. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نقل الرَّافِعِيُّ في "باب الصَّيْدِ والذَّبائح" عن القَفَّالِ: إِنَّهُ يجب القصاصُ عليهما؟ وأَنَّ إِمام الحرمين قال: هذا بعيد، والوجه تخصيص القصاص بصاحبِ المزففة، فإِنْ قلتَ: إِذا مهدتم أنَّهُ لا يعلّل حكم بأكثر من علَّةٍ، فما معنى اعتلال المانعين من اجتماع علَّتين بوجوه وهو حكم واحد؟ وكذلك ما شاع بين علماء الأُمَّةِ وحملة الشَّريعة من قولهم في مسائل كثيرةٍ: الدَّليلُ على هذا الكتابُ والسنَّةُ والإِجْمَاع، وكذلك قولهم: قد يجتمع أَدلَّةٌ على مدلولٍ واحد، وقولهم: ويجوز اجتماع الأَمَارَاتِ والمعرفات على شيْءٍ واحد، وهو شائع ذائع بين الفرق لا ينكره إلّا مباهت؟ قُلْتُ: قد عرَّفناك أنَّا لا ننكر نصبَ دلائل على مدلولٍ واحد وعلامات على معرّفٍ واحد، وإِنَّمَا ننكر أَنَّهَا اجتمعت لشخصٍ واحد في حالةٍ واحدة، وحصل له العرفانُ؛ إِذْ ذاك يكونُ عارفًا بكلٍّ منها على حسب الاستقلال هذا الَّذي نشدِّدُ النّكير فيه، وإِلَّا فكم من أمارات على شيْءٍ واحد، بل وبراهين قاطعة كلٌّ لو انفرد لأفَادَ، ولم يقل وَاحِدٌ: إِنِّي عرفتُ حكمَ هذه المسألة مِنْ دلائل مجتمعةٍ كلٌّ منها عرفني. هذا لم يصرّح به أحد، ولن تجد مساغًا إِلى نقله عن إِمَامٍ، وإِنَّمَا مرادهم أنَّ هذه الدلائل كلٌّ منها يفيدُ المقصودَ لمن عرف به، فإِنْ عرف به وحده أفاده، وكان إِذْ ذاك دليلًا نَاهِضًا مستقلًّا، وإِنْ عرف به مع غيره كان جزءًا من الدَّليل إِذا اتَّحَدَ المعروف، وليس في ذلك كبير أمر، ولقد يَكَادُ يرجع النِّزَاعُ فيه لفظيًّا، ولك أَنْ تسمي العللَ المجتمعة لشخص واحد أجزاء مستقلَّة بالنِّسبةِ إِليه، وإِليها في نفسها، وكذلك ينبغي أنْ يفهم من قول مَن يقولُ من الفقهاء: هذه عللٌ لمعلول واحد؛ فإِنَّ مراده: أَن كلا يستدلُّ به على المعلول أَمَّا أنَّهَا إِذا اجتمعت فهل حصل بمجموعها، أو بكلِّ فرد منها، أو بواحد منهم إِلى غير ذلك من الاحتمالات، فهذا شيْءٌ لا يتكلَّمُ فيه الفقيه، ولا تعلُّقَ له به، وهو مسألة اجتماعِ العلَّتينِ على معلولٍ واحد، [ولذلك فإِن الغزالي في "الوَسِيطِ" قال: قد تجتمعُ علَّتَانِ على معلولٍ واحدٍ] (١) ومراده في "الوَسِيطِ" ما يريده الفقيهُ من أنَّ كلًّا من الوصفين صالح لإِفادَةِ الحكم، وذكر في "المُسْتَصْفَى" في الأصول امتناع ذلك في المستنبطةِ، ومراده امتناع حصولُ العرفان بكلٍّ منهما على حدتِهِ، والتَّأثير بكلٍّ منهما، فإِنَّ الغزاليَّ يقولُ: العِلَلُ مؤثراتٌ بجعل اللهِ وإِذْنِهِ، والحاصل أَنَّهُ تكلم في كلِّ فنٍ بحسبه، وليس له أَنْ يخلطَ، فيناقض - ولا لأحد أنْ يتوهَّم مناقضته في كلامه، وكذلك ذكر إِمَامُ الحرمين في "البُرْهَانِ في
стр. 1927
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أصول الفقه" أَنَّهُ يمتنع شرعًا اجتماعُ علَّتَيْنِ؟ وذكر في "الأساليب" في الخلافيّات أَنَّهُ لا يبعد في وضع القياس أن يصحَّ علَّتانِ بحكمٍ واحد؛ إِذ الحكمُ الواحد يجوز أن يعلَّلَ بعلل، ولا يمتنعُ ذلك. اننهى، فينبغي لذي الفطنة أَنْ ينظر في كلِّ موضع بحسبه، فإِن قُلْتَ: ما تقولون فيما إِذا استولد الرَّجُلُ مدبرته؟.
قلتُ: قال الرَّافعِيّ: الَّذي أورده أكبرُ سلف الأَصحاب وخلفهم: أَنَّهُ يبطل التَّدبير؛ لأن الاستيلادَ أقوى، فيرتفع به الأضعفُ كما يرتفعُ ملك النِّكاح بملك اليمين، فإِن قُلْتَ: فما تقولونَ في تدبير المستولدةِ.
قُلْتُ: لا يصحُّ - قال الرَّافِعِيُّ: لأَنَّهَا تستحقُّ العِتْقَ بالموت بجهة هي أقوى من التدبيرِ، وفي طريقة الصَّيْدَلانيِّ أَنَّهُ لا يبطل التَّدْبِير، [وقال الرُّويَانِيُّ في "الكَافِي" وقيل: لا يقول ببطلان التَّدبير] (١)، فيكون لعتقِها يَوْمَ موتِ السَّيِّدِ سببان، وعلى هذا جرى الإِمامُ والغزاليُّ مع اعتراف الإِمَامِ بأَنَّهُ لا أثر لبقاء التَّدبير، ولكنَّهُ يدخل في الاستيلاد كما لو طرأت الجنابَةُ على الحَدَثِ.
فإِن قلتَ: كيف قال الإِمامُ هنا باجتماع علَّتين، وهو يمنع اجتماعهما شرعًا؟ قلتُ: قد قال: إِنَّه لا أثر لبقاء التَّدْبيرِ، وذلك دليل على ما أقوله: من المحذور اجتماعُ علَّتينِ يعرفان، أو يؤثِّران، فحيثُ لا يحصل التأثيرُ لم يجتمع، وإِن اجتمعَ وصفان لكلٍّ منهما صلاحية التَّأثير والتَّعريف حالة الانفراد.
فإِن قُلْتَ: ما تقولونَ فيما إِذا اجتمعَ وصفان أحدهما أكثر تأثيرًا من الآخر هل يعملهما أو يطرح الضَّعيفَ؟!.
قُلْتُ: حيثُ أمكن إِعمالهما، فلا سبيل إِلى العدول عنه، وحيث لا فالإِعمال للأقوى.
مثاله: القاتل المرتدّ، عليه قتلان ضاق المحلُّ عنهما، فلم يكن استيفاءُ غير قتل واحد، ولم يضيق عن أحكامهما وآثارهما فاجتمعا، فيقدَّمُ حقُّ الآدمي لا لأن حقَّ الآدميِّ آكدُ؛ فإِنِّي لا أرى تقديمَ حقِّ الآدمي كما قرَّرته في موضعه؛ لأَنَّهُ لما اجتمع الحقَّان، ولم يتعارض القصدان، إِذْ ليس غرض الآدميِّ سوى التَّشفي بالاقتصاص سلمناه إِلى وليّ الدَّمِ ليستولي منه، فيحصل المقصدان في ضمن ذلك مقصد الآدمي بالتَّشَفي، والمقصد الشَّرعي
стр. 1928
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بتطهير الأرض من المرتدين؛ فإِنَّهُ ليس المقصد الشَّرعيُّ إِزهاقَ الأرواح بخصوصه، إِنَّمَا المقصد الشَّرعيُّ زوال الرّدة ومفسدتها العظمى، فإِنْ هو حصل بالإِسلام فذاك، وإِلا تعيَّنَ القتلُ طريقًا لدرء فسادِهَا، وتقبل عن حقِّ الآدمي مع جريان أَحكام المرتدِّين عليه في الحياة وبعد الممات؛ وهذا لأَنَّهُ أمكن إِعمال آثار العلَّتين.
أَمَّا في صورة المستولدة إِذَا دبرت فلا يظهر للتّدبير أثر ألبتة، فإِنْ لاحت للمنفعة فائدة في التَّدبير تزيد على الاستيلاد، ولا يدفعها الاستيلادُ عملنا بها، فإِن قلتَ: ما تقولون في المشتركين في القتل هل يجبُ على كلِّ واحد منهم كفَّارةٌ، أو يجب على الكلِّ كفارة يتوزعونها؟!
قلتُ: الأَصَحُّ أنَّهُ يجب على كُلِّ واحدٍ كفارة؛ لأَنَّ الكفَّارَةَ لا تتبعّض فأشبهتِ القصاصَ، والوجه الآخر: وجوب كفارة واحدة كالشُّركاء في قتل الصَّيْدِ يلزمهم جَزَاءٌ واحد.
فإِنْ قلتَ: فما الفارِقُ بينه وبينَ الصّيد؟.
قلتُ: ما قدَّمناهُ من أَنَّ الدِّيَةَ بدل عن المقتول لا عن القتل، وكذلك الجزاء بدلٌ عن الصَّيْدِ لا عن الاصطياد قال تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ﴾ [سورة المائدة: الآية ٩٥] أي جزاء ما قتل، لا جزاء قتله أَمَّا الكفَّارة فبدل عن القتل؟ فلذلك وَجَبَ على كُلِّ واحد بدل القتل، وهو الكفَّارة، ولم يتعذّر التعدد فيها، فتعددت بالنِّسْبَةِ إِلى تعدُّدِ القاتلين على الصَّحيح، فإِنْ قُلْتَ: إِذا قرَّرت امتناع اجتماع علَّتين، فماذا يفعل في الوصفين إِذَا اجتمعا؟.
قُلْتُ: لي في كلِّ وصفين فصاعدًا حصل اجتماعُهُمَا طرقٌ ثلاثةٌ لم يخلُ عنها ما سطَّرنَاهُ في هذه الجملة الأُولى: أَنْ أَدَّعِي تعدُّدَ الأَحكام، وأنا بسبيل من ادِّعَاءِ ذلك في كُلِّ صورة، وسبق فيه قول بليغ.
والطَّريقُ الثَّاني أَنْ أَسلم اتحاد الحكم، ولكن أقول: لما ضاق المحلُّ عن الحكمين لم يضق عن آثارهما، فآثارهما باقية، وربَّمَا اختلفت فظهرت فَائِدَتُهَا كما في القاتل المرتدّ، وربَّمَا لم يختلف بخصوصِ ذلك الموضع الواقعة فيه كما في المستولدة إِذا دبّرت، وقلنا: يصحُّ تدبيرها.
والطَّرِيقُ الثَّالِثُ؛ أنْ أنظر إِلى الوصفين فاعمل أخيلهما وأشبهما، وأطرح الآخر بالكليَّة، وهذا إِنَّمَا أفعله إِذَا لم يظهر للآخر فائدةٌ أصلًا كما في تدبير المستولدة، فإِنَّ
стр. 1929
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الصَّحيح بطلانه؛ لأَنَّهُ لا يظهر لثبوته أثر وثَمَّ أقوى منه، وهو الاستيلاد، فأعملناه وألغينا التَّدبيرَ، وهذا في حقِّ العارف بوقوع الوصفين أَمَّا مَنْ لم يعرف إِلا أحدهما، فهو يعرف به عند موت السيِّد المعتق، فمن لم يعرف إِلَّا التَّدبيرَ يعرف عند موت السيِّد عتق الأمة وإِنْ كان وصفُ التَّدْبِيرِ ملغىً عند العارف بالاستيلادِ، فإِنَّهُ إِنَّمَا ألغاه لعدمِ احتياجه إِليه بإِسناده، إِلى ما هو أقوى منه، وكونه لا يظهرُ له أثر البتة.
أَمَّا المحتاجُ إِليه فكيف نلغيه، وأَمَّا إِذَا ظهر له أثر كوصف الرِّدَّةِ المنضمِّ إِلى القتل، فكيف يلغى ونحن نحتاج إِليه في جعل مالِ المرتدّ فيئًا، وعدم الصَّلاةِ عليه إِلى غير ذلك من أحكَامِ المرتدِّين، فإِنْ قلت: فما قولكم في الطِّفْلِ المجنون، فإِنَّ الولاية ثابتةٌ عليه، وهي قضيَّةٌ واحدة معللَّة بالجنون والصِّبَا؟
قلتُ: أَنَا أَقول في هذا: إِنَّ الثَّابت حجر الصَّبي، ولا أثر لحجر المجنونِ هنا رأَسًا؛ لأَنَّ الجنون طارِئٌ على الصَّبيِّ فيصادف محجورًا عليه، فلا يقتضي شيئًا: كمن مَسَّ ثُمَّ لَمَسَ لم يفعل لمسُهُ شيئًا، ولو فرضت الصَّبِيَّ ولد مجنونًا، فهكذا أقول، إِذِ الصِّبا وصفٌ ذاتيٌ له، والجنونُ عرضيٌّ، فكان التّعلق بالذَّاتي أولى، فإِنْ قلت: لِمَ لا تقولُ هنا بأَنَّ كلًّا من الوصفين جزءُ علَّةٍ؟ قُلْتُ: هذا ممكن، ولكني إِنَّمَا أقوله حيثُ لا يترجَّحُ أحدُ الوصفين على الآخر، أَما عند ترجُّحِ أحد الوصفين مع ظهور فائدة للوصف الآخر فإِنِّي أطرح الأضعف، فإِذَا بَلَغَ مجنونًا زال حجر الصِّبا، وخلفه حجر الجنون، فَإِنْ قُلْتَ: وهلّا قُلْتَ: يثبتُ هنا حجران؟ قُلْتُ: هذا أيضًا ممكِنٌ، وقد قلنا: إِنَّا بسبيل في كُلِّ صورة من الطُّرق الثَّلاث، وإِن ترجح في بعض الصُّوَرِ واحد منها بخصوص تلك الصُّورَةِ.
واعْلم أَنَّ إِمَامَ الحرمين قد أجاب عن الولاية على الطّفل المجنون فقال: الوِلايَةُ الثَّابِتَةُ على المجنون ضروريَّةٌ؛ إِذْ لا يتوقّع من المجنون تصرُّف، وفهم ونظم عبادة، والولاية على الصَّبيِّ المميز لمكان الغبطة، وطلب الأصلح، فإِنَّ الصَّبيَّ يعقل ما يقولُ ويفعل، ومن كان أَنيسًا بتأَصُّلِ الولايات لم يعدم فرقًا بين الولاية على المجنون، والولاية على الصَّبي المميز، فإِنْ فرض صبي غير مميز فهو المجنونُ بعينة، ولا أثَرَ للصِّبا، ولا يقع به تعليل، فإِنَّ الولاية الحقيقة بالصِّبَا هي ولاية الاستصلاح، وقد تناهى الشَّافِعِيُّ ﵁ في الغَوْصِ على ما ذكرنا حتَّى لا يرى توريث ذي قرابتين بالقرابتين جميعًا إِذَا كانت أحدهما أَقْرَبَ من الأخرى، وقالوا: القُرْبُ الأقربُ يعدم أثَر القربِ الأبعد حتَّى كَأَنَّهُ ليس قربًا، فكذلك الصِّبا
стр. 1930
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مع سقوط التَّمييز ليس معتدًّا به. انتهى، والَّذي فهمته منه أَنَّهُ يقولُ. حجر الجنون واقعٌ في محلِّ الضَّرُورَةِ لتدارك حال المجنون، وليس لخصوصِ الجُنُونِ فيه مدخل في العليَّةِ، بل العلَّةُ أَنَّهُ لا تميز، فاضْطَر إِلى نصب من يقومُ بأَمره ويتكفل بمعاشه، وهذه العلَّةُ تشملُ مَنْ قام به وصف الجنون، ومن لم يقم إِذَا كان مساويًا للمجنون في عدمَ التَّمْيِيزِ كالطِّفْلِ الرَّضيع، فالحجرُ على الصَّبِيِّ الَّذي لا يميِّزُ هو الحجر على المجنون بعينه، ولم يرد أَنَّ وصف الجنون قائمٌ به، ولا غرض له في ذلك؛ إِذْ خصوصُ الجُنُونِ لا مدخل له في إِثَارَةِ الحكم، وإِنَّمَا هو وصف منضبط مشتملٌ على الحكمة الَّتي هي عدم التَّمييز، وبها نيطَ الحكمُ في الحقيقة، فالنَّظَرُ لعموم عدم التَّمييز لا بخصوص الجنون، وحجر الصبي الَّذي يميّز واقع في محلِّ الاستصلاح؛ لنقصان نظره، فالعلَّةُ في القاع الحجر عليه نقصان النَّظر لا خصوص كونه صبيًّا، وبهذه العلَّةِ الَّتي هي نقصان النَّظَرِ وعدم سداده، واستكماله، فوقع الحجرُ على السُّفَهَاءِ، وإِنِ افتَرَقَ حكم حجر الصِّبا والسَّفه، فذاك الأَمْرُ غير ما نحن فيه، وإِذَا كان حجر الصَّبِيِّ المميز لنقصان النَّظَرِ لا للصِّبا وهو مصلحي لم يصحَّ اجتماعُهُ مع حجر عدم التَّمييز الَّذي هو ضروريٌّ، فلا يقال: اجتمعَ هذان الوصفان، وهذه طريقةٌ حسنة قويَّةٌ؛ فإِنَّ إِمامَ الحرمين يمنع تَصَوُّرَ اجتماع الحجرين؛ لأن أحدهما معلَّلٌ بنقصان النَّظَرِ، والآخر بعدمه، ونقصان النَّظَرِ يستدعي حصول أصل النَّظر، وهو لا يجتمع مع عدم النَّظَرِ، فلم يجتمع وصفان حتَّى نضطر إِلى أَنَّا هَلْ نُعْمِلُ أقواهما، أَو نخالف بين حكمهما، ونقولُ آثارهما مختلفة أَو غير ذلك، ونظير ذلك ما قاله الإِمَامُ أيضًا في قَسْمِ الصَّدقات: لا يختلف علماؤُنَا في أَنَّ الجمع بين أَسْهُمِ الفقر، والمسكنة محال من جهة أَنَّ الفقر والمسكنة يتناقضان، فلا يتصوَّرُ اجتماعهما لشخص، وهو صحيح؛ فَإِنَّ المسكنة معها وجدان شيْءٍ، والفقرُ عدم الوجدان، ولا يجتمع عدمُ الوجدان مع الوجدان، وإِنْ قلَّ، وقوله: ولا أثر للصِّبا ولا يقع به تعليل صحيح، ومراده: أَنَّ التَّعليل هنا بوصف عدم التّمييز، ولم يرد أَنَّ التَّعليل واقع هنا بخصوص الجُنُونِ، ويدلُّ له قوله: فإِنَّ ولاية الصَّبِيّ هي ولاية الاستصلاح، أي وولاية الاستصلاحِ لا تجتمعُ مع ولاية الضَّرورة؛ لأن الاستصلاح شرط عدم الضَّرورة، وعدم الضَّرورة مع الضَّرورة نقصان، وإِن فرض اجتماع الوصفين فإِنَّا نَدْرَأ الأضعف، وهو المصلحي، وننظر إِلى الأَقوى، وهو الضروريُّ، وقوله: وقد تناهى الشَّافعيّ … إِلخ أي غاصَ على معنى ما يحاوله من عدم اجتماع علَّتَيْنِ فقال في القَرَابَتَيْنِ إِذَا اجتمعا في شَخْصٍ: إِنَّهُ لا يرث إِلَّا بالأقرب إِذَا كانت إِحداهما أقرب، وقطع النَّظَر عن القرابة الأُخرى حتَّى كأَنَّهَا
стр. 1931
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ليست بقرب، فكذلك الصَّبي إِذَا لم يكن معه تمييز يقطع عنه النَّظر بالكليَّة، ولكن في القرابتين اجتمع وصفان بلا شكٍّ، وفي حجر الضَّرورة والاستصلاح قد يقال: إِنهما لا يتعارضان؛ لأَنَّ تعارضهما فرع تخيل اجتماعهما، وهما لا يجتمعان، وقد يقالُ: يتعارضان، فيكونان كالقرابتين كما عرفت، وقد اعترض ابن الأَنْبَارِيِّ شارح "البُرْهَانِ" على إِمَامِ الحرمين بمِا لا أرتضيه، فأنا أحكيه وأتعقَّبُهُ قال: هذا الَّذِي تكلفه إِنَّمَا هو لما قرَّرَهُ من امتناع تعليل الحُكْمِ بعلَّتَيْنِ، فعرض مسائل يتأتى له الجواب عنها.
وأَمَّا المسائلُ العشرة كما صورناه في الخؤولة، والعمومة، والبول، والغائط، والمس، واللمس، فإِنه لهم يتعرض له بالغرض، وأَمَّا الولاية فإِنَّهَا ثبتت بالصِّغَرِ، والجنون جميعًا، وقوله: أحدهما استصلاحية، والأخرى ضرورية، فيقال له: هذا نَظَرٌ في العلَّةِ، وأمَّا حقيقة الولاية فلا اختلاف فيها، ولا تعدد بحال؛ فإِنَّ معنى الولاية منع استبداد الشَّخْصِ بِالتَّصَرُّفِ، وإِقامة غيره ناظرًا له، وَأَمَّا قوله: إِنْ كان لا يميز يعني الصغير، وهذا المجنون بعينه، هذا ليس كذلك عند الفقهاء، ولا الأطبَّاء؛ فإِنَّ الجنون حالة تثبت للشَّخص، وليس الجنون عبارة عن فقدان العقل بحال؛ فإِنَّهُ لو كان كذلك كان النَّائِم، والغافل مجنونين، وإِذا رجع إِلى صفة ثبتت للمحلّ، فهذه الصِّفَةُ لا تلزمُ الصَّبِيَّ الَّذي لا يميّز، فإِذا اتَّصَفَ بها مع صغره، وعدم تمييزه، فعلى من يُحَالُ حكمُ الولاية؟ لا يصحّ الحوالة على أحدهما دون الآخر؛ لظهور تأثيرهما جميعًا، ولا يصحُّ أَنْ يجعلا جزءين؛ لثبوت الاستقلالِ لكُلِّ واحد مِنْهُمَا، فكلُّ ما ذكره في منع تعليل الحكم بعلَّتين غير صحيح، وأَمَّا قوله: إِن الشَّافِعِيَّ لا يرى توريث ذي قرابتين بالقرابتين جميعًا، فليس هو كذلك على الإِطلاق؛ فإِنَّ ابني العم إِذَا كان أحدهما أخًا لأمٍّ؛ ورث بالقرابتين، وَإِنَّمَا ذلك مخصوصٌ عند العلماء بما إِذا كانت إِحدى القرابتين أقرب من الأُخْرَى، وما ذاك لاستحالة تعليل الحكم بعلَّتَيْنِ، بل لأَنَّ البعيدَ نزله الشَّرع منزلة القريب عند عدم القَرِيبِ، وإِذَا نزل منزلته لم يصحَّ أن يرث معه "انتهى".
وَأَنَا أقول: قولكم: فرضَ مسائل يتأتى له الجواب عنها، وأهمل العشرة: قلنا: سنبين إِنْ شاء اللهُ تعالى هو أنها عليه. قولكم: الولايةُ تثبتُ بالصِّغَرِ والجنون معًا، قلنا: هذا موضع النِّزَاعِ. قولكم: إِنَّ قَوْلنَا: أحد إِحداهما استصلاحية، والأخرى ضروريَّة نظر في العلَّة أي وذلك لا يستلزم عدمَ ثبوتها.
стр. 1932
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قلنا: هو وَإِنْ كان نظرًا في العلَّة إِلا أَنَّهُ يلزم منه عدم ثبوتهما؛ لأَنَّا بيّنا أَنَّ حجر الاستصلاح لا يمكن اجتماعه مع حجر الضَّرُورَةِ، فكان مرادنا من قولنا: حجر الضَّرورة وحجر الاستصلاح: أَنَّهُ لم يجتمع وصفان.
سلّمنَا أَنَّ الوصفين اجتمعا، ولكن أردنا أَنَّ أقواهما يعمل به، وهو حجر الضَّرورة، فَكَأَنَّا قلنا، الصَّبِيُّ المجنون فيه وصفان:
أحدهما يقتضي أعظمَ الحجرين، والآخر يقتضي أهونهما، فأعملنا الأعظم إِذْ لم يظهر للأضعف معه تأثير ألبتة.
قَوْلُكُمْ: فإِذَا اتَّصفَ الصَّغير بعدم التَّمييز فَعَلى مَنْ يُحالُ حكمُ الولاية؟ قلنا: يُحال على فيها، بل هي مختلفة، وولاية الصَّبِي غير ولاية الجنون، وأحكامهما مختلفة. وقد كرَّرْنَا هذا غير مرَّةٍ، فأي معنى لإِعادَتِهِ، سلَّمْنَا اتِّحادَهَما، ولكنا هنا لم ندّع وقوع حجرين أصلًا، وإِن كنَّا بسبيل من ذلك إِذَا قلنا بتعدُّدِ الولاية، وإِنَّمَا ادَّعينا هنا: أَنَّا لا نسلمُ اجتماعَ الوصفين، وإِن سلَّمْنَاه؛ فلا نسلم إِعمالهما، بل الإِعمال واقع لأقواهما فقط، فالواقعُ أقوى الحجرين، فالولاية متّحدة، والمؤثرة فيها أقوى الوصفين، وهو عدم التَّمييز، وما ذكرتموه من أَنَّ الصَّغِيرَ ليس هو المجنون بعينه صحيح، ولكنَّ الإِمام لم يرد خصوص الجُنُونِ، ولا غرض له فيه؛ لأن الشَّارع كما أسلفناه إِنَّمَا ربط الحكم بعدم التَّمييز، فأراد الإِمام: أَنَّ الصَّغِيرَ الَّذي لا يميز لا وجه لذكر صغره؛ لأن عدم التَّمييز كافٍ في إِشارة الحكم، وسمَّاه المجنون بعينه توسعًا، ويظهر ذلك بتأَمُّل كلامه كما أوضحناه.
قَوْلُكُمْ: فإِذَا اتَّصَفَ الصَّغير بعدم التَّمييز فَعَلى مَنْ يُحالُ حكمُ الولاية؟ قلنا: يُحال على أقواهما، وإنْ لم يكن أقوى جعلناهما جزءين، وثبوت الاستقلالِ حالة الانفراد لا يمنع كونهما جزءين حالة الاجتماع، كما أسلفناه، وقولكم: فكُلُّ ما ذكره في منع التَّعليل بعلَّتَيْن غير صحيح - دعوى لا دليل عليها، وقولكم في القرابة: ليس ما ذكره على إِطْلاقِهِ، وإِنَّمَا ذلك إِذَا كانت إِحداهما أقرب. قلنا: سبحانَ اللهِ، "وقد صرَّحَ الإِمَامُ بهذا، وصورة ابني العم الَّتي ذكرها مشتملة على هذا، ثمَّ نقول: قولكم: من ابْنَيِ العمِّ أحدهما أخ لأم يرث بالقرابتين؛ لأَنَّ البعيد نَزَّلَهُ الشَّرع منزلة القريب لا لاجتماعُ علَّتين؛ قلنا: بجهتين جهة الفرض، فيرث بها السُّدس، وجهة التَّعصيب، فيرث بها نصفَ الباقي، فليس هنا اجتماع وصفين على موصوف واحد، بل اجتماعُ وصفين على موصوفين، وليس ممَّا نحن فيه في
стр. 1933
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
شيْءٍ، وعند هذا أَقُولُ: لعلَّ مرادَ الإِمام أَنَّ ابْنَ العمِّ إِذا كان أخًا لأم يأخذ المال كُلّهُ لكونه أقرب، ولا يأخذُ الآخر شيئًا، وهو قولٌ للشَّافعي ﵁ ويدلُّ على أَنَّ هذا هو مراد الإِمام قوله: قالوا: القربُ الأقرب يعدم أَثَرَ القرب الأبعد حتَّى كأنه ليس قربًا، وإِنَّمَا يعدم أثره إِذا لم يورثه به شيئًا، أَمَّا إِذا ورثه به فلم يعدم، فصورة ابن العم إِذَا كان أخًا لأم وتقديمه بجميع الميراث على ابن العم الآخر - على قول - هي مراد الإِمَامِ، وقد أعدموا فيها على هذا القَوْلِ حظَّ ابن العمِّ الآخر، وجعلوا قربه كَأَنَّهُ ليس بقرب، وإِرادة الإِمام لهذا أولى من إِرادته لما تخيله ابن الأنباري؛ إِذْ ليس ثمَّ اجتماع علَّتين على معلول واحد كما عرفت فإِن قلت: إِذا لم يكن ثمَّ اجتماعٌ على معلول واحد فلم لا تمنعون من فيه صفتا استحقاق في الزَّكَاةِ أن يأخذ بهما فإِنَّ المذهب الصَّحيح أَنَّهُ إِنَّما يعطى بأحدهما فقط؟
قُلْتُ: ذاك لأَنَّ الله - تعالى - عطف المستحقِّين بعضهم على بعض، والعَطْفُ يقتضي المغايرةَ، فليس المنع من إِعْطَائِهِ بالصَّفتين مقتضيا لإِعمال علَّتين على معلولٍ واحد؛ لأَنَّهُ على تقدير القولِ به لا يأخذ شيئًا واحدًا بالصَّفَتَيْنِ، بل شيئين كلٌّ منهما بِصِفَةٍ كما عرفت، واعلم أَنَّهُ لو كان الخلافُ في أَنَّ تعليل الحكم الواحد بعلَّتَيْنِ جاريا سواء أكان ذلك الواحدُ واحدًا بالنَّوْع، أم واحدًا بالشَّخْصِ - كما أشار إِليه بعض الأُصوليين - اتَّجَهَ أَنْ يقال: الإِعْطَاء بصفتين والتَّوْريث بقرابتين قد يسندان إِلى ذلك، فإِنَّ ابن العمِّ مثلًا إِذا كان أخًا للأمّ، فيكونُ السَّبب في إِرثه الَّذي هو قدر مشترك بين إِرث الإِخوة للأم [وإِرث العصوبة - بسببين الإِخوة للأم] (١) وبنوة العمّ، فيجتمعان على أصل التَّوريث، وإِنِ اختلفت صفة الوراثة باختلافهما، ولكنَّ الصَّواب أن الخلافَ مختصٌّ بتعليل الحكم الواحد بالشَّخص، وأَنَّهُ يسوِّغ تعليل الواحد بالنَّوْعِ بعلَّتين وفاقًا كما ذكرناه في صدر المسألة. فإِن قُلْتَ: بماذا ينفصلون عن الخُؤُولة والعمومة وعن البول والغائط؟ قلت: سبحان اللهِ، قد عرفت أَنَّا بسبيل من أَنْ نقولَ بتعدُّدِ الأحكام، ومن أن نقول بكونها أجزاء للعلَّةِ في حالة الاجتماع، وإِن استقلَّت في حالة الانفراد وغير ذلك ممَّا عرفت، ولا تزيد صورة الخؤولة والعمومة والرّضاع وغيرها ممَّا ذكره الغَزَالِيُّ كما حَكَيْنَاهُ عنه في صدر المَسْأَلَةِ - على صُورَةِ القاتل المرتدِّ، وغيرها ممَّا أوردناه إِلَّا بأَنَّهُ لا يظهر أثر الخُؤُولَةِ والعمومة؛ لعدم افتراق أَحكامهما، فمن هذا: ظنّ أَنَّ الحكم يتَّحدُ فيهما، وأَنَّهُ لا يمكن القولُ فيها بتعدُّدِ الأحكام كما سبق، والظَّاهِرُ أَنَّ القولَ
стр. 1934
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بتعدُّدِ الأحكام فيها أيضًا ممكنٌ، وعدم تخالف الآثار لأَمْرٍ اتِّفَاقي لا للاتِّحادِ، ولقد تعدَّى شَارحُ البرهان ابن الأنباري طوره فقال: "المصير إِلى أن القتل الواجب بالقتل، يعدم بعدم القتل وَإِنَّمَا الواجب عند عدم القتل قتل آخر" خيالٌ ضعيف؛ فإِن استحقاق الدَّم قضية واحدة معقولة، لا تعدُّدَ فيها انتهى، وفد عرفت فيما مضى أَنَّ الحقَّ أَنْ ثمَّ استحقاقين، وأَنَّ الضعيف خياله هو لا خيال إِمام الحرمين، وأَنَّ قول إِمام الحرمين: القتل الواجب بالقتل، وَإِنَّمَا الواجب عند عدم القتل قتل آخر، ولكن المحلّ يضيق عن القتلان، ويفوت بإِيقاع واحد منها - صَحِيحٌ لا غبار عليه، ثمَّ قال ابْنُ الأَنباري: ولكن هذا الخيال يتأتى له في هذا، فما الجواب إِذَا وجد البولَ، وفقدَ الغائط، أو بالعكس بالإِضافة إِلى انتقاض الطَّهارة، فهل يُتَصَوَّرُ أَنْ يقال: وجوب الوضوء المرتَّبِ على البول يفوت، وَإِنَّمَا الثَّابِتُ: وجوب آخر مرتب على الغائط؟ هذا مُحَالٌ لا يقوله لَبِيبٌ: انتهى.
وقد عرفت أَنَّه الحق ولا استحالة، وعدم تصوره إِيَّاهُ يدلُّ على ضعف خياله، ثمَّ اعترض على الإِمام حيث قال: التحريم بالحيض والإِحرام والرّدة والعدة بأَنَّ الردَّة لا تجامع الإِحرام شرعًا، وقد تكلَّمْنَا في هذا كما في صورة الصَّوْمِ، والحيض، ولا مشاحة في الأمثلة، وقد بان لك هوان الخُؤولة، والعمومة، والبول، والغائط، والمس، واللَّمس، وأَنَّهُ لا عسر فيها على خلاف دعوى ابن الأنباري السَّابق حكايتها عنه، ولقد تكرَّر من كلماتنا في إِدراج هذه الجملة ما يَدْرَأُ هذه الخيالات أجمع، ثُمَّ إِنَّا نسألُ ابنَ الأنباري هنا قائلين ماذا تقولُ في رجلٍ قال لامرأته الَّتي يملك عليها الطَّلقات الثَّلاث: إِن كلّمتِ رجلًا فأنْتِ طالق، وإِن كلّمت أسود، فأنت طالق، وإِن كلَّمتِ طويلًا فأنت طالق، فكلَّمت رَجُلًا جمعت له الخلال الثَّلاث؛ فإِنَّهُ لا محالة في وقوع الثَّلاث عليها، ولو أَنَّهُ لا يملك عليها غير طلقة واحدة وقال هذا الكَلامَ لمجموعه، فكلَّمَتْ هذا الجامع الصِّفات كلها لم يقع إِلا طلقة بلا ريبٍ، وانتفاء الطَّلقتين ليس إِلَّا لضيق المحلِّ بلا ريب؛ بدليل تأثيرها إِذا لم يضق المحلّ، ومدفوع الواحدة لا يصحُّ استناده إِلى كُلِّ واحدة بمفردها؛ لأن المطلق جعل كُلَّ صفةٍ علةً مستقّلة موجبًا لطلقة واحدة مغايرة للطَّلْقَةِ الَّتي توجبها الصِّفَةُ الأخرى، فلا يتأتى مخالفته، وهو ذو الإِنشاء، وجعل الطَّلقة مستندة إِلى غير ما أسنده هو إِليها، ولا سبيل إِلى دفع الواحدة، فليس غير جعل الوقوع مستندًا إِلى أحد الأوصاف لا بعينه، وهو رأي بعض القائلين بامتناع التَّعليل بعلّتين، أو القول بأَنَّ الأوصاف أجزاء للعلَّةِ، وهو المذهب الآخر لهم. لا يُقَالُ: فذو الإِنشاء المعلّق لم يجعل كُلَّ صفة إِلا علّة مستقلَّة، فكيف جعلتموها
стр. 1935
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنتم جزء علَّةٍ؟ نقول: لأنا نقول: جعلنا إِيَّاها جزء علَّة لا ينافي استقلالها كما عرفت في خلال الكَلامِ؛ فإِنها تعرف مَنْ لم يعرف إِلَّا بها، وهي بالنِّسْبَةِ إِليه مستقلَّة، فمن عرف أَنَّهَا رأت رجلًا قضى عليها بالطلاق، وإِنْ لم يعرف بسواده، ولا طوله، والعلَّة عنده رؤية رجل، وعند العارف بالخلال كُلهَا المجموع، فهذا [مُتأتٍ] (١) لنا ثانيًا لا إِشكال فيه، وهذه الصُّورَةُ عسرة على ابن الأنباري وغيره ممن يُجَوِّزُ اجتماعَ علَّتَيْنِ مستقلَّتين ينشأ الحكم عنهما على وجه الاستقلال لكلٍّ منهما، ولا انفصال لهم عنها، وما أبدوه من الصُّوَرِ ليس فيه شيْءٌ من العسر وللهِ الحَمْد، فإِن قُلْتَ: ما تقولونَ فيما إِذَا شرط في العَقْدِ ما يوافق مقتضاه كقوله في عقد الرَّهْنِ: بشرط أَنْ يُبَاعَ في حقِّكَ، فإِنَّ القاضي أَبَا الطّيِّبِ. والماوردي، وغيرهما من العراقيين قالوا: لا يلغو الشَّرط بل يفيدُ تأكيد ما يقتضيه العقد، وعبارة المحاملي في المجموع: كان الرَّهن صحيحًا والشَّرط صحيحٌ.
قُلْتُ: قد قال الإِمامُ والغزاليُّ في البيع والرَّهْنِ: إِنَّهُ لغو، وعلى هذا سقط السُّؤَال، وأَمَّا على القول بِأَنَّهُ صحيح مؤكّدٌ فنقول: الاشتراط عِلّةٌ أفادت مزيدَ القُوَّةِ، وقضيةُ العقد علَّة أفادت أَصْلِ الحكم، فلم يتوارد علَّتان على معلول واحد؛ لأَنَّ عقد الرَّهْنِ مثلًا أفاد البيع في الوفاء، واشتراط ذلك أَفَادَ تأكيد البيع، وتأكيد البيع غيره، ونظير المسألةِ تدبيرُ المستولدة، وقد سبق، والصَّحيحُ إِلغاء الشَّرط والحالة هذه كما ذهب إِليه الإِمامُ والغزالي معًا؛ لأنَّ شرط مقتضى العقد لا يضرُّ العقد، ولا ينفعه وقال الإِمَامُ: الشَّرْطُ هو الَّذي يقتضي زيادة على مقتضى العقد، وصرحا في الرَّهن بأَنَّهُ لغو. فإِنْ قُلْتَ: لنا في اليمينين إِذا حنث الحَالِفُ فيهما بفعل واحد، كما إِذا حلف لا يأكل خُبْزًا، وحلف لا يأكلُ طعام زيد؛ فأكل خبزه خلاف في أَنَّهُ هل يجبُ كفارة، أو كفارتان، فعلى القَوْلِ باتِّحَادِ الكفارة، وجد حانث حنثا واحدًا بيمينين، والدَّليلُ على وحدة الحنثِ اتحاد الكفَّارة، ولو تعدَّدَ لَتَعَدَّدَتْ؛ إِذْ لم يضق المحلّ عن إِيجاب كفَّارَتَيْنِ فأكثر. قلْتُ: إِنَّمَا وجد حنث بيمين لا بيمينين، وبها يتخل اليمين الأخرى، فيخيل من انْحِلالِ اليمين الأخرى اجتماع يمينين، وليس كذلك وهذه كلمات أوردها إِمام الحرمين، ولا نرى إِخلاء هذا المجموع عنها فنحكيها، ونتكلَّمُ عليها بحسب ما ييسره اللهُ تعالى:
стр. 1936
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال: العِلَّةُ المعنويَّةُ إِذَا اطَّردت؛ فإِنَّها كما تشعر بالحكم في اطرادها قد تشعرُ عَدَمَهَا بِعَدَمِ الحكم على حال، ولكن لا يبلغُ إِشعار العدم بانتفاء الحكم مبلغ إِشعار الوجود بالوجود، وسبب ذلك أَنَّه لا يمتنعُ في وضع المعاني أَنْ يناط الحكمُ بعلل تجوُّزًا إِنْ كُنَّا ادَّعينا فيما تقدَّم أَنَّ ذلك غير واقع، وأَنَّ ما ظنه الخائضون في هذا الفنِّ تقدَّم حكمًا معلّلًا بعللٍ في التَّحقيق أحكام، وهو كقولهم: تحريم المحرّمة الصَّائِمَةِ المعتدّةِ الحائض معلّل بهذه العِلَلِ المُزْدَحِمَةِ، وقد ذكرنا أَنَّ كُلَّ قضيَّةٍ من هذه القضايا توجب حكمًا مغايرًا لحكم القضيَّةِ الأُخْرَى، فلن يعدم الآنس بالفقه استمكانًا من تقدير التَّعَدُّدِ في الواجبات بوجوهٍ ترشد إِلى التَّغَايُرِ والاختلاف، وقد يظن الظَّان في هذا المقام أَنَّ المسئول إِذَا فرض الكلام في طرف من أطراف المسألة لغرض، وإِيضاح كلام، فصورة الغرض تختص بعلَّة، ويشملها مع سائر الأطراف علَّة عامة، وإِذا كان كذلك فقد علَّلَ الحكم في هذا الطَّرف بعلَّة خاصَّةٍ، وحينئذٍ هي مقصود الفارض، وعلَّة عامَّة. وهذا على حسنه غير صاف مِنَ القَذَا والكدر. "انتهى".
وحاصل كلامه أنَّهُ يورد أسئلة رُبَّمَا يخيل للناظر فيها اجتماع علَّتَيْنِ ثُمَّ ينفصل عنها بدع الاجتماع، فذكر مسائل الفرض، ومعنى الفرض من حيث الجملة أَنْ يشتمل سؤالُ السَّائل صورًا، فيفرض المجيب الكلام في بعضها كصورةٍ واحدة منها، فيدلُّ عليها، ويستفاد من الاستدلال الجواب عن سائر الصُّوَرِ المندرجة تحت السُّؤَالِ، وهذا شائعٌ في أبواب الجَدَلِ، وقد يَتَعَلَّقُ به كثير غرض؛ أَمَّا لضبط الكلام ودفعه عن الانتشار، فإِنَّهُ في القليل من الصُّوَرِ أقلُّ انتشارًا مِنْهُ في الكثير، وأَمَّا أن تلك الصُّورَة الّتي فرضها يندفع عنه فيها أسئلة لا تندفع لو ذكر سواها، ومثال ذلك إِذَا سئل عن نفوذ عتقِ الرَّاهِنِ ففرض كلامه في المعسر، فهذا فارض كلامه في صورة شملها السُّؤَال، وإِذا عرفت هذا، فقد يتخيّل منه اجتماع علَّتين؛ لأَنَّهُ إِن لم يكن محلّ الفرض ممتازًا بوجه ما عن بقيَّةِ الصُّوَرِ لم يكن لفرض الكلام فيه معنى، وإِنْ لم يشارك بقيَّة الصُّوَرِ في معنى يقتضي الحكم لم يكن إِلى التَّعميم سبيل؛ فلزم من ذلك أَنْ يكون ممتازًا عن بقيَّة الصَّوَرِ، بمعنى أوجب للفارض أَنْ يفرض الكلامَ فيه، ومشاركًا في معنى يقتضي الحكم، فتكون ذا معنين:
أحدهما مختصٌّ بمحل الفرض وبقيَّة الصُّوَرِ، ولذلك صحَّ عمومُ الحكم وشموله، وهذا وجه يخيل لزوم تعليل الحكم بعلَّتَيْنِ، وهو معنى قول الإِمَام فقط علَّل الحكم بعلَّةٍ
стр. 1937
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
خاصة، وهي مقصود الفارض، وأُخْرَى عامّة، وهي الَّتي صحَّ لأجلها تعميم الحكم، وقوله: وهذا على حسنه غير صافٍ عن القذى والكَدَرِ صحيح؛ فإِنَّ المكان مشكل، وعبارته في "البرهان" مشكلة، وأصعب من ذلك أَنَّهُ أَراد الإِيضاح، وافتتح بمثال لا يطابق، فازداد الإِشْكَال، ولهذا إِنِّي هنا أحاول إِيضاح كلامه وحلّه، ثمَّ قال: وأَنَا أضربُ في ذلك أَمْثِلَةً توضِّحُ الفرض فأقول: إِذَا قدم الغاصب إِلى إِنسان مضيفٍ طعامًا مغصوبًا فأكله المضيفُ ظانًّا أَنَّ الطَّعَامَ ملك المقدم المضيف، فقرار الضَّمَانِ في قول الشَّافعيّ على المقدم، ومعتمد هذا القول تقرير التغرير، وكون الغرور مناطًا للضَّمَانِ، وقد قال أَبُّو حنيفة: لو أكره الغاصبُ إِنسانًا على تَنَاوُلِ ذلك الطَّعام، فالقرارُ على الطَّاعِمِ وإِنْ كان مجبرًا مكرهًا كما إِذا كان مختارًا في التناول، وإِذا فرض الفارض الكلام في صورة الإِكراه، فهذه الصُّورة لا يجري فيها عموم التَّعليل بالتغرير؛ إِذ الاختيار يُنَافي الاغترار، ومن ضرورة الاغترار فرض اختيار في المغرور مع استناد اختياره إِلى اغتراره، فأَمَّا المجبر المكره، فلا يتصوَّر بصورة مغترٍّ، وإِن فرض منه ظن، فليس ذلك الاغترار المعتبر، فهذا النَّوْعُ من الفرض غير مرضٍ من جهة أَنَّهُ مجانب لمحلِّ السُّؤَالِ أوّلًا، والفرض المستحسن هو الواقع في طرف يشتمل عليه عموم سؤال السَّائل، وذلك محمول على استشعار انتشار الكلام في جميع الأطراف، وعدم وفاء مجلس واحد باستتمام الكلام فيها، فإِذا فرض المجيب في طرف فيستفيد بالفرض فيه التَّقريب على قرب، وهاهنا تعرض المجيب للكلام فيما لم يشتمل عليه سؤال السَّائل لم يكن في الكلام وجه إِلَّا البناء؛ إِذْ له أَن يثبت كلامًا في غير محلِّ السُّؤَالِ، فليس من فَنِّ الفَرْضِ، وَإِنَّما هو بناء، ولستُ أَرَى للبناء في المسأَلَةِ الَّتي فرضناها وجهًا أيضًا؛ فَإِنَّهُ إِذا ثبت أَنَّ الضَّمَانَ لا يستقرُّ على المكره، فكيف يبنى عليه عدم القرار على المُخْتَارِ الطَّاعم، ولا معتمد في التَّقْرِير على المختار إِلا الاغترار، وهو مفقودٌ في الإِجبار، وشرط البناء جمع فقيه بيّن ما عليه البناء، وبين محلّ السُّؤَالِ. نعم [أساء] (١) أبو حنيفة إِذ قرَّر الضَّمان على مَنْ لا اختيار له إِساءةً لا ارتباط لها لآخذ الكلام في صورة الغُرُورِ. "انتهى". وإِيضاحه أَنَّ أبا حنيفة ﵁ يرتب الضَّمَان علي مباشر الإِتلاف دون المسبب، وإِنَّما دعاه إِلى هذا حكمه بأَنَّ المكره على القتل يتوجَّه عليه القصاص دون المكره، وجعل المكره بكسر الراء في معنى الآلة، ولذلك أسقط عنه القصاص، وما ذكره في سقوط أثَرِ السَّبَبِ مع
стр. 1938
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المباشرة فقه إِذِ السبب أضعف، ولكن مصيره إِلى أن المكره كالآلة ضعيف مع توجه النَّهي نحوه، إِذَا عرف هذا المأخذ فقال أَبُو حَنِيفَة: الآكلُ يضمنُ لمباشرته، ولا ضمان على الضار؛ لأَنَّهُ متسبب، وقال الشَّافِعِيُّ: الضَّمَانُ على المقدم الضار، فإِنَّ التَّغرير من أسباب الضَّمان، فإِذا سُئِلَ الشَّافعيُّ عن ضمان المغرور، وقضى بأَنَّهُ لا ضَمَانَ عليه فطولب بالدَّلِيلِ فقال: أفرض الكلام في المكره، فهذه الصُّورَةُ لا تَصْلُحُ للفرض، فَإِنَّا قد بَيَّنَّا أَنَّ الفرض إِنَّمَا يكونُ عند شمول السُّؤال صورًا يفرض المجيب الكلام في بعضها لغرض له في ذلك.
أَمَّا إِذَا كان الَّذي فرض الكلام فيه ليس يندرج تحتَ سؤال السَّائل، فهذا انتقالٌ إِلى مسألةٍ أخرى، وإِضراب عن محلِّ السُّؤال، وذلك لا يقعُ في أبواب الفرض بحال؛ لا يقال: إِنَّ الإِضراب عن السُّؤَالِ لا يتحقَّقُ؛ فإِنَّ المكره يصحُّ أن يعتقد أَنَّ الطَّعَامَ ملك المكره، ويكون أَيْضًا مغرورًا، وإِذا صَحَّ أن يكون مغرورًا؛ فقد اندرج تحت السُّؤَالِ؛ فإِنَّ السؤال: هل يضمن المغرور [أَوْ لا؟ لأَنَّا: نقول المفهوم من المغرور] (١) أَنَّهُ لم يدعه إِلى الإِقدام على الأَكْلِ إِلَّا الضَّرورة، ومن ضرورة الاغترار بقاء الاختيار، والاختيار يُنَافِي الإِجْبَارَ، وهذا لا يتحقَّقُ معه الاغترار فإِنْ فرض من المكره ظَنّ على بعد؛ فليس هو الحامل على التَّنَاوُلِ، وَإِنَّمَا جاء أمرًا اتفاقيا لا أثر له في الحُكْمِ بحالٍ، وإِلى هذا أشار الإِمَامُ بقوله: وإِنْ فرض منه ظنّ؛ فليس ذلك الاغترار المعتبر، وإِذا لم يصحّ أَنَّهُ مغرور غرورًا حمله على التَّنَاوُلِ تعيَّنَ أَنَّ الحامل الإِكراه، وهو مفقود في المغرور، فلا يلزمُ من سقوط الضَّمَانِ عن المكره سقوطه عن المختار ذي الغرر، فلا يصحّ أن يقع هذا في أقسام الفرض بحال؛ إِذِ الفَرْضُ المستحسن توجه الكلام نحو طرف يدخلُ تحت سُؤَالِ السَّائِلِ كما عرفت. هذا تقرير كلامه إِلى قوله: ومهما تعرض المجيب.
واعْلَمْ أَن المذهب الصَّحيح المشهور في الجديد أَنَّ قرار الضَّمَانِ في مسألة التغرير على الآكل دون المضيّف على خلاف ما ذكره الإِمام، ولكن جرت عادَةُ أصحابنا في مسائل الخلاف أَنْ ينصروا القولَ المرجوح إِذَا كان الخصم يدعي أَنَّهُ في غاية السُّقُوطِ تبينا لقوله على الجملة، وأَنَّهُ منقاس وإن كان الأَصَحُّ مقابله، ومرادهم بهذا تأييد أقوال الشَّافِعِيِّ وأنها جميعًا جارية على منهاج القياس، وإن كان بعض الأقيسة أجلي وأوضح من بعض، وأَنَّهُ ليس في أقواله ما يدرؤه النَّظَرُ بالكليَّة ويسجل عليه بضعف البصيرة فيه، وكذلك في كُتُبِ
стр. 1939
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الخلافيَّاتِ نصروا هذا القَوْلَ مع اعترافهم بصَّحةِ مقابلته، ومرادهم بنصرته ما ذكرناه، وينبغي أَنْ نقرّ عبارة الإِمام هنا في قول الشَّافِعِيِّ، ويكونُ لفظ "قول" منونًا مع التنكير، ولعلَّهَا عبارته، وإِنَّمَا الأولى من اللَّامين في قولنا: للشَّافِعِيِّ افترقت مع أختها، فتوهمت الفاء، وقد شرح ابن الأنباري شارح "البرهان" المسألة على أَنَّ مذهب الشَّافِعِيِّ أَن الغرار على المقدّم، وليس كذلك، وإِنَّمَا هو قول ينصر في كتب الخلاف للبحث، ويتبين أنَّهُ منقاسٌ على الجملة، وقد نصره الإِمامُ في "الأَساليب" مع تصريحه ثَمَّ بأن ظاهِر القِيَاسِ خلافه، وإِذا قرأت عبارة الإِمام في "البرهان" على ما ذكرناه جريت على سبيل الحقِّ عند أصحابنا، فإِنْ قلت: فقد وافقتم أَبَا حنيفة في النَّظَرِ إِلى المُبَاشَرَةِ دون السَّبَبِ.
قُلْتُ: أبو حنيفة ﵁ كما قدَّمْنَاهُ يجعل المتسبب كالآلة، ونحن لا نوافقه في هذا؛ إِذْ هو مَأْثُومٌ ومطالبٌ أيضًا وإِن لم يكن الغرار عليه، ويجبُ عليه القصاصُ كما يجب على المكره. فإِنْ قُلْتَ: فلكم قولان في إِيجَابِ القصاص على المكرَهِ - بفتح الرَّاء - مشهوران وإِنْ كان أَصَحَّهُمَا الوجوب، والمذهب إِيجابه على المكره بكسرها، وفيه قول ضعيف جدًّا أضعف من القول بعدم الإِيجَابِ على المكرَه بفتح الراء، وهذا منكم تقديم للسَّبَبِ على المباشر. قُلْتُ: المباشرةُ والسَّبَبُ إِذَا اجتمعا، فقد تغلب المباشرة على السَّبَبِ بأن رَمَاهُ من شاهقٍ، فتلقَّاهُ رجل بالسَّيْفِ، وقدَّهُ نصفين وهنا يصير السَّبَبُ مغلوبًا، وتختص المباشرةُ بالقصاص، وقد ينعكس الحال فتصيرُ المباشرة مغلوبة، وذلك بأَنْ تخرجها عن كونها عدوانًا مع توليده لها مثل: إِنْ شهدوا عليه بما يوجبُ الحَدَّ فقتله القاضي، أو جلده، فالقصاصُ على الشّهُودِ فقط، وقد يتعادلان كالإِكْرَاهِ، فالقصاصُ عليهما على المذهب، والسَّبب أولى هنا بوجوب القصاص وإِنِ اشترك في أصل الوجوب، وإِنَّمَا كان السَّبَبُ هنا أولى؛ لصيرورة المباشرة معه كالآلة.، فضعيف بالنِّسْبَةِ إِليه، وإِنْ لم يكن كالآلة مِنْ كُلِّ وجْهٍ؛ بدليل قيام الإِجْمَاعِ على أَنَّهُ مأثوم، وأيضًا فإِنَّهُ قدم هوى نفسه وإرادة بقائها على نفس غيره مع اشتراكهما في أصل العِصْمَةِ، وكان من المستحسن المأمور به بذلها والحالة هذه، فَلَمَّا لم يفعل ذلك نَاسَبَ مؤاخذته، فالقَائِلُ بأَنَّهُ لا يجب عليه القِصَاصُ صيره كالآلة من كُلِّ وجه، والحقُّ خلافه لما ذكرناه، ولكنَّهُ تقاعد عن رتبة الأمر، ولولا أَنَّ حقيقة المباشرة من حيثُ هي مقدّمة على حقيقة السَّبَبِ من حيث هو لما ساويناه به، فهو إِن تقاعد عنه بالوجه الَّذي أبديناه، فقد ساواه من هذا الوجه، ولم يصلْ به هذا الوجه إِلى أن يُسَاوِيه من كُلِّ
стр. 1940
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وجه، بل وصل به إِلى المُسَاوَاةِ في أصل وُجُوبِ القِصَاصِ، لا في أَنَّهُمَا بالنِّسْبَةِ إِليه على حدٍّ سواء، فافْهَمْ ما يلقى إِليك!. وإِذَا عرفت ذلك فَلَمَّا كانت مؤاخذة كلٍّ من المُكْرِهِ والمكْرَه بالقِصَاصِ ممكنة؛ لأَنَّ من أصولنا قتلَ الجَمَاعَةِ بالواحد عند الاشتراك، وهذان كالمشتركين، وهما آثمان - أوجبنا القِصَاصَ عليهما، وهذا لا يتأتى لنا في ضمان المتلفات؛ لأَنَّهُ لا سبيل إِلى إِيجَابِ بديلين عن متلف واحد، فَأَوْجَبْنَا بدلًا واحدًا، ومكّنا صاحبه من مطالبة كُلٍّ منهما، ولكن جعلنا القَرَارَ فيه على واحد ثُمَّ نظرنا، فوجدنا المباشرة فيه في مسألة التَّغرير مختارًا، وقد اتَّصلت به المنفعة، فَأَلْقَيْنَا عِبْءَ القرار عليه، وما ذلك إِلّا لأَنَّ حقيقة المباشرة تغلبُ حقيقة السَّبَبِ، ولم يعارضها هنا ما يصيرها مغلوبة، ولو أَنَّ المباشر مُكْرَهٌ لا اختيار له: كمن أُكْرِهَ على إِتلاف المال، لكان القرار على المكره المتسبب؛ لضعفِ المباشرة بالنِّسْبَةِ إِليه جدًّا، فإِنَّهُ إِذَا أكره أنتج له الإِتلاف، وضعفت مباشرته مؤاخذة، وما أبديناه هو الصَّحِيحُ في المذهب، ووراءه خلاف لا يخفى، وأخذه إِذَا فهم ما قَدَّمْنَاه، فعن القاضي أَبِي الطَّيِّبِ أَنَّ الضَّمان في مسألة الإِكراه على الإِتلاف، فيقرر عليهما، وأَنَّهُمَا يجعلان كالشَّريكين كما في الإِكراه على القتل، وفي وجه آخر أَنَّ الضَّمَانَ على المكره المتلف دون المتسبب بخلاف القِصَاصِ؛ فإِنَّهُ عظيم الخطر، فأوجزنا فيه كلًّا منهما، ولنا قول مشهور في مَسْأَلَةِ الغرور أَنَّ الضَّمَانَ يستقرُّ على الغار، وهو ما عزاهُ الإِمَامُ إِلى الشَّافِعِيِّ كما عرفت، وناظر عليه في كِتَابِ "الأَسَالِيبِ" مع اعترافه فيه بأَنَّ ظاهر القياس مقابله، فإِنْ قُلْتَ: إِذَا مهدتم في التغريرات القرار على الطَّاعم، فلم قلتم فيمن غَرَّ بحريَّةِ أَمَة: إِنَّ قرار قيمة الولد على الغار هذا هو المَذْهَب الصَّحِيح؟
قُلْتُ: لأَنَّ الزَّوْجَ لم يوجد منه شَيْءٌ إِلا التَّسَبُّب إِلى وجود الولد، فَأَمَّا انعقادهُ حُرًّا فمن أثَرِ الغُرُورِ المحضِ، فكان الرُّجُوعُ على الغَارِّ به، بل لنا قول حَكَاهُ الحناطيُّ أَنَّهُ لا يطالب المغرور أصلًا؛ لأَنَّهُ معذور، وَأَمَّا على صورة الغُرُورِ بِالطَّعَامِ لِلضَّعِيفِ، فَالْغَاصِبِ، وإن غَرَّ، ولكن المتلف الضّيف، فكان الغار متسببًا والضّيف مباشرًا، والمباشرة تغلب السَّبَب هنا كما قدّمته، فإِن قُلْتَ: لو قدمَ الطَّعَام المسمومَ، أو دعا الضَّيْف إِلى داره وفي دهليزها بِئْر، الغالب أَنَّ الدَّاخِلَ يمرُّ عليها إِذَا أتَاهُ؛ فأكل، أو أَتَاهُ غير عالم بالحال هل يجب القِصَاص، فإِن قلتم بالوُجُوبِ، فقد قدَّمتم السَّبَبَ على المباشرة؛ لأَنَّهُ الَّذِي باشر هلاك نفسه، ومع ذلك أوجبتم القِصَاصَ على الغارِّ؟ قُلْتُ: في ذلك قولان:
стр. 1941
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أَحَدُهُمَا: المنع، وهو ما ذكر الرَّافعي أَنَّ الإِمام وغيره مال إِلى ترجيحه، وأَنَّهُ قياس مسائل التَّغرير، وعبر عنه النَّوَوِيُّ في متن "الرَّوْضَةِ" بلفظ الأَظْهَرِ، وعلى هذا سقط السُّؤَال.
والثَّاني: الوُجُوبُ.
قال الرَّافِعِيُّ: ورجَّحَهُ الرّويانِيُّ وغيره، وعلى هذا فلعلَّ الفرقَ أَنَّهُ لو لم يوجب القِصَاصَ فأَتت النَّفْسُ الَّتي يجبُ فيها القِصَاص، وذهبت من غير قِصَاصٍ، وآل الأمرُ إِلى أَنَّ مَنْ يريدُ قتل شخصٍ يغره، ويدبر بذلك القِصَاصِ عن نفسه، فأوجبنا لذلك القِصَاصِ، وهذا لا يتأتى في إِتْلافِ المال؛ فإِنَّهُ إِذا لم يجب على الغَارِّ؛ وجب على المغرور، فلا يضيعُ المالُ على وجه صاحبه، وهنا لا سبيل إِلى أَنْ يجب للمقتول على نفسه القِصَاص، ولا إِلى ضياعها مع وجود مَنْ يمكن الحوالة عليه، واعتدائه بإِتْيَانِهِ بفعل يوقع في الهَلاكِ غالبًا كالإِكراه، وهو التغْرير، ولهذا المعنى ضعف ينزلها عن درجَةِ السَّبب، فلاحَ لك بهذا أن المكرِهَ - بكسر الراء - أشد حالًا من المكرَه بفتحها، ولمَّا شارك المأمور في باب القِصَاصِ في الإِثْم ألحقْنَاه به في إِيجَاب القِصَاص، ولمَّا فارقه في الإِتلافَاتِ حيث أُبيحَت له، لم يلْحَقْه به في الضَّمَان، نحن مضطَرون إِلى عدم إِلحاقِهِ أيضًا؛ إِذ إِلحاقُهُ به في قرار الضَّمَان يؤدِّي إِلى إِيجاب عِوَضَيْن عن معوَّض واحد، بل ولم يلحقْهُ به من أصل المُطَالبَةِ على وجه ذَهَبَ إِليه بعض أصحابِنَا، قال: لأنَّه أقدم على مُبَاح له، فكيف تتَّجِهُ مؤاخذته والطلبة؟! فَسَّرَ القائل الأوَّل من فوات النَّفْس مجَّانًا؛ وقال: تجب الدِّية على الأصحِّ، وإِن قلنا: لا يجب القِصَاصُ؛ خَوْفًا من فوات النَّفس مجَّانًا، فإِن قلت: فالصَّحِيحُ أنَّه إِذا قدمَ الطَّعَام الْمَغْصُوب إِلى مالِكِه، فأكله جاهِلًا يبرأ الغاصِبُ من الضَّمَان، وهذا تَفويت لمال المالك من غير بَدَل.
قلت: لأنَّه انتفع وأكله، وذلك هو الْبَدَل، فأنَّى يستَوِي هذا والمغرورُ بقَتْل نفسه؛ وقد أَطَلْنَا فيما هو كالدَّخِيل فيما نَحْنُ فيه، فلنَعُدْ إِلى ما كُنَّا بِصَدَدِه من النَّظَر في كلام الإِمَامِ فنقولُ: وأَمَّا قوله: "وَمَهْمَا تعرَّض المجِيب إِلى آخِره" فمرادُهُ أَنَّهُ إِذَا تَقَرَّرَ أن من سُئِل عن ضمان المغرُورِ، فأخذ صُورَة الإِكراه، وفرض الكلام فيها - لم يكن كلامُهُ في صورة يشْملُهَا محلُّ السُّؤال، وإِنَّما ذلك بناء، والبناءُ هو أَنْ يأخذ المجيب صورةً لا يَشْمَلُها محلُّ السُّؤَال، ليبنيَ عليها موضعَ السُّؤَال ويتوصَّل بتقريرها إِليه يُسمَّى مَنْ فعل ذلك بانيًا وممهدًا ويسمى الفعلُ بناءً وتمهيدًا، وللبناء صورتَان:
إِحداهما: أنْ يكون محلُّ النِّزَاع فرعًا لمسألةٍ منصُوصٍ عليْهَا، فيفتقر المُسْتَدِّلُ إِلى فرض الكلام في الأصْل الَّذِي يُعْتبر محلُّ النِّزَاع به، فإِذَا نُوزع فيه أسنده إِلى التَّوقُّفِ، فإِذا
стр. 1942
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اسْتَفاض له الحُكْمُ فيه اعتبر المَسْأَلَةَ به، وهذا البناء مقبولٌ عند الجماهير، وقال بَعْضُ النَّاسِ: لا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الأصْلُ متفَقًا عليه بين الخَصمَيْن،، وليس بشيءٍ.
والصُّورة الثَّانية: أن تكونَ فرعًا لمسألة لا نصَّ فيها، ولا يسلِّمها الخَصْم، فيفتقر المسْتَّدِلُ إلى اعتباره بغيره، ثُمَّ اعتِبَار مسألة النِّزَاع به، فقد اختلفوا في صِحَّةِ هذا، وَالَّذِي أراه أَنَّه صَحِيحٌ، وللمستدِلِّ التَّوَصُّل إلى غرضِهِ بكلِّ طريقٍ، فإِنْ سلمت، وإلَّا قَامَ عليهما دليلهُ.
وقوله: ولستُ أَرَى للبِنَاء وجْهًا، يريد أَنَّ المسْتَدِل لو أخَذَ جانبَ البِنَاء، فلا يجد به نَفْعًا، وَدَلَّ عليه بما أشَارَ إِلْيه من أن الضَّمان لو ثَبَتَ إنَّما يستقرُّ على المُكْرَه بفتح الرَّاءِ، فلا يَصِحُّ أن يبْنَى عليه عدم القرارِ على المُخْتَار الطَّاعِمِ. هذا كلامُ الإمَامِ، والمذْهَبُ الصَّحِيح: استقْرَارُ الضَّمَان على المُكْرِه - بكسر الرَّاءِ -، وهو الآمر لا المأمور، وقد ذكرنا هذا فيما تقدَّم، وما ذكره في حق أبي حنيفةَ لا يختصُّ به، بل يعُمُّ كلَّ من قال بمقَالَتهِ، وهو وَجْهٌ عندنا أَعنى: أَنَّ الضَّمان يجِبُ على المتلِفِ للمال، وإن كان مُكْرَهًا دون الآمِرِ المُكْرِهِ، وقد قدَّمنا حكايَتَه، وقولُ الإِمَامِ: لا اختيار له، فكيف يوجِبُ عليه الضَّمان؟! لك أَنْ تَقُولَ: ليس العِلَّة من انتِفَاء الضَّمَان مجرّد كَوْنه غير مُخْتَارٍ، بل عدمُ الاخْتِيَار مع أَنَّ الفِعْلَ مباحٌ له، وإلَّا فالمأمُور بالقَتْل عليه القِصَاص، وإنْ كان مُكْرَهًا، ثمَّ قولك: لا اختيارَ لَهُ رُبَّما يُفْهَم منه سَلْبُ القُدْرةِ بالكُلِّيَّة، وتنزيلُ الشَّخْص منزلةَ الآلة بالكُلِّيَّة، كما لو حُمِل الشَّخْصُ وأُلْقى على مال رجلٍ فأتلَفَه، وهذا لا يقول أحدٌ بصلاحيته للضَّمان، وإنَّما الكلامُ في المُكْرَهِ على الإتْلاف، وليس هو آلة من كل وجْهِ، ولا نعلم أحَدا ذَهَبَ إلى ذلك؛ وأمَّا ما نَحْنُ فيه فلا إسَاءةَ فيه، كيفَ ونحن نُوجِبُ ضمان المُتْلفات على النَّائِم والغَافِل وهو أبْعَد عن الاخْتِيَار من المُكْرَهِ؟ ثُمَّ قال الإمامُ ﵀: ونحن نَعْرِضُ صورةً من الفرض المُسْتَحْسَنِ يَتبَيَّنُ بها قصَارَى المقْصُودِ، فنقول: إذَا سألَ السَّائِل عن نفود عِتْقِ الرَّاهن، فَسُؤَالُهُ يعمُّ المُعْتِقَ المعسِر، والموسِرَ، فإذا رَأى المسئول فَرْضَ الكلامِ في المُعْسِر فمحمل كلامِهِ ينْدَرجُ تحت سُؤال السَّائِل، والفارِضُ يستفِيدُ بالفَرْض في المُعْسِر أمرين:
أحدهما: دفعُ أَسْئِلة قد يَعْتَاص الجوابُ عنها على البكْم الذي لا تُطَاوِعُهُ العِبَارَةُ؛ فإنَّ من أسْئِلةِ الخصْمِ سريانَ العِتق إلى ملْكِ الشريكِ، فإذا كان يسْرِي سُلْطَانٌ إلى غير ملك المُعْتِق، فقد يبعد بنُوهُ عن محَلِّ ملكه مع صِحَّةِ عبارته، وإذا وقَعَ الفَرْضُ في المُعْسِر، فلا
стр. 1943
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يلزم في أطْرَافِ الكلامِ سريَانُ العِتْقِ؛ فإنَّ عتق المُعْسِر غير سارٍ على أصلِ الشَّافِعِيِّ ﵁ فهذه فائِدةٌ، وأعلى منها أَنَّ الخصْمَ قد يَتَمَسَّكُ في أطْرَاف الكلامِ في أن قيمة العبد في غَرَضِ الماليَّةِ نازلةٌ منزلةَ العبد، فليس الرَّاهِنُ المُعْتِقُ مفوتًا على المُرْتَهنِ غرضه من الاسْتِيثَاقِ بالماليَّةِ إذا أقام قيمةَ العبدِ رَهْنًا مقامه، وهو غير معترض على مَحَلِّ حقِّ المُرْتَهنِ، وهذا الفنُّ من الكلامِ لا حقِيقَة له، إِذْ ليس هو مذَهَب من يَنْقلُ عِتْقَ الرَّاهن، فإِنَّ عِتْقَهُ لا ينفذ عند من ينفذُهُ؛ لإِمْكَان إقامَةِ القِيمَةِ مقام المقومِ، بل سبب نُفُوذِه صِحَّةُ عبارتِهِ وثبوتُ ملكِهِ، فيسْتَفيدُ الفارِضُ يفرضه دفعَ هذا الكلام الواقِعِ فضلة لا أثَرَ لها، فليكن قصد المحققِ إِذَنْ فرض مثل ذلك. "انتهى". وهو واضِحٌ، فَإنَّ السَّائل إِذا سأل عن نفوذ عِتْقِ الراهن، عَمَّ سؤالهُ كلًّا من المُوسِر والمُعْسِر، فإذَا فرض المُجِيبُ الكلامَ في المُعْسِر، كان ذلك فَرْضًا صَحِيحًا، وقد يتخيَّل في هذه الصُّورةِ مَعنَيَيْن:
أحدُهُمَا: يخصُّ محلَّ الفرضِ، ولذلك اختار الفارِضُ الفَرْضَ فِيه.
والثَّاني: يعمُّ الموسِرَ، ولذلك يَصحُّ أَنْ يعمَّ الحُكْمُ الصُّورَتَيْن جميعًا، وبيانُهُ في المِثال المَذْكُور: أَنَّ الرَّاهن إِذَا نَفَذَ عِنْقُه، وهو مُعْسِرٌ، فقد أبْطَل حَقّ المرتهن من المرهون نَفْسه، وهو أمرٌ مقصودٌ، وأبطل أيضًا حقَّه من المالية، وإِبطالُ حقِّ غير المرهُونِ هي العلة العامَّةُ؛ لأنَّها تَتَناوَلُ المُعْسِرَ والموسِرَ، وأَمَّا قَطْع الماليَّةِ فيختصُّ بِها المُعْسِرَ إِذْ لا قدرةَ لَهُ على قيمةِ المرهُونِ لقيمَها مقامَه، فإذا فرض الفارِضُ الكلامَ في المعسر استفاد الأمْرين اللَّذين ذكرهُما الإمام، وقوله: وهذا الفنُّ من الكلام لا حقيقةَ له - صَحِيحٌ، لما ذكره من أَنَّ القائل بنفوذ عِتْقِ الرَّاهن - وهو الحنفي - لا يقتل بالماليَّة، فيكون أخْذُهُما في الكلام فضلة لا وَجهَ لها، واعْلَم أن لِلشَّافِعِي ﵁ أقوالًا في نُفُودِ عتق الرَّاهِنِ، أصحُّها ثالِثُها، وهو التَّفْرِقة بين المُعْسِرِ والمُوسِرِ، ولكن القولَ الذِي ينصر في كُتُب الخِلافِ هو القَوْلُ بعدم النفوذ مُطْلَقًا، وعليه ناظر الإِمَامُ في "الأساليب" وأسعد المهيني في "التعلِيقةِ" وغيرهما، والحنفية يقولون بنفوذِهِ مُطْلَقًا، والمسألةُ بينَنَا وبينَهُمْ تدور على حَرْفٍ واحدٍ، وهو أَنَّ حُكْمَ الرَّاهن ماذا؟ فعندنا حُكْمهُ تعلُق الدين بالعين، وصَيْرُروَة المُرْتَهن أحَق ببيعها، وإذا تعلَّق الحقُّ بالعين فالعِتْقُ يلاقي العَيْنَ فيمتنع، وعِندْهم
стр. 1944
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حكمُ الرَّاهن إثبات يد المرْتَهن، وأمَّا العَيْنُ فخالِصَةٌ للرَّاهِنِ غير مَشُوبَةٍ بحقِّ الغير، فالعِتْقُ يلاقي العَيْنَ الحالِيَّةَ عن حقِّ الْغَيْرِ فينفذ فلم يَنْظُرِ الإمَامَان الشَّافعيُّ وأَبو حنيفة إلى معنى المالِيَّةِ، وإنَّما اعتمد على معنى قَطْعِ الماليَّةِ مالكٌ ﵀، ولم يلتفِتْ إلى عَيْن الرَّاهِنِ، وقال: ليس تعيينُهُ مقْصودًا لِنَفْسِه، بل الْغَرَضُ الوُصُول إلى المالِ، يحرِّرون عبارة فيقولون: مكلف أضافَ العِتْقَ إلى مملوكةٍ فَنَفَذَ، كما إِذا أعتق عَبْدَه المأذونُ والعبد الجاني والمكاتِب، وإِذا كان مَبِيعًا ولم يقْبِضْه، أو كان مُسْتأجرًا ثم يقولون: قولنا: "مكلفٌ" معنًى مؤثِرٌ؛ لأنَّه ينبئ عن كَمَال الحالِ وعدم الحجر وإطلاقِ التَّصرف، وذلك يقتضي صِحَّةَ التَّصَرُّف، بخلاف الصبي المَحْجُورِ عليه؛ لنُقْصَان رأيه، وكذلك قولنا: إضافة إلى ملكه؛ فإنه يُنْبِئُّ عن تمهيد المحلِّيَّة، فإِن تأثير المملوكِيَّةِ في إثباتِ المحلِّيَّة، فإِذا تقرَّرت الأهْلِيَّةُ والْمَحَلِّيَّةُ صحَّ العقدُ لهذا بسائر العقود الشرعية وسائر المحال الحِسَيَّةِ، يدل عليه أن الأهلِيَّةَ والمحلَيَّة إِذا تقررت اقتضَتْ إِطلاقَ التَّصَرُّف ما لم يمنع مانعٌ، ولا مانع هنا يقدر إلا يد المرتهن، واليد غير مُشْتَرطةٍ لنُفُوذِ العِتْقِ بدليل المكاتب والمأذُون، فإنَّهُما في بدأ نفسهما، والآبِقُ؛ إذ لا يدلُّ عليه شرعيَةٌ ولا حُكْمِيَّةٌ، وكذلك المَبِيعُ قَبْل قبضهِ، فإذا لم يشْتَرط من نفوذِ اليَدِ فلا مانع من النفوذ.
وأمَّا أصحابنا فيقولون: تصرف يُبْطِلُ حَقَّ المُرْتَهنِ من العين فيبطُل كالبَيْعِ، وهذا صحيحٌ؛ فإِنَّ حقَّ المرتهن من العين لازمٌ لا يقدر الرَّاهِنُ على إِبطاله، ولهذا لو صرَّح وقال: أبطَلْتُ حقَّك، لا يَصِحّ، وهذه جملةٌ لا نِزَاع فيها، وهي أن الحق لازِمٌ إِذا تعلَّق بعين، فلا يجوزُ إبْطالَهُ قصدًا، إِنما الشأنُ في إِثبات كَوْنِ هذا التَّصَرُّفِ مُبْطِلًا لحقِّ المرتهن قصدًا، ويدلُّ له أن الرهن حقٌّ ماليٌّ تعلَّق بالعين، ولهذا يورثُ كما يورثُ أعيان الأموالِ، وإذا كان من حقوقِ الأموال والعِتْقِ إسقاطُ الماليَّة، فإسقاطُها بحقوقِها وتوابِعِها أيضًا، فإنَّه يجبُ عليه القيمةُ لهذا المرتهن، فلولا أنه أبطل حقَّهُ لما وجَبَ ذلك، فإنَّ من تَصَرَّف في خالِصِ ملْكِهِ وتعدَّى إِلى ملك غيره لا بقَصْد لا ضمانَ عليه، كمن حفرَ بِئْرًا من خالِصِ مِلكِه، وتعدَّى ذلك إلى دار جارِهِ فانهدمَتْ لا شيء
стр. 1945
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليه، وكذلك من قتل مَنْكُوحه غيره لا يضْمَنُ قيمة بُضْعِها، لما كان القتل ملاقِيًا للدم الذي لا حَقَّ لِلزَّوْج فيه، فتأدِيَتُهُ إلى فوات حقه لا يوجب ضمانًا عليه، فينبغي أن يكونَ هنا كذلك ويدلُّ [ذلك] (١) له لو أذِن المرتهن للمراهن في العِتْقِ سقط حقُّهُ من العينِ، ولا يغرم له القيمة، فلولا أن تصرفه بالعتقِ يُبْطل حقَّهُ قصدًا لما سقط؛ بدليل أن أحدَ الشَّريكين في العَبْدِ إِذا أَذن لشريكهِ في عِتْق نصيبِه فأعتقَ نصيبَ نَفْسِه، نفذ وسرى، وغرمه قيمة نصيبه. هذا خلاصة كلام الأصحاب، وهم يمنعون الحنفيَّة أن المحليَّة وُجِدَت، ويقولون: أنَّما محلُّ العِتق محلٌّ فارغٌّ عن حقِّ الغير، ولو سلَّمُنا المحلِّية من حيثُ العينية والماليَّة، إلَّا أن حقَّ المرتَهن يمنع النفوذ، فهو كالبيع لا يصِحُّ مع وِجْدان المالِيَّة والأهلية أيضًا، وأجابُوا عن بَقِيَّةِ كلماتِهِم بما هو مَوْجودٌ في الخلافِيَّات، ولا تعلق لتَعْلِيقَتِنا هذه به، وقال الإمام ﵀: والآن نذكرُ في هذا الفن الغرض الذي استَفْتَحْنا القَوْلَ في الفرضِ لأَجله فنقول: يتجه للفارض في المُعْسِر أن يقولَ: استأصَلَ المُعْتِقُ المعسر لو نفذ عِتقه حق المرتهن بكَمَاله، مُشيرًا إلى أنَّه لا يجد ما يبذله غارمًا فيظهر كلامُه من جهة الاستئصال، والسَّبب إلى قطع حقٍّ لازم للمرتهن من الاستِثاق بالكُلِّيَّة، وهنا وقفةٌ محتومةٌ على طالب الغايات، فنقول: من منع نُفُوذ العِتق يكتفي فيما يقرِّرُهُ بأن نُفُوذ العتق لو قِيلَ به أدى إلى قَطْع حقٍّ لازمٍ للمرتهن من غير الرَّهن، فإذا كَفَى هذا فأيُّ حاجةٍ إِلى التعرُّض لقطع الماليَّةِ، وحسن الطَلَبَةِ في القيمةِ، ويوشك لم لم يَتفطَّن الفارِضُ أنه يقعُ في المَحْذُور الذي نَبَّهْنا عليه الآن، وهو التَّعَلُّق بما لا اعتبار به، ولا دَفْعَ له. انتهى.
ومرادهُ أن الفارِضَ في المُعسِر إنَّما يحسن منْهُ الإِشارةُ إِلى قطع سؤال الماليَّة، وإمكان إقامةِ القيمة مقامَ المرْهون لو كان يتعلق إلى معنى الماليَّة، وهو لا يستنِدُ إلى ذلك؛ إذ عِلَّةُ المانع من النُّفوذ قطع حقِّ المرتهن من عين الرَّهن، ولا نظر عنده إلى الماليَّة كما قدَّمناه، وإذا كان مأخذه، فأيُّ حاجةٍ به إلى التَّعَرُّضِ لقطع المالية؛ فوضح أن التَّعَرُّضَ لها فضلَةٌ في الكلام لا أثر لها، ثم قال: ما المانع
стр. 1946
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِن ازدِحام عِلَّتَيْن في هذه الصُّورةِ إحداهما: قطع المالية بالكُلِّيَّةِ، والثَّانِيَةُ: قطع الحقِّ المُرْتَهنِ من العَيْنِ المخصوصةِ، فيكون امتِناع النُفُوذِ معلَّلًا بِعِلَّتَيْن: عِلةٌ خاصَّةٌ، وهي قطع المالية، وأخرى عامَّةٌ، وهي قطعُ الحقِّ من عَيْنِ العبد؛ فإنَّ هذا مما يعمُّ الموسِرَ والمُعْسِرَ؛ وإنَّما سُقْنا هذا الكلام مع فوائد حجَّة فيه لهذا الغَرَضِ، ونحن نَقُولُ: هذا ليسَ بِشَيْءٍ؛ فإنَّ المالِيَّةَ ليست مَرْعِيَّةً في حقِّ المُرْتهن، وإنَّما المُعْتَبر اختِصَاصُ استِحْقَاقِ اسْتيثاقِهِ بعينٍ يتمسَّك بها، إِذا اعترض له توقُفَات العسْرِ في الدين الذي يقع في الذِّمَّةِ، هو بابٌ مسْتَوفٍ بالعَيْن الَّتِي استمسك بها، وهذا غَرَضُ الرَّهن، وإذا لم يكن الراهن مطالبًا بالدين فقد خرج عن مقصود الرهن ولهذا السّر لا يجوز رهْنُ الدِّيْن، نعم لو فرض من الرَّاهِن إِتْلاف الرَّهْن فالشَرْع يتقاضاه أن يقيم قيمته مقامه؛ إِذْ مسلَكُ الشَّرع إثباتُ الضَّمان جُبْرانًا لكل فائِتٍ، فلا ينبغي أن نعُدَّ قضايا الشَّرع في مظانِّ الضَّرورات من القضايا الوضعيَّة في تأسيس الأصول. "انتهى"، ومرادهُ أن العلَّة واحدةٌ، وهي قطعُ المُرتهن عن عين المرهون، ولا أثر للماليَّةِ عنده، وإِتما المعتبرُ حقّ التَّعيين، ولذلك يثبتُ استحقاقُ الاختصاصِ بالعين المقبوضة عند طريان العسر على الدَّين الواقع في الذمة حتى لو قال الغرماء، لا نفسخ لتقدُّمك بالثَّمنِ لم تلزمه الإِجابة، بل له الفسخُ والرُّجوع إلى عين ماله والحالةُ هذه على أصحِّ الوجهين، والثاني لا، وبه قال مالك ﵀ جريًا على أصله في النَّظر إِلى معنى الماليَّة، قال: ولو رجعتِ المطالبَةُ في الرَّهْنِ على الذِّمَّةِ، لفات مقصود الوثيقة؛ إِذِ المقصودُ منها استخلاص الحقِّ من غير المرهونِ عند تَعَذُّرِ الوفاء، قال: ولهذا السِّرِّ لا يجوزُ رهنُ الدّين: أي على أَصَحِّ الوجهين. وقوله: نعم … إلخ". جواب عن سؤال مُقدَّر كأن قائلًا يقولُ له: إِذا كنت تنظرُ إِلى عَيْنِ المرهون فقط، وتقطع النَّظَرَ عن معنى الماليَّةِ، فلماذا إذا أتلف الرَّاهن المرهون يلزم إِقامةُ قيمته مُقَامَهُ؟ وجوابه ما أشار إليه من أَنَّ القيمةَ في معنى البَدَلِ عن الأصل، فلا يجمع بين البَدَلِ والمُبَدلِ، والبدلُ هو الأصل، وهو قطع حقَ المرتهن من العين، فإِنَّهُ إِذَا حفظت العينُ عليه؛ ففي ذلك حفظ الماليَّةِ ضمنًا، وإِنَّما يعودُ إلى التَّمسُّك بالماليَّةِ عند فواتِ العَيْنِ، فرجع إلى البدل جَبْرًا للغائب، ولا يصحُّ أَنْ يجمعَ بين الأصْلِ والبدل، ولذلك إِنَّا في الأَمْوَالِ
стр. 1947
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نُحَافِظُ على الأعيان، ولا نقولُ: يجب الضَّمَانُ مع إِمكان رَدَّها، بل نطلبُ رَدَّها بحسب الإِمْكانِ، فإِذا تَعَذَّرَ ذلك رجعنا إِلى الماليَّةِ، ثم قال الإمامُ: وهذا يناظر عندي مَسْلكي في توزيع العِوَضِ على مختلفين في أحد شقَّي العقدِ عند مَسِيسِ الحاجةِ في شفعة لو فرض تلفٌ في أحد العِوَضَيْنِ، وقد زَلَّ جماهيرُ الفقهاء، فاعتقدوا أَنَّ التَّوْزِيعَ مقصودُ العقد كما نبَّهْتُ عليه في مسألة العجوة، وهذا ذللٌ وسوءُ مدرك؛ فإِنَّ العقد ما أنشئ على التَّوْزِيعِ، وأَنَّما هو أمرٌ ضروريٌ أحوج إثبات الشُّفْعَةِ إليه. انتهى. ووجه المناظَرَةِ والمشابهةَ ظاهرة على مسلكه، وذلك أَنَّهُ لما قرر أنَّهُ لا ينبغي أَنْ يعد قضايا الشرع في مظانِّ الضَّرُوراتِ من القواعد الأصليَّةِ أَنَّ الرُّجُوعَ إلى المالسَّةِ عند تلف المرهون ممَّا دعت إليه الضَرورة جبرانًا للفائت - لأَنَّ الماليَّة مقصودة ابتداء - شبه هذا بمسألة مد عجوة، فإِن التَّوزيعَ عنده فيها ليس من قضيَّةِ العقد، وَإنَّما هو شيءٌ جرت إليه الأَحكَام، ودعت إليه الضَّرُورة، فالمشابهةُ واضحةٌ على مسلكه، وإِنَّما هو مسللك حاد به عن سبيل الأصحاب، وأَنا أبدي هنا في ذلك كلامًا مختصرًا مشتملًا على فوائد جَمَّة.
فأقول: إِذَا باع مال الرّبا بجنسه، ومع أحدهما غيره - مِمَّا فيه الرِّبا أو مِمَّا لا ربا فيه، فهذه قاعدةُ عَجْوَةٍ، ومذهبنا البُطْلانُ فيها خلافًا لأبي حنيفة ﵁ ولسنا هنا في مَقَامِ المجادَلَةِ على مذهبنا بل في حكاية ما يتعلَّقُ بما نحنُ فيه، فنقولُ: قاعِدَتُنَا هذه مبنيَّةٌ على أصلين أحدهما أَنَّ الجهلَ بالمُماثَلَةِ لحقيقة المفاضلة، وهو أصل تمهد في باب الرِّبا مبنيٌّ على أصلِ آخر عظيمِ الفائدة جليل العائدة، وهو أَنَّ الأصل عندنا، وعند المالكيَّةِ في بيع الربويّات بجنسها، أو بما يشاركها في علَّةِ الرِّبَا التَّحريم، إِلَّا ما قامَ الدَّلِيلُ على إباحته، وهذا أصلٌ مستفاد من قوله ﷺ : "لا تَبِيعُوا الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، وَلَا الوَرِقِ بالْوَرِقِ إِلَّا وزنًا مِثْلًا بِمِثْلٍ من سَوَاءٍ بِسَوَاءٍ (١) لفظ مسلم من حديث ابن مسعود، وفي حديث عُبَادة: سمعتُ رسول الله ﷺ : "يَنْهَى عَنْ بَيعِ الذَّهَبِ بَالذَّهَبِ، والفِضَّةِ بَالفِضَّةِ وَالْبُرِّ بالْبُرِّ، والشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ، وَالمِلْحِ بِالمِلْحِ إِلَّا سَوَاءٍ، عَيْنًا بِعَيْنٍ، فَمَنْ زَادَ، أوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبى" وهو لفظ
стр. 1948
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مسلم أيضًا، وأحادِيثُ أُخرُ مستقصاةٌ في مواضعها، ووجه الاستدلال أنَّهُ ﷺ صدَّرَ بالنَّهي، ثُمَّ استثنى منه، والأصلُ عند الحنفيَّة الجواز؛ لاندراجه في جملة عُقُودِ البَيْع، ويجعلون عقُودَ الرِّبا، وسائر ما نهى عنه مخرجًا من ذلك الأصْلِ، وهذا المأخذ نافعٌ جدًّا في مظانِّ الاشتباه، وتعارُضِ المآخذ، فَنَحْنُ نحرِّمُ إذْ ذاك، وهم يُحلِّلُون، وعليه تدورُ مسألة بيع الحِفْنَةِ بالحفنتين، ولا يستريبُ أخو الإِنثاف في أَنَّ مذهبنا هنا أوجه من مذهبهم؛ لأنَّا أخذنا بالأَصْلِ القريب، وهو الرِّبا، وهم أخذوا بالأصْلِ البعيد، وهو البيع، والرُّجوع إلى أقرب أصلٍ أولى مِنَ الرُّجوعِ إِلى مِنَ البعيد، وهذا إِنْ سَلِمَ لهم دخول الرِّبا في البيع، والخلاف في دخول العُقودِ الفاسدة تحت الألفاظ معروفٌ، فهذا أحدُ الأصلين اللَّذين عليهما بنينا قاعدة مد عجوة. والأصْلُ الثَّاني أَنَّ اختلاف العِوَضَيْنِ من الجانبين، أَوْ من أَحَدِهِما يوجبُ اعتبارَ القِيمَةِ، وتوزيع الثَّمَنِ عليهما بالقيمة يومَ العقد كما إِذَا باع عَبْدًا، وثوبًا ثمَّ خرج أحدهما مستحقًّا، فإِنَّهُ يرجعُ بقيمة المستحقّ من الثَّمَنِ لا بنصف الثَّمَنِ، والشَفيع إِنَّما يأخذُ بما تناوله حالة العقد فلو أَنَّ التَّوزيعَ حاصلٌ حين العقد، لم يصحَّ، وكما في ردِّ البعض بالعيب وتلف البعض عند البائع، قال أصحابنا: ولولا التَّوزيع في الابتداء ما نوزع في الانتهاء، ولا سبيل إِلى أَنْ يقال: ينزل التَّوزيع؛ لأنَّهُ مُؤَدٍّ إلى بطلان البيع، فإِن العقدَ إِذَا كان له مقتضى حُمِلَ عليه، سواء أَدَّى إلى فساد العقد أو صلاحه، كما إِذَا درهمًا بدرهمين لما كان مقتضى العقد مقابلة جميع الثَّمَنِ حمل عليه، وإنْ أَدَّى إِلى فَسادِهِ وَلَمْ يحمل على أَنَّ أَحد الدِّرهمين هبة والآخر ثمن ليصحَّ العقد ولم يرتض إِمامُ الحرمين هذه الطَّريقة، وقال: العقدُ لا يقتضي في نفسه توزيعًا مفصلًا، بل مقتضاه: مقابلة الجملةِ، أو مقابلة الجزء الشَّائِعِ مِنمَّا في أحد الشِّقَّيْنِ بمثله مِمَّا في الشِّق الآخر بِأَنْ يقال: ثُلُثُ المُدِّ وثلثُ الدِّرْهَمِ يقابل ثلثي المُدَّيْنِ يعني: إِذا باع مُدًّا ودرهمًا بِمُدَّيْنِ، ولا ضرورة إِلى تكلّف توزيع يُؤَدِّي إِلى التَّفاضل، وإِنَّمَا يصار إلى: التوزيع في مسألةِ الشُّفْعَةِ لضرورة الشفعة قال: والمعتمدُ عندي في التَّعْلِيلِ: أنَّا تَعَبَّدْنَا بالمماثَلَةِ تحقيقًا، وإذا باع مُدًّا ودرهمًا بِمُدَّيْنِ لم تتحقّق المماثلة، فيفسد العقد، وقالَ في "الأسَالِيبِ": هذا أُسْلُوبُ المسألة، وهو في نهاية الظُّهُورِ والوُضُوح، وإذا قَالُوا: نَحْنُ نقابل الدِّرْهَمَ بِمُدٍّ ونقابل مُدًّا بِمُدٍّ؛ ليصحَّ العقدُ كانُوا متحكِّمين حائدين عمَّا يقتضيه العقدُ من إِيهامِ
стр. 1949
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المقابلة، ولو جاز التحكمُ بالتَّعيين الَّذِي ذكروه، ومقتضى العَقْدِ الإِشاعةُ - فالتَّوزيعُ الَّذي ذكره الأصحابُ أمثل، والمصيرُ إِليه أولى، وكلاهما باطِلانِ عندنا".
انتهى كلامه في "لأَسالِيبِ"، وقد انتصرَ الرَّافِعِيُّ لطريقة الأصْحابِ فَقَالَ: لناصِرِيهَا أَنْ يقولوا: أَلَيْسَ قد ثبت التَّوْزِيعُ المنفصل في مسألة الشُّفْعَة، لولا كونه قضيّة العقد، لكان ضمُّ السَّيْفِ إِلى الشَّقْصِ من الأسباب الدَّافعة للشُفْعَةِ، فإِنَّها قد تندفع بعوارض، قال: وَأَمَّا قوله. إِنَّا تَعَبَّدْنا بتحقيق المُماثَلَةِ، فللخصم أَنْ يقولَ: تعبّدنا بتحقيق المُماثَلَةِ فيما إِذا تمحضت مقابلة شيْءٍ منها بجنسه، أم على الإِطْلاقِ؟ إِنْ قلنا بالثَّاني، فممنوع، وإِنْ قلنا بالأَوَّل، فمسلمٌ، لكنَّهُ ليس صورة المَسْألَةِ.
قال أبي ﵀ في "شرح المهذب"، والاعتراض الأَوَّلُ … حتَّى قال: وَأَمَّا الاعتراض الثَّاني فضعيف، ولا سيما في الَّذِي قرضه وهو إِذَا باع مُدًّا، ودرهمًا بمددّين؛ فإِنَّهُ يصحُّ في هذه الصُّورِ أَنَّهُ باع تمرًا بتمرٍ، لأن التَمْرَ الَّذِي مع الدّرهم مبيع قطعًا ولا مقابل له إِلَّا تمر، ومتى صدق أنَّهُ باع تمرًا بتمرٍ، وجبت المماثلة بالنَّصِّ، ولمحض المقابلة قيد لم يدّل عليه دليل. انتهى.
قلت: وعندي وقفةٌ في الموافقة على صِحَّةِ الاعتراض الأوَّلِ؛ إِذْ للإمام أَنْ يقولَ: لا يلزمُ من كون التوْزِيعِ ليس من قضيَّةِ العقد أَنْ يندفع العقد، واندفاعها بعوارض لا يقتضي اندفاعُهَا بهذا، ولِمَ قلتم: إِن هذا العارض مُسَاوٍ للعوارض الَّتِي بها تندفع الشُّفْعَة، وهذا والإمام في "الأساليب" ذكر اعتراض الرَّافعي بعينه، أجاب عنه حيثُ قال بعد أَنْ حكى عن الأصحاب: إِن التوزيعَ مقتضى العقد، واستدل عليه بما اشترى عقارًا مشفوعًا، وسيفًا بألفٍ … المسألة: فإنْ قالوا: ليس هذا التوْزيع مقتضى العقد، ولكن ألجأتْنَا إِلى تقديرها ضرورةُ الشُّفْعَةِ، ولا ضرورة بنا إلى التَّوزيع في صورةِ النِّزَاعِ، ثم قال الإِمَامُ: أَجاب الأَئِمَةُ عن هذا بأنْ قالوا: اجعلوا ضمُّ منقول إِلى العقار مسقطًا للشُّفُعَةِ؛ فإِن الشفعة تسقطُ بطرق، ثُمَّ قال: وما ذكره الأئِمَّةُ من إلزامهم إِبطال الشُّفْعَةِ غير سديد؛ فإِنَّ هذه الطَّريقة لو أبطلت الشُفعة لما بقيت شفعة الشَّفيع؛ إِذْ لا
стр. 1950
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يعسر إِدخال شيءٍ من المنقولات في الصَّفْقَةِ، وإِنْ قلَّتْ قسمته، وكلُّ ما يحسم قاعدة أصلًا، وتطرق الضَّرَرُ إِلى النَّاس، فهو مردودٌ، والهِبَةُ وإنْ كانت تقطعُ الشُّفُعَةَ فهي نادرة، ولا تسمحُ بها النُّفُوس، ولو سقطت الشُّفْعَةُ بضمِّ منقولٍ إِلى العقار لما اندفع ضرر يتداخل، ولما ثبتت الشُّفْعَةُ أَصلًا. انتهى كلام الإِمام، فلا معنى لإيرَادِ الرَّافعي عليه سؤالًا قد أورده هو، وأَجَابَ عنه، وَأمَّا ابنُ الرِّفْعَةِ فاعترضَ على الإِمامِ في جعله العُمْدَةَ فِي التَّوْزِيعِ منسوبة إلى الأصحاب بأنَّهَا عمدة الشَّافِعِيِّ أيضًا، وعلمك محيطٌ بأنَّ هذا ليس اعتراضًا، فإِنَّ الإِمَامَ لم يدَّعِ أَنَّ الشافعي لم يعتمد على هذا، ولا يلزم من اعتماد الأصحاب إِيَّاهُ أَنَّ الشَّافعي لم يعتمده، بل الذي يظهر خلافه؛ إِذِ الظَّاهِرُ أَنَّهُم لا يطيقون على اعتماد أمر إلَّا والشَّافعى إليه رمز إن لم يكن قد صَرَّحَ به، وعبارةُ الشَافِعِيِّ ﵁ في الأُمِّ: وإنَّما كرهت هذا - يعني مَسْأَلة مدّ العجوة - من قِبَبِ أَنَّ الصَّفْقَةَ إِذَا جمعت وشيئين مختلفين، وكلُّ مَبِيعٍ بِحِصَّتِهِ من الثَّمَنِ. "انتهى"، وله نصوصٌ أخر كثيرةٌ متوافقة على هذا، وقد ساقها الشيْخُ الإِمَامُ ﵀ في تكملة "شَرْحِ المُهَذبِ"، وباللَّهِ العِصْمَة، وقد وَضَحَ بهذا أَنَّ كُلًّا من اعتراض الرَّافعي، وابن الرِّفْعَةِ على الإمام مدفوعٌ. نعم قول الإمام: إِنَّ طريقة التَّوزيع هي طريقةُ الأصحاب، قد ينازع فيه من قبل الأصحاب مختلفون، فمنهم من تعلَّقَ بحديث فضالةَ بْنِ عُبَيْدٍ، وهو معروفٌ، ومنهم مَنْ تعلَّقَ بطريق التَّوزيع قال: قال الإِمامُ أَسْعَدُ الميهني: وقد نصَّ الشَافعيُّ على أَنَّ الصَّفْقَةَ إذا اشتملت على مالين مختلفي القيمة في أَحَدِ جانبيها؛ توزع ما يقابلُ المختلف القيمة على قدرِ قيمته مِنَ الثَّمَنِ، وَيُخَيَّرُ بين أَنْ يظهرَ الفضل، وأَنْ يجهل التَّماثل، والكُلُّ مُبْطِلٌ للعقد. قُلْتُ: وقد حكينا نصَّه، وله نصوصٌ أخرى، كثيرة كما ذكرناه، وقد أطلنا بما لا يتعلَّقُ بالغرض الَّذي كُنَّا فيه، وكان المقصودُ منه أَنَّ قضايا الشَّرْعِ في مظانِّ الضَّرُوراتِ لا تُعَدُّ من القضايا الوضعيَّةِ كما في التوزيعِ على رأي الإِمَامِ، فإِنَّهُ إِنَما يحتاج إليه وقتَ الضرُورَةِ، فلا ينبغي أَنْ تعدّ من القواعد الممهدة، واللهُ المستعان، وليس للمستدل أَنْ يستدلَّ بالتَّوزيع فيما إِذَا فرض استحقاق أو عيب في أحد المبيعين وَرَدَ حيثُ ينسب الثَّمَنُ ويرجع بالقيمة؛ فإِنَّ هذا أمرٌ ضَرُورِيٌّ دعت إليه الحاجة عند الاستحقاق، وكذلك الأخذُ بالشُّفْعَةِ، فلا يظنّ
стр. 1951
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أَنَّ ذلك مقتضى الأصول عند انعقادها، ولذلك يحكمُ بثبوت اختصاصِ الإملاك بالإملاك، وتوقف النَّقْلِ على الاختيار، ولا يقدحُ في ذلك إلزام التقويم في مسألة عتق الشَّرِيكِ إِلى غير ذلك من مظانِّ الضَّرُورَاتِ، واللهُ المستعانُ.
ثمَّ قال الإمام: اعتقد الفارضُ في الرَّاهن المُعْسِرِ أَنَّ الفَضْلَ بينه وبين المُوسِرِ صائر إلى الرَّاهِنِ إذا كانَ مُوسرًا ينفذ إعاقته، ويلزمه إحلال القيمةِ محلَّ العبدِ، وإن كانَ معسرًا لا ينفذ إعتاقه؛ لتعذر تغريمه، وإمضاء الإعتاق فيه، لو قدر نفوذه إِلى إِبْطَالِ اختصاص المرتهن باستيثاقه بالكليَّةِ، وشبه ذلك بتفصيل مذهبه في تَسْرِيَةِ عتق الشَرِيكِ إذا كان مُوسِرًا، ومنع تسريته إذَا كان معسرًا، فاتِّحَادُ العلَّةِ على هذا المَذْهَبِ أوضح؛ فإِنَّ صاحبه متشوِّقٌ إلى اعتبار انقطاع علقةِ المرتهِنِ من غير الرَّهْنِ عنده وقع أصلًا، ولذلك ينفذ عتق المُوسِرِ الرَّاهِنِ، فلم ينتظم على المسلكين علَّتان عامَّة، وخاصَّة في صورة الفرض. "انتهى"، ومراده أَنَّ الفارض إِنْ يعتقدُ التَّفْرِقَةَ بين الرَّاهِنِ المعسر والموسر كما هو أَصَحّ أقوالِ الشَّافعيِّ ﵁ ففرض عدم النفُوذِ في المعسر لذلك، واعتلّ بأنَّ المعسر يتعذّر تغريمه، فيقضي عتقه لو نفذ إِلى إِبطال اختصاص المرتهن بالكليَّةِ، وشبه سريان العتق إلى حق المرتهن بسريانه مِنْ نصيب أحد الشرِيكَيْنِ إِلى الآخر في عتق الشُّرَكَاءِ، وحرَّر عن ذلك عبارة فقال: مُفَوِّتُ حَقِّ الغير غير مقيم شيئًا مقامه، فلا ينفذ إعتاقه كالشَّريك المعسر؛ فإِنَّهُ لا سريانَ لعتقه لهذه العلَّة الجامعة، وهي تفويت حقِّ الغير عليه من غير بَدَلٍ، وهنا قد يتخيَّلُ اجتماع علَّتَيْنِ، وهما بطلانُ حَقِّ المرتهن من العين، وبطلان حقّه بالكليَّةِ قال الإِمَامُ: فاتِّحاد العلَّةِ على هذا المذهب أوضح؛ لأَن صاحبها إِنَّما يعلل بانقطاع علقة المرتهن وهي متحدة وتحرير العبارة على هذا أن يقال: تصرف يقطع علقة الغير بالكليةِ، فمنع أصله سريان عتق المعسر، وإذا اتَّحدت العلَّةُ لم ينتظم على المسلكين علَّتانِ عامَّة وخاصة في صورة الفَرْضِ، فلا يتخيل اجتماعُ عِلتَيْنِ، ثمَّ قال الإِمَامُ: وممَّا نجريه مثالًا في ذلك أَنَّ الشَّافِعِيَّ إِذا فرض الكَلامَ في مسألة ضمان المَنَافِعِ في طرف الإتلاف وطرف ما يرتضيه فيه، فقد يعتقدُ الفطن أَنَّهُ يجتمع في هذا الفرض معنيان:
أحدهما: الإِقْدَامُ على الإتلاف، وهو من أَقْوَى أسباب الضَّمَانِ، ولذلك اختار
стр. 1952
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الفَارضُ تعيين هذا الطّرف، وتخصيص بالكلام المختص به، وقد اجتمع فيه الإِتْلافُ والتَّلَفُ تحت اليد العادية، وهذا أقرب مسلك في تخييل اجتماع معنيين بحكمٍ واحدٍ، ونحن نَقُولُ: العلَّةُ فِي الضَّمَانِ تَحْتَ الإتلاف في هذه الصورة فحسب، فإن التلف الحاصل تحت اليد العادية إِنَّمَا يُضَمَّنُ من جهة اعتداء ذي اليَدِ ومنعه لحق مستحقه. فثار، الضَّيَاع الَّذِي وقع سماويًّا في اطراد معنى المعتدي مشبهًا بالإتلاف، وإِذا تحقَّقَ الإتلافُ لم يبق لتخيل التَّلَفِ على دوام المنع المشبه بالإتلاف معنى، والإِتلافُ هو المُشَبَّهُ به، واعتقاد اجتماع المشبه والمشبَّهِ به في صورة واحدةٍ مُحَالٌ. "انتهى". وحاصل المِثَالِ أَنَّ الإتلاف مضمن، والتَّلف أيضًا عند أصحابنا مضمن إِذَا كان تحت اليد العادية، وإذا كان كُل منهما سببًا مستقلًا في الضَّمانِ، فقد يجتمعان في صورة الإتلاف؛ إِذْ كُلُّ متلف تالف، فيعلل المتلف بعلتين: خاصة، وهي الإتلاف، وعامة هي التلف تحت اليد العادية، والجواب عن هذا من وجه: أحدها أنَّا لا نُسَلِّمُ أْنَ كُل متلف تالف؛ وذلك لأنَّ المفهوم من التَلَفِ أَنّهُ هلك بنفسه من غير جناية جانٍ، والمفهومُ من الإتلاف أَنَّهُ هلك بجناية جانٍ فكيف يصحُّ اجتماعهما؟ وهذا الجواب ذكره ابنُ الأنْبَارِيَّ، وقد ينازعُ فيه، ويقال: التَّلَفُ مطاوع الإِتْلَافِ، وهو من حيثُ هو أعمُّ من أَنْ يهلَك بنفسه، أو في ضمن الإتلاف من الجَانِي، وثانيها: أنَّا نَقُولُ: الإِتْلَاف والتلفُ هنا جزاء علَّةٍ كما سبق نظيره.
وثالثها، وهو المعتمدُ: ما ذكره الإمام، وحاصله: أَنَّ التضْمِينَ بالإِتلافِ أَمْرٌ مناسب لائحُ الظُّهُورِ، فَمَنْ أَقْدَمَ على إِتْلافِ شيْءٍ كان تغريمه مناسبًا، وأَمَّا التَّلَفُ الَّذِي يقع بآفة سماويّةٍ، فلا يظهر فيه هذه المناسبة، ولذلك لا يستقلُّ التَّلَفُ بالتَّضْمِينِ، بل إِنَّمَا يضمن إذا كانت تحت يد عاديةٍ، فصحابنا يضمنون مَنْ تلف الشيْءُ تحت يده إذا كانت يدُهُ يَدَ عدوانٍ لما عرف من موضعه، لا لأنَّ موضع التَّلَفِ يقتضي ذلك، بل بضمِيمَةِ العدوان، والسَّبَبُ الدَّاعي لهم إلى ذلك منه الظَّالمينَ من الاعتداء والاستيلاء على الأموال، فإِذَا حصل معنى مناسب مستقلٌّ جاز على مناهج القِيَاسِ، وهو الإِتْلاف، فالإِحَالَةُ عليه لا على التَّلَفِ، فالتَّلَفِ لا يصلح للعلِّيةِ إِلَّا إِذَا لم يكن ثمَّ إتلاف، أَمَّا إذا كان فهو العِلَّة، وقد زاد الإِمَامُ هذا تحقيقًا فَقَالَ: إِنَّا إنما
стр. 1953
لَنَا: لَا بُعْدَ فِي مُنَاسَبَةِ وَصْفٍ وَاحِدٍ لِحُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ.
نضمن بالتَّلَفِ تشبيهًا له الإتلاف، لكونه صادرًا تحتَ يدٍ عاديةٍ، فإِذَا حصل الإِتْلَافُ المشبه به لا يجتمع معه المشبه؛ لامتناع اجتماع المُشَبَّه والمشبَّه به في صورةٍ واحدةٍ، ويخطر لي في هذا مزيدُ تقرير، وهو: أَنَّ الإِمَامَ إِنَّمَا مَثَّلَ بالإِتْلَافِ والتَّلَفِ لما قدَّمَ أَنَّ مَظَانَّ الضَّرُورَاتِ لا تلحق بالقَوَاعِدِ الوضعيَّةِ، أي: فالتَّضْمِينُ بالتَّلَفِ إِنَّما هو في أماكن الضَّرُورَاتِ لا تلحق بالقَوَاعِدِ الوضعيَّةِ أي: فَالتَّضْمِينُ بالتَّلَفِ إِنَما هو في أماكن الضَّرُورَةِ إِذا كانت اليدُ عاديَّة؛ فإنَّا نحتاجُ إِلى التَّضْمِينِ منعًا لذوي الاعتداءِ بخلاف التَضْمِينِ بالإِتْلَافِ.
وعبارة الآمدي (١): أنه مما لم يعرف فيه خلاف، وذلك كما لو قال: طلوع فَجْرِ رمضان يعرف وجوب الامتثال والصّبح.
وكما يقول أصحابنا: لا يجوز الجمع بتيمُّمٍ واحد بين صلاتي فَرْض، ولا يجوز للمعترض التيمم قبل دخول الوقت، والعلّة فيهما أنه تيمم للفرض في وقت هو مُسْتغن عنه، فلم يصح تيمُّمه، كما لو تيمم مع وجود الماء.
الشرح: "لنا" على جواز تَعْليل حُكْمين بعلّة باعثة: أنه "لا بعد في مُنَاسبة وصف واحد لحكمين مختلفين"، وأكثر، كالحَيْض يناسب المَنعْ من الصَّلاة، والطواف (٢)، وقراءة
"قَالُوا: يَلْزَمُ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ؛ لأَنَّ أَحَدَهُمَا حَصَّلَهَا.
وَأجِيبَ: بِأَنَّهُ إِمَّا أنْ تَحْصُل أُخْرَى أَوْ لَا تَحْصُلَ إِلَّا بِهِمَا.
وَمِنْهَا: أَلَّا تَتَأخَّرَ عَنْ حُكْمِ الأصْلِ.
لَنَا: لَوْ تَأَخَّرَتْ لثَبَتَ الحُكْمُ بِغَيْرِ بَاعِثٍ، وَإنْ قُدِّرَتْ أَمَارَةً. فَتَعْريفُ الْمُعَرَّفِ.
القرآن والوَطْء، ومسّ المصحف، والجلوس في المسجد، وعبوره للحَائِض إن لم تأمن التَّلويث، وكذا إن أمنت على وجه، وكذا للاسْتِمْتَاع بما بين السُّرَّةِ والرُّكبة على الصَّحيح (١) إلى غير ذلك من أحكام الحَيْضِ، وكالسَّرقة فإنها تناسب القطع زجرًا للسَّارق، حتى لا يعود ولغيره؛ ليتعظ فَيَرْتَدِعَ، وتناسب التغريم جَبْرًا لصاحب المال، وأمثلته تكثر.
الشرح: "قالوا: يلزم تحصيل الحَاصِل؛ لأن أحدهما" أي: أحد الحُكْمين "حصلها" أي: حصل الحِكْمَةَ المقصودة من الوصف، فيكون محصّلها من الحكم الثاني تحصيلًا للحاصل. وإنما قلنا: إِنه حصّلها؛ لأنه لو لم يحصلها لم يكن مناسبًا، وهو خلاف الفرض.
"وأجيب: بأنه إنما تحصل" بذلك الوَصْف حكمة "أخرى، أو" قد تكون الحكمة المقصودة من الحكمين "لا تحصل إلا بهما"؛ لأن الوصف إِذا ناسب حكمين لم تحصل المصلحة إلا بهما، وما حصله أحدهما يكون جزءها.
"ومنها" أي: و من شروط علّة الأصل "ألا تتأخر عن حكم الأصل"، سواء أفسرت بـ "البَاعِثِ"، أم المعرّف، أي: لا يكون ثبوتها متأخرًا عن ثبوت حكم الأصل، كما يقال - فيما أصابه عَرَق الكلب -: أصابه عَرَقُ حيوان نَجِس، فيكون نجسًا كَلُعَابِهِ، فيمتنع كون عرق الكلب نجسًا، فيقال: لأنه مستقذرٌ. فإن استقذاره إِنما يحصل بعد الحكم بنجاسته، وقد خالف قوم في هذا الشرط.
الشرح: "لنا: لو تأخرت" العلّة عن الحكم "لثبت الحكم بغير باعث" على تقدير تفسيرها بـ "الباعث"، وقد فرضنا تأخّرها عن الحكم، وهو محال، "وإن قدر" أنّ العلة "أمارة" لا باعث، "فتعريف للمعرف"؛ لأنّ المفروض معرفة الحكم قبل ثبوت علَّته.
стр. 1957
وَمِنْهَا: أَلَّا تَرْجِعَ عَلَى الأصْلِ بِالإِبْطَالِ، وَأَلَّا تَكُونَ الْمُسْتَنْبَطَة بِمُعَارِضٍ فِي الأصْلِ.
وَقِيلَ: وَلَا فِي الْفَرْعِ.
الشرح: "ومنها: ألا ترجع على الأصل" (١) الذي استنبط منه "بالإبطال"، أي: لا يلزم منها بُطْلان الحكم المعلّل بها؛ فإِن الحِكم أصلها، فلو أبطلته؛ لبطلت إِذ الفرع يبطل ببطلان أَصْله، وقد سبق في التأويلات البعيدة أمثلة ما يرجع على الأصل بالإبطال، وللشَّافعي قولان في جواز عَوْدِهَا على الأصل بالتَّخْصيص، ولا خلاف في جواز عوده عليه بالتَّعميم، كما يستنبط من قوله ﷺ : "لا يَقْضِي القَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ" (٢)، أن العلّة تشويش الفِكْر، وتعديه إلى كل مُشَوّش للفكر، وذلك باب القياس كله.
"وألا تكون" العلة، أي: ومن الشروط: ألا تكون "المستنبطة" معارضة "بمعارض" موجود "في الأصل" صالح للعلّية، وليس موجودًا في الفرع (٣)، فإنه متى كان في الأصل وصفان مُتَعَارضان يقتضي كلّ منهما نقيض حكم [الآخر] (٤)، لم يصحّ إِعمال واحد منهما إِلا بمرجّح، مثاله: قول الحَنَفِي في التبييت: صوم عَيْن، فيتأدّى بالنية قبل الزَّوَال، كالنفل فنقول: صوم فرض فيحتاط فيه، ولا يبنى على السهولة.
стр. 1958
وَقِيلَ: مَعَ تَرْجِيحِ الْمُعَارِضِ.
"وقيل: ولا في الفرع"، أي: ويشترط - أيضًا - ألا يكون في الفَرْعِ وصف معارض؛ وذلك لأن المقصود من إِثبات علّة الأصل ثبوت الحكم في الفرع، فَإذا عورضت في الفرع بوصف آخر، لم يثبت الحكم؛ لأنه من حيث إِنه معارض منافٍ يلحقها بأصل آخر، مثاله في: مَسْحُ الرأس ركن في الوضوء، فيسنّ على أصح القولين تَثْلِيثه، كغسل الوجه، فيعارض الخصم بقوله: مسح، فلا يسنّ تثليثه، كالمسح على الخفين.
الشرح: "وقيل (١): مع الترجيح" أي: قيد ما ذكر "مع تَرْجيح المعارض"، وهذه نسخة المصنّف، وفي بعض النسخ: وقيل: إنما يشترط ألّا تُعَارَضَ المستنبطة بمعارض في الأصل، أو في الأصل والفرع جميعًا، على اختلاف المذهبين، تَرْجِيح المعارض، أي: إذا كان ذلك المعارض راجحًا، فإنه - حينئذ - يبطل عمل الوَصْف الآخر المرجوح.
أما إِذا لم يكن راجحًا فلا، وهذا ضعيف؛ لأن الرَّاجحية كما تبطل عمل الوصف الآخر، كذلك المُسَاواة؛ إِذ لا ترجيح لأحد المُتَسَاويين على الآخر. هذا تقرير ما في الكتاب، والذي فهمناه من أن المراد بالمعارضة المُنَافاة، وهو الحَقّ، والشارحون فهموا أن المراد بالمعارضة: الإِثبات بوصف آخر لا ينافي، وربما تأيّد هذا بعبارة الآمديِّ في "المنتهى" التي سأحكيها، وهو فاسد.
أما أولًا؛ فلأنه حمل للمعارض على خلاف ظاهره؛ [فإن ظاهر التعارض التنافي مع إِمكان إِجرائه على ظاهره] (٢).
وأما ثانيًا؛ فلأن المعارض إِذا كان غير منافٍ، فقول المصنف فيما بعد: لا يشترط نفي المعارض في الأصل والفرع.
إن أراد به المعارض المنافي، فهو واضح الفساد؛ إذ لا بد في صحة العلة من نفي ما ينافيها.
وإن أراد المعارض غير المنافي، فهو تَكْرَار، وما يقال من أنّ معنى قوله - هناك -: إنه لا يشترط نفي المعارض فيهما جميعًا، وما اشترطه - هنا - نفي المعارض في الأصل فقط -
стр. 1959
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تكلّف من غير احتياج إِليه، وخلاف ظاهر اللفظ، وتَكْرار أيضًا؛ لأنه قد قضى - هناك - بأن الفرع لا يشترط فيه ذلك، حيث قال بصيغة التَّمْرِيض: وقيل: ولا في الفرع، ومتى لم يشترط في الفرع، لم يشترط في الأَصْل والفرع جميعًا، فلا معنى لإِعادته.
وأما ثالثًا: فلأنه لو كان المراد من المُعَارض - هنا - غير المُنَافي، لم يمتنع اجتماعهما، ويكونان علَّتين، ورأى المصنف التعليل بعلّتين مستقلتين.
فإن قلت: تجويز العلَّتين المستقلَّتين لا يوجب القضاء على كلّ وصفين اجتمعا بالاستقلال في العلّية؛ لجواز أن العلّة أحدهما، أو أنهما جزءا علّة، والعلّة مجموعهما، أو الاستقلال، وإذا تساوت هذه الاحتمالات، لم يقض بواحد منها بخصوصه إِلا بدليل.
لا يقال: إِذا كانت إِحداهما أَخْيَلَ وَأَنْسَبَ من الأخرى، فلم لا ترجح؟.
لأنا نقول: إِنما ترجّح الأخيل عند التنافي، ولا تنافي بينهما؛ لإمكان إِعمالهما بالجزئية والاستقلال، وأنّ العلة أحدهما.
قلت: من علل بعلتين قضى بالاستقلال حيث وجد وصفين مناسبين؛ إذ مجرد المناسبة يوجب ظن العلية، واجتماع علّتين - على هذا الرَّأي - لا يستحيل، فمن ظن أن المعلل بعلَّتين يتوقّف عند وجدان وصفين صالحين للاستقلال على القضاء عليهما بذلك إِلى أن يقوم دليل عليه، فهو من البعيدين عن معرفة أصول الفقه.
وقد أفصح الآمدي في كتابه "منتهى السُّول" بذلك، إِذ قال: وألَّا تكون المستنبطة لها مُعَارض في الأصل لا وجود له في الفرع، إِلا على رأي من يجوز تعليل الحكم الواحد بعلتين.
فاقتضى أنّ من يجوز علتين لا يشترط ذلك، إِذا كان معنى المعارض غير المنافي، وهو مراد الآمِدِي بالمعارض، ولا يصحّ أن يكون مراد المصنف، كما ذكرناه.
وكذلك إمام الحرمين صرح في "البرهان" ببناء المسألة على التعليل بعلّتين، وكفى بكلامه حجّة.
فإن قلت: فقد أطلق إمام الحَرَمَيْنِ والآمدي المعارضة، وأرادا بها المعارض الذي لا ينافي.
стр. 1960
وَألَّا تُخَالِفَ نَصًّا أَوْ إِجْمَاعًا.
وألَّا تَتَضَمَّنَ الْمُسْتَنْبَطَةُ زِيَادَةً عَلَى النَّصِّ.
قلت: نعم، ولكن ببناء ذلك على التعليل بعلّتين، والمصنف يرى جوازه، فلذلك لم نحمل المُعَارضة في كلامه على ما ينافي، بل على ظاهرها؛ خوفًا عليه من الفساد، فإن المعارض إذا لم يناف، وجوزنا التعليل، فلا يقدح بلا ريب.
وأما رابعًا؛ فلأنه لو كان المُرَاد من المُعَارض ما لا يُنَافي، لم يتّجه اشتراط ذلك في الفرع أصلًا؛ لأنه إِذا وجد فيه وصف آخر لا ينافي، فعملهما واحد، فأي معنى لاشتراط نفيه؟
وهذا بخلاف ما إِذا كان منافيًا؛ فإن اشتراطه قد يتجّه من جهة أن العمل يختلف، ويتنافى مقتضاهما.
واعلم أن المراد بقولنا: شرط العلة ألَّا تُعَارِضَ، أي: شَرْطَ صحّتها وعملها، أما ذاتها فتوجد مع كونها مرجوحة.
الشرح: "وألَّا تخالف نصًّا أو إِجماعًا"؛ لأنهما أولى من القياس.
مثال مخالفة النص: قول الحنفي: المرأة مالكةٌ لبُضْعِهَا، فيصحّ نكاحها بغير إِذن وليّها، قياسًا على بيع سلعتها، وهذه علةّ تخالف نصّ قوله ﵊: "أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَليِّهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ" (١).
ومثال الإجماع: قياس صلاة المُسَافر على صومه في عدم الوُجُوب، بجامع السَّفر الموجب للمَشَقَّة، وهذه علَّة تخالف الإجماع.
الشرح: "وألَّا تتضمّن المستنبطة زيادة على النَّص"، بأن يكون النَّصّ دالًّا على علية
стр. 1961
وَقِيلَ: إِنْ نَافَتْ مُقْتَضَاهُ.
وَأَنْ يَكُونُ دَلِيلُهَا شَرْعِيًّا.
وألَّا يَكُونَ دَلِيلُهَا متَناوِلًا حُكْمَ الْفَرْعِ بِعُمُومِهِ، أَوْ بِخُصُوصِهِ مِثْلُ: "لَا تَبِيعُوا الطعَامَ بِالطعَامِ"، أَوْ: "مَنْ قاءَ أوْ رَعَفَ.
وصف، ويزيد الاستنباط على ذلك الوصف قيدًا (١).
الشرح: وقيل: إِنما يشترط ذلك "إن نافت" الزيادة "مقتضاه"، وهذا ما ذكره الآمِدِيّ، وهو الصحيح عندي، وإنما يتجه الأول لو كانت الزيادة على النص نسخًا، وليس كذلك عندنا، وفي بعض النسخ: وقيد موضع.
وقيل: والمقيِّد هو الآمدي، كما ذكرناه.
"وأن يكون دليلها شرعيًّا"، وهذا إِذا كان القياس في الشرعيات.
أما إذا كان في العقليات، أو اللغويات، وقلنا بصحته، فلا.
الشرح: "وألَّا يكون دليلها متناولًا حكم الفرع بعمومه أو بخصوصه"، ففي العموم "مثل" ما روي من قوله ﵊: "لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بالطعَامِ" إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ" وهو حديث لا يعرف بهذا اللَّفظ، ولكن في "صحيح مسلم": "الطَّعَامُ بُالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ" (٢)، وهو بمعناه؛ فإنه دالّ على علّية الطعم.
فلو قلنا: التُّفاح ربوي قياسًا على البُرّ بجامع الطّعم، فإنه علة بهذا الحديث، لم يصح.
"أو "في خصوصه، مثل قوله ﵊: "مَنْ قَاءَ أَوْ رَعَفَ فَلْيَتَوَضأ" (٣).
وهو حديث ضعيف.
стр. 1962
لَنَا: تَطْوِيلٌ بِلَا فَائِدَةٍ، وَرُجُوعٌ.
قَالُوا: مُنَاقَشَةٌ جَدَلِيَّةٌ.
وَالْمُخْتَارُ: جَوَازُ كَوْنِهَا حُكْمًا شَرْعِيًّا إِنْ كَانَ بَاعِثًا عَلَى حُكْمِ الأصْلِ؛ لِتَحْصِيلِ مَصْلَحَةٍ لَا لِدَفْعِ مَفْسَدَةٍ؛ كَالنَّجَاسَةِ فِي عِلَّةِ بُطْلانِ الْبَيْعِ.
وروي من حديث عبد الرَّزاق، عن ابن جريج، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ وهو منقطع؛ لأنَّ والد ابن جُرَيْجٍ لا صحبة له.
فلو قيل في القَيْيء: خارج من غير السَّبيلين، [فينقض] (١) كالخارج منهما، ثم استدلّ على أنّ الخارج منهما ينقض بهذا الحديث، لم يصح.
الشرح: "لنا: تطويل بلا فائدة"، وذلك في الأول واضح؛ لإِمكان الإِثبات به من غير التَّعَرُّض لشيء آخر، وهو في الثاني تطويل، "ورجوع" عن القياس؛ لأنَّ الحُكْم - حينئذ - ثبت بدليل العلّة، لا بها، فلم يثبت الحكم بالقياس.
"قالوا": هذه "مناقشة جدليّة"، وهي لا تقدح في صحّة القياس؛ لأنّ المناقشة الجدليّة
стр. 1963
وَالْمُخْتَارُ: جَوَازُ تَعَدُّدِ الْوَصْفِ وَوُقُوعِهِ؛ كَالْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ.
ترجع إلى بيان أوضاع الأدلّة، وليس فيها مُبَاحثة فِقْهِيّة، ولم يجب المصنّف عن هذا، وهو سؤال الآمدي.
وجوابه أن يقال: لا نسلّم أنها مناقشة جدليّة، بل مُبَاحثة فقهيّة، وذلك أن الحكم كان في الأول مستندًا إِلى النص؛ فإنّ التُّفاح داخلٌ تحت عموم الطَّعام، فجعله المناظر مستندًا إلى القياس، وحكم القياس والعموم مختلف.
وفي الثاني: كان قياسًا، فعاد منصوصًا، ولربّ غرض يتعلّق بذلك - وحينئذ - نقول: إن وَضَح في التطويل مقصد فِقْهِيّ، فهو مقبول، وإلا فلا، وهذا هو المختار، والتطويل فيه ذو فائدة.
الشرح: "والمختار: جواز كونه حكمًا شرعيًّا إن كان باعثًا على حُكْمِ الأصل، لتحصيل مصلحة"؛ إذ لا يبعد أن يكون ترتيب أحد الحُكمين على الآخر يستلزم حصول مصلحة لا يستقلّ بها أحدهما، وإن لم يكن باعثًا على حكم الأصل فلا؛ لأنه لا أولوية لأحدهما بالنسبة إلى الآخر في التعليل؛ لتساويهما في أنه لا واحد منهما باعث.
ولك أن تقول: قد يرجّح الفاعل المختار أحدهما بالإرادة، وينصبه معرفًا، ويقول: مهما رأيتموني حرمت الشيء الفلاني، فقد أبحت الشَّيء الفلاني، وحذف المصنّف هذا القسم؛ لأن العلّة عنده - أبدًا - لا تكون إِلا بمعنى الباعث، وإن كان باعثًا ولكن لا لجلب مَصْلحة، بل لدفع مَفْسَدة، فذلك لا يجوز التَّعْليل به، وإليه الإِشارة بقوله "لا لدفع مفسدة، كالنَّجَاسة في علّة بطلان البيع"؛ لأن حكم الأصل لو اشتمل على المَفْسَدة، لما شرعه الشارع.
ولك أن تقول: قد يشرع حكم مشتمل على مَفْسَدة؛ لأنها أخفّ من مفسدة غيرها يحصل لو لم يشرع، كما يُبَاح للمضطر أكل مال الغَيْر مع اشتماله على مَفْسَدَة إتلاف مال الغير؛ خوفًا من وقوع مفسدة أكثر منها، وهي هَلَاك النفس، وبالجُمْلة هذا مكان مشكل، وتبع المصنف كلام الآمدي في هذا الاختيار، وكلام الآمدي أشكل منه، وقد حذف منه المصنّف شيئًا، فلينظر كلامه في "الإِحكام"، فإن بعضه لم أتصوره، وبعضه فاسد مَبْنِي على معتقد في أنّ العلة في الأصل لا يجوز أن تكون بمعنى المعرف.
стр. 1964
لَنَا: أَنَّ الْوَجْهَ الَّذِي ثَبَتَ بِهِ الْوَاحِدُ يَثْبُتُ بِهِ الْمُتَعَدِّدُ مِنْ نَصٍّ، أَوْ مُنَاسَبَةٍ، أَوْ شَبَهٍ، أَوْ سَبْرٍ، أَو اسْتِنْبَاطٍ.
قَالُوا: لَوْ صَحَّ تَرْكُهَا لَكَانَتِ الْعِلِّيَّةُ صِفَةً زَائِدَةً؛ لأَنَّا نَعْقِلُ الْمَجْمُوعَ، وَنَجْهَلُ كَوْنَهَا عِلَّةً، وَالْمَجْهُولُ غَيْرُ الْمَعْلُومِ.
والحق أن العلة المعرف أبدًا، وعلى هذا يجوز تعليل الحكم الشرعي بالحكم الشرعي، وهو رأي الإِمام الرازي.
وقال قوم: لا يجوز مطلقًا، والخلاف مَبْني على تفسير العلة.
الشرح: "والمختار: جواز تعدّد الوصف ووقوعه، كالقَتْلِ العمد العدوان"، علّة للقصاص، وهو رأي الجمهور، ومنعه قوم.
وقال بعضهم: لا يجوز أن تزيد الأوصاف على خمسة، نقله أبو إِسحاق الشيرازي، وحكاه عن حكايته الإِمام في "المحصول"، وجعل موضع خمسة سبعة، وكأنها تصحيف في نسخته.
الشرح: "لنا: أَنَّ الوجه الذي ثبت به" كون الوصف "الواحد" علة "ثبت به المتعدّد من نصّ، أو مناسبة، أو شبه، أو سَبْر، أو استنباط"، فكما صَحّ في الواحد، صحّ في المركّب، وليت شعري ماذا يصنع المانع في القَتْل العمد العدوان من حيث كونه مُزْهِقًا، الصادر من مكلف على مُكَافئ، ليس بولد، إلى غير ذلك؛ إِذ لا يمكنه نفي ذلك، ولا التَّعلُق بواحد من هذه الأوصاف وحده، فمن استقرأ الشَّرِيعة علم أن أكثر عللها مركبة، وما أرى للمانع مخلصًا إِلا [أن] (١) يتعلّق بوصف منها، ويجعل البقية شروطًا فيه، لا أجزاء، ويؤول الخلاف إِذ ذلك إلى اللفظ.
الشرح: "قالوا: لو صحّ تركيبها، لكانت العلّية صفة زائدة" على ذات العلّة المركبة، والتالي باطل، والملازمة بيّنة؛ "لأنا نعقل المجموع" من تلك الأوصاف من حيث هو، "ونجهل كونها علة، والمجهول غير المعلوم"، وغير جزئه، فتكون العلة زائدة، وإلا يجب من تعقُّل تلك الأوصاف تعقل العلية.
стр. 1965
وَتَقْرِيرُ الثَّانِيَةِ أنَّهَا إِنْ قَامَتْ بِكُلِّ جُزْءٍ، فكُلُّ جُزْءٍ عِلَّةٌ، وَإنْ قَامَتْ بِجُزْءٍ فَهُوَ الْعِلَّةُ.
وَأُجِيبَ: بِجَرَيَانِهِ فِي الْمُتَعَدِّدِ بِأنَّهُ خَبَرٌ أَوِ اسْتخْبَارٌ.
وَالْتَّحْقِيقُ: أَنَّ مَعْنَى الْعِلَّةِ: مَا قَضَى الشَّارعُ بِالْحُكْمِ عِنْدَهُ لِلْحِكْمَةِ، لَا أَنَّهَا صِفَةٌ زَائِدَةٌ، وَلَوْ سُلِّمَ فَلَيْسَتْ وُجُودِيَةً لاِسْتِحَالَةِ قيَام الْمَعْنَى بِالْمَعْنَى.
الشرح: "وتقرير الثانية" أي: بطلان التَّالي أن العلية التي فرضناها وصفًا زائدًا بقوله: "إنها إن قامت بكل جزء" من أجزاء المرّكب على حدة، "فكل جزء علة" مستقلة، وهو خلاف المفروض، وأيضًا فيلزم قيام الصِّفة الواحدة بمحال كثيرة.
"وإن قامت بجزء" واحد منها "فهو العلة" دون غيره، والفرض خلافه، وإن قامت بمجموعها، بمعنى: أنه قام ببعضها جزء، وببعضها الآخر جزء آخر، لزم أن يكون للعلّية ثلث ونصف، وربع.
وأجيب عن هذا: بأنها قامت بالمَجْمُوع من حيث هو مجموع، واعترض عليه بأنه - حينئذ - لا بُدّ للمجموع من وحدة لها يكون المجموع مجموعًا، وينقل الكلام من العلية إِلى تلك الوحدة، ويلزم التسلسل، وضعِّف بأن الوحدة من الأمور الاعْتِبَارية، ولا يستحيل التَّسَلْسُل فيها، وحكى المصنّف في الجواب نقضًا إجماليًا، فقال:
الشرح: "وأجيب: بجريانه"، أي: جريان هذا الدَّليل بعينه "في المتعدّد"؛ أي: في كل متعدّد "بأنه خبر واستخبار"، فإن كل واحد من الخبر والاستخبار صفة المتعدّد بلا خلاف، وهي زائدة؛ لأنا نعقل مجموع ذلك المتعدّد، ونجهل كونه خبرًا أو استخبارًا، والمجهول غير المعلوم، فالصفة - حينئذ - إِما قائمة بكل جزء، إِلى آخر ما ذكره في الدليل.
الشرح: "والتحقيق" في الجواب: "أن معنى العلّة: ما قضى الشَّارع بالحكم عنده للحكمة"، فكأن الشارع قال: مهما وجدت هذه الأَوْصَاف مجموعة، فاعلموا أن الحكم الفلاني حاصل في ذلك المحلّ.