← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6338

رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (2 330 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والأمر بالمحافظة على الوسط شيء وراء ذلك، وهو لم يزل، بل هو بَاقٍ. القسم الثَّاني: ما ليس بمستقلّ، كزيادة ركعة أو ركوع، وزيادة صفة في رَقَبّةِ الكَفَّارة، كالإيمان، وزيادة جلدات على جلدات حدّ واحد، إلى غير ذلك من الزيادات. فذهبت الشافعية والحنابلة وجماعة من المعتزلة كالجُبَّائي، وأبي هاشم إلى أنها لا تكون نسخًا. وقالت الحنفية: إنها نسخ، واختاره بعض أصحابنا، وادّعى أنه مذهب الشَّافعي. واحتج عليه بأن قوله ﵊: "المَاءُ مِنَ المَاء" (١) صار منسوخًا بقوله: "إذَا الْتَقَى الخِتَانَانِ"؛ وإنما صار منسوخًا بالزيادة، لا الأصل. قال: ابن السَّمعاني: وهذا غلط؛ لأن: "المَاءَ مِنَ المَاء" إنما دلّ من حيث دليل الخطاب، وهو نسخ للمفهوم، لا للنص من حيث الزيادة. قلت: وهذا واضح، ولا يقال: فليكن هذا هو المذهب المفصل بين ما نفاه المفهوم وما لم ينفه؛ لأن القائل بهذا التفصيل يجعل ما نفاه المفهوم نسخًا للنَّص، ونحن لا نجعل

стр. 1787

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ذلك نسخًا للنص، ولا تعلّق له به. وإنما هو نسخ للمفهوم، ولا يستلزم نسخ النَّص. والكلام في هذه المسألة إنما هو فيما يجعل نسخًا للنص، ولم يقل أحد منا بذلك في دليل الخطاب إلّا ما حكاه ابن السّمعاني، وهو غريب ضعيف. وقال قوم: إن كانت الزيادة قد أفادت خلاف ما استفيد من مفهوم المخالفة، كانت نسخًا، كإيجاب الزَّكاة في معلوفة الغنم؛ فإنه يفيد خلاف مفهوم: في السّائمة زكاة، وإلا فلا. وقال القاضي عبد الجَبَّار (١): إن كانت الزيادة قد غيرت المزيد عليه تغييرًا شرعيًّا، بجث صار المزيد عليه لو فعل بعد الزيادة كما كان يفعل قبلها كان وجوده كعدمه، ووجب استئنافه، كزيادة ركعة على رَكْعتي الفجر، كان ذلك نسخًا أو كان قد خُيِّرَ بين فعلين، فزيد فعل ثالث، فإنه يكون نسخًا، فتحريم ترك الفعلين السَّابقين، وإلا فلا، كزيادة التغريب على الجَلْدِ، وزيادة عشرين جلدة على حد القاذف. وزيادة شرط منفصل في شرائط الصَّلاة، كاشتراط الوضوء. هذا مذهبه ذكرناه بعبارة الآمِدِيّ من نسخة صحيحة مقروءة على الآمدي، وعليها خطه، وسننبّه على ما وقع في الكتاب في ذلك. وقال قوم: إن كانت الزيادة متصلة بالمزيد عليه اتّصال اتحاد رافع للتعدد والانفصال كزيادة ركعتين، فنسخ، وإلا كزيادة عشرين جَلْدة فلا، وهو رأي الغزالي. وقال آخرون: إن كانت الزيادة مغيرة [لِحُكْمِ] (٢) المزيد عليه في المستقبل، كزيادة التغريب في المستقبل على الحد، وزيادة عشرين جلدة على حَدِّ القاذف، كانت نسخًا، وإلا فلا، وسواء أكانت الزيادة لا تنفكّ عن المزيد عليه، كما لو أوجب علينا سَتْر الفَخْذ، فإنه يجب ستر بعض الركبة؛ لأنه مقدمة الواجب. أو كانت الزيادة عند تعذّر المزيد عليه، كإيجاب قطع رجل السارق بعد قطع يديه،

стр. 1788

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وهو رأي الكَرْخي وأبي [عبد الله] (١) البَصْري، ولم يذكره في "المختصر". فهذه المذاهب هي المنقولة في المسألة. وقال القاضي في "مختصر التقريب": إن تضمّنت الزيادة رفعًا، فهو نسخ، وإلا فلا. وذكر أن ذلك يتبين بالأمثلة، وأخذ في تَعْدَاد صور عدها. وقال في كتاب "التقريب" نحو ذلك. وحذا حذوه أبو الحسين البَصْري، فقال في "المعتمد" ما حاصله: إن كان الزائد رافعًا بحكم شرعي كان نسخًا، سواء ثبت بالمنطوق أم المفهوم، وإن كان ثابتًا بدليل عقلي كالبراءة الأصلية، فلا. واستحسنه الإمام الرَّازي، واختاره الآمدي، والمصنف، وهو قضية اختيار إمام الحرمين، ولا رَيْبَ عند هؤلاء في أن الزيادة تزيل أمرًا كان قبلها، ولكنهم ينظرون في المزال: هل هو حكم شرعي، فيكون نسخًا وإلا فلا. وأنا أقول: لا حاصل لهذا التفصيل، وليس هو بواقع في محلّ النزاع، فإنه لا رَيْبَ في أن ما رفع حكمًا شرعيًّا كان نسخًا؛ لأنه حقيقته، ولسنا هنا في مقام أن النسخ رفع أو بيان. وما لا فليس بنسخ، فالقائل: إني أفرق بين ما رفع حكمًا شرعيًّا، وما لم يرفع كأنه قال: إن كانت الزيادة نسخًا، فهي نسخ، وإلّا فلا، وهذا كما تراه. وإنما حاصل النزاع بينهم في أن الزيادة هل ترفع حكمًا شرعيًّا، فتكون نسخًا، أو لا فلا، فلو وقع الاتفاق على أنها ترفع حكمًا شرعيًّا لوقع على أنها نسخ، أو على أنها لا ترفع، لوقع على أنها ليست بنسخ. فالنزاع في الحقيقة في أنها هل هي رفع أم لا؟ ولذلك أكثر الأئمّة في المسألة من تَعْدَاد الأمثلة ليعتبرها النّظر، ويردها إلى مقارّها، ويقضي عليها بالنسخ إن كانت رفعًا، وبعدمه إن لم تكن.

стр. 1789

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولي وراء هذا التقرير كلام آخر فأقول: قولنا: الزيادة هل هي نسخ ليس معناه، إلا أنها هل هي نسخ للمزيد عليه نفسه؟ فلا يتجه حينئذٍ قول من يقول: إن رفعت حكمًا شرعيًّا كانت نسخًا؛ لأنه ليس كلامنا في أنها هي هي نسخ [من حيث هو أم لا؟ إنما كلامنا في نسخ خاص، فهل هي نسخ] (١) للمزيد عليه أم لا؟ والمزيد عليه حكم شرعي بلا نَظَرٍ، فهل الزيادة رافعة له، فيكون منسوخًا، أو لا فلا. هذا حرف المسألة ولكنهم توسّعوا في الكلام فذكروا ما إذا رفعت المزيد عليه وما إذا رفعت غيره، فاعرف ذلك. ولنعد إلى لفظ الكِتَابِ قوله: "زيادة جزء مشترط" قد يعترض بأن الجزء داخل الماهية، والشرط خارجها، فكيف نصفه به؟ وهذا سهل؛ فإن مراده بالشرط هنا: ما لا بد منه. قوله: عبد الجبار إلى آخره نقول: التمثيل بزيادة ركعة على ركعتين واضح؛ لأنه لو أتى بركعتين بعد زيادة ركعة كان وجودهما كالعَدَمِ، ووجب الاستئناف. وأما المثالان الآخران، فَمَدْخُولان. أما الأول؛ فلأنه لو أتى بعد زيادة عشرين بالثمانين لم يكن وجودهما كالعدم، وإنما يلزم أن يَضُمّ إليها عشرين. وما يقال: شرط الضربات أن تكون متوالية، فلو أتى بثمانين منفصلة عن عشرين، لم بكف ضَمّ عشرين إليها - تكلف محض، ثم إنه قد يجلد في يوم ثمانين، وفي اليوم الذي يليه عشرين، وذلك مجزئ. قاله الأصحاب، إنما الممتنع تفرقة لا يحصل بها إيلامٌ وتنكيل، وزجر، كما إذا ضربه في كل يوم سوطًا أو سوطين. وضبط إمام الحرمين التفريق فقال: إن كان بحيث لا يحصل من كلّ دفعة ألم له وقع، كَسَوْط وسوطين في كلّ يوم، لم يجز، وإن كان يؤلم ويؤثر بماله وقع، فإن لم يتخلل زمن يزول فيه الألم الأول كفى، وإن تخلل لم يكف على الأصح. ولن يقدم المُجَادل إذا تكلّف صورة من هذا يصحّ بها التمثيل، ولكنه تكلف، وليس

стр. 1790

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . من شأن ذوي التحقيق. والصواب: أن هذا مثال للقسم الثَّاني، وهو ما لا يغير المزيد عليه، بل يكون على حاله، ولا يكون نسخًا عند القاضي عبد الجَبَّار، وهذا مثاله، وقد مثل له الآمدي به، وبزيادة التغريب على الجلد كما أسلفناه في حكاية كلام الآمِدِي عن عبد الجبار. والظاهر أن المصنّف يتبعه، ولكن العلم استطرد به على وجه الغلط. وأما زيادة تخيير في ثالث بعد اثنين، وهو المثال الثاني من المثالين، فالنظر فيه من جهة أن المصنّف لم يحك مذهب عبد الجَبَّار على النحو الذي حكاه الآمدي، وذلك أن الآمدي حكى أن عبد الجبار يقول: إن الزيادة إنما تكون نسخًا إذا غيرت المزيد عليه تغييرًا شرعيَّا، ثم ذكر للتغير الشَّرعي صورتين: إحداهما: أن يصير المزيد عليه وجوده كالعدم، كزيادة ركعة على ركعتين. والثانية: أن يكون قد خير بين فعلين، فزيد ثالث، فإنه يكون نسخًا، [كتحريم] (١) ترك. الفعلين السَّابقين. مثاله: لو خير أولًا بين الإعتاق والصيام، ثم ضم إليهما الإطعام. هذا مذهب عبد الجَبَّار، كما يظهر من كلام الآمدي، وإن كان نقل الإمام الرازي عنه يساعد نقل المصنف. والصورة الثانية قسيمة للصورة الأولى، التي يصير وجود المزيد عليه بعد الزيادة لو وجد بمفرده كالعدم. والمصنّف ظن أنَّ مذهب عبد الجبار أن تغيير المزيد عليه تغييرًا شرعيًّا هو أن يعتبر وجوده كالعدم، وليس كذلك، بل التغيير الشرعي على قسمين كما أوضحناه. فلو أن المصنّف قال: عبد الجَبَّار: إن غير به حتى صار وجوده كالعدم شرعًا، أو كان مخيرًا بين فعلين فزيد ثالثا، كزيادة ركعة في الفَجْرِ، وتخيير في ثالث بعد اثنين فنسخ، لكان كلامًا صحيحًا جاريًا على منهاج ما نقله الآمدي.

стр. 1791

فَلَوْ قَالَ: "فِي السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ" ثُمَّ قَالَ: "فِي الْمَعْلُوفَةِ الزَّكَاةُ" فلا نَسْخَ، فَإِنْ تُحُقِّقَ أَنَّ الْمَفْهُومَ مُرَادٌ فَنَسْخٌ، وَإِلَّا فَلا، وَلَوْ زِيدَ رَكْعَةٌ فِي الصُّبْح فنَسْخٌ؛ لِتَحْريمِ الزِّيَادَةِ ثُمَّ وُجُوبِها. الشرح: وإذا عرفت أن الزيادة ليست بِنَسْخٍ إذا لم تتضمّن رفعًا، "فلو قال: "في السَّائمة الزكاة"، ثم قال: "في المَعْلُوفة الزكاة"، فلا نسخ"؛ لعدم رفع الحكم، "فإن تحقق" أن المفهوم مراد من قوله: السَّائمة "فنسخ، وإلّا فلا"؛ لأن الرفع إنما يكون بعد الثبوت، والغرض أنه لم يثبت، فالموجود اندفاع المفهوم لا ارتفاعه. "ولو زيد رَكْعَة في الصبح، فنسخ؛ لتحريم الزيادة" على الرَّكعتين، "ثم وجوبها"، وذلك التحريم حكم شرعي، وقد ارتفع بالوجوب. وخالف أبو الحسين البصري في ذلك. ورد الآمدي هذا الدَّليل بأنه إنما يصحّ لو كان الآمر بالركعتين مقتضيًا للنهي عن الزيادة عليهما، وليس كذلك، بل أمكن أن يكون مستفادًا من دليل آخر، فزيادة ركعة لا يكون ناسخًا. قلت: فهو صحيح؛ فإن الكلام في أنّ الزيادة هل هي نسخ للمزيد، لا في كونها نسخًا لأمر آخر كما نبهنا عليه فيما مضى؟ وقال الإمام الرَّازي: إن ذلك يكون نسخًا؛ لوجوب التشهُّد عقيب الرَّكعتين، فإنه حكم شرعي. ووافقه الآمدي. ولأبي الحسين أن يقول. وجوب التشهّد عقيب الرَّكعتين ليس لخصوص كونه عقيبهما، بل لعموم آخرية الصَّلاة، وإذا لم يكن هذا الخصوص مقصودًا، فلا يكون محكومًا به شرعًا؛ فلا يكون رفعه رفعًا لشرعي، فلا يكون نسخًا. سلمنا: أنه بخصوصه مقصود لكنه لم يرتفع، وإنما نقل محلّه من موضع إلى موضع، وفي جعل مثل هذا نسخًا نظر. سلمنا: أنه يرتفع، ولكن كلامنا في نسخ العبارة المزيد عليها، وهي الركعتان لا في نسخ التشهد.

стр. 1792

وَالتَّغْرِيبُ عَلَى الْحَدِّ كَذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ: مَنْفِيٌّ بِحُكْمِ الأَصْلِ. قُلْنَا: هَذَا لَوْ لَمْ يَثْبُتْ تَحْرِيمُهُ. فإذن المختار ما قال أبو الحسين: أَنَّ زيادة رَكْعَة ليس بنسخ للرّكعتين؛ لأنهما قارّتان لم يرتفعا، ولا لإجزائهما؛ لأنهما يجزيان، ولكن قبل الزيادة بانفرادهما وبعدها مع الرَّكْعَة الأخرى، فلم يرتفع أداؤهما بالكلية، وإنما ارتفع إجزاؤهما بدون الرّكعة الزائدة، وذلك تابعٌ لنفي وجوبهما، ولا لوجوبهما؛ لبقائه كما ذكرناه، ولا لوجوب التشهد وتحريم الزيادة لما عرفت. الشرح: "والتَّغْريب" إذا زيد "على الحَدّ كذلك"، فعند المصنف أنه نسخ؛ لتحريمه إذ كان تحريم التغريب. "فإن قيل: منفي بحكم الأصل. قلنا: هذا" إنما يتم "لو لم يثبت تحريمه"، ولكنه ثبت، والتَّحريم بدليل شرعي، فيكون الإيجاب رفعًا لثابت بدليل شرعي، وهو النسخ. ولقائل أن يقول: ليس كلامنا إلّا في أنه هل هو نَسْخ للمزيد عليه الذي هو الجلدات لا غير، ثم لا نسلّم أن التغريب كان حرامًا بالشرع. وحينئذ نقول المُخْتَار: أن زيادة التَّغريب لا تكون نسخًا؛ لأنه لا يزيل إلا نفي وجوب ما زاد على المائة، وهذا النفي غير معلوم بالشَّرع؛ لأن إيجاب المائة قدر مشترك بين إيجابها مع نفي الزَّائد وثبوته، وما به الاشتراك لا إشعار له بما به الامتياز، فإيجاب المائة لا إشعار له بالزيادة نفيًا وإثباتًا إلَّا أن نفي الزيادة معلوم بالعَقْل؛ لأنه من البَرَاءَةِ الأصلية، ورفع الثابت بالعقل ليس بنسخ، وأما كون الثمانين مجزئة، وكونها وحدها كمال الحَدّ، وكون الإمام لا يأثم بترك التَّغْريب، وكونه بحيث يجب الاقتصار عليه، فكلها أحكام عقلية، فلا يكون زوالها نسخًا، فيجوز قبول خبر الواحد فيه، كما يجوز قبوله في إثبات عبادة مستقلّة مع كونه يزيل كون العِبَادَاتِ الواجبات قبلها كلّ الواجبات إلى غير ذلك، فإن كونها كل الواجبات وغير ذلك أمر عقلي. ولو كان كما قال المصنف من أن تحريم الزيادة ثابت بالشَّرْع لما جاز قبول خبر الواحد في نسخه، والتَّغريب ثابت بأخبار الآحاد، وكان يلزمه ألَّا يقبله؛ لتضمنه نسخ القرآن.

стр. 1793

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وهذا بخلاف ما لو قال الله: حَدّ الزنا مائة بلا زيادة، أو كمال حدّه مائة، فإن ذلك يكون نسخًا لا مَحَالة؛ لأنه رفع ما ورد عليه الشَّرع وحكم به وقرره. فإن قلت: أليس رفع إيجاب التَّغْريب كون الفاء للجزاء في قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا﴾ [سورة النور: الآية ٢]؛ إذ الجزاء ما يكون كافيًا، وكونه كافيًا على لسان الشَّرْع يمنع وجوب غيره شرعًا، فيكون برفعه رفعًا لما ثبت شرعًا. قلت: أما كون الفاء للجزاء، فممنوع، وإنما هي للترتيب والتَّعْقيب [والسَّببية] (١) نحو: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ﴾ [سورة هود: الآية ٤٥] فقال: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ [سورة المؤمنون: الآية ١٤]، ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [سورة القصص: الآية ١٥]، ثم إنها تستعمل في الجزاء باعتبار التعقيب؛ إذ الجزاء يوجد عقيب الشرط، فلا دلالة لها على خصوصية الجزاء. سلّمنا أنها للجزاء، ولكن لا نسلم أن الجزاء ما يكون كافيًا، وسنده أنه يصحّ قولك: هذا كل الجزاء أو بعض الجزاء، ولو كان اسمًا للكافي لكان الأول تكرارًا، والثاني بعضًا. سلمنا لكن إنما يكون نسخًا لو ثبت أن ورود الخبر كان بعد حضور وقت العمل بالنَّص؛ إذ بتقدير وروده قبل، يكون دليلًا على أنه لم يرد منه حقيقته، ورفع حكم الدليل إنما يكون نسخًا بعد ثبوت حكمه واستقراره، أما قبل فلا؛ لاحتمال أن يقال: [إنه ما] (٢) أريد به ذلك الحُكْم، واللَّفظ مستعمل على وجه التجوز، ولم يبين إذ ذاك؛ فإن تأخير البيان جائز إلى وقت الحاجة، والحَمْل على ذلك أولى من حمله على النسخ. سلّمنا لكن نحن إنما نقبل الخبر بتقدير ألا يكون في النص ما يدلّ على نفي مدلوله، فلو ثبت أن فيه ذلك لم نقبله، كما عُرِفَ. فإن قلت: أليس إن المائة إذا وجبت وسكت النَّبي ﷺ عن ذكر التغريب، ثم ذكره في ثاني الحال، كان سكوته أولًا سكوتًا عن البيان وقت الحاجة، والسّكوت عن البَيَانِ وقت الحاجة بيان، أن ما وقع [عند] (٣) السكوت، فليس محكومًا به،

стр. 1794

فَلَوْ خُيِّرَ فِي الْمَسْحِ بَعْدَ وُجُوبِ الْغَسْلِ فَنَسْخٌ؛ لِلتَّخْيِيرِ بَعْدَ الْوُجُوبِ. وَلَوْ قَالَ: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٢] ثُمَّ ثَبَتَ الْحُكْمُ بِالنَّصِّ بِشَاهِدٍ وَيمِينٍ فَلَيْسَ بِنَسْخِ؛ إِذْ لَا رَفْعَ لِشَيْءٍ، وَلَوْ ثَبَتَ مَفْهُومُهُ وَمَفْهُومُ ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٢]؛ لَيْسَ فِيهِ مَنْعُ الْحُكْمِ بِغَيْرِهِ. فيكون الشَّارع بالسكوت عن ذكر التغريب نافيًا له، فإذا أثبت في ثاني الحال كان رفعًا لما ثبت شرعًا، وهو حقيقة النَّسْخ. قلت: لا نسلم أن السكوت عن التغريب سكوت عن البَيَانِ وقت الحاجة؛ فإنه لم يثبت أنه لما سكت عن ذكر التغريب كانوا محتاجين إلى بيان حَدِّ الزاني. سلمنا، ولكنه سكوت عما لم يحكم الشرع بإيجابه، وهو منتفٍ بالبراءة الأصلية. قولكم: فيكون الشارع بالسكوت نافيًا له. قلنا: ليس معنى كونه نافيًا له إلّا أنه لم يجب شرعًا، ونحن قائلون بهذا، وكل باقٍ على البراءة الأصلية، فهو غير واجب شرعًا فلا يكون رفع كونه لم يجب شرعًا، رفعًا لحكم شرعي، وهذا لا يفرق بين ما لم يجب شرعًا، فالبراءة الأصلية كافيةٌ فيه، وما وجب عدمه شرعًا، وليس السّكوت على تقدير تسليمه دالًا إلا على الأول، وهو أنه لم يجب التغريب شرعًا لا على الثاني، وهو أن عدم التغريب واجب، فافهم ذلك. ورأيت عبد العزيز الحنفي صاحب كتاب "كشف الأسرار" ردّ السؤال بأنه يلزم عليه إيجاب عبادة أخرى؛ فإن سكوته ﵊ بعد إيجاب عبادة يدل على أن غيره ليس بواجب، بمنزلة ما لو نص عليه. وما ذكرته أمتن؛ فإن للسَّائل أن يتخلص عن الإلزام بان العبادة الأخرى لا ارتباط لها بالعبادة الأولى، فلا يكون السكوت عنها ثابتًا لشيء، ولا دالًّا عليه، وهذا بخلاف التغريب مع الجلدات؛ فإن كلًّا مخهما داخل تحت الحَدّ، فكان السكوت عن التغريب كأنه سكوت عن بعض الحد. الشرح: "ولو خير في المَسْحِ" على الخفين وغسل الرجلين "بعد وجوب الغسل" على التعيين "فنسخ"؛ خلافًا للإمام الرَّازي، والآمدي.

стр. 1795

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وإنما قلنا: إنه نسخ؛ "للتخيير بعد الوجوب"؛ فإن التَّخيير والتعيين حكمان شرعيّان، وقد رفع الأول الثاني. "ولو قال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٢] ثم ثبت الحكم بالنص بشاهد ويمين، فليس بنسخ؛ إذ لا رفع لشيء" من مدلول الآية. "ولو ثبت مفهومه" أي مفهوم شهيدين، "ومفهوم: فإن لم يكونا رَجُلين؛ إذ ليس فيه منع الحكم بغيره". هذا كلام المصنف، ولم يقرره الآمدي على هذا الوجه. وما فعله المصنّف حسن جدًّا، وحاصله أن أصحابنا قبلوا خبر الواحد، ثم إنه ﷺ قضى بالشَّاهد واليمين. وردّه الحنفية قائلين: إنه خبر واحد ناسخ لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٢] قالوا: فإن الأمر كان دائرًا بين اثنين، فزيد ثالث، والزيادة نسخ. وخبر الواحد لا ينسخ الكتاب. وهو أضعف؛ لأن الآية والحديث لم يَتَوَاردا على محل واحد؛ إذ الآية في الأمر باستشهاد شَهِيدين، فإن لم يكونا رجلين، فرجل وامرأتان، والحديث في الحكم بشاهد ويمين، والاستشهاد غير الحكم. ويزداد ما ذكره المصنّف حسنًا بأن يقول: ثم إن الأمر بالاستشهاد أمر إرشاد، فالله - تعالى - أرشد إلى الأكمل، والأكمل استشهاد شهيدين رجلين أو رجل وامرأتين إن لم يكونا رجلين، والشاهد واليمين دون ذلك؛ لأن أقل الأحوال كونه مختلفًا فيه، والإرشاد إنما يكون إلى الأكمل، وسيظهر لك نفع هذا التقرير إن شاء الله تعالى. سلمنا أن مقتضى الآية: أنه - تعالى - أوقف الحكم على شاهدين، فليس في ذلك إلَّا أن شهادتهما حُجّة. فلم قلتم: إنّ شهادة غيرهما لا تكون حُجّة، وإليه أشار في الكتاب، بقوله: فليس بنسخ؛ إذ لا رفع؟ لا يقال: مفهوم: "فإن لم يكونا رجلين" ومفهوم: شهيدين، يقضي بالانحصار فيهما، ويمنع الشاهد واليمين.

стр. 1796

وَلَوْ زِيدَ فِي الْوُضُوءِ اشْتِرَاطُ غَسْلِ عُضْوٍ فَلَيْسَ بِنَسْخٍ؛ لأَنَّهُ إِنَّمَا حَصَلَ وُجُوبُ مُبَاحِ الأَصْلِ. قَالُوا: لَوْ كَانَتْ مُجْزِئَةً ثُمَّ صَارَتْ غَيْرَ مُجْزِئَةٍ. قُلْنَا: مَعْنَى "مُجْزِئَةٍ" امْتِثَالُ الأَمْرِ بِفِعْلِهَا، وَلَمْ يَرْتَفِعْ، وَارْتَفَعَ عَدَمُ تَوَقُّفِهَا عَلَى شَرْطٍ آخَرَ، وَذَلِكَ مُسْتَنِدٌ إِلَى حُكْمِ الأَصْلِ. وَكَذَلِكَ لَوْ زِيدَ فِي الصَّلَاةِ مَا لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا. لأنا نقول: إن ثبت أن هذا مفهوم، فهو إنما يمنع استشهاد الشاهد واليمين، ونحن قائلون بذلك، أو نمنع الإرشاد إلى ذلك، ونحن قائلون به أيضًا في كل حالة، ولو أنه إلا خوفًا من قاضٍ حنفي يضيع حق الشافعية حين لا يجدون على حقوقهم إلا شاهدًا ويمينًا وقاضيًا حنفيًّا. سلمنا أنه يمنع من الحكم بشاهد ويمين، ولكن لم قلتم: إن هذا المفهوم مراد من الخطاب، والنسخ إنما يتطرّق إلى مقتضى الخطاب بعد ثبوته. سلمنا بثبوته، ولكن النسخ إنما يكون لمفهوم الخطاب لا للخطاب نفسه. ولم قلتم: إن هذا لا يجوز. سلمنا، ولكن ذلك لا يليق بمذهب من رَدّ الخبر؛ فإنه لا يقول بالمفاهيم. الشرح: "ولو زيد في الوضوء اشتراط عضو "على الأعضاء السِّتة، "فليس بنسخ"؛ خلافًا لقوم؛ "لأنه إنما حصل وجوب مباح الأصل"، وليس بنسخ. "قالوا: كانت" الطَّهارة قبل هذه الزيادة "مجزئة، ثم صارت غير مجزئة" إلا بها، فقد ارتفع إجزاؤها، وهو حكم شرعي. "قلنا: معنى مجزئة: امتثال الأمر لفعلها، ولم يرتفع، وارتفع عدم توقفها على شرط آخر، وذلك مستند إلى حكم الأصل". والحنفية فرضوا هذا الفرع في نية الوضوء، ولعلمائنا في ردّ كلامهم طرق شَتّى، وهذا منها مبني على أن النية لم توجد بقضية الترتيب الواقع في القرآن، على ما هو مقرر في الخلافيات.

стр. 1797

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . "وكذلك لو زيد في الصَّلاة، ما [لم يكن فعله محرمًا] (١)، فليس بنسخ أيضًا؛ لأنه لم يحصل إلَّا وجوب مباح الأصل. وأهمل المصنّف فرعًا خطيرًا، وهو تقييد الرقبة المطلقة بالإيمان. وأعظم مقاصد الحنفية بأن الزيادة نسخ: التوصل إلى ردّ أخبار صحيحة بأنها خبر واحد يقتضي زيادة على القرآن، والزيادة نسخ؛ فلا يقبل. وكلّ مقدّمة من هذه المقدمات تنقطع دونها إباط المَطِيّ، وبها توصّلوا إلى ردّ أحاديث تعيّن الفاتحة في الصَّلاة، والشاهد واليمين، وإيمان الرقبة، واشتراط النية في الوضوء إلى غير ذلك، مع مُنَاقضتهم لأصولهم؛ إذ قالوا: يشترط في ذوي القُرْبَى الحاجة، وهو زيادة على القرآن، ومخالف للمعنى أيضًا كما قدمناه في موضعه. وقالوا: إنَّ القَهْقَهَةَ تنقض الوضوء مستندين إلى أخبار ضعيفة، وهي زيادة على نواقض الوضوء المذكورة في الكتاب العزيز. فما بالهم قبلوا أحاديث ضعيفة، وزادوا بها على القرآن، وتركوا أحاديث الفاتحة مع صحّتها؛ ولو أنها في جانبهم لَتَطَاولوا وقالوا: هي مشهورة، وحكمها حكم المتواتر، فلتنسخ القرآن، ولقد ادّعوا الشهرة فيما هو دونها من الأحاديث، بل فيما ليس بصحيح، فإني رأيت منهم من يدّعي شهرة أحاديث القَهْقَهَةِ، فياللهِ وللمسلمين من غدير؛ فإنه من هؤلاء. قال الأستاذ أبو منصور البغدادي: ومن زاد الخلوة على الآيتين الواردتين في الطَّلاق قبل المَسِيسِ في إيجاب العدّة، وتكميل المهر بخبر عمر ﵁ مع مخالفة غيره له، وامتنع عن الزيادة على النص بخبر صحيح، كان حاكمًا في دين الله - تعالى - برأيه. ونقض عليهم الأستاذ أبو منصور أيضًا بأن زيادة التغريب إن كانت نسخًا لزمكم أن يكلون إدخال نبيذ التَّمْر بين الماء والتراب نسخًا لآيتي الوضوء والتيمم، وهو مساو لزيادة التغريب وأنظاره بما تقدم. وإن انفصلوا عن هذا بأن نبيذ الثَّمْرِ داخل في عموم الماء كقوله ﵊: "ثَمَرَةٌ طَيِّبَةٌ، وَمَاءٌ طَهُورٌ".

стр. 1798

مَسْأَلَةٌ: إِذَا نَقَصَ جُزْءُ الْعِبَادَةِ أَوْ شَرْطُهَا، فَنَسْخٌ لِلْجُزْءِ وَالشَّرْطِ لَا لِلْعِبَادَةِ. وَقِيلَ نَسْخٌ لِلْعِبَادَةِ. عَبْدُ الْجَبَّارِ: إِنْ كَانَ جُزْءًا لَا شَرْطًا. لنَا: لَوْ كَانَ نَسْخًا لِوُجُوبِهَا افْتقَرَتْ إِلَى دَلِيلٍ ثَانٍ، وَهُوَ خِلَافُ الإِجْمَاعِ. قَالُوا: ثَبَتَ تَحْرِيمُهَا بِغَيْرِ طَهَارَةٍ وَبِغَيْرِ الْرَّكْعَتَيْنِ ثُمَّ ثَبَتَ جَوَازُهَا أَوْ وُجُوبُهَا بِغَيْرِهِمَا. قُلْنَا: الْفَرْضُ إِنْ تَحَدَّدَ وُجُوبٌ. [قيل] (١): قيل لهم: فيكون حينئذ رافعًا لإطلاق: "فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ"؛ ضرورة أنه لا يجوز التوضؤ به عند وجود غيره من المياه، وتقييد مدلول النّص المطلق نسخ للنص عندهم. «مسألة» الشرح: "إذا نقص جزء العبادة أو شرطها، فنسخ للجزء والشرط لا [للعبادة] (٢). قال ابن السمعاني: وإليه ذهب جمهور أصحاب الشافعي. "وقيل: نسخ للعبادة" (٣). وفصّل القاضي "عبد الجَبَّار" فقال: نسخ "إن كان [جُزْءًا] (٤)، لا شرطًا.

стр. 1799

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لنا: لو كان نسخًا لوجوبها افتقرت" في إيجاب باقيها بعد المنقوص. "إلى دليل ثَان"؛ لأن الفرض أنها منسوخة بالنقصان، "وهو خلاف الإجماع". "قالوا": الصَّلاة التي نقص جزؤها كركعتين مثلًا، أو شرطها كالوضوء "ثبت تحريمها بغير طهارة، [وبغير] (١) الركعتين، ثم ثبت جوازها أو وجوبها بغيرهما"، وذلك حقيقة النسخ. "قلنا:" عندنا ما يعارض هذا، فنقول: "الغرض" أنه "لم يتجدّد وجوب"، وإذا تعارض فالأصل عدم النسخ. "فائدتان" الأولى: الصَّلاة كانت إلى "بيت المقدس"، ثم إلى "الكعبة". [فعندنا] (٢) النسخ ورد على صفتها دون أصلها، ففرض الصلاة باقٍ، وإنما تغير الوجه فحسب. وعند الخصوم على أصلها ففرض الصلاة مبتدئًا بالأمر الثاني. الثانية: إذا نقصت العبادة ما لا يتوقف صحتها عليه، كسُنّة من سننها، ومثَّله الغزالي بالوقوف على يمين الإمام، وستر الرأس لم يكن نسخًا للعبادة بالاتفاق كما نقله قوم، وأول كلام الغزالي في "المستصفى" يوهم جريان الخلاف فيه. وقد يقال: إن قلنا: إن العبادة مركبة من السّنن والفرائض، كان القول بأن نقصان السّنة نسخ لها كالقول في نقصان الجزء. وإن قلنا: مختصة بالفرائض، فلا. وصنيع الفقهاء يدل على أنها مركبة من الفرائض والسنن جميعًا حيث يذكرون في صفة الصلاة سننها، وحيث يقولون: باب فروض الصلاة وسننها.

стр. 1800

مَسْأَلَةٌ: الْمُخْتَارُ: جَوَازُ نَسْخِ وُجُوبِ مَعْرِفَتِهِ وَتَحْرِيمِ الْكُفْرِ وَغَيْرِهِ ؛ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ، وَهِيَ فَرْعُ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ. وَالْمُخْتَارُ: جَوَازُ نَسْخِ جَمِيعِ التَّكَّالِيفِ؛ خِلَافًا لِلْغَزَالِيِّ" ا. هـ. "لَنَا: أَحْكَامٌ كَغَيْرِهَا. قَالُوا: "لَا يَنْفَكُّ عَنْ وُجُوبِ مَعْرِفَةِ النَّسْخِ وَالنَّاسِخِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يَعْلَمُهُمَا، وَينْقَطِعُ التَّكْلِيفُ بِهِمَا وَبِغَيْرِهِمَا، واللهُ أَعْلَمُ. «مسألة» الشرح: "المختار: جواز نسخ وجوب معرفته" تعالى، "وتحريم الكفر وغيره" (١) من الظّلم والكذب؛ "خلافًا للمعتزلة، وهي فرع التحسين والتَّقبيح"؛ فإنهم لما ذهبوا إليه قالوا: من الأحكام ما لا يقبل النسخ، وهو ما كان بذاته، أو اللازم ذاته حسنًا أو قبيحًا، لا يختلف باختلاف الأزمان، كحسن معرفة البَاري - تعالى - وشكر المنعم، والعدل، وقبح الكُفْر والظّلم والكذب الضَّار، وهو سديد على أصلهم، ولكنه عندنا أصل باطل، فلا جرم أنا خالفناهم. واتفقنا نحن وإياهم على جواز زَوَال التكاليف بأسرها عن المكلف؛ لزوال شرطه كالعقل، وأنه لا يجوز أن ينهى الله - تعالى - المكلف عن معرفته، إلَّا إذا جوَّز تكليف ما لا يُطَاق؛ لأن نهيه عنها يستدعي معرفة النَّهي، وفي ذلك معرفة الناهي، ففي امتثال النهي ضد مقتضاه، وهو تكليف ما لا يطاق. "والمختار: جواز نسخ جميع التكاليف؛ خلافًا للغزالي" والمعتزلة (٢). الشرح: "لنا: أحكام كغيرها"، فجاز نسخها.

стр. 1801

كتاب القياس القياس مِيزَان العقول، وميدان الفُجُول، ونحن نرى أن نُرْخي فيه العِنَان طويلًا، ونبسط فيه المَقَال قليلًا، فإنه مَنَاط الاجتهاد، ومنبع الآراء، والكافل بتفاصيل الأحْكام عند تَشَاجر الغوغاء، والمسترسل على جميع الوَقَائع، والموجود إذا فقدت النصوص، واختلفت الأقوال، وظنّ ضيق المسالك، وانسداد الذَّرائع. "الْقِيَاسُ: التَّقْدِيرُ وَالْمُسَاوَاةُ. "قالوا: لا ينفكّ عن وجوب معرفة النسخ والناسخ"، فيجب معرفته [ضمنًا] (١)، وهو نوع من التكليف، فلو انتفت؛ جميع التكاليف لم ينتف لما ذكرناه، فبطل القول بانتفائها جملة. "وأجيب بأنه، كما ذكرتم لا بُدّ من معرفة المكلف النسخ والناسخ، ولكن لا يمتنع أنه "يعلمهما، وينقطع التكليف" بعد معرفته "بهما"؛ لانقطاعه بعد الفعل اتفاقًا، "وبغيرهما" لا طاعة عليهما، فلا يبقى تكليف أصلًا. ولقائل أن يقول: لم سلمتم أن نسخ جميع التكاليف يستدعي معرفة النسخ والناسخ؟. والحَقّ أنه غير مسلم، وإنما يستدعي ذلك لو كلف بأن يعرف أنه غير مكلّف. أما إذا لم يكلف، فليس إلَّا رفع التكليف جملةً، وليس من شرط ذلك أن يعلم به العبد، "والله المستعان". الشرح: فنقول: هو في اللغة (٢): "التقدير والمُسَاواة" تقول: قِسْتُ الشيءَ بالشيء

стр. 1802

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أي: قدّرته على مثاله. ويقال: بينهما قيس رُمْح، وقَاسُ رمح، أي: قَدْرُ رمح. وفي الحديث: "لَيْسَ مَا بَيْنَ فِرْعَوْنَ مِنَ الفَرَاعِنَةِ وَفِرْعَوْنَ هذِهِ الأُمَّةِ قَيْسُ شِبْرٍ". والقَيْس والقَيْد سواء. وفي حديث أبي الدَّرْدَاء: "خَيْرُ نِسَائِكُمُ الَّتِي تَدْخُلُ قَيْسًا". أي: أنها إذا مشت قاست بعض خُطَاها ببعض، فلا تعجل فعل الخَرْقَاء، ولا تبطئ، ولكنها تمشي مشيًا وسطًا معتدلًا، فكأن خُطاها متساوية. وفي حديث الشَّعْبي: "أنه قضى بشهادة القَائِسِ مع يمين المَشْجُوج"، الَّذي يقيس الشَّجَّة، ويتعرّف غورها بالميل الذي يدخله فيها ليعتبرها. وكان أبي ﵀ يقول: من قال: القياس: التَّقدير والمساواة فيه مُسَامحة في شيئين.

стр. 1803

وفي الاصطلاح: مساواة فرع الأصل في علة حكمه. أحدهما: إطلاق التقدير، وليس كل تقدير قياسًا ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى، وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [سورة الأعلى: الآية ٢ - ٣]. أي: جعله في نفسه ذا قدر مخصوص، وليس معناه: قدره [بغيره] (١)، إلَّا أن يرد إليه بتأويل. والثاني: أن المساواة صفة المَقِيس، والقياس صفة القَائِس وفعله، فلو قال موضعها: التسوية كان أولى، هذا معناه في اللغة. الشرح: "وفي الاصطلاح" عند المُخطئة (٢)، وهم القائلون: بأنَّ المصيب واحد:

стр. 1804

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1805

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1806

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . "مُسَاواة (١) فَرْعِ الأصل (٢) في

стр. 1807

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . علّة (١) حكمه"، كمساواة النبيذ للخَمْرِ في علَّة التحريم، فالأصل الخمر، والفرع النَّبيذ، والعلَّة الإسكار. ولقائل أن يقول: القياس فعل القائس، والمساواة نتيجةُ فعله لا نفس فعله. و - أيضًا - لفظ الفرع والأصل يوهم أنّهما وجوديان، والقياس يجري في المَعْدُومين جريانه في الوجوديين، ثم إنا لا نعرف أن هذا فرع وذاك أصل، إلا بكون هذا مقيسًا على ذلك، فإطلاق الفرع عليه. قيل: آيلٌ إلى الدور، فلو قال: حمل معلوم على معلوم لمساواته في علّة حكمه، كان أولى.

стр. 1808

وَيَلْزَمُ الْمُصَوِّبةَ زِيَادَةٌ "فِي نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ"؛ لأَنَّهُ صَحِيحٌ، وَإِنْ تبَيَّنَ الْغَلَطَ وَالرُّجُوعَ؛ بِخِلَافِ الْمُخَطِّئَةِ، وَإنْ أُرِيدَ الْفَاسِدُ مَعَهُ قِيلَ: تَشْبِيهٌ. وَأُورِدَ: قِيَاسُ الدَّلَالَةِ ؛ فَإِنَّهُ لا يُذْكَرُ فِيهِ عِلَّةٌ. وَأُجِيبَ: إِمَّا بِأَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ، وَإِمَّا بِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ الْمُسَاوَاةَ فِيهَا. الشرح: "ويلزم المصوّبة" وهم القائلون: بأنّ كل مجتهد مصيب "زيادة" قَيْد آخر في التعريف، وهو: "في نظر المجتهد"؛ لأنَّه صحيح"، عندهم، "وإن تبين الغلط والرجوع" بسببه؛ إذ ذلك لا يقدح فيه عندهم. بل يقولون: انقطع حكمه لدليل آخر حدث، فإذن لا يلزم المصوبة المُسَاواة إلا في نظر المجتهد، ويلزمهم هذه الزيادة، "بخلاف المخطئة". هذا إذا حددنا القياس الصحيح، "وإن أريد الفاسد معه" لم تشترط المساواة لا في نفس الأمر، ولا في نَظَرِ المجتهد. "وقيل: تشبيه" فرع إلى آخره، فإن التشبيه أعمّ من حصول المُسَاواة. ولو قيل: تسوية بدل تشبيه، كان أحسن؛ ليناسب لفظ المساواة. "وأورد" على عكس الحدّ: "قياس الدّلالة؛ فإنه" قياس مع أنه "لا يذكر فيه علَّة"، بل هو قسيم قياس العلَّة، والجامع فيه دليل العلَّة لمُلَازمته لها. مثاله: المسروق عَيْن يجب ردّها قائمة وإن قطع فيها؛ فيجب ضَمانها تالفةً كالمغصوب؛ فإن وجوب الرد ليس علّة الضمان في سورة المغصوب. الشرح: "وأجيب: إما بأنه"، أي: قياس الدلالة (١) "غير مُراد"، فإنا لا نعني بلفظ

стр. 1809

وَأُورِدَ: قِيَاسُ الْعَكْسِ، مِثْلُ: لَمَّا وَجَبَ الصِّيَامُ فِي الاِعْتِكَافِ بِالنَّذْرِ، وَجَبَ بِغَيْرِ نَذْرٍ. عَكْسُهُ: الصَّلَاةُ لَمَّا لَمْ تَجِبْ فِيهِ بِالنَّذْرِ، لَمْ تَجِبْ بِغَيْرِ نَذْرٍ. القِيَاس عند الإطلاق إلا قياس العلّة، ولا نطلقه على قياس الدّلالة إلا مقيدًا. "وإما بأنه يتضمَّنُ المساواة فيها"، أي: في العلّة لا يستلزم الجامع لها، فإن المساواة في وجوب الضَّمان دلَّت على قَصْد الشارع حفظ المال بهما، وهو العلّة، فإذن قياس الدلالة داخلٌ في الحد؛ فإن المساواة موجودة فيه ضمنًا، ولا فَرْقَ بين أن توجد ضمنًا أو يصرح بها. الشرح: "وأورد" على عكس الحَدّ - أيضًا - "قياس العكس" (١)، فإنه قياس،

стр. 1810

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والتَّعْرِيف لا يتناوله، وهو: إثبات نقيض حُكْمِ الشيء في شيء آخر؛ لافتراقهما في العلَّة. "مثل" قول الحَنَفِي: "لما وجب الصِّيَام في الاعتكاف بالنَّذْرِ (١)، وجب بغير نذر،

стр. 1811

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . عكسه: الصَّلاة لما لم تجب فيه"، أي: في الاعتكاف "بالنَّذْرِ، لم تجب بغير نذر". فالأصل: الصَّلاة في الاعْتِكَافِ، والفرع: الصوم فيه، وحكم الصلاة: أنها ليست

стр. 1812

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بشرط في الاعْتِكَافِ، لا بالأَصَالَةِ ولا بالنَّذر؛ إذ لو نذر أن يعتكف مصليًا لم يلزمه الجَمْع، والثابت في الصوم نقيضه، كما أن الثابت في الأصل نفي كون الصَّلاة شرطًا، وفي الفرع إثبات كون الصوم شرطًا، فحكم الفرع نقيض حكم الأصل. ومثل قول الشَّافعي لمحمد بن الحسن في مُنَاظرات جرت بينهما، وقد قال محمد: لا قَوَدَ على من شَارَكَ الصَّبي؛ لأنه شارك مَنْ لا يجري عليه القَلَم: يلزمك إيجاب القَوَد على من شَارَك الأب؛ لأنه شارك من يجري عليه القَلم. ونظيره قولنا: إذا قلنا في المفوّضة: لا يجب المَهْر بالعَقْدِ بوطئ، وجب مهر المِثْل؛ لأنه لو لم يجب المهر بالوَطْء في النكاح الصَّحيح عند نفيه، لما وجب عند شرطه، كالزِّنا، فإنه لمّا لم يجب المَهْر فيه شرطًا، لم يجب أصلًا. والأصح أن أخْمَص قدمي الحُرّة من العورة؛ لثبوته بين ظاهرهما وباطنهما، كما [يستوي] (١) بين ظاهر اليَدَيْن وباطنهما في الخروج عن حد العورة. وقال الشَّافعي ﵁ في زكاة الخُلْطة: ولما لم أعلم مخالفًا إذا كان ثلاثة خُلَطَاء، لو كان لهم مائة وعشرون شاةً [أخذت] (٢) منهم واحدة، وصدقوا (٣) صدقة الواحد، فنقصوا المساكين شَاتَيْنِ من مال الخُلَطَاء الثلاثة، الذين لو تفرّق مالهم، كان فيه ثلاث شِيَاهٍ، لم يجز إلا أن يقولوا: لو كان أربعون بين ثلاثة كانت عليهم شاة؛ لأنهم صدقوا الخُلَطَاء صدقة الواحد. انتهى لفظ "المختصر".

стр. 1813

وَأُجِيبَ: بِالأَوَّلِ، أَوْ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مُسَاوَاةُ الاِعْتِكَافِ بِغَيْرِ نَذْرٍ فِي اشْتِرَاطِ الصِّيَامِ لَهُ بِالنَّذْرِ بِمَعْنَى: "لَا فَارِقَ"، أَوْ بِالسَّبْرِ؛ وَذُكِرَتِ الصَّلاةُ لِبَيَانِ الإِلْغَاءِ، أَوْ قِيَاسِ الصِّيَامِ بِالنَّذْرِ عَلَى الصَّلَاةِ بِالنَّذْرِ. فقاس وجوب واحدة من أربعين لثلاثة خُلَطَاء، على سقوط اثنتين في مائة وعشرين لثلاثة خلطاء. وقال القاضي أبو الطيب في "تعليقه" في تعليل أنَّ الصبح لا يقصر: شفع؛ فلا يصير وترًا، كما أن الوتر لا يصير شفعًا، يعني: صلاة المغرب، وقياس العكس في كلام أئمّتنا كثير جدًّا. الشرح: "وأجيب" بثلاثة أجوبة: إما "بالأول" من جوابي قياس الدّلالة، وهو: أنه غير مراد. "أو بأن" قياس العَكْس فيه مساواة من وجهين: أحدهما: أن "المقصود مساواة الاعْتِكَاف بغير نَذْرٍ في اشتراط الصوم له" بالاعتكاف "بالنَّذْر" في اشتراط الصَّوم، فإن الاعنكافين مُتَسَاويان فيه، "بمعنى: لا فارق، أو بالسَّبْر". وتقرير "لا فارق": أن تقول: النذر يلغي؛ لأنه غير مؤثر كما في الصلاة إذ وجوده وعدمه سواء، فتبقى العلة الاعتكاف المشترك. وتقرير السَّبر: أن العلَّة إما الاعتكاف، أو الاعتكاف بالنَّذْرِ، أو غيرهما، والأصل عدم غيرهما، وكونه بالنَّذر لا يصلح علّة ولا جزء علة؛ لأنه غير مؤثر بدليل ثبوته في الصَّلاة بدون الحكم، فالصَّلاة لم تذكر للقياس عليها، وإنما "ذكرت الصَّلاة لبيان الإلغاء" إلغاء الفارق، أو إلغاء أحد أوصاف السَّبْر، فلا تجب المُسَاواة لها، فلا يضرّ عدمها. "أو قياس الصِّيَام بالنذر على الصلاة بالنذر" في أنها لا تجب بالنَّذْر، ولا تأثير للنذر في وجوبها، فكذا الصِّيام، ويلزمه أن يجب بدون النَّذر، كما يجب مع النذر، وإلا لكان للنذر فيه تأثير، فالَّذي فيه القياس حصلت فيه المساواة، والذي فيه عدم المساواة لازمٌ له، فلا يضرّ، وهذا هو الوجه الثاني من الوَجْهَيْنِ اللذين أشرنا إلى أن فيهما التزام أن في قياس العكس مساواة.

стр. 1814

وَقَوْلُهُمْ: بَذْلُ الْجُهْدِ فِي اسْتِخْرَاجِ الْحَقِّ، وَقَوْلُهُمْ: الدَّلِيلُ الْمُوَصِّلُ إِلَى الْحَقِّ، وَقَوْلُهُمْ: الْعِلْمُ عَنْ نَظَرٍ - مَرْدُودٌ بِالنَّصِّ وَالإِجْمَاعِ، وَبِأَنَّ الْبَذْلَ حَالُ الْقَائِسِ، وَالْعِلْمَ ثَمَرَةُ الْقِيَاسِ. أَبُو هَاشِمٍ: حَمْلُ الشَّيْءِ عَلَى غَيْرِهِ بِإِجْرَاءِ حُكْمِهِ عَلَيْهِ، وَيُحْتَاجُ: "بِجَامِع". الشرح: "وقولهم": القياس "بَذْلُ الجهد في استخراج الحق: وقولهم: الدليل الموصل إلى الحق. وقولهم: العلم عن نظر" تعاريف كل منها "مردود" (١)؛ لانتقاضه "بالنص والإجماع"؛ لأن مُقْتَضاهما قد لا يكون ظاهرًا، فيبذل الجهد في استخراج الحقّ منهما، كما يجتهد في صيغ العموم، والإطلاق والتَّقييد، وتصحيح السَّند ونحوه. "و" يختصّ الأول، وهو قولهم: بَذْل الجهد "بأنّ البذل حال القائس" لا نفس القياس، إذ القياس: الدليل المَنْصُوب من جهة الشارع، نظر فيه القائس أم لا. كذا قال الشَّارحون، والذي يظهر أن القياس فعل القائس. "و" يختصّ الثالث، وهو قولهم: العلم عن نَظَرٍ، بأن "العلم ثمرة القياس"، لا نفس القياس. الشرح: و "قال أبو هاشم" (٢): القياس: "حمل الشيء على غيره بإجْرَاءِ حكمه عليه، ويحتاج" أن يزيد "بجامع" وإلا فالحَمْل بغير جامع ليس قياسًا. ولقائل أن يقول: لفظ الحَمْل مغنٍ عن ذكر الجامع؛ إذ لا حمل إلا بما يتخيل جامعًا. واعلم أن أبا هَاشِمٍ إنما عرف القياس من حيث هُوَ، ولم يخص الصحيح منه بتعريف، فلو قال: بجامع، لاختصّ بالصَّحيح، فإذن حَدّه صحيح. وقوله: الشيء، جارٍ على أصله في أنَّ المعدوم شئ، فلا يورد عليه اختصاص الشيء بالموجود.

стр. 1815

وَقَوْلُ الْقَاضِي: حَمْلُ مَعْلُومٍ عَلَى مَعْلُومٍ فِي إِثْبَاتِ حُكْمٍ لَهُمَا أَوْ نَفْيِهِ عَنْهُمَا بِأمْرٍ جَامِعٍ بَيْنَهُمَا مِنْ إِثْبَاتِ حُكْمٍ أَوْ صِفَةٍ أَوْ نَفْيِهِمَا - حَسَنٌ إِلَّا أَنَّ حَمْلَ ثَمَرَتِه، وَإِثْبَاتَ الْحُكْمِ فِيهِمَا مَعًا، لَيْسَ بِهِ، بَلْ هُوَ فِي الْأَصْلِ بِدَلِيلٍ غَيْرِهِ، وَبِجَامِعٍ كَافٍ. الشرح: "وقول القاضي (١): حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما، أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما، من إثبات حكم أو صفة أو نفيهما" قول "حسن، إلا أن حمل" معلوم على معلوم "ثمرته" لا نفسه، "وإثبات الحكم فيهما معًا ليس به"، "وبجامع كافٍ" كذا قال المصنّف. واعلم أن عبارة القاضي في "التقريب": حمل أحد المَعْلُومَين على الآخر في إيجاب بعض الأحكام لهما، أو انتفائه عنهما بأمر جمع بينهما فيه، أيّ أمر كان، من إثبات صفة وحكم لهما، أو نفي ذلك عنهما. انتهى. وهو كما نقل في الكتاب، إلَّا أن المصنّف جعل قوله: من إثبات حكم أو صفة أو نفيهما، من تمام الحَدّ، واعترضه بأن قوله: بجامع كافٍ، وأنت ترى عبارة "التقريب" ظاهرها أنَّ آخر الحد قوله: بأمر جمع بينهما فيه. وقوله: أي أمر كان إلى آخره، جارٍ مجرى تفسير الأمر الذي يجمع بينهما فيه، أي: ذلك الأمر أعم من الضفة والحكم ثبوتًا ونفيًا، فلا اعتراض عليه. ولنشرح الحَدّ: فإن المحقّقين من أصحابنا عليه، فنقول: قال في "التقريب": إنه قال: "أحد المَعْلُومين"؛ ليتناول الموجود والمعدوم، ولو قال: شيء على شيء، لاختصّ بالموجود على أصله. ولم يعبر بالفرع والأصل؛ لأنهما وجوديان، أو لإيهام أنهما وجوديان. وقد رُدَّ القياس في الإعدام. والمراد بـ"حمل (٢) معلوم على معلوم": إلحاقه به.

стр. 1816

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقوله: "في إثبات حكم … " إلى آخره، بيان لهذا الإلحاق؛ فإن الحمل والإلحاق له جِهَاتٌ كثيرة، فتبيّن أنه في هذه الجِهَةِ، ولهذا حذف بعضهم اللَّفظ الأول، وهو: الحَمْل، واكتفى بالثاني، فقال: القياس: إثبات حكم معلوم لمعلوم. قال أبي ﵀: وإذا تؤمّل كل منهما وجد حَدّ القاضي أولى منه؛ لأن إثبات الحكم في الفرع نتيجةُ القياس لا عينه؛ لأنك تقول: ألحقت هذا بهذا، فأثبت حكمه له، وحقيقة الإلحاق: اعتقاد المساواة، فأول ما يحصل في نفس القاض العلّة المقتضية للمساواة، ثم ينشأ عنها اعتقاد المساواة، والقباس هو هذا الاعتقاد، أو حكم مستند إليه، وهو حكم المُعْتقد في نفسه بما اعتقده من مُساواة أحد الأمرين للآخر، وهو إلحاقه به في الجِهَةِ المذكورة، وهو ثبوت ذلك الحكم أو نفيه. قال: وبهذا يندفع إيراد من أورد أن الحكم في الأصل ثابت قبل القياس، فكيف قال: في إثبات حكم لهما؟. قلت: وهو المذكور ثانيًا في الكتاب، حيث قال: وإثبات الحكم فيهما معًا ليس به. قال: فالقياس إنما هو الحَمْل والاعتقاد، وهو اعتقاد المُساواة، والحكم بها في ذلك

стр. 1817

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ثبوتًا أو إثباتًا، فإن المثبت للحكم في الحقيقة هو الله - تعالى - وبهذا الاعتبار هو في الأصل، أو الفرع قبل القياس الذي هو فعل القائس، ويطلق الإثبات على الاعتقاد والاسْتِدْلَال، وبهذا الاعتبار هو ثابت في الأصل قبل القياس، وفي الفرع بعده. وقوله: "في إثبات حكم"، أورد عليه: أن القياس قد يكون في العقليات، فتثبت به الصفة، كما يثبت الحكم. وجوابه: أن الثابت بالقياس الحكم بالصفة لا نفس الصفة، وبهذا يندفع سؤال يورد على القاضي - أيضًا - فيقال: إن كانت الصفة مندرجة في الحكم، كان قوله بعد ذلك: بأمر يجمع بينهما فيه من حكم أو صفة - زائدًا، وإن لم تكن مندرجةً، كان الحد ناقصًا؛ لعدم اندراجها مع الحكم. وتَحْريرُ اندفاعه أنا نقول: ليست مندرجةً، وليس الحد ناقصًا؛ لأن الثابت بالقياس الحكم بها لا هِيَ. قلت: وقد عرفت أنَّ المصنّف اعتمد هذا السؤال، حيث قال: وبجامع كافٍ، وهذا جوابه على تقدير أن يكون القاضي جعل من إثبات صفة وحكم … إلخ، من تَتِمَّةِ الحد والأظهر خلافه، كما قدمناه. وقوله: أو انتفائه، دَعَاه إلى ذلك - كما صرح به في "التقريب" - أن الإلحاق قد يكون في الإثبات، كحُرْمَةِ النَّبِيذ بالقياس على الخَمْرِ، وقد يكون في النفي، كعدم طَهُورِيَّة الخَلّ بالقياس على الدهن. وقوله: بأمر جمع بينهما فيه، لا بد منه في تحقيق ماهيَّة القياس. وقوله: من "إثبات صفة أو حكم … " إلى آخره، "من" هذه لبيان الجِنْسِ، وهو شرح للأمر الجامع، وقد ذكرنا أنه ليس من تمام الحَدّ. وقوله: أو انتفائه عنهما، أي: نفي حكم أو صفة عن الأصل والفرع، فيكون ذلك النفي جامعًا. هذا تمام شرح الحد. وقد اعترض بأمور: أولها: أنه جعل الحَمْل جنسًا، وهو غير صادقٍ على القياس؛ لأنه ثمرة القياس، لا نفس القياس.

стр. 1818

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وهو ضعيف؛ لأن المراد بالحمل: التسوية، لا ثُبُوت الحكم في الفرع، والتسوية نفس القياس لا ثمرته. وثانيها: أنه يشعر بأن إثبات الحكم فيهما معًا بالقِيَاسِ، وليس كذلك؛ فإن الحكم في الأصل ثابت بغيره. وبعضهم أجاب عنه بأن: الناشئ عن القياس إثباته للمجموع، وهو ساقط؛ فإن القياس لا يلاحظ المَجْموع، وإنما يلاحظ الفَرْع فقط، وأنا أظن أن المصنّف استشعر الجواب، ودفعه بقوله: معًا، في قوله: وإثبات الحكم فيهما معًا ليس به، وهو حقّ؛ فإن إثبات الحكم فيهما معًا هو إثباته للمجموع، وليس هو فعل القائس ولا مراده، إنما مراده: إثبات حكم الفَرْعِ فقط، والجواب الصَّحيح عنه بما قدّمناه عن أبي ﵀. وثالثها: أن قوله: بجامع - كافٍ، وما وراءه زيادة لا حاجة إليها. وقد أجاب عنه أبي ﵀ بما عرفت. وقلنا نحن: إنه ليس من تمام الحَدّ، وقد ارتضى صاحب الكتاب هذه الإيرادات، واقتصر على ذكرها، وقد تبيّن لك اندفاعه. ورابعها: أنه ينبغي أن يزيد على قوله: "بأمر يجمع بينهما فيه": في نظر المجتهد؛ ليندرج الفاسد؛ فإن الجامع في ظنّ القائس لا في نفس الأمر، والحَدّ لماهيَّة القياس الَّذي هو أعم من الصَّحيح والفاسد. وأجاب عنه الآمدي: بالتزام أن الحد مختصّ بالصحيح، وكأنّ المصنّف اعتمده، ولذلك بدأ هو في القياس بتعريف الصَّحيح فقط، ولم يذكر هذا الاعتراض، وهذا ساقط؛ فإن الواجب تعريف القياس من حَيْثُ هو، ثم تخصيص صحيحه بتعريف؛ ليتميز عن فاسده. والإيراد من أصله مندفع، فإن القاضي إنما قال: بأمر يجمع بينهما فيه، كما صرح به في كتاب "التقريب"، وفي "مختصر التقريب"؛ ليندرج الفاسد، وقال: لم يقل: بوجوب الجمع بينهما، ولا بتضمن [ولا نقيض] (١)؛ لئلا يختصّ بالصحيح، وشرط الحد إذا أطلقه أن يَنْطَوِي على الصحيح والفاسد، وأطال في ذلك، وتبعه إمام الحرمين، والغزالي.

стр. 1819

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فإن قلت: هذا واضح عند التَّعبير بقولنا: يجمع بينهما فيه، كما نقلتموه عن القاضي؛ لأنّا قد نجمع بما ليس بجامعٍ في نفس الأمر، فيكون فاسدًا، أما عند التعبير بقولنا: بجامع، فلا يصدق إلا على الصحيح؛ لأنّ الجامع إذا تحقّق كان صحيحًا. قلت: قد علمت أن القاضي لم يقل: بجامع، بل: بأمر يجمع بينهما فيه، فاندفع هذا، ثم نقول: وَهَبْ أنه قال: بجامع، لا يرد ما ذكرتم؛ فإن معناه: بجامع يجمع بين الأمرين، وسمَّيناه جامعًا؛ لجمع القائس به الأمرين، كما يسمى النَّصْل (١) قاطعًا؛ لأنا نقطع به، ولا يلزم من جَمْعه به بين الأمرين لظنه أنه مشترك بينهما، كونه في نفس الأمر مشتركًا بينهما. وقد قال الغزالي - بعد أن ارتضى هذا التعريف -: ثم إن كان الجامع موجبًا للاجتماع في الحُكْم، كان صحيحًا، وإلا كان فاسدًا. انتهى. وهو صريح فيما قُلْته من: أن الجامع يطلق، وإن لم يكن الاجتماع موجودًا. وخامسها: اعتراض ذكره أبي - رحمه الله تعالى - وهو أن قول القاضي: "أو نفيه حَشْو". وقوله: ليندرج الإلحاق في الثبوت والنفي - ضعيف؛ فإن الإلحاق في النفي إنما هو في الحكم بالعَدَمِ، لا في نفس العَدَمِ، والحكم بالعدم ثبوتيّ لا عدميّ، كالحكم بالوجود؛ ألا ترى أنا نقول: الحكم خطاب الله المتعلّق بأفعال المكلّفين، وهو ثبوتي وإن كان منه عدم التَّحْريم وعدم الحلّ، فالعدم إنما هو في المحكوم به، أو في نفس العِبَادة، كقولنا: لا يحرم، ومعناه: يحل؟! فإن قلت: عدم الحرمة أعمّ من الحلّ. قلت: نعم، ولكن عدم الحُرْمة الذي لا حلّ معه هو العدم العَقْلي، وذلك لا يثبت بالقياس، ولا يقاس عليه شرعًا، وعدم الحرمة المستند إلى الشرع هو الحل بعينه. هذا كلام أبي، وهو اعتراض واقع لا مَحِيصَ للقاضي عنه.

стр. 1820

وَقَوْلُهُمْ: ثُبُوتُ حُكْمِ الْفَرْعِ - فَرْعُ الْقِيَاسِ، فَتَعْرِيفُهُ بِهِ دَوْرٌ. قال: وقول القاضي بعد ذلك: "أو انتفائه عنهما"، أي: نَفْي حكم أو صفة عن الأصل والفرع - كما عرفت - لا بد منه، بخلافه فيما سبق؛ لأن الحكم لا يكون إلا إثباتًا - كما عرفت - وأمّا الجامع فقد يكون نفيًا محضًا، نعم هذا في نفي الصِّفَة ظاهر؛ لأنه قد يكون مناسبًا لإثبات حكم وجودي أو عدمي. وأما نفي الحكم، فإن كان بالشَّرع فهو إثبات، وإلا فهو عَقْلي محضٌ، وبقاء على البراءة الأصليَّة، فلا يصلح أن يكون علّة في حكم شرعي. الشرح: قوله: "وقولهم: ثبوت حكم الفَرْعِ فرع القياس، فتعريفه به دور". هذا اعتراض ذكره الآمدي، وزعم أنه مشكلٌ لا مَحْيصَ للفاضي عنه، وهو: أن حكم الفرع متفرعٌ على القياس، وليس ركنًا في القياس؛ لأن نتيجة الدليل لا تكون ركنًا فيه؛ للزوم الدور، وقد أخذه قيدًا حيث قال: إثبات. لا يقال: هذا الاعتراض هو ما ذكره المصنف أولًا، حيث قال: الحمل ثَمَرَةُ القياس لا نفس القياس، وهذا لأن الحمل والإثبات واحد؛ لأنا نقول: الحمل هو فعلك الناشئ عن المُسَاواة، فإذا اطلعت عليها حملت، والقياس نفس المساواة، فإذن لولا وجود القياس الذي هو المساواة، لما حملت، وأمّا الإثبات فهو نفس الثبوت، أو ملزوم الثبوت. واعلم أن هذا كلام ذكرناه على مَسَاق طريقة المصنف، وقد بناه على ما في ذهنه من أن القياس نفس المساواة، وهو دليلٌ شرعي موجود في نفس الأمر اعتمده القائس أم لا، وأن الحمل فعل القائس، وهو متأخّر عن القياس، وأنَّ الإثبات غير الحمل؛ لأنه إن كان لثبوت فواضح، وإن كان ملزوم الثبوت، فهو فعل الله - تعالى - وليس هو وظيفة القائس؛ فإن وظيفة القائس الحمل لا الإثبات، ولم يذكر الآمدي لهذا الاعتراض جوابًا، بل فخم أمره، كما عرفناك.

стр. 1821

وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْمَحْدُودَ الْقِيَاسُ الذِّهْنِيّ، وَثُبُوتُ حُكْمِ الْفَرْعِ الذِّهْنِيِّ وَالْخَارِجِيِّ لَيْسَ فَرْعًا لَهُ. الشرح: وجوابه من وجوه: أحدها: ما ذكره الشيخ الهِنْدِيّ، وهو أن المأخوذ في الحد الإثبات لا الثبوت، والمتفرع عن القياس الثبوت لا الإثبات (١). والثاني: ما ذكره المصنّف، وهو على تقدير تسليم أن الثبوت مأخوذ قيدًا في الحد. وتقريره: أن ثبوت حكم الفَرْعِ الجزئي الخارجي فرع للقياس الجزئي الخارجي، والذي نريد تعريفه هو القياس الذهني. أي: الماهية العقلية للقياس، وحكم الفرع الذهني، أي: تعقل حقيقة الفَرْعِ، وكذا الخارجي، وهو حصول الحكم الجزئي، ليس شيء منهما فرع القياس الذهني، أي: لا يتوقّف على تعقّل ماهية القياس، فلا دور، وإليه أشار بقوله: "وأجيب: بأن المحدود القياس الذِّهْني، وثبوت حكم الفرع الذهني والخارجي ليس فرعًا له". وحاصله: أن الثبوت المأخوذ ركنًا، ليس فرعًا، والثبوت الذي هو فرع لم يُؤْخذ ركنًا. والثالث: ما نذكره نحن فنقول: الحقّ أن الإثبات والثبوت الذي هو أَثَرُهُ ثابتان قبل القِيَاسِ الذي هو فعل القَائِسِ، ضرورة قدم الحكم، وإنما القائس بالقياس اعتقد المُسَاواة، فأول ما يحصل في نفس القائس العلّة، ثم ينشأ عنها اعتقاد المُسَاواة، والقياس هو هذا الاعتقاد، أو حكم مستند إليه، كما قَدَّمناه.

стр. 1822

وَأَرْكَانُهُ: الْأَصْل، وَالْفَرْع، وَحُكْمُ الْأَصْلِ، وَالْوَصْفُ الْجَامِعُ. الْأَصْلُ: الأكْثَرُ: مَحَلُّ الْحُكمِ الْمُشَبَّهِ بِهِ. وَقِيلَ: دَلِيلُهُ. وَقِيلَ: حُكْمُهُ. وَالْفَرْعُ: الْمَحَلُّ الْمُشَبَّهُ. وَقِيلَ: حُكْمُهُ. وَالْأَصْلُ: مَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ غَيْرُهُ؛ فَلَا بُعْدَ في الْجَمِيعِ؛ وَلذَلِكَ كَانَ الْجَامِعُ فَرْعًا لِلأَصْلِ، أَصْلًا لِلْفَرْعِ. الشرح: "وأركانه: الأصل، والفرع، وحكم الأصل، والوصف الجامع". وأما اعتقاد حكم الفرع فثمرته، وجعل الشَّارحون الثمرة نفس حكم الفرع، وهو مردود - عندنا - كما عرفت. الشرح: أما "الأصل" فقال "الأكثر": إنه "محلّ الحكم المشبه به"، كالخمر في قياس

стр. 1823

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . النَّبِيذ عليه. وقيل: دليله. "وقيل: حكمه" والفرع: المحل المشبه كالنَّبِيذِ. وقيل: حكمه، ولم يقل أحد: إنه دليله، وأنّى ودليله القياس؟ "والأصل" لا يخفى أنه "ما يبتنى عليه غيره، فلا بعد في الجميع"؛ لأن حكم الفرع مبني على كلّ واحد من الأمور الثلاثة، "ولذلك" أي: لأجل أن الأصل ما يبتني عليه غيره، جاز كون الشيء الواحد أصلًا بالنسبة إلى شيء، فرعًا بالنسبة إلى آخر، و "كان الجامع فرعًا للأصل أصلًا للفرع"، وهو معنى قول الإمام الرازي: الحكم أصل في محل الوِفَاقِ، فرع في محل الخلاف، والعلة بالعكس. واعلم أن ما ذهب إليه الأكثرون من أن الأصل محل الحكم المشبه به، والفرع المحلّ المشبه، وهو رأي الفقهاء والنُّظَّار، وبان القياس إلى الفقهاء مرجعه، فساعدهم الأصوليون فيه على مصطلحهم، وجَرَوْا في الباب على مقتضاه، فلا يطلقون الأصل والفرع إلا على ما يطلقه عليه الفُقَهَاء؛ لئلا يختبط الذِّهْن بين الاصطلاحات، فاحفظ ذلك (١).

стр. 1824

شُرُوطُ حُكْمِ الأَصْلِ وَمِنْ شَرْطِ حُكْمِ الْأَصْلِ: أَنْ يَكُونَ شَرْعِيًّا، وَأَلَّا يَكُونَ مَنْسُوخًا؛ لِزَوَالِ اعْتِبَارِ الْجَامِعِ، وَأَنْ يَكُونَ غَيْرَ فَرْعٍ؛ خِلَافًا لِلْحَنَابِلَةِ والْبَصْرِيِّ. «مسألة» الشرح: "ومن شروط حُكْمِ الأصل: أن يكون شرعيًّا"، بناء على أن القياس لا يجري في اللُّغات والعقليات (١). "وألَّا يكون منسوخًا" وإلا لم يبن الفرع عليه؛ "لزوال اعتبار الجامع" في نظر الشارع، فلا يتعدّى الحكم به. فإن قلت: قد تقدّم عن الحنفية أنه إذا نسخ حكم الأصل [يبقى] (٢) حكم الفرع، فلم

стр. 1825

لَنَا: إِنِ اتَحَّدَتْ، فَذِكْرُ الْوَسَطِ ضَائِعٌ؛ كَالشَّافِعِيَّةِ فِي: "السَّفَرْجَلُ: "مَطْعُومٌ"؛ فَيَكُونُ رِبَوِيًّا؛ كَالتُّفَّاحِ، ثُمَّ نَقِيسُ التُّفَّاحَ عَلَى الْبُرِّ، وَإنْ لَم تَتَّحِدْ فَسَدَ؛ لأَنَّ الأُولَى لَمْ يَثْبُتِ اعْتِبَارُهَا، وَالثَّانِيَةَ لَيْسَتْ في الْفَرْع؛ كَقَوْلِهِ: "فِي الْجُذَام: عَيْبٌ يُفْسَخُ بِهِ الْبَيْعُ؛ فَيُفْسَخُ بِهِ الْنِّكَاحُ؛ كَالْقَرَنِ وَالرُّتَقِ"، ثُمَّ يَقِيسُ الْقَرَنَ عَلَى الْجَبِّ؛ لِفَوَاتِ الاِسْتِمْتَاعِ. لا يجوزون القِيَاس على الأصل المنسوخ، وقد قالوا: ببقاء حكم الفرع؟. قلتُ: لأنهم بَنَوا ثَمّ على أصلهم في أن البقاء غير محتاجٍ إلى العلة، فقالوا في جواب قول أصحابنا: العلّة فرع الحكم في الأَصْل، والفرع فرعها، فإذا بطل الأصل بطلت العلّة؛ لأنّها مبنية عليه. قلنا: متى إذا كان الحكم مفتقرًا إليها دوامًا أو مطلقًا؟ الأول مسلّم، والثاني ممنوع، وهذا لأنّ الباقي غير مفتقرٍ إلى العلّة حالة البقاء - عندنا - وحينئذٍ لا يلزم من زوال العلّة زوال الحكم. هذا كلامهم، وبه يندفع السُّؤال عنهم؛ إذ لو قِسْنَا فرعًا آخر على الأصل المنسوخ، لكُنَّا ابتدأنا إعمال العلّة، وهي منسوخةٌ، بخلاف ما بني عليها في وقت كونها باقيةً، فإنه يبقى وإن زالت؛ لعدم احتياجه في بقائه إليها. "وأنْ يكون" حكم الأصل "غير فرع" عن أصل آخر ؛ "خلافًا للحَنَابلة والبصري". الشرح: "لنا": أن العلّة الجامعة بين حكم الأصل وأصله "إن اتحدت" مع العلة الجامعة بينه وبين فرعه "فذكر [الوسط] (١) "وهو الثاني "ضائع" حَشْو؛ لحصول الغرض بدونه، وذلك "كالشَّافعية" إذا قال قائلهم "في السَّفَرْجَل: مطعوم فيكون ربويًّا كالتفاح، ثم يقيس" القائل "التفاح على البُرّ" بجامع الطّعم؛ فذكر التفاح ضائع. "وإن لم تتّحد فسد" القياس، "لأن الأولى" أعني: التي بين الفرع المتنازع فيه والأصل الذي هو فرع - "لم يثبت اعتبارها"؛ لثبوت الحكم في الفرع بغيرها، "والثانية" وهي العلّة التي بين الأصل وأصله "ليست" موجودةً "في الفرع" المتنازع فيه. "كقوله" أي: قائل الشَّافعية "في الجُذَام: عيب يفسخ به البيع، فيفسخ به النِّكَاح، كالرَّتَق والقَرَن، ثم" إذا منع كون الرَّتَق والقَرَن مما ثبت الفسخ في البيع "يَقيس القَرَن"
следующие страницы →