← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6338

رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (2 330 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

وَفي النَّقْضِ، وَهُوَ وُجُودُ المُدَّعَى عِلَّةَ مَعَ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ. ثَالِثُهَا: يَجُوزُ فِي الْمَنْصُوصَةِ لَا الْمُسْتَنْبَطَةِ. وَرَابِعُهَا: عَكْسُهُ. وَخَامِسُهَا: يَجُوزُ فِي الْمُسْتَنْبَطَةِ، وَإنْ لَمْ يَكُنْ بِمَانِعٍ، وَلَا عَدَمِ شَرطٍ. وَالمُخْتَارُ: إِنْ كَانَتْ مُسْتَنبطَة، لَمْ يَجُزْ إِلَّا بِمَانِع أَوْ عَدَمِ شَرْطٍ؛ لأَنَّهَا لَا تَثْبُتُ عِلِّيَّتُهَا إِلَّا بِبَيَانِ أحَدِهِمَا؛ لأَنَّ انْتِفَاءَ الْحُكْم، إِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِعَدَمِ - الْمُقْتَضِي، وَإنْ كَانَتْ مَنْصُوصَةً، [فَـ] بِظَاهِرٍ عَامٍّ فَيَجِبُ تَخْصِيصُهُ كعَامٍّ وَخَاصٍّ، وَيجبُ تَقْدِيرُ الْمَانِعِ. الشرح: قوله: "وفي النَّقْض، وهو: وجود المدّعي علة مع تخلف الحكم"، مذاهب: أحدها: أنه يجوز مطلقًا، فلا يقدح في العلّة، فلا يكون الاطراد من شروطها. والثاني: لا يجوز، فيكون قادحًا، ويشترط الاطراد. الشرح: "وثالثها: يجوز في المنصوصة لا المستنبطة. ورابعها: عكسه. وخامسها: يجوز في المستنبطة، وإن لم يكن مانع ولا عدم شرط. والمختار: إِن كانت مستنبطة لم يَجُزْ إِلا بمانع، أو [عدم] (١) شرط؛ لأنها لا تثبت علّيتها إِلا ببيان أحدهما؛ لأن انتفاء الحكم إِذا لم يكن ذلك"، أي إِذا لم يكن أحدهما حاصلًا، يكون "لعدم المقتضى، فإن كانت منصوصة، فبظاهر"؛ إِذ لو كان بقاطع، لم يتخلّف الحكم عنه "عام"؛ إذ لو كان خاصًّا لمحل الحكم، لم يثبت التخلّف، وهو خلاف المقدر، "فيجب تخصيصه، كعام وخاص" تعارضا، "ويجب تقدير المانع".

стр. 1857

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . اعلم أن الكلام في النقض من عَظَائم المشكلات أصولًا وجدلًا، وأنا مورد - إن شاء الله تعالى - ما فيه مقنع وبلاغ، فأقول: إِذا وجد ما ادّعاد المعلل علة في صورة من الصور، والحكم منفيّ فيها، فذلك هو ما نتكلّم فيه، ومن يجعله قادحًا في الوصف مبطلًا عقيته، يسميه "نقضًا". وأما من لا يراه قادحًا، فلا يسمح بإطلاق هذا الاسم عليه، ولكن يعبر عنه بـ "تخصيص العلّة". ولقد بالغ أبو زيد الدّبوسي في الرد على من يسميه [نقضًا] (١)، وذكر ما لا يوافق عليه، وأبان عن مزيد تعصّب. هذا صنيع المتقدّمين، وأما المتأخرون، فلا يَتَحاشون من تسيته بكل من الاسمين، يرونهما كاللَّقب له، سواء قيل بأنه قادح أم لا. إِذا عرفت هذا، فنقول: العلّة إِما منصوصة قطعًا، أو ظنًّا، أو مستنبطة، وتخلّف الحكم عنها إِما لمانع، أو فوات شرط، أو دونهما، فصارت الصور تسعًا، من ضرب ثلاثة في ثلاثة. وقد اختلف في النقض، هل هو قادح في العلية؟ على مذاهب (٢): أحدها: أنه يقدح مطلقًا، وهو المنسوب إِلى الشَّافعي ﵁ وأصحابه، ويعده

стр. 1858

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أصحابنا من جملة مرجّحات مذهب الشَّافعي على غيره من المذاهب، ويقولون: عِللُهُ سليمة عن الانتقاض، جاريةٌ على مقتضاها، لا يصدّها صادّ. والثاني: لا يقدح مطلقًا، وعليه أكثر أصحاب أبي حنيفة، ومالك، وأحمد ﵏. والثالث: يقدح في المُسْتنبطة دون المنصوصة. والرابع: لا يقدح في المستنبطة إِذا كان بمانع أو عدم شرط، دون المنصوصة. حكاه المصنف، وإليه أشار بقوله: عكسه. والخامس: لا يقدح في المُسْتنبطة، ولو بلا مانع أو عدم شرط، دون المَنْصُوصة. هذا ما حكاه في الكتاب. والسادس: وهو اختيار الإِمام الرازي: أنه يقدح مطلقًا، إلا فيما إذا كان واردًا على سبيل الاستثناء عن علّة معلومة. والسابع: إن كانت علّة [حَظْر] (١)، لم يَجُزْ تخصيصها، وإلا جاز. حكاه القاضي عن بعض المعتزلة. ولإِمام الحرمين مذهب ثَامِن، وللغزالي مذهب تاسع، حكيناهما في "التعليقة"، وتكلمنا عليهما بما فيه الكِفَايَة، وحذفناهما هنا اختصارًا. والعاشر: أنه لا يقدح في المَنْصُوصة بنص قَطْعِي، ويقدح فيما عدا ذلك، وهذا مذهب محقق الوجود، وإن كنت لا تجده مصرحًا به على هذا الوجه. وسببه: أنه لا يمكن أن يوجد، فعاد مساويًا لمذهب القائلين: بأن [النقض] (٢) قادحٌ مطلقًا؛ لعدم وجدان هذه الصُّورة النادرة. هذا هو السِّر في عدم تصريح النَّقَلَةِ به، وإذن هو المذهب الأول المنسوب إِلى الشافعي، وهو الذي نختاره ونرتضيه. واختار المصنّف: أنه يجوز في المستنبطة في صورتين، فلا يقدح فيهما، وهما ما إِذا

стр. 1859

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . كان التخلّف لمانع، أو انتفاء شرط، ولا يجوز في صورة واحدة، فيقدح فيها، وهي ما إِذا كان التخلف دونهما. وأما المنصوصة، فإذا كان النص ظنيًّا، وقدر مانع، أو فوات شرط، جاز، ولا يجوز في القطعي في صوره الثلاث، أي: لا يمكن وقوعه كما شرحناه عليه؛ لأن الحكم لو تخلف لتخلّف لدليل، وهو لا يمكن أن يكون قطعيًّا؛ لاستحالة تَعَارُضِ [القطعيين] (١)، إِلا أن يكون أحدهما ناسخًا، ولا ظنيًّا؛ لأنّ الظني لا يعارض القَطْعي، وهذا الذي اختاره المصنّف نحو مما اختاره الآمدي. والمنع في النص القَطْعِي إِذا لم يكن مانع، ولا فوات شرط، ظاهر، وأما إِذا كان مانع، أو فات شرط، فلا وجه للمنع إِذا كان ذلك المانع أو الشَّرط عليه دليل؛ لأنه حينئذ يكون ذلك الدَّليل مخصصًا للنص القَطْعي، اللهم إِلا أن تقدر دلالة النَّص على جميع الأفراد قطعية، فيصح ما قاله؛ لأنه حينئذ لا يمكن التخلف. وحاصله: أنه في النَّص القطعي لا يمكن ورود النَّقض، وفي الظَّني يمكن، وقال: إِنه يقدر إذ ذاك مانع، ولا حَاجةَ إِلى ذلك، فقد يكون تعبّدنا بالدليل الدَّال على التَّخصيص من غير ظُهُور معنى، فيمكن النقض، ولا يكون قادحًا، وفي المستنبطة يجوز حيث مانع أو فُقْدَان شرط، ولا يجوز فيما سواهما، ففيما سِوَاهما يكون قادحًا، ولا يكون النَّقض قادحًا في شيء من المواضع الممكن وجدانها إلا في هذا المكان، وهو ما إِذا استنبطت علّة، وتخلّف الحكم عنها لا لمانع، و [لا] (٢) لفوات شرط، فيستدل حينئذ بالتخلف لا لفسادها. فينبغي أن ينحصر الكلام، ويقال: النقض يَقْدَحُ في العلة إِذا كانت مستنبطةً، ولم يكن مانع ولا فوات شرط، ولا يقدح فيما سوى ذلك، وأنت ترى اختيار صاحب الكتاب، وأما نحن، فعلى أن النَّقض يقدح مطلقًا مُصَمِّمُون، وهو رأي إِمامنا ومطلبينا رضوان الله عليه، وعليه القاضي أبو بكر، وأبو الحسين البَصري، وجماهير المحققين. والرأي شرح ما في الكتاب على الاخْتِصَار، ثم المُنَاضلة عن المذهب المختار.

стр. 1860

لنَا: لَوْ بَطلَتْ لَبَطَلَ الْمُخَصِّصُ. وَأيْضًا: جَمْعٌ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ. وَلَبَطلَتِ الْقَاطِعَة، كَعِلَلِ الْقِصَاصِ وَالْجَلْدِ وَغَيْرِهِمَا. أبُو الْحُسَيْنِ: الْنَّقْضُ يَلْزَمُ فِيهِ مَانِعٌ أَوِ انْتِفَاءُ شَرْطٍ، فَيَتبيَّنُ أَنَّ نَقِيضَهُ مِنَ الأُولَى. قُلْنَا: لَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الْبَاعِثِ؛ وَيَرْجِعُ النَزَاعُ لَفظِيًّا. قَالُوا: لَوْ صَحَّتْ، لَلَزِمَ الْحُكْمُ. وَأُجِيبَ: بِأَن صِحَّتَهَا كَوْنُهَا بَاعِثَةً، لَا لُزُومُ الْحُكْمِ؛ فَإنَّهُ مَشْرُوطٌ. الشرح: قال صاحب الكتاب: "لنا: لو بطلت" العلّية بالتخلّف "لبطل المخصّص" الوارد على العام، وانْسَدّ بابه؛ إِذ لا فرق بين تخصيص العلّة، وتخصيص العام، وكما أن التخصيص لا يقدح في العموم اللفظي، كذلك لا يَقْدَح في العموم المعنوي، وهو عموم العلة. "وأيضًا" إنه "جمع بين الدليلين" دليل الاعتبار؛ إِذ يعمل بكونها علة في غير صورة النَّقض، ودليل الإِهدار، إِذ يعمل به في محلّه، وهو صورة النَّقْض، فوجب المصير إِليه. "و" أيضًا: لو بطلت "لبطلت" العِلَلُ "القاطعة، كعلل القِصَاصِ والجَلْد وغيرهما"؛ لأن المفروض مُنَافاة التخلّف للعلية؛ إِذ لا مانع سواه، لكن العلل القاطعة لا تبطل؛ إِذ لا يبطل كون علّة القِصَاص القتل العَمْد العدوان، بأن الأَبَ لا يُقَادُ بولده، ولا أن علة الجلد الزِّنا، بالتخلف في الأب يزني بجارية ابنه. الشرح: وقال "أبو الحسين"، ومن وافقه من مانعي تخصيص العلة: أولًا: "النقض يلزم فيه مانع، أو انتفاء شرط، وإذا كان كذلك، "فيتبين أن نقيضه"، أي: نقيض المانع، أو انتفاء الشرط، وهو عدم المانع أو وجود الشرط، جزء "من" العلة "الأولى التي ادّعى أنها علّة؛ لأنه لا يترتب الحكم بدونهما، فالعلّة المجموع. "قلنا: ليس" انتفاء "ذلك المعارض" من الباعث" الذي هو العلّة، "ويرجع النزاع=

стр. 1861

قَالُوا: تَعَارَضَ دَلِيلُ الاِعْتِبَارِ وَدَلِيلُ الإِهْدَارِ. قُلْنَا: الاِنْتِفَاءُ لِلْمُعَارِضِ لَا يُنَافِي الشَّهَادَةَ. قَالُوا: تَفْسُدُ كَالْعَقْلِيَّةِ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْعَقْلِيَّةَ بِالذَّاتِ، وَهَذِهِ بِالْوَضْعِ. لفظيًّا"؛ لأنّه يفسر العلّة بما يستلزم وجوده وجود الحكم، فيكون ما ذكره جزءًا، ونحن نفسرها حينئذ بالباعث، فيجوز النقض. "قالوا" ثانيًا: "لو صحّت" العلّة المنقوضة "للزم الحكم" في صورة التخلّف؛ لأن المعلول يلزم علّته. "وأجيب بأنَّ صحتها كونها باعثة، لا لزوم الحكم؛ فإنه مشروط" بحصول الشرط، وانتفاء المانع. الشرح: "قالوا" ثالثًا: "تعارض دليل الاعتبار، وهو: وجود الحكم، "ودليل الإِهدار" وهو: التخلّف، فتساقطا، ويبقى الوصف كما كان قبل الاعتبار، فلا يعمل بدليل العلّية، وهو المطلوب. قال علماؤنا: ولو لم تسقط لتَكَافَأَت الأدلّة؛ فإن من قال في محاولة [تحليل] (١) النبيذ: مائع كالماء، وهو لا يبالي بلزوم الخَمْرِ نقضًا، فللمعترض أن يقول: مائع؛ فيحرم كالخمر، ولا يباي بالنقض، فتكافأ الدليلان. "قلنا: الانتفاء"، أي: الإِهْدَار في صورة التخلّف إنما هو "للمعارض"، وهو المانع، أو انتفاء الشَّرْط، والانتفاء للمعارض "لا ينافي الشَّهَادة" من الشرع باعتبار الوصف، فلا يكون النَّقض منافيًا [لكونها] (٢) علة. "قالوا" رابعًا: "تفسد" (٣) بالنقض "كالعقلية".

стр. 1862

الْمُجَوِّزُ فِي الْمَنْصُوصَةِ: لَوْ صَحَّتِ المُسْتَنْبَطَةُ مَعَ النَّقْضِ، لَكَانَ لِتَحَقُّقِ الْمَانِعِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بَعْدَ صِحَّتِهَا؛ فكَانَ دَوْرًا. وَأُجِيبَ: بِأنَّهُ دَوْرُ مَعِيَّةٍ، وَالصَّوَابُ: أَنَّ اسْتِمْرَارَ الظَّنِّ بِصِحَّتِهَا عَنْدَ التَّخَلُّفِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْمَانِعِ، وَتَحَقُّقُ الْمَانِعِ يَتَوَقَّفُ عَلَى ظُهُورِ الصِّحَّةِ، فَلَا دَوْرَ، كَإِعْطَاءِ الْفَقِيرِ يُظَنُّ أَنَّهُ لِفَقْرِهِ، فَإِنْ لَمْ يُعْطِ آخَرَ، تَوَقَّفَ الظَّنُّ، فَإِنْ تبَيَّنَ مَانِعٌ، عَادَ؛ وإِلَّا زَالَ. قَالُوا: دَلِيلُهَا: اقْتِرَانٌ؛ فَقَدْ تَسَاقَطَا؛ وَقَدْ تَقَدَّمَ. الْمُجَوِّزُ فِي الْمُسْتَنْبَطَةِ: المَنْصُوصَةُ دَلِيلُهَا نَصٌّ عَامٌّ؛ فَلَا تُقْبَلُ. وَأُجِيبَ: إنْ كَانَ قَطْعِيًّا، فَمُسَلَّمٌ، وَإنْ كَانَ ظَاهِرًا، وَجَبَ قَبُولُهُ. الْخَامِسُ: الْمُسْتَنْبَطَةُ عِلة بِدَلِيل ظَاهِرٍ؛ وَتَخَلُّفُ الْحُكْمِ مُشَكَكٌ، فَلا يُعَارِضُ الظَّاهِرَ. وأجيب: بأن العقلية" علّة "بالذات"، وما بالذات لا ينفك، "وهذه بالوضع"، فجاز انفكاكها. الشرح: واحتج "المجوّز" للنقض "في المنصوصة" بأنه "لو صحّت المستنبطة مع النَّقْض لكان لتحقق المانع"؛ لأن التخلّف لغير مانعٍ يقتضي كونها غير علّة بلا شك، "ولا يتحقق" وجود المانع "إلا بعد صحَّتها"؛ لأنه لولا صحّتها لكان عدم الحكم مستندًا إِلى عدم العلّة، لا إِلى وجود المانع، "فكان دورًا". "وأجيب: بأنه دور معيّة"، لا دور تقدم وتأخر، فلا يمتنع، وهو جواب جَدَلي. "والصواب في "الجواب: "أن [استمرار] (١) الطن بصحّتها عند التخلّف يتوقّف على المانع، وتحقّق المانع يتَوقّف على ظهور الصحّة، فلا دور"؛ لأن المتوقف على المانع إنما هو استمرار الظَّن، والمتوفف عليه المانع إِنما هو ظهور الصحّة، وذلك "كإعطاء الفقير لظن أنه لفقره، فإِن لم يعط" فقيرًا "آخر، توقف الظن، فإن تبين مانع عاد، وإلا زال". "قالوا ثانيًا: "دليلها اقتران" من الحكم بها، وكما شهد لها بالاعْتِبَار في صورة عدم

стр. 1863

وَأُجِيبَ: تَخَلُّفُ الْحُكمِ ظَاهِرٌ أَنهُ لَيْسَ بِعِلَّةٍ، وَالْمُنَاسَبَةُ وَالاسْتِنْبَاطُ مُشَكَّكٌ. وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ الشَّكَّ فِي أَحَدِ الْمُتقَابِلَيْنِ يُوجِبُ الشَّكَّ فِي الآخَرِ. قَالُوا: لَوْ تَوَقَّفَ كَوْنهَا أَمارَةً عَلَى ثبُوتِ الْحُكْمِ فِي مَحَلٍّ آخَرَ لَانعَكَسَ، وَكَانَ دَوْرًا، أَوْ تَحَكُمًا. التخلف، شهد عليها بالإِهدار في صورة التخلّف، "فقد تساقطا"؛ لتعارضهما، "وقد تقدم" الجواب عنه، بأن الانتفاء لمعارض لا يقدح. الشرح: واحتج "المجوّز" للنقض "في المستنبطة" فقال: "المنصوصة دليلها نصّ عام"، فيتناول محل النقض صريحًا، فتثبت فيه العلّية صريحًا، "فلا يقبل" النَّقض؛ إِذ يلزم إِبطال النَّص، بخلاف المستنبطة، فإن دليلها الاقتران مع عدم المَانِعِ، ولا تخلّف عنه. "وأجيب: إِن كان" النَّص العام "قطعيًّا"، فمسلم" أنه لا يقبل التخصيص، "وإن كان ظاهرًا وجب قبوله"، وتقدير المانع، كما ذكرناه. واحتجّ من مذهبه القول "الخامس" أعني: جواز التخلُّف في المستنبطة بغير مانع، ولا فوات شرط، فقال: "المستنبطة علّة بدليل ظاهر" يوجب ظنّ العلية، "وتخلف الحكم مشكك" في علّيتها، "فلا يعارض الظاهر"؛ إذ الظنّ لا يرفع بالشك. الشرح: "وأجيب: بالمُعَارضة، وتقريرها: أن يقال: "تخلّف الحكم ظاهر" في دلالة "أنه" أي: أن الوصف "ليس بعلّة، والمناسبة والاستنباط" كلاهما "مشكك"، فلا يعارضان الظَّاهر، وهذا جواب جدلي. "والتَّحقيق: أنَّ الشَّك في أحد المُتقابلين يوجب الشك في الآخر"، فإذا كان التخلف يورث الشَّك في عدم العلّية، أورث الشَّك في العلية؛ إذ حقيقة الشك أن المتقابلين محتملان على السَّواء، فإذن قولك: العلّية مظنونة بدليلها، وعدم العلية مشكوك بدليله، كلام متناقض. "قالوا" ثانيًا: "لو توقف كونها أَمَارةً على ثبوت الحكم" بها، "في محلّ آخر لانعكس"، أي: أن ثبوت الحكم بها في المَحَلّ الآخر متوقفًا على كونها أمارة، "وكان دورًا"، إن انعكس، "أو تحكمًا" إن لم ينعكس؛ لعدم الأولويّة.

стр. 1864

وَأُجِيبَ: بِأنَّهُ دَوْرُ مَعِيَّةٍ. وَالْحَقُّ: أَنَّ اسْتِمْرَارَ الظَنِّ بِكَوْنِهَا أَمَارَةً يَتَوَقَّفُ عَلَى الْمَانِعِ أَوْ ثُبُوتِ الْحُكْمِ، وَهُمَا عَلَى ظُهُورِ كَوْنِهَا أَمَارَةً. الشرح: "وأجيب: بأنه دور معيّة"، فلا يمنع، وليس بجيّد؛ إِذ لا تعلم علّيتها على هذا التقدير إلا بثبوت الحكم بها في جميع صوَرِ وجوده، وهو الاقتران، فلو علم ثبوت الحكم بها، كان دور التقدم الممتنع قطعًا؛ إذ ما به الشيء يعلم قبل العلم بالشيء. والحقّ في الجواب: أن الدليل إِذا دل على علّية الوصف، لم يفتقر إِلى التتبع في الصور، بل يثبت ابتداء عند قيام المُنَاسبة أو غيرها من أدلة العلم، والوقوف على التخلف وعدمه يقع في أثناء العلّة، ففرق بين ابتدائها ودوامها، وإليه أشار بقوله: "والحق: أن" الدور غير لازِم؛ لأن "استمرار الظّن بكونها أمارةَ" على الحكم "يتوقف على" ثبوت "المانع" في صورة التخلف، ليقوم عُذْر التخلف؛ وإلا فلِم تخلف الحكم؟. "أو" يتوّقف على "ثبوت الحكم" في الصورة، "وهما" أعني: كلا من ثبوت المانع على تقدير التخلّف، وثبوت الحكم على تقدير عدمه متوقفان "على ظهور كونها أمارة"، فلا دور، وقد مضى مثله. هذا شرح ما في الكتاب، وقد أعلمناك أن الحق عندنا أن النقض قادح مطلقًا، وعُمْدَتُنَا وجوه: أولها: وهو المعتمد، ما ذكره في الكتاب عن أبي الحُسَين، ولنقرره على وجه أبسط من الأول، فنقول: العلّة معرف الحكم، وتخصيصها يمنع من كونها معرفًا في ذلك المخصّص، وإذا لم تكن معرفًا فيه، لم تكن علّة له، وإذا لم تكن علة له، كان إِطلاق القول بأنها علة على وجه التعميم في كل الصور غير سديدٍ، فمن قال مثلًا: علة تحريم بيع الذَّهَبِ متفاضلًا الوزن، ثم جوز بيع الرّصَاص بالرصاص مع وجود الوَزْن، قيل له: أَبِنَصٍّ قلت ذلك، أم بعلة هي أقوى من علة تحريم بيع الذهب بالذهب؟. فإن قال: بعلة، ثم بيّن وجه قياس الرصاص على أصل مُبَاح بيع بعضه ببعض، فيقول: ليس العلّة حينئذ في الذهب مجرّد الوزن، بل الوزن مع عدم ذلك الوصف المَجْعُول

стр. 1865

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . علّة للإباحة؛ إذ لو وجد في الذهب لما قلنا: بالتحريم، فإن قال الخَصْم: أنا أَشترط نفي ذلك الوصف، إِلا أني لا أسميه جزءًا من العلّة، وإن كان التحريم لا يحصل بدونه. قلنا: هَبْ أنك لا تسميه، إِلا أن وِجْدَانه مما لا بد للعلّة منه. والتحقيق: أنه جزء؛ لأن انتفاء المانع وَوِجْدَان الشرط جزء من العلّة التَّامة، والعلة المعرفة لا فرق بينها وبين التَّامة إِلا أنها لا توجد الحكم، وإنما يوجد عندها وهو لا يوجد عندها، إِلا بعد وجدان الشرائط، وانتفاء المانع. وإن قال: بنصّ، فيقال له: هل علمت علة إِباحته؟. فإن قال: علمت، قلنا له: كما قلنا أولًا، وإن لم يعلم، فمعلوم أن علة ذلك مقصورة على الرّصاص لا تتعدّاه؛ إذ لو تَخَطّته، لنصب الله علمًا على ذلك؛ ليعلم ثبوت حكمها فيما عدا الرّصاص، وإذا كان كذلك، لم يعلم تحريم الذهب بالذهب إلا لأنه موزون وليس برصاص، فبطل كون العلّة مجرد الوَزْنِ، فثبت أن التخصيص يخرج العلة عن كونها أمارة. وإن قال: الرصاص ورد مستثنى لا علّة له، فيقال: العلّة هي المعرّف، وهي لم تعرف إِلا فيما يرد مستثنى، فهي حينئذ فيما عدا الرّصَاص كونه موزونًا، لم يرد مستثنى، لا مطلق كونه موزونًا، فقد لاح كالصَّبَاح أن النقض قادحٌ، وأنه لا فرق بين ما وَرَدَ مستثنى، وما لم يرد، ولا بين المنصوصة [و] (١) المستنبطة. وقوله في الكتاب: العلة: الباعث. قلنا: أولًا لا نسلم، وثانيًا سلمناه، ولكن ليس الباعث مثلًا مجرّد الوزن، بل الوَزْن مع القَيْدِ الآخر، وهو واضح فيما تقدم، فقد لاح وظهر أنّ النقض قادح، سواء أفسرت العلّة بالمعرف، أم الباعث، أم المؤثر. وقوله: يرجع النزاع لفظيًّا. قلنا أولًا: إِنما يتم هذا، لو كان كونها باعثًا لا يتوقّف على وجود الشَّرائط، وانتفاء الموانع، فإنه حينئذ يتحقّق الباعث، وإن لم يوجد ذلك، ونحن قد منعنا هذا. وقلنا: إِنما تكون باعثًا عند وجود الشَّرَائط، وانتفاء الموانع وثانيًا: أنا لا نسلّم على

стр. 1866

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . تقدير تسميتها باعثًا، وإن لم توجد الشَّرائط، وتنتفي الموانع رجوع النزاع لفظيًّا، وسنقرر ذلك إِن شاء الله تعالى أحسن تقرير. وثانيها: تعارض دليل الاعتبار والإِهدار، وقد مضى. وقوله: "علّة الانتفاء للمعارض لا ينافي الاعتبار" ممنوع، وسَنَدُ المنع قد عرفته. وثالثها: قياس الشرعية بالعقلية، وقوله في الفرق: "تلك بالذَّات، وهذه بالوضع" في غاية السّقوط؛ فإن الشرعية وإن كانت بالوَضْعِ، لكنها على حسب ما وضعت، ونحن نقول: إِنما وضعت عند وجود الشَّرَائط، وانتفاء الموانع، لا مطلقًا، ونقول: وضعت لتناسب العقليّة، وتحاكيها، في أن الحكم يتعقبها أنّي وجدت. ورابعها: أنّ العلّة طريق الحكم، فلا يجوز أن تكون موصّلةً في مكان، غير موصلة في آخر؛ إِذ الطريق لا يختلف، فإن من ظن أن زيدًا في الدَّار بخبر رجل بعيد من الكذب، لا يجوز أن يخبره ذلك الرّجل بأن عمرًا في الدار، ثم لا يظنّه صادقًا، إِلا إِذا حصل مانع، وحينئذ تبيّن أنه لم يكن ظن صدقه أولًا لمجرد أنه بعيد من الكذب، بل لذلك مع ضميمة انتفاء المانع. وخامسها: أن وجود العلّة مع عدم حكمها مناقضةٌ؛ بدليل عدّ العقلاء، فإن من قال: سامحت فلانًا لأنه بَصْري، ثم لم يسامح غيره من البصريين، بادر القوم بالاعتراض عليه بالنَّقض، فإن اعتذر بعَدَاوة غيره له، قيل له: هلّا قلت: سامحته؛ لأنه بصري وليس بعدوّ؟. وسادسها: وهو معتمد القَاضِي أبي بكر: أن معتمدنا في القياس، إنما هو فعل الصحابة ﵃، وقد تحقّقنا تمسكهم بالعلل المطردة دون المخصّصة، ومن تمام قول القاضي: إِنه لا يتمسّك بالظنون، ولو استتبّ دليل علي جواز النقض، وهو ظني، فالقاطع إِنما قام على جواز المطّردة دون المنصوصة. وسابعها: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢]. قال علماؤنا: والنقض من الاختلاف، فدلّت المناقضة على أن الدليل ليس من عند الله، وما لا يكون من عند الله، لا يحتج به.

стр. 1867

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وثامنها: قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ [الأنعام: ٩١]، فقد نقض الرب تعالى عليهم في دعواهم عموم عدم الإنزال بصورة خاصّة، وهي الإِنزال على موسى، فلو لم يكن قادحًا لم تبطل دعواهم، ولأصحابنا دلائل أُخَر يطول شرحها. ولنتعقّب كلام الخُصُوم، فنقول: قولهم: لو بطلت لبطل المخصص. قلنا: لفظ العموم لفظ لُغَوِي، يصدق على الكُلّ والبعض؛ بدليل استعمال أهل اللُّغة له على الوجهين، ولهذا لا يبادر إلى العمل به حتّى يبحث عن المخصّص، فصار اللَّفظ العام لا يستقرّ قراره المُرَاد به بنفسه، إِلا بعد السَّبر والنظر في الأدلة، فلم [يمتنع] (١) بذاته على المقصود له. وأما المعنى، فشيء له مقصود خاصّ، ومتى قام الدليل على صحّته بالتأثير، استقرّ المُرَاد به، فلا يجوز أن يختلف المعنى المؤثّر، وإذا اختلف تغيّرت صفته، وإذا تغيّرت صفته، تغيرت سمته. قال ابن السَّمْعَانِي: وعندي أن الجواب بحرفٍ واحدٍ، وهو أن العام كان حجّة فيما يتناوله بنفس اللَّفظ، وذلك التناول فيما وراء المخصّص لا يبطل بالتخصيص. وأما العلّة فكانت حجّة بالتأثير المفيد لقوة الظَّن، وهذا يبطل بالتخصيص (٢)، وعلى هذا يظهر لك الجواب عن العلّة المنصوصة أيضًا؛ لأن صحّتها بالنَّص، فلم يضره التَّخصيص الواقع عليه. وأما المستنبطة فصحّتها بالتأثير، وشرطها الجَرَيَان؛ لئلا تضعف قوة الظَّن الواقع بها، فيمتنع [تعليق] (٣) الحكم به، وعلى أن طائفة من أصحابنا سووا بين العلّتين في المنع من التَّخصيص، وعلى التسليم، قد ظهر لك الجَوَاب ظهورًا قويًّا. اهـ كلام ابن السَّمْعَاني. والصحيح عندنا: أنه لا فرق بين المَنْصُوصة والمُسْتَنْبطة، كما أسلفناه، ولقد قال

стр. 1868

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . القاضي في "مختصر التَّقْريب": من فرق بينهما فقد تحكم. قلت: وقول ابن السَّمْعَاني: "صحّة المُسْتنبطة بالتأثير، والمنصوصة بالنَّص" ضعيف، والمُسْتنبطة ليست إِلا حاكية المَنْصُوصة، والمجتهد يستخرجها، وعنده أنَّ الشرع أقامها، ولا فرق بينها وبين المَنْصُوصة إِلا ورود المَنْصُوصة على لسان الشَّرع نطقًا، وأن المجتهد لا صنع له فيها، بخلاف المُسْتَنبطة، فإن كان ثَمَّ تأثير، فهو في الموضعين بجعل الشّارع، نعم أصل جواب ابن السَّمْعَاني حسن؛ فإِن الجريان في الصُّور المشتملة على العلّة من المعنى الَّذِي نسبة الأفراد كلّها إِليه على حدّ سواء، وهو منصوب علامة، والعلامة أبدًا تطرد، فحيث تخلف، تبيّن أنها لم تكن علامة. وأما اللفظ العام، فهو محتمل لأنْ يراد به الخاصّ، وأن يراد الشمول، ولا معنى يعضد أحد المحملين بخلاف العلّة، فإن فهم المعنى يساعد على التعميم، وعندي [أنا] (١) أنه لا فرق بين تخصيص اللفظ العامّ والعلة، فاِن اللفظ العام إِذا خصّ، تبين لنا أنّ اللَّافِظ لم يرد أولًا باللفظ إِلا بعض أفراده، والمعلل أيضًا إِذا ذكر وصفًا غير مطرد، تبين أنه لم يرد إلا ما وراء المحل الخارج، فإن فرض لفظ عام مصرح فيه بالتعميم، وأنه مراد منه فنحن نمنع تَخْصِيصه، كما نمنع تخصيص العلّة المقطوعة المنصوصة، كما نبَّهْنَاك عليه في أوّل المسألة. فإن قلت: فالعام الظاهر يجوز تخصيصه بلا نَظَرٍ، والعلة لا يجوزون تخصيصها. قلت: نحن لا ننكر أن المعلل يطلق مثلًا أن القَتْل العَمْد المَحْض العدوان أمارة القِصَاص، ويريد فيما عدا الأب، وما أشبهه، وإنما نقول: إِن ذلك انقطاع في مجلس المُنَاظرة، إذ أطلق في مكان التَّفصيل، وهذا بخلاف الشَّارع إذا أطلق العام، وأراد الخاص، فإن الأحكام راجعةٌ في اختياره وإرادته، فإذا أتى بلفظ عام، وأراد به الخاص، فلا اعتراض فيه. وقوله في الكتاب: إِن صحة النَّقض جمع بين الدليلين عجيب؛ فإنّا لا نسلم انتهاض العلّية ما لم تسلم عن النَّقض، فدعوى انتهاضها دليلًا مصادرة على المطلوب. وقوله: "لو بطلت المَخْصُوصة، لبطلت القاطعة إِذا [خصّت] " (٢) صحيح، ولا فرق.

стр. 1869

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قوله: "علّة القصاص: القَتْل، العَمْد العدوان، ولا تبطل بالأبوة" ممنوع، بل انتفاء الأبوة جزء من العلّة، كما عرفت. فإن قلت: لقد هَوّلتم أمر النقص، والخَطْب فيه يسير؛ لأنه لا ريب في أنه إِذا تخلّف الحكم في صورة، كانت العلّة معم فًا فيما عدا تلك الصُّورة، ولكن هل يقال: إن تعريفها [في تلك الصّورة باقٍ، ولكن صدمه ما قطع عمله، أو أنه خاصّ بما وراء] (١) تلك الصورة، ولا علّية لها فيها أصلًا؟. وذلك خلاف لفظي، وهذا ما قاله المصنف، حيث قال: ويرجع النزاع لفظيًّا. قلت: ليس الخلاف بلفظي، بل يترتّب عليه أولًا فائدة عظيمة، وهي مسألة التعليل بعفتين، كما سنقرره إِن شاء الله تعالى عند الكلام فيها. وثانيًا: انقطاع الخَصْم؛ فإن النقض من عَظَائم أبواب الجَدَل، والمراد منه انقطاع الخَصْم، ولا يسمع منه بعد ذلك دعوى أنه إِنما أراد بالعموم الخُصُوص، وباللَّفظ المطلق ما وراء محلّ النَّقض؛ لأنه يشبه الدَّعْوَى بعد الإِقرار، فلا تسمع إِلا ممن له قدرة الإِنشاء في الموضعين، فالخلاف في أن النَّقض هل يقدح؟ معنوي. والقائلون: بجواز تخصيص العلّة يقولون: يقبل قوله: لم أرد هذه الصورة، أو هذه من النَّقض الذي لا يلزمني الاحتراز عنه، بخلاف مُنكريها، فإنهم يقولون: هذا لا يسمع منك؛ فإن كلامك مُطْلق، وأنت بسبيل من الاحتراز، فلم لا احترزت؟. ومتى ترتب الانْقِطَاع وعدمه على أن النقض هل يقدح؟ كان الخلاف معنويًا، وبهذا تبيّن لك الفرق بين العامّ والخاصّ إذا وقع في كلام الشارع وغيره، فإنه في كلام الشّارع واقع ممن له الإِنشاء في الموضعين، فله أن يقول: أردت بالعام الخاصّ، ولا معترض عليه، فإنه لو قال: يستحبّ الحكم ورفعته، لوجب الإِصْغَاء إليه، فكيف بهذا؟. أما مَنْ ليس له ذلك من المجتهدين والمناظرين وغيرهما، فإذا أطلقوا لفظًا عامًّا، ثم قالوا: أردنا الخُصُوص. قلنا لهم: إرادتكم تنفعكم في أنفسكم، ولكنا لا نقبلها منكم؛ إِذ اللفظ لا ينبئ

стр. 1870

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . عنها، وأنتم في مَجَالس الجِدَال، والنَّظر بتصحيح الكلام مطالبون، وعلى النَّقِيرِ والقِطْمِيرِ محاسبون. قال الأستاد أبو إسحاق فيما نقله عنه إمام الحرمين في "التدريس": إطلاق الألفاظ العامّة والمراد بها [النقض] (١) شائع. وأما المعلل منا إِذا علّل بلفظ عام، وأتى بصيغة علّة شاملة، فلا يقبل منه أصلًا إذا نقض عليه كلامه، وقال: إِنما أردت كذا؛ إذ لو جوّزنا ذلك، لما تصور إِبطال علة قط؛ إِذ لا يعجز أحد عن إِظهار مراد له، بخلاف إِطلاق صاحب الشرع الألفاظ العامة؛ إِذ له أن يفعل ذلك، والفَرْق أن الواحد منا إِنما جلس ليفهم صاحبه ويفهم عنه، وصاحب الشرع له أن يُبيِّن، وأن يؤّخر البيان إِلى وقت الحاجة، ويخاطب بمجمل، ولا يجوز لواحد منا أن يعلّل بعلّة مجملة، ويفسرها. قال: ومن العلماء من جوز ذلك، قال: ومجوزه لا يميّز. انتهى. فإن قلت: فقضية هذا أن العلة المنصوصة يجوز تخصيصها؛ لورودها في كلام الشارع الذي له الإنشاء. قلت: نقول: إِذا وردت في كلام الشارع تبيّن أنه لم يرد محلّ النقض، وأنه إِنما جعلها علة فيما وراءه، وذلك مسموع منه، بخلاف غيره؛ فإنه لا يسمع منه قوله بعد الإِطلاق: إِنما أردت أنها علّة فيما وراء ذلك المخرج، ولو ورد دليل قطعي على أن العلّة هذا، وأنها تعمّ مواردها قطعًا، ثم ورد نقض، لقلنا: إِنه لا يقدح، ولكنا نقول: ذلك مستحيلٌ كما سبق؛ لاستلزامه تعارض قاطعين، أو قاطع وظني. فحاصل المَسْألة: أنه هل يسمع من الجَدَلي قوله: أردت بالعموم الخصوص أو لا؟ القائلون بتخصيص العلّة يسمعونه، ونحن لا نسمعه، والصواب معنا؛ إِذ هو كمدع بعد الإِقرار، ولا فرق بين العموم والخصُوص في اللَّفظ والعلّة، فمن قال: قام الناس، حسن أن يقال له: لم يقوموا جميعًا؛ لأن زيدًا منهم، وهو لم يقم. سلمنا أن اللفظ العام يسمع من قائله إِرادة الخاصّ، إلا أن الفرق بينه وبين العلّة أن عمومها معنوي، كما تقدم.

стр. 1871

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فإن قلت: قد أنكرتم تخصيص العلل، وناقضتم في مسائل كثيرة، منها: المُصَرَّاة والعَرَايا، وضمان الجَنِين بالغُرّة، وضرب الدِّيَة على العَاقِلَة. وعلّل الشافعي تحريم الخمر بالشدّة، [وقاس] (١) عليها تحريم النَّبِيذ. وللخمر ثلاثة أحكام: التحريم، والتفسيق، والحد، فطرد عليه في الفرع في الحَدّ دون الفِسْق؛ إذ قبل شهادة شارب النَّبيذ. قلت: أما أنا فأقول في جوارب هذا كلّه ما قدمته من أن العلة ليست موجودةً في محلّ النقض، فأقول مثلًا: كلّ مِثْلي يضمن بمثله، إِلا في المُصَرّاة، وإنما لم يذكره الفقهاء؛ لأنه نادر، ومعلوم الاستثناء، فإذا قال الفقيه: المِثْلِيّ يضمن بالمِثْلِ، يعرف أنه لم يقصد ذلك المستثنى، وأقول مع ذلك: لو جلس في مجلس النظر وقال: كل مثلي مضمون بمِثْلِهِ، لكان لخصمه أن يقول: يرد عليك المُصَرّاة، ولا ألتفت إِلى أنك لم تردها. نعم أقول: إِذا كان المستثنى مشهورًا، بحيث يعرف الخَصْم أنه لم يرد، فاللَّائق أن لا تشَاحح فيه. وقد أجاب أصحابنا عن هذه المَسَائل، وأمثالها بأجوبة كثيرة، وما ذكرناه طريقة جَدَلية بمنع [بعض] (٢) النقض، وأنت أيها الفقيهُ لا ترى مستثنى من قاعدة إِلا وهناك معنى يمتاز به عن سائر الأفراد، ينعطف قيدًا في العلّة، فاعتبر ذلك في كل مكان، يتضح لك ما ذكرناه، وتعلم أنه لا سبيل إِلى [نقض] (٣) العلة. ونقول مثلًا: النَّبيذ حرام قياسًا على الخمر بجامع الإِسكار، نطلق الإِسكار علّة في التحريم، والحدّ، وإسكار الخمر الخاصّ علّة التفسيق، فلم تنتقض علّة، ولئن سئلنا عن فقه هذا. قلنا: انظر ماذا يعلل به الفقيه قَبُول الشهادة، وألحقه بالعلة، وهذا سبيلك في كل خارج من أصل لمعنى، وما خرج لا لمعنى ينعطف منه أيضًا قيد، وهو عدم الاستثناء؛ فإن العلّة مطّردة لجعل الشارع، فإذا قطع اطرادها في مكان، قطع علتها فيه، فهي إنما تكون علة فيما وراءه، فاحفظ ما ألقيت إِليك تدفع به شبهات الخصوم أجمعين على اختلاف مقالاتهم.

стр. 1872

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقد أجاب إِمام الحرمين عما ورد مستثنى: بأنه غير مَعْقُول المعنى، وهو كالشَّاذ، فلا يورد على القاعدة الكلية؛ فإن عادة الأئمة ترك الشَّاذ على شذوذه يعدونه كالخارج عن المنهاج. وذكر ابن السَّمْعَاني أجوبة أصحابنا عن هذا، وحاصلها: أننا لا ننكر وجود مواضع في الشرع، وتخصيصها بأَحْكَام تخالف أجناسها؛ بدليل شرع في ذلك الموضع بخصوصه، فيكون ذلك [الموضع] (١) مسلمًا، ولا يطلب له معنى، ولا يصدم هو أصلًا، مثل عوض الفبن في المُصَرَّاة، وكما [أنَّا] (٢) لا نقيس عليه غيره، كذلك لا نخصّ به أصلًا. والقول الملخص: أ ن ما نخصّ به العلة المعنوية إِذا عرف معناه، فهو ممنوع؛ لأنه إِذا افثرق الموضعان بعلّة مؤثرة، تبيّن لنا أنّ المعلل في [نصبه] (٣) العلّة التي خص منها هذا الموضع لم يستوف الحجّة. والحاصل أن التخصيص يفوت قوة الظَّن بالأمارة، وإنما يفوت قوة الظَّن إِذا استند المَخْصُوص إلى معنى كاستناد المَخْصُوص منه. فأما إذا لم يستند إِلى معنى أصلًا، فلا يفوت بذلك قوّة الظن ولا يورد نقضًا؛ لأن قوة الظن لم تَفُتْ، وذلك شاذ خارج عن المِنْهَاج المستقيم. انتهى. قلت: وهذا متلقى من إمام الحرمين، إلا أن إمام الحرمين جعل المستثنى أبدًا غير معقول، والمُخْتَار عند أئمّتنا أنه قد تعقل معناه، وابن السَّمْعَاني جرى على طريقة الأصحاب، وقد أحسن. وحاصله: أنه إِن كان معنى قدح لمعارضة معنى لمعنى، فمن لم يحترز عنه يوجه الاعتراض نحوه، ون كان لا معنى، فهو شاذ لا يورد نقضًا، كما لا يقاس عليه. ولقائل أن يقول: إِنما لا يقاس عليه لفوات المَعْنَى الذي هو رابطة القياس. وأما انعطاف قيد منه كما عرفت، فهو عندي يرد نقضًا في الصورتين.

стр. 1873

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقوله: قوة الظن لم تَفُتْ. قلنا: بالنسبة إِلى المخصوص أو غيره؟ إِن كان بالنسبة إِلى المخصوص، فقد فات بالكلّية، وإن كان بالنسبة إِلى غيره، فصحيح، لكن انضم إِليه شرط انتفاء ما استثني. وفَيْصَلُ الأمر عندنا: أن مجلس المُنَاظرة مَبْنِيٌّ على المُشَاحّة، والمُحَاقّة، وعدم التفات الخَصْم إلى الإِرَادَات والمَقَاصد، ونظيره من قال لامرأته: أنت طالق. ثم قال: أردت من وثاق، فإنا نحكم بالطَّلاق، ونقول: إِن كنت في نفس الأمر صادقًا لم يقع، ولكنا لا نبني إِلا على الألفاظ، وأمثال هذا يكثر. ومن شبه القائلين بتخصيص العلّة: أنها أمارة، والأَمَارَةُ قد تتخلف، ولا تخرج بالتخلّف عن كونها أمارة، وهذا كالغَيْمِ الرطب أمارة على المَطَرِ، ولربما يختلف أحيانًا، ولقد تقدمت هذه الشُّبْهة في إدْرَاج كلماتنا، وذكرنا ما يدرؤها، ولكنا أردنا أن نخصّها هنا بمزيد النَّظَر فنقول: العلّة إِن فسرت بالمؤثر، كما يقوله من يقول بذلك، فلا رَيْبَ في أن التخلّف يمنع تأثيرها فيه؛ إِذ لا تأثير لها مع التخلف، وإن فسرت بالباعث - كما يقول الآمدي والمصنف - فهي في محلّ التخلّف غير موجودة، وإلا لزم أمران: أحدهما: أن يشرع الحكم على خلاف المَصْلحة، والعقلاء في أفعال الشَّارع على قولين: أحدهما: تعليلها بالمصالح. والثاني: عدم التعليل. أما التعليل بعدم المصالح، فلم يَقُلْ به عاقل. وثانيهما: أن تكون باعثة في وقت دون آخر مع اتحاد الجهة. فإن قلت: بل هي موجودة، ولا يلزم ما ذكرتم؛ لأن وِجْدَانها إِنما يعمل حيث لا تَعَارض، وكونها باعثةً إنما يظهر أثره حيث لا مانع. قلت: فالعمل لها حينئذ إنما هو حيث لا مُعَارضة، والبعث إِنما هو حيث لا مانع، فليكن جزءا من العلّة، ولتنتف العلّة بهما، وإن كانت أمارة - وعليه بنى السَّائل كلامه - فمتى انتفى الحُكْم في بعض المَوَاضع لعلة، شرطنا في كونها أَمَارة انتفاء تلك العلّة، أو انتفاء

стр. 1874

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [المَوْضع] (١) الذي لم يوجد فيه حكمها، وما ذكر من تكرُّر وجود الغَيْمِ ولا مطر، مع أن كونه أمارة لم تزل. قال ابن السَّمْعَاني في رده الأمارة: وإن لم تزل إلَّا أنه لا بُدّ أن تضعف بما ذكرناه، ولا بد في الأَمَارَةِ من توفير القوة من كل وجه؛ لأن هذا ظن [يبيّن] (٢) حكمًا شرعيًّا، فلا بُدّ من بلوغه نهاية القوة، وألا يتوهم قوة في الظَّن وراء قوّته حتى تعلق به الحكم الشرعي، وذلك بوجود الاطِّرَاد حتى لا تخلف هذه الأمارة في موضع ما، فإذا أخلفت لم تتوفر القوة من كل وجه. قال: وهذا جواب حسن [اعتمدته] (٣)، وهو محلّ الاعتماد. قلت: فقد بَانَ بُطْلان تخصيص العلّة، سواء أفسرت بالمؤثر أم الباعث أم الأمارة. وذكر أبو علي بن عمار الموصلي من أصحابنا: أن أبا الوفاء بن عقيل الحنبلي (٤) استدل على جواز تخصيص العلّة بقوله تعالى حكاية عن إخوة يوسف ﵇ قَالُوا: ﴿يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾ [يوسف: ٧٨]، قال: فهذه العلّة التي قصدوا بها إِطلاقه من يد العزيز [موجودة] (٥) في حق كل واحد منهم. قلت: والجواب: أنه لم يكن في ذِهْنِهم أنَّ العزيز يعرف إخوتهم للذي أخذه،

стр. 1875

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والاحتراز من محلّ النقض إِنما هو لدفع المعترض به، فحيث لا يعترض، لا يجب الاحْتِرَاز عنه لفظًا، ويكفي إِرادته. فالعلّة: إن له أبًا شيحًا كبيرًا، وأنه صغير يصدر عليه من الحزن ما لا يصدر على الكبير، فحذف هذا القيد مع إِضماره، وإن في حذفه لفائدة جليلة؛ إِذ لم يكن لهم قصد في التعريف بإخوتهم له. وقد ذكرت في "التَّعليقة" قواعد كثيرة يطلقها أصحابنا في الفِقْهِيَّات، ويستثنى مها صور، مثل قول أصحابنا: المثلى يضمن بالمثل المتقوم بالقيمة، من لم يجن لم يطالب، لا فرق في ضمان المتلف بين العلم والجهل، متى ضاقت الأمور اتَّسعت، اليقين لا يرفع بالشَّك، متى تعرض أصل وظاهر فقولان: أصحّهما: العمل بالأصل، الرخص لا تناط بالمعاصي، النهي إن رجع إلى شرط أو ركن أفسد أوجب أعظم الأمرين بخصوصه، لا يوجب أهونهما بعمومه، ما اجتمع الحَلَال والحرام إِلا وغلب الحَرَام، الميسور لا يسقط بالمَعْسُور، كلّ ما لا يعلم إِلا من جهة الشخص يقبل قوله فيه، من كان القول قوله في شيء، كان القول قوله في صفته، الضَّرر لا يزال بالضرر، ما تميز بنفسه لا يحتاج إلى نية، ما اقتضى عمده البُطْلان، اقتضى سهوه السُّجود، ما يسقط بالتوبة يسقط حكمه بالإكراه، وما لا فلا، وكل ما جاز بيعه فعلى متلفه يغتفر في الدَّوَام ما لا [يغتفر] (١) في الابْتِدَاء، العصبة كل ذكر ليس بينه وبين الميت أنثى، لا يزيد البعض عن الكُلّ، كل من جهل حرمة شيء مما يجب فيه الحد وفعله لا يحد، وإن علم الحرمة وجهل وجوب الحد وجب الحد، لا تصح الجهالة إلا على معلوم الوَطْء لا يخلو عن [مهر] (٢) أو عقوبة، لا تصح الدعوى إلا من مطلق التصرف، كل عقد تقاعد عنه مقصوده بطل من أصله، الأصل براءة الذمة، الضرورات تبيح المَحْظُورات، من ملك الإِنشاء ملك الإِقرار، ومن لا فلا، كل عيب يوجب الرد على البائع يمنع الرد إذا

стр. 1876

وَفِي الكَسْرِ، وَهُوَ وُجُودُ الْحِكْمَةِ الْمَقْصُودَةِ مَعَ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ. حدث عن المشتري وما لا فلا، فاسد كلّ كصحيحة في الضَّمان وعدمه، فرض العين لا يؤخذ عليه عوض، من أتي معصية لا حَدَّ فيها ولا كفارة وجب عليه التعزيز، حكم الدّبر حكم القُبُل، ما كان صريحًا في بابه ووجد نفاذًّا في موضوعه، لا يكون صريحًا في غيره ولا كِنَيَة، كل ما لا صرح به أبطل، فإذا أضمره كره، إذا أتلف المشتري من المبيع قبل القبض كان من ضمانه، ما جاز بيعه جاز رهنه، وما لا فلا، لا يدخل عبد مسلم في ملك كافر ابتداء، لا يصير الحال مؤجلًا، لا يجب الوطء على الزوج، الإكراه يسقط أثر التصرف وغير ذلك كما ذكرت في "التعليقة"، وعددت ما يستثنى من ذلك كله، وعقدت فيه فصلًا ينتفع به المبتدئ. وقلت: إِن الأصحاب إِنما يطلقون ذلك للغالب، حتى إِذا وجدت صورة وشكّ فيها، أعطيت حكم الأعَمّ الأغلب، ولو أطلق مُطْلق ذلك في مجلس النَّظر لكان في رَهِينَةِ خصمه إن شاء أخذه وأَفْحَمَه، وإن شاء وفَك أَسَاره، والله - تعالى - يُلْبسُنا من الدِّينِ شعاره، ويُسْبلُ علينا دِثَارَهُ. الشرح: وقد ذكر المصنّف بعد النَّقْض الكَسر، والنَّقْض المَكْسور. وعرف الكسر: بوجود الحكمة المقصودة من شرع الحكم، مع تخلّف الحكم عنها. فالنقض - حينئذ -: تخلّف الحكم عن العلة. والكسر: تخلّفه عن حكمها، وقد تبع في هذا الآمِدِيّ، والأكثرون يفسرون الكسر بما فسّرا به هما النقض المكسور، ونحن نسير مع المصنف على مصطلحه، مع التنبيه على كلام غيره، فنقول: قال قوم: إِن الكسر يبطل العلّية، واختار المصنف أنه لا يبطل، وإليه أشار بقوله: "وفي الكسر، وهو وجود الحكمة المَقْصُودة مع تخلّف الحكم" خلاف، هل يبطل العلية (١)؟

стр. 1877

المُخْتَارُ: لا يُبْطِلُ؛ كَقَوْلِ الْحَنَفِيِّ فِي الْعَاصِي بِسَفَرِهِ: مُسَافِرٌ فَيَتَرَخَّصُ كَغَيْرِ الْعَاصِي، ثُم يُبيِّنُ المناسَبَةَ بِالْمَشَقَّةِ، فَيُعْتَرَضُ بِصَنْعَةِ شَاقَّةٍ فِي الْحَضَرِ. لنَا: أن الْعِلَّةَ السَّفَرُ؛ لِعُسْرِ انضِبَاطِ الْمَشقَّةِ وَلَمْ يَرِدِ النَّقْضُ عَلَيْهِ. قَالُوا الْحِكْمَةُ هيَ الْمُعْتبَرةُ قَطْعًا، فَالنَّقْضُ وَارِدٌ. قُلْنَا: قَدْرُ الْحِكْمَةِ الْمُسَاويَةِ فِي مَحَلِّ النَّقْضِ مَظْنُونٌ، وَلَعَلّهُ ........... الشرح: "المختار: لا يبطل، كقول الحَنَفِيّ في العاصي بِسَفَرِهِ: مسافر، فيترخّص كغير العاصي، ثم (١) يبين المُنَاسبة بين العاصي بسفره وغيره، "بالمشقة" الحاصلة لكل مسافر، "فيعترض بصنعة شَاقَّةٍ في الحضر"، كالحَمَّالين وغيرهم؛ فإن المشقة موجودة ولا ترخص. "لنا: أن العلّة السفر" دون المشقة "لعسر انضباط المشقة"؛ فالمشقّة وإن كانت المقصودة ليست بعلّة - لما ذكرناه - فإِنها مختلفة باختلاف الأشخاص والأحوال اختلافًا كثيرًا، "ولم يرد النَّقض عليه"، أي: على السَّفر الذي هو العلّة، فوجب العمل به. "قالوا: الحكمة هي المعتبرة قطعًا"، والوصف معتبر تبعًا لها، "فالنقض وارد"؛ لاعتراضه ما هو المقصود. الشرح: "قلنا: قدر الحكمة المساوية" لحكمة الأصل، "في محل النقض مظنون"؛

стр. 1878

لِمُعارضٍ، وَالْعِلَّةُ مَوْجُودَةٌ فِي الأَصْلِ قَطعًا، فَلَا يُعَارِضُ الظَّنُّ الْقَطْعَ حَتَّى لَوْ قَدَّرنَا وُجُودَ قَدْرِ الحِكْمَةِ أَوْ أكثَرَ قَطْعًا، وإنْ بَعُدَ أَبْطَلَ، إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ حُكْمٌ آخَرُ أَلْيَقُ بِهَا، كَمَا لَوْ عُلِّلَ الْقَطْعُ بِحِكْمَةِ الزَّجْرِ، فَيُعْتَرَضُ بالْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ، فَإِنَّ الْحِكْمَةَ أَزْيَدُ لَوْ قُطِعَ، فَيَقُولُ: ثَبَتَ حُكْمٌ أَلْيَقُ بِهَا يَحْصُلُ بِهِ، وَزِيَادَةٌ، وَهُوَ القَتْلُ. إِذ من الجائز أن يكون القَدْر الموجود في محلّ النقض أقلّ من القدر الموجود في الأصل، وعلى تقدير المُسَاواة لا يلزم وجود الحكم. "ولعله" أي: تخلف الحكم "لمعارض"، فيكون وجود قدر الحكمة المُسَاوية لحكمة الأصلِ في محل النقض بدون معارض مظنونًا، "والعلة في الأصل موجودة قطعًا، فلا يعارض الظن القطع، حتى لو قدرنا وجود قدر الحِكْمَةِ، أو أكثر قطعًا. وإن بعد" هذا التقدير "أبطل" العلة "إِلا أن يثبت حكم آخر أَلْيَق بها" أي: بصورة النقض "كما لو علل القَطْع" في السّرقة "بحكمة الزَّجر، فيعترض بالقَتْل العمد العدوان"، ويقال: ينبغي أن يجب فيه القطع - أيضًا - "فإن الحكمة" فيه "أزيد لو قطع"، ومع ذلك لا يقطع القاتل عمدًا. فنقول: ثبت حكم أليق بها"، أي: بصورة النقض "يحصل به" المقصود، "وزيادة، وهو القتل"، فإنه يحصل به إبطال اليد وما عداها. هذا كلام المصنّف في الكسر، وهو متدافع؛ لأنه عَرّفه أولًا: بتخلّف الحكم عن الحكمة، ثم قال: إن قدر الحكمة المُسَاوية في محل النقض مظنون، وهذا الظّن إِما أن يعتبر أو لا، إن لم يعتبر - فحينئذ - لم يتخلف الحكم عن الحكمة، ولم يوجد الكسر، فقولكم: الكسر لا يبطل العلية ساقط؛ لأن الذي لا يبطل ليس الكسر - على ما ذكرت - وإن اعتبر فقد تخلف. وقد قلتم - آخرًا: نعم إن تحقّق التخلّف أبطل، ولا نعني بالكسر إلا ما تحقق فيه التخلّف، أو نعطي المَظْنُون حكم المتحقّق. وعليه ينبني قولكم أولًا: الكسر تخلّف الحكم عن الحكمة، فقد لاح بهذا أن تخلّف الحكم عن الحكمة إِذا جوّز التعليل بها كتخلفه عن العلّة، فلنعترض على المذاهب السَّابقة

стр. 1879

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . في النقض، ونمتحن كلّ مذهب بنظيره. والحاصل: أن تخلّف الحكم عن الحكمة كالنَّقض، وظنّ التخلّف غيره، إِن لم يعط حكمه، ومُسَاو له إن أعطي، فليس لابن الحَاجِبِ أن يورده على التقديرين. هذا الكسر على مصطلح الآمِدِيّ والمصنف. وقال الأكثرون من الأصوليين والجَدَليين: الكسر عبارة عن إِسقاط وَصْف من أوصاف العلّة المركبة، وإخراجه عن الاعتبار. وقال الشيخ أبو إسحاق في "الملخّص": وهو سؤال مَلِيحٌ، والاشتغال به ينتهي إِلى ببان الفِقْهِ، وتصحيح العلّة، وقد اتّفق أكثر أهل العِلْمِ على صحته، وإفساد العلة به، ويسمونه النَّقْض من طريق المَعْنَى، والإِلزام من طريق الفقه، وأنكر ذلك طائفة من الخُرَاسانيين. وللكسر صورتان: إحداهما: أن يبدل ذلك الوصف الخاصّ بوصف عام، ثم ينقضه عليه. والثانية: ألا يفعل ذلك، بل يعرض عن ذلك الَّذِي أسقطه بالكلية، ويذكر صورة النقض، وله أمثلة: منها: أن يقول شافعي في إِثبات صلاة الخَوْف: صلاة يجب قَضَاؤها، فيجب أَدَاؤها، كصلاة الأَمْن. فيقول المعترض: خصوص كونها صلاة مُلْغى لا أثر له؛ لأن الحَجّ كذلك، فلم يَبْقَ إلا الوصف العام، وهو كونها عبادة، وينقضه، فهذا كسر، ثم هو بالخيرة بين أمرين: إما أن يأتي بكَسْره على الصورة الأولى، فيلزمه التعليل بكونه عبادة، ويقول: كأنك قد قلت: عبادة، إِلى آخر ما ذكرت، ويلزمك صوم الحَائضِ، فإنه عبادة يجب قضاؤها، ولا يجب أداؤها، بل يحرم. وأما على الصُّورة الثانية، فنقول: إذا سقط وصف الصَّلاة الذي هو أحد أوصاف

стр. 1880

وَفِي النَّقْضِ الْمَكْسُورِ، وَهُوَ نَقْضُ بَعْضِ الأَوْصَافِ: الْمُخْتَارُ: لَا يَبْطُلُ كقَوْلِ الشَّافِعِيِّ ﵀ في بَيْعِ الْغَائِبِ: "مَبِيعٌ مَجْهُولُ علّتك، فلم يبق إِلا قولك: يجب قضاؤها .. إلخ، وليس كلّ ما يجب قضاؤه يجب أداؤه بدليل الحائض. ومنها: أن يقول شافعي في بيع ما لم يره المُشْتري: مبيع مجهول الصِّفة عند العاقد، فلا يصح، كما لو قال: بعتك عبدًا، فيقول المعترض: ينكسر بزيد إِذا نكح امرأة لم يرها، فإنه يصح مع كونها مجهولةَ الصِّفة عند العاقد، فهذا كثير؛ لأنه نقض من جهة المعنى؛ إِذ النكاح في الجَهَالة كالبيع؛ بدليل أن الجَهْل بالعَيْنِ في كل منهما يوجب الفَسَاد. وهذا المثال ذكره الشيخ أبو إِسحاق، وابن السَّمْعَاني وغيرهما، وإيّاه أورد المصنّف، كما ستراه - إن شاء الله تعالى" - تبعًا للآمديّ. وإذا أردت تنزيله على الصُّورة الأولى، قلت: خصوص كونه بيعًا ملغى؛ لأن المرهون كذلك، فبقي كونه عقدًا، الذي هو وصف يعمُّهما، وهو منقوض بالنِّكاح. أو على الثانية قلت: لا أثر لكونه مبيعًا بدليل المرهون؛ فسقط هذا الجزء، ولم يبق إلا مجهول الصفة إلخ، وهو منقوض بالنكاح. ومنهما: أن يقول شافعي في كَفَّارة العَمْد: قتل من يضمن بَدِيَةٍ أو قصاص بغير إِذن شرعي، فيجب كَفارته كالخَطَأ، فيعترض بأن خصوص كونه يضمن بالدِّيَةِ أو القصاص ملغى؛ لأنها تجب على السَّيد في قتل عَبْدِهِ، فبقي كونه آدميًّا، أو يسقط القَيْد، وبقي ما عداه، وهو منقوض بالحَرْبِيّ والمرتد، وقاطع الطريق، والزَّاني المحصن. وهذا حاصل القول في الكَسْر، وقد وضح أنه نقض يرد على المعنى، كما ذكر أستاذ أرباب الجَدَل أبو إِسْحَاق الشِّيرَازي، وتبعه ابن السَّمْعَاني وغيره، وهو معنى كلام المصنّف - هنا - وفي الاعتراضات إِذ قال الكسر نقض المَعْنَى، ولا مخالفة بين كلاميه، وسيظهر لك ذلك بتقرير كلامه، فنقول: الشرح: قال في الكتاب: "وفي النقض المَكْسُور، وهو نقض بعض الأوصاف" خلاف.

стр. 1881

الصِّفَةِ عِنْدَ الْعَاقِدِ حَالَ الْعَقْدِ؛ فَلَا يَصِحُّ؛ مِثْلُ: "بِعْتُكَ عَبْدًا" -، فَيُعْتَرَضُ بِمَا لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً لَمْ يَرَهَا. لنَا: أَنَّ الْعِلَّةَ الْمَجْمُوعُ: فَلَا نَقْضَ، فَإِنْ بَيَّنَ عَدَمَ تَأْثِيرِ كَوْنِهِ مَبِيعًا، كَانَ كَالْعَدَمِ، فَيَصِحُّ النَّقْض، وَلَا يُفِيدُ مُجَرَّدُ ذِكْرِهِ دَفْعَ النَّقْضِ. "المختار: لا يبطل، كقول الشافعي في بيع الغَائِبِ: مبيع مجهول الصِّفَة عند العاقد حال العَقْدِ، فلا يصح، مثل: بعتك عبدًا، فيعترض بما لو تزوّج امرأة لم يرها" وربما يفهم من قول المصنّف: إِنه نقض بعض الأَوْصَاف، اختصاصه بالصُّورة الثانية، وليس كذلك، بل هو أعم منها؛ لأن إخراج البعض أعم من أن يبدله بعد الإِخراج، كما في الصورة الأولى، أو يعرض عنه كما في الثانية، وقد تقررت صورة بيع الغائب على الوجهين، كما مَرّ، وربما لم يتأت إِلا الصورة الثانية؛ لعدم إِمكان الإِبْدَال. ومثل له الشيخ أبو إِسحاق في "الملخّص" بقول الحَنَفِيّ في النِّية في الوضوء: سبب يتوصّل به إِلى الصلاة، لا على وجه البَدَل فلا تجب النية فيه كإزالة النجاسة. فنقول: لا أثر لقولك: لا على وجه البدل؛ لأنَّ الأصول والأبدال في باب النية في الشرع واحد؛ بدليل الكَفَّارات لما افتقرت إلى النية استوى أصلها وبَدلها، والعدد لما لم تفتقر، استوى أَصْلُهَا وبدلها، وسقط هذا القَيْد، وينكسر ما بقي بالتّيمم؛ فإنه سبب يتوصّل به إِلى الصلاة ويفتقر. فإن قلت: قد ظهر بما قررتم أنَّ الكسر الذي هو عند المصنف مسمّى بالنقض المكسور، كالنقض، فكيف اختار المصنف أنه لا يبطل؟ ولم لا فصل كما فعل؟ ثم قال: لأنه قرر إيراد المثال هكذا: [مبيع] (١) .. إلخ، فيكسره المعترض، بما لو تزوّج امرأة لم يرها، والمعترض إِذا اعترض هكذا، لم يقدح، لما ذكره في الكتاب؛ إذ قال: الشرح: "لنا: أن العلّة المجموع" بعض الأوصاف "فلا نقض"؛ إذ يلزم تخلّف الحكم عن المجموع الذي هو علة، ثم قال المصنف: "فإن [تبين] (٢) عدم تأثير كونه مبيعا، كان" ذلك القَيْد "كالعدم، فيصحّ النقض، ولا يفيد مجرّد ذكره دفع النقض". هذا كلامه،

стр. 1882

وَأَمَّا الْعَكْس، وَهُوَ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ لاِنْتِفَاءِ الْعِلَّةِ، فَاشْتِرَاطُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَنعِ تَعْلِيلِ الحُكْمِ بِعِلّتينِ؛ لاِنْتِفَاءِ الْحُكْمِ عِنْدَ انْتِفَاءِ دَلِيلِهِ. ونحن نقول: الكَسر هو أن تبيّن … إلي آخر ما ذكرت، فهو إِذن نقض، وإليه يرشد قولك فيما بعد: الكسر نقض المعنى، فلا خلاف بيننا وبين المصنف. والحاصل: أنه لا يقدح في العلية إِذا أتى به على غير وَجْهِهِ، ويسمى - إِذ ذاك - بـ "النقض المكسور"، كما زعم المصنّف والآمدي، والكلام معهما في شيئين: أحدهما: أنه إذا لم يقدح؛ لأنه لم يأت به على وَجْهِهِ، وكل اعتراض هكذا، ولا اختصاص للكسر بذلك. والثاني: أَنَّهُمَا سمياه بـ "النقض المَكْسور"، وهو اسم لا يعرفه الجَدَليون، فإنهم لا يعرفون إِلا الكَسْر، وهو عبارة عن أن يبين عدم التأثير، فإن مشى المصنّف على مصطلحهم - وإليهم المرجع في ذلك - فلا حَاجَةَ إِلى قوله: فإن بين .. إلخ، فإنه ليس المعنى به إِلا أن يبين. وذكر الآمدي: [أنَّ الأكثرين على أن الكَسْر لا يقدح، وليس كذلك، فقد نقل الشيخ أبو إسحاق] [على] (١) أنّ الأكثر على أنه قادح، ونحن قد بَيّنا أنه قد نقض، فالكلام فيه كالكلام في النقض سواء بسواء. والشيخ الهِنْدِيّ قال: الكسر: نقض يرد على بعض أوصاف العلّة، وذلك هو ما عَبَّر عنه الآمدي بـ "النقض المكسور". ثم قال: - أعني الهِنْدي -: وهو مردودٌ عند الجماهير، إِلا إذا بين الخصم إلغاء القيد، ونحن لا نعني بالكسر إلا إذا بيّن. أما إِذا لم يبين، فلا خلاف في أنه مَرْدُود، كيف وهو كلام غير موجه؟ "، وكلّ ما كان كذلك فهو رد على قائله. الشرح: "وأما العكس" في العِلَلِ فيطلق باعتبارين (٢):

стр. 1883

وَنَعْني انْتِفَاءَ الْعِلْمِ أَو الظَّنِّ؛ لأِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنِ انْتِفَاء الدَّلِيلِ عَلَى الصَّانِعِ انْتِفَاؤُه. الأول: مثل قول الحَنَفِي: لما لم يجب القَتْل بصغير المُثَقّل، لم يجب بِكَبِيرِهِ؛ بدليل عكسه، فإنه لما وجب بكبير [الجَارحِ] (١)، وجب بصغيره. والثاني: "وهو" المراد هنا "انتفاء الحكم لانتفاء العلّة". أما الأول فلا يشترط في العلّة اتفاقًا؛ إذ لا مانع من ورود الشَّارع بوجوب القِصَاصِ بكلّ [جارح] (٢)، وأن تخصيص وجوبه في المُثَقّل بالكبير منه. وأما الثاني "فاشتراطه مبني" كما ذكر القاضي أبو بكر والجَمَاهير "على منع تعليل الحكم بعلّتين"، فمانع التعليل بعلتين يشترطه؛ لأنه - حينئذ - لا يكون للحكم إلا دليل واحد، فينتفي عند انتفاء العلة "لانتفاء الحكم عند انتفاء دليله. ونعني" بانتفاء الحُكم: "انتفاء العلم أو الظَّن" به، لا انتفاء نفس الحكم؛ "لأنه لا يلزم من انتفاء الدَّليل على الصَّانع انتفاؤه"، بل انتفاء العِلْم به فقط. قال إِمام الحرمين في "التَّدريس": ثم الذَّين اشترطوا العَكس اختلفوا، فمنهم من قال: لا بد من عكس على العموم، كما شرطنا الاطِّراد عمومًا. وقال الأستاذ أبو إسْحَاق: يكتفي بالعكس ولو في صورة واحدة.

стр. 1884

تَعْلِيلُ الحُكْمِ بِعِلَّتيْنِ مَسْأَلَةٌ: وَفِي تَعْلِيلِ الْحُكْمِ بِعِلَّتينِ أَوْ عِلَلٍ كُلٌّ مُسْتقلٌّ: ثَالِثُهَا لِلْقَاضِي: يَجُوزُ فِي الْمَنْصُوصَةِ لَا الْمُسْتَنْبَطَةِ. وَرَابِعُهَا: عَكْسُهُ. وَمُخْتَارُ الإِمَام: يَجُوزُ، وَلَكِنْ لَمْ يَقَعْ. «مسألة» الشرح: "وفي تعليل الحكم بعلّتين، أو علل كل مستقل: ثالثها للقاضي: يجوز في المَنْصُوصة لا المستنبطة. ورابعها: عكسه، ومختار الإمام: يجوز، ولكن لم يقع. هذه عبارته، واخْتِياره: الجواز والوقوع؛ لأنه سيقول: لنا: لو لم يجز لم يقع، وقد وقع (١).

стр. 1885

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . واعلم أنه ليس في باب القياس أشكل من الكلام على التَّعليل بعلّتين، ونحن نتوسّط في إِيراده، فلا نُسْهب ولا نوجز، بل نأتي بما فيه مَقْنع وبلاغ، ونتوخّى طريق الحقّ على ما يظهر لنا، والله المستعان. فنقول: يجوز تعليل الحكم الواحد نوعًا المختلف شخصًا بعلل مختلفة وفاقًا، كتعليل إباحة قتل زيد بِرِدَّته، وعمرو بالقِصَاصِ، وخالد بالزنا بعد الإِحصان، فلا يقع على صفة خاصّة وهي الرَّجْم، ولا عبرة بإِيماء من أَوْمَأَ إِلى جريان الخلاف هنا، وهذا في العِلَلِ الشرعية. أما العقلية، فلأهل الكلام خلافٌ في ذلك، وهذا كله في الواحد بالنوع، أما الواحد بالشخص، فلا خلاف في امتناع تعليله بعلل عَقْلية. وأما بعلل شرعية - وهو مسألة الكتاب - وذلك كتحريم المحرمة الحائض. وزاد إِمام الحَرَمَيْنِ في كلّ من "مختصر التقريب" و"البرهان " و"التدريس": الصَّائمة، وعبارته في "مختصر التقريب": وذلك كمثل المرأة يجتمع فيها الإِحرام والحَيْض والصوم. وقيل: إِن ذلك سهو؛ لاستحالة مُجَامعة الصوم شرعًا للحَيْض، ويحتمل أن يريد أن المَرْأة قد يجتمع فيها وَصْفان، وتَعْتورها حالتان، مُقْتضيتان للتحريم، إما إحرام وحيض، أو إَحرام وصوم. ولذلك قال في "البرهان": مثل تحريم المرأة الواحدة بعلّة الحَيْض والإِحرام والصيام والصلاة. فمراده: اجتماع وَصْفين، وذلك كالصِّيَام مع الصلاة، أو إلإِحرام مع الحَيْضِ، ونحو ذلك، لا أن الأربعة تجتمع، وكذا إِباحة قتل الشَّخص الواحد بردّته، وقتله الموجب للقصاص. ورأى الغَزَالي أن يمثل بمن لمس ومَسّ وبال في وقتٍ واحد، ومن أرضعتها زوجة أخيك وأختك - أيضًا - أو جمع لبنهما وانتهى إِلى حلق المُرْضع في لحظة واحدة. ولم يختر التمثيل باجتماع رضاع ونسب، قال: لئلا يقال: ترجّح النسب لقوته أو ردّة وحيض. قال: لئلا يتوهّم - هنا - تعدّد التحريمات، أو قتل وردة، قال: لئلا يقال: المستحق

стр. 1886

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قتلان، أو قتل شَخْصَين، أو باع حرًّا بشرط خيار مَجْهول، قال: لئلا يقال: عليه البُطْلان الحُريّة دون الخيار، قال: وهذه أَوْهَام ربّما تنقدح في بعض المواضع، قال: وإنما فرضناه في اللَّمْس والمَسّ والخُؤُولة والعُمُومة؛ لدفع هذه الخَيَالات (١). هذا كلام الغزالي ظنًّا منه أن ما مثل به واضح في اجتماع علّتين شرعيتين، وسنتكلم معه إِذا انتهينا إِلى الحِجَاجِ. إذا عرفت هذا، ففي المسألة مذاهب: أحدها: جواز التَّعْليل بعلّتين مطلقًا، ووقوعه، وهو رأي الجماهير، منهم: القاضي كما نص عليه في "التقريب" وفي "مختصره" أيضًا. والثاني: المنع مطلقًا، واختاره الآمِدِي، ونقله عن القاضي وإمام الحرمين. والثالث: أنه يجوز في المَنْصُوصة دون المستنبطة، وهو رأي الأستاذ أبي بكر بن فورك، واختيار الإِمام وأتباعه، وإليه يرشد كلام الغزالي في "المُسْتَصفى"، وإن كان أطلق تصحيح الجَوَاز في صدر المسألة إطلاقًا، ولذلك أطلق في "الوسيط" عند الكلام في زوائد المبيع، ونقله في الكتاب عن القَاضِي، ولعل ذلك مأخوذ من إِمام الحرمين، فإنه قال في "البرهان: إن للقاضي إِليه صفوًا ظاهرًا في "التقريب"، ولعلّه يريد "التَّقريب الكبير"، وأما "التقريب" الذي وقفنا عليه، فليس فيه إِلا ما ذكرناه، فحصلنا على ثلاثة آراء منقولةٍ عن القاضي. والرَّابع: عكسه، حكاه المصنّف، ولم أره لغيره، وسبق له في النَّقض نظيره. والخامس: ونقله في الكتاب عن إِمام الحرمين: أنه جائز غير واقعٍ، وكلام المصنف بعد ذلك صريح في أن المراد بالجواز: الجَوَاز العَقْلي، وأن إِمام الحرمين يقول بامتناعه حيث يقول: لو لم يكن ممتنعًا شرعًا، لوقع، ولو نادرًا - كما سيأتي إن شاء الله تعالى - وهو نقل صَحِيح، بخلاف ما نقله الآمِدِيّ عنه؛ لأنه قال في "البُرْهَان: ليس ممتنعًا عقلًا وتسويغًا، ونظرًا إِلى المصالح الكلية، ولكنه ممتنع شرعًا. وإذا عرفت هذه المذاهب، فهل هي جارية في التعليل بعلّتين، سواء كانتا متعاقبتين أم معًا، أو هو مختص بالمعية؟

стр. 1887

لنَا: لَوْ لم يَجُزْ لَم يَقَعْ، وَقَدْ وَقَعَ، فَإِن اللَّمْسَ، وَالْبَوْلَ، وَالْغائِطَ، وَالمَذْيَ يَثْبُتُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا الحَدَثُ، وَالقِصَاصُ، والرِّدَّةُ يَثْبُتُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْقَتْلُ. قَوْلُهُمُ: الأَحْكَامُ مُتَعَدِّدَةٌ، وَلذَلِكَ يَنْتَفِي قَتْلُ الْقِصَاصِ، وَيَبْقَى الآخَر، وَبِالْعَكْسِ. كلام المصنّف صريح في الأول، وسنعقد للثاني كلامًا يختصّ به، حيث يقول القائلون بالوُقُوع، وكلام غيره يقتضي الثَّاني، ويساعده تمثيل الغَزَالي بمن لمس وبال في وقت واحد، وصرح به الآمدي في الجواب عن جواب دَلِيل المانعين الآتي ذكره في الكتاب، وسأتكلم في ذلك إن شاء الله. واعلم أنا نتكلّم على كلّ مذهب بما تصل إليه قدرتنا، إِلى أن يثبت لنا ما نختاره، فنقول: الشرح: احتج من قال بالجَوَاز مطلقًا - وهو رأي صاحب الكتاب - بوجهين: أحدهما: ما أشار إِليه في الكتاب بقوله: "لنا: لو لم يَجُزْ لم يقع، وقد وقع؛ فإن اللمس والبَوْل، والغائط، والمَذْي، [يثبت] (١) بكلّ واحد منها الحَدَث. والقصاص، والردة يثبت بكل منهما القتل". واعترض: بأن النِّزَاع في الحُكْم الواحد، وفي هاتين الصُّورتين الأحكام متعددة؛ لأن القتل بالردَّة غير القَتْل بالقِصَاص، فلذلك [ينتفي] (٢) القَتْل بالرِّدة، ويبقى الآخر فيما إِذا كان القاتل ارتد بعد القتل، ثم أسلم قبل القِصَاصِ، وبالعكس، أي: ينتفي القتل بالقِصَاصِ فيما إِذا عفا الوفي عن القصاص، ويبقى الآخر، وإليه أشار بقوله: الشرح: "قولهم: الأحكام متعدّدة، ولذلك ينتفي قتل القِصَاص، ويبقى الآخر، وبالعكس. قالوا: وأيضًا فإن القتل قصاصًا حق للآدمي، وله أحكام تخصّه، من جواز إِسقاطه، وأن له بدلًا، وأنه يستوفي بما قتل، وأنّ إسقاطه مندوب إِليه، إلى غير ذلك، والقَتْل ردّةً حقّ الله - تعالى - وله - أيضًا - أحكام تخصّه، وأجاب في الكتاب عن الأول فَقَالَ:

стр. 1888

قُلْنَا: إضَافَةُ الشَّيْءَ إِلى أَحَدِ دَلِيلَيْهِ لَا تُوجِبُ تَعَدُّدًا، وَإلَّا لزم مغايرة حدث الْبَوْلِ لِحَدَثِ الْغَائِطِ. الشرح: قلنا: إِضافة الشَّيء إلى أحد دليليه ألا يوجب تعددًا، وإلا لزم مُغَايرة حدث البول لحدث الغائط". والجواب بعينه يأتي في قولنا: هذا حق الله، وذاك حَقّ الآدمي. ولقائل أن يقول: قولكم: إِضافة الشيء إِلى أحد دليليه لا يوجب تعددًا في الشيء. قلنا: أثبتوا شيئًا [متعددًا] (١)، ثم قولوا هذا؛ فإِنا ننازع في أن الموجود شيء واحدٌ أو شيئان. قولكم: وإلا يلزم مُغَايرة حدث البَوْل لحدث الغائط. قلنا: إن أردتم مُغَايرة الخاصّين، فهو نفس مُدّعانا. وإن أردتم ما بينهما من القَدْرِ المشترك، فليس بلازم، ولا يعترض شيئًا مما نحن فيه؛ فإن القَدْرَ المشترك بين الشَّيئين لا يوجب اتّحَادهما، وكلامنا في ذَيْنك الشَّيئين، لا في القدر المشترك بينهما. وهذا الجواب مما استقلّ به المصنف، والآمدي لم يذكره، والاعتراض ذكره إِمام الحرمين، فقال: وقال من يخالف هؤلاء: إِنما يناط بالعلل تحريمات، ولكن لا يظهر أثر تعدده، وقد يتكلف المتكلف فيجد بين كل تحريمين تفاوتًا، وهذا بيِّن في القَتْل؛ فإن من استحق قصاصًا وقتلًا، فالمستحقّ قتلان، ولكن المحلّ يضيق عن اجتماعهما، ولو فرض سقوط أحدهما لبقي الثَّاني، فلا يكاد يصفو تحقيق تعليل حكم واحد بعلّتين تصويرًا. وما ذكره حقّ، فما من مكان إِلا والخَصْم بسبيل من أن يدعي فيه تعدد الأحكام، وإتيانه بوجه واضح يدلّ له، وربّما لاح في بعضها وظهر ظهورًا بينًا، ومن أماكن ظهوره كفَلَقِ الصّبح: حديث البول والغائط اللذين ادّعى المصنف اتحادهما، وجعل ذلك كالأصل الممهّد ليقيس عليه - كما عرفت - وبينهما اختلاف يظهر أثره فيما إِذا نَوَى رفع أحدهما، ففي المسألة أوجه:

стр. 1889

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أصحها: صحّة وضوئه مطلقًا. والثاني: عكسه. والثالث: إِن لم ينف ما عداه صح، وإلا فلا. والرَّابع: إن نوى رفع الأول صح، وإلا فلا. والخامس: إن نوى رفع الأخير صح، وإلا فلا، فالقول بعدم الصِّحة يشهد للتعدُّد، وإلا فلو وجد الاتحاد لصح، وكان من عيّن بعض الأحداث بمنزلة من أطلق الحدث إِطلاقًا، والقول بالصّحة لا ينفيه؛ لأنَّ من قواعد الفقهاء: أنه لا يتجرأ حدث، ذا ارتفع واحد ارتفع الآخر، فذلك لمأخذ غير ما نحن فيه. وقد قال الآمِدِيّ (١): أما المَسّ اللَّمْس وباقي الأسباب، فالأحداث المرتّبة عليها متعدّدة على رأي لنا، وعلى هذا فلو نوى رفع حدث واحد منها لارتفع الباقي اهـ. وظاهره: أن لنا رأيًا، أنه يرتفع المنوي دون غيره، ولا يعرف هذا عن أحد، ولو قيل به، لكان نصًّا في تعدّد الأحكام واضحًا، نعم: لنا وجه فيما إِذا نوى اسْتِبَاحة صلاة بعينها دون غيرها أنه لا يصحّ الوضوء لها فقط، وذلك لا يعكر على قاعدة الأصحاب في أن الحدث لا يتجزأ، فلذلك قال به بعضهم، بخلاف الأول. إِذا عرفت هذا، فقد بالغ قومٌ في الرَّد على من يدعي تعدّد الأحكام. وقال القاضي أبو بكر في موضع: إِنه ركيك جدًّا. وقال في آخر: إِنه هَذَيان يدني قائله من جحد الحَقَائق والبداهة. قال: فإن المعوّل فيه على أن القَتْل مختلف، وهذا معلوم الفَسَاد ضرورة؛ فإِنا نعلم أن القَتْل في الردة مجانس للقتل في القصاص، ولا يختلف القتلان في حقيقتهما، فالمصير إِلى ادعاء اختلافهما جحد الضرورة، ولو ساغ ذلك لساغ أن يقال في العَقْلِيَّات: إِن العلم إِذا قام بزيد، أوجب كونه عالمًا؛ إِذ قد تغاير المَحَلّان وتباين الذّاتان، وهذا يفضي إِلى طَيّ الحقائق، وقلب الأَجْنَاس، فاستحال المَصِير إِلى القول باختلاف القَتْل، فلا يبقى لهم - بعد ذلك - معتصم إِلا الاعتراف بعين ما أريد بهم، وهو أن يقولوا: القصاص خالف قتل المرتدّ من حيث إِنه وجب بالقَتْل، وذلك وجب بالردة.

стр. 1890

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قلنا: فالآن وضح الحَقّ، ونطقتم به، ولم تشعروا؛ فإِنا أوضحنا تماثل القَتْل حقيقة. هذا كلام القاضي، ذكره في فصل العَكْس. ولقائل أن يقول: هنا أمور: القتل وأسبابه من ردّة، وقَتْل، وزنا بعد إِحصان، واستحقاق القَتْل، ونحن لم ندّع التعدد في القتل الذي هو محكوم به، بل في الحكم نفسه، والأسباب مختلفة بلا شَك، والقتل متحد بلا شك، كما ذكره القاضي. وأما استحقاقه، فنقول: إِنه متعدد، فكل سبب يقتضي استحقاقًا غير الاستحقاق الحاصل بالسَّبب الآخر، فالحاصل استحقاقات، وظاهرها يقتضي تعدّد المستحق، ولكن ضاق عنه المحل - كما قدمناه - ويكفي حصول استحقاقات شاهدًا على أن الأحكام متعدّدة. والحاصل: أنا إِنما ادَّعينا تعدّد الأحكام، لا تعدّد المحكوم به. واعلم أن أجمع كلام في الرد على من يدعي تعدّد الأحكام، كلام الإِمام في "المحصول"، فأذكره وأتعقّبه، فأقول: قال: الدَّليل على أن الحكم واحد أن إِبطال حياة الشَّخص الواحد أمر واحد، فهو إِما أن يكون ممنوعًا منه من جهة الشَّرع بوجه ما، فهو الحرمة، أو لا فهو الحل، وإذا كانت الحياة واحدةً، كانت إِزالتها أيضًا واحدة، فكان الإِذن في تلك الإِزالة واحدًا. فإن قلت: الفعل الواحد يجوز كونه حلالًا من وجه، حرامًا من آخر، وحينئذ يجوز أن يتعدّد حكم الحل لتعدد جهاته، فيكون الشَّخص الواحد مُبَاحَ الدَّم من حيث إِنه مرتد، وإنه زانٍ محصن، وإنه قاتل. قلت: حُرْمة الشيء من وجه، وحلّه من آخر غير معقول؛ لأن الحلّ هو تمكين الشَّرع من الفعل، ولا يتحقق هذا [المعنى] (١) إِلا إِذا لم يكن فيه وجه يقتضي المنع أصلًا، بل ليس من شرط الحُرمة أن يكون حرامًا من جميع جِهَاته؛ لا الظلم حرام، مع أن كونه حادثًا وعرضًا، وحركة لا يقتضي الحرمة. وحينئذ نقول: حلّ الدم على هذا الوجه يستحيل تعدّده؛ لأن هذا الإِطلاق يستحيل أن يتعدّد، والعلم بذلك ضروري. هذا كلام الإِمام.

стр. 1891

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولقائل أن يقول: سلمنا أن إِبطال حياة الشَّخص الواحد أمر واحد. ولكن لم قلت: إِن ما يكون طريقًا إِلى الشيء يجب أن يكون واحدًا؟. والحكم الذي كلامنا فيه ليس [نفس] (١) إِبطال حياة الشخص، بل الطريق إِليه؟؛ ألا ترى أن حياة الشخص الواحد يمكن إِبطالها بضرب عنقه، وقدّه نصفين، وأمور كثيرة، فلم ادعيت أن ما نحن فيه ليس كذلك؟. فإن إباحة القتل بالردَّة، وهو طريق واحد إلى إبطال الحياة، وحكمه أن يقتله الإِمام ما لم [يَتُبْ] (٢)، وليس له إِسقاطه، وإباحته بالقِصَاص أن يتمكن الولي من قتله بمثل الطَّريق التي صدرت عنه، أو بالسَّيف، وله العَفْو. وإباحته بالزنا أن يرجم، ولا يتبع إِذا هرب، فهذه طرق مختلفةٌ، غير أنها اشتركت في أمرٍ واحدٍ، وذلك لا يوجب اجْتِمَاع العلل على حكم واحدٍ، وأيضًا عصمة دم المرء المعصوم دمه حكم شرعي، وهو مشروط بأمور: منها: الإِسلام، أو الذمة، ويناقضها الكُفْر مع الحِرَابة. ومنها: العِفَّة، ويضادها الزِّنَا. ومنها: العَدْل، ويضاده القَتْل ظلمًا، ويختل كل واحد منهما بواحد من هذه الأفعال. قال إمام الحرمين في تقدم الأمن [بالعفة] (٣) استمكانًا من تقدير [التعدد] (٤) في الموجبات بوجوه ترشد إلى التغاير والاختلاف. قلت: ونظير هذا في الأمور العقلية أن حياة الشَّخص الواحد مشروطةٌ بشروط: منها: بقاء الأعضاء الرَّئيسة على أَمْزِجَتِهَا المعينة. ومنها: إِيصال بعضها ببعض، وغير ذلك، وكل ما يحصل في البدن مبطلًا لواحد من هذه الشروط يصير سببًا لإبطال الحياة لا جَرَم أن تعددت أسباب إِبطال الحياة، فإذا فرضنا اجتماع عدّة منها، لا نقول: إن العلل الكثيرة تواردت على معلول واحد.

стр. 1892

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وإِذا فرضنا دفعةً واحدة: حَزّ رقبة شخص، وقدّه نصفين من شخصين معًا، لا يقال: اجتمع هاتان العلّتان على معلول واحد؛ إِذ لا يتصور ذلك في العلل التامّة المؤثرة، وكل ما ذكر عذرًا في هذه الصّورة كان عذرًا لنا في دفع ما ذكر من الدَّليل، ولسنا بالمُعْتذرين عن العلل العقلية؛ إِذ لا حقيقة لها عندنا، وتحقيق ذلك في علم الكلام، ولكنا نُحِيلُ الأمر على الإمام. ومما يوضح أن الأصحاب يدعون تعدّد الأحكام أن ابن الحَدّاد قال فيما إِذا بيع شِقْص فعفا أحد الشَّفيعين، والآخر غائب، ثم مات الغائب بعد عفوه، والعافي الحاضر وارثه: كان له أن يأخذ بالشُّفْعَة؛ فإِنه وإن عفا أول مرة، فإِنما يأخذ من وجه غير الوجه الذي عَفَا منه؛ ألا ترى أنه لو عفا عن قاتل أبيه، وقد قتل القاتل أيضًا ابن أخي العافي، فمات أخوه، وهو وارثه، كان له أن يقتله بابن أخيه؛ لأنه وإِن عفا عن دم أبيه، لم يَعْفُ عن دم ابن أخيه، ودم أبيه غير دم ابن أخيه؟. ووافق الأصحاب ابن الحَدّاد في الفُتْيَا، ومنعوه السَّببية؛ لأنه إِذا عفا عن دم الأب، فلا يعود إِليه أبدًا، ولا يجوز القتل به، فأما قتله، فبسبب قتل آخر ثبت له، وأما في مسألتنا، فإِنه عفا عن شُفْعَةٍ ثبتت له بِعَقْدٍ، ثم يعود إِليه ذلك الحق بعينه إِرثًا؛ لأنه لما عفا ثبت لأخيه عين ذلك الحق، ثم عاد بالمِيرَاث. [ذكره] (١) الشيخ أبو عَلِيّ عن الأصحاب، وهو يشهد لتعدّد القتل، وإِلا كان في نفسه واحدًا، وإِن اختلفت الإِضافة والعفو أولًا إِنما هو عن قتل مضَاف للأب، لا عن مُطْلق القتل. وأما قوله: إِن الحل لا يتحقق إِلا إِذا لم يكن فيه وجه يقتضي المنع أصلًا، فإِن أراد إِذا لم يكن في موضع الحلّ، فمسلّم، ولا يجد به نفعًا، وإِن أراد من كل وجه، فممنوع، بل تثبت الإِباحة مُضَافة إِلى سببها، والحُرْمة مضافة إِلى سببها، كما تقرر في الصَّلاة في الدَّار المَغْصُوبة، فإِذا عقل اجتماع الوُجُوب والتَّحْريم هناك، عقل اجتماع التَّحريم والإِباحة هنا. فالحَقّ في هذه المسألة اجتماع إِباحات، كل إِباحة مضافة لِسَبَبِهَا، كما يجتمع تحريمات في الزَّاني بذات المحرم صائمًا في الحرم، في الإِحرام بالحج؛ لتعدّد الأسباب،

стр. 1893

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولو لم تتعدّد، كان التحريم واحدًا، فيستوى إِثمه وإِثم من زنى بأجنبية مفطرًا، لا في الحرم، ولا [في] (١) الإِحرام. لا يقال: جاز أن يكون أحد التَّحريمين أغلظ؛ لأنا نقول: تلك الغِلْظة إِنما هي بهذه الزِّيَادات، ولا نعني بتحريم آخر شيئًا غيرها، فلا يستوي رجل أتى امرأة حلالًا ظنّها بعض الأجانب، وهو حقًّا معتدى، مع محرم وطيء أمةً متعمدًا يوم الخميس بـ "مكة" في المسجد، ومن أجل تعدّد الحرمات وقع الانفصال عن سؤال من قال: قوله تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: الآية ٢٣٠]، مع ما تمهّد من مخالفة ما بعد الغاية لما قبلها، يقتضي حلها إِذا نكحت زوجًا غيره، وهي إِذ ذاك زوجة الغير، لا سبيل إِلى تحليلها، ووجه الانفصال: أن الزائل بنكاحها زوجًا غيره تحريم الثلاث، والباقي التحريم الناشئ عن كونها أجنبيةً، الكائن مع تحريم الطَّلاق، ففي اجتماع الثلاث تحريمان زال أحدهما بالنكاح، وبقي الآخر، فوضح أن الحق اجتماع الحرمات، والإِباحات، والوجوبات باجتماع الأسباب. وأما قوله: "الظلم حرامٌ، مع أن كونه حادثًا وعرضًا وحركة" لا يقتضي الحرمة، وهو شاهد لنا، ومخالف لما ذكره؛ إِذ قد أثبت التحريم من وجه دون وجه. وكذا نقول في الإِباحة: إِنها تختص ببعض الوجوه، وتحصل متعدّدة بتعدّد الوجوه والأسباب، لا فرق بينهما. ثم قال الإِمام: قولكم: الدليل على التغايُرِ أنه لو أسلم - يعني: القاتل المرتد - زال أحد الحكمين، وبقي الآخر. قلنا: لا نسلّم أنه يزول أحد الحكمين، بل يزول كون ذلك الحكم معللًا بالرّدة، فالزائل ليس هو نفس الحلّ، بل وصف كونه معللًا بالردة. ولك أن تقول: لو لم يزل ذلك الحل، لكان مستمرًا بدون علّة؛ فإِنه لا أثر للزائل في المستمر، بل التَّحقيق أن الحلّ المضاف إِلى الردة زال، وبقي حل آخر. ثم قال: قولكم: ولي الدَّم مستقلّ بإِسقاط أحد الحكمين.

стр. 1894

وَأَيْضًا: لَوِ امْتَنَعَ لامْتَنَعَ تَعَدُّدُ الأَدِلَّةِ؛ لأَنَّهَا أَدِلَّةٌ. قلنا: ممنوع، بل هو متمكّن من إِزالة أحد الأسباب، فإِذا زال ذلك السَّبب، زال انْتِسَاب ذلك الحكم إِليه، لا الحكم نفسه. ولك أن تقول: السبب هو كونه قتل من يعاديه، وذلك لا يزول بشيء من أفعال الولي، إِنما الزائل بِعَفْوِ الولي وجوب القصاص الذي هو أثر السَّبب، وليس الولي متمكنًا إِلا من إِزالة الحلّ الثابت له، وهذا الزوال يستدعي سببًا، ولا سببًا غير عفوه، فالذي زال بالعفو ما كان ثابتًا، وليس هو إِلا الحلّ. ثم إِنا نقول: إِن كان الزائل بالعفو شيئًا آخر غير حلّ القتل، فموجب القاتل ظلمًا هو ذلك الشيء؛ لأن العفو يسقط موجب الجِنَايَةِ، فإِن كان موجب الجناية غير الحلّ، فلا يلزم اجتماع العِلَلِ على حكم واحدٍ، وهكذا نقول في سائر الصُّور المذكورة من اجتماع الإِحرام والحيض، وفي صورة الرِّضَاع، ونحوها، فاعتبره. الشرح: الوجه الثاني من الوجهين اللذين استدلّ بهما من قال باجتماع علّتين: ما أشار إِليه في الكتاب بقوله: "و أيضًا: لو امتنع" التعليل بعلّتين "لامْتَنَعَ تَعدّد الأدلة؛ لأنها"، أي: العلل الشرعية "أدلة": لكونها معرفة للأحكام، وتعدّد الأدلة غير ممتنع. هذا كلام المصنف، وسنعيده غير مرة. ولقائل أن يقول: العلة إِما أن تكون عندك بمعنى المعرف، أو شيء آخر، فإِن فسرتها بـ"المعروف" - كما هو الصَّواب - فهي والأدلّة سواء، والخلاف فيهما واحد، والخصم ناطق بامتناع تعدّد الأدلّة، والحاصل أن المعرفات الأدلّة، فلا يقاس الشيء على نفسه. وإن فسرتها بشيء آخر، إِما الباعث أو غيره، فالمُلازَمة غير قائمةٍ؛ لوضوح الفرق، وعند هذا نقول: كان أحقّ معنى به تفسير العلّة، ثم نذكر بعده الاختلاف. وأصحابنا كلهم يقولون: إِنها الأمارة، والمصنّف والآمدي يفسّرانها بـ "الباعث"، فإِن جرى المصنف على مِنْهَاجه، فالمذاهب التي حكاها أَجْرَاها في غير موضعها؛ لأن أصحابنا أجمعين لا يفسّرونها إِلا بـ"المعروف"، منهم: القاضي، وإمام الحرمين اللذان صرّح باسمهما. وأيضًا: لا يصحّ القياس لوجدان الفَارِقِ بين الأَمَارة والباعث.

стр. 1895

الْمَانِعُ: لَوْ جَازَ لَكَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مُسْتَقِلَّةً غَيْرَ مُسْتَقِلَّةٍ؛ لأَنَّ مَعْنَى اسْتِقْلالِهَا ثُبُوتُ الْحُكْمِ بِهَا، فَإِذا انْفَرَدَت ثَبَتَ الْحَكْمُ بِهَا، فَإِذَا تَعَدَّدَتْ تَنَاقَضَتْ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَعْنَى اسْتِقْلالِهَا أَنَّهَا إِذَا انْفَرَدَتِ اسْتقَلَّتْ؛ فَلا تَنَاقُضَ فِي الْتَعَدُّدِ. وأيضًا: قوله: لأنّها أدلّة، مدخول؛ لأنّ الأدلّة: المعرف بلا رَيْبٍ، وما هي والحالة هذه إِلا بواعث. الشرح: واحتج "المانع" من التَّعْليل بعلّتين مطلقًا بثلاثة أوجه: أحدها: وإليه الإِشارة بقوله: "لو جاز، لكانت كلّ واحدة مستقلّة غير مستقلة؛ لأن معنى استقلالها: ثبوت الحكم بها، فإِذا تعددت تناقضت". وهذا ما اعتمده الآمدي، وتقريره أن يقال: لو علل الحكم الواحد بعلّتين، لم يخل إِما أن تستقلّ كلّ واحدة بالتَّعْليل، أو لا تستقلّ، بل لا تتمّ إِلا بمجموعهما، أو تستقلّ إِحداهما به دون الأخرى، والأقسام الثلاثة باطلةٌ، فالتعليل بعلل باطل. أما الأول: فلأنه لا معنى لكون الوَصْف علّة مستقلة إِلا أنه علّة له دون غيره، فلو كانت كلّ واحدة منها مستقلّة بهذا التفسير لزم ألا تكون كلّ واحدة منها علّة، فضلًا عن أن تكون مستقلة. وأما الثاني: فلأنه على نَقِيضِ ما فَرض من الملزوم، فكان باطلًا، وبتقدير ألّا يكون باطلًا، قالمقصود حاصل؛ لأنه حينئذ لا يكون ذلك الحكم معللًا إِلا بعلّة واحدة. وأما الثالث: فللزوم تَرْجِيح أحد الجَائزين، وبتقدير ألا يكون جائزًا، فالمقصود حاصل على ما عرف. الشرح: "وأجيب: بأن معنى استقلالها: أنها إِذا انفردت استقلّت، فلا تناقض في التعدد"، أي: ليس معنى استقلالها ما ذكرت، بل إِنها إِذا انفردت استقلّت بالعلّية، فيجوز أن تكون كلّ واحدة منها حالة الانفراد مستقلة، وحالة الاجتماع غير مستقلة، فلا يلزم التناقض حالة التعدُّد؛ لعدم استقلال كلّ منها حينئذ. فالتناقض إِنما نشأ من استقلالها حالة التعدّد، و "حينئذ فقد فسرنا الاستقلال بخلاف ما فسرتموه.
следующие страницы →