فرعين: أحدهما: أنه لا يجوز التوضّؤ بالنبيذ المسكر النَّي، وإنما يجوز به إذا كان مطبوخًا وقد توضأ رسول الله ﷺ بالنَّي، وألحق به المطبوخ، قياسًا، ثم نسخ التوضؤ بالنّي، وبقي التوضّؤ بالمطبوخ. والثاني: ادعوا أنه يوم عاشوراء كان يجب صومه، ويجوز إيقاع النية فيه نهارًا؛ فإن النبي ﷺ بعث إلى أهل العوالي يوم عاشوراء أن من لم يأكل فليصمه، فَدَلَّ على أنه يجوز إيقاع الصوم بنيَّة من النَّهار، وألحق به رمضان من حيث إنه صوم، ثم نسخ صوم يوم عاشوراء، وبقي القياس مستمرًا في رمضان. «مسألة» الشرح: و"المختار: أَنَّ الناسخ قبل تبليغه ﷺ " الأمة "لا يثبت حكمه" في حقهم. وقيل: يثبت (١).

стр. 1777

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والخلاف إذا بلغ جبريل ﵇ وألقاه إلى النبي ﷺ وهو في الأرض، ولم يتمكن أحد من المكلّفين من العلم به. ووراءه صور: إحداها: ألَّا ينزل إلى الأرض، ولا بلغ جنس البشر كما إذا أوحى الله - تعالى - إلى جبريل ﵇ ولم ينزل. والثانية: أن ينزل ولكن لم يلقه إلى النبي ﷺ ولا خلاف في هاتين الصورتين أنه لا يتعلق به حكم. والثالثة: أن يبلغ جنس المكلفين من البَشر، ولكن في غير دار التكليف كالسَّماء، ثم يرفع كفرض خمسين صلاةً ليلة المِعْرَاج، فإنه بلغ النبي ﷺ ثم رفع، فهل يكون ناسخًا؟ فيه نظر. يحتمل ألّا يثبت حكمه؛ إذ لم يتعلق. ويحتمل أن يقال بثبوته؛ لأنه بلغ بعض البشر، وعليه يدلّ كلام ابن السمعاني، إذ قال: فرض الله خمسين صلاةً ليلة المعراج، ثم نسخه قبل أن يُعْلِم به الأمّة، قال: ولكن كان الرسول ﷺ قد علم به، واعتقد وجوبه، فلم يقع النَّسْخ له إِلَّا بعد علمه، واعتقاده. انتهى. فانظر كيف سَمَّاه نسخًا، ولو لم يثبت لم يسم منسوخًا. والرابعة: أن يبلغ النبي ﷺ في الأرض، ولا يبلغ الأمة، فإن تمكنوا من العلم به ثبت حكمه في حقهم قطعًا، وإلَّا فهو محلّ الخلاف. والجمهور: أنه لا يثبت لا بمعنى الثَّاني كالنَّائم، ولا نحفظ أحدًا قال بثبوته بالمعنى الأول.

стр. 1778

لنَا: لَوْ ثَبَتَ لأَدَّى إِلَى وُجُوبٍ وَتَحْرِيمٍ؛ لِلْقَطْعِ بِأنَّهُ لَوْ تَرَكَ الأوَّلَ أَثِمَ. وَأَيْضًا، فَإنَّهُ لَوْ عَمِلَ بِالثَّانِي عَصَى اتِّفَاقًا. وَأَيْضًا: يَلْزَمُ قَبْلَ تَبْلِيغِ جِبْرِيلَ ﵇، وَهُوَ اتِّفَاقٌ. قَالُوا: حُكْمٌ، فَلا يُعْتبَرُ عِلْمُ الْمُكَلَّفِ. قُلْنَا: لا بُدَّ مِنِ اعْتِبَارِ التَّمَكُّنِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ. وذكر القاضي في "التقريب" أن الخلاف لفظي، وذكر في مختصره أن القائلين بثبوته يقولون؛ لو قدر ممن لم يبلغه الناسخ إقدام على الحكم الأول، كان زللًا وخطأ، بيد أنه لا يؤاخذ به، ويعذر لجهله. الشرح: "لنا: لو ثبت" حكم الناسخ قبل التبليغ، "لأدى إلى" مُحَال، وهو اجتماع "وجوب وتحريم؛ للقطع بأنه لو ترك" المكلف الحكم "الأول" قبل التبليغ "أثم"، والغرض أن الوجوب ثابت. "وأيضًا، فإنه لو عمل بالثاني" قبل إعلامه "عصى اتفاقًا"، ولو ثبت حكمه لكان ممتثلًا غير عاص. "وأيضًا: يلزم" من ثبوته في حق الأمة "قبل" أن يبلغهم إذا بلغ النبي ﷺ ثبوته قبل "تبليغ جبريل"؛ لأن الحالتين سواء في وجود الناسخ، وعدم علم المكلف به، فإذا كان وجوده مقتضيًا لحكمه، وعدم علم المكلف لا يصلح مانعًا، فثبت حكمه عملًا بالمقتضى السَّالم عن المعارض، "وهو "أي: اللازم الذي هو ثبوته قبل تبليغ جبريل باطل، وقد وقع على بطلانه من علماء الأمة "اتفاق". ولقائل أن يقول: قولكم: يؤدي إلى اجتماع وجوب وتحريم. قلنا: قد بَيّنا الخلاف إنما هو في الثبوت في الذمة، والثابت هو النَّاسخ دون المنسوخ. قولكم للقطع بأنه لو ترك الأول أَثِمَ. قُلْنا: لا نسلم أنه يأثم بتركه. نعم: يتجه تأثيمه على جرأته حيث أقدم ظانًّا التحريم، كما نقول فيمن وطئ زوجته يظن أنها أجنبية، فإنه لا يأثم إلا على الجُرْأة.

стр. 1779

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قولكم: لو عمل بالثَّاني عصى اتفاقًا. قلنا: هو كالأول. قولكم: يلزم قبل تبليغ جبريل ﵇. قلنا: الفارق أنه إذ ذاك لم يبلغ أحدًا من جنس المكلّفين، فلا يساوي ما إذا بلغ، والذين قالوا بثبوت الحكم، وإن لم يبلغ لو أحكم "فلا يعتبر علم المكلّف"، كما إذا بلغ بعض المكلفين دون بعض، فإنه ثبت في حقّ الكل، مع أن فيهم من لم يبلغه. فلنا: قولكم: علم المكلف غير معتبر مسلم، ولكن وراء عدم العلم أمران. أحدهما: عدم التمكّن. والثَّاني: التمكن مع عدم العلم. والذي نمنعه إنما هو الثبوت مع عدم التمكّن. والصورة التي أوردتموها، وهي ما إذا بلغ بعض المكلفين حصل فيها التمكن، فإذن "لا بد من اعتبار التمكن، وهو منتف" في مسألتنا، فلا ثبت الحكم، لا لعدم علمه، بل لعدم تمكنه من العلم، وإلا يلزم تكليف الغافل. ولقائل أن يقول: إن أردت باعتبار التمكّن الامتثال، فمسلم، ولا نزاع فيه كما عرفت. وإن أردت الاستقرار في الذِّمَّة، فممنوع، فقد يستقر الشيء في ذمّة من لم يعلم به. "فوائد" الأولى: قال إمام الحرمين في "مختصر التقريب": هذه المسألة قطعية. وذهب بعضهم إلى إلحاقها بالمجتهدات حتى نقلوا فيها قولين من القولين في الوكيل إذا عزل، ولم يبلغه العَزْل. الثانية: نظير الخلاف في المسألة اختلاف أصحابنا في صور: منها إذا [عزل] (١) الموكل وكيله وهو غائب، انعزل في المال على الأصح.

стр. 1780

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي قول: لا حتى يبلغه الخبر، كالنسخ. ومنهم من عكس، وخرج مسألة النسخ على مسألة الوَكَالَةِ كما نقلناه عن "مختصر التقريب"، وإليه أشار القاضي في "التقريب". قال الرافعي: ولا فرق بين النسخ وما نحن فيه؛ لأن حكم النسخ إما إيجاب امتثال الأمر الثاني، وإما إخراج الأول عن الاعتداد به، فالإيجاب لا يثبت قبل العلم؛ لاستحالة التكليف بغير المَعْلُوم، وهذا النوع لا يثبت في الوَكَالَةِ؛ لأن أمر الموكل غير واجب الامتثال، والنوع الثاني: ثابت هناك أيضًا قبل العلم حتى يلزمه القضاء، ولا تبرأ ذمته بالأول. قال أبي ﵀: وهذا الذي قاله الرافعي من لزوم القضاء في النسخ بعيد؛ لأن أهل "قباء" أتاهم الخبر بنسخ القِبْلَةِ وهم في الصلاة فاستداروا، ولو ثبت الحكم في حقهم قبل ذلك لقضوا. وقد استشهد هو في باب "استقبال القِبْلَةِ" بقضية أهل "قباء" على أنه ينحرف في أثناء الصلاة إلى جهة الصَّواب، إذا قلنا: لا يجب القضاء. والذي قاله في "استقبال القِبْلَةِ" هو ما عليه جمهور الأصوليين. بخلاف ما ذكروه في الوِكَالَةِ فإنه لا يتأتى إلا على القول المرجوح: أن الحكم يثبت في حقه، ولو لم يبلغه الخبر لكنه لا يأثم؛ لأنه معذور. فإن قلت: فما الفارق بينه وبين الوكيل حيث ينعزل على الصحيح وإن لم يبلغه الخبر؟ قلت: فرّق أبي ﵀ بأن الاعتداد بالعبادة حق الله تعالى، والله - تعالى - قد شرط العلم في الأحكام؛ بدليل أنه لا يقع منه التكليف بالمستحيل، والعقود حق الموكّل، فلم يشترط العلم. فإن قلت: إنما [شرط] (١) الرب - تعالى - العلم في خِطَابِ التكليف لا في خطاب الوضع، والاعتدادُ بالعبادة من خطاب الوضع.

стр. 1781

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قلت: بل هو راجع إلى خطاب التكليف، وليس كالضمان المتعلّق بالذمة. واتفق الأصحاب فيما لو وكله بيع عبده، أو إعتاقه، فباعه الموكل، أو أعتقه: أنه ينعزل ضمنًا. روى البيهقي في أمةٍ أمر مولاها رجلًا ببيعها، ثم بَدَالَهُ فأعتقها، وقد بيعت الجارية، وكان عتقها قبل بيعها، فقضى عمر ﵁ بعتقها، وبردّ ثمنها، وأخذ صداقها لما كان قد وطئها، فهذا دليل على الانعزال الضمني، فيلحق به الصريح. ومنها: لو عزل القاضي ولم يعلم، ففيه الخلاف. ومنهم من جزم هنا بعدم الانعزال. وكذلك لو مات مُسْتنيبه، وقلنا: ينعزل بموته الخلاف فيه أيضًا. ولو عتقت الأمة وهي في الصَّلاة، ولم تعلم، ولم تكن ساترة ما يجب سَتْره على الحُرّة فقولان. انتهى. ولو أذن الراهن للمرتهن في البيع، ورجع ولم يعلم، ففي صحته قولان. ولو أعاره للغِرَاسِ أو البناء، ورجع ولم يعمل، فغرس أو بنى، فهل يكون محترمًا فيخيّر بين الخصال، أو يقلع مجانًا؟ وجهان. ولو رجعت الواهبة نوبتها في هبتها، ولم يعلم الزوج، فطريقان. ولو أعاره ثمار بُسْتَانه ورجع، ولم يعلم، فالخلاف. ولو قال: من ردّ عبدي الآبق (١) فله كذا، ورجع، ثم رده من لم يعلم بالرجوع ففي استحقاقه الجُعْل وجهان. ولو قتل من عهده حربيًّا أو مرتدًا، فَبَانَ أنه كان قد أسلم، ولم يعلم، ففيه الخلاف. ولو عفا الوارث ولم يعلم الجلاد، ففيه الخلاف.

стр. 1782

مَسْألَةٌ: الْعِبَادَاتُ الْمُسْتقِلَّةُ لَيْسَتْ نَسْخًا، وَعَنْ بَعْضِهِمْ: صَلاةٌ. سَادِسَةٌ نَسْخٌ. وَأَمَّا زِيَادَةُ جُزْءٍ مُشْتَرَطٍ، أَوْ زِيَادَةُ شَرْطٍ، أَوْ زِيَادةٌ تَرْفَعُ مَفْهُومَ الْمُخَالفةِ، فَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: لَيْسَ بِنَسْخٍ، وَالْحَنَفِيَّةُ: نَسْخٌ. وَقِيلَ: الثَّالِثُ نَسْخٌ. عَبْدُ الْجَبَّارِ: إِنْ غَيَّرْتَهُ حَتَّى صَارَ وُجُودُهُ كَالْعَدَمِ شَرْعًا، كَزِيَادَةِ رَكْعَةٍ فِي الْفَجْرِ، وَكَعِشْرِينَ عَلَى الْقَذْفِ، وَكَتَخْييرٍ فِي ثالِثٍ، بَعْدَ اثْنَيْنِ، فنَسْخٌ. وَقَالَ الغَزَالِيُّ ﵀: إِنِ اتَّحَدَتْ كَرَكْعَةٍ فِي الْفَجْرِ فَنَسْخٌ، بِخِلافِ عِشْرِينَ فِي الْقَذْفِ. وَالْمُخْتَارُ: إِنْ رَفَعَتْ حُكْمًا شَرْعِيًّا بَعْدَ ثُبُوتِهِ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، فَنَسْخٌ؛ لأنَّهُ حَقِيقَتُه، وَمَا خَالَفَهُ لَيْسَ بِنَسْخٍ. الثالثة: القائلون بأن النسخ لا يثبت في حقّ من لم يبلغه متفقون على أنه مخاطب بحكمه الأول، إلا أن يبلغه، ثم اختلفوا: هل يتصف بكونه ناسخًا قبل البلوغ، كما أن الأمر أمر للمعدوم على شَرْطِ الوجود، أو لا يتصف إلا بعد البلوغ؟ قال القاضي في "مختصر التقريب": وهو راجع إلى اختلاف عبارة، قال: وإنما الخلاف الحقيقي مع الذين قدّمنا ذكرهم - يعني القائلين: إن الحكم يرتفع عمن لم يبلغه الناسخ. قلت: وقد قدّمنا عن "التقريب" أنه قال فيه: إنَّ الخلاف في هذا لفظي، والأظهر أنه معنوي. «مسألة» الشرح: في الزيادة على النَّص هل هي نسخ؟ قال أبو عمرو: "العبادات المستقلّة ليست نسخًا (١).

стр. 1783

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وعن بعضهم: صلاة سادسة نسخ". "وأما زيادة جزء مشترط، أو زيادة شرط، أو زيادة ترفع مفهوم المخالفة، فالشافعية

стр. 1784

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والحنابلة: ليس بنسخ. والحنفية: نسخ. وقيل: الثالث نسخ". "عبد الجَبَّار: إن غيرته حتى صار وجوده كالعدم شرعًا، كزيادة ركعة في الفجر، وكعشرين [على] (١) القَذْفِ، وكتخيير في ثالث بعد اثنين فنسخ.

стр. 1785

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقال الغزالي: إن اتحدت كركعة في الفجر، فنسخ، بخلاف عشرين في القذف". والمختار: إن رفعت حكمًا شرعيًّا بعد ثبوته بدليل شرعي، فنسخ؛ لأنه حقيقة، وما خالفه ليس بنسخ". اعلم أن الله - تعالى - إذا تعبدنا بشيء ثم بآخر. فالآخر إما مستقل أي: عبادة منفردة بنفسها عن العبادة المزيد عليها، أو لا. والأول المستقل، وهو إما أن يكون من غير جنس الأول، كزيادة وجوب الزكاة على الصلاة، فليس بنسخ بالإجماع. أو من جنسه، كزيادة صلاة على الصَّلوات الخمس، فليس بنسخ أيضًا عند الجماهير. وقال بعض أهل "العراق": إنه نسخ، ولم يذكر المصنف علّتهم، وقد اعتلّوا بأنها تغير الوسط. وأنا أقول: إنْ عمم القوم ذلك في كلّ عبادة مستقلّة من جنس ما سبق وجوبه، ولم يخصوه بزيادة الصَّلاة السَّادسة، فهو واضح السقوط، واعتلالهم بجعله الآخر غير آخر لا ينفعهم؛ لأن كون الشيء آخرًا أمر عقلي لا ينسخ، وإن خصّوه بالصورة المذكورة، وأرادوا بكونها تغير الوسط جعلها المتوسط بين الشيئين غير وسط، فهو أيضًا ساقط؛ لأن ذلك أمر حقيقي، والنسخ إنما يرد على الحكم الشرعي، ثم لا اختصاص له بزيادة صلاة سادسة، بل يجري في كل مزيد. وإن أرادوا به نسخ الأمر الوارد بالمُحَافظة على الصَّلاة الوسطى، فأقول: إن كانت الوسطى علمًا على صلاة بعينها إما الصبح، أو العصر أو غيرهما، وليست "فُعْلَى" من المتوسّط بين الشيئين، فهو أيضًا ساقط؛ إذ لا يلزم من زيادة صلاة ارتفاع الأمر بالمحافظة على تلك الصلاة الفاضلة. وإن كانت الوُسْطَى المتوسطة بين الصلوات، فالذي يظهر حينئذٍ أن الأمر يختلف بما يزاد، فإن زيدت واحدة، فهي ترفع الوسط بالكلّية، ويتّجه ما ذكروه؛ لأن الوسط حينئذٍ وإن كان أمرًا حقيقيًّا إلا أن الشرع ورد عليه وقرره، فيكون نسخًا للأمر الشرعي، وإن زيدت ثنتين ونحوهما مما لا يرفع الوسط، فلا نسخ، وإنما خرجت الظهر مثلًا عن أن يكون وسطًا، وكونها كانت الوسطى أمر حقيقي اتفاقي لا يرد النسخ عليه.

стр. 1786

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والأمر بالمحافظة على الوسط شيء وراء ذلك، وهو لم يزل، بل هو بَاقٍ. القسم الثَّاني: ما ليس بمستقلّ، كزيادة ركعة أو ركوع، وزيادة صفة في رَقَبّةِ الكَفَّارة، كالإيمان، وزيادة جلدات على جلدات حدّ واحد، إلى غير ذلك من الزيادات. فذهبت الشافعية والحنابلة وجماعة من المعتزلة كالجُبَّائي، وأبي هاشم إلى أنها لا تكون نسخًا. وقالت الحنفية: إنها نسخ، واختاره بعض أصحابنا، وادّعى أنه مذهب الشَّافعي. واحتج عليه بأن قوله ﵊: "المَاءُ مِنَ المَاء" (١) صار منسوخًا بقوله: "إذَا الْتَقَى الخِتَانَانِ"؛ وإنما صار منسوخًا بالزيادة، لا الأصل. قال: ابن السَّمعاني: وهذا غلط؛ لأن: "المَاءَ مِنَ المَاء" إنما دلّ من حيث دليل الخطاب، وهو نسخ للمفهوم، لا للنص من حيث الزيادة. قلت: وهذا واضح، ولا يقال: فليكن هذا هو المذهب المفصل بين ما نفاه المفهوم وما لم ينفه؛ لأن القائل بهذا التفصيل يجعل ما نفاه المفهوم نسخًا للنَّص، ونحن لا نجعل

стр. 1787

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ذلك نسخًا للنص، ولا تعلّق له به. وإنما هو نسخ للمفهوم، ولا يستلزم نسخ النَّص. والكلام في هذه المسألة إنما هو فيما يجعل نسخًا للنص، ولم يقل أحد منا بذلك في دليل الخطاب إلّا ما حكاه ابن السّمعاني، وهو غريب ضعيف. وقال قوم: إن كانت الزيادة قد أفادت خلاف ما استفيد من مفهوم المخالفة، كانت نسخًا، كإيجاب الزَّكاة في معلوفة الغنم؛ فإنه يفيد خلاف مفهوم: في السّائمة زكاة، وإلا فلا. وقال القاضي عبد الجَبَّار (١): إن كانت الزيادة قد غيرت المزيد عليه تغييرًا شرعيًّا، بجث صار المزيد عليه لو فعل بعد الزيادة كما كان يفعل قبلها كان وجوده كعدمه، ووجب استئنافه، كزيادة ركعة على رَكْعتي الفجر، كان ذلك نسخًا أو كان قد خُيِّرَ بين فعلين، فزيد فعل ثالث، فإنه يكون نسخًا، فتحريم ترك الفعلين السَّابقين، وإلا فلا، كزيادة التغريب على الجَلْدِ، وزيادة عشرين جلدة على حد القاذف. وزيادة شرط منفصل في شرائط الصَّلاة، كاشتراط الوضوء. هذا مذهبه ذكرناه بعبارة الآمِدِيّ من نسخة صحيحة مقروءة على الآمدي، وعليها خطه، وسننبّه على ما وقع في الكتاب في ذلك. وقال قوم: إن كانت الزيادة متصلة بالمزيد عليه اتّصال اتحاد رافع للتعدد والانفصال كزيادة ركعتين، فنسخ، وإلا كزيادة عشرين جَلْدة فلا، وهو رأي الغزالي. وقال آخرون: إن كانت الزيادة مغيرة [لِحُكْمِ] (٢) المزيد عليه في المستقبل، كزيادة التغريب في المستقبل على الحد، وزيادة عشرين جلدة على حَدِّ القاذف، كانت نسخًا، وإلا فلا، وسواء أكانت الزيادة لا تنفكّ عن المزيد عليه، كما لو أوجب علينا سَتْر الفَخْذ، فإنه يجب ستر بعض الركبة؛ لأنه مقدمة الواجب. أو كانت الزيادة عند تعذّر المزيد عليه، كإيجاب قطع رجل السارق بعد قطع يديه،

стр. 1788

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وهو رأي الكَرْخي وأبي [عبد الله] (١) البَصْري، ولم يذكره في "المختصر". فهذه المذاهب هي المنقولة في المسألة. وقال القاضي في "مختصر التقريب": إن تضمّنت الزيادة رفعًا، فهو نسخ، وإلا فلا. وذكر أن ذلك يتبين بالأمثلة، وأخذ في تَعْدَاد صور عدها. وقال في كتاب "التقريب" نحو ذلك. وحذا حذوه أبو الحسين البَصْري، فقال في "المعتمد" ما حاصله: إن كان الزائد رافعًا بحكم شرعي كان نسخًا، سواء ثبت بالمنطوق أم المفهوم، وإن كان ثابتًا بدليل عقلي كالبراءة الأصلية، فلا. واستحسنه الإمام الرَّازي، واختاره الآمدي، والمصنف، وهو قضية اختيار إمام الحرمين، ولا رَيْبَ عند هؤلاء في أن الزيادة تزيل أمرًا كان قبلها، ولكنهم ينظرون في المزال: هل هو حكم شرعي، فيكون نسخًا وإلا فلا. وأنا أقول: لا حاصل لهذا التفصيل، وليس هو بواقع في محلّ النزاع، فإنه لا رَيْبَ في أن ما رفع حكمًا شرعيًّا كان نسخًا؛ لأنه حقيقته، ولسنا هنا في مقام أن النسخ رفع أو بيان. وما لا فليس بنسخ، فالقائل: إني أفرق بين ما رفع حكمًا شرعيًّا، وما لم يرفع كأنه قال: إن كانت الزيادة نسخًا، فهي نسخ، وإلّا فلا، وهذا كما تراه. وإنما حاصل النزاع بينهم في أن الزيادة هل ترفع حكمًا شرعيًّا، فتكون نسخًا، أو لا فلا، فلو وقع الاتفاق على أنها ترفع حكمًا شرعيًّا لوقع على أنها نسخ، أو على أنها لا ترفع، لوقع على أنها ليست بنسخ. فالنزاع في الحقيقة في أنها هل هي رفع أم لا؟ ولذلك أكثر الأئمّة في المسألة من تَعْدَاد الأمثلة ليعتبرها النّظر، ويردها إلى مقارّها، ويقضي عليها بالنسخ إن كانت رفعًا، وبعدمه إن لم تكن.

стр. 1789

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولي وراء هذا التقرير كلام آخر فأقول: قولنا: الزيادة هل هي نسخ ليس معناه، إلا أنها هل هي نسخ للمزيد عليه نفسه؟ فلا يتجه حينئذٍ قول من يقول: إن رفعت حكمًا شرعيًّا كانت نسخًا؛ لأنه ليس كلامنا في أنها هي هي نسخ [من حيث هو أم لا؟ إنما كلامنا في نسخ خاص، فهل هي نسخ] (١) للمزيد عليه أم لا؟ والمزيد عليه حكم شرعي بلا نَظَرٍ، فهل الزيادة رافعة له، فيكون منسوخًا، أو لا فلا. هذا حرف المسألة ولكنهم توسّعوا في الكلام فذكروا ما إذا رفعت المزيد عليه وما إذا رفعت غيره، فاعرف ذلك. ولنعد إلى لفظ الكِتَابِ قوله: "زيادة جزء مشترط" قد يعترض بأن الجزء داخل الماهية، والشرط خارجها، فكيف نصفه به؟ وهذا سهل؛ فإن مراده بالشرط هنا: ما لا بد منه. قوله: عبد الجبار إلى آخره نقول: التمثيل بزيادة ركعة على ركعتين واضح؛ لأنه لو أتى بركعتين بعد زيادة ركعة كان وجودهما كالعَدَمِ، ووجب الاستئناف. وأما المثالان الآخران، فَمَدْخُولان. أما الأول؛ فلأنه لو أتى بعد زيادة عشرين بالثمانين لم يكن وجودهما كالعدم، وإنما يلزم أن يَضُمّ إليها عشرين. وما يقال: شرط الضربات أن تكون متوالية، فلو أتى بثمانين منفصلة عن عشرين، لم بكف ضَمّ عشرين إليها - تكلف محض، ثم إنه قد يجلد في يوم ثمانين، وفي اليوم الذي يليه عشرين، وذلك مجزئ. قاله الأصحاب، إنما الممتنع تفرقة لا يحصل بها إيلامٌ وتنكيل، وزجر، كما إذا ضربه في كل يوم سوطًا أو سوطين. وضبط إمام الحرمين التفريق فقال: إن كان بحيث لا يحصل من كلّ دفعة ألم له وقع، كَسَوْط وسوطين في كلّ يوم، لم يجز، وإن كان يؤلم ويؤثر بماله وقع، فإن لم يتخلل زمن يزول فيه الألم الأول كفى، وإن تخلل لم يكف على الأصح. ولن يقدم المُجَادل إذا تكلّف صورة من هذا يصحّ بها التمثيل، ولكنه تكلف، وليس

стр. 1790

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . من شأن ذوي التحقيق. والصواب: أن هذا مثال للقسم الثَّاني، وهو ما لا يغير المزيد عليه، بل يكون على حاله، ولا يكون نسخًا عند القاضي عبد الجَبَّار، وهذا مثاله، وقد مثل له الآمدي به، وبزيادة التغريب على الجلد كما أسلفناه في حكاية كلام الآمِدِي عن عبد الجبار. والظاهر أن المصنّف يتبعه، ولكن العلم استطرد به على وجه الغلط. وأما زيادة تخيير في ثالث بعد اثنين، وهو المثال الثاني من المثالين، فالنظر فيه من جهة أن المصنّف لم يحك مذهب عبد الجَبَّار على النحو الذي حكاه الآمدي، وذلك أن الآمدي حكى أن عبد الجبار يقول: إن الزيادة إنما تكون نسخًا إذا غيرت المزيد عليه تغييرًا شرعيَّا، ثم ذكر للتغير الشَّرعي صورتين: إحداهما: أن يصير المزيد عليه وجوده كالعدم، كزيادة ركعة على ركعتين. والثانية: أن يكون قد خير بين فعلين، فزيد ثالث، فإنه يكون نسخًا، [كتحريم] (١) ترك. الفعلين السَّابقين. مثاله: لو خير أولًا بين الإعتاق والصيام، ثم ضم إليهما الإطعام. هذا مذهب عبد الجَبَّار، كما يظهر من كلام الآمدي، وإن كان نقل الإمام الرازي عنه يساعد نقل المصنف. والصورة الثانية قسيمة للصورة الأولى، التي يصير وجود المزيد عليه بعد الزيادة لو وجد بمفرده كالعدم. والمصنّف ظن أنَّ مذهب عبد الجبار أن تغيير المزيد عليه تغييرًا شرعيًّا هو أن يعتبر وجوده كالعدم، وليس كذلك، بل التغيير الشرعي على قسمين كما أوضحناه. فلو أن المصنّف قال: عبد الجَبَّار: إن غير به حتى صار وجوده كالعدم شرعًا، أو كان مخيرًا بين فعلين فزيد ثالثا، كزيادة ركعة في الفَجْرِ، وتخيير في ثالث بعد اثنين فنسخ، لكان كلامًا صحيحًا جاريًا على منهاج ما نقله الآمدي.
следующие страницы →