← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6338

رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (2 330 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولقائل أن يقول: سلمنا أن إِبطال حياة الشَّخص الواحد أمر واحد. ولكن لم قلت: إِن ما يكون طريقًا إِلى الشيء يجب أن يكون واحدًا؟. والحكم الذي كلامنا فيه ليس [نفس] (١) إِبطال حياة الشخص، بل الطريق إِليه؟؛ ألا ترى أن حياة الشخص الواحد يمكن إِبطالها بضرب عنقه، وقدّه نصفين، وأمور كثيرة، فلم ادعيت أن ما نحن فيه ليس كذلك؟. فإن إباحة القتل بالردَّة، وهو طريق واحد إلى إبطال الحياة، وحكمه أن يقتله الإِمام ما لم [يَتُبْ] (٢)، وليس له إِسقاطه، وإباحته بالقِصَاص أن يتمكن الولي من قتله بمثل الطَّريق التي صدرت عنه، أو بالسَّيف، وله العَفْو. وإباحته بالزنا أن يرجم، ولا يتبع إِذا هرب، فهذه طرق مختلفةٌ، غير أنها اشتركت في أمرٍ واحدٍ، وذلك لا يوجب اجْتِمَاع العلل على حكم واحدٍ، وأيضًا عصمة دم المرء المعصوم دمه حكم شرعي، وهو مشروط بأمور: منها: الإِسلام، أو الذمة، ويناقضها الكُفْر مع الحِرَابة. ومنها: العِفَّة، ويضادها الزِّنَا. ومنها: العَدْل، ويضاده القَتْل ظلمًا، ويختل كل واحد منهما بواحد من هذه الأفعال. قال إمام الحرمين في تقدم الأمن [بالعفة] (٣) استمكانًا من تقدير [التعدد] (٤) في الموجبات بوجوه ترشد إلى التغاير والاختلاف. قلت: ونظير هذا في الأمور العقلية أن حياة الشَّخص الواحد مشروطةٌ بشروط: منها: بقاء الأعضاء الرَّئيسة على أَمْزِجَتِهَا المعينة. ومنها: إِيصال بعضها ببعض، وغير ذلك، وكل ما يحصل في البدن مبطلًا لواحد من هذه الشروط يصير سببًا لإبطال الحياة لا جَرَم أن تعددت أسباب إِبطال الحياة، فإذا فرضنا اجتماع عدّة منها، لا نقول: إن العلل الكثيرة تواردت على معلول واحد.

стр. 1892

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وإِذا فرضنا دفعةً واحدة: حَزّ رقبة شخص، وقدّه نصفين من شخصين معًا، لا يقال: اجتمع هاتان العلّتان على معلول واحد؛ إِذ لا يتصور ذلك في العلل التامّة المؤثرة، وكل ما ذكر عذرًا في هذه الصّورة كان عذرًا لنا في دفع ما ذكر من الدَّليل، ولسنا بالمُعْتذرين عن العلل العقلية؛ إِذ لا حقيقة لها عندنا، وتحقيق ذلك في علم الكلام، ولكنا نُحِيلُ الأمر على الإمام. ومما يوضح أن الأصحاب يدعون تعدّد الأحكام أن ابن الحَدّاد قال فيما إِذا بيع شِقْص فعفا أحد الشَّفيعين، والآخر غائب، ثم مات الغائب بعد عفوه، والعافي الحاضر وارثه: كان له أن يأخذ بالشُّفْعَة؛ فإِنه وإن عفا أول مرة، فإِنما يأخذ من وجه غير الوجه الذي عَفَا منه؛ ألا ترى أنه لو عفا عن قاتل أبيه، وقد قتل القاتل أيضًا ابن أخي العافي، فمات أخوه، وهو وارثه، كان له أن يقتله بابن أخيه؛ لأنه وإِن عفا عن دم أبيه، لم يَعْفُ عن دم ابن أخيه، ودم أبيه غير دم ابن أخيه؟. ووافق الأصحاب ابن الحَدّاد في الفُتْيَا، ومنعوه السَّببية؛ لأنه إِذا عفا عن دم الأب، فلا يعود إِليه أبدًا، ولا يجوز القتل به، فأما قتله، فبسبب قتل آخر ثبت له، وأما في مسألتنا، فإِنه عفا عن شُفْعَةٍ ثبتت له بِعَقْدٍ، ثم يعود إِليه ذلك الحق بعينه إِرثًا؛ لأنه لما عفا ثبت لأخيه عين ذلك الحق، ثم عاد بالمِيرَاث. [ذكره] (١) الشيخ أبو عَلِيّ عن الأصحاب، وهو يشهد لتعدّد القتل، وإِلا كان في نفسه واحدًا، وإِن اختلفت الإِضافة والعفو أولًا إِنما هو عن قتل مضَاف للأب، لا عن مُطْلق القتل. وأما قوله: إِن الحل لا يتحقق إِلا إِذا لم يكن فيه وجه يقتضي المنع أصلًا، فإِن أراد إِذا لم يكن في موضع الحلّ، فمسلّم، ولا يجد به نفعًا، وإِن أراد من كل وجه، فممنوع، بل تثبت الإِباحة مُضَافة إِلى سببها، والحُرْمة مضافة إِلى سببها، كما تقرر في الصَّلاة في الدَّار المَغْصُوبة، فإِذا عقل اجتماع الوُجُوب والتَّحْريم هناك، عقل اجتماع التَّحريم والإِباحة هنا. فالحَقّ في هذه المسألة اجتماع إِباحات، كل إِباحة مضافة لِسَبَبِهَا، كما يجتمع تحريمات في الزَّاني بذات المحرم صائمًا في الحرم، في الإِحرام بالحج؛ لتعدّد الأسباب،

стр. 1893

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولو لم تتعدّد، كان التحريم واحدًا، فيستوى إِثمه وإِثم من زنى بأجنبية مفطرًا، لا في الحرم، ولا [في] (١) الإِحرام. لا يقال: جاز أن يكون أحد التَّحريمين أغلظ؛ لأنا نقول: تلك الغِلْظة إِنما هي بهذه الزِّيَادات، ولا نعني بتحريم آخر شيئًا غيرها، فلا يستوي رجل أتى امرأة حلالًا ظنّها بعض الأجانب، وهو حقًّا معتدى، مع محرم وطيء أمةً متعمدًا يوم الخميس بـ "مكة" في المسجد، ومن أجل تعدّد الحرمات وقع الانفصال عن سؤال من قال: قوله تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: الآية ٢٣٠]، مع ما تمهّد من مخالفة ما بعد الغاية لما قبلها، يقتضي حلها إِذا نكحت زوجًا غيره، وهي إِذ ذاك زوجة الغير، لا سبيل إِلى تحليلها، ووجه الانفصال: أن الزائل بنكاحها زوجًا غيره تحريم الثلاث، والباقي التحريم الناشئ عن كونها أجنبيةً، الكائن مع تحريم الطَّلاق، ففي اجتماع الثلاث تحريمان زال أحدهما بالنكاح، وبقي الآخر، فوضح أن الحق اجتماع الحرمات، والإِباحات، والوجوبات باجتماع الأسباب. وأما قوله: "الظلم حرامٌ، مع أن كونه حادثًا وعرضًا وحركة" لا يقتضي الحرمة، وهو شاهد لنا، ومخالف لما ذكره؛ إِذ قد أثبت التحريم من وجه دون وجه. وكذا نقول في الإِباحة: إِنها تختص ببعض الوجوه، وتحصل متعدّدة بتعدّد الوجوه والأسباب، لا فرق بينهما. ثم قال الإِمام: قولكم: الدليل على التغايُرِ أنه لو أسلم - يعني: القاتل المرتد - زال أحد الحكمين، وبقي الآخر. قلنا: لا نسلّم أنه يزول أحد الحكمين، بل يزول كون ذلك الحكم معللًا بالرّدة، فالزائل ليس هو نفس الحلّ، بل وصف كونه معللًا بالردة. ولك أن تقول: لو لم يزل ذلك الحل، لكان مستمرًا بدون علّة؛ فإِنه لا أثر للزائل في المستمر، بل التَّحقيق أن الحلّ المضاف إِلى الردة زال، وبقي حل آخر. ثم قال: قولكم: ولي الدَّم مستقلّ بإِسقاط أحد الحكمين.

стр. 1894

وَأَيْضًا: لَوِ امْتَنَعَ لامْتَنَعَ تَعَدُّدُ الأَدِلَّةِ؛ لأَنَّهَا أَدِلَّةٌ. قلنا: ممنوع، بل هو متمكّن من إِزالة أحد الأسباب، فإِذا زال ذلك السَّبب، زال انْتِسَاب ذلك الحكم إِليه، لا الحكم نفسه. ولك أن تقول: السبب هو كونه قتل من يعاديه، وذلك لا يزول بشيء من أفعال الولي، إِنما الزائل بِعَفْوِ الولي وجوب القصاص الذي هو أثر السَّبب، وليس الولي متمكنًا إِلا من إِزالة الحلّ الثابت له، وهذا الزوال يستدعي سببًا، ولا سببًا غير عفوه، فالذي زال بالعفو ما كان ثابتًا، وليس هو إِلا الحلّ. ثم إِنا نقول: إِن كان الزائل بالعفو شيئًا آخر غير حلّ القتل، فموجب القاتل ظلمًا هو ذلك الشيء؛ لأن العفو يسقط موجب الجِنَايَةِ، فإِن كان موجب الجناية غير الحلّ، فلا يلزم اجتماع العِلَلِ على حكم واحدٍ، وهكذا نقول في سائر الصُّور المذكورة من اجتماع الإِحرام والحيض، وفي صورة الرِّضَاع، ونحوها، فاعتبره. الشرح: الوجه الثاني من الوجهين اللذين استدلّ بهما من قال باجتماع علّتين: ما أشار إِليه في الكتاب بقوله: "و أيضًا: لو امتنع" التعليل بعلّتين "لامْتَنَعَ تَعدّد الأدلة؛ لأنها"، أي: العلل الشرعية "أدلة": لكونها معرفة للأحكام، وتعدّد الأدلة غير ممتنع. هذا كلام المصنف، وسنعيده غير مرة. ولقائل أن يقول: العلة إِما أن تكون عندك بمعنى المعرف، أو شيء آخر، فإِن فسرتها بـ"المعروف" - كما هو الصَّواب - فهي والأدلّة سواء، والخلاف فيهما واحد، والخصم ناطق بامتناع تعدّد الأدلّة، والحاصل أن المعرفات الأدلّة، فلا يقاس الشيء على نفسه. وإن فسرتها بشيء آخر، إِما الباعث أو غيره، فالمُلازَمة غير قائمةٍ؛ لوضوح الفرق، وعند هذا نقول: كان أحقّ معنى به تفسير العلّة، ثم نذكر بعده الاختلاف. وأصحابنا كلهم يقولون: إِنها الأمارة، والمصنّف والآمدي يفسّرانها بـ "الباعث"، فإِن جرى المصنف على مِنْهَاجه، فالمذاهب التي حكاها أَجْرَاها في غير موضعها؛ لأن أصحابنا أجمعين لا يفسّرونها إِلا بـ"المعروف"، منهم: القاضي، وإمام الحرمين اللذان صرّح باسمهما. وأيضًا: لا يصحّ القياس لوجدان الفَارِقِ بين الأَمَارة والباعث.

стр. 1895

الْمَانِعُ: لَوْ جَازَ لَكَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مُسْتَقِلَّةً غَيْرَ مُسْتَقِلَّةٍ؛ لأَنَّ مَعْنَى اسْتِقْلالِهَا ثُبُوتُ الْحُكْمِ بِهَا، فَإِذا انْفَرَدَت ثَبَتَ الْحَكْمُ بِهَا، فَإِذَا تَعَدَّدَتْ تَنَاقَضَتْ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَعْنَى اسْتِقْلالِهَا أَنَّهَا إِذَا انْفَرَدَتِ اسْتقَلَّتْ؛ فَلا تَنَاقُضَ فِي الْتَعَدُّدِ. وأيضًا: قوله: لأنّها أدلّة، مدخول؛ لأنّ الأدلّة: المعرف بلا رَيْبٍ، وما هي والحالة هذه إِلا بواعث. الشرح: واحتج "المانع" من التَّعْليل بعلّتين مطلقًا بثلاثة أوجه: أحدها: وإليه الإِشارة بقوله: "لو جاز، لكانت كلّ واحدة مستقلّة غير مستقلة؛ لأن معنى استقلالها: ثبوت الحكم بها، فإِذا تعددت تناقضت". وهذا ما اعتمده الآمدي، وتقريره أن يقال: لو علل الحكم الواحد بعلّتين، لم يخل إِما أن تستقلّ كلّ واحدة بالتَّعْليل، أو لا تستقلّ، بل لا تتمّ إِلا بمجموعهما، أو تستقلّ إِحداهما به دون الأخرى، والأقسام الثلاثة باطلةٌ، فالتعليل بعلل باطل. أما الأول: فلأنه لا معنى لكون الوَصْف علّة مستقلة إِلا أنه علّة له دون غيره، فلو كانت كلّ واحدة منها مستقلّة بهذا التفسير لزم ألا تكون كلّ واحدة منها علّة، فضلًا عن أن تكون مستقلة. وأما الثاني: فلأنه على نَقِيضِ ما فَرض من الملزوم، فكان باطلًا، وبتقدير ألّا يكون باطلًا، قالمقصود حاصل؛ لأنه حينئذ لا يكون ذلك الحكم معللًا إِلا بعلّة واحدة. وأما الثالث: فللزوم تَرْجِيح أحد الجَائزين، وبتقدير ألا يكون جائزًا، فالمقصود حاصل على ما عرف. الشرح: "وأجيب: بأن معنى استقلالها: أنها إِذا انفردت استقلّت، فلا تناقض في التعدد"، أي: ليس معنى استقلالها ما ذكرت، بل إِنها إِذا انفردت استقلّت بالعلّية، فيجوز أن تكون كلّ واحدة منها حالة الانفراد مستقلة، وحالة الاجتماع غير مستقلة، فلا يلزم التناقض حالة التعدُّد؛ لعدم استقلال كلّ منها حينئذ. فالتناقض إِنما نشأ من استقلالها حالة التعدّد، و "حينئذ فقد فسرنا الاستقلال بخلاف ما فسرتموه.

стр. 1896

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والآمدي قد أجاب في "الإِحكام" (١) غير هذا الجواب، بأنَّ الكلام مفروض في حالة الاجتماع دون الانفراد، والتَّقسيم في حالة الاجتماع، على ما سبق. ولكن الشيخ الهِنْدِيّ ضعفه: بأنه ليس معنى قولنا: "إِنه لو وجد منفردًا حالة الاجتماع، حتى يكون فرض حالة الاجتماع" منافيًا له. بل معناه: أن العلة المستقلّة ماله هذه الحيثيّة، ومعلوم أن فرض حالة الاجتماع لا ينافي هذا المفهوم، ويرجع حاصل الكلام حينئذ إِلى أنه لم لا يجوز حينئذ أن يكون [الحكم] (٢) معللًا بكلّ واحد من العلل المختلفة التي شأنها أنه لو وجدت واحدة منها وحدها لاستقلت [بالإِيجاد] (٣)؟. ومعلوم أن التقسيم المذكور في الدَّليل لا يبطل هذا الاحتمال. انتهى. ولقائل أن يقول: هذه العلّة التي شأنها أنها لو انفردت لاستقلّت كلّ واحدة منها، لا بُدَّ أن يكون لها شأن إِذا اجتمعت؛ لأن الحكم على العلل من حيث هي أعم منه حالة الانفراد والاجتماع، فإذا قضيت على حالة الانفراد بقضاء، فبماذا تقضي على حالة الاجتماع؟. فإِن قضيت بأن شأنها استقلال كلّ واحدة عند الانفراد، وعدم الاستقلال عند الاجْتِمَاع، فالمستقلّ حالة الاجتماع مجموعها، لا كلّ فرد، ونحن لا نعني بالعلّة إِلا ما يستقل، فلا علّة حينئذ إِلا المجموع، وهو واحد، فأين اجتماع علل على معلول واحد؟. وإِن قضيت بأنَّ شأنها الاستقلال في الحالتين، عاد التقسيم بحاله. والحاصل: أن العلل التي شأنها الاستقلال حالة الانفراد، لا نسلّم أنها حال الاجتماع عِلَل، بل علّة واحدة، ونحن لا ننكر عللًا، بحيث لو انفرد كلّ منها أفاد، وإِنما ننكر الاستفادة من كلّ فرد فرد حالة الاجتماع، كما ستعرف تحقيقه. فقد وضح أن الدليل صحيح، منتهض على امتناع اجتماع علّتين على معلول واحد،

стр. 1897

قَالُوا: لَوْ جَازَ لاجْتَمَعَ الْمِثْلانِ، فَيَسْتَلْزِمُ النَّقِيضَيْنِ؛ لأَنَّ الْمَحَلَّ يَكُونُ مُسْتَغْنِيًا غَيْرَ مُسْتَغْنٍ، وَفِي التَّرْتِيبِ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ. قُلْنَا: فِي الْعِلَلِ الْعَقْلِيَّةِ، فَأَمَّا مَدْلُولُ الدَّلِيلَينِ فَلا. وهو كما ذكره الآمدي وجارٍ سواء أفسرت العلة بالأمارة أم الباعث، واقتصر الآمدي على ذكره؛ لأنه لو أورد دليلًا يختصّ بالأمارة، لكان على خلاف ما يفسر هو به العلّة، أو بالباعث، لكان في غير محل تنازع القوم؛ إِذ هم لا يتنازعون إِلا فيما هو مصطلحهم، فأورد دليلًا يأتي على المذهبين. الشرح: والوجه الثاني: ما أشار إِليه بقوله: "قالوا: لو جاز لاجتمع المِثْلان، فيستلزم النقيضين؛ لأن المحلّ يكون مستغنيًا غير مستغن، وفي الترتيب تحصيل الحاصل". وفي عبارته قَلَق، فلنقرر الوجه واضحًا، ثم نشرحها، فنقول: اجتماع علّتين على معلولٍ واحد يفضي إِلى أحد أمور ثلاثة، إِما اجتماع المِثْلين، أو تحصيل الحاصل، أو نقض العلّة. وبيان الملازمة: أنه إِذا وجدت علّة من تلك العلل، لا بد أن تقتضي حصول الحكم، وإِلا يحصل النقض، سواء اقتضت غيره أم لم تقتض شيئًا؛ لوجدان التخلّف، وهو باطل؛ لما تقدم. فإِذا حصلت العلّة الثانية، فإِن اقتضت حصول ذلك الحكم بعينه لزم تحصيل الحاصل، أو مثله، لزم اجتماع المِثْلَين، ويلزم على تقدير اقتضائها غير الحكم، ومثله: أن يكون مقتضاها غير مقتضى الأولى، فلم يتواردا على مَعْلُول واحد، وهو المدعى، وكذلك فيما إِذا اقتضت مثله؛ لأن مثل الشيء غيره، وهنا مَعْلُولان لا معلول واحد، وهذا دليل ناهض، سواء حصلت العلّتان معًا، أم على التعاقب، إِلا أنّ المعيّة تختص باجتماع المثلين، ولا يأتي فيها تحصيل الحاصل، وأنت ترى المصنّف كيف قرر هذا الدليل على وجه آخر. وتقريره أن يقال: لو جاز التَّعليل بعلّتين مستقلتين، لزم اجتماع المثلين، أو تحصيل الحاصل؛ لأنّ العلتين، إِما أن تكونا معًا أو على الترتيب، فإِن كانتا معًا، يلزم اجتماع المثلين؛ لأن وجود العلّة المستقلة ملزومة لمعلولها، فيلزم من كلّ واحدة منهما مثل ما لزم من الأخرى، فيلزم اجتماع المثلين، وإن كانتا على التَّرْتيب يلزم تحصيل الحاصل، ولم

стр. 1898

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يحتج إِلى بيان تحصيل الحاصل؛ لظهوره، وبيّن استحالة اجتماع المثلين، فإِنه يستلزم التناقض؛ لأن محل التعليل [يعني] (١) الحكم، يكون مستغنيًا عن كلّ واحدة منهما غير مستغن؛ لأنّ حصول الحكم بكلّ واحدة منهما يوجب الاستغناء عن الأخرى. واعترضه بعض الشَّارحين: بأن الجمع بين المِثْلَيْن لا اختصاص له بالمعيّة، ولا تحصيل الحاصل بالترتيب؛ إِذ لو حصلت العلّتان معًا، أو ترتيبًا، فإِن كان تأثير الكلّ في واحد معيّن، كان تحصيل الحاصل، وإِن كان في غيره لزم اجتماع المثلين. وزيّفه شيخنا شمس الدِّين الأَصْفهاني ﵀ بأن اختصاص تحصيل الحاصل بالترتيب [ظاهر] (٢)؛ لأنّ العلّتين إِذا حصلتا معًا، كان فعلهما أيضًا معًا، فلا يتصوّر تحصيل الحاصل في فعل واحد منهما؛ لأن تحصيل الحاصل إِنما يتصور إِذا حصل شيء بعد حصوله مرة أخرى. قال: وأما اجتماع المِثْلين، وإِن كان لا اختصاص له بالمعيّة، إِلا أنه لما كان الترتيب مستلزمًا لتحصيل الحاصل، وتحصيل الحاصل أظهر فسادًا من اجتماع المِثْلين، لم يتعرض في التَّرْتيب لاجتماع المثلين، بل بين استلزامه لما هو أظهر فسادًا منه. ثم قال المعترض: ولم يحتج في لزوم الاستغناء وعدمه إِلى توسُّط الجمع بين المِثْلَيْن، وهذا حقّ. وقد أجاب في الكتاب عن هذا الوجه بقوله: "قلنا": اجتماع المِثْلَين، أو تحصيل الحاصل إِنما يلزم من العلّتين المستقلتين "في العلل العقليّة" المفيدة لوجود المعلول. "فأما" في العلل الشرعية التي هي دلائل الأحكام، فلا؛ ولأنها "مدلول الدليلين، فلا" بعد، ولا امتناع في دليلين على مدلول واحدٍ. وفي هذا الجواب من النَّظر ما قدمناه؛ فإِن المعترض يقول: إِن فسرت العلّة التي فيها نتحدث بـ "المعرف"، فلا نسلم جواز اجتماع دليلين لشخص واحد، وهو محل النزاع، أو الباعثِ، فالفرق بين الدَّليلين والباعثين قائم، ولو أن المصنّف أجاب هنا بأن قولكم: العلّة

стр. 1899

قَالُوا: لَوْ جَازَ لَمَا تَعَلَّقَ الأئِمَّةُ فِي عِلَّةِ الرِّبَا بِالتَّرْجِيحِ؛ لأَنَّ مِنْ ضَرُورَتِهِ صِحَّةَ الاِسْتِقْلالِ. المستقلة ملزومة لمعلولها، غير مسلّم فيما نحن فيه من العلل الشرعية؛ إِذ الملزوم لمعلوله إِنما هو العقلية. أما الشرعية فلا نعني باستقلالها ذلك، بل إِنها إِذا انفردت لزمها المعلول، فكان جاريًا على المنهاج الأول الذي [سلكه] (١) في الجواب عن الدليل الأول. فإِن قلت: وماذا يجديه هذا، وقد أوضحت بطلانه آنفًا؟ قلت: يقول: لا نسلّم أنها تستلزم معلولها، بل قد يتخلّف عنها المعلول، وغاية ما يلزم نقض العلة، وهو غير قادح في العلية إِذا كان لمانع كما في مسألتنا. فإِن حصول الحكم أولًا مانع من حصوله ثانيًا، وحصوله بإِحدى العلّتين إِذا وقع معًا، مانع من حصوله بالأخرى، وعندي هذا يظهر لك أنه لا بد من أخذ النقض قسمًا من أقسام الدليل، ويقال: اللازم من التعليل بعلّتين تحصيل الحاصل، أو اجتماع المثلين، أو النقض، كما أوردناه نحن، ويظهر لك - أيضًا - أنه إِنما يتم عند من يجعل النَّقض قادحًا مطلقًا، سواء أكان لمانع أم لا - وهو رأينا - ويظهر لك - أيضًا - أن التعليل بعلّتين من فروع مسألة النَّقْض كما قدمناه في النقض. الشرح: الوجه الثالث: ما أشار إِليه في الكتاب بقوله: "قالوا: لو جاز لما تعلّق الأئمة في علّة الربا بالترجيح؛ لأن من ضرورته صحة الاستقلال". وتقريره: أن الأمة اجتمعت على منع التعليل بعلّتين، فدلّ أنه لا يجوز، وإنما قلنا: إِن الأمة اجتمعت؛ لأن القياسيين أجمعوا، وهم علماء الأمة الذين يعتبر خلافهم ووفاقهم. وأما من ينكر القياس، فلا يقيم أهل التَّحقيق بخلافه ووفاقه وزنًا، وإِنما ادَّعينا إِجماع القياسيين؛ لأن السَّلف الماضين اختلفوا في الرِّبا وعلّته اختلافًا بينًا، ولم يتركوا متخيلًا إِلا وأبدوه، مع إِطباقهم على اتِّحَاد العلّة فيه، وإِمكان أن يقال: إِن العلل متعددة، وأن يجعل الكَيْل والطّعم والقوت عللًا مجتمعة على معلول واحد، ولم يبد ذلك منهم أحد، ولا قاله فيهم قائل، فدلّ على منع التعدّد.

стр. 1900

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ثم نندفع في إِيضاح هذا التقرير، فنقول: كلّ من الطّعم، والكَيْل، والقُوت معنى مخيل يصلح أن يناط به الحكم، وليس من شرط اجْتِمَاع العلل ألا يكون بعضها أرجح من بعض، بل جاز أن تكون علّتان إِحداهما أنسب، وأرجح، وأكثر تخيلًا، ولا يلزم من رجحان إِحداهما بطلان الأخرى، بل قد يتعاضدان؛ فإِن الترجيح إِنما يبطل به عند التعارض، أما عند التعاضد فلا، بل ولا فائدة في تطلبه، وقد تطلبوا التَّرجيح، وهذا لا شكّ فيه ولا ريب، فإِن كلّ ذي علّة يذهب في ترجيحها كلّ مذهب، فلولا اعتقاد امتناع التعدد لما تطلبوا الترجيح، بل كانت مناسبة كلّ واحدة من هذه الأشياء كافية في كونه علة، ومناسبة الآخر لا تمنع، ويجتمع العلّتان على المعلول الواحد. وقد علمنا أن كلّ من أبدي وجهًا، وأخذ في ترجيحه على وجه صاحبه اكتفى بذلك مبطلًا لعلّة صاحبه، وما ذلك إِلا لامتناع التعدُّد، وإِلا كان صاحبه بسبيل من أن يقول: هَبْ أن ما أبديته أنسب وأرجح، إِلا أنه لا تعارض بيننا، فليكن المعنيان علّتين. وقد علم كلّ ذي لبّ، أن من ضرورة التَّرْجيح استجماع شرائط الصِّحة، فإِنما يرجح أحد الأمرين على الآخر عند اجتماعهما، ما لو انفرد كلّ واحد منهما [وعَرَا] (١) عن صاحبه - لعمل بمقتضاه، كما تقول في الحديثين المُتَعَارضين والبيّنتين المتعارضتين. وحاصل هذا الوجه عند الاختصار: أنهم قد بحثوا في التَّرْجيح بين الطّعم، والكَيْل، والقوت، ولو لم يكن كلّ من الثلاثة مناسبًا مخيلًا، بحيث لو انفرد عمل به، لما وقع البحث في الترجيح؛ فإِنه لا ترجيح بين باطل وصحيح، إِنما الترجيح عند تعارض الصَّحيحين كما عرفت، وإِذا كان كلّ واحد منهما مناسبًا مخيلًا، فلا وجه للتَّرْجيح إِلا مع التعدد، فإِن الترجيح الذي قلنا: إِنه وقع منهم بيّن علل الرِّبا، إِما أن يكون لأن أحد الوصفين أنسب وأخيل من الآخر، أو لأن الآخر باطل بالكلية. والأول باطل؛ لأنّ راجحية أحد الوصفين على الآخر لا تخرج الآخر عن كونه وصفًا مناسبًا مخيلًا صالحًا للعلّية، وإِذا لم تخرجه، وليسا متعارضين فأي فائدة في قولنا: هذا أرجح؟ وبحثنا عن ذلك البحث الشَّديد الشَّائع الذَّائع المستفيض بين السلف الماضين.

стр. 1901

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وللمناظر أن يقول: هب أن ما أبديته أرجح، ولكن لم يتعارضان ويتناظران؟ والثاني: وهو أن يكون البحث لِبُطْلان الآخر، فبطلانه لا جائز أن يكون لكونه غير مناسب مخيل؛ إِذ الفرض أنه مناسب مخيل، ولولاه لما وقع التَّعَارض، فما بقي إِلا لأن يكون لأن مجرد إِبداء وصف أنسب منه يخرجه عن الاعتبار؛ لعدم جواز تعدُّد الأوصاف. هذا منتهى الوجه وغايته، وقد تضمن أمورًا: أحدها: إِجماع القياسيين على اتِّحَاد علّة الرِّبا. والثاني: تطلبهم الترجيح، وتعصبهم فيه. والثالث: أن الترجيح إِنما يكون بين صحيحين لو انفرد كلّ منهما لعمل به. والرابع: أنّ كلا من علل الرِّبا صحيح [مناسب] (١) لو لم يلح للمجتهد سواه لعمل به. وقد أجيب عن هذا الدليل بأوجه: أحدها: وهو ما ارتضاه إِمام الحرمين في "البرهان"، و"الأساليب" - منع وقوع الإِجماع، وتبين سَنَد المنع يتوقّف على معرفة قاعدته في الربويات، فنقول: حاصل رأيه الميل إِلى اتباع النص، وإِثبات الرِّبا في كلّ مَطْعُوم بقوله ﵊: "لا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ". قال: وأما [النَّقْدَان] (٢) فمنصوصان، وتحريمهما غير متعدّ، فلا ضرورة تحوج إِلى ادعاء علّة قاصرة، وحينئذٍ فالإِجماع على اتّحاد العلّة إِنما هو من القائلين بالتعليل في هذه المسألة، وقد وضح أن الأمة كلها لم تقل بالتعليل، بل منهم من أجرى مورد النَّص مورد التعبد، وقال في قوله ﵊: "لا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ": إِنه في حكم اللَّقب؛ لعدم صلاحية الطّعم للعلية، وعلية الطّعم لا تثبت بانتفاء ما عَدَاه من الأوصاف، بل لا بُدّ من إِثبات مناسبته في نفسه، وعلى هذه الطريقة إِمام الحرمين، وإِجماع القياسيين مع مُخَالفة بعض المجتهدين ليس بإِجماع، وهذا معنى قوله في "البرهان" أولًا: إِجماع أهل

стр. 1902

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . القياس على اتحاد علّة الرِّبا، ومراده - هنا - بأهل القياس: الذين ذهبوا إِلى التعليل، لا كلّ من قال: القياس حجّة، ثم نتكلم عليه من أوجه. منها: أن تعليل ربا الفضل ليس مقطوعًا به عند المحقّقين (١)، وليس منكر تعليله منتسبًا إِلى جحد القياس. فانظر قوله: "ليس منكر تعليله منتسبًا إِلى جَحْد القياس"، يتضح لك أنه إِنما أراد من قاس في هذا الموضع، لا من قاس مطلقًا. وقد فهم الشيخ الهِنْدِيّ عنه خلاف ذلك، وليس بِجَيِّدٍ، فلو أراد مطلق من قال بالقياس، [لا ينتهض] (٢) الإِجماع؛ إِذ منكر أصل القياس لا تقدح مخالفته في الإِجماع، كما قرر إِمام الحرمين وغيره. وقد أنكر الإِمامان: عبد الله بن مَسْعود، وعبد الله بن عباس ﵄ ربا الفَضْل، وتبعهما من التابعين: عطاء بن أبي رباح، وفقهاء المَكّيين، وكل هؤلاء يقولون: بأن القياس حجّة متبعة، وقاعدة مشروعة (٣).

стр. 1903

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1904

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1905

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وثانيها: منع قضية التَّرْجيح، وهو مما سلكه إِمام الحرمين في "الأساليب"، وحاصله: أن الترجيح إِنما يقع بين علّتين صحيحتين تستقلّ كلّ منهما لو انفردت - كما ذكرناه - والمعلل بالطعم - مثلًا - معتقد بطلان ما سواه، ولا ترجيح بين صحيح وفاسد. قال: و - أيضًا - فإِنا لا نبعد في وضع القياس أن تصحّ علّتان لحكم واحد؛ إِذ الحكم الواحد يجوز أن يعلل بعلل، وإِنما تتناقض العلّتان إِذا تناقض حُكْمَاهما، بأن كانت إِحداهما محرمة، والأخرى مبيحة، فإِذا فرض لحكم واحد علّتان، ولا تناقض بين موجبيهما فكيف يتعارضان؟ ولا يبعد عندنا تعليل حكم واحد بعلّتين، إِحداهما أخيل من الأخرى، وإِن كان ذلك بين العلّتين المتناقضتين يقتضي ترجيحًا. فإِن قيل: إِذا قررنا ثبوت الطّعم والكيل جميعًا، فتختلف فروع العلتين. قلنا: لا يضر ذلك، فلا تناقض فيه. فإِن قيل: الطعم يقتضي نفي الرِّبا عن الحَصْر، والكيل يقتضي نفي الرِّبا عن السَّفَرْجل. قلنا: هذا القَدْر تناقض بين العلّتين في العكس، والانعكاس ليس شرطًا في العلل السَّمعية، وإِنما تنعكس العلّة الشرعية إِذا تجرّدت، ولم تنتصب دلالة أخرى سواها في ثبوتها وانتفائها، فيجب أن يثبت الحُكم بثبوتها، وينتفي انتفائها، فإِذا فرضنا علّتين لم يبعد أن تنتفي إِحداهما، وتخلفها الأخرى. ثم قال: وحاصل الكلام في ذلك أنا لو قَدّرنا ثبوت العلّتين، فلا معنى للتَّرْجيح، فإِنهما يثبتان مع ترجّح إِحداهما، وإِن قدرنا فساد إِحداهما، [فَتَرَجُّح] (١) العلة الصحيحة على الفاسدة لَغْو من الكلام لا طائل تحته. هذا كلامه في "الأساليب"، والحاصل: منع تطلّبهم الترجيح، وادعاء أنهم إِنما بحثوا في إِبطال ما عدا المدعى عليه. وثالثها: سلّمنا أنه معلل، ولكن جاز أن يجمع القِيَاسيون في أصل على اتِّحَاد العلة

стр. 1906

فقال: وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُمْ تَعَرَّضُوا لِلإِبْطَالِ لا لِلتَّرْجِيحِ، وَلَوْ سُلِّمَ فَللإِجْمَاعِ عَلَى اتِّحَادِ الْعِلَّةِ هَاهُنَا، وَإِلَّا لَزِمَ جَعْلُهَا أَجْزَاءً. الْقَاضِي: لا بُعْدَ فِي الْمَنْصُوصَةِ، وَأَمَّا الْمُسْتَنْبَطَةُ فَتَسْتَلْزِمُ الْجُزْئِيَّةَ؛ لِرَفْعِ التَّحَكُّمِ، فَإِنْ عُيِّنَتْ بِالنَّصِّ رَجَعَتْ مَنْصُوصَةً. فيه، ثم يتنافسوا في طلبها، وهذا إِذا وقع في مكان لم يلزم بُطْلان التعليل بعلّتين مطلقًا. وذكر إِمام الحرمين هذا الجواب في "البرهان"، ولم يزيفه، ولكنه ضعفه في "الأساليب"، وقال: هذا كلام من يكتفي بظواهر الأمور، ولا يبغي الغَوْص فيها، ونحن نعلم أنه لم يثبت خبر أو أَثر، أو ظاهر كتاب في أن علّة الرِّبا ينبغي أن تكون واحدة أن يجمعوا على اتِّحَاد العلّة من حيث إِن ذلك ممتنع كونه، فإِنا قد أثبتنا بقواطع الأصول فيها أن ذلك جائز غير ممتنع، فدلّ أنهم إِنما قضوا باتِّحَاد العلة من حيث اعتقد كلّ فريق بطلان علة من يخالفه بالطرق التي تتضمن البطلان عنده. انتهى. فهذه الأجوبة الثلاثة هي المعتمدة في الجواب عن هذا الدليل، وطريق اختصارها أن نقول: لا نسلم وقوع إِجماع على اتحاد العلّة؛ لأنّ وقوعه فرع كون الرِّبا معللًا، وقد منع بعض الأئمّة التعليل رأسًا، فكيف يستقيم الإِجماع؟ وهذا أصح الأجوبة، وهو معتمد إِمام الحرمين. سلمنا وقوع الإِجماع على الاتحاد، ولكنهم إِنما بحثوا في بطلان ما عدا المدعى علّة؛ لأنه إِذا قام الإِجماع على الاتحاد، وكان - هناك - أوصاف وجب النظر فيما يبطل منها؛ ليتعيّن الآخر للعلّية. سلّمنا أنهم بحثوا عن علّية نفس المدّعى كونه علّة، ولكن لما وقع الإِجماع على الاتحاد، احتيج إِلى النظر في جميع ما يتخيّله النَّاظر علّة؛ لينظر أرجحه فيعيّن للعلّية، وقد اقتصر في الكتاب على ذكر هذين الجوابين. الشرح: "وأجيب: بأنهم تعرضوا للإِبطال لا للترجيح، ولو سلم" تعرضهم للتَّرْجيح "فللإِجماع على اتحاد العلة - هنا - وإِلا لزم جعلها أجزاء"؛ لأنهم لما أجمعوا على الاتحاد، لزم الجزئية؛ لأن جعل أحدهما علّة من غير ترجيح باطل، فتعيّن الجزئية، ولا قائل بها. واحتج القائل بجواز التَّعْليل بعلّتين منصوصتين، ومنع المستنبطتين، وعليه - كما نقل المصنف - "القاضي" بأنه "لا بعد في" تعدّد "المنصوصة"؛ لأن العلل الشرعية أمارات، ولا

стр. 1907

وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ يَثْبُتُ الْحُكْمُ فِي مَحَالِّ أَفْرَادِهَا، فَتُسْتَنْبَطُ. يبعد نصب علامتين. "وأما المستنبطة فتستلزم الجُزئية؛ لرفع التحكم، فإِن عينت (١) بالنص رجعت منصوصة". وتقريره: أنه لو جاز تعدّد المستنبطة، لزم إِما كونها أجزاء للعلّة، لا العلّة، أو منصوصة لا مستنبطة، وهما باطلان؛ لأنهما خلاف الفرض؛ إِذ الفرض أنها مستنبطة ومستقلة. وبيان الملازمة: أنّ تلك العلل إِما ألا يعين بالنص كونها عللًا، فيلزم الجزئية، أي: كونها أجزاء للعلّة لرفع التحكم؛ إِذ ليست إِحداهما أولى من الأخرى؛ لأن المناسبة واقتران الحكم كما دلَّا على أن الطعم - مثلًا - علَّة، كذلك دلا على أنه الكيل أو القوت، وهذا على تقدير مناسبة هذه (٢) الأوصاف كلها، فظهر لزوم التحكم لو لم يحمل على الجزئية، "وإِن عينت بالنص رجعت منصوصة". الشرح: "وأجيب: بأنه يثبت الحُكم في محال أفرادها، فتستنبط". وتقريره: أنا لا نسلّم لزوم التحكّم، وإِنما يلزم لو لم يثبت الحكم بها في محال أفرادها، أي: بكل منها منفردة، أي: إِذا انفرد كلّ (٣) أثبت الحكم، فيستنبط بالمناسبة والاقتران إِذ ذاك أنها هي العلّة، ثم إِذا وقع الإجماع قضى على كلّ بالعلية؛ لأنا وجدناه في حالة الانفراد مؤثرًا، فلو لم يقض على كلّ وصف في حالة الاجتماع بالعلّية، لزم التحكّم، أو خروج الكُلّ عن العلية، وسيأتي - إِن شاء الله تعالى - ما يوضحه عند الكلام فيما إِذا اجتمعت، والمصنّف قد قدم أنه لا يعني باستقلال العلّة إِلا أنها بحيث لو انفردت لثبت الحكم بها، وهذه رأيناها إِذا انفردت يثبت الحكم بها، فعرفنا أنها علّة، ولم ينتف هذا العرفان باجتماعها مع علَّة أخرى، وهذا التقرير يساعد بعض المُسَاعدة عبارة المصنّف في "المنتهى" حيث يقول: لا يبعد أن يثبت الحكم بكلّ واحدة، فيستنبط.

стр. 1908

الْعَاكِسُ: الْمَنْصُوصَةُ قَطْعِيَّةٌ، وَالْمُسْتَنْبَطَةُ وَهْمِيَّةٌ، فَقَدْ يَتَسَاوَى الإِمْكَانُ. وَجَوَابُهُ وَاضِحٌ. وَقَالَ الإِمَامُ: إِنَّهُ النِّهَايَةُ الْقُصْوَى وَفَلَقُ الصُّبْحِ: لَوْ لَمْ يَكُنْ مُمْتَنِعًا شَرْعًا، لَوَقَعَ عَادَةً وَلَوْ نَادرًا". لأَنَّ إِمْكَانَهُ وَاضِحٌ، وَلَوْ وَقَعَ لَعُلِمَ، ثَمَّ ادَّعَى تَعَدُّدَ الْأَحْكَامِ فِيمَا تَقدَّمَ. الشرح: واحتجّ "العاكس" أي: القائل بجواز مستنبطتين لا منصوصتين، فقال: العلة "المنصوصة قطعية"، فلو كانت كلّ واحدة علة مستقلة، لزم اجتماع المثلين، أو تحصيل الحاصل على سبيل القطع، "والمستنبطة" علّيتها "وهميّة"، أي: غير قطعيّة، "فقد يتساوى الإِمكان"، أي: إِمكان التعليل بالنسبة إِلى كلّ واحد منهما، فلا يمكن ألا تجعل واحدة منها علّة؛ لبقاء الحكم بلا علّة، ولا أن تجعل العلّة واحدة؛ لعدم الأولويّة للتساوي، ولا أن يجعل المجموع علّة مستقلة؛ لثبوت الاستقلال في محالّ أفرادها، فتعيّن أن يكون كلّ واحدة علَّة مستقلة. الشرح: "وجوابه واضح": لأنا لا نسلّم أنَّ المنصوصة قطعية، ولو سلم، فلا نسلِّم امتناع العلل الشرعية القطعية؛ لأنَّهَا دلائل، ويجوز اجتماع الأدلّة القطعية على مدلول واحد. الشرح: "و" أما "الإِمام" فدليل ما ذكر في "البرهان"، "قال: إِنه النهاية القُصْوى وفَلَق الصبح، لو لم يكن ممتنعًا شرعًا، لوقع عادة، ولو نادرًا؛ لأن إِمكانه واضح: ولو وقع لعلم، ثم ادعى تعدّد الأحكام فيما تقدم". وعبارته في "البرهان" (١): إِن أَبَى الطالب إِلا استعجالَ الصَّواب في هذه المسألة، فليثق بامتناع اجتماع علّتين لحكم واحد، والدليل القاطع (٢) فيه - قبل الانتهاء إِلى المباحثة عن أسرار الاستدلال - أن ذلك لو كان ممكنًا، وقد طال نَظَرُ الناظر، واختلاف مسالك الاعتبار

стр. 1909

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . في المَسَائل، وما اتفقت مسألة إِلا والمختلفون فيها يتنازعون في علّة الحكم، ومن تدبّر موارد الشَّريعة ومَصَادرها، اتضح له ما نقول على قرب. ومن أمثلة ذلك: مسألة الرِّبا، ومن ادعى أنها مختصّة من بين سائر المسائل باتفاق وإِجماع على اتِّحَاد العلّة فيها، فقد أحال الأمر على إِبهام، والمنصف لا يستريب في أن خوض النُّظَّار في مسألة الرِّبا، كخوضهم في غيرها من المَسَائل، ولما ثبت الخِيَارُ للمعتقة تحت الرقيق، وكان ذلك مجمعًا عليه، والإِجماع مستند (١) إِلى الحديث، ثم اختلف العلماء في إِثبات الخيار للمُعْتقة تحت الحر، ومنشؤ اختلافهم في ذلك من اختلافهم في تَعْلِيل الخيار في حقّ المُعْتقة تحت الرقيق، فاعتل أبو حنيفة: بأنها ملكت نفسها، وزعم أن ذلك يجري في حق المعتقة تحت الحُرّ، وأبطل الشَّافعي هذا التعليل، واعتلّ بالضرر، على ما يحرره أصحابه وأصحابنا، وكذلك الأمر في كلّ مسألة يبحث الناظر عنها، ونحن نقول - بعد هذا التنبيه -: تعليل الحكم الواحد بعلّتين ليس ممتنعًا عقلًا وتسويغًا ونظرًا إِلى المصالح الكلية، ولكنه ممتنع شرعًا، وآية ذلك أن إِمكانه من طريق العَقْل في نهاية الظّهور، فلو كان هذا ثابتًا شرعًا لأمكن وقوعه على حكم النَّادر، والنادر لا بد أن يقع على مرور الدُّهور، فإِذا لم يتفق وقوع هذا في مسألة، ولم يتشوّف إِلى طلبه طالب، لاح كفلق الإِصباح أن ذلك ممتنع شرعًا، وليس ممتنعًا عقلًا. انتهى. وفيه نظر من وجوه: أحدها: منع ظهور إِمكان التعليل بعلّتين، فلا بد له من دليل، وسنقيم نحن واضح الدلالة على امتناعه عقلًا. وثانيها: أن نقول: ما دللت به على الامتناع الشَّرْعي بعينه دالّ على الامتناع العقلي، فيقال: لو لم يمتنع عقلًا، لوجب في مستقرّ العادة أن يقع ولو نادرًا، [فتعيّن] (٢) ما قلت. وثالثها: أنه لا يلزم من جوازه شرعًا وقوعه، نعم الإِنصاف أنه يغلب على الظَّن أن الجائز شرعًا لا بد أن يقع ولو نادرًا، ولكن غلبة الظَّن لا تفيد في مسائل أصول الفقه لا سيّما هذه القاعدة العُظْمَى، ولا سيما عند إِمام الحرمين؛ فإِنه ممّن اشتد نكيره على من

стр. 1910

وَالْقَائِلُونَ بِالْوُقُوعِ إِذَا اجْتَمَعَتْ فَالْمُخْتَارُ: كُلُّ وَاحِدَةٍ عِلَّةٌ. وَقِيلَ: جُزْءٌ. وَقِيلَ: الْعِلَّةُ وَاحِدَةٌ لا بِعَيْنِهَا. يستند إِلى الظن في مسائل أُصُول الفقه، ثم إِنه ادَّعَى أن هذا الدَّليل قاطع؛ إِذ قال في مفتاح كلامه: والدليل القاطع فيه، كما رأيت. ورابعها: تمثيله باختلاف الإِمامين في المُعْتقة تحت الرَّقيق، بناء على اختلافهم في العلة، كلام ضعيف؛ فإِن الأمر لا ينتهي مع أبي حَنِيفَةَ إِلى الترجيح؛ فإِنا نرى معناه فاسدًا، وكذلك رأيه في المعنى الذي نبديه نحن، فكل يعتقد بطلان علّة صاحبه، وكذلك كلّ مسألة يتنازع الناس في العلة فيها، يحتمل أن يكون ذلك لاعتقاد ضيق المحل عن الوفاء بالعلل على ما ذكره. ويحتمل أن يكون لاعتقاد كلّ واحد من الفريقين ضعف معنى الآخر وبطلانه، وهذا الاحتمال أَرْجَح، وقد ضعف الإِمام مسلك التَّرْجيح في مسألة الرِّبَا بهذا الوجه كما عرفت، فلا يتحصّل من هذا شيء ينتفع به، إِلا أن يقع الاتفاق في مسائل على صحّة التعليل بمعانٍ لو انفردت لم يتّفق أهل الإِجماع على الامتناع من الجمع، ولن نجد إِلى ظن ذلك سبيلًا، فضلًا عن القطع به. وخامسها: أن دعواه عدم وقوعه في الزمن الطويل - ممنوعة؛ فإِنَّ الخصم يبدى الصور التي عرفها، وكما يدعي الإِمام تعدُّد الأحكام فيها، يدّعي هو اتحاد الحكم، وحينئذٍ لا نسلم عدم الوقوع، فيحتاج الإِمام إِلى دليل غير هذا. الشرح: وأما "القائلون بالوقوع إِذا اجتمعت، فالمختار: كلّ واحدة علَّة. وقيل: جزء. وقيل: العلة واحدة لا بعينها" (١). هذا كلام المصنّف، وهو صريح في أن الخلاف الذي قدمه في العلل من حيث هي، وهذا مخصوص بحالة الاجتماع، وإِلا ظهر - عندنا - أن الخلاف لا يطرق حالة التَّعاقب، بل يختص بحالة الاجتماع - كما قدمناه - ويلزم من شموله حَالَةَ التعاقب أن يكون في الأمّة من

стр. 1911

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يمنع أن اللَّمس والمَسّ - مثلًا - ليسا بعلّتين، وإِن وجد أحدهما بمفرده، بل لا علّة إِلا واحد فقط، فلا يكون للحدث - مثلًا - غير علّة واحدة، وهذا لا يقوله أحد. فإِن قلت: وكيف يلزم؟. قلت: لأنه ادَّعى أن الحدث شيء واحد، وظاهر كلامه: أن ذلك أمر متفق عليه؛ حيث جعله مقيسًا عليه في قوله: وإِلا لزم مُغَايرة حدث البول للغائط، وإِذا كان سببًا واحدًا، ولم يعلل حكم بأكثر من علَّة، لزم ألا يكون عليه إِلا أمارة واحدة، ولا مخلص للمصنّف عن هذا الإِيراد إِلا أن يدعي تعدّد الأحداث، كما ادعيناه، وحينئذٍ فلا نسلم له اتِّحَاد حدث البَوْل والغائط، وإِلا ظهر عندنا ما عرفت، فنقول: صلاحية كلّ واحد من البول والغائط والمَذْي والنّوم لتعريف الحدث، لا خلاف فيه، وعِرْفَان الحدث بكلّ منها إِذا انفرد لا خلاف فيه، وإِنما الخلاف فيما إِذا اجتمعت، فالقائلون بجواز اجْتِمَاع علّتين متفقون على أنها - والحالة هذه - علل مستقلة، ومعنى استقلالها - عند المصنّف - أنها لو انفردت لاستقلت كما سبق. والقائلون بامْتِنَاعِهِ مختلفون فيما إِذا اجتمع مَسّ ولَمْسٌ، فقال قوم: كلّ واحد - والحالة هذه - جزء علَّة. وقال آخرون: العلّة واحدة لا بعينها، فخرج لنا من هذا أن هذه المذاهب التي حَكَاها المصنّف - هنا - ليست للقائلين بالوقوع، والمَذْهَبان الآخران رأيان لمن منع الوقوع. هذا إِن اختصّ الخلاف بحالة الاجتماع، وإِن شمل حالة التَّعَاقُب، فمن يجوز التعليل بعلّتين حالة التعاقب، لا يلزم جَعْلهما حالة المعيّة مستقلّين، وهذه المذاهب جارية عنده في المعيّة بلا شكّ. وأما المانع، فلا سبيل له إِلى القول بالاستقلال حالة المعيّة، بل هو متمكّن من أحد قولين: الجزئية، أو أن العلّة أحدها لا بعينه، والمصنّف لم يتعرض للمانعين: ماذا يفعلون حالة الاجتماع؟. ويتلّخص من هذا: أن المختار من هذه المذاهب لا يعرف أحد قال بخلافه فيمن جوّز التعليل بعلّتين، والقولان الآخران قولان لمن منع، لا لمن جوز. ثم استدلّ المصنّف على ما اختاره، ولم يكن محتاجًا لذلك هنا، وإِنما حاجته إِلى

стр. 1912

لَنَا: لَوْ لَمْ تَكُنْ كُلُّ وَاحِدَةٍ عِلَّةً، لَكَانَتْ جُزْءًا، أَوْ كَانَتِ الْعِلَّةُ وَاحِدَةً، وَالأَوَّلُ بَاطِلٌ؛ لِثُبُوتِ الاِسْتِقْلالِ. وَالثَّانِي: لِلتَّحَكُّمِ. وَأَيْضًا: لامْتَنَعَ اجْتِمَاعُ الأَدِلَّةِ. الاستدلال على وقوع التعليل بعلّتين، فإِذا انتهض له ذلك، ثبت أنها إِذا اجتمعت علل مستقلةٌ بالمعنى الذي فسّر به الاستقلال، من أنها إِذا انفردت استقلت، سواء أكان ما فسر به الاستقلال صحيحًا أم فاسدًا. وإِنما قلنا: إِن ذلك يثبته أصل الوقوع، كما قلناه من اتفاق القائلين بأصل الوقوع على أنها إِذا اجتمعت فهي مستقلة، أو لأن الخلاف مخصوص بحالة الاجتماع، وقد ذكر وجهين: الشرح: أحدهما: ما أشار بقوله: "لنا: لو لم تكن علّة، لكانت جزءًا، أو كانت العلة واحدة"؛ إِذ لا قائل بغير ذلك، "والأول باطل؛ لثبوت الاستقلال"، ولو كانت جزءًا لم تكن مستقلة. الشرح: والثَّاني - أيضًا - باطل، للتحكم؛ إِذ لا أولوية لإِحداهما على الأخرى. ولقائل أن يقول: ليس الأول باطلًا بما ذكرت؛ لأنَّ الاستقلال إِنما هو حالة الانفراد، ولا الثاني؛ لأن التحكم إِنما يلزم أن لو قضينا على واحد بعينه. أما إِذا قضينا على أحدهما، لا بعينه فلا؛ إِذ هو وصف صالح لهما. فإِن قلت: متى قضينا على أحدهما، فقد دفعنا أحدهما مع الاستواء. قلت: دفعنا أحدهما لمُعَارضة صاحبه، ولكنا لا نعرف أقواها حتى نعرف عين الدَّافع من المدفوع، فجعلنا محلّ القضاء مبهمًا. واعلم أن القائل بأن العلّة أحدهما لا بعينه، فرّ من التحكم كما سيأتي، فلو كان يلزمه التحكم، لكان وقع فيما فَرَّ منه. الشرح: والثاني: ما أشار إِليه بقوله: "وأيضًا"، لو لم تكن كلّ واحدة علّة عند

стр. 1913

الْقَائِل بِالْجُزْءِ: لَوْ كَانَتْ كُلٌّ مُسْتقِلَّةً، لاجْتَمَعَ الْمِثْلانِ؛ وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَأَيْضًا: لَزِمَ التَّحَكُّمُ؛ لأَنَّهُ إِنْ ثَبَتَ بِالْجَمِيعِ فَهُوَ الْمُدَّعَى، وَإِلَّا لَزِمَ التَّحَكُّمُ. وَأُجِيبَ: ثَبَتَ بِالْجَمِيعِ كَالأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالسَّمْعِيَّةِ. الْقَائِلُ لا بِعَيْنِهَا: "لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، لَزِمَ التَّحَكُّمُ أَوِ الْجُزْئِيَّة، فَيَتَعَّينُ. الاجتماع "لامتنع اجتماع الأدلّة" على مدلول واحد؛ لأن العلل الشرعية أدلّة، وقد كرر هذا غير مرة، وعرفت ما فيه. الشرح: واحتج "القائل بالجزء"، أي: بأنّ كلّ واحد منها جزء علّة حالة الاجتماع، بوجهين أحدهما: (لو كانت كُلٌّ مستقلة، لاجتمع المثلان) قال المصنّف: (وقد تقدم) في الدَّليل الثَّاني للمانعين من التَّعْليل بعلّتين، وهو صحيح، ولكن بشرط أنْ يضمّ إِليه: أنه لو كان أحدهما علّة، لزم التحكُّم، وفيه ما عرفت هنا. والثاني: ما أشار إِليه بقوله: "وأيضًا: لزم التحكُّم؛ لأنه إِن ثبت بالجميع، فهو المدعى"؛ إِذ تكون العلّة الجميع، وكلّ واحد جزء، "وإِلا لزم التحكّم"؛ لأنّ ثبوته - حينئذٍ - بواحد، وليس واحد أرجح من واحد. "وأجيب: ثبت بالجميع" [معنى] (١) كلّ واحد "كالأدلّة العقليّة والسمعية"، فإِنَّ المدلول يثبت بكلّ منها، فلا يلزم التحكُّم، وهو ضعيف؛ لأنَّ في ثبوته بكلّ واحد منها اجتماع المثلين - كما سبق - والمقيس عليه - وهو الأدلّة العقليّة والسمعية - هو المقيس بعينه، فإِنه متى اجتمع دليلان عقليّان، أو سمعيان على مدلول واحدٍ، وكان الخلاف قائمًا في أنهما معرفان أو معرف واحد، أو المعوف أحدهما لا بعينه. الشرح: واحتجّ "القائل": بأن العلّة أحدهما "لا بعينها"، فقال: "لو لم يكن كذلك لزم التحكّم أو الجزئية"، أي: كون كلّ واحدة جزءًا للعلة، "فيتعين" أن تكون العلّة واحدة، ولم يتعرّض في الكتاب لجوابه بناء على أنه يعلم مما سبق. وقد تناهى القول فيما أورده صاحب الكتاب في التَّعليل بعلّتين، وحَانَ أن نَبُوحَ

стр. 1914

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بالمختار عندنا فنقول: قد علم من أصلنا أنّ العلل الشرعية معرّفات، ولا بدع أن ينصب الله - تعالى - شيئين أو أكثر لتعريف شيء واحد، كنصبه المسّ واللمس معرفين للحدث، ولما كانت العلّة بمعنى المعرف، كان كون الوصف علّة دائرًا مع كونه معرفًا وجودًا وعدمًا، وربما كان علّة بالنسبة إِلى زيد دون عمرو، ضرورة أنه عرف زيدًا ولم يعرف عمرًا، وهذا كالمسّ واللّمس كلّ منهما يعرف الحدث لمن لم يكن به عارفًا، وإِلا يلزم تحصيل الحاصل، فربما عرف المس زيدًا، وعرف اللمس عمرًا، وربما اجتمعا في شخص واحد وعرف شخص بمسه دون لمسه، وعرف آخر بلمسه دون مسه، فقضى كلّ منهما عليه بالحدث مستندين إِلى معرفين، ولم يعرف كلّ واحد، منهما معرف صاحبه ما هو، أو عرف أن معرف صاحبه غير معرفه، وهذا مما لا خَفَاءَ فيه، وربما وقع اللَّمس والمس متعاقبين، فلم يعرف الثاني شيئًا، إِلا أن يعرف به من لم يعرف بالأول، وربما اجتمع المَسّ واللَّمس والعرفان بهما لشخص واحد في وقت واحدٍ، وهذا هو محلّ الخلاف، فهل يكون عرفانه بالحدث مستندًا إِلى كلّ منهما أو لا؟. عندي أن استناده إِلى كلّ واحد منهما مستحيل عقلًا، لأن كلّ واحدة منهما في حالة الاجتماع إِن لم تعرف فليست بعلّة، وهذا كما لو كانت سابقة - بلا رَيْب - عند من عرف بهما جميعًا. وإِن عرفت، فإِما أن تعرف شيئًا غير ما عرفته صاحبتها، وليس مثلًا لما عرفته صاحبتها، فلم تجتمع علّتان على معلول واحد، بل على معلولين، وهذا كما يقول من يدّعي تعدد الأحكام، فإِنه بقول: إِذا وقع المسّ واللمس معًا، وعرف العارف بهما معًا عرف [حدثين (١) مستندين إِلى علتين، وحدثُ المسّ غير حدث اللَّمس، وإِن كان بينهما قدر مشترك. وإِما أن تعرف شيئًا غير ما عرفته صاحبتها، ولكنه مماثل له، فهو كالأول في أنه لم تجتمع علّتان على معلول واحد، مع زيادة لزوم اجتماع المثلين. وإِما أن تعرف شيئًا هو نفس ما عرفته صاحبتها، وهذا موضع الأَنَاةِ والتَّمَهُّل، فيحتمل أن يقال به، ولا يلزم تحصيل الحاصل، عبارة عن حصوله بعد وقوع حصوله، ومع المعيّة

стр. 1915

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لا يأتي ذلك؛ إِذ هو إِنما حصل [بهما] (١) معًا، ولا اجتماع المِثْلين؛ لأنه ليس - هنا - غير شيء واحد، ويحتمل أن يقال: لو عرفت واحدة مع أن الأخرى معرفة، لم تكن مستقلّة، وهو خلاف المفروض. فإِن قلت: المعنى باستقلالها أنها لو انفردت استقلت. قلت: كأنك تقول: العلّة شيء شأنه الاستقلال حالة الانفراد، ونحن نسألك عن شأنه حالة الاجتماع. فإِن قلت: الاستقلال - أيضًا - لم يكن للتفصيل معنى، وكأنك تقول: هي مستقلّة في الحالتين. وإِن قلت: عدم الاستقلال، يقال: فنحن لا ننكر اجتماع وصفين لا يستقلّان حالة الاجتماع، وإِنما ننكر اجتماع مستقلّين يحصلان المعلول معًا. أما إِذا لم يستقلا، أو استقلّ واحد بالنسبة إِلى شخص دون آخر، فلا ننكر هذا أبدًا. فإِن قلت: العلّة مستقلّة في الحالتين، ولكن إِنما يظهر أثر استقلالها حالة الانفراد، أما حالة الاجتماع فلا. قلت: هنا يرجع الخلاف لفظيًّا، فإِني لا أنكر وضعًا لا يظهر استقلاله، بل ولا يظهر أثر مدخله في العلّية. فإِني أقول: من لمس وعرف بلمسه، ثم مس، لم يعرفه المس شيئًا ألبتة، ولكني مع ذلك أقول: إِن كان لا يظهر أثرهما، فلا يحصل ألبتة، وإِن ظهر أثر أحدهما معينًا، فهو ترجيح من غير مرجّح، وهو - أيضًا - غير ما نحن فيه؛ إِذ لم تجتمع علّتان على معلول واحدٍ، وإِن ظهر أثر أحدهما مُبْهمًا، فهو من قول القائلين بامتناع اجتماع علّتين؛ إِذ لم يؤثر غير واحد، فأين اجتماع علّتين؟. فوضح أنه لا يتصوّر اجتماع معرفين يعرفان على وجه الاستقلال من كلّ منهما في حالة واحدة لشخص واحد. ووضح - أيضًا - أنه لا بدع في اجتماع معرفين، وإِن عرفا على وجه الاستقلال في حالتين، أو لشخصين، ولكن تسميتهما معرفين - هنا - إِنما هو باعتبار ذَاتَيْهمَا، وبعض

стр. 1916

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أحوالهما، ولكن هذا ليس من المختلف فيه، ولا يتّجه فيه نزاع، فمن شاء أن يطلق، [إِنما] (١) نمنع عقلًا اجتماع علّتين على معلول واحد، فلا حرج عليه؛ إِذ لا نعني باجتماع عِلَّتين إِلا الصُّورة الأولى، وهي تعريف الشَّخص الواحد في الوقت الواحد على وجه الاستقلال. فإِن قلت: فما تقولون في رجل أحدث، ثم أحدث ثانيًا حدثًا على حدث لم يتخللهما طَهَارة، أتقولون: إِن الحدث الثاني لم يفعل شيئًا؟. قلت: كذلك نقول، نعم من لم يعلم بالأول، وإِنما علم بالثَّاني يقضي بحدث المحدث ظانًّا استناده إِلى الحدث الثاني، كما ستعرفه، ويشهد لما قلناه: أن أصحابنا قالوا - تفريعًا على القديم -: إِن سبق الحدث لا يبطل الصَّلاة؛ لأنه لو أخرج باقي الحدث عمدًا، لم تبطل صلاته على الأصح؛ لأن الحَدَث لا يؤثر بعد نقض الطَّهارة، بل نص الشافعي في القديم: أنه لو ابتدأ حدثًا ثانيًا عامدًا، لم تبطل؛ لأنه حدث يرد على حدث، فلم يؤثر في الأول. وقال المتولي: إِن هذا هو الصَّحيح من المذهب، دلّ ذلك على أن الثاني لم يفعل شيئًا. فإِن قلت: فما قولك في اجتماع علّتين لشخص واحد في حالة واحدة؟. قلت: اعلم أولًا أن هذه العِلَلَ الشرعية المنصوبة معرفات، إِذا انفردت كانت علَّة مستقلة، وإِذا اجتمعت، وفعلت شيئًا مغايرًا لما فعلته صاحبتها، ولو أنه مثله، كانت مستقلّة أيضًا. وإِن ظهر عند اجتماعهما شيء واحدٌ، وذلك شيء لا يظهر أبدًا، فهي إِذ ذاك جزء علّة، [ولا] (٢) يبعد أن تكون جزءًا في موضع، ومستقلّة في موضع، وجزءًا بالنسبة إِلى شخص، ومستقلّة بالنِّسبة إِلى آخر، فافهم ذلك، فهو في المعرّفات واضح جَلِيّ. ولا يقال: إِذا كانت جزءًا، فيلزم من ارتفاعها ارتفاع العلّة، ضرورة ارتفاع الكُل بارتفاع أحد جزئيه، فلو اجتمع مسّ ولمس - مثلًا - ونوى رفع أحدهما، وقدّرنا أنه يرتفع

стр. 1917

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بمجرّده مع بقاء الآخر - كما ظنه الآمدي رأيًا لبعض أصحابنا - يلزم ارتفاع أصل الحدث؛ لأنا نقول: إِنما يرتفع بارتفاع الجزء الكُلّ المتضمن لذلك الجزء، أما جزء هو في حالة الاجتماع جزء عند الانفراد كلٌّ، فلا يرتفع أثره؛ لأنه إِذا ارتفع كونه جزءًا، فقد خلف الكُل المرتفع بارتفاع الجُزْء كل آخر يستقل بالعلّية، وهو الجزء المنفرد، هذا إِن قلنا: إِنه يبقى بارتفاع أحد الجزئين ما كان. وإِن قلنا: يرتفع به الحدث الطَّارئ عن الكُلّ، ويبقى مع الجزء الباقي الذي هو كلّ في نفسه حدث آخر، فلا سؤال أصلًا. وعند هذا أقول: إِذا اجتمع وَصْفَان ظهر بعدهما حكم شرعي، كالمَسّ واللمس يظهر بعدهما الحَدَث، فالحال مُحْتَمِلٌ لأن يكون الظَّاهر حدثين، لا حدثًا واحدًا، وعلى هذا فلا اجتماع لعلّتين، ولأن يكون الظَّاهر حدثًا واحدًا - عند من يجعل الأحكام واحدة - فالوصفان في هذه الحالة أجزاء للعلّة، والعلة مجموعهما عند من عرف بهما، المعني باجتماعهما. أما من لم يعرف إِلا بأحدهما، فالعلّة بالنسبة إِليه ما عرف به، ولا يصدق اجتماعهما بالنسبة إِليه، فوضح لك أنه يمتنع عقلًا اجتماع علّتين مستقلتين على الوجه الذي [وصفناه] (١)، وأنَّ غاية ما يفرض اجتماع وصفين، وأنت إِذ ذاك بسبيل من جعلهما جزئي علّة، ومن جعل النَّاشيء عنهما شيئين لا شيئًا واحدًا، فلا اجتماع لعلّتين على معلول واحد أبدًا. فإِن قلت: لقد ظهر لي بهذا امتناع كونهما علّتين في حالة الاجتماع، فما يمنع من علّتين في حالة التعاقب؟. قلت: قد عرفت أنَّ الخلاف فيما يظهر مخصوص بحالة الاجتماع، وعلى ما ذكر المصنّف [يطرق] (٢) حالة التَّعَاقُب، ولا فرق بينهما على هذا الدليل الذي تَنْحُوه؛ فإِن الوصف الثاني لم يستقلّ بالتعريف، بل إِذا تعاقبا، فإِما أن يقال: المعرف هو الأول وحده، أو لما انضمّ الثاني إِلى الأول صَارَا جزئي علّة، أو يقال بتعدُّد الأحكام، فالحكم الحاصل بالثَّاني غير الأوّل، أو يقال: صارت العلّة أحدهما لا بعينه، فلم تجتمع علّتان على الأوجه

стр. 1918

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الأَرْبعة، فلا وثوق باجْتِمَاع علّتين في هذه الصورة على وجه الاستقلال، إِلا إِذا قام البُرْهان على اتِّحَاد الحكم، وأن كلا منهما عرف مستقلًا بالتعريف، وهيهات ثم هيهات أن يتم ذلك، كالقول باتِّحَاد الحكم، وإِن كان - عندنا - من المحتملات، إِلا أنه مرجوح، والقول باستقلال كلّ من الوصفين بالتعريف عند انضمامهما واجتماعهما محال عقلًا، ولسنا نمنع من العَقْل ولا الشرع ولا الواقع نصب عَلامتين أو أكثر على شيء واحد، إِنما نمنع حصول العِرْفان بهما جميعًا للشَّخص الواحد، فافهم ما يلقى إِليك. فإِن قلت: بماذا ينفصل رأيكم عن مذهب الإِمام؟. قلت: الإِمام يجوز الوقوع عقلًا، ويمنعه شرعًا، وظاهر كلامه منع اجتماع معنيين يصلحان لتعليل حكم واحد، سواء أوجدا دفعة واحدة، أو متعاقبين، وأنا أمنع عقلًا وقوع معنيين يجتمعان فيعلل بهما الشَّخص العارف بهما حكمًا واحدًا منسوبًا في تعليله إِلى كلّ منهما على سبيل الاستقلال، ولا أمنع لا عقلًا ولا شرعًا معنيين يصح استناد الحكم الواحد تارة إِلى هذا وتارة إِلى هذا، وتارة إِلى المجموع، وأقول: إِن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأوقات والأشخاص؛ لأن العلل الشرعية معرّفات، وهي على حَسَب تعريفها، فحيث وجد التعريف كانت علَّة، وحيث انتفى لم تكن، وربما لم يكن لها مدخل في العلّية بالنسبة إِلى بعض الأشخاص، أو بعض الأوقات، فربما كان الوَصْف في وقت جزء علّة، وفي آخر علّة، وفي آخر لا مدخل له في التَّعْليل أصلًا. وأقول أيضًا: أما معنيان يَصْلحان للتعليل، فإِني وإِن لم أمنع من ذلك عقلًا ولا شرعًا، إِلا أنه لم يقم عندي قاطع على وجوده؛ لاحتمال تعدّد الأحكام، فقد عرفت مذهبنا، ومغايرته لمذهب الإِمام. فإِن قلت: فما تفعلون في المسّ واللمس وأمثالهما؟ قلت (١): إِن لم يحصلا معًا، فإِنا بطريقان: أحدهما: إِضافة الحكم إِلى السَّابق، والثاني: دعوى تعدد الأحكام، ثم أقول: أنا وإِن أضفت الحُكْم إِلى السابق، فإِنما هو بالنسبة إِلى العارف بهما، أما من (٢) لم يعرف إِلا بالثَّاني، فالعلَّة في حقه اللاحق دون السَّابق؛ لأنه الذي عرفه، والعلة - إِبتداء - المعرف.

стр. 1919

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وأما الإِمام، فلا يتجه له إِلا القول بتعدّد الأحكام؛ إِذ هو يمنع شرعًا معنيين يصلحان للتعليل، سواء اجتمعا أم لا. وأما إِن حصل المعنيان معًا، فإِنا بسبيل من طرق، وكذلك الإِمام: أحدها: دعوى تعدد الأحكام. والثاني: دعوى أنها - والحالة هذه - أجزاء علة. والثالث: أن العلة أحدها لا بعينه. والرابع: أن أتعلق بأشدّ الوصفين مناسبة، وهذا إِذا لم يكونا مستويين، وهو أحسن الطرق [وأنفعها] (١)، ويستدعي في كلّ وصفين اجتمعا نظرًا يخصهما.

стр. 1920

مَسْأَلَةٌ: وَالْمُخْتَارُ: جَوَازُ تَعْلِيلِ حُكْمَيْنِ بِعِلَّةٍ بِمَعْنَى الْبَاعِثِ، وَأَمَّا الْأَمَارَةُ فَاتِّفَاقٌ. الشرح: "والمختار: جواز تعليل حكمين بعلَّة" إِذا كانت "بمعنى: الباعث، وأما الأمارة فاتفاق". وَسَنَسْرِدُ فُرُوعًا من هذا الجِنْسِ؛ يَطْرَبُ عند سماعها الفقيه، ومَنْ شاء أن يكتُبَهَا في هذا الشَّرْحِ؛ فدونه. ومن شاء تركها؛ فلا عليه، والأحسن كتابتها؛ فإِنَّها نافعةٌ، فدونكها! فإِن قلتَ: لو اجتمعَ وصفان أعم، وأخص، كلٌّ منهما صالحٌ للتعليل يظهر أثره بخصوصه: كإِعتاق الرَّاهِنِ ذي اليَسَارِ مثلًا، إِذا فرضنا أن المالكيَّة مِنْ حيثُ هي علَّةٌ مستقلةٌ، ثمَّ فرضناها بِقَيْدِ اليَسَارِ علَّةً، فما الصلَّةُ إِذا اجتمعا فيما إِذا أعْتَقَ رَاهِنٌ مُوسِرٌ. قُلْتُ: نسلكُ فيه ما سلكناه كما عرفت، فلنا أنْ نقول: العِلَّةُ "مجموع الوصفين، فإِنْ قُلْتَ: فقد عارض أحدُ الوصفين - وهو المالِكِيَّةُ - تعلُّقَ حقِّ المُرتَهنِ. قلتُ: يسقطُ ذلك الوصف، ويصيرُ معنا عِلَّةً مستقلةً بعد أنْ كانت جزءًا، وهي وصف اليسار، ولا يكونُ المالكيَّةُ هنا عِلَّةً، ولا جُزْءَ عِلَّةٍ، بل محلًّا للعِلَّةِ، فإِنَّ العتقَ إِنما يكونُ من مالك، فإِنْ قُلْتَ: ما تقولون فيما إِذا اجتمع شخصان على قتل شخص بأنْ جزَّا رقبته، كيف الحال؟ إِنْ قُلْتُم كلٌّ منهما جُزْءُ عِلَّةٍ، فلا توجبون القصاص على واحدٍ منهما؛ إِذْ لم يصدرِ القتلُ من واحدٍ منهما، وإِنْ قُلْتُمْ: "صَدَرَ قتلان؛ فوجب قتلان، فهذا يخالِفُ المحسوس؛ فإِنَّ المَقْتُولَ واحد، والقتلُ حقيقةٌ واحدةٌ. قلت: لنا سلوكُ كلٍّ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ.

стр. 1921

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أمَّا الأَوَّلُ فنقول: كلُّ واحدٍ جُزءُ عِلَّةٍ، وإِنَّمَا وَجَبَ القصاص؛ لأنَّه صدر منه وصفٌ يستقلُّ بالعلية مِنْ حيثُ هو، ولم يخرجه عن الاستقلال إِلا فِعْلُ صاحبه الَّذِي لا تَعَلُّقَ له به، فلا يَدْفَعُ عنه أثرَ القِصَاصِ، ولا يُقَالُ - والحالة هذه -: أنَّهُ غير قاتل؛ لأنَّهُ أتى بفعل يُزْهِقُ الرُّوحَ، ووقع الزُّهُوق بعده، فلا فرقَ بين أن يشارِكَهُ في القابليَّةِ فعل شخص غيره، أوْ لا. فالقِصَاصُ واجبٌ على كُلِّ مَنْ أَتَى بفعل مُزْهِقٍ وقع بعده الزُّهوق، سواء أكانَ مُسْتَنِدًا إِليه، أم إِليه وإِلى ما عَضَّدَه، إِذا كان ذلك الفعلُ كُلًّا في نفسه جزء لضميمةِ الفِعْل الآخَرِ إِليه. والمراد بكونه كلًّا في نفسه: أنَّهُ مُزهِقٌ بنفسه "بذاته"، وهذا كلُّهُ إِذا قلنا بالمذهَبِ الصَّحيح: أن القصاص يجب على الجَمَاعَةِ بقتل الواحد، ووراءَهُ شيئان: أحدُهُما عن أبي حَفْصِ بنِ الوكيل: إِثبات قول أن الجماعة لا يُقتلون بالواحد، والثاني: نَقَلَ [الماسرجس] (١) والقفَّالُ قولًا عن القديم: أن الوليَّ يَقْتُلُ واحدًا من الجماعةِ أيُّهُم شاءَ، ولا يَقْتُلِ الجميعَ، وعلى هذين لا معنى لِلْبَحْثِ، ولذلك إِنَّما هو على المذهب في أن الجماعة كالعَشْرَةِ مثلًا إِذا تمالئوا على قَتْلِ شَخْصٍ، استحقَّ أولياءُ المقتول دمَ كُلِّ واحدٍ منهم، أمَّا إِذا قلنا بما ذهب إِليه الحليميُّ: من أن المُسْتَحِقَّ للوليِّ العُشْرُ من دَمِ كُلِّ واحدٍ، إِلَّا أنَّهُ لمَّا لم يمكن استيفاؤه، إِلَّا باستيفاء الباقي؛ مكنَّاهُ من استيفائه فلا كلام أيضًا؛ لأنَّ كُلَّ واحدٍ. من الجماعة إِنَّما وَرَد فعله على عُشْرٍ غيرِ العُشْرِ الَّذِي ورد عليه فعلُ صاحبهِ، فلا يُتَخَيَّلُ هنا اجتماعُ علَّتَيْنِ على شيءٍ واحد، هذا آخر الكَلامِ على مساق الطَّريقةِ الأُولى. وأمَّا الثَّانيةُ فنقول على مساقها: صدر قتلان، ولكنَّ المحلَّ ضاق عنهما فلم يلح في الخارج إِلا مقتول واحد، وإِن حصل القتلان، وليس في هذا مخالفة للمحسوس، وإِنما مخالفة المحسوس لو قلنا: قتل رجلان، ونحن لم نقل ذلك، والمقتول واحد بلا ريب، وإِنَّما قلنا: صدر قتلان، ولا يلزم من صدور قتلين حصول مقتولين؛ فإِنَّ حصولَ المقتولين يستدعي المحلَّ، وهو هُنا فائت؛ إِذْ ليس إِلَّا واحد، وسلوك هذه الطَّريقةِ فيما نحنُ فيه من صورة الاجتماع على القتل أوضح من الأولى، فليسلكها الفقيه، ولذلك يجبُ القصاصان،

стр. 1922

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ويقتلُ القاتلان، ونسمِّيهما قاتلين حقيقةً، واسم الفاعل حقيقة فيما قامَ به الفعل، فلو لم يَقُمِ القَتْلُ بكلِّ واحدٍ منهما؛ لم يسُمَّ قاتلًا حقيقةً، ولم يَجِبْ عليه قِصَاصٌ. فإِنْ قلتَ: فينبغي على مَسَاقِ ما قرَّرتُمُوهُ أنْ يجبَ على كُلِّ واحدٍ من القاتلين دِيَّةٌ كَامِلَةٌ إِذا آلَ الأَمْرُ إِلى الدِّيَةِ ولا قائِلَ به، وإِنما يَجِبُ الحصَّة. قلتُ: أمَّا على الطَّرِيقة الأولى فلا يلْزَمُ ذلك؛ إِذ الصادِرُ قتل واحدٍ، ولا يَجِبُ في مقابلة القتل الواحد إِلَّا قِصَاصٌ أو دِيَة، لكن القِصَاص لما وَجَبَ، واسْتَدْعى محلًا يجب، وليسَ أحد القاتلين أولى من الآخر، والتَّحري في القصاصِ غير مُمْكن: احتُمِل أن يسقط رأسًا ويَعْدِل إِلى الدِّية، وذلك هو القَوْل الَّذِي حكاهُ ابن الوَكِيل، واحتُمِل أن يُوجب على واحدٍ يُعَيِّنُهُ الوَليُّ؛ لأنَّ القصاصَ موضوع للتشفِّي، ودرء القَتْل، والتَّشَفِّي يحصُلُ باختيار الوليِّ من يُريدُه، ودَرْء القتلِ حاصِلٌ بإِيجابِ نَفْسٍ في مقابلةِ نَفْسٍ، وهو القولُ الآخر، واحْتُمِل أن يُوجَبَ على كلِّ واحدٍ؛ لأنَّ القَوْل بسُقُوطِهِ مؤدٍ إِلى أن يُتَّخَذَ الاشْتِرَاكُ ذَرِيعَةً إِلى سَفْكِ الدِّمَاء، ولن نَعْدَم واحدًا صاحبًا يوافِقُهُ على فُجُورِهِ، وإِيجابُهُ على من يُعَيِّنُهُ الوَلِيُّ فيه إِضرارٌ بأحَدِ الشُّرَكَاءِ زائِدٌ على رِفْقَتِهِ مع مُسَاوَاتِهِ لهم فيما اقْتَرَفُوه، ولا يَلِيق ذلك بِمَحَاسِن الشَّرِيعَةِ، وكانَ الأَخْذُ بمجامع المصالِح إِيجَابَ القِصَاصِ على الكُلِّ؛ لئلَّا يؤدِّي إِسْقاطُهُ إِلى اتِّخاذ الشركَةِ ذَرِيعةً في سَفْكِ الدِّمَاء، ثمَّ نقولُ: إِيجابُ القِصَاصِ على الجَمَاعةِ بقتلِ الواحِدِ ليس مُنقاسًا من كلِّ الوُجُوه، جارِيًا على مِنْهَاج المُقابلةِ والمماثَلَةِ من كلِّ ناحيةٍ، بل فيه معنىً مَصْلَحِي شَهِدَ له قَتْلُ عُمَر ﵁ خَمْسةً أو سَبْعَةً برجُل قَتلُوهُ غِيلةً، وقوله: لو تمالأَ عليه أهْلُ صَنْعاء لقَتَلْتُهُمْ جميعًا، وهذا الاحْتِمَالُ الثَّالثُ هُوَ الصَّحيح، فإِذا آل الأمْرُ إِلى الدِّيةِ لم يُضْطَرَّ إلى إِيجابِ كلِّها؛ لإِمكان التَّحرِّي فيها، ورعاية المماثَلَةِ من كُلِّ الوُجُوهِ والعدل، فتحصَّلنا من هذا أنَّه على أنَّه لمَّا لم يَكُنْ درْءُ القِصَاص ولا المُماثلة من كلِّ وجهٍ، اغتفرنا إِيجابَهُ للمصالحِ الكُلِّيَّةِ، وفي الدِّيَة أمكنَتِ المماثلَةُ فلَمْ يعدلْ عنها، ولذلك لمَّا تخيَّل بعضُهُم إِمْكَانَ التَّماثُل في الجِرَاحَاتِ قَضَى به، فلإِمام الحَرَمَيْنِ احتمالانِ فيما إِذا اشْتَرَكَ جماعةٌ في مُوَضِّحَةٍ، بأن تحامَلُوا على الآلَة وَأجْرَوْهَا معًا: أحدهما: أَنَّهُ يُوزَّعُ عليهم، ويُوَضَّحُ من كُلِّ واحِدٍ منهُم قَدْر حِصَّتِه؛ فإِن الموَضِّحَةَ قَابِلةٌ للتَّجْزِئَةِ، والقِصَاص جارٍ في أجزائِهَا، فصارَ كما لو أتْلَفُوا مالًا يُوزَّعُ عليهم الغُرْمُ. والثَّاني - وَبه أَجَابَ صاحب "التَّهْذِيب" -: أنَّه يُوضَّحُ من كُلِّ واحدٍ منهُم مثل تلك المُوَضِّحَةِ؛ لأنَّه لا جزء إِلَّا وكُلُّ واحدٍ منهم جَانٍ عَلَيه، فإِن قُلْت: فقد أجْروا هذَيْن

стр. 1923

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الاحْتِمَالَيْن فيما إِذا آل الأَمْرُ إِلى الْمَالِ، هَلْ يَجِبُ الأَرْشُ موزَّعًا عليهم؟ وهو المذكُورُ في التَّهْذِيب، أو يَجِبُ عَلى كُلِّ واحدٍ أَرْشٌ كامِلٌ؟ قال إِمام الحَرَمَيْن: وهو الْأَقْرَب، وهذا يخْدشُ ما قَرَّرْتُمُوة من التَّجزي في المَالِ. قُلْت: لا؛ لأِنَّ القَوْلَ بإِيجَابِ أَرْشٍ كاملٍ مَأْخَذهُ أنَّه صَدَر من كُلِّ واحدٍ مُوَضِّحَةٌ، فَغَايَرَ مُوضِّحَةَ صاحِبِه، ويُمْكن فَصْلُها عَنْها كما قيل في الاحْتِمَال الأوَّلِ من توزيع قِصَاص الْمُوَضِّحَةِ، فلا تعلق بِهذَا لما نحنُ فيهِ. هذا مُنْتَهى الْكَلامِ على الطَّرِيقَة الأُولَى، وأمَّا على الطَّرِيقَةِ الثَّانِيةِ فكَذِلك نقول: لما صدر قَتْلان وكانَ المَقْتُول واحدًا، والدِّيَةُ بَدل المَقْتُول بِسَبَبِ القتلِ، لا بدل القتل نَفْسِهِ، وإِنَّمَا تقابل النَّفس الواحدة بديةٍ واحدةٍ، لا بدياتٍ؛ أتقولونَ: التَّوزيع فيها بخلاف القِصَاصِ أَوْجَبْنَا ذلك، فَإِنْ قلت: أتقولونَ بأنَّ الدِّيَةَ ليست بدلًا عن القتل؟ قلتُ: نعم، فالمقتول يُقَابَلُ بقصاصٍ، أو ديةٍ، وتختلف دِيَتُهُ مقدارًا، وتغليظًا بحسبه، والقتلُ يقابل بكفارةٍ، فإِنْ قلتَ: إِذا كان الصَّادرُ عند اجتماع القاتلين على القتل قتلًا واحدًا؛ فلا ينبغي أن يجب القصاصُ على شريك الأب؛ لأَنَّهُ لم يستبدَّ بالقتل، ولم يصدر عنه في حالة الشَّركَةِ بتمامه؛ إِذْ هو جزء علَّة، وإِذا كان الحَاصِلُ قتلين؛ فينبغي أَنْ يَجِبَ على شريك الخاطِئ؛ لأنَّهُ صدر منه قتل محضٌ عمدٌ عدوان من حيث كونه مُزْهِقًا للرُّوح، فلا ينبغي أنْ يسقط عنه القِصَاصُ برفقته لقتل آخر لم يحصل منه القتلُ على هذه الصِّفَةِ؛ قُلْتُ: قد قُلْنَا ما يُعْرَفُ منه أَنَّ شريك الأَب، وإِن كان الصَّادِرُ منه حالَة الشّركةِ جزء علَّة إِلَّا أنَّهُ إِنما جعله جزء علَّةِ مشاركة [وإِلا فهو في نفسه مستقلّ بالزهوق، وشركته وقعت لمن لا يَسْقُطُ الضمانُ بشركته] (١)، فَلَمْ يَسْقُطْ عنهُ شيئًا، والحاصلُ أنَّهُ أتى بعلَّةٍ مستقلَّةٍ لو انفردت وضمَّها إِلى مَنْ لا ينفعه ضَمُّها إِليه، فلم يعط حكم الجزئيَّةِ تلك الحالة، بل حكم الاستقلال لمأخذ فقهيٍّ لا تَعَلُّقَ للأُصوليّ به، وشريك وإِن أَتَى على التقدير الآخر بقتل غير قتل صاحبه، إِلا أَنَّ القتلين تواردَا على محلٍّ واحدٍ، فأعطيا حكم الواحد فقهًا، والواحد يسقط إِذا وقعت فيه صفة لو وقع كلُّهُ موصوفًا بها؛ لم يجب قصاص، وذلك كلُّه لمآخذ فقهيةٍ لا لمَا نحنُ فيه، فقاعدة مذهبنا أَنَّ كلَّ نفسين اشتركا في قتلِ واحدٍ لم يخل من أحوال: أحدها: أن يكون كلّ منهما لو انفرد بقتله اقْتِيدَ بِهِ. والثاني: عكسهُ.

стр. 1924

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والثَّالثُ: أن يكون على أَحَدِهِمَا القَوَدُ دون شريكه، فإِن كان كلُّ واحدٍ منهما ممَّنْ يجبُ عليه القَوَدُ لو انفرد مثل: حرَّين قتلا حرًّا، أو عبدين قتلا عبدًا، أو مشركين قتلا مشركًا، فيقتل كلُّ واحدٍ منهما، وإِن كانَ عكسُهُ مثل أَنْ قتلاه خطأً، أو قتل مسلمان كافرا، أو حُرَّان عبدًا، أو أب وجدّ قتلا ولدًا، أو أبوان قتلاه، فلا قَوَدَ عليهما، وأَن أحدهما لا قَوَد عليه لو انفرد لم يَخلُ الَّذي لا قَوَدَ عليه. أَمَّا أن يكونَ مضمون الفصل أوَّلًا، فإِن كان مضمونَ الفعلِ؟ نظرت، فإِنَّ سقُوطَ القَوَدِ عنه لمعنى في نفسه، فالقود واجبٌ على شريكه كشريك الأَبِ، وشريك الصَّبيِّ، والمجنونِ، إِذا قلنا: عَمْدُهَا عَمْدٌ، وهو أصحُّ القولين، وإن كان سقوطُ القَوَدِ عنه لمعنًى في فعله؟ فلا قود على شريكه كشريكِ الخاطِئ، والصَّبي، والمجنون إِذا قلنا: عمدها عمد في حكم الخطأ، أو كانا بحيث لا تمييز لَهُمَا بحالٍ، فإِنَّ القَفَّالَ، ومن تابعه - كالبغويِّ - قالوا: "إِنَّ عمدَهَا في هذه الحالة خطأ، وشريكهما شريكٌ خاطئٌ قطعًا، قالوا وإِنَّمَا الخلافُ في أَنَّ عمدها هل هو عمدٌ في صبيٍّ يعقل عقل مثله، وفي مَجْنُونٍ له نوعُ تمييز وإِن كان فعل شريكه غير مضمون مثل: أن شارك سَبْعًا في قتل إِنسان، أو شارك رجلًا في قتل نفسه مثل: أنْ جرحه، وجَرَح نفسه، أو جرحه مرتدٌ ثمَّ أَسْلَمَ، وجرحه آخرُ في حال إِسْلامِهِ فإِنَّهُ لا ضمان على أَحَدِهِمَا بحال، وهل يكون على شريكه القَوَدُ وفيه قولان: أَحدهما لا؛ لأَنَّهُ أحسنُ حالًا من شريك الخاطِئِ، فإِنَّ الخاطئ يضمن بوجهٍ، والسَّبعُ لا ضَمَانَ في فعله بوجهٍ، ويجبُ نصف الدِّيَةِ، وَأَصَحُّهما الوجوبُ؛ لأَنَّهُمَا عامدان، لا قَوَدَ على أحدهما لا لمعنًى في فعله، فهو كشريك الأب، فإِنْ قُلْتَ: لو أجمع شخصان على قَتْلِ شخص بفعلين لو انفردَ كُلٌّ من الفعلين لم يقتله، وإِنَّمَا حصل قتله من مجموع الفِعْلَيْنِ، وكان كلٌّ مِنَ الفعلين جزءَ علَّةٍ لا استقلال له بالكليَّةِ في حالةٍ من الأحوال، فإِنَّهُ يجبُ القِصَاصُ عليهما؛ إِذا كان الفعلان جرحين، كما لو قطع هذا يَدَه، والآخر رِجْلَهُ؛ فقد وَجَبَ القصاص في هذه الصُّورَةِ على مَنْ لم يَأْتِ بعلَّةٍ، ولا بِجُزْء علَّةٍ تكون علَّة إِذَا انفردت، وما ذكرتموه يأباه؛ إِذْ قلتم: إِنما وجب على الشَّرِيكَيْنِ؛ لإِثبات كُلٍّ منهما بجزء عِلَّةٍ إِذَا استقلَّتْ. قلت: اعلم أَنَّ للجروح نكايات في البَاطِنِ لا ندري غورها، وَرُبَّ مقطوع اليد استمرَّ به ألمُ قطع اليد إِلى أَنْ مات منه، ووجب القِصَاصُ على قاطعه، فلسنا ذا يقين بأَنَّ الجرح لو انفرد لم يستقل، وأيضًا فلو لم يوجب القصاصَ هنا لاتَّخذ النَّاسُ الاشتراك ذريعةً إِلى القتل، فلا بِدْعَ في اتِّفَاقِ عَشَرةٍ على قطع عشرة من الأعضاء كلٌّ منها لو انفرد لم يقتل،

стр. 1925

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ويقتلُ حالة الاجْتِمَاعِ لا محالةَ؛ فأوجبنا القصاص حسمًا للباب لا لِشَيْءٍ ممَّا نحنُ فيه، وقد سبق نظيره في أصل الاشتراك على القَتْلِ. فإِنْ قلتَ: فما رأيكم في جماعةٍ ضربوا واحدًا بسياط، أو عصا حقيقة، ولم يكن ضرب كلِّ واحدٍ منهم قاتلًا، كما لو اجتمعَ عدد كثير فضربه كلُّ واحدٍ منهم ضربةً، فمات؟. قلت: فيه ثلاثةُ أوجه: أَحَدُهَا: لا قصاص، ومَنْ عداه شركاؤه، ولا قصاص على شركاء الخَطَإِ وشبه العمد، وهذا بخلاف الجراحَاتِ، فإِنَّها تقتضي القصاص، ولها نِكَايَاتٌ باطنةٌ. والثَّاني: يجب؛ لئلا يصير ذلك ذريعة إِلى سفك الدماء. والثالث: الفرق بين أن يتواطئوا على هذا الفعل، فيجب القصاص أو لا، فلا يجب، وهو اختيار القاضي الحُسَيْنِ. فإِن قلتَ: فقد قالوا في شاهدي الزُّورِ إِذا رجعا أَنَّهُ يجب عليهما القِصَاصُ مع أَنَّ كلًّا منهما لو انفرد بالشَّهادةِ؛ لم تقبل شهادته، ولا فرق بينه وبين مسألة السِّياطِ مع جريان الخلاف هناك، وعدم جريانه هنا. قُلْتُ: الفرقُ بينهما أَنَّ شاهد الزُّور كشريك الأب؛ فإِنه آتٍ بفعل من جهته لا نقض فيه أَلبتة، وإِنَّمَا الشَّارع لم يلتفت إِليه إِلَّا بضميمة آخر إِليه وعدم التِفَات الشَّارع إِليه، إِذَا كان منفردًا لا يوجب نقصًا فيما فعله، بخلاف السِّيَاطِ؛ فإِنَّ صاحبها يشبه شريك الخاطئ؛ فإِنَّ سياطه مقصّرة عن الزُّهُوقِ بنفسها، والحاصل: أَنَّ الضَّاربَ بالسَّوْطِ لم يأت بفعل مستقلٍّ بالإِزهاق، ولا قصد به الإِزهاق، والشَّاهدُ أَتَى بفعل قصد به الإِزهَاقَ، وهو لولا عدم التفات الشَّارع إِليه مزهق، فكان بمنزلة من أَزْهَقَ بفعله سواء؛ لأَنَّهُ لم يدع شيئًا من مقدوره بل جاء بالشَّهادة الباتَّةِ الجازمةِ كشريك الأب سواء، ولم تثبت شهادته وصف ينقضها، بخلاف شريك الخاطِئِ. هذا ما خَطَرَ لي في الفرق، والسُّؤال قوي، فإِنْ قلْتَ: فما تَقُولونَ فيما إِذَا جرحه رجلان جرح أحدهما مزفف دون الآخر؟. قلتُ: يجب القِصَاصُ على المزفف؟ لأَنَّهُ قطع عمل صاحبه؟ ولم يجعل له مدخلًا في الصلة، فإِن قُلْتَ: فلو كان جرح أحدهما مزففًا، وشكَّكنا في الآخر هل هو مزفف؟ قُلْتُ:

стр. 1926

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . نقل الرَّافِعِيُّ في "باب الصَّيْدِ والذَّبائح" عن القَفَّالِ: إِنَّهُ يجب القصاصُ عليهما؟ وأَنَّ إِمام الحرمين قال: هذا بعيد، والوجه تخصيص القصاص بصاحبِ المزففة، فإِنْ قلتَ: إِذا مهدتم أنَّهُ لا يعلّل حكم بأكثر من علَّةٍ، فما معنى اعتلال المانعين من اجتماع علَّتين بوجوه وهو حكم واحد؟ وكذلك ما شاع بين علماء الأُمَّةِ وحملة الشَّريعة من قولهم في مسائل كثيرةٍ: الدَّليلُ على هذا الكتابُ والسنَّةُ والإِجْمَاع، وكذلك قولهم: قد يجتمع أَدلَّةٌ على مدلولٍ واحد، وقولهم: ويجوز اجتماع الأَمَارَاتِ والمعرفات على شيْءٍ واحد، وهو شائع ذائع بين الفرق لا ينكره إلّا مباهت؟ قُلْتُ: قد عرَّفناك أنَّا لا ننكر نصبَ دلائل على مدلولٍ واحد وعلامات على معرّفٍ واحد، وإِنَّمَا ننكر أَنَّهَا اجتمعت لشخصٍ واحد في حالةٍ واحدة، وحصل له العرفانُ؛ إِذْ ذاك يكونُ عارفًا بكلٍّ منها على حسب الاستقلال هذا الَّذي نشدِّدُ النّكير فيه، وإِلَّا فكم من أمارات على شيْءٍ واحد، بل وبراهين قاطعة كلٌّ لو انفرد لأفَادَ، ولم يقل وَاحِدٌ: إِنِّي عرفتُ حكمَ هذه المسألة مِنْ دلائل مجتمعةٍ كلٌّ منها عرفني. هذا لم يصرّح به أحد، ولن تجد مساغًا إِلى نقله عن إِمَامٍ، وإِنَّمَا مرادهم أنَّ هذه الدلائل كلٌّ منها يفيدُ المقصودَ لمن عرف به، فإِنْ عرف به وحده أفاده، وكان إِذْ ذاك دليلًا نَاهِضًا مستقلًّا، وإِنْ عرف به مع غيره كان جزءًا من الدَّليل إِذا اتَّحَدَ المعروف، وليس في ذلك كبير أمر، ولقد يَكَادُ يرجع النِّزَاعُ فيه لفظيًّا، ولك أَنْ تسمي العللَ المجتمعة لشخص واحد أجزاء مستقلَّة بالنِّسبةِ إِليه، وإِليها في نفسها، وكذلك ينبغي أنْ يفهم من قول مَن يقولُ من الفقهاء: هذه عللٌ لمعلول واحد؛ فإِنَّ مراده: أَن كلا يستدلُّ به على المعلول أَمَّا أنَّهَا إِذا اجتمعت فهل حصل بمجموعها، أو بكلِّ فرد منها، أو بواحد منهم إِلى غير ذلك من الاحتمالات، فهذا شيْءٌ لا يتكلَّمُ فيه الفقيه، ولا تعلُّقَ له به، وهو مسألة اجتماعِ العلَّتينِ على معلولٍ واحد، [ولذلك فإِن الغزالي في "الوَسِيطِ" قال: قد تجتمعُ علَّتَانِ على معلولٍ واحدٍ] (١) ومراده في "الوَسِيطِ" ما يريده الفقيهُ من أنَّ كلًّا من الوصفين صالح لإِفادَةِ الحكم، وذكر في "المُسْتَصْفَى" في الأصول امتناع ذلك في المستنبطةِ، ومراده امتناع حصولُ العرفان بكلٍّ منهما على حدتِهِ، والتَّأثير بكلٍّ منهما، فإِنَّ الغزاليَّ يقولُ: العِلَلُ مؤثراتٌ بجعل اللهِ وإِذْنِهِ، والحاصل أَنَّهُ تكلم في كلِّ فنٍ بحسبه، وليس له أَنْ يخلطَ، فيناقض - ولا لأحد أنْ يتوهَّم مناقضته في كلامه، وكذلك ذكر إِمَامُ الحرمين في "البُرْهَانِ في

стр. 1927

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أصول الفقه" أَنَّهُ يمتنع شرعًا اجتماعُ علَّتَيْنِ؟ وذكر في "الأساليب" في الخلافيّات أَنَّهُ لا يبعد في وضع القياس أن يصحَّ علَّتانِ بحكمٍ واحد؛ إِذ الحكمُ الواحد يجوز أن يعلَّلَ بعلل، ولا يمتنعُ ذلك. اننهى، فينبغي لذي الفطنة أَنْ ينظر في كلِّ موضع بحسبه، فإِن قُلْتَ: ما تقولون فيما إِذا استولد الرَّجُلُ مدبرته؟. قلتُ: قال الرَّافعِيّ: الَّذي أورده أكبرُ سلف الأَصحاب وخلفهم: أَنَّهُ يبطل التَّدبير؛ لأن الاستيلادَ أقوى، فيرتفع به الأضعفُ كما يرتفعُ ملك النِّكاح بملك اليمين، فإِن قُلْتَ: فما تقولونَ في تدبير المستولدةِ. قُلْتُ: لا يصحُّ - قال الرَّافِعِيُّ: لأَنَّهَا تستحقُّ العِتْقَ بالموت بجهة هي أقوى من التدبيرِ، وفي طريقة الصَّيْدَلانيِّ أَنَّهُ لا يبطل التَّدْبِير، [وقال الرُّويَانِيُّ في "الكَافِي" وقيل: لا يقول ببطلان التَّدبير] (١)، فيكون لعتقِها يَوْمَ موتِ السَّيِّدِ سببان، وعلى هذا جرى الإِمامُ والغزاليُّ مع اعتراف الإِمَامِ بأَنَّهُ لا أثر لبقاء التَّدبير، ولكنَّهُ يدخل في الاستيلاد كما لو طرأت الجنابَةُ على الحَدَثِ. فإِن قلتَ: كيف قال الإِمامُ هنا باجتماع علَّتين، وهو يمنع اجتماعهما شرعًا؟ قلتُ: قد قال: إِنَّه لا أثر لبقاء التَّدْبيرِ، وذلك دليل على ما أقوله: من المحذور اجتماعُ علَّتينِ يعرفان، أو يؤثِّران، فحيثُ لا يحصل التأثيرُ لم يجتمع، وإِن اجتمعَ وصفان لكلٍّ منهما صلاحية التَّأثير والتَّعريف حالة الانفراد. فإِن قُلْتَ: ما تقولونَ فيما إِذا اجتمعَ وصفان أحدهما أكثر تأثيرًا من الآخر هل يعملهما أو يطرح الضَّعيفَ؟!. قُلْتُ: حيثُ أمكن إِعمالهما، فلا سبيل إِلى العدول عنه، وحيث لا فالإِعمال للأقوى. مثاله: القاتل المرتدّ، عليه قتلان ضاق المحلُّ عنهما، فلم يكن استيفاءُ غير قتل واحد، ولم يضيق عن أحكامهما وآثارهما فاجتمعا، فيقدَّمُ حقُّ الآدمي لا لأن حقَّ الآدميِّ آكدُ؛ فإِنِّي لا أرى تقديمَ حقِّ الآدمي كما قرَّرته في موضعه؛ لأَنَّهُ لما اجتمع الحقَّان، ولم يتعارض القصدان، إِذْ ليس غرض الآدميِّ سوى التَّشفي بالاقتصاص سلمناه إِلى وليّ الدَّمِ ليستولي منه، فيحصل المقصدان في ضمن ذلك مقصد الآدمي بالتَّشَفي، والمقصد الشَّرعي

стр. 1928

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بتطهير الأرض من المرتدين؛ فإِنَّهُ ليس المقصد الشَّرعيُّ إِزهاقَ الأرواح بخصوصه، إِنَّمَا المقصد الشَّرعيُّ زوال الرّدة ومفسدتها العظمى، فإِنْ هو حصل بالإِسلام فذاك، وإِلا تعيَّنَ القتلُ طريقًا لدرء فسادِهَا، وتقبل عن حقِّ الآدمي مع جريان أَحكام المرتدِّين عليه في الحياة وبعد الممات؛ وهذا لأَنَّهُ أمكن إِعمال آثار العلَّتين. أَمَّا في صورة المستولدة إِذَا دبرت فلا يظهر للتّدبير أثر ألبتة، فإِنْ لاحت للمنفعة فائدة في التَّدبير تزيد على الاستيلاد، ولا يدفعها الاستيلادُ عملنا بها، فإِن قلتَ: ما تقولون في المشتركين في القتل هل يجبُ على كلِّ واحد منهم كفَّارةٌ، أو يجب على الكلِّ كفارة يتوزعونها؟! قلتُ: الأَصَحُّ أنَّهُ يجب على كُلِّ واحدٍ كفارة؛ لأَنَّ الكفَّارَةَ لا تتبعّض فأشبهتِ القصاصَ، والوجه الآخر: وجوب كفارة واحدة كالشُّركاء في قتل الصَّيْدِ يلزمهم جَزَاءٌ واحد. فإِنْ قلتَ: فما الفارِقُ بينه وبينَ الصّيد؟. قلتُ: ما قدَّمناهُ من أَنَّ الدِّيَةَ بدل عن المقتول لا عن القتل، وكذلك الجزاء بدلٌ عن الصَّيْدِ لا عن الاصطياد قال تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ﴾ [سورة المائدة: الآية ٩٥] أي جزاء ما قتل، لا جزاء قتله أَمَّا الكفَّارة فبدل عن القتل؟ فلذلك وَجَبَ على كُلِّ واحد بدل القتل، وهو الكفَّارة، ولم يتعذّر التعدد فيها، فتعددت بالنِّسْبَةِ إِلى تعدُّدِ القاتلين على الصَّحيح، فإِنْ قُلْتَ: إِذا قرَّرت امتناع اجتماع علَّتين، فماذا يفعل في الوصفين إِذَا اجتمعا؟. قُلْتُ: لي في كلِّ وصفين فصاعدًا حصل اجتماعُهُمَا طرقٌ ثلاثةٌ لم يخلُ عنها ما سطَّرنَاهُ في هذه الجملة الأُولى: أَنْ أَدَّعِي تعدُّدَ الأَحكام، وأنا بسبيل من ادِّعَاءِ ذلك في كُلِّ صورة، وسبق فيه قول بليغ. والطَّريقُ الثَّاني أَنْ أَسلم اتحاد الحكم، ولكن أقول: لما ضاق المحلُّ عن الحكمين لم يضق عن آثارهما، فآثارهما باقية، وربَّمَا اختلفت فظهرت فَائِدَتُهَا كما في القاتل المرتدّ، وربَّمَا لم يختلف بخصوصِ ذلك الموضع الواقعة فيه كما في المستولدة إِذا دبّرت، وقلنا: يصحُّ تدبيرها. والطَّرِيقُ الثَّالِثُ؛ أنْ أنظر إِلى الوصفين فاعمل أخيلهما وأشبهما، وأطرح الآخر بالكليَّة، وهذا إِنَّمَا أفعله إِذَا لم يظهر للآخر فائدةٌ أصلًا كما في تدبير المستولدة، فإِنَّ

стр. 1929

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الصَّحيح بطلانه؛ لأَنَّهُ لا يظهر لثبوته أثر وثَمَّ أقوى منه، وهو الاستيلاد، فأعملناه وألغينا التَّدبيرَ، وهذا في حقِّ العارف بوقوع الوصفين أَمَّا مَنْ لم يعرف إِلا أحدهما، فهو يعرف به عند موت السيِّد المعتق، فمن لم يعرف إِلَّا التَّدبيرَ يعرف عند موت السيِّد عتق الأمة وإِنْ كان وصفُ التَّدْبِيرِ ملغىً عند العارف بالاستيلادِ، فإِنَّهُ إِنَّمَا ألغاه لعدمِ احتياجه إِليه بإِسناده، إِلى ما هو أقوى منه، وكونه لا يظهرُ له أثر البتة. أَمَّا المحتاجُ إِليه فكيف نلغيه، وأَمَّا إِذَا ظهر له أثر كوصف الرِّدَّةِ المنضمِّ إِلى القتل، فكيف يلغى ونحن نحتاج إِليه في جعل مالِ المرتدّ فيئًا، وعدم الصَّلاةِ عليه إِلى غير ذلك من أحكَامِ المرتدِّين، فإِنْ قلت: فما قولكم في الطِّفْلِ المجنون، فإِنَّ الولاية ثابتةٌ عليه، وهي قضيَّةٌ واحدة معللَّة بالجنون والصِّبَا؟ قلتُ: أَنَا أَقول في هذا: إِنَّ الثَّابت حجر الصَّبي، ولا أثر لحجر المجنونِ هنا رأَسًا؛ لأَنَّ الجنون طارِئٌ على الصَّبيِّ فيصادف محجورًا عليه، فلا يقتضي شيئًا: كمن مَسَّ ثُمَّ لَمَسَ لم يفعل لمسُهُ شيئًا، ولو فرضت الصَّبِيَّ ولد مجنونًا، فهكذا أقول، إِذِ الصِّبا وصفٌ ذاتيٌ له، والجنونُ عرضيٌّ، فكان التّعلق بالذَّاتي أولى، فإِنْ قلت: لِمَ لا تقولُ هنا بأَنَّ كلًّا من الوصفين جزءُ علَّةٍ؟ قُلْتُ: هذا ممكن، ولكني إِنَّمَا أقوله حيثُ لا يترجَّحُ أحدُ الوصفين على الآخر، أَما عند ترجُّحِ أحد الوصفين مع ظهور فائدة للوصف الآخر فإِنِّي أطرح الأضعف، فإِذَا بَلَغَ مجنونًا زال حجر الصِّبا، وخلفه حجر الجنون، فَإِنْ قُلْتَ: وهلّا قُلْتَ: يثبتُ هنا حجران؟ قُلْتُ: هذا أيضًا ممكِنٌ، وقد قلنا: إِنَّا بسبيل في كُلِّ صورة من الطُّرق الثَّلاث، وإِن ترجح في بعض الصُّوَرِ واحد منها بخصوص تلك الصُّورَةِ. واعْلم أَنَّ إِمَامَ الحرمين قد أجاب عن الولاية على الطّفل المجنون فقال: الوِلايَةُ الثَّابِتَةُ على المجنون ضروريَّةٌ؛ إِذْ لا يتوقّع من المجنون تصرُّف، وفهم ونظم عبادة، والولاية على الصَّبيِّ المميز لمكان الغبطة، وطلب الأصلح، فإِنَّ الصَّبيَّ يعقل ما يقولُ ويفعل، ومن كان أَنيسًا بتأَصُّلِ الولايات لم يعدم فرقًا بين الولاية على المجنون، والولاية على الصَّبي المميز، فإِنْ فرض صبي غير مميز فهو المجنونُ بعينة، ولا أثَرَ للصِّبا، ولا يقع به تعليل، فإِنَّ الولاية الحقيقة بالصِّبَا هي ولاية الاستصلاح، وقد تناهى الشَّافِعِيُّ ﵁ في الغَوْصِ على ما ذكرنا حتَّى لا يرى توريث ذي قرابتين بالقرابتين جميعًا إِذَا كانت أحدهما أَقْرَبَ من الأخرى، وقالوا: القُرْبُ الأقربُ يعدم أثَر القربِ الأبعد حتَّى كَأَنَّهُ ليس قربًا، فكذلك الصِّبا

стр. 1930

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مع سقوط التَّمييز ليس معتدًّا به. انتهى، والَّذي فهمته منه أَنَّهُ يقولُ. حجر الجنون واقعٌ في محلِّ الضَّرُورَةِ لتدارك حال المجنون، وليس لخصوصِ الجُنُونِ فيه مدخل في العليَّةِ، بل العلَّةُ أَنَّهُ لا تميز، فاضْطَر إِلى نصب من يقومُ بأَمره ويتكفل بمعاشه، وهذه العلَّةُ تشملُ مَنْ قام به وصف الجنون، ومن لم يقم إِذَا كان مساويًا للمجنون في عدمَ التَّمْيِيزِ كالطِّفْلِ الرَّضيع، فالحجرُ على الصَّبِيِّ الَّذي لا يميِّزُ هو الحجر على المجنون بعينه، ولم يرد أَنَّ وصف الجنون قائمٌ به، ولا غرض له في ذلك؛ إِذْ خصوصُ الجُنُونِ لا مدخل له في إِثَارَةِ الحكم، وإِنَّمَا هو وصف منضبط مشتملٌ على الحكمة الَّتي هي عدم التَّمييز، وبها نيطَ الحكمُ في الحقيقة، فالنَّظَرُ لعموم عدم التَّمييز لا بخصوص الجنون، وحجر الصبي الَّذي يميّز واقع في محلِّ الاستصلاح؛ لنقصان نظره، فالعلَّةُ في القاع الحجر عليه نقصان النَّظر لا خصوص كونه صبيًّا، وبهذه العلَّةِ الَّتي هي نقصان النَّظَرِ وعدم سداده، واستكماله، فوقع الحجرُ على السُّفَهَاءِ، وإِنِ افتَرَقَ حكم حجر الصِّبا والسَّفه، فذاك الأَمْرُ غير ما نحن فيه، وإِذَا كان حجر الصَّبِيِّ المميز لنقصان النَّظَرِ لا للصِّبا وهو مصلحي لم يصحَّ اجتماعُهُ مع حجر عدم التَّمييز الَّذي هو ضروريٌّ، فلا يقال: اجتمعَ هذان الوصفان، وهذه طريقةٌ حسنة قويَّةٌ؛ فإِنَّ إِمامَ الحرمين يمنع تَصَوُّرَ اجتماع الحجرين؛ لأن أحدهما معلَّلٌ بنقصان النَّظَرِ، والآخر بعدمه، ونقصان النَّظَرِ يستدعي حصول أصل النَّظر، وهو لا يجتمع مع عدم النَّظَرِ، فلم يجتمع وصفان حتَّى نضطر إِلى أَنَّا هَلْ نُعْمِلُ أقواهما، أَو نخالف بين حكمهما، ونقولُ آثارهما مختلفة أَو غير ذلك، ونظير ذلك ما قاله الإِمَامُ أيضًا في قَسْمِ الصَّدقات: لا يختلف علماؤُنَا في أَنَّ الجمع بين أَسْهُمِ الفقر، والمسكنة محال من جهة أَنَّ الفقر والمسكنة يتناقضان، فلا يتصوَّرُ اجتماعهما لشخص، وهو صحيح؛ فَإِنَّ المسكنة معها وجدان شيْءٍ، والفقرُ عدم الوجدان، ولا يجتمع عدمُ الوجدان مع الوجدان، وإِنْ قلَّ، وقوله: ولا أثر للصِّبا ولا يقع به تعليل صحيح، ومراده: أَنَّ التَّعليل هنا بوصف عدم التّمييز، ولم يرد أَنَّ التَّعليل واقع هنا بخصوص الجُنُونِ، ويدلُّ له قوله: فإِنَّ ولاية الصَّبِيّ هي ولاية الاستصلاح، أي وولاية الاستصلاحِ لا تجتمعُ مع ولاية الضَّرورة؛ لأن الاستصلاح شرط عدم الضَّرورة، وعدم الضَّرورة مع الضَّرورة نقصان، وإِن فرض اجتماع الوصفين فإِنَّا نَدْرَأ الأضعف، وهو المصلحي، وننظر إِلى الأَقوى، وهو الضروريُّ، وقوله: وقد تناهى الشَّافعيّ … إِلخ أي غاصَ على معنى ما يحاوله من عدم اجتماع علَّتَيْنِ فقال في القَرَابَتَيْنِ إِذَا اجتمعا في شَخْصٍ: إِنَّهُ لا يرث إِلَّا بالأقرب إِذَا كانت إِحداهما أقرب، وقطع النَّظَر عن القرابة الأُخرى حتَّى كأَنَّهَا
следующие страницы →