← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6338

رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (2 330 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2032

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2033

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2034

وَرُدَّ: بِأَنَ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الْجَوَازَ؛ لِجَوَازِ انْتِفَاءِ صَلَاحِيَّةِ مَما تُوُهِّمَ جَامِعًا أَوْ وُجُودِ الْمُعَارِضِ فِي الأَصْلِ أَوْ فِي الْفَرْعِ، وَلاِشْتِرَاكِ الْمُخْتَلِفَاتِ فِي مَعْنًى جَامِعٍ، أَوْ لاِخْتِصَاصِ كُلٍّ بِعِلَّةٍ لِحُكْمِ خِلَافِهِ. الشرح: "وُردّ: بأن ذلك لا يمنع الجواز"؛ أي: جواز التعبُّد بالقياس، أما الفرق بين المتماثلات، فإِن المتماثلات إِنما يجب اشتراكها في الحُكْمِ؛ إذا صلح ما يه الاشتراك علّة للحكم، ليصلح جامعًا، ولا يكون له معارض في الأصل يقتضي حكمًا غيره، ولا في الفرع أقوى يلحقه بأصل غير ذلك الأصل؛ وذلك غير معلوم فيما ذكر من الصور؛ "لجواز انْتِفَاءِ صلاحية ما يوهم جامعًا لأن يكون جامعًا، "أو وجود المُعَارض في الأصل أو الفرع"؛

стр. 2035

قَالُوا: يُفْضِي إِلَى الاخْتِلَافِ، فَيُرَدُّ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ … ﴾ [النساء: ٨٢]، وَرُدَّ بِالْعَمَلِ بِالطوَاهِرِ، وَبِأَنَّ الْمُرَادَ التَّنَاقُض، أَوْ مَا يُخِلُّ بِالْبَلَاغَةِ، فَأَمَّا الأَحْكَامُ فَمَقْطُوعٌ بِالاِخْتِلَافِ فِيهَا. قَالُوا: إِنْ كَانَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا، فَكَوْنُ الشَّيْءِ وَنَقِيضِهِ حَقًّا، وَهُوَ مُحَالٌ، وَإنْ كَانَ الْمُصِيبُ وَاحِدًا، فَتَصْوِيبُ أَحَدِ الظَّنَّيْنِ مَعَ الاِسْتِوَاء مُحَالّ. ومراده بـ"المعارض" - هنا -: المنافي، كما تقدم في قوله: وألّا تكون المستنبطة بمعارض. أما [الجمع] (١) بين المُخْتلفات، فلعلّه فيما ذكر "لاشتراك المُخْتلفات في معنى جامع"، هو علة الحكم في الكل؛ إِذ لا يمتنع اشتراك المُخْتلفات في صفات ثبوتية، "أو لاختصاص كلّ بعلة لحكم خلافه"، أي: يقتضي حكم المخالف الآخَر، فإِن العلل المختلفة لا يمتنع أنْ توجب في المَحَال المختلفة حكمًا واحدًا، وقد ردُّت شُبْهة النَّظَّام بأوجه شَتّى: منها: أن غاية ما أورد أَمارات تخلف الحكم عنها، وذلك لا يقدح في كونها أَمَارة، كالغَيْمِ الرطب أمارة المطر، وقد يتخلّف، ذكره ابن السَّمْعَاني. ومنها: أنا لا ندعي أَنَّ الشريعة بِأَسْرِهَا معقولة المَعْنَى، بل فيها التعبُّدي وغيره، والقياس إِنما يكون حيث يعقل المَعْنَى، وعلى أَنَّ المعنى فيما إذا ورد لائح، فالمَنِيّ والبول وإن اتفقا في كونهما خارجين من مخرجٍ واحد، فقد استويا في إِيجاب الطهارة ولم يفترقا بحيث جعل في أحدهما طهارة بالماء، وفي الآخَر كَفَّارة بالمال، نعم افترقا في الغُسْل وغيره؛ لأنَّ خروج المَنِيّ نادر لا تَعُمّ به البَلْوَى، فلم يكن في إِيجاب أشدّ الواجبين فيه زيادة كُلْفة، وتأمّل ما بعده من الصور تَلْفَ معناه لائحًا، فلا نطيل. الشرح: "قالوا": القياس "يفضي إلى الاختلاف"؛ لاختلاف القرائح والفطر، "فيرد، لقوله" تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. دلّ على أن ما هو من عند الله لا يوجد فيه اختلاف، فما يوجد فيه اخْتِلاف لا يكون من عند الله، والقياس فيه الاختلاف، فلا يكون من عند الله. "ورُدّ بالعمل بالظواهر"؛ فإن فيها اختلافًا بِحَسَب أنظار المجتهدين وغيرها، ومع ذلك يجب العمل بها.

стр. 2036

وَرُدَّ بِالظَّوَاهِرِ، وَبِأَنَّ النَّقِيضَيْنِ شَرْطُهُمَا الاِتِّحَاد، وَبِأَنَّ تَصْوِيبَ أَحَدِ الظَّنَّيْنِ لَا بِعَيْنِهِ جَائِزٌ. قَالُوا: إنْ كَانَ الْقِيَاسُ كَالنَّفْي الأَصْلِيِّ، فَمُسْتَغْنًى عَنْه، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا، فَالْظَّنُّ لَا يُعَارِضُ الْيَقِينَ. وَرُدَّ بِالظَّوَاهِرِ، وَبِجَوَازِ مُخَالفةِ النَّفْي الأَصْلِيِّ بِالظَّنِّ. "وبأن المراد" من الاختلاف المنفي عن القرآن "التناقض" فيه، "أو ما يخلّ بالبَلَاغة"؛ خشية إلا يكون على نَمَطٍ واحد من البلاغة، وهذا هو الحَق، فالقرآن في نفسه لا اختلاف فيه أصلًا. "فأمّا" غالب "الأحكام، فمقطوع بالاختلاف" بين الأمة "فيها". "قالوا: إذا اختلفت الأَقْيِسَةُ في نظر المجتهدين، فحينئذ "إِن كان كلّ مجتهد مصيبًا، فكون الشيء ونقيضه حقًّا محال، وإن كان المصيب واحدًا، فتصويب أحد الظنين مع الاستواء محال". الشرح: "ورُدّ" أولًا: بالنقض "بالظواهر"؛ فإِن الاجتهاد ليس مختصًّا بالقياس. وثانيًا: "بأن النقيضين شرطهما الاتحاد"، ولم يوجد ها هنا: لأن الحكم على كل مجتهد بالإصابة، إنما هو بالنسبة إليه ومن قلده دون غيره. "و" ثالثًا: بأن تصويب أحد الظَّنين لا بعينه جائز"، ونحن إِذا قلنا: المصيب واحد، لا نعيّن واحدًا لتصويب حتَّى يلزمنا التَّحكُّم. "وقالوا: إن كان القياس" يقتضي في الوَاقِعَةِ حكمًا "كالنَّفْي الأصلي، فمستغنى عنه" بالتمسُّك بالنفي الأصلي، "وإن كان" يقتضي "مخالفًا للظَّن"، وهو القياس "لا يعارض اليقين"، وهو البراءة الأصلية. "ورُدّ: بالظواهر"؛ فإن ما ذكر آتٍ فيها، "ويجوز مُخَالفة النَّفي الأصلي بالظَّن"، كما خولف به في الشهادة والأَقَارِيرِ، وغير ذلك. فإن قلت: كيف ترجّح المظنون على المقطوع؟. قلت: المقطوع به في البَرَاءَةِ الأصلية، إِنما هو أصلها دون دَوَامها، وهذا شأن كلّ استصحاب، والمرتفع بالظَّن إنما هو الدّوام، والظَّن الطارئ عليه أقوى من الظَّن المستفاد

стр. 2037

قَالُوا: حُكْمُ اللّه يَسْتَلْزِمُ خَبَرَهُ عَنْه، وَيَسْتَحِيلُ بِغَيْرِ التَّوْقِيفِ. قُلْنَا: الْقِيَاسُ نَوْعٌ مِنَ التَّوْقِيفِ. قَالُوا: يَتَنَاقَضُ عِنْدَ تَعَارُضِ عِلَّتَيْنِ. وَرُدَّ: بِالظَّوَاهِرِ، وَبِأَنَّهُ إِنْ كَانَ وَاحِدًا رُجِّحَ، فَإِنْ تَعَذَّرَ وُقِفَ عَلَى قَوْلٍ، وَتُخُيِّرَ عِنْدَ الْشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - وَإِنْ تَعَدَّدَ فَوَاضِحٌ. منه، فإِنما رجّح في الحقيقة أقوى الظنين. ولك الرد - أيضًا - "بجواز مُوَافقة القياس للنَّفي الأصلي، ويجتمع دليلان، أو يكون الحكم مستفادًا من قبل الشرع بالقِيَاسِ، وتلك فائدة، فللحكم الشَّرْعي آثار لا تظهر في البراءة الأصلية، ولا مانع من اجتماع دَلِيلَين على حكم الحادثة: البراءة الأصلية والقياس. الشرح: "قالوا: حكم الله" في الواقعة المعيّنة بالوجوب أو الحُرْمة، ونحوهما "يستلزم خبره عنه"؛ لأنا لا نعلم إِلَّا من جهته، "ويستحيل" العلم به "بغير [التوقيف] (١) على خبره؛ لأنَّهُ تكليف الغافل، والقياس لا يجدي؛ لأنَّهُ من فعلنا، لا من توقيف الشَّارع، فكيف يدرك به ما لا يعلم إِلَّا من جهة الشارع؟. "قلنا: القياس نوعٌ من التوقيف" فإِنه إذا شرع كان طريقًا دالا على حكم الله تعالى، والذي هو من فِعْلِ القائس ترتيبه المقدّمات، أما الحكم ففعل الله تعالى. "قالوا: يتناقض عند تَعَارض علّتين"، تقتضي كلّ واحدة منهما نقيض حكم الأخرى، فإنه على القول بالقياس يجب اعتبارهما، وإثبات حكمهما، قيلزم التناقض. "ورد: بالظواهر"، فإن ما ذكر آت فيها، "وبأنه إن كان" الذي تعارضت عنده العلّتان رجلًا "واحدًا"، أو في وقت واحد "رجّح" بالطريق المعروفة في التَّرَاجيح "فإن تعذّر، وقف على قول، ويخير عند الشَّافعي وأحمد"، فلا تناقضٍ، "وإن تعدّد" المجتهد أو الوقت "فواضح"، إذ يعمل كل أحد بما غلب على ظنّه، وفي كل وقت كذلك.

стр. 2038

الْمُوجِبُ: النَّصُّ لَا يَفِي بِالأَحْكَامِ؛ فَقَضَى الْعَقْلُ بِالْوُجُوبِ، وَرُدَّ: بِأَنَّ الْعُمُومَاتِ يَجُوزُ أَنْ تَفِيَ؛ مِثْلُ: "كُل مُسْكِرٍ حَرَامٌ. الشرح: واحتجّ "الموجب" للعمل بالقياس عقلًا، بأن "النَّص لا يفي بالأحكام"؛ أذ الحوادث لا تنتهي، والنّصوصات محصورة، والأصل المنسحب على الوقائع بأجمعها الكافل بالوفاء بها هو القياس، "فقضى" فيه "العَقْل بالوجوب". "ورد: بأنَّ العمومات يجوز أن تفي، مثل: كلّ مسكر حرام". ولقائل أن يقول: جواز الإِتيان بلفظ عامّ لا يمنع، ونحن لا نمنع في قضية العَقْل أن يقول الله سبحانه: كلّ ما لا تجدون فيه نصًّا بخصوصه، فحكمي فيه كذا وكذا، فلا يصلح قولكم: العُمُومات يجوز أن تفي ردًّا، إِلَّا على من يدعي أنه يتعذّر الإِتيان بلفظ يعمّ ما لا يتناهى، وذلك لم نقله. إِنما الذي ادّعيناه أن النصوصات الموجودة بين ظَهْرَانينا لا يمكن وَفَاؤها بالحوادث؛ إِذ ليس فيها لفظ عام فيما لا يوجد عليه نصّ بخصوصه، فاحتيج إلى القياس. قال ابن السَّمْعَاني وغيره: ونحن نعلم بطريق القَطْعِ وجود حوادث لا تدلّ عليها النصوص بوجه ما. وقال إمام الحرمين: من أنصف لم يشكل عليه إذا نظر في الفَتَاوي والأقضية أن تسعة أعشارها صادرةٌ عن الرأي المَحْض، ولا تعلّق لها بالنصوص ولا بالظواهر. فإن قيل: يستصحب الحال فيما لا دليل فيه، ولا يحتاج إِلى القياس. قلنا: قد عُرِفَ ما في ذلك، وعلى أنا نقول: اسْتِصْحَاب الحال في العقود مع الاختلاف متعذّر متناقض. قال ابن السَّمْعَاني: لأنَّهُ ما من حكم يستصحب فيه لإثباته، إِلَّا ويعارضه ما يوجب نفيه؛ ألا ترى أنه إذا وقع الاختلاف في فسخ النِّكَاح بالعَيْب، فالاستصحاب من أحد الجافبين يوجب الفَسْخ، ومن الجانب الآخَر يمنعه، وكذلك الجَارِيَةُ الثيب يَطَؤُهَا المشتري، ثم يجد بها عيبًا، ويريد ردّها، فإِن الاستصحاب في أحد الجانبين يوجد الرد دون الآخَر، فثبت أن الضرورة إلى مشروعية القياس متحقّقة، نعم القول بإِيجاب المعقول باطل؛ لما تقرر في قاعدة التَّحسين والتَّقبيح.

стр. 2039

مَسْأَلَةٌ: الْقَائِلُونَ بِالْجَوَازِ قَائِلُونَ بِالْوُقُوع، إِلَّا دَاوُدَ، وَابْنَه، وَالْقَاسَانِيَّ، وَالنَّهْرَوَانِيَّ، وَالأَكْثَرُ: بِدَلِيلِ السَّمْعِ، وَالأَكْثَرُ: قَطْعِيٌّ خِلَافًا لِأَبِي الْحُسَيْنِ. «مسألة» الشرح: "القائلون بالجواز قائلون بالوقوع (١)، .........................

стр. 2040

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ................................. إلا دَاوُدَ، وابنه (١)، والقَاسَاني والنَّهْرَواني"، كذا أطلق المصنّف النقل عنهم، وسبقه إِلى ذلك ابن السَّمْعَاني، والآمدي ذكر أنهم وافقوا على وقوع ذي العلّة المنصوصة، أو المومئ إِليها، وهو الأصح في النقل عنهم، وكذلك لا ينكرون قياس الأولى، ولا يصحّ عن أحد من القائلين بالجَوَازِ إِنكار وقوع القياس بجملته، إِلَّا عن أبي محمد بن حَزْمٍ من أئمة الظاهرية. ثم قد ذهب بعض القِيَاسيين إِلى أن ما صار إِليه القاساني والنَّهْرَواني، ومن وافقهما، ليس قولًا بالقياس، بل هو تَبِيعٌ للنَّص، وعلى هذا يصحّ النقل عنهم في إِنكاره جملة، والصحيح أن ذلك قول بنقض القياس. وقال أبو الفضل بن عبدان (٢) من أصحابنا: شرط صحّة القياس حدوث حادثة تؤدّي الضرورة إِلى معرفة حكمها. ثم اختلف القائلون بالوقوع في أَنَّ ثبوته: هل بدليل السمع أو العقل؟ والأكثر: بدليل السَّمع.

стр. 2041

لَنَا: ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ عَنْ جَمْع كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ الْعَمَلُ بِهِ عِنْدَ عَدَمِ النَّصِّ وَإِنْ كَانَتِ التَّفَاصِيلُ آحَادًا، وَالْعَادَةُ تَقْضِي بِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِقَاطِعٍ، وَأَيْضًا: تَكَرَّرَ وَشَاعَ، وَلَمْ يُنْكَرْ، وَالْعَادَةُ تَقْضِي بِأَنَّ السُّكُوتَ فِي مِثْلِهِ وِفَاقٌ. فَمِنْ ذَلِكَ: رُجُوعُهُمْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ فِي قِتَالِ ............ واختلفوا: هل هو قطعي أو ظَنّي؟ "والأكثر: قطعي؛ خلافًا لأبي الحسين". ثم اختلف أئمّتنا في تَعْيين الدليل الدَّال عليه، وتشعبوا شعوبًا وقَبَائل، والمعتمد من الطرق الاستدلال بعمل الصحابة ﵃ ثم اختلف سالكوه، فمنهم من زعم: قيام الإجماع منهم جميعًا إجماعًا قوليا، ولم يذكره في الكتاب، بل ذكر فريقين آخرين سالكي هذه الطريقة. الشرح: فقال: "لنا: ثبت بالتَّواتر عن جمع كثير من الصَّحَابة العمل به عند عدم النَّص، وإن كانت التفاصيل" المروية في ذلك "آحادًا"، فالقدر المشترك منها متواتر. "والعادة تقضي بأن مثل ذلك لا يكون إِلَّا بقاطع"، فدلّ على قيام قاطع عليه، وليس في هذه الطريقة ادّعاء وقوع إِجماع، لا سكوتي ولا قولي. "وأيضًا: تكرر وَشَاع" فيما بينهم، "ولم ينكر، والعادة تقضي بأنّ السكوت في مثله وفاق"، وهذا إِجماع سكوتي، وهو أقوى من جميع الإِجماعات السّكوتية؛ لأنها في أَمْرٍ جزئي، وهذا في أصل عظيم في الشَّرِيعة، فربَّ ساكت في بعض الحَوَادث الجزئية غير ساكت على اعتماد أمر عظيم، فلا يَمْتَرِي ذو لُبّ أن السكوت على القواعد العظيمة أدلّ على الموافقة من السّكوت على فرع جزئي، وإلى هذا أشار بقوله: في مثله؛ لينبّه على أنه قد يوافق - هنا - من لا يقول بالسّكوتي. ثم أخذ يذكر شيئًا مما جرى بيبن الصَّحَابة في ذلك، وهذا باب تضيق عنه الأَوْرَاق، ولكنه أشار إلى النَّزْرِ اليَسِيرِ. الشرح: "فمن ذلك: رجوعهم إلى أبي بكر" الصديق - "﵁ في قتال بني حنيفة على الزكاة"، وقوله: والله لأُقَاتِلَنَّ من فَرَّقَ بين الصلاة والزكاة" (١)، وهو قياس منه

стр. 2042

بَني حَنِيفَةَ عَلَى الزَّكَاةِ. وَمِنْ ذَلِكَ: قَوْلُ بَعْضِ الأَنْصَارِ في أُمِّ الآبِ: تَرَكْتَ الَّتِي لَوْ كَانَتْ هِيَ الْمَيِّتَةَ، وَرِثَ الْجَمِيعُ؟؟! فَشَرَّكَ بَيْنَهُمَا، وَتَوْرِيثُ عُمَرَ ﵁ الْمَبْتُوتَةَ بِالرَّأْي، وَقَوْلُ عَلِيٍّ لِعُمَر ﵄ لَمَّا شَكَّ فِي قَتْلِ الْجَمَاعة بِالْوَاحِدِ: أَرَأَيْتَ لَوِ اشْترَكَ نَفَرٌ فِي سَرِقَةٍ؟!. للزكاة على الصلاة، وهذا الأثر متفق على صحته (١).

стр. 2043

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . "ومن ذلك: قول بعض الأنصار" وهو: عبد الرحمن بن سَهْلٍ البدري لأبي بكر ﵁ "في أم الأب: تركت التي لو كانت الميتة ورث الجميع؟! فشرك أبو بكر "بينهما"، وهذا مرويّ من طريق يحيى بن سعيد الأَنْصَارِي (١)، عن القاسم بن محمد بن أبي بَكْر: أن رجلًا مات وترك جَدَّتَيْهِ، أم أبيه، وأم أمه، فأتوا أبا بكر ﵁ فأعطى أم الأم السّدس، دون أم الأب (٢)، الأثر، وهو منقطع جيد.

стр. 2044

وَمِنْ ذَلِكَ: إِلْحَاقُ بَعْضِهِمُ الْجَدَّ بِالأَخِ، وَبَعْضِهِمْ بِالأَبِ، وَذَلِكَ كَثيرٌ. "وتوريث عمر المَبْتُوتَة بالرأي" (١) كذا بخط المصنف، وإنما هو: [عثمان] (٢)، رواه مالك والشَّافعي بسند صحيح. "وقول علي لعمر - لما شك في قتل الجَمَاعة بالواحد -: أرأيت لو اشترك نَفَرٌ في سرقة". وهذا ذكره الأصوليون، وهو لا يُعْرَف، وإنما المعروف عن عمر في جماعة قتلوا صبيًّا: "لو تَمَالأَ عليه أهل صَنْعَاءَ لقتلتهم". الشرح: "ومن ذلك: إلحاق بعضهم الجَدّ بالأخ" (٣)، وهو قول عمر، وعثمان،

стр. 2045

فَإِنْ قِيلَ: أَخْبَارُ آحَادٍ في قَطْعِيٍّ، سَلَّمْنَا: لَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَمَلُهُمْ بغَيْرِهَا، سَلَّمْنَا: لَكِنَّهُمْ بَعْضُ الصَّحَابَةِ، سَلَّمْنَا أَن ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ نكِيرٍ دَلِيلٌ وَلا نُسَلِّمُ نَفْيَ الإنكارِ، سَلَّمْنَا لَكِنَّهُ لا تَدُلُّ عَلَى الْمُوَافَقَةِ، سَلَّمْنَا لَكِنَّهَا أَقْيِسَةٌ مَخْصُوصَةٌ. وعلي، وابن مَسْعُود، وأبي موسى الأَشْعَري، وزيد بن ثَابت ﵃ "وبعضهم بالأب"، وهو قول أبي بكر، وابن عَبَّاس، وأبي هريرة، وأبي الدرداء، وعائشة، وأبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وابن الزبير ﵃. وتقديم بعضهم الإخوة عليه - وهو غريب - روي عن عبد الرحمن بن غنم الأَشْعَرِيّ، وهو صحابي في قول. "وذلك كثير" لا ينحصر، ولا ينكره إِلا مُبَاهت، أو عَارٍ عن معرفة الآثار، وأصح هذه الطرق الأولى، وهي ادّعاء الإِجماع القولي، ولا أعني به: أن كلًّا منهم صرح بأنه حجّة، بل إِنهم افترقوا إِلى مصرح بذلك، وعامل به، وليس فيهم من فقد الأمرين. ولقد جنح إِمام الحرمين إِلى ما قلناه، والمصنّف أهمل ذكر هذه الطريقة - كما عرفت - ثم قال: "فإن قيل: أخبار آحاد في قطعي"، فلا تكفي.

стр. 2046

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . "سلمنا" أنها متواترة، وأن الآحاد كافيةٌ فيها، بناء على أن المسألة ظنية، "لكن يجوز أن يكون عملهم بغيرها"، أي: بغير الأَقْيِسَةِ، من نصّ أو سنة أو غيرها، فليس الأمر منحصرًا في القياس. "سلّمنا" أن ذلك عمل بالقياس، "لكنهم بعض الصحابة"، فلا يكون حجة.

стр. 2047

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . "سلمنا: أن ذلك" أي: عمل البَعْض "من غير نكير دليل، ولا نسلم نفي الإِنكار"، فلقد روى أن أبا بكر ﵁ قال في الكَلالَةِ (١): أيّ سماء تُظِلّني، وأي أرض

стр. 2048

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . تُقِلّني إذا قلت في كتاب الله بِرَأْيي؟ " (١). وعن عمر: "إياكم وَأَصْحَاب الرأي (٢) "، إِلى غير ذلك من آثار كثيرة (٣).

стр. 2049

وَالْجَوَابُ عَنِ الأوَّلِ: أَنَّهَا مُتَوَاتِرَةٌ فِي الْمَعْنَى كَشَجَاعَةِ عَلِيٍّ ﵁. وَعَنِ الثانِي: الْقَطْعُ مِنْ سِيَاقِهَا بِأنَّ الْعَمَلَ بِهَا. "سلمنا" نفي الإِنكار، ولكنه لا يدل على الموافقة"، كما عُرِفَ في الإِجماع السكوتي. "سلمنا" دلالة عملهم بها على كونها حُجّة "لكنها أقيسة مخصوصة" ومدعاكم وجوب العمل بكل قياس، فمن أين التعميم؟. الشرح: "والجواب عن الأول: أنها متواترة في المعنى، كشَجَاعة علي. وعن الثاني القطع من سياقها بأن العمل بها"، ولقد كان لِحِجَاجِهِمْ ومُنَاظرتهم المنتهى. قال ابن السَّمْعَاني: ويستحيل عادة على عدد كثير يهتمُّون بنقل كلام من يعظمونه حتى ينقلوا ما لا يتعلّق به حكم شرعي، أن يهملوا إِظهار ما اشتدت الحَاجَة إِليه، مما يتعلّق به حكم، ووقع فيه النِّزاع، ويفارق هذا ترك نقل سَنَدِ الإجماع للانتهاء من أن الإجماع حجة لا خلاف معه.

стр. 2050

وَعَنِ الثَّالِثِ شِيَاعُهُ وَتَكْرِيرُهُ قَاطِعٌ عَادَةً بِالْمُوافَقَةِ". وَعَنِ الرَّابعِ: أَنَّ الْعَادَةَ تَقْضِي بِنَقْلِ مِثْلِهِ. وَعَنِ الْخَامِسِ مَا سَبَقَ فِي الثالِثِ. الشرح: "وعن الثالث: شياعه وتكرّره قاطع عادة بالموافقة"، فليس الاستدلال بمجرّد قول البعض، بل بقول البعض، وموافقة الباقين التي قضت العَادَة بحصولها. الشرح: "وعن الرابع" وهو: منع عدم الإِنكار "أن العادة تقضي بنقل مثله"، أي: مثل الإِنكار لو وقع، فعدم نقله دليل على عدم وقوعه، وما نقل عن الشَّيخين وغيرهما محمول على القياس الفَاسِد؛ فإن القاطع قائم بعدم الذَّم؛ في صور غير مَحُصورة، ومنقول عمن نقل عنهم الذَّم، فتعين الحمل على ذلك جمعًا بين الدليلين. الشرح: "وعن الخامس: ما سبق في الثالث"، من أن استدلالنا بعدم الإِنكار مع الشيوع والتكرار، وذلك دالّ. ولك أن تقول: سلمنا أنه دالّ، ولكن لم قلت: إنَّ دلالته قطعية؟ ولا يتم مقصودك إلا بإثبات دلالة قاطعة، وهذا واضح لا سيّما عند من يقول بأنّ الإِجماع السكوتي ظني، ومنهم المصنف. وإمام الحرمين لا يرد عليه هذا. أما أولًا: فلأنه جَنَحَ إلى إثبات الإجماع القولي في المسألة كما هو رأينا. وأما ثانيًا؛ فلأن السُّكوتي عنده في الصورة التي يختاره فيها قَطْعي، وقد قال - هنا -: ذكرنا في مسألة الانتشار أنه لا يجوز السُّكوت مع طول الزمان، [وتذاكر] (١) أهْله، وإن كان الأمر مظنونًا، فكيف يسوغ في مطّرد العرف تصرف علماء الصَّحابة في مذاهب الاجتهاد على الدَّوَام من غير فُتُورٍ فيه، ثم يسكت عليه من يعتقد بطلانه؟! انتهى.

стр. 2051

وعنِ السَّادِسِ: الْقَطْعُ بِأنَّ الْعَمَلَ لِظُهُورِهَا، لا لِخُصُوصِهَا؛ كَالظَّوَاهِرِ. الشرح: "وعن السَّادِس: القطع بأن العمل" بها كان "لظهورها"، وإثارتها الظن "لا لخصوصها، كالظواهر" كلها التي عَمِلُوا بها من الكتاب والسُّنة، فإنا على قطع بأن عملهم إنما كان لظهورها، وما كانوا يجتهدون إلا لتحصيل الظَّن. ولإمام الحرمين سؤال لو قرر عليه السُّؤال السَّادس في كلام المصنّف، كان موجهًا، وهو أنكم مَعَاشر القياسيين لا تصححون كل نظر، ومتعلّقكم فيما صححتموه إِجماع الأولين، ولا تنقلون فيه لفظًا جامعًا مانعًا، حتى يكون مرجوعكم فيما تأتون وتذرون، وتصححون وتبطلون، وإلَّا فالأقاصيص المتفرقة لا ضبط لها، فكيف انضبط لكم منها ما لا يصح وما يفسد؟، وقد اعترفتم بأنْ لا مدرك غير التعلّق بما صدر منهم. قال إِمام الحرمين (١): وهذا سؤال مُشْكل، ذكره في "دلائل الكلام" على القَاساني والنَّهْرَواني، حيث لم يقبلا القياس إِلا في المكانين اللذين أشرنا إِليهما آنفًا. ثم أجاب: بأنَّا نعلم بالضَّرورة أن النظر الذي حكمت به الصحابة زائد على ما اعترف به هؤلاء بأضعاف مُضَاعفة، وآلاف مؤلّفة، وقد ثبت نظر أنكروه، أي: على الجُمْلة، وذلك هو قُصَارى مدعانا هنا، وما من طريق تذكر إِلّا ويستدل عليه بخصوصه على حسب الإِمكان، ولك نقل هذا الجواب إلى - هنا - فتقول: قد ثبت قياسهم على الجُمْلة، وهو المدعي، أما النظر إِلى كل مأخذ بخصوصه، فلسنا له الآن. ولك - أيضًا - أن تقول: إِنا نقطع بأن العمل بها إنما كان بحصول الظن، لا بخصوصها، كما ذكر المصنف، وهو سَدِيدٌ. فإن قلت: يلزمكم العمل بكل قياس. قلنا: إنما يلزمنا العمل بكلّ قياس يحصل ظنًّا، ونحن نلتزمه، أما ما لا يثير ظنًّا، كالطرد، فلا يلزمنا. ولقد أورد ابن السَّمعاني سؤال إمام الحرمين هذا على أصل الاستدلال بإجماع

стр. 2052

وَاسْتُدِلَّ: بِمَا تَوَاتَرَ مَعْنَاهُ مِنْ ذِكْرِ الْعِلَلِ لِيُبْتَنَى عَلَيْهَا؛ مِثْلُ: "أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ؟ "، "أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ [إِذَا جَفَّ]؟ "؛ وَلَيْسَ بِالْبَيِّنِ. وَاسْتُدِلَّ: بإلْحَاقِ كُلِّ زَانٍ بِمَاعِزٍ. وَرُدَّ: بِأنَّ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ: "حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ" أَوْ للإِجْمَاعِ. وَاسْتُدِلَّ: بِمِثْلِ: "فَاعْتَبِرُوا"، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الْاتِّعَاظِ، أَوْ فِي الأمُورِ الْعَقْلِيَّةِ مَعَ أَن صِيغَةَ "افْعَلْ" مُحْتَمِلَةٌ. الصحابة كما أوردناه، وعَزَاه إِليه مصرحًا باسمه وهو قليل التَّصْريح باسمه، مع كثرة نقله عنه. ثم قال: لا أدري كيف وجه الإشكال؟، وهذه الآثار صرّحت بالمصير إِلى الرأي من الصحابة بالانضباط فيما اتفقوا عليه. فإن قيل: لم يصرحوا بعلم. قلنا: قد ذكرنا محاجتهم بضرب الأمثلة، وعلى التنبيه منهم على العلة والقياس، وقد وجد، ثم قال: ونعين مسألة واحدة، وذكر مسألة الحرام واختلافهم فيها على الأقوال المعروفة، ثم قال: فوجب القطع بأنهم أرادوا ما ذكرناه أو ما يجري مجراه معنى من رأي تشابه الرأي في مسألة الحرام، وهو دون الرأي في العلل المنصوصة وقياس الأولى ونحوهما. الشرح: "واستدلّ" على التعبد بالقياس "بما تواتر معناه من ذكر العِلَل لتبني عليها" الأحكام، "مثل: "أرأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ؟ "، "أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ؟ ". وقد تقدم هذان الحديثان وما شابههما، "وليس" الاستدلال بذلك "بالبَيّن" في الدلالة على المقصود؛ فإنه لعل المقصود من ذكر العلة الوقوف على الحكمة، لا أن يقاس عليها، ولذلك جوزنا التعليل بالقاصرة، والحق أن هذا احتمال منع القطع دون الظهور، فيمنع الاكتفاء بهذا الوجه حجة على القياس. "واستدلّ" - أيضًا - "بإلحاق كل زانٍ" محصن "بِمَاعِزٍ" في الرَّجْم، وصدر هذا الإِلحاق من جميع الأمة، فدلّ على القياس.

стр. 2053

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . "ورُدّ بأن ذلك لقوله" ﵊: "حُكْمِي عَلَى الوَاحِدِ، حُكْمِي عَلَى الجَمَاعَةِ (١). وقد قلنا غير مرة: إِن الحديث وإن لم يصح، فمعناه مجمع عليه. "أو للإجماع" على أن كل زانٍ محصن حكمه حكم مَاعِزٍ، لا للقياس. "واستدلّ بمثل: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [سورة الحشر: الآية ٢]. والاعتبار: المُجَاوزة، وهو محقق في القياس، فيشمله؛ بدليل صحّة الاستثناء، بأن

стр. 2054

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يقال: فاعتبروا إلا في الشيء الفلاني، والاستثناء دَلِيلُ الشمول أولًا، فيكون مشروعًا، ثم إذا شرع كان واجبًا؛ لعدم القائل بالفَصْل في القياس. هذا تقرير الاسْتِدلال من قوله: فاعْتَبِرُوا (١).

стр. 2055

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قال المصنف: "وهو ظاهر في الاتِّعَاظِ"؛ لِغَلَبَتِهِ فيه، ولدلالة سياق الآية عليه، فإن الله - تعالى - قال: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا﴾ [سورة الحشر: الآية ٢]، والمناسب - هنا - أن يكون الاعتبار، لا أن يكون المراد: فقيسوا الذّرة على البُرّ؛ إذ لو فرض ذلك، لكان ركيكًا من الكلام، ينزه عنه كلام الله تعالى. واعلم أن أصحابنا استدلُّوا بهذه الآية خلفًا عن سَلَفٍ، والحق عندي فيها أنها غير مفيدةٍ للقطع، ولكنها تفيد الظن، وما ذكر من الرَّكَاكَةِ، قد ذكر أصحابنا: أنه إنما يتأتى، لو قيل: فقيسوا الذُّرَة على البُرّ، ولا يجيء فيما إِذا أتى بلفظ عام، كما هو فيما نحن فيه؛ فإن الاعتبار أعم من الاتِّعَاظ، وقياس الذُّرَة على البر، فما في ذلك شيء من الركاكة، بل هو في أعلى مقام الفَصَاحة؛ ألا ترى أن النبي ﷺ لو سئل عمن ابتلع حَصَاة في نهار رمضان، لم يكن أن يقول في جوابه: من جامع فعليه الكفارة؛ إِذ لا دخول لصورة السُّؤال تحت هذا

стр. 2056

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . اللفظ، ويحسن كل الإحسان أن يقول: من أفطر فعليه الكَفّارة؛ فإن فيه الجواب وزيادة فائدة. وعند هذا نقول: إن أراد المصنف أنه ظاهر في الاتِّعَاظ، غير ظاهر في القياس، فهو ممنوع، بل هو ظاهر فيهما جميعًا، نعم دخول الاعتبار أظهر؛ لأنه يشبه خصوص السَّبب الذي دخوله تحت اللَّفْظ أظهر، وإذا كان ظاهرًا فيهما، حسن الاستدلال به لمن يكتفي بالظُّهور في المسألة، ولمن يريد أن يضم إِليه ظواهر أخر يصل مَجْمُوعها إِلى القطع ممن لا يكتفي بالظهور. وإن أراد: ظاهر في الاتِّعَاظ، مع ظهوره في القِيَاسِ، لم يجده نفعًا. فإن قلت: يفيده عدم الاسْتِدْلال به، فإنه لا يكتفي بالظَّن في المسألة. قلت: هو غني عن دعوى الظُّهُور، فإِن مجرد الاحتمال يدفع القَطْع، وهو قائم بلا ريب. ولنعد إِلى حل كلامه: سلمنا أنه ظاهر في القياس، سواء أكان ظهوره فيه مساويًا لظهوره في الاتِّعَاظ أو لا، كذا ينبغي أن يقرر، ولا يقرر على أَنّا: سلّمنا أنه غير ظاهر في الاتِّعَاظ؛ فإِنه تسليم لشيء لم يدعه أحد، ونقول بعد هذا التسليم: هو ظاهر في القياس في الأمور العَقْلية، كما يقال في إِثبات الصانع: اعتبر بالدار، هل يمكن حدوثها من غير صانع. فما ظنك بالعالم، وليس ظاهرًا في القياس الشرعي، وإليه أشار بقوله: "أو في الأمور العقلية"، ثم ذكر ما يمنع القطع في الآية، فقال: "مع أن صيغة "افعل" محتملة"، وهو صحيح؛ فإِن موارده [كثيرة - كما عرفت في مَوْضعه - ولكنا نقول: من مواردها] (١) ما يقطع بانتفائه - هنا - كالتهديد ونحوه، فإنه لا يتجه - هنا - غير الوجوب والنَّدب والإِباحة، وإذا كانت الصيغة - هنا - مترددة بين هذه المحامل لا رابع لها، فنقول: أيًّا ما كان، حصل الغرض، أما أن يكون الوجوب، فواضح، وأما إن كان الندب، أو الإِباحة؛ فلأنه يستفاد منه أصل المشروعية، ومتى تثبت مشروعية العمل بالقياس، ثبت وجوبه؛ إِذ لا قائل بالفصل، نعم لو قال المصنّف: مع أن الآية محتملة، صح، ودفع القطع.

стр. 2057

وَاسْتُدِلَّ: بِحَدِيثِ مُعَاذٍ؛ وَغَايَتُهُ الظَّنُّ. وذكر أصحابنا - أيضًا - من الآيات قوله - تعالى -: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [سورة النساء: الآية ٨٣]. قالوا: والاستنباط هو: الاستخراج للمعنى المودع في النَّص، فيبرز ويظهر، وهو يشمل القياس، وهاتان الآيتان: آية الاعتبار. وآية الاستنباط، أظهر ما تعلّق به من الآي، والبحث فيها يطول (١). الشرح: "واستدلّ بحديث معاذ"، وقوله ﷺ : "كَيْفَ تَقْضِي إِذَا عَرَضَ لَكَ

стр. 2058

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قَضَاء؟ "، قال: أقضي بكتاب الله، قال: "فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ " قال: فبسُنّة رسول الله، قال: "فَإنْ لَمْ تَجِدْ؟ "، قال: أجتهد رأيي، ولا آلو، قال: فضرب رسول الله ﷺ في صدره، وقال: "الحَمْدُ لِلهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولهِ ﷺ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللهِ" (١) رواه أحمد، وأبو داود،

стр. 2059

النَّصُّ عَلَى الْعِلَّةِ لا يَكْفِي في التَّعَدِّي دُونَ التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ. وَقَالَ أَحْمَد، وَالْقَاشَانِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ، والْكَرْخِيُّ: يَكْفِي. وَقَالَ الْبَصْرِيُّ: يَكْفِي فِي عِلَّةِ التَّحْرِيمِ لا غَيْرِهَا. والترمذي، ولكن قال البخاري: لا يصح. وقال الترمذي: ليس إسناده - عندي - بمتصل (١). قال المصنف: "وغايته" إفادة "الظن"، وهذا صحيح، وإنما سلك بعضهم في إفادته الظن من قبيل أنه لا يلزم من صحّة القياس لمعاذ، صحته لغيره، فإن قِيسَ غيره عليه، لزم الدور، ثم كيف يقاس بمعاذ الذي هو أعلم النَّاس بالحلال والحرام من هو دونه؟. وجواب هذا: أنه لا قائل بالفَصْلِ، وأن الحكم على الواحد حكم على الجَمَاعَةِ. الشرح: «مسألة» "النَّص على العلة لا يكفي في التعدّي دون التعبد بالقياس"، سواء أكان في الفعل، مثل: أكرم زيدًا لعلمه، أو الترك، مثل: الخمر حرام لإِسكاره، وهو رأي المحققين، كالأستاذ، والغزالي، والإمام وأتباعه، والآمدي (٢).

стр. 2060

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . "وقال أحمد" في رواية "والقَاشَاني، وأبو بكر الرازي، والكَرْخِي"، والشيخ أبو

стр. 2061

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . إسحاق الشِّيرَازي، وأبو الحسين البَصْرِي: "يكفي"، ونقله الأكثرون عن النَّظَّام، منهم الآمدي. = " والجواب عنه من وجهين": "الأول" أن خبر الواحد فيما تعم به البلوى يقبل على الصحيح كما هو مقرر في محله. "الثاني" أنه خبر مشهور؛ لتلقي الأمة له بالقبول، فهو يفيد الطمأنينة؛ وهي فوق ظن الآحاد؛ لأنها اليقين بالمعنى الأعم، فيقبل فيما تعم به البلوى على فرض أن خبر الواحد المجرد عن الشهرة لا يقبل في ذلك. "الاعتراض الثالث والجواب عنه": قالوا: إنه مناف للعقل؛ فلا يقبل، وذلك أن مقتضى تولية النبي ﷺ معاذًا على اليمن أنه ﵇ يعلم اتصافه بأهلية الولاية، فهو إذا يعلم ما يقضي به، وحينئذ لا يكون لسؤاله عما يقضي به معنى. "ويجاب عنه" بأن السؤال كان قبل التولية عند إرادتها؛ ليستكشف به النبي ﷺ صلاحية معاذ لها، وعلى فرض أنه وقع بعد التولية، فهو للتأكد أو لإعلام غيره بتوليته. "الاعتراض الرابع والجواب عنه": قالوا: إنه مناف للقرآن الكريم، فإنه يدل على أن الحكم قد يفقد من كتاب الله تعالى مع أن الله يقول: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ ﴿ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾ وهاتان الآيتان تدلان على أنه ما من حكم إلا وهو في كتاب الله تعالى، وهذا ينافي فقدان الحكم منه، فيكون الحديث مردودًا؛ لمنافاته القرآن. "وأجيب عنه" بأن المراد بالكتاب اللوح المحفوظ كما عزى إلى عامّة المفسرين، وعلى فرض أن يراد به القرآن الكريم فليس المقصود بالآيتين أنه يدل على كل حكم بالنص عليه بخصوصه، فهذا باطل بالاستقراء، وإنما المقصود بهما أنه يدل علي كل حكم إما بالنص عليه وإما بالنص على الأصل الذي يؤخذ منه، وقد دل على صدق الرسول ﵊ في أقواله، ومن أقواله هذا القول المبين صحة الاحتجاج بالقياس عند عدم النص على الحكم بخصوصه، فلا منافاة بين فقدان الحكم من كتاب الله نصًّا وبين وجدانه فيه بالدلالة على أصله. "الاعتراض الخامس والجواب عنه": قالوا: إنه مناف للدليل الدال على جواز نسخ الكتاب وتخصيصه بالسنة، وهذا الدليل صحيح، فمنافيه باطل، وبيان منافاته له أنه يدل على أن الحكم متى وجد في كتاب الله وجب العمل به، ولا ينتقل إلى السنة إلا عند فقده منه، فالسنة إذًا لا تخصص الكتاب ولا تنسخه، وإلا ما توقف العمل بها على فقده. =

стр. 2062

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2063

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . "وقال البَصْري: يكفي في علة التحريم لا غيرها". واعلم أنَّ القائلين بأنه يكفي، يحتمل مذهبهم أمرين: أحدهما: أن يكون ذلك لاقتضاء اللَّفظ إِياه بعمومه، وهذا ما نقله الغَزَالي والآمِدِيّ عن النظام.

стр. 2064

لنَا: الْقَطْعُ بِأنَّ مَنْ قَالَ: "أَعْتقْتُ غَانِمًا؛ لِحُسْنِ خُلُقِهِ"، لا يَقْتَضِي عِتْقَ غَيْرِهِ مِنْ حَسَنِي الْخُلُقِ. قَالُوا: "حَرَّمْتُ الْخَمْرَ لإِسكَارِهِ" مِثْلُ: "حَرَّمْتُ كُلَّ مُسْكِرٍ". وَرُدَّ: بِأنَّهُ لَو كَانَ مِثْلَه، عَتَقَ مَنْ تَقَدَّمَ. قَالُوا: لَم يَعْتِقْ؛ لأَنَّهُ غَيْرُ صَرِيحٍ، وَالْحَقُّ لآدميٍّ. قُلْنَا: يَعْتِق بِالصَّرِيحِ، وَبالظَّاهِرِ. والثاني: أن يجعل التَّنْصيص على العلّة أمرًا بالقياس، وهو نقل الأكثرين عن الذاهبين إلى هذا القول، وقد أتى المصنف بعبارة تشمل الاحتمالين، حيث قال: لا يكفي في التعدي، فإن التعدي؛ عن النصوص قد يكون بالقياس، وقد يكون بالتعميم، ثم إنه لم يعز القول بأنه يكفي إلى النظام، وأراد ذلك - والله أعلم - لسؤال يورد، وهو أنه كيف يجامع إنكاره التعبد بالقياس قوله - هنا - بهذه المقالة؟ والسؤال - عندي - ساقط؛ فإنه إن كان رأيه ما نقله الغَزَالي، والآمدي من التعميم، فليس ذلك من القياس في شيء. وإن كان الثاني، فغايته القضاء بأن قضية النص على العلّة الأمر بالقياس، وليس فيه ما يقتضي وقوع ذلك، ولا جواز وقوعه، وما تقدم منه استحالة وقوعه من غير تعرُّض إلى أن اللفظ لو وقع، ماذا مدلوله؟ فلم يتوارد الكلامان على [محل] (١) واحد. الشرح: "لنا: القَطْع بأن من قال: أعتقت غانمًا لحسن خلقه، لا يقتضي عِتْق غيره من حسني الخلق"، من عبيده، ولو كفى التَّنصيص على العلّة في التعدية، لعتق غيره ممن شاركه في حسن الخلق. ولك أن تقول: هذا مُنْقدح، إن كان الخصم يدعي أن التعميم من قضية اللفظ، كما هي طريقة الآمدي في النقل عن النَّظام، فإن قوله حينئذٍ: أعتقته لحسن خُلقه، بمنزلة: أعتقت كل حسني الخلق.

стр. 2065

قَالُوا: لَوْ قَالَ الأَبُ: "لا تَأْكُلْ هَذَا؛ لأِنَّهُ مَسْمُومٌ"، فُهِمَ عُرْفًا الْمَنع مِنْ كُلِّ مَسْمُومٍ. قُلْنَا: لِقَرِينَةِ شَفَقَةِ الأَبِ بِخِلافِ الأَحْكَامِ؛ فَإنَّهُ قَدْ تُخَصُّ لأِمْرٍ لا يُدْرَكُ. قَالُوا: لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلتَّعْمِيمِ لَعُرِّي عَنِ الْفَائِدَةِ. وَأُجِيبَ: بِتَعَقُّلِ الْمَعْنَى فِيهِ، وَلا يَكُونُ التَّعْمِيمُ إِلَّا بِدَلِيلٍ. أما إن كان يدعي التعدية؛ لأن التنصيص أمر بالقياس، فلا يتأتَّى، فإن الشارع تعبدنا بالقياس، فلذلك عمّمنا بالعلة، بخلاف غيره. "قالوا: حرمت الخمر لإسكاره، مثل: حرمت كل مسكر"، فيكون عامًّا. "وُردَّ: بأنه لو كان مثله، عتق من تقدم"، والاتِّفَاق أنه لا يعتق، ثم الدليل إِنما يتوجه على تقدير أن مدعى الخصم أن التعميم باللَّفظ كما عرفت. أما إن ادعاه أمرًا بالقياس، فواضح بأنه ليس مثله. "قالوا: لم يعتق"؛ فيما نحن فيه؛ "لأنه غير صريح، والحق لآدَمِيّ". "قلنا: يعتق بالصريح والظاهر"، ولا يفترق الحال بين حق الآدَمِيّ وغيره إذا كان مأخوذًا من اللفظ. "قالوا: لو قال الأب: لا تأكل هذا؛ لأنه مَسْمُوم، فهم عُرْفًا المنع من كل مسموم. قلنا: لقرينة شَفَقَة الأب" المقتضية لمنع الولد من كل مُؤْذٍ، "بخلاف الأحكام، فإنه قد تخص لأمرٍ لا يدرك". ثم نقول: سلمنا أنه يفهم منه عرفًا، ولكن ذلك للإتيان بالعلة، لا من اللفظ، ولا لأن النص عليها أمر بالقياس. "قالوا: لو لم يكن" التنصيص على العلّة "للتعميم" في جميع الصّور "لعُرّى" التنصيص "عن الفائدة"؛ لحصول الحكم في المنصوص بمجرد النص. "وأجيب: بتعقُّل المعنى فيه"، أي: فائدته تعقُّل المعنى المقتضي للحكم؛ لأنه أسرع إلى الانقياد، "ولا يكون التَّعميم" في الحكم "إلا بدليل" آخر. أو يقال: الفائدة فهم العلّة؛ ليقاس عليها.

стр. 2066

قَالُوا: لَوْ قال: الإسْكَارُ عِلَّةُ التَّحْرِيمِ، لَعَمَّ؛ فكَذَلِكَ هَذَا. قُلْنَا: حَكَمَ بِالْعِلَّةِ عَلَى كُلِّ إِسْكَارٍ، فَالْخَمْرُ وَالنَّبِيذُ سَوَاءٌ. الشرح: "قالوا: لو قال: الإسكار علّة التحريم لعمّ، فكذلك - هنا -" أي: قوله حرمت الخمر لإِسكاره؛ لأن "اللام" للتعليل، ولا فرق بين أن يذكر التّعليل باسمه، أو بحرف يدل عليه، فيجب أن يكون عامًّا. "قلنا": لا نسلّم اتحاد معنى العبارتين؛ فإن قولك: الإسكار علّة الحُرْمة لفظ "حكم بالعلّة على كل إِسكار" إذا ذكرت الإسكار معرفًا بـ "اللام"، وهو للعموم، "فالخمر والنَّبيذ" بالنسبة إليه "سواء". ولقائل أن يقول: إن أردت بالمُسَاواة بين الخَمْر والنبيذ مساواتهما في أنهما - والحالة هذه - منصوصان، وهو طاهر العبارة، ويؤيده قول الآمدي: يكون التحريم ثابتًا في كل الصور بجهة العموم، وهذا ممنوع؛ وذلك لأن قولنا: الإِسكار علّة التحريم، ليس المراد به كل تحريم، بل تحريم الخمر، "والألف واللام" في التحريم للعهد، وهذا واضح. وقولنا: علة تحريم الخمر الإِسكار، لا يوجب صَيْرُورَة النّبيذ منصوصًا، وإن أردت المساواة في أصل الحكم، فكذلك كل فرع مع الأصل، سواء أكانت العلّة فيه منصوصةً أم لا، وهذا مكان مُعْضل، والذي يظهر فيه عند التحقيق، أن قولنا: حرمت الخمر لإِسكاره، يحتمل أن تكون العلّة مطلق الإِسكار، حتى يعدي إِلى النبيذ، ومحتمل لأن تكون العلة خصوص إِسكار الخمر احتمالًا قويًّا، بحيث إنه لو لم يرد الأمر بالقياس لما قِسْنا - والحالة هذه - ولكن ورود الأمر بالقياس من قبيل التَّنصيص على العلة قرينة رجحت الاحتمال الأول. وأما قولنا: علة حرمة الخمر الإِسكار، فمحتمل - أيضا - لأن يكون المراد الإِسكار الخاص، ولكنه احتمال مَرْجُوح، وليس كهو في الصِّيغَة الأولى، ومع ذلك إلحاق النبيذ - والحالة هذه - قياس لا نص، على خلاف ما ظهر من عبارة الكتاب والآمِدِيّ. ولقد حاول الإِمام في "المحصول" أن يجعله رُتبة متوسطة بين القياس والنص، وتبعه القاضي سِرَاج الدين في "التحصيل"، وعبارة "التحصيل": لو قال ذلك، لم يكن قياسًا؛ إذ العلم بالعلّة يوجب العلم بالمعلول، أي: من غير أن يتأخَّر العلم ببعض الأفراد عن العلم بالآخر، فلم يتميّز الأصل عن الفرع، حتى يقاس أحدهما على الآخر، وهذا ليس بالنص،

стр. 2067

الْبَصْرِيُّ: مَنْ تَرَكَ أكْلَ شَيْءٍ لأَذَاه، دَلَّ عَلَى تَرْكِهِ كُل مُؤذٍ، بِخِلافِ مَنْ تَصَدَّقَ عَلَى فَقِيرٍ. قُلْنَا: إِنْ سُلِّمَ فَلِقَرِينَةِ التأذِّي، بِخِلافِ الأحكامِ. ولا القياس، بل بطريق العلم بالعلّة، وهو الاستدلال بالنص. ولقائل أن يقول: لا نسلم أن ذلك بقياس، وقولكم: لم يتميّز الأصل عن الفرع مندفع؛ فإنه إذا قال: علة حرمة الخمر الإسكار، فالحرمة في الخمر أصل، والعَمَل بها يحصل حال ورود النص، ثم بعد ذلك يحصل العلم بحرمة كل مسكر، وكل ما كان غير الخمر يكون فرعًا، والعلم بحرمته متأخّر عن العلم بحرمة الخمر، وربما لا يعلم كون الشيء مسكرًا إِلا بعد حين، فلا تعلم حُرْمته، فإِذا جزب ووجد مسكرًا، علم تحريمه، فكيف لا يكون العلم به متأخرًا؟. فإن قلت: نحن ندعي عدم تأخر العلم بحرمة كل مسكر حكمًا كليًّا، لا العلم بواحد واحد من الجزئيات المندرجة، فإنها داخلة في الحكم المعلوم، فالعلم بحرمة الجزئيات المَخْصُوصة لا يستفاد من الأصل الذي هو الخَمْر، بل من المقدمة الكلية التي هي العلم بتحريم كل مُسْكر، والعلم بهذه المقدّمة لا يتأخّر. قلت: بل العلم بها - أيضا - متأخر؛ لأنا نعلم أولا حُرمة الخمر، ثم كون الإِسكار علّة بتنصيص الشَّارع، ثم يحكم بتحريم كل مسكر حكمًا مترتبًا على هذا العلم بالعلّية، والحكم في كل قياس كذلك، فإِن المجتهد يعلم حكم الأصل، ثم يستنبط العلّة، ثم يحكم بمقدمة كلّية شاملة لجميع صور تلك العلة. الشرح: واحتج أبو عبد الله "البصري" على مذهبه: بأن "من ترك أكل شيء لأَذَاهُ؟ " كمن ترك أكل رُمَّانة حامضة لحُمُوضتها، "دلّ على تركه كل مُؤذٍ، بخلاف من تصدّق على فقير" لفقره، لا يدلّ على أنه يتصدق على كل فقير، أو من أكل رُمَّانة حامضة لحموضتها لا يدلّ على أكله كل رمانة حامضة. "قلنا": لا نسلم أنه - مثلًا - إذا أكل واحدةً لحموضتها يدل على أكله الكل، وذلك لاحتمال أن يكون الدَّاعي لا مطلق حُمُوضة هذه الرمانة الخاصة. و"إن سلم، فلقرينة التَّأذِّي"، وكون ترك المُؤذى مطلقًا مَرْكُوزًا في الطِّبَاع،

стр. 2068

مَسْألةٌ: الْقِيَاسُ يَجْرِي فِي الْحُدُودِ وَالْكَفارَاتِ، خِلافًا لِلْحنفيَّة. وخصوصية ذلك المؤذي مُلْغَاة عقلًا، "بخلاف الأحكام"، فإنها قد تختص بمحالها لأمور لا تدرك. فإن قلت: لو كان احتمال الخصوصية معتمدًا، لما قيس فرع على أصل فيه هذا الاحتمال. قلت: قد قدمنا أن ورود التعبُّد بالقياس قرينة تدفع هذا الاحتمال، ولا ينتهي مع ذلك دفعه إِلى صيرورته منصوصًا. «مسألة» الشرح: "القياس يجري في الحدود والكَفَّارات" (١) والرُّخَص (٢)، والتقديرات عند الشافعي وأكثر أهل العلم؛ "خلافًا للحنفيَّة"، ولهذا منعوا من قطع النَّبَّاش، وإيجاب الحَدّ على اللُّوطِيّ، وإيجاب الكَفَّارة في قتل العَمدِ.

стр. 2069

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2070

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →