قَالُوا: لَوْ قال: الإسْكَارُ عِلَّةُ التَّحْرِيمِ، لَعَمَّ؛ فكَذَلِكَ هَذَا.
قُلْنَا: حَكَمَ بِالْعِلَّةِ عَلَى كُلِّ إِسْكَارٍ، فَالْخَمْرُ وَالنَّبِيذُ سَوَاءٌ.
الشرح: "قالوا: لو قال: الإسكار علّة التحريم لعمّ، فكذلك - هنا -" أي: قوله حرمت الخمر لإِسكاره؛ لأن "اللام" للتعليل، ولا فرق بين أن يذكر التّعليل باسمه، أو بحرف يدل عليه، فيجب أن يكون عامًّا.
"قلنا": لا نسلّم اتحاد معنى العبارتين؛ فإن قولك: الإسكار علّة الحُرْمة لفظ "حكم بالعلّة على كل إِسكار" إذا ذكرت الإسكار معرفًا بـ "اللام"، وهو للعموم، "فالخمر والنَّبيذ" بالنسبة إليه "سواء".
ولقائل أن يقول: إن أردت بالمُسَاواة بين الخَمْر والنبيذ مساواتهما في أنهما - والحالة هذه - منصوصان، وهو طاهر العبارة، ويؤيده قول الآمدي: يكون التحريم ثابتًا في كل الصور بجهة العموم، وهذا ممنوع؛ وذلك لأن قولنا: الإِسكار علّة التحريم، ليس المراد به كل تحريم، بل تحريم الخمر، "والألف واللام" في التحريم للعهد، وهذا واضح.
وقولنا: علة تحريم الخمر الإِسكار، لا يوجب صَيْرُورَة النّبيذ منصوصًا، وإن أردت المساواة في أصل الحكم، فكذلك كل فرع مع الأصل، سواء أكانت العلّة فيه منصوصةً أم لا، وهذا مكان مُعْضل، والذي يظهر فيه عند التحقيق، أن قولنا: حرمت الخمر لإِسكاره، يحتمل أن تكون العلّة مطلق الإِسكار، حتى يعدي إِلى النبيذ، ومحتمل لأن تكون العلة خصوص إِسكار الخمر احتمالًا قويًّا، بحيث إنه لو لم يرد الأمر بالقياس لما قِسْنا - والحالة هذه - ولكن ورود الأمر بالقياس من قبيل التَّنصيص على العلة قرينة رجحت الاحتمال الأول.
وأما قولنا: علة حرمة الخمر الإِسكار، فمحتمل - أيضا - لأن يكون المراد الإِسكار الخاص، ولكنه احتمال مَرْجُوح، وليس كهو في الصِّيغَة الأولى، ومع ذلك إلحاق النبيذ - والحالة هذه - قياس لا نص، على خلاف ما ظهر من عبارة الكتاب والآمِدِيّ.
ولقد حاول الإِمام في "المحصول" أن يجعله رُتبة متوسطة بين القياس والنص، وتبعه القاضي سِرَاج الدين في "التحصيل"، وعبارة "التحصيل": لو قال ذلك، لم يكن قياسًا؛ إذ العلم بالعلّة يوجب العلم بالمعلول، أي: من غير أن يتأخَّر العلم ببعض الأفراد عن العلم بالآخر، فلم يتميّز الأصل عن الفرع، حتى يقاس أحدهما على الآخر، وهذا ليس بالنص،
стр. 2067
الْبَصْرِيُّ: مَنْ تَرَكَ أكْلَ شَيْءٍ لأَذَاه، دَلَّ عَلَى تَرْكِهِ كُل مُؤذٍ، بِخِلافِ مَنْ تَصَدَّقَ عَلَى فَقِيرٍ.
قُلْنَا: إِنْ سُلِّمَ فَلِقَرِينَةِ التأذِّي، بِخِلافِ الأحكامِ.
ولا القياس، بل بطريق العلم بالعلّة، وهو الاستدلال بالنص.
ولقائل أن يقول: لا نسلم أن ذلك بقياس، وقولكم: لم يتميّز الأصل عن الفرع مندفع؛ فإنه إذا قال: علة حرمة الخمر الإسكار، فالحرمة في الخمر أصل، والعَمَل بها يحصل حال ورود النص، ثم بعد ذلك يحصل العلم بحرمة كل مسكر، وكل ما كان غير الخمر يكون فرعًا، والعلم بحرمته متأخّر عن العلم بحرمة الخمر، وربما لا يعلم كون الشيء مسكرًا إِلا بعد حين، فلا تعلم حُرْمته، فإِذا جزب ووجد مسكرًا، علم تحريمه، فكيف لا يكون العلم به متأخرًا؟.
فإن قلت: نحن ندعي عدم تأخر العلم بحرمة كل مسكر حكمًا كليًّا، لا العلم بواحد واحد من الجزئيات المندرجة، فإنها داخلة في الحكم المعلوم، فالعلم بحرمة الجزئيات المَخْصُوصة لا يستفاد من الأصل الذي هو الخَمْر، بل من المقدمة الكلية التي هي العلم بتحريم كل مُسْكر، والعلم بهذه المقدّمة لا يتأخّر.
قلت: بل العلم بها - أيضا - متأخر؛ لأنا نعلم أولا حُرمة الخمر، ثم كون الإِسكار علّة بتنصيص الشَّارع، ثم يحكم بتحريم كل مسكر حكمًا مترتبًا على هذا العلم بالعلّية، والحكم في كل قياس كذلك، فإِن المجتهد يعلم حكم الأصل، ثم يستنبط العلّة، ثم يحكم بمقدمة كلّية شاملة لجميع صور تلك العلة.
الشرح: واحتج أبو عبد الله "البصري" على مذهبه: بأن "من ترك أكل شيء لأَذَاهُ؟ " كمن ترك أكل رُمَّانة حامضة لحُمُوضتها، "دلّ على تركه كل مُؤذٍ، بخلاف من تصدّق على فقير" لفقره، لا يدلّ على أنه يتصدق على كل فقير، أو من أكل رُمَّانة حامضة لحموضتها لا يدلّ على أكله كل رمانة حامضة.
"قلنا": لا نسلم أنه - مثلًا - إذا أكل واحدةً لحموضتها يدل على أكله الكل، وذلك لاحتمال أن يكون الدَّاعي لا مطلق حُمُوضة هذه الرمانة الخاصة.
و"إن سلم، فلقرينة التَّأذِّي"، وكون ترك المُؤذى مطلقًا مَرْكُوزًا في الطِّبَاع،
стр. 2068
مَسْألةٌ:
الْقِيَاسُ يَجْرِي فِي الْحُدُودِ وَالْكَفارَاتِ، خِلافًا لِلْحنفيَّة.
وخصوصية ذلك المؤذي مُلْغَاة عقلًا، "بخلاف الأحكام"، فإنها قد تختص بمحالها لأمور لا تدرك.
فإن قلت: لو كان احتمال الخصوصية معتمدًا، لما قيس فرع على أصل فيه هذا الاحتمال.
قلت: قد قدمنا أن ورود التعبُّد بالقياس قرينة تدفع هذا الاحتمال، ولا ينتهي مع ذلك دفعه إِلى صيرورته منصوصًا.
«مسألة»
الشرح: "القياس يجري في الحدود والكَفَّارات" (١) والرُّخَص (٢)، والتقديرات عند الشافعي وأكثر أهل العلم؛ "خلافًا للحنفيَّة"، ولهذا منعوا من قطع النَّبَّاش، وإيجاب الحَدّ على اللُّوطِيّ، وإيجاب الكَفَّارة في قتل العَمدِ.
لَنَا: أَنَّ الدَّلِيلَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ، وَقَدْ حُدَّ فِي الْخَمْرِ بِالْقِيَاسِ.
وَأَيْضًا: الْحُكْمُ لِلظَّنِّ، وَهُوَ حَاصِلٌ كَغَيْرِهِ.
قَالُوا: فِيهِ تَقْدِيرٌ لا يُعْقَل، كَأعْدَادِ الرَّكَعَاتِ.
قال أبو الحسن [الكرخي] (١): ولا فرق بين الكَفَّارات الجارية مجرى العقوبات، والتي لا تجري.
ومنعوا - أيضًا - من إثبات النصب بالقياس، وفرعوا عليه عدم الوجوب في [الفِصْلان] (٢) وصغار الغَنَمِ، وزعموا أن اليمين الغَمُوس ليست بيمين حقيقة، وأن إِيجاب الكفارة فيها إِنما هو بالقياس على غيرها.
قالوا: ونحن نمنع القِيَاس في الكَفَّارات، فتمنع، ومنعوا من تحريم المثلث الشديد بالقياس على الخمر.
الشرح: "لنا: أن الدليل" الدَّال على حجية القياس "غير مختصّ" بما وراء ما استثبتوه بل هو شامل لها شموله لغيرها، "وقد حدّ" الشارب "في الخَمْر بالقياس"، في عصر الصَّحابة ﵃ لما رجعوا إلى حكم علي - كرم الله وجهه - في قوله: "إذا شرب سكر، وإذا سكر هَذِيَ، وإذا هذي افترى، وحد المُفْترى ثمانون" (٣).
стр. 2073
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"وأيضًا" فإن "الحكم" إِنما هو "للظن، وهو حاصل" - هنا - فكان حجة "كغيره" من أخبر الآحاد، والظَّواهر التي ثبتت بها الحُدود والكَفَّارات.
стр. 2074
قُلْنَا: إذَا فُهِمَتِ الْعِلَّة، وَجَبَ؛ كَالْقَتْلِ بِالْمُثَقَّلِ، وَقَطْعِ النَّبَّاشِ.
قَالُوا: [قَالَ]: "ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ".
وَرُدَّ: بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَالشَّهَادَةِ.
"قالوا: فيه تقدير لا يعقل" معناه، "كأعداد الرَّكعات"، ونُصُب الزكوات، فلا يتأتى فيه القياس؛ إِذ القياس فرع تعقّل المعنى، وزخرفوا قولهم: بأن الحَدّ للزجر، والكَفَّارة لتكفير الإثم، وما يقع به الرّدع [وتكفير] (١) المآثم لا يعلمه إلا الله تعالى.
الشرح: "قلنا: إِذا فهمت العلّة وجب" القياس، والكلام إِنما هو على تقدير فهم العلّة وقولهم: لا تهتدي العقول إِلى الزَّجر والكَفَّارة، ممنوع، بل كلما يمكن استخراج معنى مؤثر، يفهم منه العلّة "كالقتل بالمُثَقَّل" قياسًا على [المحدد] (٢) لحكمة بقاء النفس.
"قالوا: قال" النبي ﷺ : "ادْرَءُوا الحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ"، وقد تقدم الكلام على الحديث في خبر الواحد.
قالوا: واحتمال الخطأ في القياس فيه يشابه الحدود لما فيه من شائبة العُقُوبة، والخطأ شبهة، فيدرأ به الحد.
"ورد" بأن ذلك منقوض "بخبر الواحد، والشهادة" إِذا ثبتت بها الحدود والكَفَّارات مع عدم الانتهاء إلى القطع والنقض بالشهادة فقط أولى؛ فإن منهم من لم يقبل خبر الواحد في الحدود، كما تقدم نقله في الكتاب عن الكَرْخي والرازي.
стр. 2075
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومما يرد عليهم: استعمالهم القياس في القِصَاصِ، مع أنه يدرأ بالشُّبهة.
ولقد تتبع الشافعي ﵁ مذاهبهم، وأبَان أنهم لم يَفُوا بشيء مما ذكروه.
"فرع"
إِذا قال لامرأته: أنت علي حرام، فأصح القولين: وجوب الكفارة إِذا لم يَنْوِ شيئًا، كما إذا قال ذلك لأمته؛ إِذ يجب فيه الكَفَّارة على الأصح أيضًا، وهو من الأقيسة في الكفارات؛ إذ الآية، وهي قوله - تعالى - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [سورة التحريم: الآية ١] إلى آخرها، إِنما نزلت في أَمَةٍ، وهي مارية (١)، على ما ذكره الشَّافعي، وألحقنا بها الزوجة في إِيجاب الكفارة.
قال الشافعي: لأنه تحريم فَرْجَين حلين بما لم يحرما به.
"فائدة"
نحن وإن جوزنا القياس في الحدود، والكَفَّارات، والرُّخَص والتقديرات على الجملة، فلا ننكر وِجْدان ما لا يعلل ويلتحق بمحض التَّعبد، وعلى هذا فلا بد من أمارة يعرف بها القسم الذي يجري فيه التعليل من غيره.
وجماع القول - عندنا - أن كل حكم يجوز أن يستنبط منه معنى مخيّل من كتاب أو نصِّ سُنة، أو إِجماع، فإِنه يعلل، وما لا يصح فيه هذا فلا يعلل، سواء أكان من الحدود والكَفَّارات أم غيرها.
فإن قلت: هل يصح إِثبات حَدّ مبتدأ، أو كَفّارة مبتدأة بالقياس؟.
стр. 2076
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قلت: لا يصح، ولكن ليس لما يتوهّمون من نفي القياس في الحدود والكَفَّارات، بل لأنه لا طريق توصل - هنا - إِلى فهم العلّة، ولو صحّ لنا معنى في ذلك، لما تحاشينا من التعلُّق به، فافهم هذا، واجمع به بَيْنه وبين قول المصنف فيما سبق: إن من شرط الأصل ألَّا يكون معدولًا به عن سنن القياس، كمقادير الحدود والكفارات.
واعلم أن نفس مقادير الحدود والكَفّارات لا يفهم فيها معنى، فكيف يصح القياس فيها؟
وهذا بخلاف أصل الحدود، فنحن إِنما نمنع القياس حيث لا يعقل المعنى، وذلك في مقادير الحدود، والكَفَّارات لا أصلها.
وإذا عُرِفَ هذا، فاعلم أن أئمتنا قالوا: من الأحكام ما يعلّل جملة وتفصيلًا، وهو كل ما يمكن إِبداء معنى في أصله وفرعه، وما يعلل جملة دون تفاصيله؛ لعدم اطّراد التعليل في التفاصيل، وما يعلل تفاصيله دون جملته، كالكتابة والإجارة، وفروع تحمل العَاقِلَة، فلا يظنن الظَّان أن إِلحاقنا [الكتابة] (١) الفاسدة - مثلا - بالصحيحة حَيْد عن سنن الصواب، متعلقًا بأن الكتابة غير معقولة المعنى، فكيف يقاس فيها؟.
فإنا إِنما قسنا في تفاصيلها المعقولة دون جملتها، وتحقيق هذا يظهر في موضعه من الخلافيات، وله في "شرحنا الكبير" بَسْط تام، وما لا يجري التعليل في جُمْلته ولا تفاصيله، كالصَّلاة وما تشتمل عليه من قيام، وسجود، وركوع، وقعود، وربما يدخل في هذا القسم الزكوات، ومقادير الأنْصِبَةِ والأَوْقَاص.
وكذلك قيل: لا مَجَال للقياس في الأحداث وتفاصيلها، والوضوء وتفاصيله.
وقيل: بل الوضوء معقول المعنى، ولسنا - هنا - لتحقيق ذلك، وغرضنا أن هذه الأقسام الأربعة واقعة في الشريعة، وانفصال ما يعلل مما لا يعلل تفصيلًا عسر جدًّا، وفيه تَلاطُم أمواج الآراء، وافتراق أنْظَار العلماء.
стр. 2077
مَسْألَةٌ:
لا يَصِحُّ الْقِيَاسُ فِي الأسْبَابِ.
لنَا: أَنَّهُ مُرْسَلٌ؛ لأِن الْفَرْضَ تَغَايُرُ الوَصْفَيْنِ، فَلا أَصْلَ لِوَصْفِ الْفَرْعِ.
وَأَيْضًا: عِلَّةُ الأَصْلِ مُنْتَفِيَةٌ عَنِ الْفَرْعِ، فَلا جَمْعَ.
وَأَيْضًا: إنْ كَانَ الجَمْعُ بَيْنَ الْوَصْفَيْنِ حِكْمَةً؛ عَلَى الْقَوْلِ بِصِحَّتِهَا، أَوْ ضَابِطًا لَهَا - اتَّحَدَ السَّبَبُ وَالْحُكْم، وَإنْ لَمْ يَكُنْ جَامِعٌ، فَفَاسِدٌ.
«مسألة»
الشرح: "لا يصح القياس في الأسباب" (١) عند الآمدي والمصنّف والبَيْضَاوي، وزعم الإمام في "المحصول" أنه المشهور، وطائفة من الحنفية.
стр. 2078
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال أكثر الشافعية: يصح.
والمختار - عندي - إن قلنا: بعود السَّببية إلى الأحكام، صح، وإلا فالوقف، ومثاله: قياس اللّواط على الزنا في إِيجاب الحد.
وقال أصحابنا: الشارع في إِحياء الموات (١) ما لم يتمه متحجّر، ويفيده التحجّر أنه يصير أحق به، ولا يفيده الملك على المذهب.
وعللوا إِفادته الأحقية: بأنه إِذا أفاد الإِحياء الملكَ، وجب أن يفيد الشروع فيه الأحقية، كالاستلامِ مع الاشتراء.
فقوله: "لنا": أي: على ما اختاره "أنه" قياس "مرسل"؛ لأن وصف الفرع، وهو [سببية] (٢) اللِّواط - مثلًا - مرسل؛ "لأن الفرض تغاير الوصفين"، أعني: وصفي الأصل والفرع، "فلا أصل لوصف الفرع" مشهود له بالاعتبار، إِنما المشهود له بالاعْتبار وصف الأصل، وهو سببية الزنا، وإذا لم يكن له أصل، كان مرسلًا، فلا يقبل.
ولقائل أن يقول: تغاير الوَصفَيْنِ بالشخص لا يضر، كما في إِلحاق النبيذ بالخمر، وبالنوع غير حاصل؛ لاشتراك الأصل والفرع في أن كلًّا منهما إِيلاج في فَرْجٍ محرم شرعًا مُشْتَهى طبعًا.
قال: "وأيضًا علة الأصل"، وهي حفظ النَّسْل بسبب الزِّنا "منتفية في الفرع، فلا جمع" بينهما، فلا قياس.
ولك أن تقول: إنما العلّة إيلاج فَرْج كما قلناه، وما ذكرتم هو الحكمة فقط.
стр. 2079
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال: "وأيضًا إِن كان الجامع بين الوَصْفين"، وهما الزنا واللِّواط (١) "حكمة على" تقدير "القول بصحتها"، أي: بصحّة التعليل بها، وذلك عند كونها ظاهرة منضبطة، "أو"
стр. 2080
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وصفًا "ضابطًا لها" على تقدير امتناع التَّعْليل بها،" [اتحد] (١) الحكم والسبب"، واستغنى عن الالْتِفَات إلى الوصفين، وصار القياس في الحُكْمِ المرتب على الجملة، وهي الجامع بينهما، وإذا اتحدا، فأين الأصل والفرع؟.
"وإن لم يكن" بين الوصفين "جامع" من حِكْمَةٍ منضبطة، أو مظنَّة "ففاسد"، أي: فالقياس فاسد؛ لخلوّه عن الوصف المشترك.
وحاصل هذا: أن القياس لا بُدَّ أن يكون لوصف مشترك، وإلا فلا جامع بين الأصل والفرع، فلو قسنا اللِّوَاط على الزنا، فلا بد من مشترك هو علّة الموجبية [والسَّببية] (٢)، وحينئذٍ فالسَّبب المشترك لا خصوص الزنا - مثلًا - فلا يكون كل واحد من الزنا واللّواط سببًا؛ لاستناد الحكم إِلى المشترك دون الخصوصية، ومن شرط القياس بقاء حكم الأَصْل، وهو زائل؛ لأن المقيس عليه - حينئذٍ - يخرج عن أن يكون مقيسًا عليه، فإذن جريان القياس في الأَسْبَاب يقتضي ألا يكون السَّبب الذي هو أصل سببًا، وذلك خلف.
فإن قلت: هذا منقوض بالقياس في الأحكام.
قلت: لا؛ لأن الأصل فيه غير موجب للحكم، بخلاف السَّبب، فإنه موجب؛ فإِضافة الموجبيّة إِلى القدر المشترك، لا يجامع الإِضافة إِلى السبب الذي هو الأصل على سبيل الخصوصية.
ولقائل أن يقول: العلّة الحقيقية هي الحكمة والحَاجَة، لكنها لما لم تكن منضبطة
стр. 2081
قَالُوا: ثَبَتَ الْمُثَقَّلُ عَلَى الْمَحَدَّدِ، وَاللِّوَاطُ عَلَى الزِّنَا.
قُلْنَا: لَيْسَ مَحَلَّ النِّزَاعِ؛ لأَنَّهُ سَبَبٌ وَاحِدٌ ثَبَتَ لَهُمَا بِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ الْقَتْلُ الْعَمْدُ الْعُدْوَان، وإيلاجُ فَرْجٍ فِي فَرْجٍ.
جعل الوصف علة، بمعنى: أن يعرفها، وإذا تحقّق هذا، وضح أن السؤال صحيح، والاحْتِجَاج ضعيف، فنقيس اللواط على الزنا.
ونقول: إنما أوجب الزنا الحد للوصف المشترك، فعدى الموجبية من الزنا إلى اللواط؛ لأن الزنا إِنما صار موجبًا؛ لتعريفه الجملة الموجبة للحد، وهي الحاجة المناسبة إِلى [مشروعيته] (١)، واللواط يشارك الزنا في ذلك، فيلزم من كون الزنا علّة، معرفة كون اللواط كذلك.
وقوله: "إن الموجب - حينئذٍ - للحد إِنما [هو مشترك] (٢) "ممنوع؛ فإن المشترك صالح لأن يكون علّة [لغلبة] (٣) الوصف، ولا يصلح أن يكون علة للحكم؛ لما ذكرناه.
سلّمنا صلاحية المشترك لأن يكون علّة للحكم، ولكن لم لا يجوز أن يكون علّة [لغلبة] (٤) الوصف أيضًا ويكون الحكم مستندًا إِلى المشترك استناد الأثر إِلى المؤثر، وإلى الوصف [استناد] (٥) الشَّيء إِلى المعرف، وذلك هو الواقع في سائر الأحكام المعلّلة، فهي مستندة إلى الحاجة استناد الأثر إِلى المؤثر، وإلى الوصف استناد المعرَّف إلى المعرف.
الشرح: والمجوزون "قالوا: ثبت" قياس "المُثَقَّل على المُحَدّد" في القصاص، "واللواط على الزنا" في الحد، وهو قياس في الأسباب.
قال: "قلنا: ليس بمحلّ النزاع؛ لأنه سبب واحد ثبت لهما بعلّة"، أي: الحكمة "واحدة، وهي القَتْل العَمْد العدوان" من غير نظر إِلى خصوصية المحدد، "وإيلاج فَرْج في فرج" من غير نظر إلى خصوصية الزنا، وكلامنا إنما هو في شيئين، ولك أن تقول: قد عرف ضعف هذا الجواب بما قررناه.
стр. 2082
مَسْألةٌ:
لا يَجْرِي الْقِيَاسُ فِي جَمِيعِ الأحْكَامِ.
لنَا: ثَبَتَ مَا لا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ؛ كَالدِّيَةِ، وَالْقِيَاسُ فَرْعُ الْمَعْنَى.
وَأَيْضًا: قَدْ تَبَيَّنَ امْتِنَاعُهُ فِي الأسْبَابِ وَالشُّرُوطِ.
قَالُوا: مُتَمَاثِلةٌ، فَيَجِبُ تَسَاوِيهَا فِي الْجَائِزِ.
قُلْنَا: قَدْ يَمْتَنِعُ أَوْ يَجُوزُ فِي بَعْضِ النَّوع لأِمْرٍ، بِخِلافِ الْمُشْتَرِكِ بَيْنَهُما.
«مسألة»
الشرح: "لا يجرى القياس في جميع الأحكام" خلافًا لشذوذ (١).
"لنا: ثبت ما لا يعقل معناه، كالدِّية" في الخطأ وشبه العَمْد على العاقلة، "والقياس فرع المعنى".
стр. 2083
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولك أن تقول: القول بأن ضرب الدِّيَة على العاقلة غير معقول، هو رأي إِمام الحرمين، وقد نوزع فيه، وهو محقّق في "شرحنا الكبير"، و"شرح المنهاج".
"وأيضًا: قد تبيّن امتناعه في الأسباب والشروط"، ككون النية شرطًا في الوضوء، قياسًا على التيمم.
ولك أن تقول: إن كانا من الأحكام، فلا نسلّم امتناع القياس، وإلا فليس مما نحن فيه، ولم يتقدم للشرط ذكر.
"قالوا": الأحكام "متماثلة، فيجب تساويها في الجائز"، أي: في جواز القياس عليها؛ لحصول المُمَاثلة.
"قلنا: قد يمتنع" القياس، "أو يجوز في بعض النوع لأمر" مخصوص بذلك النوع، "بخلاف المشترك بينهما"، وهو مُطْلق الحكم، فإنها وإن تَسَاوت فيه، فقد حصلت المُمَايزة بالخصوصيات.
والحاصل: أن هذا القدر، وهو الاشتراك في الجِنْس، لا يوجب التماثل، وإلا لقيس كل شيء على كل شيء.
стр. 2084
الاعْتِرَاضَاتُ الوَارِدَةُ عَلَى الْقِيَاسِ
الْاعْتِرَاضَاتُ رَاجِعَةٌ إِلَى مَنْعٍ أَوْ مُعَارَضَةٍ، وَإلَّا لَمْ تُسْمَعْ، وهِيَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُون.
الاسْتِفْسَار، وَهُوَ: طَلَبُ مَعْنَى اللَّفْظِ لإِجْمَالٍ أَو غَرَابَةٍ، وَبيانُهُ عَلَى الْمُعْتَرِضِ بِصِحَّتِهِ عَلَى مُتَعَدِّدٍ، وَلا يُكَلَّفُ بَيَانَ التَّسَاوِي لِعُسْرِهِ.
وَلَوْ قَالَ: التَّفَاوُتُ يَسْتَدْعِي تَرْجِيحًا بِأمْرٍ، وَالأصْلُ عَدَمُهُ - لَكَانَ جَيِّدًا.
«مسألة»
الشرح: "الاعتراضات" كلّها "راجعة إلى منع" في المقدمات، "أو معارضة" في الحكم، "وإلا لم تسمع"، فإنه إذا صحَّت المقدِّمات، ووقعت السّلامة عن المعارض، حصل الغرض.
ولقائل أن يقول: كلّها راجعة إِلى المنع وحده؛ لأن المعارضة منع للعلة عن الجريان، "وهي خمسة وعشرون" اعتراضًا.
الشرح: الأول: "الاسْتِفْسَار (١)، وهو: طلب معنى اللفظ"، وإما "لإجمال" كالقُرْء، "أو غرابة" كما إِذا قال في الكَلب الذي لم يعلم: خراش لم ينل، فلا تطلق فَرِيسَته، كالسَّيِّد، والخراش: الكلب، ولم ينل: لم يَجْتئز، ولا تُطْلق: [لا تُبَاح] (٢)، والفَرِيسة: الصيد، والسَّيِّد: الذئب.
"وبيانه" أي: بيان اشتمال اللفظ على إجماله، أو غرابة "على المعترض".
стр. 2085
وَجَوَاُبهُ: بِظُهُورِهِ فِي مَقْصُودِهِ بِالنَّقْلِ، أَوْ بِالْعُرْفِ، أَوْ بِقَرَائِنَ مَعَه، أَوْ بِتَفْسِيرِهِ وَإذَا قَالَ: يَلْزَمُ ظُهُورُهُ فِي أَحَدِهِمَا؛ دَفْعًا لِلإجْمَالِ، أَوْ قَالَ: يَلْزَمُ ظُهُورُهُ فِيمَا قَصَدْتُ؛ لأِنَّهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ فِي الآخَرِ اتِّفَاقًا، فَقَدْ صَوَّبَهُ بَعْضُهُمْ.
وَأَمَّا تَفْسِيرُهُ بِمَا لا يَحْتَمِلُهُ لُغَةً فَمِنْ جِنْسِ اللَّعِبِ.
وقيل: بل على المستدلّ؛ لأنه لما كان شرط ظهور الدَّليل عدم إِجماله أو غَرَابته، فنفيهما إِذن شرط في الدليل، وبيان شرط الدَّليل على المستدلّ.
والصحيح: الأول؛ لأن الأصل عدم الإِجمال والغرابة، فليبرهن عليه المعترض، "بصحته" أي: بيان صحّة إِطلاق اللفظ "على" معنى "متعدد، ولا يكلف ببيان التساوي"، أي: تساوي إِطلاق اللفظ على المعاني المتعددة "لعسره.
ولو قال" المعترض في بيان التَّسَاوي - متبرعًا بذلك -: "التفاوت" منتف؛ لأنه "يستدعي ترجيحًا بأمر، والأصل عدمه، لكان جيدًا".
"وجوابه" أي: جواب المستدلّ "بظهوره في مقصوده بالنَّقل"، كما إذا اعترض في قوله: الوضوء قُرْبَة، فلتجب فيه النية، بقوله: الوضوء يطلق على النَّظَافة، وعلى الأفعال المخصوصة، فيقول: حقيقته الشرعية الأفعال المخصوصة.
"أو بالعرف"، كالدَّابة، "أو بقرائن معه"، مثل: قُرْء تحرم فيه الصلاة، فيحرم الصوم، فقرينة تحريم الصَّلاة فيه، يدل على أن المراد به الحيض.
وفي الغريب، مثل: طَلّة زوجت نفسها، فلا يصحّ، فقرينة: زوجت نفسها، تدل على أن الطّلّة: المرأة.
"أو بتفسيره" بمقصوده إن لم يستنّ له ما ذكرناه، فيقول: مرادي المعنى الفلاني، ولا بد أن يفسره بما يحتمله اللفظ، وإن بعد مثل يخرج في الفطرة الثور، ويفسره بالقطعة من الأقط.
"وإذا قال" المستدلّ: "يلزم ظهوره في أحدهما دفعًا للإجمال"، وإذا كان كذلك، لزم أن يكون ظاهرًا في مرادي؛ للاتفاق على أنه غير ظَاهِرٍ في غيره، فقد رده بعضهم؛ لأنه رجوع إلى أن الأصل عدم الإجمال بعد ما دلّ المعترض على أنه مجمل.
"وصوّبه بعضهم"، وذلك حيث لا يكون اللفظ مشهورًا بالإِجمال.
أما إذا اشتهر بالإِجمال، كالعَيْن، والقُرْءِ، والجَوْن، فلا تصحّ فيه دعوى الظهور
стр. 2086
فَسَادُ الاِعْتِبَارِ، وَهُوَ مُخَالَفَةُ الْقِيَاسِ لِلنَّصِّ.
وَجَوَابُهُ: الطَّعْن، أَوْ مَنْعُ الظُّهُورِ، أَوِ التَّأوِيل، أَوِ الْقَوْل بِالمُوجِبِ، أَوِ الْمُعَارَضَةُ بِمِثْلِهِ، فَيَسْلَمُ الْقِيَاس، أَوْ يُبَيَّنُ تَرْجِيحُهُ عَلَى النَّصِّ بِمَا تَقَدَّمَ؛ مِثْلُ ذَبْحٌ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ، كَذَبْحِ نَاسِي التَّسْمِيَةِ، فَيُورِدُ: "وَلا تَأْكُلُوا"؛ فَيَقُولُ: مُؤَوَّلٌ بِذَبْحِ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ بِدَلِيلِ: "ذِكْرُ اللَّهِ عَلَى قَلْبِ الْمُومِنِ، سَمَّى أَوْ لَم يُسَمِّ"، أَوْ بِتَرْجِيحِهِ لِكَوْنِهِ مَقِيسًا عَلَى النَّاسِي الْمُخَصَّصِ بِاتِّفَاقٍ، فَإِنْ أُبْدِي فَارِقًا فَهُوَ مِنَ الْمُعَارَضَةِ.
أصلًا، ذكره الشريف، وهو واضح.
"وأما تفسيره بما لا يحتمله لغة، فمن جنس اللعب" عند المصنّف وطائفة، فلا بسمع.
وقيل: يسمع؛ لأن غاية الأمر أنه ناطق بلغة غير معلومة - قال الحواري من أصحابنا: وهو الحق.
قال العَمِيدي: لا يلزمه التفسير أصلًا، وهذا كله إِذا لم يكن اللفظ مشهورًا، فالحزم تبكيت المعترض، وفي مثله: [سِرْ] (١) فتعلم، ثم ارجع فتكلم. قاله أبو بكر التوقاني.
الشرح: الثاني: "فساد الاعتبار" (٢) وهو: مُخَالفة القياس للنص" إِذ لا ينتهض القياس حجّة مع معارضة النص، وهذا في النَّص الجلي، ولا بد أن تتذكر - هنا - تعارض الخبر والقياس.
"وجوابه: الطعن" في سند النص، "أو منع الظهور"، أي: ظهور النَّص من مقصد المعترض، "أو التأويل" للنص، "أو القول بالموجب، أو المعارضة بمثله" من النصوص، "فيسلم القياس" - حينئذٍ - "أو يبين" المستدلّ "ترجيحه على النص بما تقدم" في خبر الواحد، "مثل" قولنا في متروك التسمية: "ذبح" صدر "من أهله في محله"، فيحلّ، "كذبح نَاسِي التسمية، فيورد" المعترض: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٢١].
стр. 2087
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويقول: قياسك فاسد الاعتبار لمعارضته هذا النص، "فيقول" المستدلّ: هذا "مؤول بذبح عَبَدَةِ الأوثان" تعبيرًا عن الجنس باسم معنى يلازمه غالبًا؛ فإن عدم ذكر الله عند ذبح أهل الشّرك أمر غالب، وإذا انقدح الاحتمال، صير إِليه، "بدليل" ما ذكر من قوله ﷺ : "ذِكْرُ اللهِ عَلَى قَلْبِ المُؤمِنِ، سَمَّى أَوْ لَمْ يُسَمّ" (١) وأنا لا أحفظ هذا اللفظ، وإنما روى ابن عدي من رواية مروان بن سَالِم (٢) - وهو ضعيف - عن الأَوْزَاعِيّ، عن يحيى بن أبي كثير (٣)، عن
стр. 2088
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أبي سَلَمةَ (١)، عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إِلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيت الرَّجل منا يذبح وينسى أن يسمي، فقال رسول الله ﷺ : "اسْمُ اللهِ عَلَى فَمِ كُلِّ مُسْلِمٍ" (٢).
وفي حديث البراء: أن النبي ﷺ قال: "المُسْلِمُ يَذْبَحُ عَلَى اسْمِ اللَّهِ، سَمَّى أَوْ لَمْ يُسَمّ"، ولا يعرف له إِسناد.
وفي مراسيل أبي داود عن الصَّلت قال: قال رسول الله ﷺ : "ذَبيحَةُ المُسْلِمِ حَلالٌ، ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ أَوْ لَمْ يَذْكُرْه، إِنَّهُ إِنْ ذَكَرَ لَمْ يَذْكُرْ إِلَّا اسْمَ اللَّهِ" (٣).
والصّلت (٤) هو: السّدوسي، ثِقَةٌ، ولو أبدل المصنف هذا الحديث بما في الصحيح: من أن قومًا قالوا: يا رسول الله، إِن قوما يأتوننا باللَّحم، ما ندري أذكروا اسم الله أم لا؟،
стр. 2089
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فقال رسول الله ﷺ : "سَمُّوا عَلَيْهِ وَكُلُوا" (١) - لكان أَوْلَى.
"أو بترجيحه" أي: بترجيح المستدل المقيس على المقيس عليه "لكونه مقيسًا على الناسي المخصص" من الآية، لحل ذبيحته "اتفاقًا" بين الإِمامين: الشافعي، وأبي حنيفة بأن المتذكر أقرب إِلى مقصود الذكر، فكان ذبحه بالحلّ أولى.
"فإن أبدي فارقًا" بين المقيس والمقيس عليه، "فهو" سؤال آخر، "من المعارضة"، وليس من فساد الاعتبار.
واعلم أن المِثال الجامع لأجوبة دعوى الخَصْمِ فساد الاعتبار في دعواهم فساد قياسنا المُثَقَّل على المُحَدَّد، لمعارضة ما رواه علي - كرم - الله وجهه - من قوله ﷺ : "لا قَوَدَ فِي النَّفْسِ وَغَيْرِهَا إِلَّا بِحَدِيدَةٍ"، فيطعن في سنده بأن يقول: رواية [معلى] (٢) بن هلال (٣)، عن أبي إِسحاق، عن عاصم بن ضمرة (٤)، عن علي.
ومعلى قال ابن معين: كان يَضَعُ الحديث، ويمنع ظهوره في مقصدهم بأن يقول: من مجملاته الظاهرة أنه لا يقع الاستيفاء إِلا بِحَدِيدَةٍ، كما ذهب إِليه بعض العلماء.
وتأوله: بأن لا قَوَدَ يعم النفس وغيرها إِلا بحديدة، بخلاف المُثَقّل؛ إِذ ليس له من النكايات الباطنة ما للمحدد، فليس عمومه كعموم المحدد؛ ألا ترى أن الضرب بعصى خفيفة لا يوجب القصاص، والجرح اليسير يوجب، ويقول بموجبه، وذلك فيما إِذا قتل بحديدة، فلا يُقَادُ منه إِلا بحديدة، ونعارضه بما في "الصحيحين": من أن يهوديًا رَضَخَ رأس
стр. 2090
الثَّالِثُ: فَسَادُ الْوَضعِ، وَهُوَ كَوْنُ الْجَامِع ثَبَتَ اعْتِبَارُهُ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ فِي نَقِيضِ الْحُكْمِ؛ مِثْلُ: مَسْحٌ فيُسَنُّ فِيهِ التَّكْرَار، كَالاسْتِطَابَةِ فَيَرِدُ أَنَّ الْمَسْحَ مُعْتَبَرٌ فِي كراهَةِ الْتَّكْرَارِ عَلَى الْخُفِّ.
وَجَوَابُهُ: بِبِيَانِ الْمَانِعِ؛ لِتَعَرُّضِهِ لِلتَّلَفِ، وَهُوَ نَقْضٌ إِلَّا أَّنهُ يُثْبِتُ النَّقِيضَ، فَإنْ ذَكَرَهُ بِأصْلِهِ فَهُوَ الْقَلْب، فَإِنْ بَيَّنَ مُنَاسَبَتَهُ لِلنَّقِيضِ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ مِنَ الْوَجْهِ الْمُدَّعَي، فَهُوَ الْقَدْحُ فِي الْمُنَاسَبَةِ، وَمِنْ غَيْرِهِ لا يَقْدَحُ؛ إِذْ قَدْ يَكُونُ لِلْوَصْفِ جِهَتَانِ، كَكَوْنِ المَحَلِّ مُشْتَهًى يُنَاسِبُ الإِبَاحَةَ لإِرَاحَةِ الْخَاطِرِ، وَالتَّحْرِيمَ لِقَطْعِ أَطْمَاعِ النَّفْسِ.
امرأة بين حجرين، فقتلها، "فرضخ رسول الله ﷺ رأسه بين حَجَرَيْنِ" (١)، ويرجح قياسًا باعْتِضَادِهِ بالحديث، وغير ذلك من المرجَّحات.
الشرح: "الثالث: فساد الوَضع"، وقد جعله بعضهم هو وفساد الاعتبار واحدًا، وهي طريقة أبي إِسحاق الشيرازي (٢).
"وهو: كون الجامع ثبت اعتباره بنصّ أو إِجماع في نقيض الحكم"، والشيخ أبو إسحاق جعل بدل "الإِجماع" الأصول، أي: أن الأصل المقيس عليه يشعر بنقيض الحكم، وكذلك إِمام الحرمين، مثل قولهم: قتل العَمْد لا يوجب الكَفَّارة؛ لأنه معنى يوجب القتل، فلا يوجب الكفارة كالردة، فيقال: وجوب القتل يدلّ على تغليظ حكمه، فكيف يجعل سببًا لإسقاط الكفارة.
стр. 2091
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وجوابه: وإن تبين أنه إِذا تغلظ من وجه، لم يجب معه تَغْليظ آخر.
قال: "مثل" قولنا في مسح الرأس: "مسح فيسنّ فيه التكرار، كالاستْتِطَابة"؛ إِذ يستحبّ فيها عند المالكية الثلاث وإن حصل النَّقَاء بدون الثلاث، وهو وجه عندنا.
"فيردّ: أن المسح معتبر في كراهة التكرار على الخُفّ"، فلو كان كونه مسحًا علّة التكرار، لما كان علّة عدمه في مسح الخفّ للإِتلاف فقط، ولا مدخل لكونه مسحًا في العلّية، وفي المثال نظر من أوجه:
أحدها: أنكم قلتم: إِنه علة عدمه كراهة التَّكْرَار بالعلة، وفي كراهة التكرار الإِتلاف فقط، ولا مدخل لكونه مسحًا في [العلة] (١).
والثاني: سلمنا، ولكن ذلك من جِهَةِ المُنَاسبة المشعرة بنقيض الحكم، كما ذكرناه في كَفّارة القتل العمد، ولا نص هنا ولا إِجماع، والمصنف لم يذكر سواهما.
والثالث: أنه لا يتأتى على الصحيح عندنا؛ إِذ الصحيح إِيجاب ثلاث مَسْحات حصل النقاء بدونها أم لم يحصل.
والأولى أن يمثل بقول الحَنَفي في تنجيس سُؤْرِ السباع: سَبُع ذو ناب، فكان سُؤْره نجسًا كالكلب، فنقول: علقت على العلة ضد مقتضاها؛ لأن كونه سبعًا علّة الطَّهَارة بدليل أنه ﷺ دُعِيَ إلى دار قوم، فأجاب دون دار آخرين، وقال: "إن فِي دَارِهِمْ كلْبًا.
فقيل: وفي دار الذين أجبتهم هرة، فقال: "الهِرَّةُ سَبُع" (٢)، فجعل السبع علة الطهارة، ذكره الشيخ أبو إِسحاق في "الملخص".
قال: "وجوابه: ببيان" تحقق "المانع" عن التكّرار في الخُفّ؛ "لتعرضه للتلف" بالتكرار، بخلاف صورة النزاع، "وهو "أعني: هذا السؤال "نقض" للعلّة؛ إذ قد وجد المدعي علّة مع تخلف الحكم "إلا أنه" نقض خاصّ؛ لأنه "يثبت" أن "النقيض"، أعني:
стр. 2092
[الرَّابعُ]: مَنْعُ حُكْمِ الْأَصْلِ، وَالصَّحِيحُ لَيسَ قَطْعًا لِلْمُسْتَدِلِّ بِمُجَرَّدِهِ؛ لِأَنَّهُ كَمَنْعِ مُقَدِّمَةٍ، كَمَنْعِ العِلَّةِ فِي الْعِلِّيَّةِ وَوُجُودِهَا، فَيُثْبِتُهَا بِاتِّفَاقٍ.
وَقِيلَ يَنْقَطِعُ لاِنْتِقَالِهِ.
وَاخْتَار الْغَزَالِيُّ ﵀ اتِّبَاعَ عُرْفِ المكَانِ.
وَقَالَ الشِّيرَازِيُّ: لا يُسْمَع، فَلا يَلْزَمُهُ دِلالَةٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ بَعِيدٌ؛ إِذْ لا تَقُومُ الْحُجَّةُ عَلَى خَصْمِهِ مَعَ مَنْعِ أَصْلِهِ.
كراهة التَّكرار - مثلًا - وكون السبعية علّة الطهارة، "فإن ذكره" أي: ذكر المعترض النقض "بأصله" أي: بأصل المستدّل، "فهو القَلْب، وإن بين مناسبته للنقيض من غير أصل من الوجه المدعي، فهو القَدْح في المناسبة"؛ إذ الوصف الواحد لا يناسب النَّقيضين من جهة واحدة، "ومن غيره"، أي: وإِن بين مناسبة الوصف للنقض من غير الوجه المدعي، فذلك "لا يقدح" في مناسبة الوصف للحكم؛ "إِذ قد يكون للوصف جهتان"، تناسب بإحداهما الإِباحة وبالأخرى التحريم، "ككون المحلّ [مُشْتهى] " (١) فإنه "يناسب الإباحة، لإراحة الخاطر، والتَّحريم لقطع أطماع النفس".
الشرح: الاعتراض: "الرابع: منع حكم الأصل (٢)، والصحيح" أنه "ليس قطعًا للمستدلّ؛ لأنه كمنع مقدمة" من مقدّمات القياس، "كمنع العلّة في العلّية"، كذا بخطّ المصنف، أي: منع علّية ما ادعاه علة "ووجودها"، أي: ومنع وجودها في الفَرْعِ، [فيثبتها] (٣) المستدلّ؛ ولا يعد منقطعًا، فلذلك منع حكم الأصل؛ لكونه إِحدى المقدمات التي يتوقّف عليها القياس.
ووجهه: أنه لما تصدى لإِثبات حكم الفرع المتوقف على ثبوت حكم الأصل، لم يكن بالاستدلال عليه تاركًا لما شرع فيه.
"وقيل": بل "ينقطع؛ لانتقاله" عن إِثبات حكم الفرع إلى الأصل، "واختيار الغزالي اتباع عرف المكان" الذي هو فيه، ومصطلح أهله.
стр. 2093
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"وقال" أبو إِسحاق "الشِّيرَازي": إن المنع "لا يسمع، فلا يلزمه دلالة عليه، وهو بعيد؛ إذ لا تقوم الحُجّة على خَصْمه مع منع أصله" على أن الموجود في كتابي "الملخّص" و"المعونة" للشيخ أبي إِسحاق سماع المنع.
قال: ثم المانع إما ألَّا يختلف مذهبه في المنع، فجوابه من أوجه:
أحدها: تفسير الحكم بما سلم، كقول الحَنَفي: الإِجارة عَقْد على منفعة، فتبطل بالموت كالنِّكاح، فيمنع الأصل؛ إِذ النكاح لا يبطل بالموت، وإنما يتم، فيقول: أردت بقولي: يبطل، أنه يرتفع، ولا خلاف فيه، فيسقط المنع.
والثاني: أن يبين موضعًا يسلم فيه، كقولنا: الوضوء عبادة، شرع لها الاختتام باليَسَار، فشرط فيها الترتيب، كالصلاة.
فيقول المخالف: لا أسلم أن الترتيب شرط في الصَّلاة؛ فإنه لو ترك أربع سَجَدَات من أربع ركعات، فأتى بهنّ في آخر صلاته أجزأه، فنقول: لا خلاف أنه إِذا قدم الرّكوع على القراءة، أو السُّجود على الركوع لا يصح، وهذا كافٍ في التسليم.
والثالث: أن يدل عليه، كقولنا: الخِنْزِيرُ حيوان نجس في حال حياته، فيغسل منه سبعًا كالكلب، فيمنعون الأصل، فيدلّ عليه بحديث: "إِذَا وَلَغَ الكَلْبُ .. ".
وإما أن يختلف مذهب المانع، بأن كان لأمامه قولان، أو لأصحابه وَجْهَان، فجوابه من الأوجه المذكورة، ويزيد بتبيين أنّ الصحيح من مذهبه التسليم، كما يقول فيمن تطوع بالحَجّ، وعليه فرضه: [أحرم] (١) وعليه فرضه، فانصرف إِلى ما عليه، كما إِذا أطلق النِّيّة، فيمنع الخصم مستندًا إِلى رواية الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه يكون تطوعًا، فيجيب بأن الصحيح من مذهبه ما ذكرناه.
وإما ألّا يعرف مذهب إمامه، كقول الحنفي في الكافر يسلم على أكثر من أربع: لا يختار أربعًا منهن؛ لأنَّهُ جمع محرم في نكاح، فلا يخير فيه بعد الإسلام.
دليله: إِذا جمعت المرأة بين زوجين، فإنها لا تخيّر بين الزوجين، فيقول الشَّافعي:
стр. 2094
وَالْمُخْتَارُ: لَا يَنْقَطِعُ الْمُعْتَرِضُ بِمُجَرَّدِ الدَّلَالَةِ، بَلْ لَهُ أَنْ يَعْتَرِضَ؛ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ صُورَةِ دَلِيلٍ صِحَّتُهُ.
قَالُوا: خَارجٌ عَنِ الْمَقْصُودِ الأَصْلِيِّ.
قُلْنَا: لَيْسَ بِخَارجٍ.
[الْخَامِسُ]: التَّقْسِيم، وَهُوَ: كَوْنُ اللَّفْظِ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا مَمْنُوعٌ، وَالْمُخْتَارُ وُرُودُه، مِثَالُهُ فِي الصَّحِيحِ الحَاضِرِ: وُجِدَ السَّبَبُ بِتَعَذُّرِ الْمَاء، فَسَاغَ التَّيَمُّم، فَيَقُولُ: السَّبَبُ تَعَذُّرُ الْمَاءَ أَوْ تَعَذُّرُ الماءِ فِي السَّفَرِ أَوِ الْمَرَضِ.
هذه المسألة لا نصّ فيها لأصحابنا، ويحتمل ألّا نسلمه.
قلت: إذا أسلمت على زوجين، ووقع عقدهما معًا، لم تقرّ مع واحد منهما، سواء اعتقدوا جوازه أم لا.
وفيما إذا اعتقدوه وجه: أنَّ المرأة تختار أحدهما، وإن وقع النكاحان مرتبين، فهي زوجة الأول.
الشرح: "والمختار: لا ينقطع المعترض" إذا استدلّ المستدلّ على محل المنع، "بمجرد الدلالة، بل له"؛ أي: للمعترض "أن يعترض" على دليلٌ محلّ المنع؛ "إذ لا يلزم من "وجود "صورة دليلٌ صحّته"، فإِن لم يصح، فكيف ينقطع المعترض؟
وقال قوم: ينقطع "قالوا": لأنّ اشتغاله بالاعتراض على دليلٌ المنع "خارج عن المقصود الأصلي" الذي هو ثبوت الحكم في الفرع.
"قلنا: ليس بخارج"؛ لأن حكم الأصل إِحدى المقدّمات التي عليها ينبني المقصود الأصلي.
الشرح: الاعتراض "الخامس التقسيم (١)، وهو كون اللفظ مترددًا بين أمرين" متساويين: "أحدهما: ممنوع"، والآخر مسلم.
стр. 2095
الأَوَّلُ مَمْنُوعٌ، وَحَاصِلُهُ مَنْعٌ يَأْتِي، وَلَكِنَّهُ بَعْدَ تَقْسِيمٍ، وَأَمَّا نَحْوُ قَوْلِهِمْ فِي [الْمُلْتَجِئَ إِلَى الْحَرَمِ]: وُجِدَ سَبَبُ اسْتِيْفَاءِ الْقِصَاصِ، فيَجِب، مَتَى: مَعَ مَانِعِ الاِلتِجَاءِ إِلَى الْحَرَمِ أَوْ عَدَمِهِ فَحَاصِلُهُ طَلَبُ نَفْي الْمَانِعِ، وَلَا يَلْزَمُ.
[السَّادِسُ]: مَنْعُ وُجُودِ المُدَّعَى عِلَّةً فِي الأَصْلِ ؛ مِثْلُ: حَيَوانٌ يُغْسَلُ مِنْ وُلُوغِهِ سَبْعًا، فَلَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ كَالْخِنْزِيرِ، فَيُمْنَعُ.
وَجَوَاُبهُ: بِإِثْبَاتِهِ بِدَلِيلِهِ مِنْ عَقْلٍ، أوْ حِسٍّ، أَوْ شَرْعٍ.
"والمختار: وروده".
وقيل: سؤال الاسْتِفْسَار كافٍ، فلا يرد.
"مثاله": قولنا "في" تيمم "الصحيح الحاضر" لفقد الماء: "وجد السّبب" سبب التيمم "لتعذر الماء، فساغ التيمم" قياسًا على المسافر والمريض، بجامع امتناع اسْتِعْمَال الماء، "فيقول" المعترض: "السبب" مطلق "تعذّر الماء، أو تعذر الماء في السَّفر أو المرض، الأول ممنوع"، فلا نسلم أن مُطْلق تعذّر الماء مبيح للتيمم، والثاني مسلم، ولا يبيح المقصود.
"وحاصله؛ أي: حاصل التقسيم "منع يأتي" أي: يتوجه، "ولكنه" منع خاص؛ إِذ هو واقع "بعد تقسيم" قسموه تقسيمًا.
"وأما" إِذا ذكر المعترض احتمالين لا دلالة للفظ المستدلّ عليهما "نحو قولهم" يعني: أصحابنا "في" مسألة "الملتجئ إِلى الحرم: وجد سبب استيفاء القِصَاص"، وهو القتل العَمْد العدوان، "فيجب"" استيفاؤه، فالمعترض يقول: "متى" يجب "مع مانع الالتجاء إلى الحرم، أو "مطلقًا، مع الالتجاء و"عدمه" الأول: ممنوع.
والثاني: مسلم، ولكن لم قلت: إِن الالتجاء ليس مانعًا؟.
"فحاصله: طلب" المعترض من المستدلّ بيان "نفي المانع" عن الاستيفاء، "ولا يلزم" المستدلّ ذلك، فلا يكون مقبولًا.
وأما إِذا كان اللفظ ظاهرًا في أحد الاحتمالين، فلا وجه لسؤال التقسيم.
الشرح: الاعتراض "السَّادس: منع وجود" الوصف "المدّعي" كونه (١) "علّة في
стр. 2096
[السَّابعُ]: مَنْعُ كَوْنِهِ عِلَّةً، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الأَسْئِلَةِ ؛ لِعُمُومِهِ وَتَشَعُّبِ مَسَالِكِهِ، وَالْمُخْتَارُ قَبُولُه، وإلَّا أَدَّى إِلَى اللَّعِبِ فِي التَّمَسُّكِ بِكُلِّ طَرْدٍ.
قَالُوا: الْقِيَاسُ رَدُّ فَرْعٍ إلَى أَصْل بِجَامِعٍ، وَقَدْ حَصَلَ.
قُلْنَا: بِجَامِعِ يُظَنُّ صِحَّتُهُ.
الأصل مثل" ما يقال على لسان الشَّافعية في الكلب: "حيوان يغسل من ولوغه سبعًا، فلا يطهر بالدِّبَاغ كالخِنْزِيرِ، فيمنع" وجوب الغُسل سبعًا من ولوغ الخنزير.
ثم اختلفوا في أنه هل يسوغ للمعترض تقرير المنع، أو يجب عليه الإقتصار عليه؟ بعد اتفاقهم على أنه لا يسوغ له المنع إِلا إذا اعتزى إِلى ذي مذهب يرى المنع.
والمختار: إِن كان المنع خفيًّا، بحيث يخشى نسبة المانع إِلى المُكَابرة، مكّن من تقريره، وإلا فلا.
"وجوابه: بإثباته" أي: بإِثبات وجود الوصف المدّعي علة في الأصل "بدليل من عَقْل، أو حس، أو شرع" على حسب الوَصْف في كل مسألة، ففي العقل، كما نقول: نكحت نفسها مع وجود الوَلِيّ، فلا يجوز، قياسًا على ما إِذا نكحها أجنبي، بجامع الافتيات الضَّار بالأولياء.
فجوابه: أن العقل قاض بأن من افتيت عليه اشتغل باله، وهو ضرر.
وفي الحس، كما يقال: لا نسلّم وجود الافتيات، فيقال: بدليل أنَّا نشاهد وجهه متمعّرًا، وفي الشرع قد مثل له المصنّف بمثال للمنع الظَّاهر، ومن أمثلة المنع الخفي:
قولنا في الوضوء: عبادة يبطلها الحَدَث، فكان الترتيب شرطًا فيها كالصَّلاة، فيمنع كون الحدث مبطلًا للصلاة، وإنما يبطل الطهارة، وببطلانها تبطل الصلاة.
فنقول: لا خلاف بيننا أنه لو سبقه الحَدَث، فانصرف ليتوضّأ، ثم أحدث في طريقه أن صلاته تبطل، وليس هناك طَهَارة، فدلّ على أن الحدث يبطل الصلاة على الانفراد، والطهارة على الانفراد.
قال الشيخ أبو إسحاق: وله الجواب - أيضًا - بالتفسير، بأن يفسر ذلك بمعنى مسلم موافق للفظ العلّة، كما يقول: أريد بقولي: يبطلها الحدث، أن الحدث يمنع إتمامها، والاحتسابَ بما مضى منها.
стр. 2097
قَالُوا: عَجْزُ الْمُعَارِضِ دَلِيلُ صِحَّتِهِ؛ فَلَا يُسْمَعُ الْمَنْعُ.
قُلْنَا: يَلْزَمُ أنْ تَصِحَّ كُلُّ صُورَةِ دَليلٍ؛ لِعَجْزِ الْمُعْتَرِضِ، وَجَوَاُبهُ: بِإثْبَاتِهِ بِأَحَدِ مَسَالِكِهِ، فَيَرِدُ عَلَى كُلٍّ مِنْهَا مَا هُوَ شَرْطٌ فَعَلَى ظَاهِرِ الْكِتَابِ: الإِجْمَالُ وَالتَّأْوِيلُ وَالمُعَارَضَةُ وَالْقَوْلُ بالْمُوجِبِ، وَعَلَى السُّنَّةِ: ذَلِكَ وَالطعْنُ بِأَنَّهُ مُرْسَلٌ أَوْ مَوْقُوفٌ: وَفِي رِوَايَةٍ ضَعِيفَةٍ، أَوْ قَوْلِ شَيْخِهِ: لَمْ يَرْوِهِ عَنِّي، وَعَلَى تَخْرِيجِ الْمَنَاطِ مَا يَأتِي، وَمَا تَقَدَّمَ.
الشرح: الاعتراض "السَّابع: منع كونه علّة (١)، وهو من أعظم الأسئلة لعمومه" في كل ما يدعي علة، "وتشعّب مسالكه"، فإن طرق العلية مختلفة كثيرة، وهو سؤال المطالبة، فاِذا أطلق لفظ المُطَالبة، لم يفهم منه في عرفهم سواه، ومتى أريد غيره ذكر مقيدًا، فيقال: المطالبة بكذا.
"[والمختار] (٢): قبوله، وإلا" فلو لم يقبل "أدّى" الحال "إلى اللعب في التمسُّك بكل طرد" من الأوصاف، كالطول والقصر، فإِن المستدل يأمن المنع، ويتعلّق بما شاء من الأوصاف.
"قالوا: القياس ردّ فرع إِلى أصل بجامع، وقد حصل"، ففيم المنع؟.
"قلنا: رد فرع إلى أصل "بجامع يظن صحته"، والوصف الطَّردي مظنون الفساد.
"قالوا: عجز المعارض" عن الاعتراض على الوصف "دليل صحّته"، كما في المعجزة، "فلا يسمع المنع"؛ إذ منع الصحيح فاسد.
"قلنا: يلزم" بما ذكرتموه "أن يصحّ في كل صورة دليل"، وإن لم يكن دليلًا في نفس الأمر "بعجز المعترض" عن الاعتراض عليه، ولا قائل به، فالأدلّة لا تصح بعجز ضعفاء النظر عن تزييفها.
قلت: لكنهم ينقطعون، و [هذا] (٣) المقصد من الجدل.
"جوابه: يإثباته"؛ أي: بإِثبات كونه علة "بأحد مسالكه" المتقدم بيانها، "فيرد على كل منها ما هو شرط" في صحة دلالته على علية الوصف "فعلى ظاهر الكتاب" إِذا تمسّك به
стр. 2098
[الثَّامِنُ]: عَدَمُ التَّأْثِيرِ، وَقُسِّمَ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ: [الأَوَّلُ]: عَدَمُ التَّأْثِيرِ فِي الْوَصْفِ؛ مِثَالُهُ: صَلَاةٌ لَا تُقْصَر، فَلَا يُقَدَّمُ [أَذَانُهَا] كَالْمَغْرِبِ؛ لأَنَّ عَدَمَ الْقَصْرِ فِي نَفْيِ التَّقْدِيمِ طَرْدِيٌّ، فَيَرْجِعُ إِلَى سُؤَالِ الْمُطَالَبَةِ.
[الثَّانِي]: عَدَمُ التَّأْثِيرِ فِي الأَصْلِ؛ مِثَالُهُ فِي بَيْعِ الْغَائِبِ: مَبِيعٌ غَيْرُ مَرْئِيٍّ، فَلَا يَصِحُّ كَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ؛ فَإِنَّ العَجْزَ عَنِ التَّسْلِيمِ مُسْتقِلٌّ، وَحَاصِلُهُ مُعَارَضَةٌ فِي الْأَصْلِ.
في علية الوصف "الإِجمال" المتردّد بين شيئين لا يصحّ التمسّك به؛ إذ شرطه الظهور في المقصود، "والتأويل"، فيقول: الآية مؤولة بغير ما ذكرت أنه معناها، "والمعارضة" بظاهر آخر، "والقول بالموجب"، ويرد "على السُّنة ذلك" كله، "و" يزاد "الطَّعن" في الخبر "بأنه موسل، أو موقوف، وفي رواية ضعيفة" كذا بخطّ المصنف؛ أي: يزداد الخبر بالنسبة إِلى رواية ضعف الراوي، والقرآن سالم من ضعف الراوي؛ إِذ هو متواتر، "أو قول شيخه: لم يروه عنّي.
"و" يرد "على تخريج المَنَاط ما يأتي" في الاعتراض التاسع، "وما تقدم" في المسلك الرابع من مسالك العلّة.
الشرح: الاعتراض "الثَّامن: عدم التَّأْثير" (١) وهو: إِبداء وصف لا أثر له، "وقسم أربعة أقسام":
ما لا تأثير له مطلقًا، وما لا تأثير له في ذلك الأصل، وما اشتمل عليه قيد لا تأثير له، وما لا يظهر فيه شيء من ذلك، ولكن لا يطّرد في محلّ النزاع، فيعلم من ذلك عدم تأثيره.
ولكل قسم اسم: "عدم التأثير في الوصف، مثاله": قولهم في الصبح: "صلاة لا تقصر، فلا يقدم أذانها كالمغرب؛ لأنَّ عدم القَصْر في نفس التقديم طَرْدي" لا مناسبة له ولا شبه، فلا يعتبر، ولذلك كان الحكم الذي هو منع تقديم الأذان على الوصف موجودًا فيما قصر من الصلوات، "فيرجع" حاصله "إلى سؤال المطالبة"، بالدلالة على كون العلة علة.
الشرح: "الثاني: عدم التأثير في "ذلك "الأصل" بأن يقع الاستغناء عنه فيه بوصف
стр. 2099
[الثَّالِثُ]: عَدَمُ التَّأْثِيرِ فِي الحُكْمِ؛ مِثَالُهُ فِي الْمُرْتَدِّينَ: مُشْرِكُونَ أَتْلَفُوا مَالًا فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَلَا ضَمَانَ كالْحَرْبِيِّ، وَدَارُ الْحَرْبِ عِنْدَهُمْ طَرْدِيٌّ، فَيَرْجِعُ إلَى الأَوَّلِ.
آخر "مثاله" أن يقال على لسان الشَّافعية "في" منع "بيع الغائب: مبيع غير مَرْئِيّ، فلا يصح كالطَّير في الهواء" بجامع عدم الرُّؤية؛ "فإِن العجز عن التسليم" في الطير "مستقلّ" بإِثارة الحكم؛ لكونه غير مَرْئي، وإِن ناسب نفي الصِّحة، لا تأثير له هنا.
وحاصله: أنه "معارضة في الأصل" بإبداء علة أخرى، وهي العجز عن التسليم، ولذلك بناه بانون على التعليل بعلتين.
الشرح: "الثالث: عدم التأثير في الحكم" المعلل، وهو ضربان:
أحدهما: ألَّا يكون له تأثير أصلًا، لا في الأصل ولا في الفرع، ولا يفيد المحلل ذكره نفعًا، فيكون ملغى، وعليه اقتصر المصنّف.
ووجه تسميته عدم التأثير في الحكم: أنه لا مدخل له في الحكم، ولا تعلّق له به.
"مثاله" قولهم "في المرتدين: مشركون أتلفوا مالًا في دار الحرب (١)، فلا ضمان" عليهم "كالحربي، ودار الحَرْب - عندهم - طردي"، ولا فائدة في ذكره؛ فإِن من أوجب الضمان أوجبه مطلقًا، ومق نفاه نفاه مطلقًا، سواء أكان في دار الحَرْب أم غيرها، "فيرجع إلى" القسم "الأول"؛ لأنَّه مطالب بتأثير كونه في دار الحَرْبِ.
стр. 2100
[الرَّابِعُ]: عَدَمُ التَّأْثِيرِ فِي الْفَرْعِ مِثَالُهُ: زَوَّجَتْ نَفْسَهَا، فَلَا يَصِحُّ، كَمَا لَوْ زُوِّجَتْ مِنْ غيْرِ كُفْءٍ، وَحَاصِلُهُ كَالثَّانِي.
وَكُلُّ فَرْضٍ جُعِلَ وَصْفًا فِي الْعِلَّةِ مَعَ اعْتِرَافِهِ بِطَرْدِهِ مَرْدُودٌ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ عَلَى الْمُخْتَارِ فِيهِمَا.
الثاني: ألَّا يكون له تأثير فيهما، ولكن لذكره فائدة، كقول من اعتبر العدد في الاسْتِجْمَار بالأحجار: عبادة متعلّقة بالأحجار، لم يتقدّمها معصية، فاعتبر فيها العدد كرمي الجِمَار، فقوله: لم يتقدّمها معصية، عدم التأثير في الأصل والوصف، والمعلل مضطر إِلى ذكره؛ إذ لو حذفه لانتقضت علّيته بالرجم؛ فإِنه عبادة تتعلّق بالأحجار، ثم لا يعتبر فيها العدد، وهو كالذي قبله في رجوعه إِلى الأول، وربّ وصفِ ذكره فائدة إِلَّا أن المعلل لا يضطر إليه، ويسمى الحَشْو، فإن اغْتفر له ذكر ما اضطر إليه، اغتفر له هذا، وإِلا ففيه خلاف.
ومثاله: قولنا في الجمعة: تصح بغير إِذْنِ الإِمام؛ لأنها صلاة مفروضة، فلم تفتقر إقامتها إلى [إذن] (١)، كالظُّهر، فيقول: قولك: مفروضة، حشو؛ إِذ لو اقتصرت على قولك: صلاة، [لم] (٢) ينتقض بشيء، فنقول: هذا قَيْد زائد لا لإثبات الحكم، بل لتقريب الفرع من الأصل، وتقوية الشبه بينهما؛ إِذ الفرض بالفرض أشبه من غيره به.
الشرح: "الرابع: عدم التأثير في الفرع" من جِهَةِ أنّ الوصف لا يطّرد في جميع صور النزاع، وهو - أيضًا - ضربان:
أحدهما: أن يتحقّق الخلاف فيه بدونه.
"مثاله" قولهم: "زوجت نفسها" من غير كُفْءٍ، "فلا يصح، كما لو زُوّجت" - بضم الزاي - مبني لما لم يسم فاعله، كذا ضبطه المصنف "من غير كُفْءٍ"، فالتزويج من غير كُفْءٍ وإن ناسب البطلان إلا أنه لا اطّراد له في كل صور النزاع؛ إذ النزاع فيمن زوجت نفسها مطلقًا.
والثاني: ألّا تظهر له مناسبة في الفرع ألبتة، وهو أولى بعدم القبول من الذي قبله؛
стр. 2101
[التَّاسِعُ]: الْقَدْحُ فِي الْمُنَاسَبَةِ بِمَا يَلْزَمُ مِن مَفْسَدَةٍ رَاجِحَةٍ أَوْ مُسَاوِيَةٍ، وَجَوَابُهُ بِالتَّرْجِيحِ تَفْصِيلًا أَوْ إِجْمَالًا كَمَا سَبَقَ.
لأنا إِذا لم نقبل الأول مع ظهور مُنَاسبته في بعض الصور، لتحقّق الخلاف في البعض الآخَر بدونه، فإِنا لا نقبله، ولم تظهر له مُنَاسبة مطلقًا أولى وأجدر، وهذا قولنا في [الثَّيب] (١) الصغيرة: حُرّة صغيرة ذهبت بَكَارَتُهَا بالجِمَاعِ، فلا تزوج بغير رِضَاهَا كالبالغة بذهاب البَكَارَةِ؛ لأنا نقبله، في الفرع، فإنه لا يناسب؛ ألا ترى أنَّ المال والولاية على الغلام لا فرق فيهما بين الثيب والبكر؟!
واعلم أنّ المصنّف لم يفصح بذكر هذا المثال، وكأنه لما ذكر من أنه دون الأول، وإذا رد الأول، ردٌّ هذا بطريق أولى، فلهذا اقتصر على الأول، وقبوله مبني على قبول الفرض، وسنذكره، والفرض تخصيص بعض الأفراد بالحجاج، كما إِذا قال المَسئول عن نفوذ عتق الراهن: أفرض الكلام في المعسر، أو عمن زوجت نفسها: أفرض فيمن زوجت من غير كُفْء.
وقد علمت رجوع القِسْم الأول والثالث إِلى منع العلة، والثَّاني والرابع إِلى المعارضة في الأصل بعلّة أخرى، وقد مر الأول، وسيأتي الثاني - إن شاء الله تعالى - فإِذن عدم التأثير ليس سؤالًا برأسه، ولما كان حاصل القسم الرابع وجود قيد طَرْدِي في الوصف المعلل به، وهو كونه غير كُفْءٍ، ذكروا عده في الفرض، فقال: "وكل فرض جعل وصفًا" أي: قيدًا "في العلة، مع اعترافه" أي: المستدلّ "بطرده، مردود"؛ لاعترافه بأنه لا مدخل له في التعليل، "بخلاف غيره" لما لم يعترف بأنه وصف طردي، فإنه غير مردود؛ لجواز تعلّق غرض صحيح به، كرفع النَّقض الصريح إِلى النقض المكسور، كما ذكرناه في مسألة الاسْتِجْمَار، والأول من حيث إِنه أعرف بعدم تأثيره، لا يجديه التَّفوُّه به نفعًا، كما في مسألة المرتدين، وما ذكرناه من الرد نفيًا وإثباتًا ليس مجمعًا عليه، بل "على المختار فيهما".
الشرح: الاعتراض: "التاسع: القَدْحُ في المُنَاسبة بما يلزم" (٢) عن الوصف المدعي مناسبته "من مفسدة راجحة"، على المَصْلحْة التي من أجلها فضى عليه بالمُنَاسبة، "أو مساوية" لها.
стр. 2102
[العَاشِرُ]: الْقَدْحُ فِي إِفْضَاء الحُكْمِ إِلَى الْمَقْصُودِ، كَمَا لَوْ عَلَّلَ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ عَلَى التَّأْبيدِ بِالْحَاجَةِ إِلَى ارْتِفَاع الْحِجَابِ المُؤَدِّي إِلَى الْفُجُورِ، فَإِذَا تَأَبَّدَ انْسَدَّ يَابُ الطَّمَع الْمُفْضِي إِلَى مُقَدِّمَاتِ الهَمِّ وَالنَّظَرِ الْمُفْضِيَةِ إِلَى ذَلِكَ، فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: بَلْ سَدُّ بَابِ النِّكَاحِ أَفْضَى إِلَى الْفُجُورِ، وَالنَّفْسُ مَائِلَةٌ إِلَى الْمَمْنُوعِ.
وَجَوَابُهُ: أَنَّ التَّأْبِيدَ يَمْنَعُ عَادَةً بِمَا ذَكَرْنَاهُ: فَيَصِيرُ كَالطَّبِيعِيِّ؛ كَالأُمَّهَاتِ.
[الْحَادِيَ عَشَرَ]: كَوْنُ الْوَصْفِ خَفِيًّا كَالرِّضَا وَالْقَصْدِ، وَالْخَفِيُّ لَا يُعرِّفُ الخَفِيَّ.
وَجَوَابُهُ: ضَبْطُهُ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ الصِّيَغِ وَالأَفْعَالِ.
"وجوابه: بالْترجيح" ترجيح المَصْلحة على المفسدة "تفصيلًا أو إِجمالًا كما سبق" في المناسبة.
الشرح: الاعتراض: "العاشر: القدح في" صلاحية "إفْضَاء الحُكْم إِلى المقصود (١)، كما لو علل حرمة المُصَاهرة على التَّاْبيد" في حق المَحَارم "بالحاجة إلى ارتفاع الحجاب" بين الرجال والنساء المحارم، وهو أعني: ارتفاع الحِجَاب "المؤدي إِلى الفجور، فإِذا تأبد" التحريم بين المَحَارم "انسدّ باب الطَّمع المفضي إِلى مقدمات الهَمّ، والنظر المفضي إِلى ذلك" الفجور.
فيقول المعترض: بل سدّ باب النكاح أفضى إِلى الفجور"، والقَلْب يطلب من يَجُور ويعتدي، "والنفس مائلة إِلى الممنوع" وبكل شيء يشتهيه طلاوة مدفوعة إلا عن المدفوع.
الشرح: "وجوابه: أنَّ التأبيد يمنع عادة" عن ذلك؛ "لما ذكرناه" من انسداد باب الطَّمع، "فيصير" لتطاول الأمر، وتماديه "كالطبيعي" بحيث لا يبقى المحلّ مشتهي "كالأمهات".
الشرح: الاعتراض "الحادي عشر: كون الوَصْف كالرّضا والقصد خفيًّا، فإِنهما من الأوصاف الباطنة الخفيّة، فلا تصلح للعلّية (٢).
стр. 2103
[الثَّانِيَ عَشَرَ]: كَوْنُهُ غَيْرَ مُنْضَبِطٍ ؛ كَالتَّعْلِيلِ بِالْحِكَمِ وَالْمَقَاصِدِ كَالْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ وَالزَّجْرِ؛ فَإِنَّهَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الأَشْخَاصِ وَالأَزْمَانِ وَالأَحْوَالِ.
وَجَوَابُهُ: إِمَّا أَنَّهُ يَنْضَبِطُ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِضَابِطٍ، كَضَبْطِ الْحَرَجِ بِالسَّفَرِ وَنَحْوِهِ.
[الثَّالِثَ عَشَرَ]: النَّقْضُ كَمَا تَقَدَّمَ.
"وجوابه: ضبطه بما يدلّ عليه من الصيغ"، كضبط الرّضا بصيغ العقود، "والأفعال" الدالة على الإِزهاق في وجوب القصاص.
الشرح: و"الثاني عشر: كونه" مضطربًا "غير منضبط (١)، كالتَّعْليل بالحكم والمقاصد كالحَرَج" يجعل علّة في الفطر، "والمَشَقّة" في القصر "والزَّجر" في التَّعْزير، "فإِنها"مضطربة "تختلف باختلاف الأشخاص والأزمان والأحوال"، ودأب الشَّارع فيما هذا شأنه ردّ الخلق إِلى المَظَانّ؛ درءًا للتَّشَاجُرِ.
الشرح: "وجوابه: إِما أنه منضبط بنفسه"، وقد قدم المصنّف أنه يجوز التَّعْليل بالحكم المنضبطة، "أو بضابط، كضبط الحَرَجِ بالسفر ونحوه" كضبط الزَّجْرِ في الزنا بمائة جلدة، وفي القذف بثمانين.
الشرح: وهو ثبوت الوَصْف في صورة مع انتفاء الحكم فيها، ويمكن في جواب منع كل واحد منهما، فهو ضربان (٢).
стр. 2104
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأول: منع وجود الوصف في صورة النقض، وذلك لا يكون معاندة وصدًّا بالمُكَابرة، بل يكون بناء على وجود قيد مناسب غير حاصل في صورة النَّقض، ثم ذلك القيد إِما أن يكون جليًّا أو خفيًّا.
فالجلي مثل: النَّبَّاش آخذ لِنِصَابٍ تام من حِرْز مثله عدوانًا، فيكون سارقًا، فإِن نقض بما إِذا سرق الكَفَن من قبر في حِيَازة، حيث لا يجب القَطْع على الأصح.
قلنا: ليس ذلك في حِرْز مثله.
والخفي إِما أن يكون معناه واحدًا أو متعددًا، إِما بطريق التواطؤ، أو التشكيك، أو الاشتراك، كما ذكرت في "شرح المنهاج".
[قالوا] (١): مثل قصر الصلاة: رُخْصة شرعت للتخفيف، فلا يتحتّم الأخذ بها، كالإِفطار في الصوم، فإن نقض بأكل المَيْتَةِ للمضطر، حيث يجب على الأصح.
قلنا: لم يشرع - حينئذ - للتخفيف، بل للضرورة، وقيام البيِّنة.
والمتعدد بالتواطؤ مثل: يحج عن الميت المستطيع، وإن لم يوص؛ لأنَّهُ حقّ لازم عليه، فيقضي عنه كالدّين، فإن نقض بالصَّلاة والصوم.
قلنا: الحق اللازم مَقُول على المالي وغيره [بالتواطؤ] (٢)، والأول المقصود بالتَّشكيك، مثل: المتولّد بين الظِّبَاء والغنم: حيوان متولد بين ما لا زكاة فيه، وما فيه زكاة، فلا يزكي، كما إذا كانت الأمهات ظباء، فإن نقض بالمتولد بين السَّائمة والمَعْلُوفة من البقر والغنم.
قلنا: ما لا تجب فيه الزكاة مقول بالتَّشْكيك على ما لا تجب فيه بحال، كـ"الظباء"، وما تجب فيه من حيث الجملة كالمَعْلُوفة، وبالاشتراك مثل: جمعِ الطَّلاق
стр. 2105
وَفِي تَمْكِينِ الْمُعْتَرِضِ مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى وُجُودِ الْعِلَّةِ إِذَا مُنِعَ، ثَالِثُهَا: يُمَكَّنُ مَا لَمْ يَكُنْ حُكْمًا شَرْعِيًّا.
وَرَابِعُهَا: مَا لَمْ يَكُنْ طَرِيقٌ أَوْلَى بِالْقَدْحِ.
قَالُوا: لَوْ دَلَّ الْمُسْتَدِلُّ عَلَى وُجُودِ الْعِلَّةِ بِدَلِيلٍ مَوْجُودٍ فِي مَحَلِّ الْنَّقْضِ، ثُمَّ مُنِعَ وُجُودُهَا؛ فَقَالَ الْمُعْتَرِضُ: يَنْتقِضُ دَلِيلكَ - لَمْ يُسْمَعْ؛ لِأَنَّهُ انْتِقَالٌ مِنْ نَقْضِ الْعِلَّةِ إِلَى نَقْضِ دَلِيلِهَا؛ وَفِيهِ نَظَرٌ.
أَمَّا لَوْ قَالَ: يَلْزَمُكَ إِمَّا انْتِقَاضُ دَلِيلِهَا - كَانَ مُتَّجِهًا.
في قُرْء واحد، فلا يكون مبتدعًا كما لو طلقها ثلاثًا في قرءٍ واحدٍ، مع الرَّجعة بين الطّلقتين، فإِن نقض بما لو طلقها ثلاثًا في الحيض.
قلنا: المراد من القرء الطهر.
الشرح: "وفي تمكين المعترض من الدّلالة على وجود العلّة" في صورة النقض "إذا منع" وجودها فيه - كما ذكرناه - مذاهب:
أحدها، وعليه الأكثر، منهم الأمام الرازي وأتباعه: لا؛ لأنَّهُ انتقال من مسألة قبل تمامها إِلى أخرى، وقلب القاعدة بِصَيْرُورَةِ المعترض مستدلا، والمستدلّ معترضًا.
وثانيها: نعم؛ لأن فيه تحقيق النقض، فكان من متمماته.
و"ثالثها: وَيُمَكَّنُ؛ ما لم يكن حكمًا شرعيًّا" حكاه المصنّف، ولم يوجد لغيره.
ووجهه: أن التخلف في الحكم العقلي قادح، فيحصل من تمكينه فائدة، بخلَاف الشرعي؛ لجواز أن يكون التخلف لوجود مانع، أو فوات شرط، وقُصَارى المعترض إِثبات الوصف، ثم لا يجديه؛ لأن التخلف لذلك لا يقدح في العلل الشرعية عند الجمهور.
"ورابعها": قاله الآمدي أنه يمكن "ما لم يكن" للمعترض "دليل أولى بالقدح" من النقض، فإِن أمكنه القَدْح بطريق آخر هو أفضى إلى المقصود فلا، وقد ملت إِلى هذا في "شرح المنهاج".
والمختار - عندي الآن - قول الأكثرين.
الشرح: "قالوا" يعني: الجَدَليين جميعًا، و"لو دلّ المستدل على وجود العلّة" في محلّ التعليل "بدليل موجود في محلّ النقض، ثم منع" بعد ذلك "وجودها" في صورة