الرَّابِعُ: الْمُنَاسَبَةُ وَالْإِخَالَة، وَتُسَمَّى تَخْرِيجَ الْمَنَاطِ، وَهُوَ تَعْيِينُ الْعِلَّةِ بِمُجَرَّدِ إِبْدَاءِ الْمُنَاسَبَةِ مِنْ ذَاتِهِ لَا بِنَصٍّ وَلَا غَيْرِهِ؛ كَالْإِسْكَارِ فِي التَّحْرِيمِ، وَالْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ فِي الْقِصَاصِ.
وَالْمُنَاسِبُ: وَصْفٌ ظَاهِرٌ مُنْضَبِطٌ يَحْصُلُ عَقْلًا مِنْ تَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا مِنْ حُصُولِ مَصْلَحَةٍ أَوْ دَفْعِ مَفْسَدَةٍ.
فَإِنْ كَانَ خَفِيًّا أَوْ غَيْرَ مُنْضَبِطٍ، اعْتُبِرَ مُلَازِمُهُ وَهُو الْمَظِنَّةُ؛ لأَنَّ الغَيْبَ لَا يُعَرِّفُ الْغَيْبَ؛ كَالسَّفَرِ لِلْمَشَقَّةِ، وَالْفِعْلِ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ عُرْفًا بِالْعَمْدِ في الْعَمْدِيَّةِ.
"وفي المناسبة"؛ خاصّة يقال: "ولو سلم" عدم العلّية، "فقد ثبت ظهورها بالمناسبة"، لأنها بمجرّدها يغلب ظنّ العلّية - كما سيأتي إن شاء الله تعالى - ثم يقال في المُنَاسبة وغيرها: ذا ثبت ظهورها، وحصل ظنّ علّيتها، "فيجب اعتبارها في الجميع؛ للإِجماع على وجوب العَمَلِ بالظَّن في علل الأحكام"، ولا يخفي مما سطرناه أنه لا يشترط في الوَصْفِ المنتفي مناسبة، وقد خالف كثير من أصْحَابنا في ذلك، وعلى هذا فالسَّبْر عندهم من جملة المناسبة.
الشرح: "الرابع: المناسبة" يزاد فيها "الإِخالة"؛ لأنَّهُ بالنظر إليه يُخَال أنه علة، "ويسمى: تخريج المناط (١) "؛ لأنَّهُ إِبداء ما نيط به الحكم، "وهو: تعيين العلة" في الأصل "بمجرد إِبداء المناسبة" بينها وبين الحكم "من ذاته"؛ أي: ذات الأصل "لا بنصّ ولا غيره" من إجماع أو غيره، "كالإِسكار في التحريم، والقتل العَمْد العدوان في القصاص".
الشرح: "والمناسب: وصف ظاهر منضبط"، بحيث "يحصل عقلًا من ترتيب الحُكْم عليه ما يصلح أن يكون مقصودًا، من حصول منفعة، أو دَفْع مفسدة".
стр. 1997
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فالظَّاهر المنضبط: احتراز عن الوضف الخفي، وما لا ينضبط.
وقولنا: "بحيث" لا بد منها، وإن أهملها الآمدي والمصنف، فالظاهر أنهما أراداها، وإلا يلزم أن يكون اعتبر في ماهيّة المناسبة ما هو خارج عنها، وهو اقتران الحُكْم للوصف، وهو خارج بدليل قولنا: المُنَاسبة مع الاقتران دليل العلّة، ولو كان الاقتران داخلًا، لما صحّ هذا.
وما يصلح أن يكون مقصودًا: احتراز عن الوصف المُسْتبقى في السَّبر، والمَدَار في الدوران، وغيرهما.
وقوله: "من حصول مصلحة، أو دفع مفسدة" بيان لقوله: ما يصلح.
واعترض الشيخ الهِنْدِي: بأنه إن عني بقوله: يحصل من ترتيب الحكم علته، أنه يلزم من ترتيب ما يقتضيه الوصف من الحكم بحسب مناسبته له، فيلزم تعريف الشيء بنفسه؛ لأن تعريف المناسب إنما هو باعتبار مناسبته فتعريفه بالمناسبة تعريف للشيء بنفسه، وإِن عني به غيره فليبينه. سلمنا، ولكن لا حاجة إِلى هذا القيد، بل يكفي أن يقال: يلزم من حصوله حصول الحكم المستلزم لحصول ما يصلح أن يكون مقصودًا للشارع؛ لأنّا إِذا علمنا الوصف وحده، والحكم وحده، وما يصلح أن يكون مقصودًا وحده، علمنا من وجود الوصف مقارنة الحكم له، وحصول ما يصلح أن يكون مقصودًا، والمقارنة إِنما تراد لاعتبار المناسبة، لا لتحقيق ماهيّتها.
وأما أنه يلزم من ترتيب الحكم على وفقه حصول ما يصلح أن يكون مقصودًا للشارع، فذلك زائد على ماهية المناسبة.
وأيضًا فإنه غير جامع؛ لأن التعليل بالحكمةء الظاهرة المنضبطة جائز على المختار عند المصنّف، والوصفيّة غير متحقّقة فيها، مع تحقق المناسبة.
"فإن كان" الوصف المذكور "خفيًّا، أو غير منضبط اعتبر ملازمه"، وهو وصف ظاهر منضبط ملازمه، فيجعل معرفًا للحكم، "وهو المظنة"، فيوجد بوجوده، ويعدم بعدمه، سواء أكانت الملازمة عقلية أم لا، وإنما لم يعتبر هو؛ لأنّه لا يعلم، فكيف يعلم به الحكم؟ وإليه أشار بقوله: "لأن الغيب لا يعرف الغَيْب، كالسّفر للمشقّة"؛ فإن المشقّة مناسبة
стр. 1998
وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ: الْمُنَاسِبُ: مَا لَوْ عُرِضَ عَلَى الْعُقُولِ تَلَقَّتْهُ بِالْقَبُولِ، وَقَدْ يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ مِنْ شَرْعِ الْحُكْمِ يَقِينًا وَظَنًّا؛ كَالْبَيْعِ وَالْقِصَاصِ، وَقَدْ يَكُونُ الْحُصُولُ وَنَفْيُهُ مُتَسَاوِيَيْنِ؛ كَحَدِّ الْخَمْرِ.
لترتيب الترخُّص، واعتبارها في نفسها متعذّر؛ لعدم انضباطها، فنيط الترخُّص بملازمها، وهو السَّفر، "والفعل المقضي عليه عرفًا بالعَمْد في العمدية" بأن القَتْل العمد العدوان مناسب لشرع القِصَاص، لكن وصف العَمْد خفي؛ لأن القصد وعدمه أمر يقيني لا يدرك شيء منه، فنيط القِصَاص بما يلازم العمدية من أفعال مخصوصة يقضي بالعرف عليها بكونها عمدًا.
الشرح: وقال أبو زيد الدّبوسي - ضرغام أصحاب الرأي -: "المُنَاسب: ما لو عرض على العقول تلقته بالقَبُول"، وهو معترف بأنه لا يمكن إِثباته في المُنَاظرة؛ إذ يقول الخَصْم: لا يتلقَّاه عَقْلي بالقبول،، وتلقي عقلك له لا يلزمني (١).
"وقد يحصل المقصود من شرع الحكم يقينًا و" قد يحصل "ظنًّا".
فاليقيني: "كالبيع"؛ فإِنه إذا كان صحيحًا، حصل منه الملك، الذي هو المقصود يقينًا.
"و" الظَّني مثل: "القصاص" للانْزِجَارِ، فإن مشروعيته تقلل الإِقدام على القتل العَمد العدوان، وعليه نبه قوله - تعالى -: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩].
"وقد يكون الحصول ونفيه متساويين، كحدّ الخمر"، فإِن حصول المقصود الَّذي هو حفظ العَقْل، وانتفاءه منه متساويان، فإن استيلاء ميل الطباع إِلى شرب الخَمْر يقاوم خوف عقاب الحَدّ، ولهذا نجد كثرة الممتنعين عنه مقاومة لكثرة المقدمين.
واعترضه الهِنْدِي: بأن ذلك إِنما هو للتَّسَامح في إِقامة الحدود، وأما مع إقامتها فلا، ونحن إنما نعتبر كونه مُفْضيًا إِلى المقصود - أولًا - على تقدير رعاية المشروع، لا بمجرد تشريع الحكم.
ولك أن تقول: ولو فرضنا رعاية المشروع، لكان إقامة حد الخمر أقل منعًا للشاريين،
стр. 1999
وَقَدْ يَكُونُ نَفْيُهُ أَرْجَحَ، كَنِكَاح الآيِسَةِ لِمَصْلَحَةِ التَّوَالُدِ.
وَقَدْ يُنْكَرُ الثَّانِي وَالْثَّالِثُ.
لنَا: أَنَّ الْبَيْعَ مَظِنَّةُ الْحَاجَةِ إِلَي التَّعَاوُضِ، وَقَدِ اعْتُبِرَ وَإِن انْتَفَى الظَّنُّ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، وَالسَّفَرُ مَظِنَّةُ الْمَشَقًةِ، وَقَدِ اعْتُبِرَ، وَإن انْتَفَى الظَّنُّ فِي الْمِلْكِ الْمُتَرَفِّهِ.
أَمَّا لَوْ كَانَ فَائِتًا قَطْعًا؛ كَلُحُوقِ نَسَبِ الْمَشْرِقِيِّ بتَزوُّجِ ...........
من إِقامة القصاص للقاتلين، ولا يخفى أن الخوف من إِزهاق الروح أعظم من خوف ثمانين جلدةً.
الشرح: "وقد يكون نفيه أَرْجَحَ، كنكاح الآيِسَةِ لمصلحة التوالد"، فإِن مقصود النكاح الذي هو التَّوالد على ما قال ﷺ : "تَنَاكَحُوا تَكْثُرُوا، فَإنِّي أُبَاهِي بِكُمُ الأُمَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ"، قد يحصل من نكاح الآيِسَةِ، وحصوله منها مرجوح بالنسبة إلى عدم حصوله.
وجعل المصنّف الأول والثاني، وهما: اليقيني والظَّني قسمًا واحدًا؛ لأنهما لا ينكران، وحينئذٍ يكون القِسْمان الأخيران ثانيًا وثالثًا، والصَّحيح جواز التعليل بكل الأقسام.
الشرح: "وقد ينكر الثاني والثالث، لنا: أنَّ البيع مظنّة الحاجة إلى التعاوض، وقد اعتبر" شرعه، "وإن انتفى الظن" ظن الحاجة إلى التَّعَاوض "في بعض الصور"، فربّ بائع سلعة لا يحتاج إلى عوضها، ومُشْتر غير محتاج إِلى ما اشتراه، ويصح تعاوضهما إِجماعًا، "و" كذلك "السفر مظنّة المشقّة، وقد اعتبر.
وإن انتفى الظن من الملك المترفه"، فذاك مثال للمناسب، وهذا لمظنّة المناسب، وهما دليلان على أنه يكفي في صحّة التعليل مجرد احتمال حصول المقصود، وكل هذا فيما إذا كان حصول المقصود محتملًا أولى وأخرى.
الشرح: "أما لو كان فائتًا قطعًا، كلحوق نسب المَشْرقي بتزويج المَغْرِبية" الذي يقول به أبو حنيفة، "وكاستبراء جارية يشتريها بائعها في المَجْلس، فلا يعتبر؛ خلافًا للحنفية"، فإنا نعلم قطعًا عدم العُلوق منه في الأولى، وبراءة الرَّحم في الثانية، فلا وجه لاعتباره.
فإن قلت: فلم توجبون - مَعَاشر الشافعية - الاستبراء والحالة هذه؟.
стр. 2000
مَغْرِبِيَّةٍ، وَكَاسْتِبْرَاءِ جَارِيَةٍ يَشْتَرِيهَا بائِعُهَا فِي الْمَجْلِسِ، فَلَا يُعْتبَرُ؛ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ.
وَالْمَقَاصِدُ ضَرْبَانِ: ضَرُورِيٌّ فِي أَصْلِهِ، وَهُوَ أَعْلَى الْمَرَاتِبِ؛ كَالْخَمْسَةِ الَّتي رُوعِيَتْ فِي كُلِّ مِلَّةٍ: حِفْظِ الدِّينِ، وَالنَّفْسِ، وَالْعَقْلِ، وَالنَّسْلِ، وَالْمَالِ؛ كَقَتْلِ الْكُفَّارِ، وَالْقِصَاصِ، وَحَدِّ الْمُسْكِرِ وَجَلْدِ الزَّانِي، وَحَدِّ السَّارِقِ والْمُحَارِبِ.
وَمُكَمِّلٌ لِلضَّرُورِيِّ، كَحَدِّ قَلِيلِ الْمُسْكِرِ.
وَغَيْرُ ضَرُورِيٍّ: حَاجِيٌّ؛ كَالْبَيْعِ، وَالإجَارَةِ، وَالْقِرَاضِ، وَالْمُسَاقَاةِ، وَبَعْضُهَا
قلت: لمجرد نقل الملك، على ما عرف في الفِقْهِيّات، وهو يؤول إِلى ضرب من التعبُّد، فالحاصل أنه لا يصحّ قياس في كل من الصورتين، والفُتْيَا في أحدهما للتعبُّد المحض، وظني أنّ الإِتيان بمثالين لهذا؛ فإن المقصود إِذا كان نافيًا قطعًا منه لا مدخل للتعبُّد فيه، كمسألة المشرقي والمغربية، فلا وجه للقول به، ومنه ما دخله ضرب من التعبُّد كالاستبراء، فالقول به فيه بالتعبُّد لا بالقياس.
الشرح: "والمقاصد" التي يشرع لها الأحكام "ضربان" ضروري وغيره:
الأول: الضروري، وهو قسمان: "ضروري في أصله، وهي أعلى المراتب" في إفادة ظن الاعتبار "كالخمسة التي رُوعِيَتْ في كل ملّة: حفظ الدين، والنفس، والعقل والنسل، والمال، كَقْتِل الكفار" حفظًا للدين، "والقصاص" للنفس، "وحدّ المسكر" للعقل، "وحد الزنا" للنسل، "وحَدّ السارق والمحارب" للمال.
"ومكمل للضروري، كحدّ قليل المسكر"؛ لأنَّهُ داعٍ إلى كثيره، فمن حام حَول الحمى يوشك أن يُوَاقِعَهُ.
الشرح: "و" الثاني: "غير ضروري" وهو - أيضًا - قسمان: "حاجي" وغيره، والحاجي إما حاجي في نفسه، أو مكمل، فالحاجي في نفسه "كالبيع، والإِجَارة، والقِرَاض، والمُسَاقاة"، فلا يظنن الظَّان أن المعاوضة ضرورية؛ إِذ ليس يلزم من فوات واحد من هذه الأمور فوات شيء من الضرورات الخمس، وادّعى الإمام أن البيع ضروري.
ثم هذه الأمور ليست من مرتبةٍ واحدةٍ، بل متفاوتة، "وبعضها آكد من بعض"، ولربما
стр. 2001
آكَدُ مِنْ بَعْضٍ، وَقَدْ يَكُونُ ضَرُورِيًّا؛ كَالإِجَارَةِ فِي تَرْبِيَةِ الطِّفْلِ، وَشِرَاءَ الْمَطْعُومِ وَالْمَلْبُوسِ لَهُ وَلغَيْرِهِ.
وَمُكَمِّلٌ لَهُ؛ كَرِعايَةِ الْكَفَاءَةِ، وَمَهْرِ الْمِثْلِ فِي الصَّغِيرَةِ؛ فَإِنَّهُ أَفْضَى إِلَى دَوَامِ النِّكَاحِ.
وَغَيْرُ حَاجِيٍّ، وَلَكِنَّهُ تَحسِينِيٌّ؛ كَسَلْبِ الْعَبْدِ أَهْلِيَّةَ الشَّهَادَةِ لِنَقْصِهِ عَنِ الْمَنَاصِبِ الشَّرِيفَةِ؛ جَرْيًا عَلَى مَا أُلِفَ مِنْ مَحَاسِنِ الْعَادَاتِ.
رقي بعضها إِلى حد الضرورة، وذلك نادر، فلذلك أطلقنا الجَاجِيّ على القسم مطلقًا باعتبار الأغلب، وإلى هذا أشار بقوله: "وقد يكون ضروريًا، كالإِجَارَةِ على تربية الطفل، وشراء المطعوم والملبوس له و" كذا شراؤه "لغيره".
والمكمل للحَاجِيّ، وإليه أشار بقوله: "ومكمل له، كرعاية الكَفَاءَةِ، ومهر المِثل في الصَّغيرة، فإنه أفضى إلى دوام النكاح"، فكان من مكملات مقصود النِّكاح.
الشرح: "و" القسم الثاني: ما هو "غير حَاجِيّ، لكنه تَحْسيني"، وهو قسمان:
أحدهما - وعلى ذكره اقتصر المصنّف، ما يقع على غير مُعَارضة قاعدة معتبرة، "كَسَلْبِ العبد أهليّة الشهادة، لنقصه عن المَنَاصب الشريفة؛ جريًا على ما ألف من محاسن العادات".
والثاني: ما يقع معارضًا لقاعدة، كالكتابة، فإِنها مستحسنة من حيث كونها مكرمة، ووقعت ناقضة لقاعدة امتناع معاملة السَّيد عبده، ومقابلته ماله بماله.
واعلم أنه قد يقع في كل من هذه الأقسام ذكر ما يظهر كونه منه، وعكسه، وما يستوي الأمران فيه.
فالأول: كوجوب القِصَاصِ بالمُثَقَّل؛ إذ يظهر أنه من المصالح الضَّرورية في حفظ النفوس؛ لأنَّهُ لو لم يجب لَفَاتَ المقصود منها؛ لأن من يريد قتل إنسان يعدل عن المحدد دَرْءًا للقصاص عن نفسه، وليست في المُثَقّل زيادة مُؤْنَةٍ على المُحَدّد، حتَّى يقال: لا يكثر بسببها القَتْل، بل المُثَقّل أسهل وجودًا من المحدد.
والثاني: كإيجاب القصاص - على أحد الوجهين عندنا - بالقتل بِغَرْزِ الإبرة في غير مَقْتَلٍ، بحيث لا يعقب ألمًا وَوَرمًا ظاهرًا، وكذا إبانة فَلْقَة خفيفة من اللحم، على ما ذكره
стр. 2002
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إمام الحرمين، ونظائر ذلك، فإنه يظهر أنه ليس من الضَّروري؛ إِذ لا يفضي إِلى الهلاك إلا نادرًا، فأشبه السّوط.
والثالث: كإِيجاب القِصَاصِ على الجماعة بقتل واحد (١)؛ لاحتمال إِلحاقه بالمصالح
стр. 2003
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الضرورية؛ إذ لو لم نوجبه لاسْتَعَان كلّ من أراد قتل إِنسان بصديق يشاركه، فتبطل فائدة مشروعية القِصَاصِ، واحتمال خروجه عنه؛ لاحتياجه إلى مشاركة غيره، والظَّاهر أن ذلك الغير لا يشاركه، فلم تساو المصلحة - هنا - المَصْلحة في وجوب القصاص في المُنْفرد، ومن أجل نزول هذا القسم عن الأول، كان في المذهب قول استنبطه أبو حَفْصِ بن الوكيل (١): أن الجماعة لا يقتلون بالواحد.
وقول آخر عن القديم: أن ولي الدم يقتل واحدًا يختاره من الجماعة، ويأخذ حصّة الآخرين، ولا يقتل الجميع.
стр. 2004
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولا خلاف بين أصحابنا في وجوب القِصَاصِ بالمُثقل، ومن أجل تعاليه عن الثَّاني كان الخلاف فيه أضعف منه في الثاني.
стр. 2005
مَسْأَلَةٌ:
الْمُخْتَارُ: انْخِرامُ الْمُنَاسَبَةِ؛ لِمَفْسَدَةٍ تَلْزَمُ رَاجِحَةً أَوْ مُسَاوِيَةً.
لَنَا: أَنَّ الْعَقْلَ قَاضٍ بِأَنْ لَا مَصْلَحَةَ مَعَ مَفْسَدَةٍ مِثْلِهَا.
«مسألة»
الشرح: "المختار انْخِرَام المناسبة بمفسدة تلزم راجحة أو مساوية"، وهو رأي الشيخ الهِنْدِي، وخالف فيه الإمام وأصحابه (١).
"لنا: أن العقل قاضٍ بأن لا مصلحة" في الشيء "مع" اشتماله على "مفسدة مثلها"، ولهذا إِذا أخذ واحد يسعى لتحصيل مثل هذه المصلحة، ينسبه أهل العقل إِلى السَّفه، وكذلك إِذا كان للبلد الذي يقصده المُسَافر طريقان، يقصر في أحدهما، ولا يقصر في الآخَر، فسلك الأبعد لغير غَرَضٍ، لم يقصر في أصح القولين، وإذا ثبت انخرام المَصْلَحة بالمَفْسَدَة المساوية، فبالزائدة أولى.
стр. 2006
قَالُوا: الصَّلَاةُ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ تَلْزَمُ مَصْلَحَةً وَمَفْسَدَةَ تُسَاوِيهَا أَوْ تَزِيد، وَقَدْ صَحَّتْ.
قُلْنَا: مَفْسَدَةُ الْغَصْبِ لَيْسَتْ عَنِ الصَّلَاةِ، وَبِالْعَكْسِ، ولَوْ نَشَأَا مَعًا عَنِ الصَّلَاةِ، لَمْ تَصِحَّ، وَالتَّرْجِيحُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَسَائِلِ، وَيُرَجَّحُ بِطَرِيقٍ إجْمَالِيٍّ، وَهُوَ أنَّهُ لَوْ لَمْ يُقَدَّرْ رُجْحَانُ الْمَصْلَحَةِ، لَزِمَ التَّعَبُّدُ بِالْحُكْمِ.
الشرح: "قالوا: الصلاة في الدار المَغْصُوبة تلزم مصلحة ومفسدة تساويها، أو تزيد"؛ لأن المصلحة لا تزيد على المفسدة، وإلا لما حرمت، فيجب مُسَاواة المفسدة، أو زيادتها، فلو انخرمت المُنَاسبة بذلك، لما صحت الصلاة، "وقد صحت".
"قلنا: مفسدة الغَصْب ليست عن الصَّلاة، وبالعكس؛ فإنه لو شغل المكان من غير أن يصلى لأثم، ولو أدَّى الصَّلاة في غير المغصوب لصحت، والكلام إِنما هو في مصلحة ومفسدة لشيء واحد.
والدليل على أنهما معًا لم ينشأَا من شيء واحد: أنه لو فرضناهما ناشئين من نفس الصلاة لوجب ألا تصح قطعًا، كما في صوم يوم العِيدِ، وذلك لتعارض الدَّاعي إلى الأمر بها، والصَّارف عنه، مع المساواة، أو رُجْحَان الصارف، والأمر عند ذلك محال، انخرمت المناسبة أولا، إِذ لا نزاع في بُطْلَان حكمها، وقد أشار إلى هذا بقوله: "ولو نشأا معًا عن الصلاة، لم تصح".
وإذا عرفت أنه لا بد من رُجْحان المصلحة على المفسدة عند تعارضهما، فلا بد من الترجيح، "والترجيح يختلف باختلاف المسائل"، وينشأ من خُصُوصياتها ما لا يحيط بمجموعها، وربّ شيئين يَتَعَارضان في مسائل، ولا يقع التَّرْجيح بينهما، إِلَّا في خصوصيات المَسَائل، كما قيل: لا يطلق تَرْجيح بين القولين: في أن الرَّجْعة هل تقطع الزوجية؟
وأن الإبراء هل هو إسقاط أو تمليك؟
وأن النذر هل يسلك به مسلك واجب الشرع أو جائزه؟، وإنما ينظر في كل فرع بخصوصه.
"ويرجّح" - أيضًا - "بطريق إجمالي" شامل لجميع المسائل، "وهو أنه لو لم يقدر رُجْجان المصلحة" على المفسدة في محلّ النزاع "لزم" أن يكون الحكم ثبت فيه من غير مُرَاعاة مصلحة، وهو "التعبد بالحكم" وذلك على خلاف الأصل.
стр. 2007
وَالْمُنَاسِبُ: مُؤَثِّرٌ، وَمُلَائِمٌ، وَغَرِيبٌ، وَمُرْسَلٌ؛ لأِنَّهُ إِمَّا مُعْتبَرٌ أَوْلَا؛ فَالْمُعْتبَرُ بنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ هُوَ الْمُؤَثِّر، وَالْمُعْتبَرُ بِتَرْتِيب الْحُكْمِ عَلَى وَفْقِهِ فَقَطْ إِنْ ثَبَتَ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ: اعْتِبَارُ عَيْنِهِ فِي جِنْس الْحُكْمِ أَوْ بِالْعَكْسِ، أوْ جِنْسِهِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ فَهُوَ الْمُلَائِم، وَإلَّا فَهُوَ الْغَرِيبُ، وَغَيْرُ الْمُعْتبَرِ: هُوَ الْمُرْسَلُ.
الشرح: "والمناسب" تحته أنواع، نقول قبل ذكرها: اعلم أنّ للجنسية في الحكم والوصف مَرَاتب، بحسب الخُصُوص والعموم، فأما في الحكم فأعمّ أجناسه: كونه حكمًا شرعيًّا، ثم الوجوب، ثم وجوب العِبَادات، ثم وجوب الصَّلاة.
وأما في الوصف، فكونه وصفًا يُنَاط به الحكم، فيدخل فيه المُنَاسب وغيره، ثم المُنَاسب، ثم الضروري منه، ثم الضروري في حفظ الدين، والأوصاف إِنما يلتفت إِليها إذا ظنّ اعتبار الشارع إِياها، وكلما كان التفات الشَّارع إِليه أكثر، كان ظن كونه معتبرًا أقوى، والأخصّ أبدًا آكد، فيقدم على الأعم.
إِذا عرفت هذا، فأنواع المناسب: "مؤثر، وملائم، وغريب، ومرسل؛ لأنَّهُ إما معتبر" في نظر الشارع؛ أي: اعتبر عينه في عين الحُكم "بنص أو إجماع"، وذلك "هو المؤثر" سمي بذلك؛ لظهور تأثيره.
أو يعتبر لا بنص ولا إِجماع، بل بترتب الحكم على الوَصْف فقط، وإليه أشار بقوله:
"والمعتبر بترتيب الحكم على وفقه فقط"، و - حينئذٍ - "إن ثبت بنصّ أو إجماع اعتبار عينه" أي: عين الوصف، "في جنس الحكم، أو بالعكس"، وهو جنس الوصف في عَيْنِ الحكم، "أو" اعتبار "جنسه في جنس الحكم، فهو الملائم، وإلا" أي: وإِن لم يثبت بنصّ أو إِجماع واحد منها، بل اعتبر الشَّارع عين الوصف في عين الحُكْم بترتيب الحكم عليه فقط، "فهو الغريب، وغير المعتبر هو المرسل".
стр. 2008
فَإِن كَانَ غَرِيبًا أَوْ ثَبَتَ إِلْغَاؤُه، فَمَرْدُودٌ اتِّفَاقًا، وَإِنْ كَانَ مُلَائِمًا، فَقَدْ صَرَّحَ الإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - بِقَبُولهِ، وَذُكِرَ عَنْ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُما اللَّهُ.
وَالْمُخْتَارُ رَدُّه، وَشَرَطَ الْغَزالِيُّ فِيهِ أَنْ تَكُونَ الْمَصْلَحَةُ ضَرُورِيَّةً قَطْعِيَّةً كُلِّيَّةً، فالأَوَّلُ كَالتَّعْلِيلِ بالصِّغَرِ فِي حَمْلِ النِّكَاحِ عَلَى الْمَالِ فِي الْوِلَايَةِ؛ فَإِنَّ عَيْنَ الصِّغَرِ مُعْتَبَرٌ فِي جِنْسِ حُكْمِ الْوِلَايَةِ بِالإِجْمَاعِ.
الشرح: ثم هو ينقسم باعتبار إِلى: مرسل ملائم، ومرسل غريب؛ لأنه إِن اعتبر جنسه البعيد في جنس الحُكْم، فهو الملائم، وإلا فالغريب، وباعتبار آخر، إلى: ما علم من الشارع إلغاؤه، وما لم يعلم.
"فإن كان غريبًا، أو ثبت إلغاؤه، فمردود اتفاقًا"، ولا يظن أن مالكًا ﵁ ولا غيره من العلماء يخالف [هنا] (١).
ولقد قال إمام الحرمين: لا نرى التَّعلُّق بكل مصلحة، مع أن من جملة ذلك ما لم يعلم إِلغاؤه، فكيف نقول بما علم إِلغاؤه (٢).
"وإن كان ملائمًا، فقد صرح الإمام والغزالي (٣) بقبوله، وذكر عَنْ مالك والشافعي"، والذي صحّ عن مالك أنه اعتبر جنس المصالح مطلقًا، ولا كذلك الإِمام والغزالي؛ فإِنهما لا ينسحبان على هذا المذهب، بل قد بالغ الإمام في "البرهان" في الرد على مالك.
وأما الشافعي ﵁ فإِنه لا ينتهي إلى مقالة مالك، ولا يستجيز الثَّنائي والإفراط في البعد، وإنما يسوغ تعليق الإحْكام بمصالح يراها شَبِيهَةً بالمصالح المعتبرة وفاقًا، وبالمصالح المستندة إلى أحكام ثابتة الأصول، قارّة في الشريعة، وإمام الحرمين يختار نحو ذلك.
الشرح: "والمختار" عند الأكثر، منهم المصنّف: "رده، وشرط الغَزَالي فيه أن تكون
стр. 2009
وَالثَّانِي: كَالتَّعْلِيلِ بِعُذْرِ الْحَرَجِ فِي حَمْلِ الْحَضَرِ بِالْمَطَرِ عَلَى السَّفَرِ فِي الْجَمْع؛ فَإِنَّ جِنْسَ الْحَرَجِ مُعْتَبَرٌ فِي عَيْنِ رُخْصَةِ الْجَمْعِ.
وَالثَّالِثُ: كَالتَّعْلِيلِ بِجنَايَةِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ فِي حَمْلِ الْمُثَقَّلِ عَلَى الْمُحَدَّدِ في الْقِصَاصِ؛ فَإِنَّ جِنْسَ الْجِنَايَةِ مُعْتبَرٌ فِي جِنْسِ الْقِصَاصِ؛ كَالأَطْرَافِ وَغَيْرِهَا.
المصلحة ضرورية"، لا حاجية، "قطعيَّةً"، لا ظنية، "كلية"، لا جزئية؛ أي: مختصّة بشخص، كما إِذا تَتَرَّس الكفار بأُسَارَى المسلمين، وعلمنا أنَّا إِن لم نرم الترس استأصلوا المسلمين المتترس بهم وغيرهم، وإن رميناه اندفع قطعًا، مع قتلنا - إِذ ذاك - مسلمًا من دون جَرِيمةٍ صدرت منه.
وإنما يعتبر - والحالة هذه - لأنا لو كففنا عن التّرسِ لسلطنا الكُفّار على جميع المسلمين، فيقتلوهم، ثم يقتلون الأُساري أيضًا، فحفظ المسلمين أقرب إِلى مقصود الشرع؛ لأنا نقطع أنّ الشرع يقصد تقليل القَتل، كما يقصد حسم سبيله عند الإِمكان، فإِن لم نقدر على الحَسْمِ، فقد قدرنا على التَّقْليل، وكان هذا التفاتًا إِلى مصلحة علم بالضرورة كونها مقصودةً بالشرع، لا بدليل واحدٍ، بل بأدلة كثيرة، ولكن تحصيل هذا المَقْصد، بهذا الطريق، وهو قتل من لم يذنب، لم يشهد له أصل معين، فينقدح اعتبار هذه المَصْلحة باعتبار الأوصاف الثلاثة، وهي كونها ضروريةً، قطعية، كلية، فليس في معناها ما لو تَتَرَّس الكفار في قلعة بمسلم، فإِنه لا يحل رمي الترس؛ إِذ لا ضرورة بنا إِلى أخذ القَلْعَةِ، فنعدل عنها، ولا إِذا لم نقطع بظَفرِهم بنا، فإِنها ليست قطعية، بل ظنية، ولا رمي بعض المسلمين من السفينة لنَجَاةِ بعض؛ إذ ليست كلية، ولعل المصلحة في بقاء من القي دون من بقي.
واعلم أن الغزالي إنما اشترط القَطْع، للقطع بالقول بالمرسل - والحالة هذه - لا لترجيح القول به، بل هو يرجّح القول به وإن لم ينته إلى القطع، وقد قال في كثير من كتبه كـ"المُسْتَصْفى" و"شفاء العليل" وغيرهما، بأن الظن القريب من القطع نازل منزلةَ القطع، وهو الصواب، فلقد حكى أصحابنا في مسألة التترس وجهين من غير تصريح منهم باشتراط القَطْع، وعللوا وجه المنع بأن غاية الأمر أن نخاف على أنفسنا، ودم المسلم لا يُبَاح بالخوف، وهذا تصريح بِجَرَيانِ الخلاف في صورة الخوف، ولا قاطع فيه، فالمناسب في حالة القَطْعِ مجزوم باعتباره، وإنما الخلاف في حالة الخوف، فاعرف ذلك، ولنذكر أمثلة أقسام المناسب:
стр. 2010
وَالْغَرِيبُ: كَالتَّعْلِيلِ بالْفِعْلِ الْمُحَرَّمِ لِغَرَضٍ فَاسِدِ فِي حَمْلِ الْبَاتِّ فِي الْمَرَضِ عَلَى الْقَاتِلِ فِي الْحُكْمِ بِالْمُعَارَضَةِ بِنَقِيضِ الْمَقْصُودِ؛ حَتَّى صَارَ تَوْرِيثُ الْمَبْتُوتَةِ كَحِرْمَانِ الْقَاتِلِ.
وَكَالتعْلِيلِ بِالاِسْكَارِ فِي حَمْلِ النَّبِيذِ عَلَى الْخَمْرِ؛ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ النَّصِّ بِالتَّعْلِيلِ بِهِ.
"فالأول" وهو: تأثير عين الوصف في جنس الحُكْم "كالتعليل بالصّغر؛ في حمل النكاح على المال في الولاية" بجامع الصغر، "فإن عين الصّغيرة معتبر في جنس الولاية بالإِجماع"، فالوصف الصغير، وهو أمر واحد، والحكم الولاية، وهو جنس يجمع ولايتي النكاح والمَال اللذين هما نوعان من التصرف.
الشرح: "والثاني" وهو: اعتبار جنس الوَصْف في [عين] (١) الحكم، "كالتعليل بعذر الحَرَجِ في حمل الحضر بالمطر على السفر في "قولنا: يجمع بين الصَّلاتين بالمطر قياسًا على السفر، بجامع الحرج، فالحكم رُخْصة "الجمع" وهو واحد، والوصف: الحرج، وهو جنس يجمع الحاصل بالسَّفر والمطر وهما نوعان له، وقد اعتبر، "فإن جنس الحرج معتبر في [عين] (٢) رُخْصَةِ الجمع.
والثالث" وهو: اعتبار جنس الوَصْفِ في جنس الحكم "كالتعليل بجناية القتل العَمْد العدوان، في حمل المُثَقّل على المُحَدّد في القصاص"، فالحكم مطلق القصاص، وهو جنس يجمع قصاص النفس والطرف، والوصف جناية العَمْد العدوان، وهو جنس يجمع الجِنَاية في النفس والطّرف والمال، وقد اعتبر؛ "فإن جنس الجناية معتبر في جنس القصاص، كالأطراف وغيرها"، فهذه أمثلة المناسب الملائم.
الشرح: "والغريب كالتعليل بالفعل المحرم لغرض فاسدٍ في حمل البَاتّ في المرض على القاتل في الحكم بالمُعَارضة بنقيض المقصود حتَّى صار توريث المَبْتُوتَةِ، كحرمان القاتل"، كما يقول المالكي، وهو قول قديم لنا: من بتّ طلاق امرأته فرارًا من أنها تَرِثُه،
стр. 2011
وَالْمُرْسَلُ: الَّذِي ثَبَتَ إِلْغَاؤُهُ؛ كَإِيجَابِ شَهْرَيْنِ ابْتِدَاءً فِي الظِّهَارِ.
وتَثْبُتُ عِلِّيَّةُ الشَّبَهِ بِجَمِيع الْمَسَالِكِ، وَفِي إِثْبَاتِهِ بِتَخْرِيجِ الْمَنَاطِ نَظَرٌ، وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ: هُوَ الَّذِي لَا تَثْبُتُ مُنَاسَبَتُهُ إِلَّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: مَا يُوهِمُ الْمُنَاسَبَةَ، وَيَتَمَيَّزُ عَنِ الطَّرْدِيِّ بِأَنَّ وُجُودَهُ كَالْعَدَمِ،
تورث منه قياسًا على القاتل، حيث عورض بنقيض مقصوده، وهو أن يرث؛ فحكم بعدم إِرثه، والجامع بينهما كونهما فعلًا محرمًا لغرض فاسد، وهذا له وجه مناسبة، وفي ترتيب الحكم عليه تحصيل مصلحة، وهو [نهيهما] (١) عن الفعل المحرم، لكن لم يشهد له أصل بالاعتبار، بنصّ أو إِجماع.
ومثاله على مذهبنا إثبات الشفعة للشريك مُعَاملة له بنقيض مقصوده، إِذ باع الأجنبي ولم يؤذن شريكه، فهذا مثال للغريب المرسل.
وأما الغريب غير المرسل، فقد أشار إِلى مثاله بقوله: "وكالتعليل بالإسكار"؛ لكونه مناسبًا "في حمل النَّبِيّذِ على الخمر على تقدير عدم النَّص بالتعليل"؛ أي: النص على أن الإِسكار علة، فإن الشّارع اعتبر عين الإسكار في عين التحريم على الإِسكار فقط؛ لأن التقدير عدم النَّص على عليته، ولم يثبت بنص أو إِجماع اعتبار عين الإِسكار في جنس تحريم الخمر، ولا عكسه، ولا جنسه في جنسه.
الشرح: "والمرسل: الَّذي ثبت إلغاءه كإيجاب شهرين ابتداء في "كَفّاة "الظِّهَار" على من يسهل عليه إِعتاق الرقبة في قضاء أربه، ولقد سفه ذوُو الأحلام والنُّهي من حملة الشريعة صنيع يحيى بن يحيى المَغْربي، حيث أفتى ملكًا جامع في نهار رمضان: بصيام شهرين متتابعين، معتذرًا بأنه لو أمره بالعِتْقِ، لاستحقره في قضاء شهوته، وقالوا: هذه مخالفة للنّص؛ فإن الشارع أوجب الإِعتاق أولًا، ولم يلتفت إلى ذلك.
الشرح: "وتثبت علية الشّبه بجميع المسالك" من الإِجماع، والنَّص، والسَّبر، والتقسيم، "وفي إثباته بتخريج المناط"، وهو المناسبة "نظر".
стр. 2012
وَعَنِ الْمُنَاسِبِ الذاتِيِّ بِأَنَّ مُنَاسَبَتَهُ عَقْلِيَّةٌ وَإنْ لَمْ يَرِدْ شَرْعٌ؛ كَالإسْكَارِ فِي التَّحْرِيمِ.
مِثَالُهُ: طَهَارَةٌ تُرَادُ لِلصَّلَاةِ، فَيَتَعَيَّنُ لها الْمَاءُ، كَطَهَارَةِ الْحَدَثِ، فَالْمُنَاسَبَةُ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ، وَاعْتِبَارُهَا فِي مَسِّ الْمُصْحَفِ وَالصَّلَاةِ مُوهِمٌ.
وَقَوْلُ الرَّادِّ لَهُ: إمَّا أَنْ يَكُونَ مُنَاسِبًا أَوْلا:
والحق: أنه لا يثبت؛ لأن المناسبة قسيم الشّبه، فكيف يثبت بها؟
"ومن ثم قيل" في تعريف الشبه: "هو الذي لا تثبت مناسبته إلا بدليل منفصل"، وهذا بخلاف المُنَاسبة، فإِن علتها ثابتة بالذات.
"ومنهم من قال: ما يوهم المُنَاسبة"، وليس بمناسب، وهو نسبة الوَصْف الطَّرْدي من حيث إِنه غير مناسب، ونسبة المناسب من حيث الْتِفات الشرع إليه، "ويتميز عن الطَّرْدي بأن وجوده كالعَدَم"، كما يقال في الخلّ: مائع لا تبنى القَنْطَرة على جنسه، فلا يزيل الخبث كالزيت، فإن ذلك مما أَلْغاء الشَّارع قطعًا، بخلاف الذُّكورة والأُنُوثة، فإنه اعتبر في بعض الأحكام.
"و" تميز "عن المناسب الذاتي بأن مناسبته عقليّة وإن لم يرد شرع، كالإِسكار في التحريم"؛ إذ العَقْل يدرك مناسبته له، بخلاف الشبه، وقد وضح لك بهذا أن الشبه منزلةٌ بين منزلتي المُنَاسبة والطردي، وهذا ما لا خلاف فيه، وإِن تكاثر التَّشَاجر في تعريف هذه المنزلة، ومع هذا لم أجد لأحد تعريفًا صحيحًا، وقد اعترف إمام الحرمين: بأنه لم تتحرّر فيه عبارة مستمرة في صناعة الحُدُود.
وما أحسن قول ابن السَّمْعاني: قياس المعنى تحقيق، والشّبه تقريب، والطرد تَحكّم.
ثم قال: قياس المعنى ما يناسب الحكم ويستدعيه، ويؤثر فيه، والطَّرد عكسه، والشبه: أن يكون لفرع بحادثة أَصْلان، فيلحق بأحدهما بنوع شبه مقرب؛ أي: يقرب الفَرْع من الأصل في الحكم المطلوب من غير تعرّض لبيان المعنى.
الشرح: "مثاله": قولنا في إزالة الخَبَث: "طهارة تُرَاد للصّلاة، فيتعين لها الماء كطهارة الحَدَثِ، فالمناسبة" بين كونها طَهَارة تراد للصَّلاة وتعين الماء "غير طهارة، واعتبارها في مسّ المصحف والصلاة موهم" للمناسبة.
стр. 2013
وَالأَوَّلُ: مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، فَلَيْسَ بِهِ.
وَالثَّانِي: طُرِدَ: فَيُلْغَى.
أُجِيبَ: مُنَاسِبٌ، وَالْمُجْمَعُ عَلَيْهِ الْمُنَاسِبُ لِذَاتِهِ، أَوْلَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا.
"وقول الرَّاد له: إما أن يكون مناسبًا أولا، والأول مجمع عليه"؛ أي: على القول به "والثاني: طرد، فيلغى".
"أجيب" بأنه: "مُنَاسب" بالتّبع، لا بالذَّات، "والمجمع عليه المناسب لذاته" وأجيب: بخطّ المصنّف من غير "و"، فهي خبر قوله: "وقول الرَّاد له".
قال: "أولا واحد منهما" أي: سلمنا أنه غير مناسب، ولكن لا يلزم أن يكون طردًا؛ لأن بين المناسب والطَّرد واسطة، وهي هو، ويتميز عن كل منهما بما ذكرناه.
واعلم أنّ الناس اختلفوا في قياس الشبه (١) بعد إِجماعهم على أنه لا يُصَار إِليه مع إِمكان قياس العلّة، فظاهر مذهب الشافعي قبوله.
قال ابن السَّمعاني: وقد أشار إلى الاحتجاج به في مواضع من كتبه، وأقرب شيء في ذلك قوله في إِيجاب النِّية في الوضوء: كالتيمم طَهَارتان، فكيف يفترقان؟ وتابعه على ذلك أكثر الأصحاب.
ورده القاضي أبو بكر، والصَّيْرفي، وأبو إِسحاق المَرْوَزِيّ، وأبو إِسحاق الشيرازي من أصحابنا، وأبو زيد الدّبوسي، وغيره من الحنفية.
ونازع القاضي أبو بكر والشَّيخ أبو إِسحاق في صحّة القول بقياس الشّبه عن الشافعي،
стр. 2014
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال الشيخ أبو إِسحاق: إِنما أراد ترجيح إِحدى العلّتين في الفرع بكثرة الشبه.
ثم اختلف القائلون بقياس الشَّبه، فمنهم من اعتبره مطلقًا، ومنهم من شرط في اعتباره [إرهاق] (١) الضرورة إلى الحكم في واقعة لا يوجد فيها إِلَّا الوصف الشبهي، ومنهم من شرط في اعتباره أن يجتذب الفَرْع أصلان، فيلحق بأحدهما بِغَلبةِ الأشباه، ويسمونه - والحالة هذه - قياس غلبة الأشباه، وهذا ما يدلّ عليه نص الشافعي، وقد حكيت نصه في "شرح المنهاج".
ومنهم من يعتبر الأَشْبَاه الحكمية، ثم الراجعة إِلى الصفة.
ومنهم من يسوي بينهما.
ومنهم من قال: إِنما يعتبر شبه الأحكام فقط دون شبه الصورة، كرد وَطْء الشبهة إِلى النكاح في سقوط الحدّ، ووجوب المهر؛ لشبهه بالوَطْء في النكاح في الأحكام، ونقله ابن السَّمْعَاني عن أصحابنا، ونقله غيره عن الشافعي نفسه.
ومنهم من اعتبر شبه الصورة - أيضًا - كقياسنا الخَيْل على البِغَال والحَمِيرِ في سقوط الزَّكَاة، وقياسهم في حُرْمة اللحم.
وقال الإِمام في "المحصول": المعتبر حصول المُشَابهة فيما يظن أنه مستلزم لعلّة الحكم، أو علّة للحكم، سواء أكانت المُشَابهة في الصورة أو المعنى.
[قال أبو إسحاق المروزي] (٢) في "أصوله": إنا لا نعني بـ "قياس الشّبه" أن يشبه الشيء بالشَّيء من وجه أو أكثر؛ لأنَّهُ ليس في العالم شيء إلا وهو يشبه شيئًا آخر من وجه أو أكثر من وجه، لكن نعني: أنه لا يوجد شيء أشبه به منه، فلا يوجد شيء أشبه من الوضوء بالتيمُّم، فيلحق به.
ولقد أكثر الأَصْحَاب في الاحتجاج لقياس الشَّبه، وأصح ما ذكروه مَسْلَكَان:
أحدهما: أن قياس المعنى إنما صير إليه؛ لإِفادته الظن، فكل ما أثار ظنًّا يلحق به، وقياس الشبه يفيد الظَّن، وقضوا على من أنكر ذلك بالعناد.
стр. 2015
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
واعترض ابن الأَنْبَاري (١) أولًا: بأنه قياس في الأُصُول، فلا يسمع.
وثانيًا: بمنع إِثارة الظَّنِّ، ودعوى العناد لا تنهض حجة.
والثاني: أنه لو لم تَخلُ واقعة عن حكم، قالوا: ومن مارس مسائل الفِقْهِ، وترقى عن رتبة الثَّنَائي فيها، علم أنَّ المعنى [المخيل] (٢) لا يعم المسائل، وكثير من أصول الشرع تخلو عن المعاني، خصوصًا في العبادات وهيئاتها، والسِّيَاسات ومقاديرها، وشرائط المُنَاكحات والمعاملات.
قال إِمام الحرمين: بل لو قلت: لا يطرد على الأخالة عُشر المَسَائل، لم تكن مجازفًا.
وإذا لم يعم المسائل احتجنا إلى قياس الشبه، ولا يلزمنا الطرد؛ لأنا في غُنْيَةٍ عنه، إذ هو منسحب على جميع الحوادث، "فلم يكن من داعٍ إلى الطرود، فوضح أن القول بالشبه في محلّ الضرورة، ولولا الضَّرورات لما شرع أصل القياس، وهذا واضح؛ فإِن القياس إِنما شرع لعدم وفاء النصوص بالحادثات.
وقال ابن السَّمْعَاني في آخر قياس الشّبه: الأول بذل الجهد في طلب المعنى، وزعم أنّ باذل الجهد فيه نجده لا في أفراد من المسائل وردت بها نصوص، وأجمعت الأمة على تقربها من المعاني، قال: فأما عامة الأَحْكَام، فالشارع الحكيم لم يخلها من المعاني المؤثرة في تلك الأحكام، فإن أعوز المجتهد وجود المعنى، فحينئذٍ يرجع إلى الشّبه.
قلت: وهذا لا نزاع فيه؛ إِذ لم يقل أحد بالشّبه إِلَّا عند تعذُّر قياس المعنى، وهذا في الحقيقة قول من قال: إنما يرجع إلى الشبه عند إرهاق الضرورة، والله أعلم.
стр. 2016
الطَّرْدُ وَالْعَكْسُ
ثَالِثُهَا: لَا يُفِيدُ بِمُجَرَّدِهِ قَطْعًا وَلَا ظَنًّا.
الشرح: ويسمى: "الدّوران" (١) وهو أن يوجد الحكم عند وجود وصف، وينعدم عند عدمه، وفيه مذاهب:
أحدها: أنه يفيد القَطْع بالعلّية.
وربما قيل: لا دليل فوقه.
وثانيها - وعليه الأكثرون، منهم الإِمام وأتباعه: أنه يفيد الظن، ولقد شغف به أصحابنا العراقيون، وكان القاضي أبو الطيب يدعي فيه القطع.
وأنا أقول: لعلّ من ادعى القَطْع فيه ممن يشترط ظهور المُنَاسبة في قياس العِلَلِ مطلقًا، ولا يكتفي بالسَّبر، ولا الدوران بمجرده، وعلى ذلك جمهور أصحابنا، فإِذا انضم الدوران إِلى المناسبة، رقي بهذه الزيادة إِلى اليقين، وإلا فأي وجه لتخيل القطع في مجرّد الدّوران؟
و"ثالثها": هو اختيار ابن السَّمْعاني، والغزالي، والآمدي، والمصنف - "لا يفيد
стр. 2017
لَنَا: أَنَّ الْوَصْفَ الْمُتَّصِفَ بِذَلِكَ، إِذَا خَلَا عَنِ السَّبْرِ أَوْ عَنْ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ غَيْرِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ - جَازَ أَنْ يَكُونَ مُلَازِمًا لِلْعِلَّةِ؛ كَرَائِحَةِ الْمُسْكِرِ؛ فَلَا قَطْعَ، وَلَا ظَنَّ.
وَاسْتَدَلَّ الْغَزَالِيُّ ﵀ بأَنَّ الاِطِّرَادَ سَلَامتُهُ مِنَ النَّقْضِ، وَسَلَامَتُهُ مِنْ
بمجرده ظنًّا ولا قطعًا"، والمعنى: لا يفيد ظن العلّية ولا القطع بها، لا أنه لا يفيد الحكم، بل قد يثبت الحكم بالدَّوران، بل وبالطَّرد وحده، كما سيأتي في كلام المصنّف في أول الاستدلال في التلازم بين ثبوتين أنه يثبت بالطرد، ويقوي بالعكس.
الشرح: "لنا: أن الوصف المتّصف بذلك" إِنما يكون مجردًا "إذا خلا عن السَّبر"، وهو أخذ غيره معه وإبطاله، "أو عن أن الأصل عدم غيره، أو غير ذلك" من مناسبة أو شبه، وإذا خلا عن ذلك، فكما يجوز كونه علّة، "جاز أن يكون ملازمًا للعلة، كرائحة المسكر" المخصوصة، فإنها دائرة معه وجودًا وعدمًا، وليست علة، ومع قيام هذا الاحتمال، "فلا قطع، ولا ظن" يحصل، ويكون الحكم بالعلّية فيه تحكمًا، وإن التفت إِلى السبر أو غيره، فليس ذلك من محل النِّزَاع؛ إِذ النزاع في الدّوران المجرد، وهذا ذكره القاضي في "التقريب"، إِلَّا أنه لم يقل: إِنه يمتنع الظن بأن الدّوران علة.
والحق: أنه يمنع القطع دون الظن، وهذا احتمال مرجوحٌ، والقول باحتياجه في إفادته الظن [إِلى] (١) السبر وغيره.
وقال الشيخ الهِنْدِي: إِنه لو تم لقدح في أكثر الأدلّة، كالمناسبة وغيرها؛ لأن المستدلّ إذا أبدي مناسبة وصف، يقول الخصم: إنما يعمل به لو سلم عن المُعَارض، ولا سبيل إِلى دَفْع ذلك إِلَّا بالأصل، أو السَّبر والتقسيم، ويلزم من ذلك الانتقال من تلك الطريقة إِلى غيرها.
الشرح: "واستدلّ الغزالي"، كما حكاه المصنف تبعًا للآمدي، "بأن الاطِّرَاد سلامته من النَّقْض" الذي هو أحد مفسدات العلّة، "وسلامته عن مفسد واحدٍ لا توجب انتفاء كل مفسد"، فربما لم يسلم عن مفسد آخر، "ولو سلم" سلامته عن كلّ مفسدة "فلا صحّة إِلَّا
стр. 2018
مُفْسِدٍ وَاحِدٍ لَا تُوجِبُ انْتِفاءَ كُلِّ مُفْسِدٍ، وَلَوْ سُلِّمَ فَلَا صِحَّةَ إِلَّا بِمُصَحِّحٍ، وَالْعَكْسُ لَيْسَ شَرْطًا فِيها؛ فَلَا يُؤَثِّرُ.
وَأُجِيبَ: قَدْ يَكُونُ لِلاجْتِمَاعِ تَأْثِيرٌ؛ كَأَجْزَاءِ الْعِلَّةِ.
وَاسْتُدِلَّ: بِأَنَّ الدَّورَانَ فِي الْمُتَضَايِفَيْنِ؛ وَلَا عِلَّةَ.
بمصحّح"، وهذا كما لو سلمت شَهَادة المَجْهُول عن قادح، لا يدلّ على كونها حجّةً، ما لم تَقُمْ بَيّنة التزكية.
ومن قال: دليل صحّتها انتفاء المُفْسد، يعارض بأن دليل فسادها انتفاء المصحّح، "والعكس ليس شرطًا فيها"؛ لما تقدم من أنه لا يشترط في العقة الانعكاس، "فلا يؤثر".
واعلم أنَّ ذكر الدليل على هذا الوجه - أعني: أنّ الاطراد السلامة عن مفسد آخر - لم أره لِلْغَزَالي ولا لغيره ممن تقدّمه، وإنما ذكره الغزالي ردًّا على من قال: إِن سلامة العلّة عن مفسد دليل صحّتها، ثم لما ذكر الدَّوَرَان استدلّ على فساده بجواز كونه ملازمًا، كما استدلّ المصنّف، نعم وزاد فقال: وهذا لأن الوجود عند الوجود طردٌ مَحْض، وزيادة العكس لا تؤثر؛ لأن العكس ليس بشرط انتهى.
وهذه الزيادة دليل مستقلّ على فساد الدّوَرَان، ذكره القاضي أبو بكر وغيره ممن تقدم الغزالي.
وقال إِمام الحرمين: إِنه من التَّشَدُّق [والتَّفَيْهُق] (١) الذي يستدل به من لا يعد من الرَّاسخين.
وأجاب عنه: بأن المجموع يغلب على الظّن، قال: وإن زعم أنه لا يغلب انتسب إلى العناد.
الشرح: وإلى الجواب أشار المصنّف بقوله: "وأجيب: قد يكون للاجتماع تأثير كأجزاء العلة.
стр. 2019
وَأُجِيبَ: انْتَفَتْ بِدَلِيلٍ خَاصٍّ مَانِعٍ.
قَالُوا: إِذَا حَصَلَ الدَّوَرَانُ وَلَا مَانِعَ مِنَ الْعِلَّةِ - حَصَلَ الْعِلْمُ أَوِ الظَّنُّ عَادَةَ؛ كَمَا [لَوْ] دُعِيَ إِنْسَانٌ بِاسْمٍ، فَغَضِبَ، ثُمَّ تُرِكَ، فَلَمْ يَغْضَبْ، وَتَكَرَّرَ ذَلِكَ - عُلِمَ أَنَّهُ سَبَبُ الْغَضَبِ حَتَّى أَنَّ الأَطْفَالَ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ.
قُلْنَا: لَوْلَا ظُهُورُ انْتِفَاء غَيْرِ ذَلِكَ بِبَحْثٍ أَوْ بأَنَّهُ الْأَصْلُ - لَمْ يُظَنَّ، وَهُوَ طَرِيقٌ مُسْتقِلٌ، وَيَقْوَي بِذَلِكَ.
واستدلّ" - أيضًا - "بأن الدَّوران" موجود "في المُتَضَايفين" كالأبُوّة والبنوة، فإِنه كلما تحقق أحدهما تحقق الآخَر، وكلما انتفى انتفى، "ولا علة".
"وأجيب": بأنَّ الدوران إِنما يفيد العلّية بشرط عدم المانع، وفي المُتَضَايفين "انتفت" العلية "بدليل خاص مانع"، وهو كون كل منهما مع الآخَر.
"قالوا: إِذا حصل الدوران ولا مانع من العلّة، حصل العلم أو الظَّن عادة، كما لو دعي إِنسان باسم، فغضب، ثم ترك، فلم يغضب، وتكرر ذلك، علم أنه سبب الغضب، حتَّى أن الأطفال يعلمون ذلك"، ويتبعونه في الدُّرُوب قصدون إغْضَابه، فيدعونه، ولولا أنه ضروري لما [يتأتي] (١) للأطفال.
الشرح: "قلنا: لولا ظهور انتفاء غير ذلك ببحث" أي: بأن يكونوا بحثوا عما سِوى ذلك فلم يجدوا، "أو بأنه الأَصْل"؛ أي: الأصل عدم غيره، "لم يظن، وهو طريق مستقل" من غير احتياج إِلى الدوران "و" إن كان "يقوي بذلك"، وأما حصول العلم أو الظَّن بمجرد الدَّوَرَان فلا، ولا يلزم من إِفادة الشيء تقوية الظَّن الحاصل بغيره إِفادته ظنًّا بمجرده، ولك أن تقول: من أنكر حصول الظَّن منه مع تجرّده، قرب من العِنَادِ، والأطفال يقطعون بما ذكرناه، من غير استدلال بالسَّير ولا غيره.
واعلم أن المصنّف لما قرر أن الدَّورَان لا يفيد، لم يحتج أن يذكر أنّ الاطِّراد بمجرده لا يفيد؛ لأنَّهُ إذا لم يفد الدَّوران، مع أنه طرد وزيادة، فبطريق أوْلى لا يفيد الطَّرد بمجرده.
وقد قال بعضهم بإِفادة الظن بمجرده، وهو ظن.
стр. 2020
أَقْسَامُ القِيَاسِ
وَالْقِيَاسُ: جَلِيٌّ وَخَفِيٌّ: فَالْجَلِيُّ مَا قُطِعَ بِنَفْي الْفَارِقِ فِيهِ كَالأمَةِ وَالْعَبْدِ فِي الْعِتْقِ.
وَيَنْقَسِمُ إِلَى قِيَاسِ عِلَّةٍ، وَقِيَاسِ دَلَالَةٍ، وَقِيَاسٍ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ:
فَالْأَوَّلُ: مَا صُرِّحَ فِيهِ بِالْعِلَّةِ.
الشرح: "وينقسم" باعتبار العلّة "إلى قياس علّة (١)، وقياس دلالة، وقياس في معنى قطع بنفي الفارق فيه، كالأمة والعبد في العِتْق" في التقويم على معتق الشِّقْص ونحوه، فإنا نقطع بعدم اعتبار الشَّارع الذكورة والأُنُوثة فيه، ونقطع أَنْ لا فارق سوى ذلك (٢).
ومن الجَلِيّ - أيضًا - عند أصحابنا: ما كان احتمال الفَارِقِ فيه احتمالًا ضعيفًا بعيدًا كل البعد، كإِلحاق العَمْيَاء بالعَوْرَاءِ في حديث المنع من التضحية بالعَوْرَاءِ.
والخَفِيّ بخلافه، ومن أصحابنا من يقول: هو جَلِيّ، وواضح، وخفي، فالجَلِيّ: الأول، والخفي: قياس الشبه، والواضح: ما بينهما، وهذه أمور اصطلاحية.
الشرح: "وينقسم" باعتبار العلّة "إلى قياس علّة، وقياس دلالة، وقياس في معنى الأصل"؛ لأنَّهُ إِما أن يكون بذكر الجَامِعِ، أو بإلغاء الفارق، إن كان بذكر الجامع، فذلك الجامع إن كان هو العلّة، فهو قياس العلة، وإليه أشار بقوله: "فالأول: ما صرح فيه بالعلّة، والثاني" أي: قياس الدّلالة: "ما يجمع فيه بما يُلَازمها، كما لو جمع بأحد مُوجبي العلّة في
стр. 2021
وَالثَّاني: مَا يُجْمَعُ فِيهِ بِمَا يُلَازِمُهَا؛ كَمَا لَوْ جُمعَ بِأَحَدِ مُوجِبَيِ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ؛ [لِمُلَازَمَةِ الآخَرِ لَهُ]؛ كَقِيَاسِ قَطْعِ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ عَلَى قَتْلِهَا بِالْوَاحِدِ بِوَاسِطَةِ الاِشْتِرَاكِ فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ عَلَيْهِمْ.
وَالْثَّالِثُ: الْجَمْعُ بِنَفْي الْفَارِقِ.
الأصل لمُلَازمة الآخَر، كقياس قطع الجَمَاعة بالواحد على قَتْلها بالواحد، بواسطة الاشْتِرَاك في وجوب الدِّيَةِ عليهم"، فإن الجامع الذي هو وجوب الدِّيَةِ على الجماعة يلازم العلّة في الأصل، وهي القَتْل العَمْد العدوان.
وموجبه الآخَر وجوب القِصَاصِ، فقد جمع بينهما بأحد موجبي العلّة الذي هو وجوب الدِّيَة؛ ليستدلّ به على موجبها الآخَر، وهو وجوب القصاص عليهم.
واعلم أن الأولى أن يمثل للجمع بما يلازم العلّة، بقياس النَّبِيذِ على الخمر، بجامع الرائحة الملازمة، وللجمع بأثر من آثارها، بقولنا في المُثَقِّل: قتل أثِمَ به صاحبه من حيث كونه قتلًا، فأوجب القصاص كالجَارحِ، وللجمع بحكم من أحكامها، كمسألة قطع الأيدي باليد الوَاحِدَةِ التي ذكرها المصنّف؛ فإن وجوب الدِّيَةِ على المباشر، لا نفس العلّة الموجبة للقصاص، ولا لازمها، بل من أَحْكامها، وكأن المصنف أطلق اللازم - هنا - على ما هو أعم من اللَّازم الحقيقي، والأثر والحكم، ومما يوضّح لك عدم اللُّزوم الحقيقي: أنك تجد صورًا يُنْبِيكَ الفقيه عن إِيجاب القصاص فيها دون الدِّيَةِ، كما إِذا وجب على شخص القِصَاص، فقطع المستحق أطرافه، فإنه ليس له بعد ذلك إِلَّا القتل دون الدِّيَةِ، وكما إِذا قتل الذمي مرتدًّا.
وأيضًا فموجب القَتْلِ العَمْد القصاص عينًا لأحد الأمرين منه أو الدِّية على المذهب الصحيح، فليست الدِّية موجبة، وإنما هي تدلّ على موجبه.
وأما وجوب الدِّيَة حيث لا قِصَاصَ، فكثير شهير.
وإن كان بإِلغاء الفارق، فهو القِيَاسُ في معنى الأصل، ويسمى "تنقيح المَنَاط"، وإليه أشار بقوله: "والثالث: الجمع بنفي الفارق".
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لنا: القطع بالجواز"؛ إِذ لا يلزم من فرض وقوعه محال (١)، وأنه لو لم يَجُزْ لم يقع، وسيأتي" أنه وقع (٢).
"قالوا: العقل يمنع مما لا يؤمن فيه الخَطَأ"، والقياس لا يؤمن فيه ذلك، فيكون ممنوعًا عقلًا.
"ورد: بأن منعه هنا ليس إِحالة"، أي: منع العَقْل مما لا يؤمن فيه الخَطَأ ليس إِحالة لذلك، بل غايته تَرْجيح التَّرك عليهم، وأنتم ادّعيتم الإِحالة، فدليلكم غير مُلَاقٍ محل النزاع، ثم إِن مثله لا يمتنع التعبُّد به شرعًا.
"ولو سلم" أن منعه عنه إِحالة لذلك في الجملة، فلا نسلّم أن منعه ثابت في جميع الصور، بل هو مختصّ بما لا يغلب فيه جانب الصّواب.
стр. 2024
النَّظَّامُ: إِذَا ثَبَتَ وُرُودُ الشَّرْعِ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَاتِ؛ كَإِيجَابِ الْغُسْلِ وَغَيْرِهِ بِالْمَنِيِّ دُونَ الْبَوْلِ، وَغَسْلِ بَوْلِ الصَّبِيَّةِ، وَنَضْحِ بَوْلِ الصَّبِيِّ، وَقَطْعِ سَارِقِ الْقَلِيلِ دُونَ غَاصِبِ الْكَثيرِ، والْجَلْدِ بِنِسْبَةِ الزِّنَا دُونَ نِسْبَةِ الْكُفْرِ، وَالْقَتْلِ بِشَاهِدَيْنِ دُونَ الزِّنَا، وَكَعِدَّتَي الْمَوْتِ وَالطَّلَاقِ، وَالْجَمْع بَيْنَ الْمُخْتَلِفَاتِ؛ كَقَتْلِ الصَّيْدِ عَمْدًا أَوْ خَطَأَ، وَالرِّدّةِ وَالزِّنَا، وَالْقَاتِلِ، وَالْوَاطِئِ فِي الَصَّوْمِ، وَالْمُظَاهِرِ فِي الْكَفَّارَةِ - اسْتَحَالَ تَعَبُّدُهُ بِالْقِيَاسِ.
وأما إِذا كان الصواب راجحًا فلا يمنع، وإليه أشار بقوله: "فإذا ظن الصواب لا يمنع"، فالعَقْل يقضي بالعمل عند ظنّ الصواب، وإن أمكن الخطأ، وإلا لتعطّلت أكثر المَصَالح؛ فإن الجزم متعذّر في الأكثر.
"قالوا: قد علم الأمر بِمُخَالفة الظَّن، كالشَّاهد الواحد، والعَبِيد، ورضيعة" اختلطت، واشتبهت "في عشر أجنبيات"، حيث يحرم مع قيام الظَّن بصدق العدل الواحد، والعبيد الأَتْقِيَاءِ، وأن المنكوحة غير الرَّضِيعَةِ، وكذلك ما لا يُحْصَى في الشريعة من ظنون لا تعتبر.
"قلنا: بل علم خلافه، كخبر الوَاحِدِ، وظاهر الكتاب، والشهادات وغيرها"، كحكم القاضي، وفتوى المُفْتِي، واجتهاد المجتهد في المَاءِ، والثوب، والقِبْلَةِ، وقِيَمِ المُتْلَفَاتِ، وما لا يُحْصَر، بحيث لا يشكّ البادئ في الفقه أنّ الصور التي يترك فيها العمل بالظَّن قليلة جدًّا بالنسبة إِلى الصور المعمول بالظَّن فيها "وإنما منع" من العمل بالظَّن فيها، "لمانع خاص".
وفي قوله: "لمانع"، إشارة إِلى أن الأصل العمل بالظُّنون في الفروع، وخالف قوم في ذلك، وتظهر فائدة الخلاف في مكان يشكّ هل يكتفي فيه بالظن؟.
فمن يقول: الأصل العمل بالظَّن، يكتفي فيه، جريًا على الأصل، ومن يمنع، يتوقّف.
الشرح: واحتجّ: "النظام" بأنه: "إِذا ثبت ورود الشَّرْع بالفرق بين المتماثلات، كإِيجاب الغُسْل وغيره"، كالمنع من قراءة القرآن "بالمَنِيّ دون البَوْلِ، وغسل بول الصَّبية، ونَضْح بول الصبي، وقطع سارق القَلِيل دون غَاصِب الكثير، والجَلْد بنسبة الزنا دون نسبة الكُفْر، والقَتْل بشاهدين دون الزِّنَا، وكعِدَّتي الموت والطلاق"، فالأولى بالأشهر، والثانية بالأَقْرَاء لذات الأَقْرَاء.
стр. 2025
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"والجمع بين المختلفات، كَقَتْلِ الصيد"، فإنه لا يفترق فيه الحال بين أن يكون "عمدًا أو خطأ، والردة والزنا"، إِذا كان بعد الإحصان في القَتْل، "والقاتل، والواطئ في الصوم، والمُظَاهر" من امرأته "في"إيجاب "الكَفَّارة" عليهم"استحال تعبُّده بالقياس"؛ لأن القياس إِلحاق النظير، وهو ضدّ ذلك، فأنى يجتمعان (١)؟.
وَرُدَّ: بِأَنَ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الْجَوَازَ؛ لِجَوَازِ انْتِفَاءِ صَلَاحِيَّةِ مَما تُوُهِّمَ جَامِعًا أَوْ وُجُودِ الْمُعَارِضِ فِي الأَصْلِ أَوْ فِي الْفَرْعِ، وَلاِشْتِرَاكِ الْمُخْتَلِفَاتِ فِي مَعْنًى جَامِعٍ، أَوْ لاِخْتِصَاصِ كُلٍّ بِعِلَّةٍ لِحُكْمِ خِلَافِهِ.
الشرح: "وُردّ: بأن ذلك لا يمنع الجواز"؛ أي: جواز التعبُّد بالقياس، أما الفرق بين المتماثلات، فإِن المتماثلات إِنما يجب اشتراكها في الحُكْمِ؛ إذا صلح ما يه الاشتراك علّة للحكم، ليصلح جامعًا، ولا يكون له معارض في الأصل يقتضي حكمًا غيره، ولا في الفرع أقوى يلحقه بأصل غير ذلك الأصل؛ وذلك غير معلوم فيما ذكر من الصور؛ "لجواز انْتِفَاءِ صلاحية ما يوهم جامعًا لأن يكون جامعًا، "أو وجود المُعَارض في الأصل أو الفرع"؛
стр. 2035
قَالُوا: يُفْضِي إِلَى الاخْتِلَافِ، فَيُرَدُّ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ … ﴾ [النساء: ٨٢]، وَرُدَّ بِالْعَمَلِ بِالطوَاهِرِ، وَبِأَنَّ الْمُرَادَ التَّنَاقُض، أَوْ مَا يُخِلُّ بِالْبَلَاغَةِ، فَأَمَّا الأَحْكَامُ فَمَقْطُوعٌ بِالاِخْتِلَافِ فِيهَا.
قَالُوا: إِنْ كَانَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا، فَكَوْنُ الشَّيْءِ وَنَقِيضِهِ حَقًّا، وَهُوَ مُحَالٌ، وَإنْ كَانَ الْمُصِيبُ وَاحِدًا، فَتَصْوِيبُ أَحَدِ الظَّنَّيْنِ مَعَ الاِسْتِوَاء مُحَالّ.
ومراده بـ"المعارض" - هنا -: المنافي، كما تقدم في قوله: وألّا تكون المستنبطة بمعارض.
أما [الجمع] (١) بين المُخْتلفات، فلعلّه فيما ذكر "لاشتراك المُخْتلفات في معنى جامع"، هو علة الحكم في الكل؛ إِذ لا يمتنع اشتراك المُخْتلفات في صفات ثبوتية، "أو لاختصاص كلّ بعلة لحكم خلافه"، أي: يقتضي حكم المخالف الآخَر، فإِن العلل المختلفة لا يمتنع أنْ توجب في المَحَال المختلفة حكمًا واحدًا، وقد ردُّت شُبْهة النَّظَّام بأوجه شَتّى:
منها: أن غاية ما أورد أَمارات تخلف الحكم عنها، وذلك لا يقدح في كونها أَمَارة، كالغَيْمِ الرطب أمارة المطر، وقد يتخلّف، ذكره ابن السَّمْعَاني.
ومنها: أنا لا ندعي أَنَّ الشريعة بِأَسْرِهَا معقولة المَعْنَى، بل فيها التعبُّدي وغيره، والقياس إِنما يكون حيث يعقل المَعْنَى، وعلى أَنَّ المعنى فيما إذا ورد لائح، فالمَنِيّ والبول وإن اتفقا في كونهما خارجين من مخرجٍ واحد، فقد استويا في إِيجاب الطهارة ولم يفترقا بحيث جعل في أحدهما طهارة بالماء، وفي الآخَر كَفَّارة بالمال، نعم افترقا في الغُسْل وغيره؛ لأنَّ خروج المَنِيّ نادر لا تَعُمّ به البَلْوَى، فلم يكن في إِيجاب أشدّ الواجبين فيه زيادة كُلْفة، وتأمّل ما بعده من الصور تَلْفَ معناه لائحًا، فلا نطيل.
الشرح: "قالوا": القياس "يفضي إلى الاختلاف"؛ لاختلاف القرائح والفطر، "فيرد، لقوله" تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].
دلّ على أن ما هو من عند الله لا يوجد فيه اختلاف، فما يوجد فيه اخْتِلاف لا يكون من عند الله، والقياس فيه الاختلاف، فلا يكون من عند الله.
"ورُدّ بالعمل بالظواهر"؛ فإن فيها اختلافًا بِحَسَب أنظار المجتهدين وغيرها، ومع ذلك يجب العمل بها.