وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْمَحْدُودَ الْقِيَاسُ الذِّهْنِيّ، وَثُبُوتُ حُكْمِ الْفَرْعِ الذِّهْنِيِّ وَالْخَارِجِيِّ لَيْسَ فَرْعًا لَهُ.
الشرح: وجوابه من وجوه:
أحدها: ما ذكره الشيخ الهِنْدِيّ، وهو أن المأخوذ في الحد الإثبات لا الثبوت، والمتفرع عن القياس الثبوت لا الإثبات (١).
والثاني: ما ذكره المصنّف، وهو على تقدير تسليم أن الثبوت مأخوذ قيدًا في الحد.
وتقريره: أن ثبوت حكم الفَرْعِ الجزئي الخارجي فرع للقياس الجزئي الخارجي، والذي نريد تعريفه هو القياس الذهني.
أي: الماهية العقلية للقياس، وحكم الفرع الذهني، أي: تعقل حقيقة الفَرْعِ، وكذا الخارجي، وهو حصول الحكم الجزئي، ليس شيء منهما فرع القياس الذهني، أي: لا يتوقّف على تعقّل ماهية القياس، فلا دور، وإليه أشار بقوله: "وأجيب: بأن المحدود القياس الذِّهْني، وثبوت حكم الفرع الذهني والخارجي ليس فرعًا له".
وحاصله: أن الثبوت المأخوذ ركنًا، ليس فرعًا، والثبوت الذي هو فرع لم يُؤْخذ ركنًا.
والثالث: ما نذكره نحن فنقول: الحقّ أن الإثبات والثبوت الذي هو أَثَرُهُ ثابتان قبل القِيَاسِ الذي هو فعل القَائِسِ، ضرورة قدم الحكم، وإنما القائس بالقياس اعتقد المُسَاواة، فأول ما يحصل في نفس القائس العلّة، ثم ينشأ عنها اعتقاد المُسَاواة، والقياس هو هذا الاعتقاد، أو حكم مستند إليه، كما قَدَّمناه.
стр. 1822
وَأَرْكَانُهُ: الْأَصْل، وَالْفَرْع، وَحُكْمُ الْأَصْلِ، وَالْوَصْفُ الْجَامِعُ.
الْأَصْلُ:
الأكْثَرُ: مَحَلُّ الْحُكمِ الْمُشَبَّهِ بِهِ.
وَقِيلَ: دَلِيلُهُ.
وَقِيلَ: حُكْمُهُ.
وَالْفَرْعُ: الْمَحَلُّ الْمُشَبَّهُ.
وَقِيلَ: حُكْمُهُ.
وَالْأَصْلُ: مَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ غَيْرُهُ؛ فَلَا بُعْدَ في الْجَمِيعِ؛ وَلذَلِكَ كَانَ الْجَامِعُ فَرْعًا لِلأَصْلِ، أَصْلًا لِلْفَرْعِ.
الشرح: "وأركانه: الأصل، والفرع، وحكم الأصل، والوصف الجامع".
وأما اعتقاد حكم الفرع فثمرته، وجعل الشَّارحون الثمرة نفس حكم الفرع، وهو مردود - عندنا - كما عرفت.
الشرح: أما "الأصل" فقال "الأكثر": إنه "محلّ الحكم المشبه به"، كالخمر في قياس
стр. 1823
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النَّبِيذ عليه.
وقيل: دليله.
"وقيل: حكمه" والفرع: المحل المشبه كالنَّبِيذِ. وقيل: حكمه، ولم يقل أحد: إنه دليله، وأنّى ودليله القياس؟ "والأصل" لا يخفى أنه "ما يبتنى عليه غيره، فلا بعد في الجميع"؛ لأن حكم الفرع مبني على كلّ واحد من الأمور الثلاثة، "ولذلك" أي: لأجل أن الأصل ما يبتني عليه غيره، جاز كون الشيء الواحد أصلًا بالنسبة إلى شيء، فرعًا بالنسبة إلى آخر، و "كان الجامع فرعًا للأصل أصلًا للفرع"، وهو معنى قول الإمام الرازي: الحكم أصل في محل الوِفَاقِ، فرع في محل الخلاف، والعلة بالعكس.
واعلم أن ما ذهب إليه الأكثرون من أن الأصل محل الحكم المشبه به، والفرع المحلّ المشبه، وهو رأي الفقهاء والنُّظَّار، وبان القياس إلى الفقهاء مرجعه، فساعدهم الأصوليون فيه على مصطلحهم، وجَرَوْا في الباب على مقتضاه، فلا يطلقون الأصل والفرع إلا على ما يطلقه عليه الفُقَهَاء؛ لئلا يختبط الذِّهْن بين الاصطلاحات، فاحفظ ذلك (١).
стр. 1824
شُرُوطُ حُكْمِ الأَصْلِ
وَمِنْ شَرْطِ حُكْمِ الْأَصْلِ: أَنْ يَكُونَ شَرْعِيًّا، وَأَلَّا يَكُونَ مَنْسُوخًا؛ لِزَوَالِ اعْتِبَارِ الْجَامِعِ، وَأَنْ يَكُونَ غَيْرَ فَرْعٍ؛ خِلَافًا لِلْحَنَابِلَةِ والْبَصْرِيِّ.
«مسألة»
الشرح: "ومن شروط حُكْمِ الأصل: أن يكون شرعيًّا"، بناء على أن القياس لا يجري في اللُّغات والعقليات (١).
"وألَّا يكون منسوخًا" وإلا لم يبن الفرع عليه؛ "لزوال اعتبار الجامع" في نظر الشارع، فلا يتعدّى الحكم به.
فإن قلت: قد تقدّم عن الحنفية أنه إذا نسخ حكم الأصل [يبقى] (٢) حكم الفرع، فلم
стр. 1825
لَنَا: إِنِ اتَحَّدَتْ، فَذِكْرُ الْوَسَطِ ضَائِعٌ؛ كَالشَّافِعِيَّةِ فِي: "السَّفَرْجَلُ: "مَطْعُومٌ"؛ فَيَكُونُ رِبَوِيًّا؛ كَالتُّفَّاحِ، ثُمَّ نَقِيسُ التُّفَّاحَ عَلَى الْبُرِّ، وَإنْ لَم تَتَّحِدْ فَسَدَ؛ لأَنَّ الأُولَى لَمْ يَثْبُتِ اعْتِبَارُهَا، وَالثَّانِيَةَ لَيْسَتْ في الْفَرْع؛ كَقَوْلِهِ: "فِي الْجُذَام: عَيْبٌ يُفْسَخُ بِهِ الْبَيْعُ؛ فَيُفْسَخُ بِهِ الْنِّكَاحُ؛ كَالْقَرَنِ وَالرُّتَقِ"، ثُمَّ يَقِيسُ الْقَرَنَ عَلَى الْجَبِّ؛ لِفَوَاتِ الاِسْتِمْتَاعِ.
لا يجوزون القِيَاس على الأصل المنسوخ، وقد قالوا: ببقاء حكم الفرع؟.
قلتُ: لأنهم بَنَوا ثَمّ على أصلهم في أن البقاء غير محتاجٍ إلى العلة، فقالوا في جواب قول أصحابنا: العلّة فرع الحكم في الأَصْل، والفرع فرعها، فإذا بطل الأصل بطلت العلّة؛ لأنّها مبنية عليه.
قلنا: متى إذا كان الحكم مفتقرًا إليها دوامًا أو مطلقًا؟ الأول مسلّم، والثاني ممنوع، وهذا لأنّ الباقي غير مفتقرٍ إلى العلّة حالة البقاء - عندنا - وحينئذٍ لا يلزم من زوال العلّة زوال الحكم. هذا كلامهم، وبه يندفع السُّؤال عنهم؛ إذ لو قِسْنَا فرعًا آخر على الأصل المنسوخ، لكُنَّا ابتدأنا إعمال العلّة، وهي منسوخةٌ، بخلاف ما بني عليها في وقت كونها باقيةً، فإنه يبقى وإن زالت؛ لعدم احتياجه في بقائه إليها.
"وأنْ يكون" حكم الأصل "غير فرع" عن أصل آخر ؛ "خلافًا للحَنَابلة والبصري".
الشرح: "لنا": أن العلّة الجامعة بين حكم الأصل وأصله "إن اتحدت" مع العلة الجامعة بينه وبين فرعه "فذكر [الوسط] (١) "وهو الثاني "ضائع" حَشْو؛ لحصول الغرض بدونه، وذلك "كالشَّافعية" إذا قال قائلهم "في السَّفَرْجَل: مطعوم فيكون ربويًّا كالتفاح، ثم يقيس" القائل "التفاح على البُرّ" بجامع الطّعم؛ فذكر التفاح ضائع. "وإن لم تتّحد فسد" القياس، "لأن الأولى" أعني: التي بين الفرع المتنازع فيه والأصل الذي هو فرع - "لم يثبت اعتبارها"؛ لثبوت الحكم في الفرع بغيرها، "والثانية" وهي العلّة التي بين الأصل وأصله "ليست" موجودةً "في الفرع" المتنازع فيه.
"كقوله" أي: قائل الشَّافعية "في الجُذَام: عيب يفسخ به البيع، فيفسخ به النِّكَاح، كالرَّتَق والقَرَن، ثم" إذا منع كون الرَّتَق والقَرَن مما ثبت الفسخ في البيع "يَقيس القَرَن"
стр. 1826
فَإِنْ كَانَ فَرْعًا يُخَالِفُهُ الْمَسْتَدِلُّ؛ كَقَوْلِ الْحَنَفِيِّ فِي الصَّوْم بنِيَّةِ النَّفْلِ: "أَتَى بِمَا أمُرَ بِهِ" فَيَصِحُّ؛ كفَرِيضَةِ الْحَجِّ - فَفَاسِدٌ؛ لأَنَّهُ مُتَضَمِّنٌ اعْتِرَافَهُ بِالخَطَإِ فِي الْأَصْلِ.
والرَّتَق "على الجَبّ بفوات الاسْتِمْتَاع"، ففوات الاستمتاع هو الذي يثبت لأجله الحكم في الرَّتَق والقَرَن، وهو غير موجود في الجُذَام، والثابت في الجُذَام، وهو كونه يفسخ به البَيْع، لم يثبت اعتباره، وهذا مثال ضَرَبْنَاه، وردُّ المَجْبُوب في البيع - عندنا - إنما هو لنُقْصان عين المبيع نقصانًا يفوت به غرض صحيح، وهو انْسِلَالُهُ من حدّ الرجال ذوي الشَّهَامة، لا لفوات الاستمتاع؛ إذ لا استمتاع بذكر العِنِّينِ، ولذلك لا يثبت الرد بكونه عِنّينًا؛ خلافًا للصَّيْمَرِي، وإمام الحرمين.
وأما إثبات الفسخ بالجَبّ في النكاح، فلفوات الاسْتِمْتَاع، فتغايرت العلتان.
وإذا أردت مثالًا جامعًا للصورتين، فقل: الوضوء عبادةٌ، فيشترط فيه النِّيّة كالتيّمم، فيقال: لم شرطها في التيمم؟ فتقول: لأنه عبادةٌ كالصلاة، فتتحد العلّة، أو تقول أولًا: طهارة كالتيمم، ثم تقول: إنه عبادة كالصلاة، فلا تتحدّ.
الشرح: وهذا فيما إذا كان حكم الأصل فرعًا يوافقه المستدلّ، ويخالفه المعترض، "فإن كان فرعًا يخالفه المستدل" ويوافقه المعترض، "كقول الحنفي في الصوم بنِيّة النفل"، أي: بنيةٍ مطلقةٍ: "أتى بما أمر به فيصح، كفريضة الحج"، وهو لا يقول بصحّة فريضة الحَجّ بنيّة النفل، بل خصمه هو القائل به، "ففاسد؛ لأنه متضمن اعترافه بالخَطَأ في الأصل"؛ وهو إثبات الصحّة في فريضة الحَجّ، والاعتراف ببطلان إحدى مقدّمات دليله اعتراف ببطلان دليله، فلا يسمع.
فإن قلت: فهل يصحّ على وجه الإلزام للخصم؟.
قلت: لا؛ لوجهين:
أحدهما: أن [يقول] (١): العلّة في الأصل عندي غير ذلك، ولا يجب ذكرى لها، وله أن يتبرع بذكرها، ويقول: الحج في العبادات كالعِتْقِ في التصرُّفات في القوة والتغليب، ولهذا ينعقد مع مُنَافيه، ويجب المُضِيّ في فاسده، فجاز أن ينصرف فيه مطلق النِّية إلى
стр. 1827
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الفرض؛ ولأنه يجوز في الحَجّ أن يحرم إحرامًا موقوفًا بين جنس الحجّ والعُمرة، ثم يصرفه إلى ما شاء، ولا كذلك في الصوم؛ فدلّ أنهما مفترقان.
والثاني: أن يقول: إنما يلزم خَطَئي في أحد الأمرين من الأصل أو الفرع على الإبهام، لا في الفرع على التَّعيين، وهو مطلوَبك، فإن عدت وطلبت التَّسْجيل عليّ بالخطأ في مبهم، لم يسمع، ولو سمع لكان لي - أيضًا - أن أعود فأقرر أني مصيب في الموضعين بطريقة أذكرها.
"فائدة"
ما ذكره الأصوليون من أن شرط حكم الأصل - أن يكون غير فرعٍ، مخصوص - عندي - بما إذا لم يظهر للوَسَطِ فائدة ألبتة، كما مثل في قياس السَّفَرْجَل على التُّفَّاح، والتفاح على البُرّ.
أما إذا ظهرت له فائدة، فلا يمنع - عندي - أن يقاس فرع على فرع، فقولهم: إن كل فرع قِيسَ على فرع، فالعلّة فيه إما متحدّة فيكون حشوًا، أو لا، فيفسد - نقول عليه: بين الأمرين واسطة، وهي: أن يكون حكم الفرع المَقِيس عليه الذي هو وسط أظهر أو أولى، وظهوره إما لشهرة أو لغيرها، وأَوْلَوِيته ممكنة أيضًا.
ولا يقال: لو كان أولى لم يَجُزْ قياس الفرع عليه؛ لأنه لا يلزم من ثبوت الحكم للأولى به؛ ثبوته لما ليس بأولى، لعدم المُسَاواة؛ لأن جواب هذا قد عرف عند تقسيم القياس إلى أَوْلَى ومُسَاو وأَدْوَن.
إذا عرفت هذا، فربّ فرع لأصل ذلك الأصل يظهر فيه الحكم أقوى من ظهوره فيه، وهكذا إلى أن يتناهى الحال إلى مَرَاتب كثيرة، بحيث لوقيس الفَرْعُ الأول الذي هو فرع الفرع على الأصل الأول، لاستنكر في بادئ الرَّأي جدًّا، بخلاف ما إذا جعل مندرجًا هكذا، وهذا مكان دقيق جدًّا، لا يفهمه إلا الجامعون بين دَقَائِقِ الفقه وحقائق الأصول.
فإذا قال قائل: - مثلًا -: التفاح ربويّ قياسًا على الزَّبِيب، والزبيب ربوي قياسًا على التَّمْر، والتمر ربوي قياسًا على الأُرْز، والأرز ربوي قياسًا على البُرِّ، لم يكن مبعدًا، إذا قصد بقياس التفاح على الزبيب الوصف الجامع بينهما، وهو الطعم، وبقياس الزبيب على التَّمْر: الطعم، مع الكيل، وبالتمر على الأَرْز: الطعم والكيل مع التقوت، وبالأرز على البُرّ: الطعم والكيل والقُوت الغالب، ولو قاس ابتداء التفاح على البر، ولم يتدرج بالطريقة
стр. 1828
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
التي ذكرناها لم يسلم من مَانِعٍ يمنعه علّية الطّعم، فجمع بين الزبيب والتَّمرية مع الكَيْلِ، وانتهى إلى ما ذكرناه، ثم أخذ يسقط وصف الكَيْل والقوت عن الاعتبار بالطريقة التي يعرفها أهل السَّبر والتَّقْسيم؛ إذ ثبت له دعوى أن العلة الطعم فحسب، ووضحت وضوحًا لم يكن ليتضح إيضاحه لو قاس التّفاح ابتداء على البر. ولا يقال - هنا -: إن الوسط ضائع، بل له فائدة جليلة، وهي التدرج ليثبت المراد، كما ذكرناه، وهذا القسم لم يذكره الأصوليون، وفي كتاب "السلسلة" للشيخ أبي محمد منه الشيء الكثير، وأنت إذا نظرت كتب الفِقْهِ وجدت فيها مباني كثيرة.
فإذا قال قائل: التفاح ربوي قياسًا على السَّفَرْجل، والسفرجل قياسًا على البِطِّيخ، والبطيخ قياسًا على البر، لم يكن محسنًا، بل مطولًا من غير فائدة، والوسط ضائع حَشْو؛ لأن نسبة السَّفرجل والبطيخ والتفاح إلى البر واحدة، لا كيل ولا قوت في الجميع، بل الطعم فقط، فأي معنى لتوسّط السفرجل والبطيخ؟.
إذا فهمت هذا، فلنذكر مثالًا للقسم الأول، فنقول: إذا أتت أَمَتُهُ بولد ادّعت أنها ولدته على فِرَاشِهِ، وأنكر، فالقول قوله، فإن نكل، فالظاهر ردّ اليمين عليها، فإن نكلت، فهل تنتهي الخُصُومة وينقطع النسب عنه، أو يوقف الأمر إلى أن يبلغ الولد فيحلَّف؟ فيه وجهان:
قال الشيخ أبو محمد: إنهما مبنيان على الوجهين فيما إذا ادّعى السَّيد أنه جَنَى على العبد المرهون جنايةً توجب المال، واستحلف الجاني، فنكل، وردّت اليمين على الرَّاهن، فتنتهي الخُصُومة، أو يرد على المُرْتهن لتعلّق حقّه بالعبد؟.
فإن قلت: لم لا كان العكس في البناء، فبنى الوجهان في هذه على الوجهين في تلك؟.
قلت: لأن التردُّد في مسألة الجناية أظهر منه، وأولى في مسألة الولد، وهذا لأنَّ رد اليمين على المرتهن يمكن في الحال، وتتتهي الخُصَومة، بخلاف ردّها على الصَّبي، فإنه يلزم منه إيقاف الأمر إلى بلوغه، ولا يلزم من ردّ اليمين على الثالث الممكن فصل الأمر به في الحال، ردّها على ثالث يلزم من ردّها عليه إيقاف الأمر في الخُصُومات؛ ألا ترى أنه لو أقام وليّ اليتيم بيّنة بدين لليتيم على مَيّت، أنه يقضى له به، ولا ينتظر بلوغ الصّبي ليحلَّف، سواء قلنا: التحليف واجب أم مستحبّ؛ لئلا يلزم من تأخُّر الحكم ضياع الحق، و - أيضًا -
стр. 1829
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فالنسب حق لله تَعَالى، وتعلّق حقّ المرتهن بالعين المرهونة حق يختصّ به، فلا يلزم من الرد على المرتهن في مَحْضِ حقه الرد على الولد الذي لا يتمحّض حقه في النسب.
فإن قلت: ما ذكرتموه من أن التردد في مسألة الجناية أظهر إن لم يصح، فلا تعلّق لكم فيه؛ لأنه لم يظهر ترجحُ أحد للبنائين على الآخر، وإن صحّ كان فارقًا مانعًا من قياس المبني على المبنى عليه، فنقول - مثلًا -: لا يصح قياس تحليف الولد على تحليف المرتهن للمعنيين الذين أبديتموهما.
قلت: المعنيان لا ينتهضان فارقًا مانعًا من صحّة القياس؛ لما يقال عليهما: من أن تعلّق حق الثالث إن كان موجبًا لصيرورته خصمًا أوجب ردّ اليمين عليه، سواء أمكن تحليفه في الحال أم لا، كالغائب، ولكنه ينتهض موجبًا لظهور الحكم في المبني عليه أقوى من ظهوره في المَبني، وهو - حينئذٍ - يصلح للترجيح فقط، ولهذا ترى الأصحاب كثيرًا ما يصحّحون في المبني خلاف ما صحّحوه في المبني عليه، فافهم.
قال الشيخ أبو محمد: والوجهان في مسألة دَعْوَى الجناية على العَبْدِ المرهون [مبنيان] (١) على وجهين فيما إذا أقرّ الراهن بأنّ العبد المرهون كان قد جنى قبل الرهن وادعاها المجني عليه، وأنكر المرتهن.
وقلنا: إنه يصدق بيمينه، فلم يحلَّف.
وقلنا: برد اليمين على الراهن، فنكل، فهل ترد على المجني عليه؟.
قلت: وإنما كانت هذه المسألة أصلًا لتلك؛ لأن تحليف المجنى عليه - هنا - أظهر من جِهَةِ أنه المدعى الذي يثبت له الحق إذا توجّه، بخلاف المرتهن، بل الأصح عند الرافعي: أن المرتهن لا يخاصم، ومن جهة أن حقّ الجناية آكَدُ وأقوى من حق المرتهن، فكان حق المرتهن - بكونه فرعًا لمسألة المجني عليه - أولى وأجدر من العكس، كما أن مسألة الولد بكونها فرعًا لمسألة المرتهمن أولى، ثم لو قِسْنَا ابتداء مسألة الولد على مسألة المجني عليه، لبعد؛ لأنها تَنْأى عنها من الأوجه التي أبديناها، بخلاف ما إِذا قِسْنَاها على مسألة المُرْتهن، فإنها إنما تَنْأى عنها من وجهين فقط كما عرفت وقياس الفرع على أصل لا ينأى منه إِلّا من وجهين، لا يخفى أنه أولى من: قياسه على أصل ينأى عنه من
стр. 1830
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وجوه؛ لبعد الشّبه بينهما، هذا مع أنّ هذا التنائي وإن تعدّدت وجوهه لا يخدش أصل القياس - كما عرفت - بل نجعله من قسم الأَدْوَن، فافهم ما يلقى إليك.
قال: والوجهان في تَحْلِيف المجني عليه مَبْنِيّان على قولين فيما إذا أوصى لأم ولده بقيمة عَبْدٍ، فقتل قبل قَسَامَةٍ، ومات السيد قبل القَسَامة، ونكل وارثه عن اليمين، هل ترد اليمين على أم الولد؟.
قلت: وهذا بناء واضح؛ لأن بناء الوجهين على القولين ظاهر السَّبب، فإن القولين عند المخرجين بمنزلة النَّصين عند المجتهدين.
قال: والقولان في هذه المسألة مَبْنِيّان على قولين في أن من باع نَخلَةً من إنسان، فأفلس المشتري، وهي مطلقة، فاختار البائع عين ماله، وتَأَبَّرَتِ النخلة واختلف المتبايعان، فقال المشتري: أبّرتها قبل أن فسخت العَقْد، والثمرة لي، وقال البائع: بل فسخت قبل التَّأبير، والثمرة لي، فعرضنا اليمين على المشتري؛ ليعمل بقوله، فنكل، هل ترد اليمين على الغُرَمَاء؟.
قلت: وإنما بنينا على القَوْلَيْن في هذه، ولم يعكس؛ لأنّ حقّها آكد وأقوى من حق الغرماء؛ بدليل أن لها الدعوى - على المذهب - سواء قلنا: إنها تقسم أم لا، ولو وقع نكول حلِّفت، والأصحّ أنه ليس للغرماء الدعوى، سواء قلنا: يحلفون أم لا.
قال: والقولان في مسألة الغُرَمَاءَ مَبْنِيَّان على قولين فيما إذا مات وعليه دين، وأقام الوارث شاهدًا واحدًا على دين مورثه على إنسان، ونكل عن اليمين، هل ترد على الغريم؟
قال الرَّافعي: وهذه مسألة طويلة طولها الشيخ، قال: وقد يقال: بناء الوجهين في مسألة على قولين في أخرى معهود، فأما بناء قولين في مسألة على قولين، ووجهين على وجهين، فلا يكاد يترجّح على عكسه.
قلت: وإنما لا يكاد يترجّح إذا فرض التساوي من كل وجه، وأما مع ما أبديناه فيرجّح.
وإذا عرفت هذا فاعرضه على كل مباني تَكَاثرت، فإن وضح معنى فقهي كما قلناه في هذا المثال، فهو الغاية القُصْوى، وإلا فاعلم أن له سببين:
أحدهما: أن يكون الناظر قد تردّد في فرع بعد شدة الاجتهاد على رأس، ثم عرض له
стр. 1831
وَمِنْهَا: أَلَّا يَكُونَ مَعْدُولًا بِهِ عَن [سَنَنِ] الْقِيَاسِ؛ كَشَهَادَةِ خُزَيْمَةَ، وَأَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ، وَمَقَادِيرِ الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ.
وَمِنْهُ: مَا لا نَظِيرَ لَه، كَانَ لَهُ مَعْنًى ظَاهِرٌ؛ كَتَرخُّصِ الْمُسَافِرِ؛ أَوْ غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ كَألْقَسَامَةِ.
فرع آخر مثله، فيلحقه به، ويكون سبق التردّد في الفرع موجبًا لجعله أصلًا، ولا يحتاج في البناء عليه إلى استحضار ما فعله في الأول من النَّظر والبحث.
والثاني: أن يكون التردّد في الفرع الأول حصل لمن تقدّمه من الأئمّة، فظهر له مساواة الثاني له، وإن لم يظهر عنده تمام النَّظر الموجب للتردد في الأول، بل ربما لم يظهر له إلا أحد الرَّأيين، ولم يدر ما الموجب للرَّأي الآخر، مع ظنه مساواة الحادثة التي وقعت له للحادثة التي تقدم فيها رأيان لمن تقدّمه، فيقيسها على الحادثة الأولى، ويخرج فيها الخلاف، وإن لم يعرف مَثَاره، وهنا وإن لم يظهر تَرْجِيح أحد البنائين على عكسه، ولكنه قد يقع البناء ونسبة أحد هذين الأمرين، فاعرفه.
الشرح: "ومنها" أي: ومن شروط حكم الأصل: "ألّا يكون معدولًا به عن سَنَنِ القياس" لتعذر التعدية - حينئذٍ - وهو قسمان:
الأول: ما لا يعقل معناه، وهو ضربان:
أحدهما: ما استثني عن قاعدة عامة "كشهادة خُزَيْمة".
والثاني: ما لم يستثن، كتقدير [نُصُبِ] (١) الزكاة، "وأَعْدَاد الركعات، ومقادير الحدود والكَفّارات".
القسم الثاني: ما يعقل معناه ولا نَظِيرَ له، فلا يجري فيه القياس - أيضًا - لعدم النظير، وهو - أيضًا - ضربان؛ لأن معناه إما أن يكون ظاهرًا أَوْ لا، وإلى هذا القسم أشار بقوله: "ومنها ما لا نَظِير له، كان له معنى ظاهر، كَرُخَصِ المسافر، أو غير ظاهر، كالقَسَامة".
هذا كلام المصنّف، وهو صريح في أن أَيْمَان القَسَامة معقولة المعنى، ولكن معناها خَفِيّ، بخلاف شهادة خُزَيْمة، ومقادير الحدود، وفيه نظر، ومنهم من لم يورد التقسيم على هذا الوجه.
стр. 1832
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"فوائد"
الأولى: المعدول عن سَنَنِ القياس هو الخارج عن المعنى، فلا يَنْطَبِق إلا على ما خرج عن المعنى، لا لمعنى، فيخرج عنه شيئان:
أحدهما: ما شرع ابتداء لا لمعنى، فإنه لم يدخل حتى يقال: خرج.
والثاني: ما استثني من معقول المَعْنَى لمعنى، كالعَرَايَا استثنيت من الرّبَوِيّات لحاجة الفقراء، وفي تسمية كل من هذين الشَّيئين بـ"المعدول به عن سَنَنِ القياس" تجوز، وبه صرح الغزالي في "المُسْتَصْفَى".
الثانية: قولهم: "رُخَصُ المسافر المعللة بدفع المشقّة لا يتأتى فيها القياس لعدم النظير" - ممنوع؛ فقد يوجد النظير في الحَمَّالين وغيرهم من ذوي المَشَقَّات التي هي أظهر من المسافر، لا سيّما المسافر ذو الرَّفَاهية.
فإن قلت: فلم لا يتأتى القياس فيها؟.
قلت: لأن المشقّة حكمة، والسفر مظنة، والتعليل إِنما يكون بالمَظَانّ؛ لانضباطها دون الحكم، كما ستعرف إن شاء الله تعالى.
الثالثة: لا يقال: سيأتي أن القياس يجري في الحدود والكَفَّارات، والرُّخَص والتقديرات، وهو منافٍ لهذا؛ لأنّ المراد هنا مقادير الحدود والكَفّارات، فلا يجرى القياس فيها، وإن جرى في أصل الحدود.
الرابعة: ما شرع مستثنى مقتطعًا عن القواعد العَامة، ولكنه معقول المعنى، صريح كلام المصنف: أنه لا يقاس عليه، وهو ما ذهب إِليه بعض الحنفية، والذي عليه جمهور أصحابنا وجمهور الحَنَفِيّة أنه يجوز القياس عليه، والحنفية لا يسمونه - والحالة هذه - معدولًا به عن القياس.
وقال محمد بن شُجَاع [الثلجي] (١) من الحنفيّة: إن ثبت المستثنى بدليل قطعي جاز القياس عليه، وإلا فلا.
стр. 1833
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال الكَرْخِي: إن كانت جملة المستثنى منصوصة أو مجمعًا عليها، أو موافقة لبعض الأصول جاز القياس، وإلا فلا.
وللإمام الرَّازي تفصيل، حاصله: أنه يطلب التَّرْجيح بينه وبين غيره، وقد بسطنا هذا الكلام في "التَّعْليقة" بسطًا وافيًا.
ومن أمثلة المستثنى لمعنى: تجويز بيع الرُّطَب بالتَّمْرِ في العَرَايا، فإنه على خلاف قاعدة الربويات - عندنا - واقتطع عنها لحاجة المَحَاويج، وذلك ثابت في حديث زيد بن ثَابتٍ ﵁ في أناس مَحَاويج شَكوا إلى رسول الله ﷺ أن الرطب يأتي ولا نَقْد بأيَديهم يبتاعون به رطبًا يأكلونه مع الناس، وعندهم فضول تَمْرٍ من قُوتِهِمْ من التمر "فرخص لهم رسول الله ﷺ أن يبتاعوا العَرَايا بِخَرْصِها من التمر الذي في أيديهم، ثم يأكلونها رطبًا" (١).
قال أصحابنا: والعنب بالزبيب كالتمر، ثم اختلفوا على وجهين حكاهما المَاوَرْدِي:
أحدهما - وعليه ابن أبي هريرة -: أنه قياس.
والثاني - وعليه المحاملي وابن الصباغ -: أنه بالنَّص؛ لأن زيدًا روى أنه ﵊ أَرْخَصَ في العَرَايا، والعَرَايا: بيع الرطب بالتمر، والعنب بالزبيب.
والصحيح اشتراك الأَغْنِيَاء والفقراء في العَرَايا.
وقيل: يختص بالفقراء، فإن صح ورود الحديث في المَحَاويج، فما إلحاق الأغنياء بهم إلا بالقياس.
واختلف أصحابنا في بيع الرّطب على النَّحْل بالرطب على الأرض، والصحيح لا يجوز مطلقًا.
والئاني: يجوز، وعلى هذا هو بالقياس.
والثالث: الفرق بين النوع الواحد، فيمتنع فيه، والأنواع فلا، ومنهم من أجرى
стр. 1834
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأوجه في بيع الرّطب بالرطب، وإن كانا جميعًا على الأرض، كـ"المتولى" (١) وغيره، فحيث جوز، فهو قياس صحيح، وهو قياس أَدْوَن أيضًا.
ومن أمثلته - أيضًا - ما شرع من صاع التَّمر مع المُصَرَّاة بدل اللَّبن، استثناء من قاعدة ضمان المِثْلِ بالمِثْلِيّات، والمتقوّم بالقيمة لمعنى عَقلناه، وقِسْنَا عليه - على الصحيح من المذهب - إذا رد المُصَرَّاة يعيب غير التَّصْرِيَةِ (٢)، فإنه يرد معها - أيضًا - صاعًا في تمر بدل اللبن.
стр. 1835
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الخامسة: عرفت أن الوارد استثناء إذا كان معقول المعنى، يجوز القياس عليه عندنا؛ وادعى إمام الحرمين: أن المستثنى لا يكون معقول المعنى، وأن ما يعقل معناه لا يستثنى،
стр. 1836
وَمِنْهَا: أَلَّا يَكُونَ ذَا قِيَاسٍ مُرَكَّبٍ.
وهو لا ينكر مسألة العَرَايا، ولكن أظنه يمنع المعنى فيها، وفي مثل الكَرْم يجعله من باب النص، كما هو وجه قدّمناه عن المحاملي وابن الصَّباغ.
وقد أورد الإِمام على نفسه تحمل العاقلة والمُصَرّاة، وأجاب بأنهما غير معقولي المعنى، وقد بسطنا الكلام عليه في "التَّعليقة" بما يغني عن الإِعادة.
الشرح: "ومنها" أي: ومن شروط حكم الأصل "ألّا يكون ذا قياس مركّب".
اعلم أن من الشروط: كون الحكم متفقًا عليه مخافة أن يمنع، فيحتاج القائس إِلى إثباته عند توجّه المنع إِليه، فيكون الشروع فيه انتقالًا من مسألة إلى أخرى، ثم اختلفوا في كيفيّة الاتفاق عليه.
فقيل: بشرط أن يكون متفقًا عليه بين الأمة.
وقيل: يكفي اتفاق الخَصْمَين.
وقيل: يشترط اتفاق الخَصْمَين واختلاف الأمة، حتى لا يكون مجمعًا عليه، وهو رأي
стр. 1837
وَهُوَ أَنْ يَسْتَغْنِيَ بِمُوَافَقَةِ الْخَصْمِ فِي الأَصْلِ، مَعَ مَنْعِهِ عِلَّةَ الأَصْلِ، أَوْ مَنْعِهِ وُجُودَهَا فِي الأَصْلِ، فَالأَوَّلُ: مُرَكَّبُ الأَصْلِ؛ مِثْلُ: "عَبْدٌ"، فَلَا يُقْتَلُ بِهِ الْحُرُّ، كَالْمُكَاتَبِ، فَيَقُولُ الْحَنَفِيُّ الْعِلَّةُ جَهَالَةُ الْمُسْتَحَقِّ مِنَ السَّيِّدِ وَالْوَرَثَةِ، فَإِنْ صَحَّتْ، بطَلَ الْإِلْحَاق، وَإنْ بَطَلَتْ، مُنِعَ حُكْمُ الأَصْلِ، فَمَا يَنْفَكُّ عَن عَدَمِ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ أَوْ مَنْعِ الأَصْلِ.
الآمدي، وسمي هذا النَّوع من القياس بـ"القياس المركب"، والصَّحيح: أن المركّب أخصّ منه، وهو: أن يكون الحكم متفقًا عليه بين الخصمين، لكن لعلّتين مختلفتين، أو لعلّة يمنع الخصم وجودها في الأصل، وعلى هذا جرى الآمدي والمصنّف - فقال:
"وهو: أن يستغني" المستدل "بموافقة الخَصْم في الأصل"، إما "مع منعه علة الأصل، أو "موافقته عليها، ولكن مع "منعه وجودها في الأصل، فالأول" يقال له: "مركّب الأصل"، وهو: "مثل" قول الشَّافعي - فيما إذا قتل الحُرّ عبدًا -: المقتول "عبد، فلا يقتل به الحر، كالمُكَاتب" إذا قتل وترك وفاء، ووارثًا مع المولى.
فإن أبا حنيفة يقول هنا: لا قِصَاصَ، فيلحق العبد به - هنا - بجامع الرِّقّ، فالشافعي لا يحتاج إلى إِقامة الدليل على عدم القِصَاص في هذه الصورة؛ لموافقة خصمه، "فيقول الحنفي "ناقضًا عليه ما جعله الشَّافعي علة - وهو الرق -: "العلّة جَهَالة المستحق من السيد والورثة".
قالت الحنفية: والسيد والورثة وإن اجتمعوا في هذه الحالة على طلب القِصَاصِ لا يزول الاشْتِبَاه؛ لاختلاف الصَّحابة في مكاتب يموت عن وفاء.
قال بعضهم: يموت عبدًا، فتبطل الكتابة.
وقال بعضهم: يؤدّي بدل الكتابة من اكتسابه، ويحكم بِعِتْقِهِ في آخر جزء من حياته، فقد اشتبه الولي مع هذا الاختلاف، فامتنع القصاص.
فإِن اعترض عليهم: بأنكم لا بد أن تحكموا - في هذه الحالة - بأحد هذين القولين، إما بموته عبدًا، أو حرًّا، وأيًّا ما كان، فالمستحقّ معلوم.
قالوا: نحن نحكم بموته حرًّا، بمعنى: أنه يورث، لا بمعنى: وجوب القصاص على قاتله الحرّ؛ لأن حكمنا بموته حرًّا ظنّي؛ لاختلاف الصَّحَابة، والقصاص ينتفي بالشُّبْهَة، وهذه جهالة تصلح دارئة للقصاص، ولا يمتنع علمنا بمستحق الإرث المالي.
стр. 1838
الثَّانِي: مُرَكَّبُ الْوَصْفِ؛ مِثْلُ: تَعْلِيقٍ لِلطَّلَاقِ. فَلَا يَصِحُّ قَبْلَ النِّكَاحِ، كَمَا لَوْ قَالَ: "زَيْنَبُ الَّتِي أَتَزَوَّجُهَا طَالِقٌ"، فَيَقُولُ الْحَنِفيُّ: الْعِلَّةُ عِنْدِي مَفْقُودَةٌ فِي الْأَصْلِ، فَإِنْ صَحَّ، بَطَلَ الْإِلْحَاقُ، وَإلَّا مُنِعَ حُكْمُ الْأَصْلِ؛ فَمَا يَنْفَكُّ عَنْ مَنعِ الْأَصْلِ أَوْ عَدَمِ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ.
هذا تقرير هذا المثال، فاعتمده واجتنب تقرير الشَّارحين، وحاصل أمر الحنفية أنهم أوجبوا القِصَاص على حُرّ قتل عبدًا، ولم يوجبوه على حر قتل حرًّا، وهو المكاتب الذي ترك وفاء، فإنه عندهم يموت حرًّا، ولا يقتل قاتله، وتمام قول الحنفي: إنه إذا عرفت أن العلّة عندي الجَهَالة، "فإن صحت، بطل الإلحاق"؛ لعدم المشاركة في العلّة، "وإن بطلت منعت حكم الأصل".
وقلت: يقتل الحُرّ بهذا المكاتب لعدم المانع، "فما ينفك" الحنفي في هذه الصورة "عن عدم العلّة في الفرع" على تقدير كونها الجهالة، "أو منع" الحكم في "الأصل" على تقدير أنها الرّق، فلا يتمّ القياس على التقديرين.
الشرح: "الثاني" يقال له: "مركب الوصف"، وسمي بذلك لكونه خلافًا في نفس الوصف، "مثل: تعليق الطلاق، فلا يصح فقبل النكاح، كما لو قال: زينب التي أتزوجها طالق، فيقول الحنفي: العلة" الموجبة للوقوع في الفرع "عندي" هي التعليق، وهي "مفقودة في الأصل".
فإن قوله: زينب التي أتزوجها طالقٌ، تنجيزٌ لا تعليقٌ؛ فإما أن يصح عدم التعليق في الأصل، أو لا يصح.
"فإن صح، بطل الإلحاق"؛ إذ لا يلحق تنجيز بتعليق؛ لعدم الجامع، "وإلا منع حكم الأصل"، وهو عدم الوقوع في قوله: زينب التي أتزوجها طالق؛ لأني إنما منعت الوقوع؛ لأنه تنجيز، فلو كان تعليقًا، لقلت به، "فما ينفك عن" عدم العلّة في الأصل، أو "منع الأصل".
واعلم أن كل موضع يستدلّ فيه باتفاق الطَّرفين، يتأتى فيه أنه ذو قياس مركّب؛ فإن الخصم لا يعجز عن إظهار قَيْد يختص بالأصل، ويدعي أن ذلك هو العلة عنده، ولا سبيل لك إلى دفعه بالدليل على أن علتك هي العلة عنده، بل لو قال: علّتي غير ذلك، ولم يعينها، سمع منه، فإذن طريق ثبوت ذلك هو اعترافه.
стр. 1839
فَلَو سَلَّمَ أَنَّهَا الْعِلَّةُ وَأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ، أَوْ أَثْبَتَ أَنَّهَا مَوْجُودَةٌ انْتَهَضَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ، لاِعْتِرافِهِ كَمَا لَوْ كَانَ مُجْتَهِدًا، وَكَذَلِكَ لَوْ أَثْبَتَ الْأَصْلَ بِنَصٍّ، ثُمَّ أَثْبَتَ الْعِلَّةَ بِطَرِيقِهَا؛ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقْبَلْ لَمْ تُقْبَلْ مُقَدِّمَةٌ تَقْبَلُ الْمَنْعَ.
وَمِنْهَا: أَلَّا يَكُونَ دَلِيلُ حُكْمِ الأصْلِ شَامِلًا لِحُكْمِ الْفَرْع.
الشرح: "فلو سلم أنها العلّة، وأنها موجودة" في الأصل، فذاك، فللمستدلّ أن يثبت وجودها في الأصل بدليل من عَقْل أو حس أو شرع، وإليه أشار بقوله: "أو أثبت" المستدلّ "أنها موجودة".
فإذا فعل المستدل أحد هذين الطريقين "انتهض الدليل عليه؛ لاعترافه" بصحّة الموجب في الصورتين، وثبوته في سورة ما إذا سلم أنها موجودة.
وأما في سورة ما إذا لم يسلم، فلقيام الدليل عليه، فلزمه القول بموجبه "كما لو كان مجتهدًا" ينظر في المسألة على سبيل الاجتهاد؛ فإنه لا تسعه المخالفة عند قيام الدليل.
واعلم أن ما ذكرناه فيما إذا كان حكم الأصل متفقًا عليه بين الخَصْمَيْنِ غير مجمع عليه بين الأمة، وراءه حالتان:
إحداهما: أن يكون مجمعًا عليه، ولا كلام فيه، وقد قدمنا عن الآمدي منع هذا، وأنه يشترط ألَّا يكون مجمعًا عليه، قال: فإنه متى كان مجمعًا عليه بين الأمة لم يتمكن الخصم من منعه.
والثانية: ألَّا يكون مجمعًا عليه، ولا متفقًا عليه بين الخصمين، بل حاول المستدل إثبات حكم الأصل بنصّ، ثم أثبت العلّة بطريق من طرقها.
فقيل: لا يقبل ذلك منه، بل لا بُدّ من الإجماع بين الخَصْمَيْن؛ لضم الكلام عن الانتشار.
والأصح: قبوله، وإليه أشار بقوله: "وكذلك لو أثبت الأصل بنص، ثم أثبت العلة بطريقها" من إجماع، أو نص، أو سَبْر أو إحالة لأعلى الأصح؛ لأنه لو لم يقبل لم يقبل" في المُنَاظرة "مقدمة تقبل المنع"، وبطل أن اللازم واضح.
وبيان الملازمة: أن من يمنع ذلك، ويشترط في حكم الأصل الإجماع، إنما دعاه إلى
стр. 1840
شُرُوطُ عِلَّةِ الأَصْلِ
مَسْأَلَةٌ:
وَمِنْ شُرُوطِ عِلَّةِ الأَصْلِ: أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الْبَاعِثِ، أَيْ: مُشْتَملَةً عَلَى حِكْمَةٍ مَقْصُودَةِ لِلشَّارعِ مِنْ شَرْعِ الْحُكْمِ؛ لأِنَّهَا إِذا كَانَتْ مُجَرَّدَ أَمَارَةٍ، وَهِيَ مُسْتَنْبَطَةٌ مِنْ حُكْمِ الْأَصْلِ - كَانَ دَوْرًا.
ذلك، حيث حصول الانتقال، وانتشار الكلام، وهذا لا يخص حكم الأصل، بل يعم كل مقدمة تقبل المنع.
الشرح: "ومنها" أي: ومن شروط حكم الأصل "ألّا يكون دليل حكم الأصل شاملًا لحكم الفرع"، وإِلَّا لم يكن جعل أحدهما أصلًا، والآخر فرعًا أَوْلَى من العكس (١).
مئاله: الذُّرَة رِبَوِيّ قياسًا على البُرّ، بجامع الطَعْم، فيمنع البُرّ، فيقول: قال ﵊: "لا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ".
فإن تناول الطعام للبر كتناوله للذرة. وقد نجز الكلام على شروط الأصل.
«مسألة»
الشرح: "ومن شروط علّة الأصل: أن تكون بمعنى البَاعِثِ (٢)، أي مشتملة على حكمة
стр. 1841
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مقصودة للشارع من شرع الحكم"، من تحصيل مصلحة أو تكميلها، أو دَفْع مَفْسَدة، أو تقليلها، "لأنها إذا" لم تكن كذلك، بل "كانت مجرّد أمارة" لم يكن له فائدة إلا تعريف الحكم، وإنما يعرف بها الحكم إذا لم تكن منصوصةً أو مجمعًا عليها، وإلا عرف الحكم بالنص والإجماع.
فإن قوله - مثلًا -: الحُرْمة في الخمر معللة بالإسكار، تصريح بحرمة الخَمْرِ، فلا
стр. 1842
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يكون قد عرف بالعلّة، "فلم يَبْقَ" (١) إلا أن يعرف بها، "وهي مستنبطة من حكم الأصل"، ولو كان كذلك "كان دورًا"؛ لأن المستنبطة لا تعرف إلا بثبوت الحكم، فلو عرف ثبوت الحكم بها، كان دورًا واضحًا.
ولقائل أن يقول: لا نسلم أنها إذا كانت منصوصةً لا تعرف حكم الأصل، بل العلّة المعرف، وهي تعرف حكم الأصل والفرع.
وسترى تحقيق هذا - إن شاء الله - عند قول المصنّف: الشافعية: حكم الأصل ثابت بالعلة، سلمنا أنها في الأصل لا تعرف، ولكنها معروفه بالأصل، معرفة في الفرع، فلا دور.
وقد ارتضى المصنّف هذا من قبل، حيث قال: ولذلك كان الجامع فرعًا للأصل أصلًا للفرع.
وأما تفسير العلّة بـ "الباعث"، فشيء قاله الآمدي، وحاد به عن مسلك أئمّتنا أجمعين، وهو عندنا من ذوي المَذَاهب؛ لإِفضائه إلى تعليل أفعال الرَّب بالأغراض، فلو عرف قائله غائِلَتَه لأبعد عنه، فإنه شرّ من مذهب القدرية؛ فإن الرب - تعالى - لا يبعثه شيء على شيء.
стр. 1843
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإن قلت: ليس الباعث بهذا التفسير، بل المشتمل على حكمة مقصودة للشارع من شرع الحكم.
قلت: قولك: مقصود للشَّارع من شرع الحكم، معناه: أنه لأجلها شرعه، وهذا هو الباعث والداعي.
وحاصله أنك تقول: إن الرب - تعالى - حرم الخَمْر - مثلًا - لأجل الإِسكار، وذلك هو الفعل لغرض الذي تَنزَّه الباري - تعالى - عنه؛ لأن من فعل فعلًا لغرض لا بد أن يكون حصول ذلك الغرض بالنسبة إليه أولى من لا حصوله، وإلا لم يكن غرضًا، وإذا كان أولى، اكتسب به فاعله صفة مَدْح، ويكون حصول تلك الأولوية لله - تعالى - متوقفةً على الغَيْرِ، فتكون ممكنة غير واجبة، فيكون كماله - تعالى - ممكنًا غير واجب، وهو باطل.
لا يقال: حصول ذلك الغرض، ولا حصوله مستويان بالنِّسبة إلى الله - تعالى - ولكن متفاوتان بالنسبة إِلى العبد، فيفعله - تعالى - لا بغرضه، بل لغرضهم؛ لأنا نقول: فعله لذلك الفِعْلِ ليحصل غرضهم، إِن كان أولى من لا فعله، جاء حديث الاستكمال، وإن لم يكن فتحصيل الغرض إِن كان لتحصيل غرض آخر لهم، كان الكلام فيه كالأول، وتسلسل.
فالحق الأَبْلَجُ ما عليه سلف هذه الأمة: من أن أحكام الله - تعالى - لا تعلل.
فإن قلت: فقد اشتهر قول الفقهاء: علّة الحكم الفلاني كذا، أو الباعث على كذا وكذا، فما الجامع بينه وبين قول المتكلّمين بعدم التعليل؟.
قلت: لم يعن الفقهاء بالعلّة، المؤثر، كما عناه المعتزلة، ولا الباعث على التشريع، كما عناه الآمدي، وإنما عنوا أن العلّة باعثة للمكلّف على الامتثال، فحفظ النفوس يبعث [المكلف] (١) على فعل القِصَاص، الذي حكم به الله - تعالى - لباعث (٢) بعثه فيه. نبه عليه الشيخ الإمام الوالد تغمّده الله برحمته.
стр. 1844
وَمِنْهَا: أَنْ يكُونَ وَصْفًا ضَابِطًا لِحِكْمَةٍ لَا حِكْمَةً مُجَرَّدَةً؛ لِخَفَائِهَا، أَوْ لِعَدَمِ انْضِبَاطِهَا، وَلَوْ أَمْكَنَ اعْتِبَارُهَا، جَازَ عَلَى الأصَحِّ.
وَمِنْهَا: أَلَّا تَكُونَ عَدَمًا فِي الْحُكْمِ الثُّبُّوتِيِّ.
الشرح: "ومنها" أي: ومن شروط العلة "أن تكون وصفًا ضابطًا لحكمة (١)، لا حكمة مجردة؛ لخفائها" كالرضا في البَيْعِ، ولذلك شرطت الصيغ للعقود؛ لكونها ظاهرة منضبطة، "أو لعدم انضباطها" كالمشقّة، فإن لها مَرَاتب، وهي تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال اختلافًا شديدًا، فنيطت بالسَّفَرِ لانضباطه.
"ولو" وجدت حكمة مجردة، وكانت ظاهرة بنفسها، منضبطة بحيث "أمكن اعتبارها، جاز" اعتبارها، وربط الحكم بها "على الأصح"؛ لأنا نعلم قطعًا أنها هي المقصودة للشارع، وإنما عدل عن اعتبارها لمانع خفائها، أو اضطرابها دَرْءًا للتَّشَاجُرِ والتنافس، فإاذا زال المانع، جاز اعتبارها.
وقيل: لا يجوز.
الشرح: "ومنها: ألا تكون عدمًا في الحكم الثّبوتي"؛ وفاقًا للآمدي، وخلافًا للإمام
стр. 1845
لنَا: لَوْ كَانَ عَدَمًا لكَانَ مُنَاسِبًا أَوْ مَظِنَّتَهُ.
وَتَقْرِيرُ الثانِيَةِ: أن العدمَ الْمُطْلَقَ بَاطِلٌ، وَالْمُخَصَّصُ بِأَمْر إِنْ كَانَ وُجُودُهُ مَنْشَأَ مَصْلَحَةٍ فَبَاطِلٌ، وإنْ كَانَ مَنْشَأَ مَفْسَدَةٍ، فَمَانِعٌ وَعَدمُ الْمَانِع لَبْسَ عِلَّةً، وَإنْ كَانَ وُجُودُهُ يُنَافِي وُجُودَ الْمُنَاسِبِ، لَمْ يَصْلُحْ عَدَمُهُ مَظِنَّةً لِنَقِيضِهِ؛ لأِنَّهُ إِنْ كَانَ ظَاهِرًا تَعَيَّنَ بِنَفْسِهِ، وَإنْ كَانَ خَفِيًّا فَنَقِيضُهُ خَفِيٌّ، وَلَا يَصْلُحُ الخَفِيّ، مَظِنَّةَ للخَفِيِّ وَإنْ لَمْ يَكُنْ فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ.
الرّازي وأتباعه (١).
الشرح: "لنا: لو كان" الوصف "عدمًا، لكان مناسبًا أو مظنّته، واللازم باطل بقسميه.
وتقرير الأول، وهي الملازمة: أنه لا بُدّ أن يكون بمعنى الباعث؛ لأن العلة الباعث، وهو إِما نفس الباعث، وهو المناسب، أو أمر مشتمل عليه، وهو المَظِنّة.
الشرح: "وتقرير الثانية": أي: بطلان اللازم "أن العدم" المعلل به إما أن يكون العدم "المطلق"، فالتعليل به "باطل" قطعًا؛ لعدم تخصيصه بمحلّ وحكم، ولاستواء نسبته إلى الكل، أو العدم المخصص، أي: المقيّد، "والمخصص بأمر" إما أن يكون وجود ذلك الأمر منشأ لمصلحة أو لمفسدة، أو لا يكون، "إن كان وجوده منشأ مصلحة، فباطل" أن يكون عدمه مناسبًا، أو مظنة مناسب؛ لأن اعتبار عدمه تفويت لتلك المَصْلَحة، فلا يصلح مقصودًا.
"وإن كان منشأ مفسدة" وعدمه عدم "مانع، وعدم المانع ليس علة"، بل لا بد معه من مُقْتض، فلو قال قائل: أكرمت زيدًا؛ لأنه لا ماء من إكرامه، عُدّ سَخَفًا، بل لا بد له من ذكر المقتضي، هذا إِذا كان وجوده منشأ لمصلحة أو مَفْسَدة، حتى يكون عدمه مناسبًا، وإن لم يكن كذلك حتى يكون عدمه مظنّة.
فإما أن يكون وجوده منافيًا للمناسب أو لا، "فإن كان وجوده ينافي وجود المناسب"،
стр. 1846
وَأَيْضًا: لَمْ يُسْمَعْ أَحَدٌ يَقُولُ: الْعِلَّةُ كَذَا أَوْ عَدَمُ كَذَا.
فهو بحيث يستلزم وجوده عدم للمناسب، ولا بد أن يستلزم عدمه وجود المُنَاسب؛ لتحصل الحكمة به، وحينئذ يكون هو نقيض المناسب.
ويكون حاصله: أنه كلما عدم نقيض المناسب، فالحكم كذا، ويجعل عدم نقيض المُنَاسبة مظنّة لوجود المناسب، وهذا لا يصح؛ لأن نقيض المناسب إن كان ظاهرًا، أَغْنَى عن المظنة بنفسه، وكان هو العلّة بالحقيقة، وإليه أشار بقوله: "لم يصلح عدمه مظنة لنقيضه؛ لأنه إن كان ظاهرًا تعيّن بنفسه، وإن كان خفيًّا فنقيضه (١) "، وهو ما عدمه مظنة - أيضًا - "خفي" لاستواء النقيضين في الجَلَاءِ والخَفَاءِ.
وإليه أشار بقوله: وإن كان خفيًّا، فنقيضه خفي "ولا يصلح الخَفِيّ مظنة للخفي، وإن لم يكن" منافيًا لمناسب، فالمناسب يحصل عند وجوده كما يحصل عند عدمه، "فوجوده" يكون "كعدمه"، ولا خصوصية لأحدهما به، فلا يكون عدمه خاصّة مظنة للمصلحة، فلا تصلح علة، وقد فرضناه علة، وهذا خلف.
ولنوضح ذلك بمثال، فنقول: إِذا قلنا: بيع الآبِقِ باطل؛ لعدم القدرة على التسليم، فبطلانه إِما لأن في البطلان مصلحة، فيلزم من اعتبار عدمه تفويتها، أو مفسدة، فغايته أن الإِبَاقَ مانع، فما المقتضي للبطلان؟.
وإما لا لهذين، فإما أن يكون منافيًا لمناسب البطلان كما لا يملك مثلًا، فإن بيعه مناسب للبُطْلَان.
الشرح: "وأيضًا" مما يدلّ على أنه لا يعلل الثبوتي بالعدمي: أنه "لم يسع أحد" من العلماء "يقول: العلّة كذا، أو عدم كذا، مع كثرة السَّبْرِ والتقسيم، ولو كان حقًّا لسمع ولو قليلًا.
ولقائل أن يَقُولَ: قد سمع كثيرًا، كما قالوا في بيع الآبِقِ: باطل؛ لعدم القدرة على التسليم، وعلة تصرف الولي في موليه المجنون: عدم التمييز، وهو مما لا ينحصر.
стр. 1847
وَاسْتُدِلَّ: بِأَنْ لَا عِلَّةَ عَدَمٌ، فَنَقِيضُهُ وُجُودٌ، وَفِيهِ مُصَادَرَةٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ.
قَالُوا: صَحَّ تَعْلِيلُ الضَّرْبِ بِانْتِفَاءِ الاِمْتِثَالِ.
قُلْنَا: بِالْكَفِّ: وَأَلَّا يَكُونَ الْعَدَمُ جُزْءًا مِنْهَا لِذَلِكَ.
وَ أَلَّا تَكُونَ الْمُتَعَدِّيَةُ المحَلَّ وَلَا جُزْءًا مِنْه، لامْتِنَاعِ الإْلْحَاقِ؛ بِخِلَافِ الْقَاصِرَةِ، قَالُوا: انْتِفَاءُ مُعَارَضَةِ الْمُعْجِزَةِ جُزْءٌ مِنَ الْمُعَرِّفِ لَهَا، وَكَذَلِكَ الدَوَرَانُ وَجُزْؤُهُ عَدَمٌ.
قُلْنَا: شَرْطٌ لَا جُزْءٌ.
الشرح: "واستدل بأن" العلّة وجودية، فلا يتّصف بها العدم، وذلك لأن "لا علة عدم"؛ لصدقه على المعدوم، "فنقيضه" وهو العلة "وجود"، وإلا ارتفع النَّقيضان "وفيه مصادرة، وقد تقدم مثله" في مسألة الحسن والقبح.
والمجوّزون "قالوا: صحّ تعليل الضرب"، وهو وجودي "بانتفاء الامتثال"، وهو عدمي.
قلنا: لا نسلّم أن التعليل بانتفاء الامتثال، بل "بالكَفّ" عن الامتثال، وهو ثبوتي.
الشرح: "وألّا تكون المتعدية المحل ولا جزءًا منه؛ لامتناع الإلحاق، بخلاف القَاصِرَةِ. قالوا: انتفاء معارضة المعجزة جزء من المعرف [بها] (١)، وكذلك الدَّوَرَان، وجزؤه عدم. قلنا: شرط لا جزء"، كذا بخط المصنّف، ووقع في نسخ الشَّارحين تقديم وتأخير وزيادة، ونحن نشرح ما وجدناه بخطّه.
وحاصله: أن العلّة تنقسم إِلى متعدية، وهي التي تتجاوز الأصل، وتوجد في غيره، وقاصرة لا تتعدّاه.
أما المتعدّية فيشترط فيها: ألا تكون هي المَحَلّ، ولا جزءًا من المحل خاصًّا به؛ لامتناع إِلحاق الفرع بالأصل - حينئذ - إذ يمتنع أن يتحقق في الفرع محل حكم الأصل، أو
стр. 1848
وَالقَاصِرَةُ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ صَحِيحَةٌ بِاتِّفَاقٍ، وَالأَكْثَرُ عَلَى صِحَّتِهَا بِغَيْرِهِمَا، كَتَعْلِيلِ الرِّبَا فِي النَّقْدَيْنِ بِجَوْهَرِيتِهِمَا؛ خِلَافًا لأِبِي حَنِيفَةَ ﵁.
جزؤه الخاصّ به، بخلاف القاصرة، فإنه يجوز كونها المحل، أو جزءه الخاص؛ إِذ لا تعدى، فلا مانع.
وجوز بعضهم التعليل بالجزء؛ محتجًا بأن معرفة كون المعجز معجزًا أمر وجودي. وهو [معلل] (١) بالتحدّي بالمعجز، مع انتفاء المعارض، فهذه علّة جزؤها عدم، وكذلك الدوران علة لمعرفة كون المَدَارِ علة، وهي وجودية، والدوران مشتمل على جزء عدمي؛ لأنه عبارة عن الوجود مع الوجود، والعدم مع العدم، فأحد جزءيه عدم.
وجوابه: أن العدم في الصورتين شَرْط لا جزء.
واعلم أنّ الخلاف إِنما هو في الجزء الخاصّ، ولذلك قيدناه في كلامنا، وأما الجزء العام، فيجوز التعليل به بلا خلاف، كتعليل ربوية البُرّ بالطعم.
الشرح: "والقاصرة بنصِّ أو إِجماع صحيحة"، أي: يجوز التعليل بها "باتفاق"، نقله جماعة، منهم: القاضي أبو بكر، وأغرب القاضي عبد الوَهَّاب المالكي فنقل الخلاف.
"والأكثر على صحتها"، وإن كانت علّتها معروفة "بغيرهما"، أي بغير النص والإِجماع، وهو رأي الشافعي، ومالك، وأحمد، والقاضي أبي بكر، والقاضي عبد الجَبَّار، والإِمامين، والآمدي، وغيرهم (٢).
وذلك "كتعليل" الشافعية "الرِّبَا في النَّقْدَين بجوهريتهما".
ومنهم من يقول: بثمنيّتهما، أي: كونهما أَثْمَان الأشياء.
ومقتضى عبارة الرافعي، وأسعد [الميهني] (٣): أن العبارتين سواء في المعنى،
стр. 1849
لَنَا: أَنَّ الظَّنَّ حَاصِلٌ بِأَنَّ الْحُكْمَ لأِجْلِهَا، وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِالصِّحَّةِ؛ بِدَلِيلِ صِحَّةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا.
والصواب اختلافهما؛ فإن الثمنيّة عبارة عن كون المَحَلّ يتعامل به عادة، وهذه الحالة منتفية في الحُلِيّ، وهو ربوي، فلو كانت الثمنية هي العلّة لقصرت عن بعض مجازي الحكم، بخلاف الجَوْهَرِيّة، فإنها عامة في كل محل يصلح لأن يتخذ ثمنًا "غالبًا" (١)، فالتعبير بـ "الجوهرية" كما في الكتاب أصح، وهو ما ذكره الغَزَالي في "تحصين المأخذ" وغيره من المحققين.
ونظيره: تعين الماء لرفع الحدث وإزالة الخبث.
قال بعض أصحابنا: إنه لاختصاصه بنوع من اللَّطَافَةِ والرقة والتفرد في التركيب، الذي لا يشاركه فيها سائر المَائِعَاتِ، وهاتان قاصرتان، وقد علل بهما.
"خلافًا لأبي حنيفة"، وأبي عبد اللّه البَصْرِي، وبعض أصحابنا، ولذلك عندنا وجه: أن ربوية الذهب والفضة، واختصاص الماء بالرفع والإزالة ليس لمعنى، بل مجرّد تعبّد.
الشرح: "لنا: أن الظن حاصل" عند اجتهاد الناظر في طلب العلّة إِذا أدّاه اجتهاده إِلى أن العلة هي الوصف القاصر "بأن الحكم لأجلها، وهو المعنى بالصحة، بدليل صحة المنصوص عليها"، فإنه إِذا حصل الظن في المنصوص عليها "بأن الحكم لأجلها" صحّ التعليل بها، والاستنباط استخراج لما يحاكي المنصوص، ثم المجتهد إِذا نقب عن العلّة لا يدري أيَقَعُ على متعدّية أو قاصرة؟ والقاصرة لا يدري أيجدها منصوصة أو مستنبطة، فما المانع من استخراجها بالاستنباط؟.
стр. 1850
وَاسْتُدِلَّ: لَوْ كَانَتْ صِحَّتُهَا مَوْقُوفَةً عَلَى تَعْدِيَتِهَا، لَمْ تَنْعَكِسْ؛ لِلدَّوْرِ، وَالثَّانِيَةُ اتِّفَاقٌ.
وَأُجِيبَ: بِأنَّهُ وَقْفُ مَعِيَّةٍ.
قَالُوا: لَوْ كَانَتْ صَحِيحَةً، لَكَانَتْ مُفِيدَةً، وَالْحُكْمُ فِي الأَصْلِ بِغَيْرِهَا، وَلَا فَرْعَ.
الشرح: "واستدلّ" بدليل ذكره بعض أصحابنا، واعتمده أسعد الميهني في "التعليقة"، وهو أن العلّة "لو كانت صحتها موقوفة على تعديتها، لم تنعكس" أي لم تكن تعديتها موقوفة على صحّتها؛ للدور.
"والثانية" أي: بطلان الثاني "اتفاق"؛ لتوقّف تعديتها على صحتها بالإِجماع.
"وأجيب" أولًا: بما ذكره القاضي الرَّشيد أبو طالب الأصفهاني من أصحابنا في "طريقته": بأنكم إِن أردتم بالتَّعدية الموقوفة على صحّة العلة ثبوت الحكم بها في الفرع، فمسلم، ولكن لا نسلّم أن التعدية بهذا الاعتبار شرط في صحة العلة.
وإن أردتم وجودها في الفرع لا غَيْر، فلا دَوْر؛ فإِن صحة العلة وإن كان مشروطًا بوجودها في غير محل النص، فوجودها فيه غير متوقّف على صحتها في نفسها.
وتبعه الآمدي في "تعليقته" في الخلاف، وفي "الإحكام" أيضًا.
وزاد ما اقتصر عليه المصنّف، وهو: أنا لو سلمنا الدور، أجبنا "بأنه وقف معيّة"، كتوقّف كل من المُتَضَايقين على الآخر، وإذا كان كذلك لم يُنَاف توقف التعدية على الصحة، فلا امتناع فيه.
وأقصى ما تشبّث به المانعون من القاصرة، أن "قالوا: لو كانت صَحِيحة، لكانت مقيدة" لامتناع الحكم من غير فائدة، لكنها غير [مفيدة] (١)؛ لأن فائدتها منحصرة في إثبات.
قال أبو زيد الدّبوسي: لأن الفائدة منحصرة في علم أو عمل، والتعليل بالرأي والاجتهاد لا يكون موجبًا علمًا، وإنما صير إِليه لفائدة العمل، فإذا [لم يتعد] (٢)، لم يفد
стр. 1851
وَرُدَّ بِجَرَيَانِهِ فِي الْقَاصِرَةِ بِنَصٍّ، وَبِأَنَّ النَّصَّ دَلِيلُ الدَّلِيلِ، وَبِأَنَّ الْفَائِدَةَ مَعْرِفَةُ الْبَاعِثِ الْمُنَاسِبِ؛ فَيَكُونُ أَدْعَى إِلَى الْقَبُولِ، أَوْ إِذَا قُدِّرَ وَصْف آخَرُ مُتَعدٍّ، لَمْ يتَعَدَّ إِلَّا بِدَلِيل عَلَى اسْتِقْلالِهِ.
عملًا، لا في الأصل ولا في الفرع، وذلك ظاهر، "والحكم في الأصل" ثابت "بغيرها، ولا فرع"؛ إِذ هي قاصرة، فلا فائدة.
"وردّ" بوجوه أربعة:
الشرح: "بجريانه في القاصرة بنص" أو إِجماع، مع جوازه اتفاقًا، فلو صح ما ذكروه، كان النص عليها [عَبَثًا] (١)، وإجماع الأمة عليها خطأ؛ فإِنها لو لم تكن حقًّا، لما أجمعت الأمة عليها.
"وبأن النَّص دليل الدليل"، فإنه دليل العلّة، والعلة دليل الحكم، فإذن الحكم [في الأصل] (٢) ثابت بالعلة، فقولهم: إِنه ثابت بالنص لا بالعلّة، لا يستقيم، وسيتضح هذا - إِن شاء الله تعالى - عند قول الشافعية: حكم الأصل بالعلة.
"وبأن الفائدة" غير منحصرة فيما ذكرتم من إِثبات الحكم بها، بل ثمَّ فوائد: منها: "معرفة الباعث المناسب" للحكم، "فيكون أدعى إلى المقبول" والانقياد مما لا يعقل له معنى، ولو سلّمنا أنه لا يكون أَدْعَى إلى القبول، إِلا أن مجرد الاطلاع على الباعث إِحاطة بعلم كنا غافلين عنه، وهو فائدة، وخرج بهذا قول أبي زَيْدٍ: إنها لا تفيد علمًا.
فإن قلت: هذا ظنّ لا يقين.
قلت: سيبحث عن ذلك.
ومنها: أنها تفيد منع حمل الفرع على الأصل، كما أن المتعدية تفيد إثبات الحمل؛ لأنا إذا علمنا أنها قاصرة منعنا القياس.
فإن قلت: هذه الفائدة حاصلة بألا نجد الحكم معللًا بمتعدية، سواء وجدناه معللًا بقاصرة، أو غير معلل أصلًا.
قلت: بتقدير أن يوجد في الأصل وصف مناسب للحكم متعد، يمتنع تعدية الحكم
стр. 1852
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
به، إِلا بشرط التَّرْجيح، ولو لم يكن الحكم معللًا بالقاصرة، لزم تعدية الحُكْم بالمتعدية من غير شريطة، فكان المنع من القياس في هذه الصورة إِنما جاء من التعليل بالقاصرة، لي هذا كله أشار بقوله "وإذا قدر وصف آخر متعدّ، لم يعد إِلا بدليل" دالّ "على استقلاله" بالعلّية، وأن القاصرة منتفية، بخلاف ما إِذا لم تكن القاصرة، فَأَنى يعدّى الحكم بمجرد وجدان الوصف المناسب المتعدّى، من غير افتقار إِلى دلالة دليل على استقلاله؟
فإن قلت: هذا إِنما يلزم لو جاز التعليل بالقاصرة مع وجود المتعدية، وهو ممنوع؛ فإان التعليل بالقاصرة - عند من يراه - مشروط بانتفاء المتعدية.
قلت: لا نسلّم ذلك، وكلام أصحابنا كالصَّريح في جواز اجتماع القاصرة والمتعدية، وإليه أشار ابن السَّمْعَاني وغيره، ولو كان مشروطًا بذلك، لما تصور وقوع التعارض بينهما؛ إِذ هو فرع اجتماعهما.
وقد اختلف أصحابنا فيما إذا وقع التعارض بينهما.
فقيل: ترجح المتعدية، وقيل: القاصرة.
وقيل بالوقف.
فإن قلت: الجمهور على رُجْحَان المتعدية، فينبغي إِذا وجد وصف مناسب متعدّ، يحكم به من غير افتقار إِلى دلالة دليل على استقلاله، وحينئذ تنتفي الفائدة التي ذكرتموها في القَاصِرَةِ.
قلت (١): إنما ترجح المتعدية على القاصرة إِذا تساويا من كل وجه، إِلا وجهي القصور والتعدّي.
أما لو ترجحت القاصرة بإجماع عليها أو غيره، فهي أرجح، فالفائدة باقيةٌ، وقد تترجّح القاصرة بوجه يقابل وجه التعدّى، فيتعادلان، فتكون الفائدة الوقف، ومنع المتعدية من التعدي.
ومنها: أنها تزيد النص قوة ويتعاضدان. ذكرها القاضي أبو بكر، قال: وكذلك سبيل كل دليلين اجتمعا في مسألة، فالفائدة اجتماع دليلين، ويكون الحكم ثابتًا بالعلّة والنص جميعًا.
стр. 1853
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقد اعترض أبو زيد هذا: بأن التعليل لا يصحّ لتعيين حكم النص، فكيف يصح لإِبطاله؟، وهذا يتضمّن إِبطال حكم النص؛ لأنه كان ثابتًا بالنَّص على الاستقلال، فبطل ثبوته على هذا الوجه؛ لصيرورته ثابتًا به وبغيره، قال: فإن لم يتضمّن الإِبطال، فلا بد أن يتضمّن التغيير، ولا يجوز تغيير حكم النّص المعلول بغلبة الظن.
وأجاب ابن السَّمْعَاني: بأنه لا تغيير في هذا أصلًا؛ لأن الحكم كما كان لم يتبدل باقٍ على إِضافته إِلى النص، غاية الأمر أنه توالى دَلِيلان على حكم واحد، وذلك كما إِذا أضفنا خبر الواحد إِلى الكتاب، لا يجوز أن يقال: إِن في ذلك إِبطالًا للكتاب.
ومنها: أن المكلف يقصد الفعل لأجلها، فيحصل له أَجْرَان: أجر قصد الفعل للامتثال، وأجر قَصْدِ الفعل لأجلها، فيفعل المأمور به لكونه أمرًا، [وللعلة] (١). ذكرها أبي ﵀.
وذكر الشيخ أبو إِسحاق الشِّيرَازي فائدة أخرى، وهي أنه إِذا حدث هناك فرع، فيعلق على العلّة، ويلحق بالمنصوص عليه (٢).
ورده إمام الحرمين بما حاصله: أن المسألة مفروضةٌ في القاصرة، ومتى حدث فرع يشاركها في المعنى خرجت عن أن تكون قاصرة (٣).
وقد تكلّمنا عليه في "التعليقة"، وذكرنا في الأخير أن الأظهر منعه، وقد خرج بتحقّق هذه الفوائد قول أبي زيد: إنها لا تفيد عملًا ولا علمًا.
ثم نقول: سلمنا أنها لا تفيد عملًا.
فلم قلت: لا تفيد علمًا؟
قولك: لأن الرأي والاجتهاد لا يكون موجبًا علمًا.
قلنا: تريد بالعلم ما هو أعم من الظن واليقين، أو اليقين فقط؟
إن أردت الأول فمسلم، أو الثاني، فممنوع، وهذا لأنا كما نطلب العلّة لنعمل بها، أو
стр. 1854
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لنتيقن أنها علّة، كذلك نطلبها لنظنّ أنها علّة، وغاية ما يقولون على هذا: إن العمل بالظن خلاف الأصل، خالفناه في العمليات؛ للاحتياج إِليه، فليبق على الأصل فيما عداها.
ونحن نقول: بل العمل بالظَّن في الشرعيات مطلقًا واجب، ومن جملتها أن الحكم معلل، ولو صانعنا القوم، لكنا بسبيل من أن نقول: ظن أن الحكم معلل من جملة العمليات أيضًا؛ وهذا لأنّ العمل أعم من أعمال القلوب التي من جملتها الظن وغيرها.
سلّمنا أن العمل بالظن - فيما لا عمل فيه - ممتنع، وإن ظن أن الحكم معلل بكذا ليس بعمل، ولكنا نقول: هذا كله إِنما يتم لو كان الاستنباط - أبدًا - لا يؤدّي إِلى العلم، ولم قلتم ذلك فربّ اجتهاد يؤدّي إِلى يقين العلة كما يؤدي إِلى ظنها؟
ثم قال علماؤنا: لو سلّمنا كل ما ذكروه، ولكن المستنبط "للعلّة" (١) طالب لها، وهو في حال الاستنباط لا يدري أمتعديّة علة الحكم أم قاصرة؟.
فيقال له: لا تتكلف هذا الطَّلب، ثم إِذا اطَّلع على القاصرة بظنّ أو يقين، لم يجز أن يدرأها بهذه الخيالات، وقد جوزوا النص عليها والإجماع، ولو كانت عبثًا لما جاز ذلك.
"فائدة"
قد علمت أن "العلة" (٢) إما محل الحكم" أو جزؤه، أو وصفه اللازم، كثمنيّة الذهب والفضة، ولا تعدى في أحد منها، أو جزؤه العام، كإسكارية الخَمْرِ، وهذا مكان التعدّى، [ونفي] (٣) التعليل بمجرّد الاسم، كما لو عللنا كون النقدين ربويين بأن اسمهما ذهب وفضة.
وقد ادّعى الإمام الرازي وأتباعه - منهم الشيخ الهِنْدي - الاتفاق على أنه لا يجوز التعليل به، وليس كما ادّعوه، فالخلاف في المسألة معروف بين أصحابنا، ورأى أبي إِسحاق الشيرازي: الجواز.
وقال ابن السَّمْعَاني: قال الأصحاب: الاسم ضربان:
стр. 1855
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأول اسم اشتقاق، وهو إِما من فعل، كالضَّارب والقاتل، فيجوز جعله علّة في قياس المعنى، وإما من صفة، كالأبيض والأسود، فهذا الاسم من علل [الأشباه] (١) الصُّورية، فمن احتج بالشبه الصوري احتج به، وقد قال النَّبيّ ﷺ في الكلاب: "اقْتُلُوا مِنْهَا كُلَّ أَسْوَدَ بَهِيمٍ" (٢)، فجعل السواد علمًا على إِباحة القتل.
والثاني: اسم لقب، وهو إِما مستعار، كـ "زيد وعمرو"، لا يدخله حقيقة ولا مَجَاز؛ لجواز أن ينقل اسم زيد إلى عمرو وبالعكس، فلا يجوز التعليل به، أو اسم لازم، كالرجل والمرأة، ففي جواز التعليل به وجهان، قال: والصحيح - عندي - أنه لا يجوز التعليل بالأَسَامي بحال؛ لأنها تشبه الطرود.
قلت: وما [ذكروه] (٣) حسن، إِلا أنه ليس الكلام في المشتق مما يصحّ تعليله به، [فقد صرح الإِمام الرازي، وغيره بأنه معلل بما منه الاشْتِقَاق، ولا في المشتقّ مما في تعليله به، (٤) خلاف، كالشبه الصوري، فإن الخلاف يطرقه من قبل أنّ المشتق منه هل يصح أن يعلل به؟ وإنما الخلاف في اسم اللَّقب.
стр. 1856
وَفي النَّقْضِ، وَهُوَ وُجُودُ المُدَّعَى عِلَّةَ مَعَ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ.
ثَالِثُهَا: يَجُوزُ فِي الْمَنْصُوصَةِ لَا الْمُسْتَنْبَطَةِ.
وَرَابِعُهَا: عَكْسُهُ.
وَخَامِسُهَا: يَجُوزُ فِي الْمُسْتَنْبَطَةِ، وَإنْ لَمْ يَكُنْ بِمَانِعٍ، وَلَا عَدَمِ شَرطٍ.
وَالمُخْتَارُ: إِنْ كَانَتْ مُسْتَنبطَة، لَمْ يَجُزْ إِلَّا بِمَانِع أَوْ عَدَمِ شَرْطٍ؛ لأَنَّهَا لَا تَثْبُتُ عِلِّيَّتُهَا إِلَّا بِبَيَانِ أحَدِهِمَا؛ لأَنَّ انْتِفَاءَ الْحُكْم، إِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِعَدَمِ - الْمُقْتَضِي، وَإنْ كَانَتْ مَنْصُوصَةً، [فَـ] بِظَاهِرٍ عَامٍّ فَيَجِبُ تَخْصِيصُهُ كعَامٍّ وَخَاصٍّ، وَيجبُ تَقْدِيرُ الْمَانِعِ.
الشرح: قوله: "وفي النَّقْض، وهو: وجود المدّعي علة مع تخلف الحكم"، مذاهب:
أحدها: أنه يجوز مطلقًا، فلا يقدح في العلّة، فلا يكون الاطراد من شروطها.
والثاني: لا يجوز، فيكون قادحًا، ويشترط الاطراد.
الشرح: "وثالثها: يجوز في المنصوصة لا المستنبطة.
ورابعها: عكسه.
وخامسها: يجوز في المستنبطة، وإن لم يكن مانع ولا عدم شرط.
والمختار: إِن كانت مستنبطة لم يَجُزْ إِلا بمانع، أو [عدم] (١) شرط؛ لأنها لا تثبت علّيتها إِلا ببيان أحدهما؛ لأن انتفاء الحكم إِذا لم يكن ذلك"، أي إِذا لم يكن أحدهما حاصلًا، يكون "لعدم المقتضى، فإن كانت منصوصة، فبظاهر"؛ إِذ لو كان بقاطع، لم يتخلّف الحكم عنه "عام"؛ إذ لو كان خاصًّا لمحل الحكم، لم يثبت التخلّف، وهو خلاف المقدر، "فيجب تخصيصه، كعام وخاص" تعارضا، "ويجب تقدير المانع".
стр. 1857
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اعلم أن الكلام في النقض من عَظَائم المشكلات أصولًا وجدلًا، وأنا مورد - إن شاء الله تعالى - ما فيه مقنع وبلاغ، فأقول: إِذا وجد ما ادّعاد المعلل علة في صورة من الصور، والحكم منفيّ فيها، فذلك هو ما نتكلّم فيه، ومن يجعله قادحًا في الوصف مبطلًا عقيته، يسميه "نقضًا".
وأما من لا يراه قادحًا، فلا يسمح بإطلاق هذا الاسم عليه، ولكن يعبر عنه بـ "تخصيص العلّة".
ولقد بالغ أبو زيد الدّبوسي في الرد على من يسميه [نقضًا] (١)، وذكر ما لا يوافق عليه، وأبان عن مزيد تعصّب.
هذا صنيع المتقدّمين، وأما المتأخرون، فلا يَتَحاشون من تسيته بكل من الاسمين، يرونهما كاللَّقب له، سواء قيل بأنه قادح أم لا.
إِذا عرفت هذا، فنقول: العلّة إِما منصوصة قطعًا، أو ظنًّا، أو مستنبطة، وتخلّف الحكم عنها إِما لمانع، أو فوات شرط، أو دونهما، فصارت الصور تسعًا، من ضرب ثلاثة في ثلاثة.
وقد اختلف في النقض، هل هو قادح في العلية؟ على مذاهب (٢):
أحدها: أنه يقدح مطلقًا، وهو المنسوب إِلى الشَّافعي ﵁ وأصحابه، ويعده
стр. 1858
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أصحابنا من جملة مرجّحات مذهب الشَّافعي على غيره من المذاهب، ويقولون: عِللُهُ سليمة عن الانتقاض، جاريةٌ على مقتضاها، لا يصدّها صادّ.
والثاني: لا يقدح مطلقًا، وعليه أكثر أصحاب أبي حنيفة، ومالك، وأحمد ﵏.
والثالث: يقدح في المُسْتنبطة دون المنصوصة.
والرابع: لا يقدح في المستنبطة إِذا كان بمانع أو عدم شرط، دون المنصوصة. حكاه المصنف، وإليه أشار بقوله: عكسه.
والخامس: لا يقدح في المُسْتنبطة، ولو بلا مانع أو عدم شرط، دون المَنْصُوصة. هذا ما حكاه في الكتاب.
والسادس: وهو اختيار الإِمام الرازي: أنه يقدح مطلقًا، إلا فيما إذا كان واردًا على سبيل الاستثناء عن علّة معلومة.
والسابع: إن كانت علّة [حَظْر] (١)، لم يَجُزْ تخصيصها، وإلا جاز. حكاه القاضي عن بعض المعتزلة.
ولإِمام الحرمين مذهب ثَامِن، وللغزالي مذهب تاسع، حكيناهما في "التعليقة"، وتكلمنا عليهما بما فيه الكِفَايَة، وحذفناهما هنا اختصارًا.
والعاشر: أنه لا يقدح في المَنْصُوصة بنص قَطْعِي، ويقدح فيما عدا ذلك، وهذا مذهب محقق الوجود، وإن كنت لا تجده مصرحًا به على هذا الوجه.
وسببه: أنه لا يمكن أن يوجد، فعاد مساويًا لمذهب القائلين: بأن [النقض] (٢) قادحٌ مطلقًا؛ لعدم وجدان هذه الصُّورة النادرة. هذا هو السِّر في عدم تصريح النَّقَلَةِ به، وإذن هو المذهب الأول المنسوب إِلى الشافعي، وهو الذي نختاره ونرتضيه.
واختار المصنّف: أنه يجوز في المستنبطة في صورتين، فلا يقدح فيهما، وهما ما إِذا
стр. 1859
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كان التخلّف لمانع، أو انتفاء شرط، ولا يجوز في صورة واحدة، فيقدح فيها، وهي ما إِذا كان التخلف دونهما.
وأما المنصوصة، فإذا كان النص ظنيًّا، وقدر مانع، أو فوات شرط، جاز، ولا يجوز في القطعي في صوره الثلاث، أي: لا يمكن وقوعه كما شرحناه عليه؛ لأن الحكم لو تخلف لتخلّف لدليل، وهو لا يمكن أن يكون قطعيًّا؛ لاستحالة تَعَارُضِ [القطعيين] (١)، إِلا أن يكون أحدهما ناسخًا، ولا ظنيًّا؛ لأنّ الظني لا يعارض القَطْعي، وهذا الذي اختاره المصنّف نحو مما اختاره الآمدي.
والمنع في النص القَطْعِي إِذا لم يكن مانع، ولا فوات شرط، ظاهر، وأما إِذا كان مانع، أو فات شرط، فلا وجه للمنع إِذا كان ذلك المانع أو الشَّرط عليه دليل؛ لأنه حينئذ يكون ذلك الدَّليل مخصصًا للنص القَطْعي، اللهم إِلا أن تقدر دلالة النَّص على جميع الأفراد قطعية، فيصح ما قاله؛ لأنه حينئذ لا يمكن التخلف.
وحاصله: أنه في النَّص القطعي لا يمكن ورود النَّقض، وفي الظَّني يمكن، وقال: إِنه يقدر إذ ذاك مانع، ولا حَاجةَ إِلى ذلك، فقد يكون تعبّدنا بالدليل الدَّال على التَّخصيص من غير ظُهُور معنى، فيمكن النقض، ولا يكون قادحًا، وفي المستنبطة يجوز حيث مانع أو فُقْدَان شرط، ولا يجوز فيما سواهما، ففيما سِوَاهما يكون قادحًا، ولا يكون النَّقض قادحًا في شيء من المواضع الممكن وجدانها إلا في هذا المكان، وهو ما إِذا استنبطت علّة، وتخلّف الحكم عنها لا لمانع، و [لا] (٢) لفوات شرط، فيستدل حينئذ بالتخلف لا لفسادها.
فينبغي أن ينحصر الكلام، ويقال: النقض يَقْدَحُ في العلة إِذا كانت مستنبطةً، ولم يكن مانع ولا فوات شرط، ولا يقدح فيما سوى ذلك، وأنت ترى اختيار صاحب الكتاب، وأما نحن، فعلى أن النَّقض يقدح مطلقًا مُصَمِّمُون، وهو رأي إِمامنا ومطلبينا رضوان الله عليه، وعليه القاضي أبو بكر، وأبو الحسين البَصري، وجماهير المحققين.
والرأي شرح ما في الكتاب على الاخْتِصَار، ثم المُنَاضلة عن المذهب المختار.
стр. 1860
لنَا: لَوْ بَطلَتْ لَبَطَلَ الْمُخَصِّصُ.
وَأيْضًا: جَمْعٌ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ.
وَلَبَطلَتِ الْقَاطِعَة، كَعِلَلِ الْقِصَاصِ وَالْجَلْدِ وَغَيْرِهِمَا.
أبُو الْحُسَيْنِ: الْنَّقْضُ يَلْزَمُ فِيهِ مَانِعٌ أَوِ انْتِفَاءُ شَرْطٍ، فَيَتبيَّنُ أَنَّ نَقِيضَهُ مِنَ الأُولَى.
قُلْنَا: لَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الْبَاعِثِ؛ وَيَرْجِعُ النَزَاعُ لَفظِيًّا.
قَالُوا: لَوْ صَحَّتْ، لَلَزِمَ الْحُكْمُ.
وَأُجِيبَ: بِأَن صِحَّتَهَا كَوْنُهَا بَاعِثَةً، لَا لُزُومُ الْحُكْمِ؛ فَإنَّهُ مَشْرُوطٌ.
الشرح: قال صاحب الكتاب: "لنا: لو بطلت" العلّية بالتخلّف "لبطل المخصّص" الوارد على العام، وانْسَدّ بابه؛ إِذ لا فرق بين تخصيص العلّة، وتخصيص العام، وكما أن التخصيص لا يقدح في العموم اللفظي، كذلك لا يَقْدَح في العموم المعنوي، وهو عموم العلة.
"وأيضًا" إنه "جمع بين الدليلين" دليل الاعتبار؛ إِذ يعمل بكونها علة في غير صورة النَّقض، ودليل الإِهدار، إِذ يعمل به في محلّه، وهو صورة النَّقْض، فوجب المصير إِليه.
"و" أيضًا: لو بطلت "لبطلت" العِلَلُ "القاطعة، كعلل القِصَاصِ والجَلْد وغيرهما"؛ لأن المفروض مُنَافاة التخلّف للعلية؛ إِذ لا مانع سواه، لكن العلل القاطعة لا تبطل؛ إِذ لا يبطل كون علّة القِصَاص القتل العَمْد العدوان، بأن الأَبَ لا يُقَادُ بولده، ولا أن علة الجلد الزِّنا، بالتخلف في الأب يزني بجارية ابنه.
الشرح: وقال "أبو الحسين"، ومن وافقه من مانعي تخصيص العلة:
أولًا: "النقض يلزم فيه مانع، أو انتفاء شرط، وإذا كان كذلك، "فيتبين أن نقيضه"، أي: نقيض المانع، أو انتفاء الشرط، وهو عدم المانع أو وجود الشرط، جزء "من" العلة "الأولى التي ادّعى أنها علّة؛ لأنه لا يترتب الحكم بدونهما، فالعلّة المجموع.
"قلنا: ليس" انتفاء "ذلك المعارض" من الباعث" الذي هو العلّة، "ويرجع النزاع=