← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6338

رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (2 330 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

وَقِيلَ: إِنْ نَافَتْ مُقْتَضَاهُ. وَأَنْ يَكُونُ دَلِيلُهَا شَرْعِيًّا. وألَّا يَكُونَ دَلِيلُهَا متَناوِلًا حُكْمَ الْفَرْعِ بِعُمُومِهِ، أَوْ بِخُصُوصِهِ مِثْلُ: "لَا تَبِيعُوا الطعَامَ بِالطعَامِ"، أَوْ: "مَنْ قاءَ أوْ رَعَفَ. وصف، ويزيد الاستنباط على ذلك الوصف قيدًا (١). الشرح: وقيل: إِنما يشترط ذلك "إن نافت" الزيادة "مقتضاه"، وهذا ما ذكره الآمِدِيّ، وهو الصحيح عندي، وإنما يتجه الأول لو كانت الزيادة على النص نسخًا، وليس كذلك عندنا، وفي بعض النسخ: وقيد موضع. وقيل: والمقيِّد هو الآمدي، كما ذكرناه. "وأن يكون دليلها شرعيًّا"، وهذا إِذا كان القياس في الشرعيات. أما إذا كان في العقليات، أو اللغويات، وقلنا بصحته، فلا. الشرح: "وألَّا يكون دليلها متناولًا حكم الفرع بعمومه أو بخصوصه"، ففي العموم "مثل" ما روي من قوله ﵊: "لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بالطعَامِ" إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ" وهو حديث لا يعرف بهذا اللَّفظ، ولكن في "صحيح مسلم": "الطَّعَامُ بُالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ" (٢)، وهو بمعناه؛ فإنه دالّ على علّية الطعم. فلو قلنا: التُّفاح ربوي قياسًا على البُرّ بجامع الطّعم، فإنه علة بهذا الحديث، لم يصح. "أو "في خصوصه، مثل قوله ﵊: "مَنْ قَاءَ أَوْ رَعَفَ فَلْيَتَوَضأ" (٣). وهو حديث ضعيف.

стр. 1962

لَنَا: تَطْوِيلٌ بِلَا فَائِدَةٍ، وَرُجُوعٌ. قَالُوا: مُنَاقَشَةٌ جَدَلِيَّةٌ. وَالْمُخْتَارُ: جَوَازُ كَوْنِهَا حُكْمًا شَرْعِيًّا إِنْ كَانَ بَاعِثًا عَلَى حُكْمِ الأصْلِ؛ لِتَحْصِيلِ مَصْلَحَةٍ لَا لِدَفْعِ مَفْسَدَةٍ؛ كَالنَّجَاسَةِ فِي عِلَّةِ بُطْلانِ الْبَيْعِ. وروي من حديث عبد الرَّزاق، عن ابن جريج، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ وهو منقطع؛ لأنَّ والد ابن جُرَيْجٍ لا صحبة له. فلو قيل في القَيْيء: خارج من غير السَّبيلين، [فينقض] (١) كالخارج منهما، ثم استدلّ على أنّ الخارج منهما ينقض بهذا الحديث، لم يصح. الشرح: "لنا: تطويل بلا فائدة"، وذلك في الأول واضح؛ لإِمكان الإِثبات به من غير التَّعَرُّض لشيء آخر، وهو في الثاني تطويل، "ورجوع" عن القياس؛ لأنَّ الحُكْم - حينئذ - ثبت بدليل العلّة، لا بها، فلم يثبت الحكم بالقياس. "قالوا": هذه "مناقشة جدليّة"، وهي لا تقدح في صحّة القياس؛ لأنّ المناقشة الجدليّة

стр. 1963

وَالْمُخْتَارُ: جَوَازُ تَعَدُّدِ الْوَصْفِ وَوُقُوعِهِ؛ كَالْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ. ترجع إلى بيان أوضاع الأدلّة، وليس فيها مُبَاحثة فِقْهِيّة، ولم يجب المصنّف عن هذا، وهو سؤال الآمدي. وجوابه أن يقال: لا نسلّم أنها مناقشة جدليّة، بل مُبَاحثة فقهيّة، وذلك أن الحكم كان في الأول مستندًا إِلى النص؛ فإنّ التُّفاح داخلٌ تحت عموم الطَّعام، فجعله المناظر مستندًا إلى القياس، وحكم القياس والعموم مختلف. وفي الثاني: كان قياسًا، فعاد منصوصًا، ولربّ غرض يتعلّق بذلك - وحينئذ - نقول: إن وَضَح في التطويل مقصد فِقْهِيّ، فهو مقبول، وإلا فلا، وهذا هو المختار، والتطويل فيه ذو فائدة. الشرح: "والمختار: جواز كونه حكمًا شرعيًّا إن كان باعثًا على حُكْمِ الأصل، لتحصيل مصلحة"؛ إذ لا يبعد أن يكون ترتيب أحد الحُكمين على الآخر يستلزم حصول مصلحة لا يستقلّ بها أحدهما، وإن لم يكن باعثًا على حكم الأصل فلا؛ لأنه لا أولوية لأحدهما بالنسبة إلى الآخر في التعليل؛ لتساويهما في أنه لا واحد منهما باعث. ولك أن تقول: قد يرجّح الفاعل المختار أحدهما بالإرادة، وينصبه معرفًا، ويقول: مهما رأيتموني حرمت الشيء الفلاني، فقد أبحت الشَّيء الفلاني، وحذف المصنّف هذا القسم؛ لأن العلّة عنده - أبدًا - لا تكون إِلا بمعنى الباعث، وإن كان باعثًا ولكن لا لجلب مَصْلحة، بل لدفع مَفْسَدة، فذلك لا يجوز التَّعْليل به، وإليه الإِشارة بقوله "لا لدفع مفسدة، كالنَّجَاسة في علّة بطلان البيع"؛ لأن حكم الأصل لو اشتمل على المَفْسَدة، لما شرعه الشارع. ولك أن تقول: قد يشرع حكم مشتمل على مَفْسَدة؛ لأنها أخفّ من مفسدة غيرها يحصل لو لم يشرع، كما يُبَاح للمضطر أكل مال الغَيْر مع اشتماله على مَفْسَدَة إتلاف مال الغير؛ خوفًا من وقوع مفسدة أكثر منها، وهي هَلَاك النفس، وبالجُمْلة هذا مكان مشكل، وتبع المصنف كلام الآمدي في هذا الاختيار، وكلام الآمدي أشكل منه، وقد حذف منه المصنّف شيئًا، فلينظر كلامه في "الإِحكام"، فإن بعضه لم أتصوره، وبعضه فاسد مَبْنِي على معتقد في أنّ العلة في الأصل لا يجوز أن تكون بمعنى المعرف.

стр. 1964

لَنَا: أَنَّ الْوَجْهَ الَّذِي ثَبَتَ بِهِ الْوَاحِدُ يَثْبُتُ بِهِ الْمُتَعَدِّدُ مِنْ نَصٍّ، أَوْ مُنَاسَبَةٍ، أَوْ شَبَهٍ، أَوْ سَبْرٍ، أَو اسْتِنْبَاطٍ. قَالُوا: لَوْ صَحَّ تَرْكُهَا لَكَانَتِ الْعِلِّيَّةُ صِفَةً زَائِدَةً؛ لأَنَّا نَعْقِلُ الْمَجْمُوعَ، وَنَجْهَلُ كَوْنَهَا عِلَّةً، وَالْمَجْهُولُ غَيْرُ الْمَعْلُومِ. والحق أن العلة المعرف أبدًا، وعلى هذا يجوز تعليل الحكم الشرعي بالحكم الشرعي، وهو رأي الإِمام الرازي. وقال قوم: لا يجوز مطلقًا، والخلاف مَبْني على تفسير العلة. الشرح: "والمختار: جواز تعدّد الوصف ووقوعه، كالقَتْلِ العمد العدوان"، علّة للقصاص، وهو رأي الجمهور، ومنعه قوم. وقال بعضهم: لا يجوز أن تزيد الأوصاف على خمسة، نقله أبو إِسحاق الشيرازي، وحكاه عن حكايته الإِمام في "المحصول"، وجعل موضع خمسة سبعة، وكأنها تصحيف في نسخته. الشرح: "لنا: أَنَّ الوجه الذي ثبت به" كون الوصف "الواحد" علة "ثبت به المتعدّد من نصّ، أو مناسبة، أو شبه، أو سَبْر، أو استنباط"، فكما صَحّ في الواحد، صحّ في المركّب، وليت شعري ماذا يصنع المانع في القَتْل العمد العدوان من حيث كونه مُزْهِقًا، الصادر من مكلف على مُكَافئ، ليس بولد، إلى غير ذلك؛ إِذ لا يمكنه نفي ذلك، ولا التَّعلُق بواحد من هذه الأوصاف وحده، فمن استقرأ الشَّرِيعة علم أن أكثر عللها مركبة، وما أرى للمانع مخلصًا إِلا [أن] (١) يتعلّق بوصف منها، ويجعل البقية شروطًا فيه، لا أجزاء، ويؤول الخلاف إِذ ذلك إلى اللفظ. الشرح: "قالوا: لو صحّ تركيبها، لكانت العلّية صفة زائدة" على ذات العلّة المركبة، والتالي باطل، والملازمة بيّنة؛ "لأنا نعقل المجموع" من تلك الأوصاف من حيث هو، "ونجهل كونها علة، والمجهول غير المعلوم"، وغير جزئه، فتكون العلة زائدة، وإلا يجب من تعقُّل تلك الأوصاف تعقل العلية.

стр. 1965

وَتَقْرِيرُ الثَّانِيَةِ أنَّهَا إِنْ قَامَتْ بِكُلِّ جُزْءٍ، فكُلُّ جُزْءٍ عِلَّةٌ، وَإنْ قَامَتْ بِجُزْءٍ فَهُوَ الْعِلَّةُ. وَأُجِيبَ: بِجَرَيَانِهِ فِي الْمُتَعَدِّدِ بِأنَّهُ خَبَرٌ أَوِ اسْتخْبَارٌ. وَالْتَّحْقِيقُ: أَنَّ مَعْنَى الْعِلَّةِ: مَا قَضَى الشَّارعُ بِالْحُكْمِ عِنْدَهُ لِلْحِكْمَةِ، لَا أَنَّهَا صِفَةٌ زَائِدَةٌ، وَلَوْ سُلِّمَ فَلَيْسَتْ وُجُودِيَةً لاِسْتِحَالَةِ قيَام الْمَعْنَى بِالْمَعْنَى. الشرح: "وتقرير الثانية" أي: بطلان التَّالي أن العلية التي فرضناها وصفًا زائدًا بقوله: "إنها إن قامت بكل جزء" من أجزاء المرّكب على حدة، "فكل جزء علة" مستقلة، وهو خلاف المفروض، وأيضًا فيلزم قيام الصِّفة الواحدة بمحال كثيرة. "وإن قامت بجزء" واحد منها "فهو العلة" دون غيره، والفرض خلافه، وإن قامت بمجموعها، بمعنى: أنه قام ببعضها جزء، وببعضها الآخر جزء آخر، لزم أن يكون للعلّية ثلث ونصف، وربع. وأجيب عن هذا: بأنها قامت بالمَجْمُوع من حيث هو مجموع، واعترض عليه بأنه - حينئذ - لا بُدّ للمجموع من وحدة لها يكون المجموع مجموعًا، وينقل الكلام من العلية إِلى تلك الوحدة، ويلزم التسلسل، وضعِّف بأن الوحدة من الأمور الاعْتِبَارية، ولا يستحيل التَّسَلْسُل فيها، وحكى المصنّف في الجواب نقضًا إجماليًا، فقال: الشرح: "وأجيب: بجريانه"، أي: جريان هذا الدَّليل بعينه "في المتعدّد"؛ أي: في كل متعدّد "بأنه خبر واستخبار"، فإن كل واحد من الخبر والاستخبار صفة المتعدّد بلا خلاف، وهي زائدة؛ لأنا نعقل مجموع ذلك المتعدّد، ونجهل كونه خبرًا أو استخبارًا، والمجهول غير المعلوم، فالصفة - حينئذ - إِما قائمة بكل جزء، إِلى آخر ما ذكره في الدليل. الشرح: "والتحقيق" في الجواب: "أن معنى العلّة: ما قضى الشَّارع بالحكم عنده للحكمة"، فكأن الشارع قال: مهما وجدت هذه الأَوْصَاف مجموعة، فاعلموا أن الحكم الفلاني حاصل في ذلك المحلّ.

стр. 1966

"قَالُوا: يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ عَدَمُ كُلِّ جُزْءٍ عِلَّةً لِعَدَمِ صِفَةِ الْعِلِّيَّةِ؛ لاِنْتِفَائِهَا بِعَدَمِهِ، وَيَلْزَمُ نَقْضُهَا بِعَدَمٍ ثَانٍ بَعْدَ أَوَّلٍ لاِسْتِحَالَةِ تَجَدُّدِ عَدَمِ الْعَدَمِ" ا. هـ. "وَأُجِيبَ: بِأَنَّ عَدَمَ الْجُزْءِ عَدَمُ شَرْطِ الْعِلَّةِ، وَلَوْ سُلِّمَ فَهُوَ كَالْبَوْلِ بَعْدَ اللَّمْسِ، وَعَكْسِهِ؛ وَوَجْهُهُ: أَنَّهَا عَلامَاتٌ، فَلا بُعْدَ فِي اجْتِمَاعِهَا ضَرْبَةً وَمُتَرَتِّبَةً، فَيَجِبُ ذَلِكَ" ا. هـ. وإنما قال المصنف: للحكمة، إِشارة إِلى ما يعتقده من أن معنى العلَّة: الباعث لا المعرّف، ولا يفترق الحال - هنا - "لا أنها صفة زائدة"؛ فإن قضاء الشَّارع بالحكم عند الوصف ليس صفة للوصف، فضلًا عن أن تكون صفة زائدة، "ولو سلم" أنّ العلة صفة زائدة، "فليست وجوديةً؛ لاستحالة قيام المعنى بالمعنى"؛ لأن العلية عرض، ومجموع الأوصاف - أيضًا - عرض، فيلزم قيام العَرَضِ بالعَرَضِ، وهو محال، فدل أنها ليست وجودية، ولا يخفى أن هذا إِنما يتم إِذا منعنا قيام العَرَض بالعرض. الشرح: "قالوا": لو كان المركّب علة "يلزم أن يكون عدم كلّ جزء علة لعدم صفة العلّية؛ لانتفائها بعدمه"؛ فإنه متى انتفى جزء من المركّب، انتفت العلّية، "ويلزم" - حينئذ - "نقضها بعدم ثانٍ بعد أول"، فإن عدم الجزء الثَّاني بعد الأول، لا يلزم منه عدم العلّية؛ لأن العلية انعدمت بالأول، فلم يلزم من الثاني شيء؛ "لاستحالة تجدد عدم المعدوم"، الذي هو العلّية المعدومة بانتفاء الجزء الأول، فتمهّد وِجْدَان العلة بلا مَعْلول؛ لأن عدم كل جزء علّة عدم العلية، وقد وجد عدم جزء، ولم يوجد عدم العلّية، وذلك عين النقض. الشرح: "وأجيب: بأن عدم الجزء" لا نسلّم أنه علّة لعدم العلّية، بل هو "عدم شرط العلة" لا وجود كلّ جزء شرط العلية، وعدم الشَّرْط ليس علة لعدم المَشْرُوط، فلا يكون عدم الجزء موجبًا لعدم العلية، فلا يلزم النقض. وأوجه من هذا أن يقال: إنما يكون عدم كل جزء علّة لعدم العلية، إِذا لم يكن مسبوقًا بعدم قبله، وهذا ما أشار إليه بقوله: "ولو سلم" أن عدم كلّ جزء علة لعدم العلية، "فهو كالبول"، يقع "بعد [اللمس] (١) وعكسه"، في أن كلًّا منهما علّة للحدث، إِن لم يسبقه صاحبه.

стр. 1967

وَلا يُشْتَرَطُ الْقَطْعُ بِالأَصْلِ، وَلَا انْتِفَاءُ مُخَالَفَةِ مَذْهَبِ صَحَابِيٍّ، وَلا الْقَطْعُ بِهَا فِيِ الْفَرْعِ عَلَى الْمُخْتَارِ فِي الثَّلاثَةِ، وَلَا نَفْيُ الْمُعَارِضِ فِي الأَصْلِ وَالْفَرْعِ، وَإِذَا كَانتْ وُجُودَ مَانِعٍ، أَوِ انْتِفَاءَ شَرْطٍ، لَمْ يَلْزَمْ وُجُودُ الْمُقْتَضِي. "ووجهه: أنها" أي: العلل الشرعية "علامات، فلا بعد في اجتماعها ضَرْبَة" أي: دفعة واحدة، "ومرتبة"، فلا يلزم النَّقْض، وإليه أشار بقوله: "فيجب ذلك"، أي: حتى يجب النقض. ولقائل أن يقول: دعوى الخَصْم أن التركيب يلزم منه نقض العلّة العقلية، ونقضها مُحَال، فلا وجه لقولهم: هو كالبَوْلِ بعد اللَّمس وعكسه؛ إِذ تلك كما ذكرتم علامات، فليس فيما ذكرتم دفع لازم، فالوجه في الجواب أن يقال: العلَّة العقلية لا وجود لها - عندنا - فلا يقال: يلزم نقضها. وأما العلل الشَّرعية، فإن نقضها لمانع لا يقدح فيها عند المصنّف؛ لأن سبق انعدام الجزء الأول قبل الثاني مانع من صَيْرُورَةِ عدم الثَّاني علّة لعدم العلية كما قلناه. والحاصل: أن نقض العلة العقلية لا وجود له؛ لأنه فرع وجودها، ونقض الشَّرْعية لا يضر إذا كان لمانع. الشرح: "ولا يشترط" في علّة الأصل "القطع بالأصل"، أي: بحكم الأَصْل، بل يجوز أن يكون حكمه مظنونًا، والعمل بالظن واجب. "ولا" يشترط أيضًا، "انتفاء مخالفة مذهب صحابي"؛ لأن قول الصَّحَابي - عندنا - ليس بحُجّة، وإن سلم أنه حُجَّة، فلعلّ مستنده في المُخَالفة علّة مستنبطة من أصل آخر - أيضًا - فلا يدفع ظن العلية فيما جعل علّة. "ولا القطع بها"، أي: بوجودها "في الفرع"، بل يكفي الظن "على المختار في الثلاثة"، وخالف في كل منها من لا يعبأ به. "ولا" يشترط - أيضًا - " [نفي] (١) المُعَارض في الأصل والفرع"، والمراد

стр. 1968

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بـ "المعارض" هنا: أن يقابل وصف المستدلّ بوصفٍ آخَرَ صالح للعلّية لا ينافيه، كما لو قيل: الزَّبيب مطعوم، فيكون ربويًا، قياسًا على البُرّ، فيعارض الخَصْم علة الطعم بعلّة الكيل، فهي صالحة لمُجَامعتها فيما فيه النزاع؛ إِذ الزبيب مطعوم مَكِيلٌ، فنفي هذا المعارض عند المصنّف وسائر من يجوز [التعليل] (١) بعلتين لا يشترط. أما مَنْ لا يجوز التعليل بعلَّتين - وأنا من أشدّهم تصميمًا في ذلك - فيشترط، ويقول: لا بدّ للمستدلّ من نفي ما عدا الوصف المدعي علة بطريقة السَّبر والتقسيم، وهذا ما ارْتَضَاه إمام الحرمين، وبالغ ابن السَّمْعَاني في الرد عليه، وسبب ذلك اختلافهما في جواز التَّعْليل بعلَّتين، فابن السَّمْعَاني يجوز ذلك، والإِمام يمنعه، ومع المنع لا معنى للرّد؛ إِذ لا يتّجه سوى الاشتراط، والإِمام صَرّح بالبناء، فلا وجه للرد عليه حينئذ. فإن قلت: ولم حمل المعارض - هنا - على ما لا ينافى، وهو خلاف ظاهر المعارض؟. قلت: جمعًا بين كلامه السابق، حيث قال: وألَّا يكون بمعارض، وهنا، وأيضًا فمن منع التعليل بعلَّتين يراه معارضًا منافيًا؛ إذ لا يصحّ عنده التعلّق بوصفين، فتسميته معارضًا - عنده - تسمية حقيقية، وقد صرح إِمام الحرمين ببناء هذا على التَّعْليل بعلتين، وكذلك الآمدي، كما عرفت. وإذا نظرت كلامنا - هنا - وفي قوله: وألَّا يكون بمعارض، نَظَرَ المنصفين، عرفت أنه الحق المبين، وإن كان مخالفًا لكلام الشَّارحين، وأنا حملنا المُعَارضة على حقيقتها في الموضعين، أما هناك فواضح، وأما هنا، فبالنِّسْبة إلى مانع التعليل بعلتين. "وإذا كانت" العلّة لانتفاء الحكم، "وجود مانع" كعدم وجوب القِصَاصِ على الأب؛ لمانع الأبوة، "أو انتفاء شرط"، كعدم وجوب الرَّجْم؛ لعدم الإِحْصَان الذي هو شرط وجوب الرجم، "لم يلزم وجود المقتضي"، وهو اختيار الإِمام في "المَحْصول" وأتباعه؛ خلافًا للآمدي. وتعليل الحكم العَدَمِيّ بالوصف الوجودي يسمى تعليلًا بالمانع.

стр. 1969

لَنَا: أَنَّهُ إِذَا انْتَفَى الْحُكْمُ مَعَ الْمُقْتَضِى كَانَ مَعَ عَدَمِهِ أَجْدَرَ. قَالُوا: إِنْ لَمْ يَكُنْ فَانْتِفَاءُ الْحُكْمِ لاِنْتِفَائِهِ. قُلْنَا: أَدِلَّة مُتَعَدِّدَةٌ. الشرح: واحتج المصنّف لما اختاره فقال: "لنا: أنه إذا انتفى الحكم مع" وجود "المقتضي كان" انتفاؤه "مع عدمه أجدر"، ولك أن تقول: ولكن نسبته إِلى عدم المقتضي أولى من نسبته إلى وجود المانع، وأقل مقدّمات. "قالوا: إن لم يكن" وجود المقتضي قائمًا، "فانتفاء الحكم لانتفائه"، لا لوجود المانع، أو انتفاء الشرط. "قلنا": عدم المقتضِي ووجود المَانعِ، وانتفاء الشرط "أدلة متعددة" ولا يمتنع اجتماعها. ولك أن تقول: فالاستناد - حينئذ - إِليها جميعًا، والذي ادّعَاه المصنف أولًا: الاستناد إِلى وجود المانع، أو انتفاء الشَّرط فقط، وأن ذلك قد يجامع انتفاء المقتضي، والمختار قول الآمدي: ومتى كان عدم المقتضي قائمًا، فالإحَالَةُ عليه أوْلَى.

стр. 1970

مَسْأَلَةٌ: الشَّافِعِيةُ: حُكْمُ الأصْلِ ثَابِتٌ بِالْعِلَّةِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهَا البَاعِثَةُ عَلَى حُكْمِ الأصْلِ. وَالْحَنَفِيَّةُ: بِالنَّصِّ؛ وَالْمَعْنَى: أَن النَّصَّ عَرَّفَ الْحُكْمَ؛ فَلَا خِلَافَ فِي المَعْنَى. «مسألة» الشرح: قالت "الشافعية: حكم الأصل (١) "، أي: المُعَلّل، ولذلك قال: الأصل، وإنما يذكر الأصل في مُقابلة الفرع، والعلة الجامعة. أما التعبدي، فلا مدخل له في كتاب القِيَاس، "ثابت بالعلّة، والمعنى: أنها الباعثة على حُكمِ الأصل، والحنفيَّة: بالنَّص. والمعنى: أن النص عرف الحُكم بلا خلاف في المعنى" كذا ذكره المصنّف وغيره، وأنا أقول: هذه مسألةٌ معروفةٌ بالخلاف قديمًا بين أصحابنا والحنفية. فقال أصحابنا: إنه ثابت بالعلَّة، ورد بأنّ هذا لا يتأتى إلا إذا فسرت العلّة بـ "المؤثر" أو "الباعث"، فإن كونه منصوصًا - حينئذ - لا ينافي أن يكون معللًا بهذا المعنى.

стр. 1971

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أما إن فسرت بِـ"المعرف" فكونه منصوصًا عليه ينافي التعليل بهذا المَعْنَى، وعلى هذا جرى المصنّف، وقال: إِنما عَنَت الشَّافعية أنها بمعنى البَاعِث، ونحن - مَعَاشِرَ الشافعية - لا نفسّر العلة بـ"الباعث" أبدًا، ونشدد النكير على من يفسرها بذلك، وإنما نفسرها بـ "المعرف"، ونحن نقول: ليس معنى كونها معرفًا إلا أنها نصبت أمارة يستدلّ بها المجتهد على وِجْدَان الحكم، إذا لم يكن عارفًا به، ويجوز أن يتخلّف في حقّ العارف، كالغيم الرّطب أمارة على المَطَر، وقد يتخلّف فإذا عرف الناظر - مثلًا - أن الإِسْكَار علّة التحريم، وهو حيث وجده قضى بالتَّحْريم. غاية ما في الباب: أن العالم يعرف تحريم الخَمْر غير الإِسكار؛ لاطِّلَاعه على النَّص، ولكن هذا لا يوجب ألا يكون الإسكار معرفًا، بل هو منصوب معرفًا، فقد يعرف بعض العوام علّية الإسكار للتحريم، ولا يدري هل الخَمْر المنصوص أو النَّبِيذ، أو غيرهما من المسكرات. فإذا وجد الخمر قضى فيه بالتحريم مستندًا إِلى وجدان العلّة، ومستفيدًا ذلك منها، فقد وضح بهذا أنّ العلّة قد تعرف حكم الأصل بمجردها، وقد تجتمع - أيضًا - في التعريف هي والنَّص، على رأي من يجوز اجتماع معرفين. وإذا تمهّد لك هذا، علمت أن العلَّة "المعرف" في الأصل والفرع جميعًا، وأن نسبة الأصل والفرع إلى العلة على حدّ سواء، لا فرق بينهما، إِلا أن بعض النَّاس سبق لهم معرفة حكم الأصل من غير العلّة، فلم تعرفهم العلّة شيئًا، ونحن لم نقل: المعرف يعرف كل أحد، بل إنما يعرف من ليس بعارف؛ لئلا يلزم تحصيل الحاصل، وتخلف التعريف بالنِّسْبة إلى العارف لا يخرج الأمارة عن كونها أمارة، ولذلك بعض النَّاس يعرف حكم الفرع من العلّة دون بعض، فإن كثيرًا من النَّاس إنما يعرفون حكم الفرع من [المفتي] (١) وإن لم يعرف العلة أصلًا، فكم من عامّي يعرف من المفتين أن الزبيب ربوي، ولا يدري العلّة، فقد لاح كَفَلَق الصُّبح أن العلة المعرف في الأصل والفرع، وليس الدّور بلازم. وقالت الحَنَفِيّة: ثابت بالنص، فإن أرادوا أن النص أنشأ الحكم، فهو خطأ؛ فإن

стр. 1972

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الحاكم في الحقيقة هو النَّاصّ، والنَّصّ من العبارات الدَّالة على ما في النَّفس. وإن أرادوا أنه عرفه، وهو إِنما يعرف من عرف منه. أما من عرف من العلّة فلم يعرفه، كما قررناه، وربّ عارف من الأمرين جميعًا عند من يتعلق بعلّتين، وكما أن النَّص عرفنا الحكم النفسي، كذلك عرفنا أن العلة تعرف الحُكْم النفسي أيضًا. والفرع والأصل جميعًا بالنسبة إلى الحكم النفسي سواء، وإنما أوجب لأحدهما أن يسمى أصلًا وروده على لسان الشرع كما ذكرناه. فإن قلت: فهل الخلاف لفظي، كما في الكتاب؟ قلت: لا، بل يترتب عليه فوائد كثيرة، لولا طَلَبي الاختصار في هذا الشرح لأَوْقَفتُكَ منها على العَجَب العُجَاب. ومن أدناها: التعليل بالقاصرة، فمنعوه لذلك؛ فإنهم يزعمون أَنْ لا فائدة فيها، وأن عرفان الحكم في الأصل واقع بالنص، فلا تُجْدِي هي شيئًا، ونحن نُجَوّزه، ونذكر من فوائدها تعريف الحكم المنصوص أيضًا. ومنها: أنه هل من [شروط] (١) العلّة ألا يكون ثبوتها متأخرًا عن ثبوت حكم الأصل؟ نحن نشترط ذلك، ونقول: لو تأخّر لكان الحكم في الأصل ثابتًا بلا مثبت؛ لأن مثبته العلة، أو يلزم أن يكون تعبدًا، ثم انقلب معقولَ المَعْنى، وهذا لا يضر؛ فإن المعنى كان موجودًا وقت ثبوت الحكم، فإن صلح لأن يتعلّق به ثانيًا، فقد صلح أولًا. فإن قلت: إذا فعله الشَّارع كان منصوصًا، والكلام في المُسْتَنْبطة، والخصوم لا يشترطون ذلك؛ لأن حكم الأَصْل ثابت عندهم بالنَّص، وهو موجود إن لم توجد العلّة، ونحن بعد هذا نلزمهم إيجاب النية في الوضوء. فنقول: عِبَادَةٌ تستباح بها الصلاة، فتتعين لها النية كالتيمُّم. فإن قالوا: حكم التيمم كان بعد الوضوء؛ لأن آية التيمّم إنما نزلت بعد الوضوء، فلو قِسْتُم الوضوء عليه لقستموه على أصل لم يكن وقت وجوب الوضوء.

стр. 1973

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قلنا: هو وإن لم يكن، ولكن لما كان مبَيَّنًا به الجامع الذي هو العلّة، وظهر لنا أنّ الحكم كان مستندًا إِليه، فيلحق به ما اشتمل عليه. وقد توسّعت الحنفية في أصلهم هذا، أعني: دَعْوَاهم ثبوت الحكم بالنَّص، وبالغوا فقال بعضهم: كما يثبت الحكم في الأصل بالنَّص ثمّ يستخرج منه معنى تعدّي إلى الفرع، وإن كان الحكم لم يثبت بذلك المعنى، بل يثبت بالنص - كذلك يجوز ذكر علّة في الأصل لا يثبت بها الحكم فيه، وتعدّى إلى الفرع، مثل قولهم: الشَّهَادة على السَّرقة لا تقبل عند تقادم العَهْدِ؛ لأنه حد من حدود الله تعالى، فأشبه الزِّنَا، حيث لا تقبل الشَّهَادة عليه عند تقادم العَهْد، وليست العلّة في الأصل هذا. وإنما العلة فيه: توهم الطَّعن في شهادتهم؛ لأنهم لما لم يشهدوا، فقد اختاروا السّتر، فإذا شهدوا بعد ذلك، فالظاهر أن الحامل لهم على ذلك ضِغْن في القلب، وهذا لا يوجد في البَيّنة على السرقة، فإنه لا بد من الدَّعْوَى فيها، فقاسوا السّرقة على الزنا بغير المعنى الذي ثبت به الحكم في الأصل. وقال أصحابنا: التعليل بمثل هذا باطل؛ لأن إِقامة الدليل على صحّة العلة لا بد منه، ولا يمكن إِقامة الدليل على صحّة هذه العلة؛ إِذ لا تأثير لها، فإنه إِذا لم يكن الحكم ثبت في الأصل بها، فكيف في الفرع؟ وهم يقولون: الأصل لا يثبت فيه الحكم بالعلة كما عرفت.

стр. 1974

شُرُوطُ الفَرْعِ وَهُوَ الَّذِي يُرَادُ ثُبُوتُ الحُكْمِ فِيهِ شُرُوطُ الْفَرْعِ: مِنْهَا أَنْ يُسَاوِيَ فِي الْعِلَّةِ عِلَّةَ الأصْلِ. الشرح: "منها: أن يساوي" الفرع "في العلّة علة الأصل" (١)، ولو قال: أن تكون العلّة موجودة فيه بِتَمَامِهَا، لكان أحسن؛ لإِيهمام لفظ المُسَاواة أن الزيادة تضرّ، فيخرج قياس الأولى. والتحقيق: أن المراد بالمساواة: حصول المعنى بتمامه، والزِّيادة لا تنافيه. فإن قلت: فيخرج قياس الأَدْوَن، كالتفاح على البُرّ، بجامع الطعم. قلت: نحن لا نعني بقياس الأَدْوَن أن يكون المعنى فيه أقل منه في الأصل، وإلا لم يَجوُزْ؛ لجواز أن يكون الحُكْم في الأصل مستندًا إِلى المعنى الموجود فيه بتمامه، فلا يجوز أن يلحق به ما لم يوجد فيه المَعْنَى بتمامه. وإنما المعنى به: أن يعلم حصول المعنى المظنون فيه بتمامه. وقولنا: "المظنون"، إِشارة إلى أن العلّة في الأصل قد يكون مقطوعًا بها، كالإِسْكَار في الخَمْرِ، وقد تكون مظنونةً، كالطعم في البُرّ، فإذا كانت مقطوعة ووجدت في الفرع، كان القياس فيه قياس مُسَاواة، لا قياس أدون؛ وإن كانت مظنونةً، فوجد فرع يشتمل عليها، ولا يشتمل على الوَصْفِ الآخر المحتمل للعلّية، وإن كان مرجوحًا فقياس الفرع - حينئذ - قياس أَدون، لأنه ليس ملحقًا بالأصل إلا على تقدير أن العلة فيه كذا مع احتمال غيره، فلم [يكن] لإلحاقه به من القوة ما لإلحاق الفرع المشتمل على الأوصاف المحتملة كلها.

стр. 1975

فِيمَا يُقْصَدُ مِنْ عَيْنٍ أَوْ جِنْسٍ؛ كالشِّدَّةِ فِي النَّبِيذِ، وَكَالْجِنَايَةِ فِي قِصَاصِ الأطْرَافِ عَلَى النَّفْسِ. وَأَنْ يُسَاوِيَ حُكْمُهُ حُكْمَ الأصْلِ فِيمَا يُقْصَدُ مِنْ عَينٍ أَوْ جِنْسٍ؛ كَالْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ فِي الْمُثَقَّلِ عَلَى المُحَدَّدِ، وَكَالْوِلَايَةِ فِي النِّكَاحِ فِي الصَّغِيرَةِ عَلَى الْمُوَلَّى عَلَيْهَا فِي الْمَالِ. وأنا أضرب لك مثالًا أبيّن لك به مقصودي، فأقول: إِذا قررت أن الطّعم علة الربويات ظنًّا، فأنت غير قاطعٍ بخطأ من يعلّل بالقوت أو الكَيْل، وإنما أنت ظانّ، فإذا ألحقت بالبر الزبيب، بجامع الطّعم، وهذا قياس المُسَاواة؛ لأنه مَطْعُوم مُقْتَات مكيل، فهو ربوي على التقادير كلها، وإن ألحقت به التفاح، لم يكن ربويًا إِلا على تقدير واحد، وهو الطعم، وما كان ربويًا على جميع التقادير راجح على ما لا يكون ربويًا إِلا على تقدير واحد. هذا المراد بقياس الأَدْوَن، فافهم، وقد قررته كذلك في "شرح المِنْهَاج"، والمساواة لا بد منها، وإلا فلا سبيل إِلى تعدي الحكم، ولا يتحقّق القياس. الشرح: ولتكن مُسَاواة الفرع في العلّية لعلّة الأصل واقعة "فيما يقصد"، أي: في الوصف الذي هو مقصود في العلّة "من عين أو جنس"، أي: سواء أكان ذلك الوَصْف المقصود عين العلة أو جنسها، فالعين: "كالشّدّة في النبيذ"، حيث يقاس بها على الخمر؛ فإنها بعينها موجودة في النَّبيذ، كما هي موجودة في الخَمْرِ، فقد وجد في الفرع - وهو النَّبيذ - عين علّة الأصل، والمراد عينها بحسب النَّوع، لا بحسب الشَّخص؛ إذ لا سبيل إِلى وجدان شخص علّة الأصل في الفرع، وإلا اتحد، "و" الجنس "كالجناية في" قياس "قِصَاص الأطراف على" قصاص "النَّفس"، فإن علة قصاص الأَطْرَاف مساوية لعلّة قصاص النفس في الجناية التي هي مقصودة، والجناية جنس علّة قصاص النفس. الشرح: ومن شرائط الفَرْع "أن يساوي حكمه حكم الأصل فيما يقصد" كونه وسيلة للحكم "من عين أو جنس" أي عين الحكم أو جنسه، فالأول "كالقصاص في النفس بالمُثَقّل" إِذا قيس "على المحدد"، فإن وجوب القصاص بالمُثَقّل بعينه يساوي وجوب القصاص بالمُحَدّد. والثاني "كالولاية في النكاح في الصغيرة" يقاس "على المولى عليها في المال"؛ فإن ولاية النكاح مساويةٌ لولاية المال في جنس الولاية.

стр. 1976

وأَلَّا يَكُونَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ وَلَا مُتَقَدِّمًا عَلَى حُكْمِ الأصْلِ، كَقِيَاسِ الْوُضُوءِ عَلَى التَّيَمُّمِ فِي النِّيَّةِ؛ لِمَا يَلْزَمُ مِنْ حُكْمِ الْفَرْعُ قَبْلَ ثُبُوتِ الْعِلَّةِ؛ لِتَأَخُّرِ الأصْلِ. نَعَمْ: يَكُونُ إلْزَامًا. وَقِيلَ: وَأَنْ يَكُونَ الْفَرْعُ ثَابِتًا بِالنَّصِّ فِي الْجُمْلَةِ لَا التَّفْصِيلِ. وَرُدَّ بِأَنَّهُمْ قَاسُوا: "أَنْت عَلَيَّ حَرَامٌ" عَلَى الطَّلَاقِ وَالْيَمِينِ وَالظِّهَارِ. الشرح: "وأَلَّا يكون منصوصًا عليه" (١)، وإلا لكان حكمه ثابتًا بالنص لا بالقياس، وهذا إِذا كان ذلك الحكم المنصوص عليه مخالفًا للقياس واضح، وإلا لزم تقديم القِيَاس على النص، ووضوحه بالنسبة إِلى أنه لا فائدة للقياس، ولا يعمل به، وإلا فهو قياس في نفسه صحيح، ولذلك نقول: إِذا تعارض القياس والنص، فالنص مقدّم، وإنما يتعارضان عند صحتهما. وأما إِذا كان النص على موافقة القياس، فإما أن يكون النص الدَّال على ثبوت حكم الفرع هو بعينه الذي دَلّ على حكم الأصل، فينبغي أن يكون القياس باطلًا؛ إذ ليس جعل تلك الصورة أصلًا، والأخرى فرعًا أَوْلى من العكس؛ فإن نسبة دلالة النص إليهما على السواء، وإما أنْ يكون غيره، وفهم الشَّارحون أن هذا القسم هو مراد المصنّف، نظرًا من جهة أن الأكثرين في هذا القسم على الجواز؛ لأن تَرَادف الأدلّة على مدلول واحد جائز. ومنع بعضهم من قياس المنصوص عليه مطلقًا؛ لقصّة مُعَاذ، فإنها بما فيها من صيغة "إن" الشرطية، كما اقتضت مشروعية القياس عند فقدان النص، أفهمت عدم مشروعيته عند الوجدان. "ولا متقدمًا على حكم الأصل، كقياس الوضوء على التيمُّم في النِّيَّة"؛ لأن التعبُّد بالتيمم إنما ورد بعد الهِجْرَةِ، وكان التعبُّد بالوضوء قبلها، وإنما [اشترطنا] (٢) ذلك "لما يلزم

стр. 1977

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . من" ثبوت "حكم الفرع قبل ثبوت العلّة، لتأخر الأصل"، ولو صار هذا، لكان ثابتًا بل دليل، ضرورة أن دليله إِنما هو القياس على ذلك الأصل، والقياس متأخّر عن الأصل، فيكون الفرع ثابتًا متقدمًا على دَلِيلِهِ بمرتبتين. "نعم": لا يمتنع أن "يكون إلزامًا" للخصم؛ لتساوي الأصل والفرع في المعنى. وفي كتب الإمام وأتباعه ما يقتضي تجويزه أيضًا، وإذًا كان على حكم الفرع دليل آخر، وبه صرح الهِنْدِيّ، وهو ضعيف؛ لأنه خارج عما نحن فيه؛ إذ ليس الفرع - حينئذ - فرعًا للأصل الذي فيه نتكلّم. وغاية قولنا أنه لا يصح تفرعه عن أصل متأخر، وهذا سواء أكان له دليل آخر ثبت حكمه، أم لم يكن. "وقيل: وأن يكون الفرع ثابتًا بالنَّص في الجملة، لا التَّفصيل"، ويطلب بالقياس تفصيله، فلولا العِلْم بورود ميراث الجدّ جملة، لما جاز القِيَاس في توريثه مع الإخوة. قاله أبو هاشم وأتباعه. "ورد بأنهم قاسوا: أنت عليَّ حَرَام، على الطلاق واليمين والظِّهَار"، ولم يوجد في ذلك نصّ يدلّ على الحكم لا جُمْلة ولا تفصيلًا.

стр. 1978

مَسَالِكُ العِلَّةِ مَسَالِكُ الْعِلَّةِ: الأوَّلُ: الإجْمَاعُ. الثَّانِي: النَّصُّ. وَهُوَ مَرَاتِب: الأَوَّلُ: صَرِيحٌ؛ مِثْلُ لِعِلَّةِ كَذَا، أَوْ لِسَبَبِ كَذَا، أَوْ لأجْلِ، أَوْ مِنْ أَجْل، أَوْ كي، أَوْ إِذَنْ، وَمِثْل: "لِكَذَا، أَوْ أَنْ كَانَ كَذَا، أَو بكَذَا". الشرح: أي: الطرق الدَّالة على أن الوصف علة: "الأول: الإجماع (١) "، فإِذا أجمعوا على علّية وصف، قطعيًّا أو ظنيًّا، ثبتت عليته، ومثاله: قوله ﵊: "لَا يَقْضِي القَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ" (٢). قال القاضي أبو الطيب: أجمعوا أن النهي فيه؛ لأن الغضب يشغل قلبه. الشرح: الثاني: النص، والمعنى به - هنا -: ما دل من الكتاب والسُّنة على العلّية، سواء أكان بالصراحة، أم بالإيماء (٣). الشرح: "وهو مراتب":

стр. 1979

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الأول: "صريح"، وهو ما وضع دالًّا على العلية، ثم إن هذا الوضع إِما أن يكون بحيث لا يحتمل غير العلّية، أو بحيث يحتمل غيرها احتمالًا مرجوحًا، وذلك ممكن، إِما بأن يضعه الواضع كذلك، أو يضعه للأول، ثم يستعمل في معنى آخر استعمالًا قليلًا، فإذا ورد لفظ بعد ذلك، كان صريحًا في الأول، مع احتماله للثاني. فالذي لا يحتمل غير العلّية، "مثل: لعلّة كذا، أو لسبب، أو لأجل، أو من أجل" كقوله - تعالى -: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [سورة المائدة الآية: ٣٢]، وقوله ﵊: "إِنَّمَا جُعِلَ الاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ البَصَر" (١). رواه الشيخان. "أو: "كي"، وتارة تكون مجرّدة عن حرف النفي، مثل: ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾ [سورة طه: الآية ٤٠]، وتارة تصحبها، مثل: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [سورة الحشر: الآية ٧]. وذكر ابن السَّمعاني: أن "لأجل" و "كي" دون ما قبلهما في الصراحة. "أو: "إذن"" قال ﵊ لأبي بن كَعْبٍ (٢) - وقد قال له: أجعل لك صلاتي كلها: "إِذَنْ يَغْفِر اللهُ لَكَ ذَنْبَكَ كُلَّهُ"، وفي رواية: "إِذَنْ يَكْفِيكَ اللَّهُ هَمَّ الدُّنْيَا

стр. 1980

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وَالآخِرَة" (١). والذي يحتمل غير العلّية احتمالًا مرجوحًا على ضربين: أحدهما: أن يذكر العلية بحرف من حروف التَّعْليل، قد يقصد به غير العلّية، وإليه أشار بقوله: "ومثل: لكذا" نحو: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [سورة إبراهم: الآية ١]. "أو: "أنْ كان كذا"" - بفتح أن - لأن ذلك في تقدير: "اللام" فهي في الحقيقة لام مقدّرة، ويشبه أن تكون دون الظاهرة، ونظيرها: المفعول له، مثل: ضربته تأديبًا. وفي الحديث الصحيح في قضية الزبير، قول الأنصاري الذي كان يخاصمه للنبي ﷺ : "أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ" (٢). وقرأ بعض حفاظ "المُخْتصر": "أنْ" - بالكسر - وهو وهم؛ فإنها بالكسر لا ترد للتعليل، وإنما ترد للشرط والنفي وزيادة، وإن فهم التعليل في الشرطية، فهو من ترتيب الحكم على الوصف، لا من الحرف. "أو "بكذا"" مثل: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة الواقعة: الآية ٢٤]، وقد تأتي "اللام"

стр. 1981

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . و"أنّ" و"الباء" لغير التعليل، ولكن حقيقتها التعليل، لنقل أهل اللغة ذلك، ولتبادر الذهن إِليه، وأهمل المصنف ذكر "إنَّ" وهي - أيضًا - للتعليل، نحو ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ﴾ [سورة نوح: الآية ٢٧] وقوله ﵊: "الثُّلُث، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ إنْ تَذَر وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ .. (١) "الحديث؛ متفق على صحته؛ ومنه قوله: [الوافر] لَقَدْ زَادَ الحَيَاةَ إِلَيَّ حُبًّا … بَنَاتِي إِنَّهُنَّ مِنَ الضِّعَافِ (٢) قلت: ومن الحروف ما يستعمل في التعليل، وهو مشهور فيه، ولم يذكره الأصوليون، نحو "إذ". قال ابن مالك: تجيء للتعليل، ومنه: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ [سورة الكهف: الآية ١٦] ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ﴾ [سورة الأَحقاف: الآية ١١]: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ [سورة الزخرف: الآية ٣٩]، ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ [سورة المائدة: الآية ٢٠]، ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ [سورة النساء: الآية ٧٢]، ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٩].

стр. 1982

أَوْ مِثْلُ: "فَإِنَّهُمْ يُحْشَرُونَ"، ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [سورة المائدة: الآية ٣٨]، وَمِثْلُ قَوْلِ الرَّاوِي: "سَهَا؛ فَسَجَدَ" "وَزَنَى مَاعِزٌ؛ فَرُجِمَ" سَوَاءٌ الْفَقِيهُ وَغَيْرُهُ؛ لأِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَفْهَمْهُ لَمْ يَقُلْهُ. وَتَنْبِيهٌ وَإيمَاءٌ، وَهُوَ الاِقْتِرَانُ بِحُكْمٍ لَوْ لَمْ يَكُنْ [هُوَ] أَوْ نَظِيرُهُ ........ وقول الشاعر: [البسيط] فَأَصْبَحُوا قَدْ أَعَادَ اللهُ نِعْمَتَهُمْ … إِذْ هُمْ قُرَيْشٌ وَإذْ مَا مِثْلَهُمْ بَشَرُ (١) وذكر ابن مالك: أن سيبويه أشار إلى هذا، ونازعه شيخنا أبو حَيّان ﵀ وقد أنكر التَّبْرِيزي (٢) صاحب "التَّنْقيح" كونها للتعليل. الشرح: والثاني: أن تذكر العلّية بتعليق الحكم على الوصف بالفاء، وهو نوعان: أحدهما: أن تدخل "الفاء" على العلة، ويكون الحكم متقدمًا، وإليه أشار بقوله: "مثل: "فإِنَّهُمْ يُحْشَرُونَ" يَوْمَ القِيَامَةِ وَأَوْدَاجُهُمْ تَشْخُبُ دَمًا … " الحديث الذي يذكر الأصوليون أنه ورد في قَتْلَى أحد، وأنا لا أحفظ هذا اللفظ في رواية، ويروي الفرضي في مسند أحمد بن حنبل من حديث جابر أن النبيّ ﷺ قال في قتلى أحد: "لَا تُغَسِّلُوهُمْ؛ فَإِنَّ كُلَّ جُرْحٍ أَوْ كَلْمٍ، أَوْ كُلّ دَمٍ يَفُوحُ مِسْكًا يَوْمَ القِيَامَةِ" (٣)، وفي إسناده رجل مجهول يسمى:

стр. 1983

لِلتَّعْلِيلِ - كَانَ بَعِيدًا؛ مِثْلُ: "وَاقَعْتُ أَهْلِي فِي نَهَارِ رَمَضَانَ"، فَقَالَ: "أَعْتِقْ رَقَبَةً"؛ كَأنَّهُ قِيلَ: "إذَا وَاقَعْتَ، فكَفِّرْ"، فَإِن حُذِفَ بَعْضُ الأوْصَافِ فَتَنْقِيحٌ، وَمِثْلُ: "أيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ"؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَقَالَ: "فَلَا، إِذْنَ". بـ "عبد ربّ". والثاني: أن تدخلها على الحُكم، وتكون العلّة متقدمة. قال الإِمام: ويشبه أن تكون أقوى في الإِشعار بالعلّية من عكسه، ونازعه النقشواني. وذلك إما في كلام الشارع، مثل: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [سورة المائدة: الآية ٣٨]، أو كلام الراوي، وإليه أشار بقوله: "ومثل قول الراوي: "سَهَا، فَسَجَدَ"" رواه أبو داود، والترمذي، بإسناد حسن غريب، من حديث عمران بن حُصَين. "وزنى ماعزٌ، فرُجِمَ"، وحديث زنا ماعز ورجمه متفق على صحته، ولكن هذا اللَّفظ - وهو مطلوبه - لا أعرفه، و"سواء الفقيه وغيره" في ذلك؛ "لأن الظاهر أنه لو لم يفهمه، لم يقله"، ولا يخفى أن الوارد في كلام الله - تعالى - ورسوله ﷺ أقوى مما ورد في كلام الرَّاوي، والراوي الفقيه أولى ممن ليس بفقيه. الشرح: "و" الثاني من مراتب النص: "تنبيه وإيماء (١)، وهو: الاقتران" أي: اقتران الوَضف "بحكم لو لم يكن هو"، أي: الوصف، "أو نظيره للتعليل، كان" ذلك الاقتران "بعيدًا من الشَّارع ينزه عنه فَصَاحته وإتيانه بالألفاظ في مواضعها، ثم هو - أَعني: الإِيماء - على أَرْبَعَةِ أوجه:

стр. 1984

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الأول: أن يحكم عقيب علمه بصفة المحكوم عليه، وقد أنهى إِليه المحكوم عليه حاله "مثل": قول الأعرابي: ""وَاقَعْتُ أَهْلِي في نهار رَمَضَان، فقال: "أَعْتِقْ رَقَبَةً" (١) " والحديث في الكتب السّتة، لكن بغير هذه الصيغة، أما بهذه الصيغة، ففي سنن ابن ماجه فقط، "كأنَّه قيل: إِذا واقعت فَكفِّر"، أو أعتق رَقَبَةً؛ لكونك واقعت. فإن قلت: يحتمل أن يكون ابتداء كلام، أو جواب سؤال، أو زجرًا للسَّائل عن الكلام، كقول السَّيد لعبده - إِذا سأله عن شيء -: اشتغل بشأنك.

стр. 1985

وَمِثَالُ النَّظِيرِ: لمَّا سَأَلَتْهُ الخَثْعَمِيَّةُ: "إِنَّ أَبِي أَدرَكَتْهُ الْوَفَاةُ وَعَلَيْهِ فَرِيضَةُ الْحَجِّ، أَيَنْفَعُه، إِنْ حَجَجْتُ عَنْهُ؟ " فَقَالَ: "أَرَأَيْت لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ، أَكَانَ يَنْفَعُهُ؟ " فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَنَظِيرُهُ فِي السُّؤَالِ كَذَلِكَ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى الأصْلِ وَالْفَرْعِ وَالْعِلَّةِ. قلت: غَلَبَةُ الظن بالتعليل قائمة من غير التفات إِلى هذه الاحتمالات، و - أيضًا - فكان يلزم خلوّ السُّؤال عن الجواب، وتأخير البَيَان عن وقت الحاجة، فإن الغالب أن السائل إنما سأل عن حاجته. "فإن حذف" من الوصف المقترن بالحكم "بعض الأوصاف" التي لا مدخل لها في العلية، منْ ورود الحكم في يوم كذا للشَّخص الفلاني، وإخراج هذه الأوصاف عن الاعتبار، "فتنقيح" المناط، أي: إِذا ضممنا هذا الحَذْف إِلى ما نحن فيه كان إِيماء بتنقيح المَنَاط. والثاني: أن يقدر وصفا الشارع، لو لم يكن تقديره للتعليل، لكان بعيدًا، سواء أكان التقدير في محل السؤال، أم في نظيره. ففي محل السؤال، "مثل" قوله ﵊ وقد سئل عن بيع الرُّطَب بالتمر: "أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا [يَبِسَ] (١)؟. قالوا: نعم، فقال: "فَلا إذَنْ"" (٢). رواه أبو داود، والتِّرْمذي، والنسائي، وابن مَاجَه. وقال الترمذي: حسن صحيح، وصحّحه ابن خزيمة، والحاكم، فلو لم يكن تقدير نُقْصَان الرطب بالجَفَاف لأجل التعليل لكان تقديره بعيدًا؛ إِذ لا فائدة فيه حينئذ، والجواب يتمّ بدونه. الشرح: "ومثال" التقدير في "النظير": ما روي أنه ﷺ "لما سألته الخَثْعمية: إن أبي أدركته الوَفَاةُ وعليه فريضة الحَجّ، أينفعه إِن حججت [عنه]؟ (٣) فقال: "أَرأَيتِ لَوْ كَانَ عَلَى

стр. 1986

وَقِيلَ: إِن قَوْلَهَ ﵊ لمَّا سَألَهُ عُمَرُ عَنْ قُبْلَةِ الصَّائِمِ: "أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ [ثُمَّ مَجَجْتَهُ]، أكَانَ ذَلِكَ مُفْسِدًا؟ " فَقَالَ: لَا" مِنْ ذَلِكَ. وَقِيلَ: إِنَّمَا هُوَ نَقْضٌ لِمَا تَوَهَّمَهُ عُمَرُ ﵁ مِنْ إِفْسَادِ مُقَدِّمَةِ أَبِيكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ، أكَانَ يَنْفَعُهُ؟ قالت: نعم (١)، فنظيره في المسئول كذلك". "وفيه تنبيه على الأصل"، الذي هو دين الآدمي على الميت، "والفرع" وهو: الحج الواجب عليه، "والعلة" وهي: قضاء دين المَيّت، فقد جمع ﵊ فيه أركان القياس كلها، وحديث الخَثْعَمِيَّة ثابت في الكتب السّتة، ولكنه ليس بهذا السّياق، نعم في ابن ماجه: أن امرأة من خثعم، قالت: يا رسول الله إِن فريضة الله في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يركب، أفأحجّ عنه؟، قال: "نَعَمْ؛ فإِنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْن فَقَضَيْتِهِ (٢)، والغرض يحصل بهذا السِّياق أيضًا. وفي "الصحيحين": جاءت امرأة إِلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إِن أمي ماتت وعليها صَوْم نذر، أفأصوم عنها؟ فقال: "أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ، أكَانَ يُؤَدِّي ذَلِكَ عَنْهَا؟، قالت: نعم، قال: "فَصُومِي عَنْ أُمِّكِ" (٣). الشرح: "وقيل: إن قوله ﵊ لما سأله عمر عن قبلة الصائم: "أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ أكَانَ ذَلِكَ مُفْسِدًا؟ "، فقال (٤): لا" من ذلك، أي: من أمثلة ما نحن

стр. 1987

الإفْسَادِ، لَا تَعْلِيلٌ لِمَنْعِ الإفْسَادِ؛ إِذْ لَيْسَ فِيهِ مَا يُتَخَيَّلُ مَانِعًا، بَلْ غَايَتُهُ أَلَّا يَفْسُدَ. فيه من التقدير في النَّظير، والحديث رواه أبو داود، والنسائي، وضعفه أحمد. وقال النسائي: إنه منكر، ولفظه ﵊ "أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ مِنَ المَاءِ وَأَنْتَ صَائِمٌ؟ "، قال عمر: قلت: لا، قال: "فمه" (١). ووجه كونه مثالًا لما نحن فيه: أنه ﷺ ذكر الوصف في نظير المسئول، وهو: المَضْمَضَة التي هي مقدّمة الشرب، ورتب عليه الحكم، وهو عدم الإفساد، ونبّه على الأصل، وهو الصوم مع المَضْمَضَة، والفرع، وهو الصوم مع القُبْلة، فيكون من ذلك. "وقيل": ليس مما نحن فيه، و"إنما هو نقض لما توهّمه عمر من إفساد مقدّمة الإفساد" أي: إِفساد القُبْلة التي هي مقدمة الجِمَاع، الذي هو مفسد فإن عمر ﵁ توهّم أن القُبْلة تفسد كما يفسد الجِمَاع، فنقض ﵊ الإِفساد؛ "إذ ليس فيه" أي: التمضمض بالماء "ما يتخيل" أن يكون "مانعًا" من الإفساد، فإن التمضمض إِن لم يصلح مفطرًا، فأقلّ أحواله ألا يكون مانعًا من الفِطْرِ، وإليه أشار بقوله: "بل غايته ألا يفسد"، أي: غاية المضمضة ألا تكون مفسدة للصوم، ولا ينتهي حالها إلى أن نمنع الفطر، كالأبوّة في القِصَاص - وحينئذٍ - فلا تصلح أن تكون علّة لعدم الفطر، فلا يصح ما ذكر مثالًا لما نحن فيه. وهذا كلام موجه، قاله الآمدي (٢)، ولكن الأول هو قول ابن السَّمْعَاني، والغزالي، والإمام، وغيرهم من المحققين، وكلهم قد مثل به. وقد رد الهِنْدِيّ كلام الآمدي فقال: في قوله ﵊: "أرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ بِمَاءٍ ثُمَّ مَجَجْتَهُ": تنبيه على الوصف المشترك بين المَضْمَضَةِ والقبلة، وهو عدم حصول المقصود منهما، وذلك صالح للعلّية، وإن لم يكن مناسبًا لعدم اشتراط المُنَاسبة في الوصف الموميء إِليه. وعندي في هذا نظر؛ فإن هذا لو تم، لزم أن يحال عدم الإِفطار على وجود القُبْلَةِ

стр. 1988

وَمِنْهَا أَنْ يَفْرُقَ بَيْنَ حُكْمَيْنِ بِصِفَة مَعَ ذِكْرِهِمَا، مِثْلُ: "لِلرَّاجِلِ سَهْمٌ، وَللْفَارِسِ سَهْمَان"، أَوْ مَعَ ذِكْرِ أَحَدِهِمَا، مِثْلُ: "الْقَاتِلُ لَا يَرِثُ"، أَوْ بِغَايَةٍ أَوِ اسْتِثْنَاءٍ مِثْلُ: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٢٢]، و ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٣٧]، وَمِثْلُ ذِكْرِ وَصْفِ مُنَاسِبٍ مَعَ الْحُكْم؛ مِثْلُ: "لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ"، فَإنْ ذُكِرَ الْوَصْفُ صَرِيحًا وَالْحُكْمُ مُسْتَنْبَطٌ مِثْلُ: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٧٥] أَوْ بِالْعَكْسِ. والمضمضة، وليس كذلك، بل إِنما هو محال على عدم المُفْطر من جماع وغيره، وشرب، سواء اشترطنا مناسبة الوصف، أم لا. الشرح: "ومنها: أن يفرق" ﷺ "بين حكمين"، وهذا هو الثالث من وجوه الإِيماء، ثم تفرقته ﵊ بين الحُكْمين، إما "بصفة مع ذكرهما مثل": قوله ﵊: "لِلرَّاجِلِ سَهْمٌ، وَلِلْفَارِسِ سَهْمَانِ". وهذا اللفظ لا أعرفه، والذي في "الصحيحين": أنه ﵊ "جعل للفرس سهمين، ولصاحبه سهمًا" (١)، وبه يقول أصحابنا. وفي لفظ للبخاري: "للفرس سهمين، وللرَّاجل سهمًا. وفي سنن الدارقطني: (٢) "جعل للفارس سهمين، وللراجل سهمًا". "[أو مع] (٣) ذكر أحدهما، مثل: "القَاتِلُ لَا يَرِثُ" (٤) "وهو حديث رواه الترمذي، وقال: لا يصح.

стр. 1989

"فَثَالِثُهَا: الأوَّلُ إِيمَاءٌ لَا الثَّانِي: فَالأوَّلُ عَلَى أَنَّ الإيمَاءَ اقْتِرَانُ الْوَصْفِ بِالْحُكْمِ، وَإنْ قُدِّرَ أَحَدُهُمَا. "أو" يفرق بينهما "بغاية، أو استثناء، مثل: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٢٢] و ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٣٧]. أو شرط، مثل: "فَإذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَجْنَاسُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ"، أو بلفظ يجري مجرى الاستدراك، مثل: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [سورة المائدة: الآية ٨٩]، يدل على أن التعقيد علة المؤاخذة، والمعتمد في هذا النوع من الإِيماء على أنه لا بُدّ للتفرقة من فائدة، وجعل الوصف سبب التفرقة فائدة، والأصل عدم غيرِه. "ومثل: ذكر وصف مناسب مع الحكم"، وهو الرابع من وجوه الإيماء، "مثل": قوله - عيه الصلاة والسلام -: ""لَا يَقْضِي القَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ"، رواه الشافعي، ولفظه: "لَا يَحْكُمُ الحَاكِم، أَوْ لَا يَقْضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ"، والجماعة لفظهم: "لَا يَقْضِي حَاكِمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ"، ففيه تنبيه على أن الغضب علة؛ لأنه يشوش الفكر، كذا قيل: والحق: أن العلَّة المعنى المشترك، وهو تَشْويش الفِكْر، والوصف المذكور علة بمعنى: أنه مشتمل عليه، فيلحق به ما في معناه، كالجائع والحَاقِنِ، ويخرج عنه سواه، كالغضب إِذا كان لله تعالى، ذكره إِمام الحرمين، والبَغَوِي، وغيرهما. وهذا كله إذا ذكر الحكم والوصف معًا، "فإن ذكر الوصف صريحًا، والحكم مستنبط، مثل: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٧٥] ". فإن الوصف الذي هو حل البيع مصرح به، والحكم، وهو الصحة غير مذكور، بل مستنبط من الحل، "أو بالعكس"، وهو كثير، منه أكثر العلل المستنبطة، نحو: "لَا تَبِيعُوا البُرَّ بِالبُرِّ. الشرح: "فثالثها"، أي: ثالث المَذَاهب في هذين القسمين: أن "الأوّل" وهو ذكر الوصف، "إيماء، لا الثاني"، ومنهم من ادَّعى الاتفاق على [أن] (١) الثاني ليس إِيماء.

стр. 1990

وَالثَّانِي عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهِمَا. وَالثَّالِثُ عَلَى أَنَّ ذِكْرَ الْمُسْتَلْزِمِ لَهُ كَذِكْرِهِ، وَالْحِلُّ يَسْتَلْزِمُ الصِّحَّةَ. وَفِي اشْتِرَاطِ الْمُنَاسَبَةِ فِي صِحَّةِ عِلَلِ الْإِيمَاءِ ثَالِثُهَا الْمُخْتَارُ إِنْ كَان الْتَّعْلِيلُ فُهمَ مِنَ الْمُنَاسَبَةِ، اشْتُرِطَتْ. "فالأول" وهو القول: بأن كلا منهما إِيماء، بناء "على أن الإيماء اقتران الوَصْف بالحكم، وإن قدر أحدهما. والثاني: على أنه لا بد من ذكرهما" صريحًا "والثالث على أن ذكر المستلزم له كذكره"، أي: مبني على أن إِثبات مستلزم الشيء يقتضي إثباته، والعلة تستلزم المَعْلُول، كالحل للصّحة، وإِليه أشار بقوله: "والحل يستلزم الصّحة"، بخلاف إثبات لازم الشيء؛ إِذ الإِثبات فيه لملزوم. الشرح: "وفي اشتراط المناسبة في صحّة علل الإِيماء". ثالثها: المختار إن كان التعليل فهم من المناسبة"، مثل: "لَا يَقْضِي القَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ"، "اشترطت"؛ لأن حقيقته ذكر وصف مناسب. فلو قلنا: لا يشترط فيه المناسبة، مع أنه لا يتحقّق إِلا بها لكان تناقضًا، وأما سواه من الأقسام فلا، والمُرَاد من المُنَاسبة ظهورها. وأما نفسها فلا بد منها في العلة الباعثة، دون الأمارة المجرّدة.

стр. 1991

المَسْلَكُ الثَّالِثُ الثَّالِثُ: السَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ، وَهُوَ حَصْرُ الْأَوْصَافِ فِي الْأَصْلِ، وَإِبْطَالُ بَعْضِهَا بِدَلِيلِهِ، فَيَتَعَيَّنُ الْبَاقِي، وَيَكْفِي: "بَحَثْتُ فَلَمْ أَجِدْ"، أَوِ الْأَصْلُ عَدَمُ مَا سِوَاهَا، فَإِن بَيَّنَ الْمُعْتَرِضُ وَصْفًا آخَرَ، لَزِمَ إِبْطَالُهُ لَا انْقِطَاعُهُ وَالْمُجْتَهِدُ يَرْجِعُ إِلَى ظَنِّهِ، وَمَتَى كَانَ الْحَصْرُ وَالإِبْطَالُ قَطْعِيًّا فَقَطْعِيٌّ، وَإِلَّا فَظَنِّيٌّ. الشرح: "وهو حَصْرُ الأوصاف في الأصل" (١) المقيس عليه، "وإبطال بعضها بدليله،

стр. 1992

وَطُرُقُ الْحَذْفِ مِنْهَا الإِلْغَاء، وَهُوَ بيَانُ إِثْبَاتِ الْحُكْمِ بِالْمُسْتَبْقَى فَقَطْ، وَيُشْبِهُ نَفْيَ الْعَكْسِ الَّذِي لا يُفِيدُ وَلَيْسَ بِهِ؛ لأَنَّهُ لَمْ يُقْصَدْ: لَوْ كَانَ الْمَحْذُوفُ عِلَّةً لا تَبْقَى عِنْدَ انْتِفَائِهِ، وَإنَّمَا قُصِدَ: لَوْ كَانَ الْمُسْتَبْقى جُزْءَ عِلَّةٍ، لَمَا اسْتَقَلَّ، وَلَكِنْ يُقَالُ: لا بُدَّ مِنْ أَصْل لِذَلِكَ، فَيُسْتَغْنَى عَنِ الأوَّلِ. فيتعيّن الباقي" للعلّية، "ويكفي" المستدلّ أَن يقول: "بحثت" عن الأوصاف "فلم أجد" غير ما ذكر وسمع منه ذلك لعدالته وكونه أهلًا للمُنَاظرة. "أو" يقول: "الأصل عدم ما سواها" كذا بخطّ المصنف "أو"، وهو صحيح "فإِن بين المعترض وصفًا، لزم" المستدلّ "إبطاله" حتى يتم الاستدلال "لا انقطاعه" كذا بخط المصنّف، أي: لا يلزم انقطاعه؛ إِذ غايته منع مقدّمة من مقدمات دليله، ومقتضاه أن يلزمه الدّلالة عليها دون الانْقِطَاع، وإلا كان كل منع قطعًا، فإِذا أبطل ما اعترض به، سلم حصره، وكان له أن يقول: هذا مما علمت أنه لا يَصْلح، فلم أدخله في حصري. وقيل: ينقطع؛ لأنه ادّعى حصرًا ظهر بطلانه، وعندي: أنه ينقطع إِن كان ما اعترض به مساويًا في العلّية لما ذكره في حصره وأبطله؛ لأنه ليس ذكر المذكور وإبطاله أولى من ذكر المَسْكُوت عنه المساوي له، وإن كان دونه، فلا انقطاع؛ لأن له أن يقول: هذا لم يكن عندي مخيلًا ألبتة، بخلاف ما ذكرته وأبطلته، وما ذكرناه هو فيما إِذا كان مستدلًّا على غيره. "والمجتهد يرجع إِلى ظنه"، فمهما غلب على ظَنّه حصر الأوصاف، وبطلان البعض كفاه. "ومتى كان الحَصْر والإِبطال قطعيًّا، فقطعي" أي: فالتعليل قطعي، "وإلا فظني". الشرح: "وطرق الحذف"، أي: حذف بعض الأوصاف، وإبطال كونه علّة. "ومنها: الإِلغاء، وهو بيان إثبات الحُكم بالمستبقى فقط"، فيعلم أن المحذوف لا أثر له، وهو "يشبه نفي العَكْس الذي" تقدّم أنه "لا يفيد" في مسألة أن العَكْس لا يشترط في العلّة. وإنما أشبهه من حيث يثبت به عدم عليّة الوصف المحذوف بثبوت الحكم بدونه في صورة، كما يقول - مثلًا -: وصف القوت في الرّبويات ملغى؛ لأن المِلْح ربوي، وليس مقتاتًا، "وليس به" أي: هو الإِلغاء، وإن أشبه نفي العكس فليس إِياه؛ "لأنه لم يقصد" بالحذف أنه "لو كان المَحْذُوف علة لانتفى" الحكم "عند انتفائه، وإما قصد: لو كان"

стр. 1993

وَمِنْها: طَرْدُهُ مُطْلَقًا؛ كَالطُّولِ وَالْقِصَرِ، أَوْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَلِكَ الْحُكْمِ؛ كَالذكُورِيَةِ فِي أَحْكَامِ الْعِتْقِ. وَمِنْها: أَلَّا تَظْهَرَ مُنَاسَبَتُه، وَيَكْفِي الْمُنَاظِرَ: بَحَثْت، فَإِنِ ادَّعَى أَنَّ الْمُسْتَبْقَى، كَذَلِكَ، ويُرَجَّح بِهِ سَبْرُ الْمُسْتَدِلِّ بِمُوافَقَتِهِ لِلتَّعْدِيَةِ. المحذوف جزء علّة، لكان "المستبقى جزء علّة"، ولو كان المستبقى جزء علّة، "لما استقلّ" بالحكم في تلك الصورة، وقد استقلّ، "ولكن يقال: لا بد من أصل لذلك، فيستغنى عن الأول" أي: مجرد إِثبات الحكم بالوَصْفِ المستبقى بدون الوَصْف المحذوف في صورة، لا يلزم كون الوَصْف المستبقى علّة؛ إِذ غاية الإِلغاء أن يفيد أن الوصف المحذوف ليس بعلّة مستقلة، بل لا بد لذلك من أصل يفيد استقلال الوَصْف المستبقى في العلّية، وحينئذٍ يستغنى عن الإلغاء، ويكون ذكره تطويلًا بلا فائدة، ومثل ذلك قبيح في مجلس النَّظر، وهذا بحث ذكره الآمدي. ومثاله: إِذا قلنا: التفاح ربوي قياسًا على البُرّ بجامع الطعم، فيقال: لم قلتم: إن البرربوي لكونه مطعومًا؟ إنما هو ربوي للقوت مثل، فيقول: القوت باطل؛ لأن الملح ربوي، وليس بقُوتٍ، فيقال: قِسِ ابتداء على المِلحِ، تسقط عنك مؤنة التعليل بالقوت. الشرح: "ومنها: طرده" أي: يكون الوصف طرديًا من جنس ما علم من الشَّارع إلغاؤه، إما "مطلقًا" أي: في جميع أحكام الشرع، "كالطّول والقصر"، فإِنه لم يعتبر في القصاص، ولا الكَفَّارة، ولا الإِرث، ولا العِتْق، ولا التقديم للصَّلاة، ولا غيرها، فلا يعلل به حكم أصلًا، "أو بالنسبة إِلى ذلك الحكم"، وإن اعتبر في غيره "كالذكورية في أحكام العِتْقِ"؛ إذ هي مُلْغَاة فيه مع كونها معتبرةً في الشهادة، والقضاء، وولاية النكاح، والإرث، فلا يعلل بها شيء من أحكام العِتْقِ. الشرح: "ومنها: ألا تظهر مناسبة"، أي: لا يظهر للوصف المحذوف وجه مُنَاسبة، "ويكفي المناظر" أن يقول: "بحثت" فلم أجد بينه وبين الحكم مناسبة، "فإن ادّعى" المعترض "أن" الوصف "المُسْتبقى كذلك"، فذلك مسموع منه، إِن لم يكن قد سبق منه تسليم مُنَاسبة كلّ واحد من الوصفين.

стр. 1994

وَدَلِيلُ الْعَمَلِ بِالسَّبْرِ وَتَخْرِيجِ الْمَنَاطِ وَغَيْرِهِمَا؛ أَنَّهُ لا بُدَّ مِنْ عِلَّةِ؛ لإِجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ عَلَى ذَلِكَ. ثم يحتاج المستدل إِلى إِثبات مرجّح يترجّح به سَبْره على سَبْر المعترض، بأن يبين أنّ سبره موافق لتعدية الحكم، وسبر المعترض قاصر، وإليه أشار بقوّله: "ويترجّح سبر المستدلّ بموافقته للتعدية"، وهو بناء على أنّ المتعدية أَرْجَح من القاصرة، وهو المختار، وليس للمستدلّ أن يبين المُنَاسبة بين المستبقى والحكم؛ لأنه - حينئذٍ - انتقال من السّبر إلى المناسبة. الشرح: "ودليل العمل بالسّبر، وتخريج المناط وغيرهما: أنه لا بد من علّة لإِجماع الفقهاء على ذلك". وإنما خصّ بعض الفقهاء بالذِّكْر؛ لأنهم يجعلون اقترانها بالعلّة بطريق اللّطف، وغيرهم كالمعتزلة يجعلها بطريق الوجوب، فانتهض إِجماع الأمة الفقهاء بما ذكرناه، وغيرهما بطريق أولى، وهذا ضعيف؛ فإِنا لا نسلم أن كل حكم معلل، ويجوز ورود ما لا معنى له، فللرب - تعالى - أن يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وقد تقدمت الإِشارة إلى هذا في البرهان الذي أسلفناه على أن أفعاله - تعالى - لا تعلل، وهذا مقرر في أصول الدِّيَانات. ورأيت شيخ الإِسلام عز الدين بن عبد السَّلام قال في أجوبة مسائل سئل عنها - ونقلها من خطّ تلميذه الشيخ تاج الدين بن الفرْكَاح (١) - ما نصّه: الله - سبحانه - يفعل ما يشاء من غير تَقْيِيدٍ بحكمة ولا علّة؛ فإِن الحكم في العلل يعود إلى مصالح العباد، ولا يجب عليه إِصلاح، ولا يتضيّق عليه تصرفه بِحَجْرِ حاجر، ولا منع مانع، وما أجهل من يعتقد أن الله

стр. 1995

وَلِقَوْلهِ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، وَالظَّاهِرُ التَّعْمِيم، وَلَوْ سَلَّمْنَا، فَهُوَ الْغَالِبُ؛ لِأَنَّ التَّعَقُّلَ أَقْرَبُ إلَى الأنْقِيَادِ، فَلْيُحْمَلْ عَلَيْهِ، وَقَدْ ثَبْتَ ظُهُورُهَا، وَفِي الْمُنَاسَبَةِ. وَلَوْ سُلِّمَ، فَقَدْ ثَبَتَ ظُهُورُهَا بالْمُنَاسَبَةِ؛ فَيَجِبُ اعْتِبَارُهَا فِي الْجَمِيْعِ؛ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِالظَّنِّ فِي عِلَلِ الْأَحْكَامِ. لا يجوز أن يخلق شيئًا من المخلوقات إلا أن يكون في جَلْب نَفْع أو دفع ضرّ، تالله لقد تيمموا شاسعًا، وتحجروا واسعًا. انتهى. وذكر نحوه المصنّف، فإِنه كذلك بخطّ الشيخ عز الدين، وبسط الجَوَاب، وأتى بمعنى ما ذكره الشيخ عزّ الدين، وعندي صورة خطها بخط الشيخ تاج الدين. وقد يقال: الَّذي فيه أنه لا يجب عليه، والمدعى أنه لا يقع إِلا بحكمة لا أنه لا يجوز إلا بحكمة، فليس فيه إلا الرد على المعتزلة فقط. والجَوَاب: أنه لو ادّعى أنه لا يقع إِلا هكذا، للزم التضيُّق أيضًا، وإن ادعى مدّع تلقي ذلك من الاستقراء، لم يسلم من المُنَازعة في كثير من الأَحْكام، والذي كنت أسمع الشيخ الامام الوالد ﵁ يقوله: إِن المعتزلة يوجبون رعاية المصالح، والفقهاء يقولون: لا يجب، ولكن لا يقع إلا بحكمة، والمتكلمون من أهل السُّنة يقولون: قد يقع بحكمة، وقد يقع ولا حِكْمة، وهو الحق، وحسبك إمام الناس معقولًا ومنقولًا، وشيخ السُّنة فروعًا وأصولًا. الشرح: "ولقوله" - تعالى -: " ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)]﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، والظاهر التعميم"، أي: مراعاة مَصَالحهم في كلّ مشروع؛ إِذ لو أرسل بحكم لا مصلحة فيه لم تَتَحَقّق الرحمة، وهذا ضعيف؛ لأن المصلحة ثابتةٌ بمشروعية كل حكم، وإِن لم يظهر وجهها في بعض الأحكام، أو كانت [تعبدًا] (١)، مع فوات القياس في التعبديات. "ولو سلمنا" عدم الإِجماع على اقتران الحكم بالعلّة، وعدم دلالة الآية عليه "فهو الغالب"؛ لأن التعقل أقربُ إلى التقييد، فيحمل عليه"، إلحاقًا للفرد بالأعم الأغلب، فثبت أنه لا بُدّ للحكم من علة، "وقد ثبت ظهورها" بما ذكرناه من المسلك سبرًا كان أو تخريج مَنَاط، أو غيرهما.

стр. 1996

الرَّابِعُ: الْمُنَاسَبَةُ وَالْإِخَالَة، وَتُسَمَّى تَخْرِيجَ الْمَنَاطِ، وَهُوَ تَعْيِينُ الْعِلَّةِ بِمُجَرَّدِ إِبْدَاءِ الْمُنَاسَبَةِ مِنْ ذَاتِهِ لَا بِنَصٍّ وَلَا غَيْرِهِ؛ كَالْإِسْكَارِ فِي التَّحْرِيمِ، وَالْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ فِي الْقِصَاصِ. وَالْمُنَاسِبُ: وَصْفٌ ظَاهِرٌ مُنْضَبِطٌ يَحْصُلُ عَقْلًا مِنْ تَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا مِنْ حُصُولِ مَصْلَحَةٍ أَوْ دَفْعِ مَفْسَدَةٍ. فَإِنْ كَانَ خَفِيًّا أَوْ غَيْرَ مُنْضَبِطٍ، اعْتُبِرَ مُلَازِمُهُ وَهُو الْمَظِنَّةُ؛ لأَنَّ الغَيْبَ لَا يُعَرِّفُ الْغَيْبَ؛ كَالسَّفَرِ لِلْمَشَقَّةِ، وَالْفِعْلِ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ عُرْفًا بِالْعَمْدِ في الْعَمْدِيَّةِ. "وفي المناسبة"؛ خاصّة يقال: "ولو سلم" عدم العلّية، "فقد ثبت ظهورها بالمناسبة"، لأنها بمجرّدها يغلب ظنّ العلّية - كما سيأتي إن شاء الله تعالى - ثم يقال في المُنَاسبة وغيرها: ذا ثبت ظهورها، وحصل ظنّ علّيتها، "فيجب اعتبارها في الجميع؛ للإِجماع على وجوب العَمَلِ بالظَّن في علل الأحكام"، ولا يخفي مما سطرناه أنه لا يشترط في الوَصْفِ المنتفي مناسبة، وقد خالف كثير من أصْحَابنا في ذلك، وعلى هذا فالسَّبْر عندهم من جملة المناسبة. الشرح: "الرابع: المناسبة" يزاد فيها "الإِخالة"؛ لأنَّهُ بالنظر إليه يُخَال أنه علة، "ويسمى: تخريج المناط (١) "؛ لأنَّهُ إِبداء ما نيط به الحكم، "وهو: تعيين العلة" في الأصل "بمجرد إِبداء المناسبة" بينها وبين الحكم "من ذاته"؛ أي: ذات الأصل "لا بنصّ ولا غيره" من إجماع أو غيره، "كالإِسكار في التحريم، والقتل العَمْد العدوان في القصاص". الشرح: "والمناسب: وصف ظاهر منضبط"، بحيث "يحصل عقلًا من ترتيب الحُكْم عليه ما يصلح أن يكون مقصودًا، من حصول منفعة، أو دَفْع مفسدة".

стр. 1997

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فالظَّاهر المنضبط: احتراز عن الوضف الخفي، وما لا ينضبط. وقولنا: "بحيث" لا بد منها، وإن أهملها الآمدي والمصنف، فالظاهر أنهما أراداها، وإلا يلزم أن يكون اعتبر في ماهيّة المناسبة ما هو خارج عنها، وهو اقتران الحُكْم للوصف، وهو خارج بدليل قولنا: المُنَاسبة مع الاقتران دليل العلّة، ولو كان الاقتران داخلًا، لما صحّ هذا. وما يصلح أن يكون مقصودًا: احتراز عن الوصف المُسْتبقى في السَّبر، والمَدَار في الدوران، وغيرهما. وقوله: "من حصول مصلحة، أو دفع مفسدة" بيان لقوله: ما يصلح. واعترض الشيخ الهِنْدِي: بأنه إن عني بقوله: يحصل من ترتيب الحكم علته، أنه يلزم من ترتيب ما يقتضيه الوصف من الحكم بحسب مناسبته له، فيلزم تعريف الشيء بنفسه؛ لأن تعريف المناسب إنما هو باعتبار مناسبته فتعريفه بالمناسبة تعريف للشيء بنفسه، وإِن عني به غيره فليبينه. سلمنا، ولكن لا حاجة إِلى هذا القيد، بل يكفي أن يقال: يلزم من حصوله حصول الحكم المستلزم لحصول ما يصلح أن يكون مقصودًا للشارع؛ لأنّا إِذا علمنا الوصف وحده، والحكم وحده، وما يصلح أن يكون مقصودًا وحده، علمنا من وجود الوصف مقارنة الحكم له، وحصول ما يصلح أن يكون مقصودًا، والمقارنة إِنما تراد لاعتبار المناسبة، لا لتحقيق ماهيّتها. وأما أنه يلزم من ترتيب الحكم على وفقه حصول ما يصلح أن يكون مقصودًا للشارع، فذلك زائد على ماهية المناسبة. وأيضًا فإنه غير جامع؛ لأن التعليل بالحكمةء الظاهرة المنضبطة جائز على المختار عند المصنّف، والوصفيّة غير متحقّقة فيها، مع تحقق المناسبة. "فإن كان" الوصف المذكور "خفيًّا، أو غير منضبط اعتبر ملازمه"، وهو وصف ظاهر منضبط ملازمه، فيجعل معرفًا للحكم، "وهو المظنة"، فيوجد بوجوده، ويعدم بعدمه، سواء أكانت الملازمة عقلية أم لا، وإنما لم يعتبر هو؛ لأنّه لا يعلم، فكيف يعلم به الحكم؟ وإليه أشار بقوله: "لأن الغيب لا يعرف الغَيْب، كالسّفر للمشقّة"؛ فإن المشقّة مناسبة

стр. 1998

وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ: الْمُنَاسِبُ: مَا لَوْ عُرِضَ عَلَى الْعُقُولِ تَلَقَّتْهُ بِالْقَبُولِ، وَقَدْ يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ مِنْ شَرْعِ الْحُكْمِ يَقِينًا وَظَنًّا؛ كَالْبَيْعِ وَالْقِصَاصِ، وَقَدْ يَكُونُ الْحُصُولُ وَنَفْيُهُ مُتَسَاوِيَيْنِ؛ كَحَدِّ الْخَمْرِ. لترتيب الترخُّص، واعتبارها في نفسها متعذّر؛ لعدم انضباطها، فنيط الترخُّص بملازمها، وهو السَّفر، "والفعل المقضي عليه عرفًا بالعَمْد في العمدية" بأن القَتْل العمد العدوان مناسب لشرع القِصَاص، لكن وصف العَمْد خفي؛ لأن القصد وعدمه أمر يقيني لا يدرك شيء منه، فنيط القِصَاص بما يلازم العمدية من أفعال مخصوصة يقضي بالعرف عليها بكونها عمدًا. الشرح: وقال أبو زيد الدّبوسي - ضرغام أصحاب الرأي -: "المُنَاسب: ما لو عرض على العقول تلقته بالقَبُول"، وهو معترف بأنه لا يمكن إِثباته في المُنَاظرة؛ إذ يقول الخَصْم: لا يتلقَّاه عَقْلي بالقبول،، وتلقي عقلك له لا يلزمني (١). "وقد يحصل المقصود من شرع الحكم يقينًا و" قد يحصل "ظنًّا". فاليقيني: "كالبيع"؛ فإِنه إذا كان صحيحًا، حصل منه الملك، الذي هو المقصود يقينًا. "و" الظَّني مثل: "القصاص" للانْزِجَارِ، فإن مشروعيته تقلل الإِقدام على القتل العَمد العدوان، وعليه نبه قوله - تعالى -: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]. "وقد يكون الحصول ونفيه متساويين، كحدّ الخمر"، فإِن حصول المقصود الَّذي هو حفظ العَقْل، وانتفاءه منه متساويان، فإن استيلاء ميل الطباع إِلى شرب الخَمْر يقاوم خوف عقاب الحَدّ، ولهذا نجد كثرة الممتنعين عنه مقاومة لكثرة المقدمين. واعترضه الهِنْدِي: بأن ذلك إِنما هو للتَّسَامح في إِقامة الحدود، وأما مع إقامتها فلا، ونحن إنما نعتبر كونه مُفْضيًا إِلى المقصود - أولًا - على تقدير رعاية المشروع، لا بمجرد تشريع الحكم. ولك أن تقول: ولو فرضنا رعاية المشروع، لكان إقامة حد الخمر أقل منعًا للشاريين،

стр. 1999

وَقَدْ يَكُونُ نَفْيُهُ أَرْجَحَ، كَنِكَاح الآيِسَةِ لِمَصْلَحَةِ التَّوَالُدِ. وَقَدْ يُنْكَرُ الثَّانِي وَالْثَّالِثُ. لنَا: أَنَّ الْبَيْعَ مَظِنَّةُ الْحَاجَةِ إِلَي التَّعَاوُضِ، وَقَدِ اعْتُبِرَ وَإِن انْتَفَى الظَّنُّ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، وَالسَّفَرُ مَظِنَّةُ الْمَشَقًةِ، وَقَدِ اعْتُبِرَ، وَإن انْتَفَى الظَّنُّ فِي الْمِلْكِ الْمُتَرَفِّهِ. أَمَّا لَوْ كَانَ فَائِتًا قَطْعًا؛ كَلُحُوقِ نَسَبِ الْمَشْرِقِيِّ بتَزوُّجِ ........... من إِقامة القصاص للقاتلين، ولا يخفى أن الخوف من إِزهاق الروح أعظم من خوف ثمانين جلدةً. الشرح: "وقد يكون نفيه أَرْجَحَ، كنكاح الآيِسَةِ لمصلحة التوالد"، فإِن مقصود النكاح الذي هو التَّوالد على ما قال ﷺ : "تَنَاكَحُوا تَكْثُرُوا، فَإنِّي أُبَاهِي بِكُمُ الأُمَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ"، قد يحصل من نكاح الآيِسَةِ، وحصوله منها مرجوح بالنسبة إلى عدم حصوله. وجعل المصنّف الأول والثاني، وهما: اليقيني والظَّني قسمًا واحدًا؛ لأنهما لا ينكران، وحينئذٍ يكون القِسْمان الأخيران ثانيًا وثالثًا، والصَّحيح جواز التعليل بكل الأقسام. الشرح: "وقد ينكر الثاني والثالث، لنا: أنَّ البيع مظنّة الحاجة إلى التعاوض، وقد اعتبر" شرعه، "وإن انتفى الظن" ظن الحاجة إلى التَّعَاوض "في بعض الصور"، فربّ بائع سلعة لا يحتاج إلى عوضها، ومُشْتر غير محتاج إِلى ما اشتراه، ويصح تعاوضهما إِجماعًا، "و" كذلك "السفر مظنّة المشقّة، وقد اعتبر. وإن انتفى الظن من الملك المترفه"، فذاك مثال للمناسب، وهذا لمظنّة المناسب، وهما دليلان على أنه يكفي في صحّة التعليل مجرد احتمال حصول المقصود، وكل هذا فيما إذا كان حصول المقصود محتملًا أولى وأخرى. الشرح: "أما لو كان فائتًا قطعًا، كلحوق نسب المَشْرقي بتزويج المَغْرِبية" الذي يقول به أبو حنيفة، "وكاستبراء جارية يشتريها بائعها في المَجْلس، فلا يعتبر؛ خلافًا للحنفية"، فإنا نعلم قطعًا عدم العُلوق منه في الأولى، وبراءة الرَّحم في الثانية، فلا وجه لاعتباره. فإن قلت: فلم توجبون - مَعَاشر الشافعية - الاستبراء والحالة هذه؟.

стр. 2000

مَغْرِبِيَّةٍ، وَكَاسْتِبْرَاءِ جَارِيَةٍ يَشْتَرِيهَا بائِعُهَا فِي الْمَجْلِسِ، فَلَا يُعْتبَرُ؛ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ. وَالْمَقَاصِدُ ضَرْبَانِ: ضَرُورِيٌّ فِي أَصْلِهِ، وَهُوَ أَعْلَى الْمَرَاتِبِ؛ كَالْخَمْسَةِ الَّتي رُوعِيَتْ فِي كُلِّ مِلَّةٍ: حِفْظِ الدِّينِ، وَالنَّفْسِ، وَالْعَقْلِ، وَالنَّسْلِ، وَالْمَالِ؛ كَقَتْلِ الْكُفَّارِ، وَالْقِصَاصِ، وَحَدِّ الْمُسْكِرِ وَجَلْدِ الزَّانِي، وَحَدِّ السَّارِقِ والْمُحَارِبِ. وَمُكَمِّلٌ لِلضَّرُورِيِّ، كَحَدِّ قَلِيلِ الْمُسْكِرِ. وَغَيْرُ ضَرُورِيٍّ: حَاجِيٌّ؛ كَالْبَيْعِ، وَالإجَارَةِ، وَالْقِرَاضِ، وَالْمُسَاقَاةِ، وَبَعْضُهَا قلت: لمجرد نقل الملك، على ما عرف في الفِقْهِيّات، وهو يؤول إِلى ضرب من التعبُّد، فالحاصل أنه لا يصحّ قياس في كل من الصورتين، والفُتْيَا في أحدهما للتعبُّد المحض، وظني أنّ الإِتيان بمثالين لهذا؛ فإن المقصود إِذا كان نافيًا قطعًا منه لا مدخل للتعبُّد فيه، كمسألة المشرقي والمغربية، فلا وجه للقول به، ومنه ما دخله ضرب من التعبُّد كالاستبراء، فالقول به فيه بالتعبُّد لا بالقياس. الشرح: "والمقاصد" التي يشرع لها الأحكام "ضربان" ضروري وغيره: الأول: الضروري، وهو قسمان: "ضروري في أصله، وهي أعلى المراتب" في إفادة ظن الاعتبار "كالخمسة التي رُوعِيَتْ في كل ملّة: حفظ الدين، والنفس، والعقل والنسل، والمال، كَقْتِل الكفار" حفظًا للدين، "والقصاص" للنفس، "وحدّ المسكر" للعقل، "وحد الزنا" للنسل، "وحَدّ السارق والمحارب" للمال. "ومكمل للضروري، كحدّ قليل المسكر"؛ لأنَّهُ داعٍ إلى كثيره، فمن حام حَول الحمى يوشك أن يُوَاقِعَهُ. الشرح: "و" الثاني: "غير ضروري" وهو - أيضًا - قسمان: "حاجي" وغيره، والحاجي إما حاجي في نفسه، أو مكمل، فالحاجي في نفسه "كالبيع، والإِجَارة، والقِرَاض، والمُسَاقاة"، فلا يظنن الظَّان أن المعاوضة ضرورية؛ إِذ ليس يلزم من فوات واحد من هذه الأمور فوات شيء من الضرورات الخمس، وادّعى الإمام أن البيع ضروري. ثم هذه الأمور ليست من مرتبةٍ واحدةٍ، بل متفاوتة، "وبعضها آكد من بعض"، ولربما
следующие страницы →