[التَّاسِعُ]: الْقَدْحُ فِي الْمُنَاسَبَةِ بِمَا يَلْزَمُ مِن مَفْسَدَةٍ رَاجِحَةٍ أَوْ مُسَاوِيَةٍ، وَجَوَابُهُ بِالتَّرْجِيحِ تَفْصِيلًا أَوْ إِجْمَالًا كَمَا سَبَقَ.
لأنا إِذا لم نقبل الأول مع ظهور مُنَاسبته في بعض الصور، لتحقّق الخلاف في البعض الآخَر بدونه، فإِنا لا نقبله، ولم تظهر له مُنَاسبة مطلقًا أولى وأجدر، وهذا قولنا في [الثَّيب] (١) الصغيرة: حُرّة صغيرة ذهبت بَكَارَتُهَا بالجِمَاعِ، فلا تزوج بغير رِضَاهَا كالبالغة بذهاب البَكَارَةِ؛ لأنا نقبله، في الفرع، فإنه لا يناسب؛ ألا ترى أنَّ المال والولاية على الغلام لا فرق فيهما بين الثيب والبكر؟!
واعلم أنّ المصنّف لم يفصح بذكر هذا المثال، وكأنه لما ذكر من أنه دون الأول، وإذا رد الأول، ردٌّ هذا بطريق أولى، فلهذا اقتصر على الأول، وقبوله مبني على قبول الفرض، وسنذكره، والفرض تخصيص بعض الأفراد بالحجاج، كما إِذا قال المَسئول عن نفوذ عتق الراهن: أفرض الكلام في المعسر، أو عمن زوجت نفسها: أفرض فيمن زوجت من غير كُفْء.
وقد علمت رجوع القِسْم الأول والثالث إِلى منع العلة، والثَّاني والرابع إِلى المعارضة في الأصل بعلّة أخرى، وقد مر الأول، وسيأتي الثاني - إن شاء الله تعالى - فإِذن عدم التأثير ليس سؤالًا برأسه، ولما كان حاصل القسم الرابع وجود قيد طَرْدِي في الوصف المعلل به، وهو كونه غير كُفْءٍ، ذكروا عده في الفرض، فقال: "وكل فرض جعل وصفًا" أي: قيدًا "في العلة، مع اعترافه" أي: المستدلّ "بطرده، مردود"؛ لاعترافه بأنه لا مدخل له في التعليل، "بخلاف غيره" لما لم يعترف بأنه وصف طردي، فإنه غير مردود؛ لجواز تعلّق غرض صحيح به، كرفع النَّقض الصريح إِلى النقض المكسور، كما ذكرناه في مسألة الاسْتِجْمَار، والأول من حيث إِنه أعرف بعدم تأثيره، لا يجديه التَّفوُّه به نفعًا، كما في مسألة المرتدين، وما ذكرناه من الرد نفيًا وإثباتًا ليس مجمعًا عليه، بل "على المختار فيهما".
الشرح: الاعتراض: "التاسع: القَدْحُ في المُنَاسبة بما يلزم" (٢) عن الوصف المدعي مناسبته "من مفسدة راجحة"، على المَصْلحْة التي من أجلها فضى عليه بالمُنَاسبة، "أو مساوية" لها.
стр. 2102
[العَاشِرُ]: الْقَدْحُ فِي إِفْضَاء الحُكْمِ إِلَى الْمَقْصُودِ، كَمَا لَوْ عَلَّلَ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ عَلَى التَّأْبيدِ بِالْحَاجَةِ إِلَى ارْتِفَاع الْحِجَابِ المُؤَدِّي إِلَى الْفُجُورِ، فَإِذَا تَأَبَّدَ انْسَدَّ يَابُ الطَّمَع الْمُفْضِي إِلَى مُقَدِّمَاتِ الهَمِّ وَالنَّظَرِ الْمُفْضِيَةِ إِلَى ذَلِكَ، فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: بَلْ سَدُّ بَابِ النِّكَاحِ أَفْضَى إِلَى الْفُجُورِ، وَالنَّفْسُ مَائِلَةٌ إِلَى الْمَمْنُوعِ.
وَجَوَابُهُ: أَنَّ التَّأْبِيدَ يَمْنَعُ عَادَةً بِمَا ذَكَرْنَاهُ: فَيَصِيرُ كَالطَّبِيعِيِّ؛ كَالأُمَّهَاتِ.
[الْحَادِيَ عَشَرَ]: كَوْنُ الْوَصْفِ خَفِيًّا كَالرِّضَا وَالْقَصْدِ، وَالْخَفِيُّ لَا يُعرِّفُ الخَفِيَّ.
وَجَوَابُهُ: ضَبْطُهُ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ الصِّيَغِ وَالأَفْعَالِ.
"وجوابه: بالْترجيح" ترجيح المَصْلحة على المفسدة "تفصيلًا أو إِجمالًا كما سبق" في المناسبة.
الشرح: الاعتراض: "العاشر: القدح في" صلاحية "إفْضَاء الحُكْم إِلى المقصود (١)، كما لو علل حرمة المُصَاهرة على التَّاْبيد" في حق المَحَارم "بالحاجة إلى ارتفاع الحجاب" بين الرجال والنساء المحارم، وهو أعني: ارتفاع الحِجَاب "المؤدي إِلى الفجور، فإِذا تأبد" التحريم بين المَحَارم "انسدّ باب الطَّمع المفضي إِلى مقدمات الهَمّ، والنظر المفضي إِلى ذلك" الفجور.
فيقول المعترض: بل سدّ باب النكاح أفضى إِلى الفجور"، والقَلْب يطلب من يَجُور ويعتدي، "والنفس مائلة إِلى الممنوع" وبكل شيء يشتهيه طلاوة مدفوعة إلا عن المدفوع.
الشرح: "وجوابه: أنَّ التأبيد يمنع عادة" عن ذلك؛ "لما ذكرناه" من انسداد باب الطَّمع، "فيصير" لتطاول الأمر، وتماديه "كالطبيعي" بحيث لا يبقى المحلّ مشتهي "كالأمهات".
الشرح: الاعتراض "الحادي عشر: كون الوَصْف كالرّضا والقصد خفيًّا، فإِنهما من الأوصاف الباطنة الخفيّة، فلا تصلح للعلّية (٢).
стр. 2103
[الثَّانِيَ عَشَرَ]: كَوْنُهُ غَيْرَ مُنْضَبِطٍ ؛ كَالتَّعْلِيلِ بِالْحِكَمِ وَالْمَقَاصِدِ كَالْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ وَالزَّجْرِ؛ فَإِنَّهَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الأَشْخَاصِ وَالأَزْمَانِ وَالأَحْوَالِ.
وَجَوَابُهُ: إِمَّا أَنَّهُ يَنْضَبِطُ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِضَابِطٍ، كَضَبْطِ الْحَرَجِ بِالسَّفَرِ وَنَحْوِهِ.
[الثَّالِثَ عَشَرَ]: النَّقْضُ كَمَا تَقَدَّمَ.
"وجوابه: ضبطه بما يدلّ عليه من الصيغ"، كضبط الرّضا بصيغ العقود، "والأفعال" الدالة على الإِزهاق في وجوب القصاص.
الشرح: و"الثاني عشر: كونه" مضطربًا "غير منضبط (١)، كالتَّعْليل بالحكم والمقاصد كالحَرَج" يجعل علّة في الفطر، "والمَشَقّة" في القصر "والزَّجر" في التَّعْزير، "فإِنها"مضطربة "تختلف باختلاف الأشخاص والأزمان والأحوال"، ودأب الشَّارع فيما هذا شأنه ردّ الخلق إِلى المَظَانّ؛ درءًا للتَّشَاجُرِ.
الشرح: "وجوابه: إِما أنه منضبط بنفسه"، وقد قدم المصنّف أنه يجوز التَّعْليل بالحكم المنضبطة، "أو بضابط، كضبط الحَرَجِ بالسفر ونحوه" كضبط الزَّجْرِ في الزنا بمائة جلدة، وفي القذف بثمانين.
الشرح: وهو ثبوت الوَصْف في صورة مع انتفاء الحكم فيها، ويمكن في جواب منع كل واحد منهما، فهو ضربان (٢).
стр. 2104
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأول: منع وجود الوصف في صورة النقض، وذلك لا يكون معاندة وصدًّا بالمُكَابرة، بل يكون بناء على وجود قيد مناسب غير حاصل في صورة النَّقض، ثم ذلك القيد إِما أن يكون جليًّا أو خفيًّا.
فالجلي مثل: النَّبَّاش آخذ لِنِصَابٍ تام من حِرْز مثله عدوانًا، فيكون سارقًا، فإِن نقض بما إِذا سرق الكَفَن من قبر في حِيَازة، حيث لا يجب القَطْع على الأصح.
قلنا: ليس ذلك في حِرْز مثله.
والخفي إِما أن يكون معناه واحدًا أو متعددًا، إِما بطريق التواطؤ، أو التشكيك، أو الاشتراك، كما ذكرت في "شرح المنهاج".
[قالوا] (١): مثل قصر الصلاة: رُخْصة شرعت للتخفيف، فلا يتحتّم الأخذ بها، كالإِفطار في الصوم، فإن نقض بأكل المَيْتَةِ للمضطر، حيث يجب على الأصح.
قلنا: لم يشرع - حينئذ - للتخفيف، بل للضرورة، وقيام البيِّنة.
والمتعدد بالتواطؤ مثل: يحج عن الميت المستطيع، وإن لم يوص؛ لأنَّهُ حقّ لازم عليه، فيقضي عنه كالدّين، فإن نقض بالصَّلاة والصوم.
قلنا: الحق اللازم مَقُول على المالي وغيره [بالتواطؤ] (٢)، والأول المقصود بالتَّشكيك، مثل: المتولّد بين الظِّبَاء والغنم: حيوان متولد بين ما لا زكاة فيه، وما فيه زكاة، فلا يزكي، كما إذا كانت الأمهات ظباء، فإن نقض بالمتولد بين السَّائمة والمَعْلُوفة من البقر والغنم.
قلنا: ما لا تجب فيه الزكاة مقول بالتَّشْكيك على ما لا تجب فيه بحال، كـ"الظباء"، وما تجب فيه من حيث الجملة كالمَعْلُوفة، وبالاشتراك مثل: جمعِ الطَّلاق
стр. 2105
وَفِي تَمْكِينِ الْمُعْتَرِضِ مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى وُجُودِ الْعِلَّةِ إِذَا مُنِعَ، ثَالِثُهَا: يُمَكَّنُ مَا لَمْ يَكُنْ حُكْمًا شَرْعِيًّا.
وَرَابِعُهَا: مَا لَمْ يَكُنْ طَرِيقٌ أَوْلَى بِالْقَدْحِ.
قَالُوا: لَوْ دَلَّ الْمُسْتَدِلُّ عَلَى وُجُودِ الْعِلَّةِ بِدَلِيلٍ مَوْجُودٍ فِي مَحَلِّ الْنَّقْضِ، ثُمَّ مُنِعَ وُجُودُهَا؛ فَقَالَ الْمُعْتَرِضُ: يَنْتقِضُ دَلِيلكَ - لَمْ يُسْمَعْ؛ لِأَنَّهُ انْتِقَالٌ مِنْ نَقْضِ الْعِلَّةِ إِلَى نَقْضِ دَلِيلِهَا؛ وَفِيهِ نَظَرٌ.
أَمَّا لَوْ قَالَ: يَلْزَمُكَ إِمَّا انْتِقَاضُ دَلِيلِهَا - كَانَ مُتَّجِهًا.
في قُرْء واحد، فلا يكون مبتدعًا كما لو طلقها ثلاثًا في قرءٍ واحدٍ، مع الرَّجعة بين الطّلقتين، فإِن نقض بما لو طلقها ثلاثًا في الحيض.
قلنا: المراد من القرء الطهر.
الشرح: "وفي تمكين المعترض من الدّلالة على وجود العلّة" في صورة النقض "إذا منع" وجودها فيه - كما ذكرناه - مذاهب:
أحدها، وعليه الأكثر، منهم الأمام الرازي وأتباعه: لا؛ لأنَّهُ انتقال من مسألة قبل تمامها إِلى أخرى، وقلب القاعدة بِصَيْرُورَةِ المعترض مستدلا، والمستدلّ معترضًا.
وثانيها: نعم؛ لأن فيه تحقيق النقض، فكان من متمماته.
و"ثالثها: وَيُمَكَّنُ؛ ما لم يكن حكمًا شرعيًّا" حكاه المصنّف، ولم يوجد لغيره.
ووجهه: أن التخلف في الحكم العقلي قادح، فيحصل من تمكينه فائدة، بخلَاف الشرعي؛ لجواز أن يكون التخلف لوجود مانع، أو فوات شرط، وقُصَارى المعترض إِثبات الوصف، ثم لا يجديه؛ لأن التخلف لذلك لا يقدح في العلل الشرعية عند الجمهور.
"ورابعها": قاله الآمدي أنه يمكن "ما لم يكن" للمعترض "دليل أولى بالقدح" من النقض، فإِن أمكنه القَدْح بطريق آخر هو أفضى إلى المقصود فلا، وقد ملت إِلى هذا في "شرح المنهاج".
والمختار - عندي الآن - قول الأكثرين.
الشرح: "قالوا" يعني: الجَدَليين جميعًا، و"لو دلّ المستدل على وجود العلّة" في محلّ التعليل "بدليل موجود في محلّ النقض، ثم منع" بعد ذلك "وجودها" في صورة
стр. 2106
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النقض، "فقال المعترض: ينتقض دليلك" على العلة، "لم يسمع" منه هذا الاعتراض؛ "لأنَّهُ انتقال من نقض العلّة" نفسها "إلى [نقض] (١) دليلها".
مثاله: قول الحنفي في مسألة التَّبْييت: أتى بمُسَمَّى الصوم، فصح كما في النفل، واستدلّ على وجود الصوم بالإِمساك مع النية، فنقول: العلّة منتقضة بما إِذا نوى بعد الزوال، فيقول: لا نسلم وجود العلة فيه، فنقول: ينتقض دليلك الذي استدللت به على وجود العلّة في محل التعليل.
قال المصنف: "وفيه نظر"؛ لأن المعترض في مكان دفع العلّة، [فليمكن] (٢) له بالقَدْح فيها تارة، وفي دليلها أخرى، ولا يكون انتقالًا ممنوعًا. "أما لو قال" المعترض ابتداء - بعد أن دلّ المستدل بالدليل الموجود في صورة النقض -: "يلزمك إما انتقاض علّتك" إن اعتقدت وجوب الصوم في صورة الناقض، "أو انتقاض دليلها" إن لم تعتقد، "كان متجهًا".
الضرب الثاني: منع تخلّف الحكم في صورة النقض، بأن يكون الحكم ثابتًا فيها [جزمًا] (٣) على رأي المستدل إِن كان مجتهدًا، أو إِمامه إن كان مقلدًا، أو على الصحيح في مذهبه، أو على وجه اقتضى رأيه في مجلس المُنَاظرة التزامه، والتخلّف قد يكون ظاهرًا، وهو واضح، وقد يكون خفيًّا.
والخفي إِما تحقيقي أو تقديري، فالتَّحْقيقي فيما يحرم فيه بالمنع، مثل: السَّلَم عقد معاوضة، فلا يشترط فيه التَّأجيل كالبيع، فإِن نقض بالإِجارة قلنا: الأجل ليس شرطًا لصحة عقد الإِجارة، وإِنما جاء فيها لتقرير المعقود عليه، وهو الانتفاع بالعَيْنِ، وعلى وجه مثل: ثيّب صغيرة، فلا يجوز إجْبَارها كالبالغ، فينتقض بالثيب المجنونة، حيث لا يجوز تزويجها في الأَصَحّ، فيمنعه، وهو وجه في المذهب.
والتقديري مثل: رقّ الأم علّة رق الولد، فينتقض بولد المَغْرُور بحريّة الجارية، فإِن رقّ الأم موجود مع انعقاد الولد حرًّا، فنقول: رقّ الولد مقدر الوجود؛ إِذ لو لم يقدر لم تجب قيمته، فإن الحر لا قيمة له، ولذلك حكي وجه: أنه ينعقد رقيقًا، ثم يعتق على
стр. 2107
وَلَوْ مَنَعَ الْمُسْتَدِلُّ تَخَلُّفَ الْحُكْمِ فَفِي تَمْكِينِ الْمُعْتَرِضِ مِنَ الْدِّلَالَةِ.
"ثَالِثُهَا: يُمَكَّنُ مَا لَمْ يَكُنْ طَرِيقٌ أَوْلَى.
وَالْمُخْتَارُ: لَا يَجِبُ الاِحْتِرَازُ مِنَ النَّقْضِ.
وَثَالِثُهَا: إِلَّا فِي الْمُسْتَثْنَيَاتِ.
لنَا: أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الدَّلِيلِ، وَانْتِفَاءُ الْمُعَارضِ لَيْسَ مِنْهُ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ وَارِدٌ وَإِنِ احْتَرَزَ اتِّفَاقًا.
المغرور، حكاه الرَّافعي في كتاب "العتق"، وجزم في "النِّكَاح" بخلافه.
وهل للمستدلّ منع التخلّف في الصورة التي لا يعرف في مذهبه نقلًا فيها؟.
قال القاضي أبو الطيب: لا.
وقال تلميذه الشيخ أبو إِسحاق: نعم، ومثل له بقول الحنفي: يجب على القَارِنِ إِذا قتل صيدًا جزاءان؛ لأنَّهُ أدخل النقض على إِحرام الحُجّ والعُمْرة، فكان كمن أحرم بالحج فقتل صيدًا، ثم بالعُمْرة فقتل صيدًا، فينتقض بما إِذا أحرم المتمتع بالعمرة، فجرح صيدًا، ثم بالحج فجرحه ثم مات، فمِانه أدخل النقض على الحج والعمرة، ولا يلزمه جزاءان، فيقول المخالف: لا أعرف في هذا نصًّا.
الشرح: "و" اعلم أنه "لو منع المستدلّ تخلّف الحكم" حيث يجوز له ذلك، "ففي تمكين المعترض من الدّلالة" على التخلّف مذاهب:
الشرح: "ثالثها: التمكين ما لم يكن" للمعترض "طريق" إِلى القدح "أولى" من النَّقض، "والمختار" عند المصنّف من أقوال: أنه "لا يجب" على المستدلّ "الاحتراز" في دليله "عن النقض" وثانيها: الوجوب، وهو الصحيح عندي.
الشرح: "وثالثها": أنه يجب "إِلَّا في" الصور "المستثنيات" كالعَرَايا.
واحتج لمختاره فقال: "لنا: أنه سئل عن الدليل"، وهذا حق، قال: "انتفاء المعارض ليس منه"، وهذا ممنوع.
قال: "وأيضًا، فإنه" لا ينفعه الاحتراز عن صورة النقض؛ إِذ النقض "وارد، وإن احترز" عنه "اتفاقًا" بأن يقول المعترض: هذا وصف طَرْدي، والباقي منتقض؛ وعلى هذا
стр. 2108
وَجَوَابُهُ: ببيانِ مُعَارضٍ اقْتَضَى نَقِيضَ الْحُكْمِ أَوْ خِلَافَهُ لِمَصْلَحَةٍ، كَالْعَرَايَا وَضَرْبِ الدِّيَةِ، أَوْ لِدَفْعِ مَفْسَدَةٍ آكَدَ، كَحِلِّ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ: فَإِنْ كَانَ التَّعْلِيلُ بِظَاهِرٍ عَامٍّ، حُكِمَ بِتَخْصِيصِهِ وَبِتَقْدِيرِ الْمَانِعِ كَمَا تَقَدَّمَ.
الرَّابِعَ عَشَرَ: الْكَسْر، وَهُوَ نَقْضُ الْمَعْنَى، وَالْكَلَامُ فِيهِ كَالنَّقْضِ.
فإِنَّ [القيد] (١) المحترز به كيف يكون طرديًّا، وهو من تمام العلّة؟.
"وجوابه" أي: جواب النَّقض إِذا تحقّق التخلف "ببيان مُعَارض اقتضى نقيض الحكم" كانتفاء الحُكْم، "أو خلافه"، وفي بعض النسخ "لمصلحة"، وليست في أصل المصنّف، ولا لها وجه - أيضًا - فإِن صورة النقض قد تخرج بعيدًا، "كالعَرَايا وضرب الدّية" على العاقلة.
فإِن الأول خرج من قاعدة: امتناع بيع الرطب بالتمر.
والثاني: من أن من لم يجنّ لم يطالب؛ لمعارض، وهو النص الخاص فيهما.
ثم قيل: إنهما معقولا المعنى، وقيل: لا.
"أو" يجاب بأن الحكم انتفى "لدفع مفسدة آكد" من المصلحة، "كحلّ الميتة للمضطر"؛ فإِن حفظ مهجته آكد من اجتناب الميتة.
"فإن كان التعليل" منصوصًا "بظاهر عام"، وقد تخلّف الحكم في صورة النَّقض عنه "حكم بتخصيصه، وتقدير المَانِعِ، كما تقدم" من وِجْدَان معارض اقتضى نقيضه، أو خلافه لا لمعنى يعقل، أو لمعنى، وهو مصلحة، أو دفع مفسدة، أو علم أنه إِذا تحقّق النقض، وهو وِجْدَان الوصف مع تخلّف الحكم، فلا جواب له عند من يراه قادحًا مطلقًا، وهو الحقّ عندنا، وإنما الجواب على المَذَاهب الأُخر فيه، كما سبق.
الشرح: "الرابع عشر: الكسر، وهو نقض المعنى، والكلام فيه كالنقض"، فلا يفيد (٢).
стр. 2109
الْخَامِسَ عَشَرَ: الْمُعَارَضَةُ فِي الأَصْلِ بِمَعْنًى آخَرَ: إِمَّا مُسْتقِلٌّ كَمُعَارَضَةِ الْطَّعْمِ بِالْكَيْلِ، أَو الْقُوتِ، أَوْ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ؛ كَمُعَارَضَةِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ بِالْجَارحِ، وَالْمُخْتَارُ قَبُولُهَا.
لَنَا: لَوْ لَمْ تَكُنْ مَقْبُولَةً، لَمْ يَمْتَنِعِ التَّحَكُّمُ؛ لأَنَّ الْمُدَّعي عِلَّةً لَيْسَ بِأَوْلَى بِالْجُزْئِيَّةِ أَوْ بِالاسْتِقْلَالِ مِنْ وَصْفِ الْمُعَارَضَةِ.
الشرح: "الخامس عشر: المُعَارَضَةُ في الأصل بمعنى آخر" (١) غير المعنى الذي أَبْدَاه المستدل، وهو "إما" معنى "مستقل" بالتعليل "كمعارضة" معنى "الطّعم" إِذا أخذه المستدلّ علة في الربوي "بالكَيْلِ أو القُوت"؛ فإِن كلًّا من الطّعم والكيل والقوت مستقل "أو غير مستقل" بل داخل في العلّة، "كمعارضة القَتْل العَمْد العدوان" في المُثَقّل "بالجارح"؛ فإِن المعترض لا يجعل الجارح مستقلًّا، بل جزءًا من العلة.
وقد اختلف في قبول المُعَارضة، وبناها رادّها على منع التَّعليل بعلّتين. "والمختار قبولها.
لنا: لو لم تكن مقبولةً لم يمتنع التحكم"، وهو التَّرْجيح بلا مرجّح، واللازم باطل، فالملزوم مثله، والملازمة حق؛ "لأن" الوصف "المدعى" كونه "علة ليس بأولى بالجزئية، أو الاستقلال من وصف المعارضة".
стр. 2110
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وتقرير هذا: أن المستدلّ إِذا أبدى علة، فالمعترض تارة يعارض بأخرَى مستقلة، وتارة يبدي ما يزعمه جزءًا، ويقول: إن المستدل أهمل جزء العلّة.
وتارة يعارض بنقيض ما ذكره المستدلّ، ويقول: العلّة بعض ما ذكرت؛ لأنَّهُ مناسب، كما أن كلّ ما ذكرت مناسب، فجعلك الكل هو العلّة دون [البعض] (١) ترجيح بغير مرجّح.
مثال الأول: أن يعتل بالطّعم، فيعارضه بالكيل.
ومثال الثاني: أن يعتل الشَّافعي بالقَتْلِ العَمْدِ العدوان، فيعارضه الحنفي بالجَارِح.
ومثال الثَّالث: أن يعتل الحنفي بالقَتْلِ العمد العدوان بجارح، فيعارضه الشافعي بالقَتْلِ العَمْد العدوان فقط؛ فإِنه على حدته مناسب.
فإِذا قال الحنفي - مثلًا -: لا يجب القِصَاصُ في المُثَقّل؛ لأن العلّة في الوجوب قتل عَمْد عدوان بجارح، والجارح - هنا - منتفٍ، فتنتفي العلّة، وإذا انتفت العلّة انتفى المعلول.
قال الشافعي: لم قلت: إن العلة مجموع ما ذكرت؟ بل بعضه، والجارح زائد، وإِذن فالعلّة موجودة، فيجب القصاص في المُثَقّل، وهذه المعارضة مقبولة في صورها الثلاث؛ لأن الوصف المدعي كونه علّة ليس بأولى بالجزئية إِذا جعله المستدلّ جزءًا، من الاستقلال إِذا عورض به، فليس جعل الحَنَفِي القَتْل العَمْد العدوان جزءًا، أولى من جعل الشَّافعي إِياه مستقلًّا؛ فإِنه مناسب بنفسه، وليس أولى بالاستقلال، إِذا ادّعاه مستقلًّا من الجزئية إذا عورض بها، فليس جعل الشَّافعي القتل العَمْد العدوان مستقلًّا أولى من جعل الحنفي إِياه جزءًا، وليس - أيضًا - أولى بالاستقلال من العلّة التي عورض بها.
وقيل: إنها مستقلة، كالكَيْل إِذا عورض به الطعم.
والحَاصِلُ: أن ما يأتي به المستدلّ مناسب، وما يعارضه به المعترض - أيضًا - مناسب، فليس التمسُّك بأحدهما أولى من عكسه، ولا يخفى عليه أن المعارضة - هنا - ليس المُرَاد بها العلّة المقتضية، بخلاف ما يريده المستدلّ، كما يفهم من الدَّليلين المتعارضين، بل العلّة الصالحة لأن يتعلّق بها في الحكم، كما صلحت علة المستدل، وينشأُ الخلاف
стр. 2111
فَإِنْ رُجِّحَ بِالْتَّوْسِعَةِ، مَنَعَ الدِّلَالَةَ، وَلَوْ سُلِّمَ، عُورِضَ بأَنَّ الأَصْلَ انْتِفَاءُ الأَحْكَامِ وَبِاعْتِبَارِهِمَا مَعًا.
وَأَيْضًا، فَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّ مَبَاحِثَ الصَّحَابَةِ، كَانَتْ جَمْعًا وَفَرْقًا.
قَالُوا: اسْتِقْلَالُهُمَا بِالْمُنَاسَبَةِ يَسْتَلْزِمُ التَّعَدُدَ.
قُلْنَا: تَحَكُّمٌ بَاطِلٌ، كمَا لَوْ أَعْطَى قَرِيبًا عَالِمًا.
عنهما في الفرع، لا في الأصل، فمِاذا اتفقا - مثلًا - على أن البُرّز ربوي، واعتلّ أحدهما بالطعم وبين وجه مناسبته، كان للمعترض أن يقول: لم لا تعلقت بالكيل وهو - أيضًا - مناسب وتبين ذلك؟! وإِذا لَاحَتْ مناسبتها، وَضَح أنّ التعليق بأحدهما، وترك الآخَر تحكم. هذا ما فهمته من عبارة الكتاب، وهي قَلِقَةٌ عاصية.
الشرح: "فإن رجح" استقلال وصف المستدلّ إِذا ادّعاه مستقلًّا "بالتوسعة" في الأحكام "منع الدلالة" دلالة التوسعة على الأَرْجَحِيّة؛ فإِن العلة لا ترجح بكثرة فروعها عند المحققين.
"ولو سلم، عورض بأن الأَصْل انتفاء الأحكام"، فالجزئية جاريةٌ على الأصل، فيتعارضان.
"و" عورض - أيضًا - "باعتبارهما معًا" أي: اعتبار وصفي المستدلّ والمعترض، فإِن اعتبارهما معًا أولى من إِلغاء أحدهما؛ لأنَّهُ جمع بين دليلين.
"وأيضًا، فلما ثبت" أي: وتقبل المُعَارضة - أيضًا - لما ثبت من "أن مباحث الصَّحابة كانت جمعًا" بين مفترقين، "وفرقًا" بين مجتمعين، ومن نظر في آثارهم وجد الكَثِيرَ من ذلك، وما ذلك إلا بتعميم بعضيّة وصف، وتخصيص بعضية آخر، وهو إِجماع منهم على إِبداء وصف فارق وقَبُوله، وهو المراد.
والمانعون من قبول المُعَارضة "قالوا": لو قبلت، لزم "استقلالها بالمناسبة"، وذلك "يستلزم" تعدّد العلل على معلول واحد، وهو باطل، وإنما استلزام "التعدد"؛ لأنّ العلة إِذا قبلت من المُعَارض بها، صارت في الرّبوي - مثلًا - الطّعم الذي ذكره المستدلّ، والكيل أو القوت الذي ذكره المُعَارض، وفي القِصَاصِ القتل العَمْد العدوان فقط، والقَتْل العَمْدْ العدوان بجارح؛ وتظهر فائدة هذا حالة انتفاء الجَارحِ، فإِن القصاص يثبت لأن غاية الأمر انتفاء العلّة المركّبة من الجارح وغيرة، وثم علّة أخرى، فيتعلّق بها.
стр. 2112
وَفِي لُزُومِ بيَانِ نَفْي الْوَصْفِ عَنِ الْفَرْعِ:
ثَالِثُهَا: إِنْ صَرَّحَ، لَزِمَ.
لَنَا: أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُصَرِّحْ فَقَدْ أَتَى بِمَا لَيْسَ يَنْتَهِضُ مَعَهُ الدَّلِيل، فَإِنْ صَرَّحَ، لَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِمَا صَرَّحَ.
"قلنا": بل إِسناد الحكم إِلى أحد الوصفين دون المجموع "تحكّم باطل"؛ لتساويهما، "كما لو أعطي قريبًا عالمًا"، فإِن إِسناد الإِعطاء إِلى القرب أو العلم تحكّم لمناسبة كل منهما.
الشرح: "وفي لزوم بيان نفي الوَصْف" أي: في أنه هل يلزم المُعْترض بيان نفي الوَصْف الذي عارض به في الأصل "عن الفرع"؟ مذاهب:
أحدها: اللزوم؛ لتنفعه دعوى التَّعليل به؛ إِذ لولاه لم تَنْتَفِ العلة في الفرع، وإذا لم تنتف العلة في الفرع، ثبت الحكم فيه، وحصل مطلوب المستدل.
وثانيها: لا يلزمه؛ لأن غرضه هدم ما ادعاه المستدلّ [علة] (١)، وهذا القدر يحصل بمجرد إبدائه.
و"ثالثها"، وهو المختار: "إن صرح" المعترض بالفرق بين الأصل والفرع "لزم" المعترض النفي، وذلك كما لو قال: لا يلزم مما ذكرت ثبوت الحُكْم في الفرع؛ لوجود الفرق بينه وبين الأصل، وإلا فلا.
"ولنا: أنه إِذا لم يصرح" بالفرق، "فقد أتى" المعترض "بما لا ينتهض معه الدليل" الذي أبْدَاه المستدلّ، فلا يلزمه بيانه؛ لأن غرضه عدم انْتِهَاض الدَّليل، لا بيان الفرق، حتَّى لو ثبت مَطْلُوب المستدلّ بدليل آخر، لم يكن إِلزامًا له، "فإن صرح" بالفَرْقِ "لزمه الوفاء بما صرح" [لالتزامه] (٢)؛ فإن من التزم أمرًا - وإن لم يجب عليه ابتداء - جرى على قضية التزامه.
стр. 2113
وَالْمُخْتَارُ: أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى أَصْلٍ؛ لِأَنَّ حَاصِلَهُ نَفْيُ الْحُكْمِ؛ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ، أَوْ صَدُّ الْمُسْتَدِلِّ عَنِ التَّعْلِيلِ بِذَلِكَ.
وَأَيْضًا، فَأَصْلُ الْمُسْتَدِلِّ أَصْلُه، وَجَوَابُ الْمُعَارَضَةِ: إِمَّا بِمَنْعِ وُجُودِ الْوَصْفِ.
أَوِ الْمُطَالَبَةِ بِتَأْثِيرِهِ إِنْ كَانَ مُثْبِتًا بِالْمُنَاسَبَةِ أَوْ الشَّبَهِ، لَا بِالسَّبْرِ.
الشرح: "والمختار: أن" المعترض "لا يحتاج إِلى أصل"، يبين تأثير الوَصْف الذي عارض به، ويشهد له بالاعْتِبَارِ، كما يقول: العلة الطّعم دون القُوتِ، بدليل المِلْحِ، وإنما لا يحتاج، مع أن المناسبة بدون الاقْتِرَانِ لا تدلّ على العلية؛ "لأن حاصله" أي: حاصل سؤال المعارضة أحد أمرين: "نفي الحكم" في الفرع؛ "لعدم العلة"، ويكفيه ألّا يثبت علّيتها، ولا يفتقر إلى إِثبات علّية ما أبداه، "أو صدّ المستدل عن العليل بذلك" الوصف؛ لجواز تأثير هذا، والاحتمال كافٍ، فهو لا يدعي علية ما أَبْدَاه، حتَّى يحتاج إِلى شهادة أصل.
"وأيضًا"، فإن سلم احتياجه إلى أصل، "فأصل المستدل" وهو: البُرّ الذي قاس عليه التّين - مثلًا - "أصله"، ولا يحتاج إِلى أصل آخر، فاِن أصل المستدلّ كما شهد لوصفه يشهد لوصف المعنيين؛ لاشتماله على وصفيهما، فحصلت المُنَاسبة مع الاقتران، فإِن دلَّ البُرّ على كون الطعم علّة؛ لمناسبة الطعم الموجودة فيه المقترنة بشهادة الشرع أنه ربوي، دلّ على كون القوت علّة؛ لمناسبته الموجودة فيه، المقتزنة بشهادة الشَّرْع أنه ربوي.
"وجواب المعارضة" بوجوه: "إما منع وجود الوصف" في الأصل، فنقول - مثلًا - لو عورض بالكيل: لا نسلم أنه مكيل؛ لأن العِبْرَةَ بعادة زمن النَّبِيّ ﷺ وكان إذ ذاك موزونًا.
الشرح: قوله: "أو المُطَالبة بتأثيره إِن كان مثبتًا بالمناسبة أو الشبه، لا بالسَّبْرِ"؛ أي: وللمستدلّ الجواب عن المُعَارضة، بأن يطالب المُعْترض بتأثير الوَصْفِ الذي عارض به، فيقول: لم قلت: إِن ما عارضتني به مؤثر؟.
وليس له المُطَالبة بتأثيره على الإطلاق، بل بشرط أن يكون قد أثبت وصفه الَّذي عورض فيه بالمناسبة أو [الشّبه] (١)، فإِن كان أثبت وصفه بطريقة السَّبر والتقسيم، فليس له
стр. 2114
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أن يطالب المعترض بالتأثير؛ فإِن مجرد الاحتمال كافٍ في دفع السَّبر، فعليه أن يدفعه لتثبت له طريقة التَّقسيم، وقد قدم المصنّف هذا في السَّبْر حيث قال: فإن بين المعترض وصفًا آخر، لزم إِبطاله، فإن كان ادّعى مثلًا، علية الطّعم بقي القوت والكَيْل - مثلًا - فعورض بالوَزْنِ، لم يكن له أن يطالب بتأثير الوَزْنِ، بأن مجرد احتمال كونه علّة يكفي في إِبطال التقسيم، فليدفعه هو ببيان عدم صلاحيته للعلّية.
هذا تقرير كلامه، وبه [يظهر] (١) أنَّ مراده بقوله: إِن كان مثبتًا أن يكون مثبتًا من جهة المستدلّ، وعليه جرى الآمدي، والمصنف في "المنتهى"، لا إن كان مثبتًا من جهة المعترض، كما قرره الشَّارحون؛ فإنه مع مخالفته لصريح كلام المصنّف والآمدي، لا وجه له؛ إِذ المعترض ليست وظيفته الإثبات، بل هَدْم كلام المستدلّ، ونفي ما يثبته، كما ذكر المصنف قريبًا، حيث يقول: لأنّ حاصله نفي الحكم، بل لو أن المعترض أخذ يثبت علّية الوصف الذي عارض به، من غير مُطَالبة المستدلّ، لكان غاصبًا منصب الاستدلال، فلا يسمع، ولذلك يمنع المعترض بمنع وجود الوَصْفِ في الفرع من تقرير ذلك - كما ليأتي في كلام المصنّف - وأيضًا فالمعترض لا يمكنه أن يدعي أنّ وصف المعارضة هو العلّة؛ لأنا إِنما قبلنا المُعَارضة لما يلزم على ردّها من التحكّم؛ فإِنه ليس أحد الوصفين أَوْلَى من الآخَر بالاعتبار من غير مرجّح، فلو كان مدعيًا أن وصفه هو العلة، لكان مدعيَا رُجْحَان وصفه، وهو - حينئذ - تحكّم، فما الذي رجّح وصفه على وصف المستدل، مع أن شاهدهما بالاعتبار واحد؟.
فإن ذكر مرجّحًا من خارج، فذلك أمر آخر ليس من المُعَارضة، وأيضًا فربما كان مقصوده بوصف المُعَارضة أنه مُسَاوٍ لوصف المستدلّ، مع كونه لم [يقل] (٢) به، وإن كان المعتوض يعتقد أن كلًّا منهما لا يصلح، بل ربما اعتقد أن الحكم في المسألة [تعبدي] (٣)، وأراد أن يقابل بعض الأَوْصَاف ببعض؛ ليدرأ الكل، وتثبت له دعوى التعبد.
стр. 2115
أَوْ بِخَفَائِهِ، أَوْ عَدَمِ انْضِبَاطِهِ، أَوْ مَنع ظُهُورِهِ، أَوِ انْضِبَاطِهِ، أَوْ بَيَانِ أَنَّهُ عَدَمُ مُعَارِضٍ فِي الْفَرْعِ؛ مِثْلُ الْمُكْرَهِ عَلَى الْمُخْتَارِ بِجَامِعِ الْقَتْلِ، فَيُعْتَرَضُ بِالطَّوَاعِيَةِ؛ فَيُجِيبُ: بِأَنَّهُ عَدَمُ الإِكْراهِ الْمُنَاسِبُ لِنَقِيضِ الْحُكْمِ، وَذَلِكَ طَرْدٌ، أَوْ يُبيِّنُ كَوْنَهُ مُلْغًى، أَوْ يُبَيِّنُ اسْتِقْلَالَ مَا عَدَاهُ فِي صُورَةٍ بِظَاهِرٍ أَوْ إِجْمَاعٍ؛ مِثْلُ: "لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ" فِي مُعَارَضَةِ الْمَطْعُومِ بِالْكَيْلِ، وَمِثْلُ: "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ" فِي مُعَارَضَةِ التَّبْدِيلِ بِالْكُفْرِ بَعْدَ الإِيمَانِ غَيْرَ مُتَعَرِّضٍ لِلتَّعْمِيمِ.
الشرح: "أو "يجيب المستدلّ على الوصف الذي عورض به "بخفائه، أو عدم انضباطه، أو منع ظهوره"، أو منع "انضباطه"، فلا تثبت علّيته؛ لوجوب كون الوصف ظاهرًا منضبطًا، "أو بيان أنه عدم معارض في الفرع".
أي: ويحصل جواب المعارضة أيضًا بببان أنّ وصف المعارضة ليس وصفًا وجوديًّا، وإنما هو عبارة عن عدم المُعَارض في الفرع، والعَدَم لا يكون علة ولا جزءًا من العلة، كما قدمه المصنّف حيث قال في شروط العلّة: ومنها: ألّا تكون عدمًا في الحكم الثبوتي، وذلك "مثل" قياس "المكره على المختار" في وجوب القِصَاصِ "بجامع القَتْل" العَمْد العدوان، فيعترض المعترض "بالطّواعية"؛ فإنها مناسبة لإِيجاب القصاص، فلا تكون العلّة القَتْل العَمْد العدوان فقط، بل بقيد الاختيار، "فيجيب" المستدلّ عن وصف الطواعية "بأنه عدم الإِكراه المناسب لنقيض الحكم، وذلك" أي: عدم الإِكْرَاه "طرد"، فالإكراه يناسب نقيض الحُكْمِ، وهو عدم القِصَاصِ، فيكون الإِكراه معارضًا في الفرع الذي هو المُكره؛ لكونه يناسب عدم وجوب القِصَاصِ الذي هو نقيض الحكم، فيكون عدم الإِكراه عدم مُعَارض في الفرع، فلا يكون جزء علّة، بل وصفًا طرديًا؛ لأنَّهُ عدم، "أو يبين" المستدلّ من حال الوصف "كونه ملغى" لا مدخل له في العلّية، "أو يبين استقلال ما عداه" من الأوصاف دونه "في صورة" إما "بظاهر" من النصوص، "أو إجماع"، فيمتنع لذلك أن يكون علّة في محلّ التعليل، وإلا لزم إلغاء المستقل واعتبار غيره، "مثل": ما إذا اعتل المستدلّ في الربا بالطعم، فاعترض بالكَيْل، فبين استقلال الطعم بظاهر ما رواه المصنف فيما سلف من قوله ﵊: "لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ"، فيحصل له الجواب، "في معارضة الطّعم بالكَيْل.
ومثل" ما روى البخاري وغيره عن ابن عَبَّاس، أن النَّبِيّ ﷺ قال: "من بَدّلَ دِينَهُ
стр. 2116
وَلَا يَكْفِي إِثْبَاتُ الْحُكْمِ فِي صُورَةٍ دُونَهُ؛ لِجَوَازِ عِلَّةٍ أُخْرَى.
فَاقْتُلُوهُ" (١) إذا ذكرناه في توجيه القَوْلِ الصَّحيح: من أن من بَدَّل دينًا باطلًا بباطل، كالنَّصراني يتهوّد، يقتل أو يسلم.
وقلنا "في" الجواب عن "مُعَارضة التبديل بالكُفْر بعد الإِيمان" العلة: تبديل الكفر بالإِيمان لا مطلق التَّبْديل، فقال المستدلّ: بل مطلق التبديل؛ لظاهر الحديث.
قوله: "غير [متعرض] (٢) للتعميم" - منصوب على الحَالِ - وحاصله: أن هذا إِنما هو في حال كون المستدلّ غير متعرض لتعميم الحُكْمِ، فلو عمم بأن قال: فثبت ربوية كلّ مطعوم، أو اعتبار كلّ تبديل؛ للحديث، لم يسمع؛ لأن ذلك إِثبات للحُكْمِ بالنَّصّ دون القياس، والكلام إِنما هو في القياس، فلو ثبت العموم لَضَاعَ، نعم لا يضره كونه عامًّا إِذا لم [يتعرّض] (٣) للتعميم ولم يستدلّ به، فربّ مستدلّ بالقياس على ما عليه نصّ، ولربما فر المستدلّ - هنا - من الاستدلال بالنَّصّ؛ لأن قضية التعميم منتقضةٌ بدليل: من بَدَّلَ دين الكفر بالإِسلام، فإِنه لا يقتل، ولعل المصنّف إنما أورد مثالين للنَّص؛ لينبه على أنه في أحد المثالين يستدل بالقياس، غير [متعرّض] (٤) للتعميم، مع وجه أنه في الدليل كما في "لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ".
فإن التعميم موجود فيه، ولا نقض عليه؛ إِذ لا مطعوم إلا وهو ربوي عند المعتلّين بالطعم، وفي الثَّانية لا يوجد التعميم في الدليل، مثل حديث التبديل على ما بَيّناه.
الشرح: "ولا يكفي" في بيان استقلال ما عدا وصف المُعَارضة "إثبات الحكم في صورة دونه؛ لجواز" وجود "علّة أخرى" يثبت الحكم في تلك الصورة بها، وإن كان قد ثبت في محل النزاع بوصف المُعَارضة، بناء على جواز التَّعْليل بعلّتين؛ ولأنه لا يلزم من وجود الحكم مع انتفاء العلّة فسادها، بناء على أن العكس غير شرط في العلة.
стр. 2117
وَلذَلِكَ لَوْ أَبْدَى أَمْرًا آخَرَ يَخْلُفُ مَا أَلْغَى، فَسَدَ الإلْغَاء، وَيُسَمَّى تَعَدُّدَ الْوَضْعِ لِتَعَدُّدِ أَصْلَيْهِمَا، مِثْلُ: أَمَانٌ مِنْ مُسْلِمِ عَاقِلٍ، فَيَصِحُّ كَالْحُرِّ؛ لأِنَّهُمَا مَظِنَّتَانِ لإِظْهَارِ مَصَالِحِ الإيمَانِ، فَيَعْتَرِضُ بِالْحُرِّيَةِ؛ فَإِنَّهَا مَظِنَةُ الْفَرَاغِ لِلنَّظَرِ، فَيَكُونُ أكمَلَ، فَيُلْغِيهَا بِالْمَأْذُونِ لَهُ فِي الْقِتَالِ.
فَيَقُولُ: خَلَفَ الإِذْنُ الْحُرِّيَةَ؛ فَإِنَّهَا مَظِنَّةٌ لِبَذْلِ الْوُسْعِ، أَوْ لِعِلْمِ السَّيِّدِ بِصَلَاحِيتِهِ.
فإن قلت: قد قدم المصنف في السَّبر والتقسيم - أن من [طرق] (١) الحَذْف الإِلغاء، وهو بيان ثبوت الحكم بالمُسْتبقى فقط، وهذا يقتضي أن ينتفي بإثبات الحكم في صورة دونه هنا.
قلت: ثبوت الحكم في صورة قد يكون مستندًا إِلى العلّة التي ادّعاها المستدل، وهو ما قدمه في السبر والتقسيم، وأشار إليه بقوله: فقط؛ أي: بالوصف المستبقى لا بغيره، "ذا ثبت مستندًا إِليه لا إِلى غيره كفى، ويعرف اسْتناده إِليه بالإِجماع، أو بظاهر من النُّصُوص، كما قدمناه قريبًا، وقد ثبت ولكن لا يعرف اسْتِنَاده إِلى أنه علة، وهو ما ذكره هنا، فلا يكفي لما ذكرناه.
الشرح: "وكذلك لو أبدى أمرًا آخر"؛ أي: لو أنّ المعترض أورد أمرًا آخر "يخلف ما ألغي"؛ أي: يخلف الوصف الذي ألْغَاه المستدل، ويقوم مقامه "فسد الإِلغاء" إِلغاء الوصف المعارض به. وفي قولنا: فسد الإلغاء، تجوز ولطيفة، أما التجوّز؛ فلأن الوصف الذي أفسدناه بالإِلغاء هو الفاسد، وأتى المعترض بخلفه، فالإِلغاء صحيح، والمَلْغى هو الفاسد، ولكن المعترض لما لم يكن له مقصد في إِثبات وصف بخصوصه؛ لأنَّهُ ليس مثبتًا، ولا مدعيًا، ولا وظيفته ذلك - كما عرفناك - عبرنا بفساد الإِلغاء؛ ليعلم أن المراد فساد غرض المعترض من المعارضة بصحّة إِلغاء ما أَبْدَاه، فإذا أتى ببدله، فسد هذا الإِلغاء الذي هو وارد على غرض المعترض من هَدْم قاعدة المستدلّ، وإن لم يتضمّن إثباته، لخلف الوصف إفساد ذلك الوصف الأول، بل تضمن إِثباته بالخلف اعترافه بفساده، وفي الحقيقة الذي فسد أولًا
стр. 2118
وَجَوَابُهُ: الإِلْغَاءُ إِلَّا أَنْ يَقِفَ أَحَدُهُمَا، وَلَا يُفِيدُ الإِلْغَاءُ لِضَعْفِ الْمَعْنَى مَعَ تَسْلِيمِ الْمَظِنَّةِ، كَمَا لَوِ اعْتُرِضَ فِي الرِّدَّةِ بِالرُّجُولِيَّةِ؛ فَإِنَّهَا مَظِنَّةُ الإِقْدَامِ عَلَى الْقِتَالِ، فَيُلْغِيهَا بِالْمَقْطُوع الْيَدَيْنِ، وَلَا يَكْفِي رُجْحَانُ الْمُعَيَّنِ وَلَا كَوْنُهُ مُتَعَدِّيًا؛ لاِحْتِمَالِ الْجُزْئِيَّةِ فَيَجِئُ التَّحَكُّم، وَالصَّحِيحُ: جَوَازُ تَعَدُّدِ الأُصُولِ لِقُوَّةِ الظَّنِّ بِهِ، وَفِي جَوَازِ اقْتِصَارِ الْمُعَارَضَةِ عَلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ قَوْلَانِ، وَعَلَي الْجَمِيعِ فِي جَوَازِ اقْتِصَارِ الْمُسْتَدِلِّ عَلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ قَوْلَانِ.
وصف المُعَارضة، ثم لم ينهض جانب المُعْترض بإِبدائه الخلف، لا بتصحيحه ما أفسد، فهذا هو السر في قولنا: فسد الإِلغاء، وهو اللَّطِيفة التي أشرنا إِليها، ولو قال: زالت فائدة الإِلغاء، كان أولى.
"ويسمى" فساد الإِلغاء بالوجه المذكور "تعدّد الوضع؛ لتعدّد أصلها"؛ أي: أصلي العلّة، لأنها تعددت بأصلين؛ لأن المعترض أورد الوصف، فلما ألغي، عوضه بآخر وصار معللًا بكل منهما على وضع؛ أي: مع قيد، [فإن] (١) شئت فاجعل الضَّمير في: "أصلها" عائدًا على المُعَارضة، لتعدد أصل المعارضة؛ لأنها تعدّدت بأمرين، وهما الوَصْفَان اللَّذان أوردهما.
"مثل" قولنا - مستدلين فيما إِذا أمّن العبد حربيًّا -: "أمان من مسلم عاقل، فيصح، كالحر؛ لأنهما" أي: الإسلام والعقل "مظنّتان لأظهار مصالح الإيمان"، فيظهر أن الأمان الصَّادر من المسلم العاقل مصلحة، فيعتبر، "فيعترض" المعترض "بالحريّة" مدعيًا أنها جزء العلّة.
فالعلة: أمان المُسْلم العاقل الحر، لا المسلم العاقل فقط؛ "فإنها أي: الحرية "مظنّة الفراغ للنظري في وجوه المَصْلَحة، والعبد مَشْغُول بخدمة مولاه، "فيكون" النظر بها "أكمل"، فلا يجوز قياس العَبْد على الحر لذلك، "فيلغيها" المستدل "بالمأذون له في القتال"؛ فإن الحنفية وافقوا على صحّة أمانه، "فيقول" المعترض: "خلف الإذن الحرية" في صورة المأذون، "فإنه" أي: الإِذن "مظنّة لبذل الوسع" في النظر؛ إِذ لا شاغل له بعده عن النَّظَرِ، "أو لعلم السَّيد بصلاحيته" للأمان، وإلا لم يأذن له.
стр. 2119
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"وجوابه: الإلغاء"، إلغاء الوصف الذي جعله المعترض خلفًا للإلغاء، فإن أبدى وصفًا آخر، كان جوابه الإلغاء أيضًا، وهكذا "إلى أن يقف أحدهما"، إما المستدل؛ لعجزه عن الإلغاء، أو المعترض؛ لعَجْزِهِ عن ثبوت غرضه، فينقطع، وفي هذا المقام تظهر الرِّجال، ويبين فُرْسَان الجدال.
"ولا يفيد" المستدلّ "الإِلغاء" إلغاء الوصف المُعَارض به في الأصل "بضعف المعنى"؛ أي: ببيان أن المعنى فيه ضعيف، مع تسليم وجود "المظنّة، كما لو اعترض في الرّدة" من لا يقتل المرأة "بالرّجولية"، وزعمها جزء العلّة في قتل المرتدّ، "فإنه" أي: وصف الرُّجُوليَّةِ "مظنّة الإقدام على القتال، فيلغيها بالمقطوع اليَدَيْنِ"؛ فإن الرّجولية فيه ضعيفة، مع أنه يقتل اتفاقًا، وإنما لم يفده؛ لأنَّهُ لما سلم كونها مظنّة، لم يضرّه ضعفها في صورة، كالسَّفر لما كان مظنّة المَشَقّة، ثبت الحكم على وفقه في المُسَافر المترفه.
"ولا يكفي" في جواب المعارضة "رُجْحَان" الوصف "المعيّن" الذي أَبْدَاه المستدلّ على المعارض به بجهة من جِهَاتِ الترجيح، "ولا كونه متعديًا" إِذا كان وصف المعترض قاصرًا، خلافًا لزاعمي ذلك.
وإنما قلنا: لا يكفي "لاحتمال الجزئية"؛ أي: احتمال كونه جزء علّة، وبعضُ أجزاء العلّة يجوز أن يترجح على بعض، كما في القَتْل العَمْد العدوان؛ فإِن القتل أولى من الأخيرين، وكذا المُتَعَدّى إن ترجّح بالتَّوْسعة، ترجّح القاصرة بموافقة الأصل، ولو سلم الرُّجْحَان، لم يلزم أن يكون مستقلًا؛ لاحتمال أن يكون القاصر جزءًا، وإذا احتمل كون وصف المُعَارضة جزءًا، "فيجيء التحكّم" بتقدير الحكم باستقلال وصف المستدل، دون وصف المعترض.
"والصحيح: جواز تعدد الأصول"، أصول المستدلّ المقيس عليها "لقوة الظَّن به"؛ خلافًا لمن منعه، معتلًّا بأنه يلزم منه التَّشْريع مع حصول المقصود بواحد.
"وفي جواز اقتصار المُعَارضة" في الأصل "على أصل واحد" إِذا أبدى المستدل أصولًا - وقلنا: بأنه صحيح - "قولان":
أحدهما: الجواز؛ لأن المستدلّ قصد إِلحاق الفرع بجميع الأصول، فإِذا فرق المعترض بين الفرع، وأصل من الأصول، فقد تم مقصوده من إِبطال غرض المستدلّ.
стр. 2120
السَّادِسَ عَشَر: الترْكِيبُ ؛ تَقَدَّمَ.
السَّابِعَ عَشَرَ:
التَّعْدِيَة، وَتَمْثِيلُهَا فِي إِجْبَارِ الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ: بِكْرٌ، فَجَازَ إِجْبَارُهَا كَالْبِكْرِ الصَّغِيرَةِ، فَيُعَارَضُ بِالصِّغَرِ، وَيُعَدِّيهِ إِلَى الثَّيِّبِ الصَّغِيرَةِ، [وَ] يَرْجِعُ بِهِ إِلَى الْمُعَارَضَةِ فِي الأَصْلِ.
والثاني: عدم الجواز؛ لأنَّهُ إِذا عارض في بعضها، يبقى ما لم يعارض فيه صحيحًا، وقصد المستدلّ يحصل به.
"وعلى" القول بوجوب المُعَارضة في "الجميع، [ففي] (١) جواز اقْتِصَار المستدلّ" في الجواب "على أصل وَاحِدٍ قولان".
أحدهما: الجواز؛ لحصول المطلوب به.
والثاني: المنع؛ لأنَّهُ التزم الجَمِيع، فلزمه الدفاع عنه، واعلم أنا سنذكر في الفَرْق قولًا يتصل بما أوردناه في المُعَارضة، وينضم إليه.
الشرح: الاعتراض: "السَّادس عشر: التركيب"، وقد "تقدّم" في شروط حكم الأصل (٢).
الشرح: "السَّابع عشر: التعدية" (٣) وهو: أن يعارض في الأصل، ثم يقول للمستدلّ: علّتي تؤدّي إلى فرع مختلف فيه، كما أن علّتك تؤدّي إلى فرع مختلف فيه، فليس إِحداهما أولى من الأخرى.
"ويمثلها" قولنا: في [إِجبار] (٤) البِكْرِ البالغ: بكر، فجاز إِجبارها، كالبكر الصغيرة، فيعارض بالصغر"، ويقول: أنت استنبطت من الأَصْل: أن البَكَارة علّة، وأنا استنبطت: الصِّغَر، فقد تساوت الأقدام في الأصل، فإِن تعدت البَكَارة إِلى البالغ، فالصغر "مُتعَدٍّ إِلى [الثَّيِّبِ] (٥) الصغيرة".
стр. 2121
الثَّامِنَ عَشَرَ: مَنع وُجُودِهِ فِى الْفَرْعِ مثْلُ: "أَمَانٌ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ [فِي مَحَلِّهِ] " كَالْمَأْذُونِ، فَيَمْنَعُ الأَهْلِيَّةَ.
وَجَوَابُهُ: بِبيَانِ وُجُودِ مَا عَنَاهُ بِالأَهْلِيَّةِ كَجَوَابِ مَنْعِهِ فِي الأَصْلِ، وَالصَّحِيحُ مَنْعُ السَّائِلِ مِنْ تَقْرِيرِهِ؛ لأِنَّ الْمُسْتَدِلَّ مُدَّعٍ؛ فَعَلَيْهِ إِثْبَاتُهُ؛ لِئَلَّا يَنْتَشِرَ.
التَّاسِعَ عَشَرَ:
"و" هذا السؤال "يرجع إِلى" سؤال "المعارضة في الأصل"، مع زيادة التعرض للتساوي في التعدية، دفعًا لترجيح المتعيّن بالتعدية؛ فلا يكون سؤالًا آخر.
الشرح: "الثامن عشر: منع وجوده"؛ أي: وجود الوَصْف المعلل به "في الفرع، مثل" قولنا في أمان العَبْدِ: "أمان صدر من أهله"، فيصح "كالمأذون" له في الحرب، "فيمنع الأهلية.
وجوابه: ببيان وجود مَا عَنَاهُ بالأهلية"، ثم بيان وجوده في الفَرْع، لحس أو عقل، أو شرع" [كجواب] (١) منعه في الأصل"، وقد مَرّ في منع وجوده في الأَصل، فنقول: المراد بـ"الأَهْلِيَّة كونه مظتة لرعاية مصلحة الأمان، وهو بإسلامه وبلوغه كذلك عقلًا.
"والصحيح: منع السائل" أي المعترض "من تقريره" الجزئية، يعني: الأَهْلِيّة توصلًا إِلى عدم وجود الوصف في الفرع؛ "لأن المستدلّ مدع" وجودها، فوظيفته إِثبات ما ادّعاه، "فعليه إِثباته؛ لئلا ينتشر" الجِدَال، كذا بخطّ المصنّف، وظاهره أنها علة واحدة لوجوب الإثبات.
وفي "المنتهى": لأن المستدلّ مدع، فعليه إِثباته، ولأنه ينتشر، والذي يظهر أن علة وجوب إِثباته على المستدلّ ادعاؤه، وعلية منع المعترض من إِثباته الانتشار، فهما علّتان لحكمين مختلفين.
الشرح: "التاسع عشر: المُعَارضة في الفَرْعِ بما يقتضي نقيض الحكم" (٢) فيه، بان يقول: ما ذكرت من الوصف، وإن اقتضى ثبوت الحكم في الفَرْعِ، فعندي وصف آخر
стр. 2122
الْمُعَارَضَةُ فِي الْفَرْعِ بِمَا يَقْتَضِي نَقِيضَ الحُكْمِ عَلَى نَحْوِ طُرُقِ إِثْبَاتِ العِلَّةِ.
وَالْمُخْتَارُ: قَبُولُهُ؛ لِئَلَّا تَخْتَلَّ فَائِدَةُ الْمُنَاظَرَةِ.
قَالُوا: فِيهِ قَلْبُ التَّنَاظُرِ.
وَرُدَّ: بِأَنَّ الْقَصْدَ الْهَدْمُ.
وَجَوَابُهُ: بِمَا يُعْتَرَضُ بِهِ عَلَى الْمُسْتَدِلِّ، وَالْمُخْتَارُ، قَبُولُ التَّرْجِيحِ أَيْضًا: فَيَتَعَيَّنُ الْعَمَل، وَهُوَ الْمَقْصُودُ.
وَالْمُخْتَارُ: لَا يَجِبُ الإيمَاءُ إِلَى التَّرْجِيح فِي الدَّلِيلِ؛ لِأَنَّهُ خَارجٌ عَنْه، وَتَوَقُّفُ الْعَمَلِ عَلَيْهِ مِنْ تَوَابعِ وُرُودِ الْمُعَارَضَةِ لِدَفْعِهَا، لَا أَنَّهُ مِنْهُ.
يقتضي نقيضه فيتوقف دليلك، وهو المعنى بـ"المعارضة" إِذا أطلقت، ولا بد من بنائه على أصل بجامع يثبت علّيته، وله الاسْتِدْلَال في إِثبات علّيته بما يشاء من المسالك "على نحو طرق إِثبات" المستدلّ "العلة"، فيصير هو مستدلًّا، والمستدل معترضًا، فتنقلب الوَظِيفَتَانِ، وقد اختلف فيه.
"والمختار: قبوله؛ لئلا تختل فائدة المُنَاظرة"، وهي: ثبوت الحكم؛ لأنَّهُ لا يتحقق بمجرد الدليل، ما لم يسلم عن المعارض.
والمانعون من القَبُول "قالوا: فيه قلب التناظر"؛ إذ يصير المعترض مستدلًّا وبالعكس.
"ورد: بأن القَصْد" من استدلال المُعْترض "الهدم" لا إِثبات ما يقتضيه دليله، فكأنه يقول: دليلك قاصر عن إِفادة مدّعاك؛ لقيام المُعَارض، وهكذا دليلي، فعليك إِبطاله ليسلم دليلك، وحينئذٍ لم يلزم صَيْرُورته مستدلًّا، وإن تصور بصورة المستدل، وكيف يصير مستدلًّا قاصدًا إِثبات ما يقتضيه دليله، مع اعترافه بأنه معارض؟
والمعارضة من الطرفين، وكل يبطل الآخَر.
مثاله: المسح رُكْن في الوضوء، فيسنّ تثليثه كالوجه، فيعارض قائلًا: مسحٌ، فلا يُسَنّ تثليثه، كالمسح على الخفين.
"وجوابه": أن يقدح فيه المستدلّ "بما يعترض به" المعترض "على المستدلّ" لو قدر المستدلّ متمسكًا به؛ لأن المعترض صار مستدلًّا وبالعكس.
стр. 2123
الْعِشْرُونَ: الْفَرْقُ، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى إِحْدَى الْمُعَارَضَتَيْنِ، وَإلَيْهِمَا مَعًا عَلَى قَوْلٍ.
فالجواب: فإِن عجز عن القدح، فقد اختلفوا في جواز دفعه بالترجيح.
"والمختار" وبه جزم أكثر أصحابنا: "قبول الترجيح أيضًا، فيتعين العمل" به ترجيحًا للراجح على المرجوح، "وهو المقصود".
"والمختار": أنه "لا يجب" على المستدلّ "الإِيماء إِلى التَّرْجيح في الدليل؛ لأنَّهُ" أي: الترجيح "خارج عنه"؛ أي: عن الدَّليل، والمستدلّ مطالب بالدليل فقط، "وتوقف العمل" بالدليل "عليه" أي: على التَّرْجيح إِنما كان لأنَّهُ "من توابع ورود المُعَارضة لدفعها، لا أنه" جزء "منه" أي: من الدَّليل، وإِذا لم يكن جزءًا من الدَّليل، يكون ذكره فيه حشوًا عريًّا عن الفائدة، فليجتنب ذكره إِلَّا عند الاحتياج إِليه، وهو وقت إِبداء المعارض.
الشرح: الاعتراض "العشرون: الفرق" بين الأصل والفرع (١)، وهو [راجع] (٢) إِلى إِحدى المُعَارضتين" إما في الأصل، وإِما في الفرع، "أو إليهما معًا على قول" لبعضهم.
وقيل: إنما هو مُعَارضة علة الأصل بعلّة معدومة في الفرع فقط.
مثاله: قول الحنفي في التَّبِيت: صوم عين فيتأدّى بالنية قبل الزَّوال، كالنفل، فيقال: ليس المعنى في الأصل ما ذكرت، بل إِن النفل بنى على السُّهُولة، فجاز بِنِيّة متأخّرة، بخلاف الفرض، وقد عرفت أن المصنف ذكر أن الفرق راجع إِلى إِحدى المعارضتين أو إِليهما؛ أي: فحكمه قبولًا وردًّا يظهر من حكمهما.
стр. 2124
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وذكر إِمام الحرمين: أن الكلام في الفَرْقِ وراء المعارضة، وأنّ خاصته وسرّه فقه يناقض قصد الجمع.
قال: ردّ الفرق لا يرد المعارضة، بل خاصته الفرق.
وقد اختلف في قَبول الفَرْق، فمنهم من قبله، وزعمه من أرفع الأسئلة.
قال الشيخ أبو إسحاق في "الملخص": إنه أفقه شيء يجرى في النَّظر، وبه يعرف فقه المسألة.
ومنهم من رَدّه.
قال ابن السَّمْعَاني: هو عند المحققين أضعف سؤال يذكر، وليس مما يمس العلّة التي نصبها المعلل بوجه ما.
وذكر إمام الحرمين: أنَّ الصحيح الذي ارْتَضَاه كل منهم: أن التحقيق قبوله؛ لأن شرط صحّة علة الخَصْم خلوّها عن المعارضة.
قال: وحقيقة هذا الكلام أنَّ المعلل لا يستقرّ كلامه ما لم يبطل بمسلك السَّبر كل ما عدا علّته، مما يقدر التعليل به، فإذا علل ولم يسبر، فعورض بمعنى في الأصل، فكأنه طُولِبَ بالوفاء بالسَّبر، ثم ذكر أنه راجع إلى منع التعليل بعلّتين.
وذكر أن القاضي استدلّ على قبوله، بأنَّ السلف كانوا يجمعون، ويفرقون، ويتعلّقون بالفرق كما يتعلّقون بالجمع، كما في قصّة الجارية المُومِسَةِ التي أجهضت الجنين، وقد أرسل إليها عمر بن الخَطّاب ﵁ يهدّدها، فإن عمر استشار الصحابة ﵃ في ذلك، فقال عبد الرحمن بن عوف: إنما أنت مؤدّب، ولا أرى عليك شيئًا.
وقال علي: إن لم يجتهد فقد غشك، وإن اجتهد فقد أخطأ، أرى عليك الغرّة (١)،
стр. 2125
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فكأن عبد الرحمن بن عوف حاول أن يشبه تأديبه - بالمُبَاحات التي [لا تعقب] (١) ضمانًا، وجعل الجامع أنه فعل ماله أن يفعله، فاعترضه علي، وتشبّث بالفرق، وأبان أنَّ المباحات المضبوطة النِّهَايات ليست كالتَّعْزِيرَات التي يجب الوقوف عليها، دون ما يؤدّي إلى الإتلاف، قال: ولو تتبعنا معظم ما يخوض فيه الصَّحَابة، وجدناه كذلك.
وقد بالغ ابن السَّمْعاني في الرد على الإمام في هذا الكلام، وحكى مجموع كلامه وقال: قوله: شرط صحّة العلّة خلوّها عن المعارضة، ليس بشيء؛ لأنّ المعارضة إنما تقدح في حكمين مُتَضَادين.
أما إذا ذكرت علّتان بحكم واحد، فلا تقدح، ولا تسمّى معارضة.
وقوله: لا يصحّ تعليل المعلل ما لم يبطل كلًّا ما عدا علّته، فيقال له: من قال هذا؟ ولأي معنى يجب؟
وإنما يجب عليه أن يذكر علّة مخيلة في الحكم مناسبة له، ثم إذا وجد فرعًا ألحقه بالأصل الذي استنبط منه العلّة.
وأما السبر والتقسيم وإبطال ما عدا الوصف الذي ذكره، فليس بشيء.
قال: وقد نسب هذا إلى أبي بكر بن البَاقِلَّاني، قال: ومن كلف المعلل هذا، ورام تصحيح العلّة بهذا الطريق، فقد أعلمنا من نفسه أن الفِقْهَ ليس من بابه، ولا من شأنه، وأنه دخيل فيه، مدّع له، قال: وقد بَيّنا بُطْلَان طريق السَّبر، قال: وقوله: إنه التزم ذلك، ليس كذلك، فأين في تعليل المُعَلّل التزام إبطال كلّ علّة سوى علّته؟ فهذا من التُّرَّهَات والخُرَافات، وكذلك قول من يقول: إن تعليل الأصل بعلّتين لا يجوز.
قلت: وأنت ترى النِّزَاع بين ابن السَّمْعَاني والإمام في هذا راجع إلى نزاعهما في التعليل بعلّتين، فإذا استتب للإمام منع ذلك، ظهر كل ما ادَّعَاه، ولم يتوجّه كلام ابن السَّمْعَاني عليه، والإمام مصرح بأن ذلك مبني على منع التعليل بعلتين.
ثم قال ابن السَّمْعَاني: وأما الذي حكاه عن ابن البَاقِلَّاني، فقد حاول شيئًا بعيدًا؛ لأن
стр. 2126
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الفرق والجمع على الوجه الذي يخوض فيه لم ينقل عن الصَّحابة أصلًا، وإنما كانوا يتتبعون التأثيرات، والذي نقل عن عبد الرحمن بن عوف معنى صحيح، والذي أشار إليه عليّ في معنى الضَّمَان ألطف منه، والمراد من كلامه: أنه وإن كان يباح له التَّأديب، ولكنه مشروط بالسَّلامة؛ لأنَّهُ أمر ليس بِحَتْمٍ، بل يجوز فعله وتركه، فيطلق فعله بشرط السلامة.
قال: فليس هذا الكلام من الفرق والجمع الذي نحن فيه بسبيل، فلا ندري كيف وقع الحال في هذا الخبط من هذا القائل؟
وإن وقع الفرق، فنحن لا ننكر الفَرْق بالمعاني المؤثرة، وترجيح المَعْنَى على المعنى، وإنما الكلام في شيء وراء هذا، وهو أنَّ المعلل إذا ذكر علّة، قام له الدَّليل على صحّتها، ففرق الفارقُ بين الأصْل والفرع بمعنى، فإن كان فرقًا لا يقدح في التأثير الذي لوصف المعلّل في الحكم، فهو فرق صورة، ولا يلتفت إليه، وإن فرق بمعنى مؤثّر في حكم الأصل، فغايته التَّعْليل بعلّتين.
وإن بين الفارق معنى مؤثرًا في التفريق بين الفرع والأصل، فالقادح بيان معنى مؤثّر في الفرع يفيد خلاف الحكم الذي أفاده المَعْنَى الأول، فلا بدّ لهذا من إسناده إلى أصل، وحينئذٍ تكون معارضة، ولا يكون الفرق الذي يقصد بالسؤال، ونحن بَيّنا أن المعارضة قادحة. انتهى.
وأنت تراه كيف لا يجعل المُعَارضة في الفرع فرقًا (١)، فالنزاع فيها معه لفظي، وقد يجوز أن المُعَارضة في الفرع قادحةٌ بلا خلاف، فليسمها ابن السَّمْعَاني بما شاء.
وأما المعارضة في الأصل فهي مَبْنِيّة على التعليل بعلّتين - كما سبق في مكانها - فلا وجه للإطناب فيها بعد تحقّق البناء.
ثم قال الإمام: ولن يتبيّن مدرك الحَق في الفرق إلا بتفصيل نبديه فنقول: ربّ فرق يلحق جمع الجامع بالطَّرد، وإن كان لولاه لكان الجمع فقيهًا، فما كان كذلك فهو مَقْبُول مجمع عليه.
ومن آية هذا التقسيم: أن الفارق يعيد جمع الجامع، ويزيد فيه ما يوضح بطلان أثره.
مثاله: قول الحنفي في مسألة البيع الفاسد: معاوضة جَرَتْ على تَرَاضٍ، فيفيد ملكًا كالصحيحة، فيقول الفارق: المعنى في الأصل جَرَيَانها على وفق الشرع، [فنقلت] (٢) الملك
стр. 2127
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالشَّرْع، بخلاف الفاسدة، فينتهض الكلام إذن، وفي صاحبه بتحقيقه مبطلًا إخالة كلام المعلل وما ادّعاه من إشعاره بالحكم.
ومن خصائصه: إمكان البوح منه بالغرض لا على سبيل الفرق، بل على سبيل المفاقهة، بأن يقول: لا تَعْوِيلَ على التراضي، بل المتبع الشرع في الطرق الناقلة، إلى آخر ذلك، على ما يعرفه الفقيه، ومما يقع مدانيًا لهذا أن الحَنَفي إذا قال: طَهَارة بالماء، فلا تحتاج إلى نِيّة، كإزالة النَّجَاسة، فالفارق [يعيد] (١) كلامه ويزيد قليلًا، ويقول: المعنى في الأصل أنه طَهَارة بالماء عَيْنِيّة، والوضوء طهارة حُكْمِتة، ومقصوده أن يخرم فقه الجامع، ويلحقه بالطَّرد؛ أي: فإن نسبة كونه طَهَارة بالماء إلى إيجاب النية، وعدم إيجابها على السَّواء، وهذا يبين كونه طردًا.
قال: وهذا محطوط عما استشهدنا به، أولًا من جهة أنَّا نرى مَدَار الكلام في هذه المَسْألة على الأشباه، وقد يظنّ الحنفي أن الطَّهَارة بالماء أشبه بالطَّهَارة بالماء، والفارق ليس يدعي مسلكًا فقهيًّا، وإنما يدعي تشبيهًا، وإنما مَثَار النِّزَاع في المسألة الأولى: هل يعتبر اتِّباع التَّرَاضي أو اتباع الشرع؟
فليفهم الفاهم ما يلقى إليه من حقائق الكلام، ومما نجريه - مثلًا - أن المالكي إذا قال: الهبة عَقْد تمليك، فيرتب على صِحَّة الإيجاب والقبول فيها الملك، كالمُعَاوضة.
فإذا قال الفارق: المعاوضة متضمّنها النزول عن المعوض والرِّضا بالعوض، وذلك يحصل بنفس العَقْدِ، والتبرع بدل لا يقابله عوض، فلنشترط فيه الإقباض المشعر بكمال الرِّضا ونهايته، لم يكن هذا الفرق مبطلًا بالكلية فقه الجَمْع، ولكن سرَّه أن الجَامِعَ أبدي الجمع بوصف عام، والفارق يفرق بوجه خاصّ، فإن لم يبطل ما أبْدَاه من خصوص الفرق الفقه في عموم الجمع، فهذا ما ينازع فيه الأصوليون. هذا كلام الإمام.
وحاصله: أن الكلام في الفرق إنما هو حيث لا يكون مبطلًا فقه الجمع، فإن أبطله فقد تبيَّن أن ما ذكر المستدلّ من الجمع ليس بصحيح، فيكون مقبولًا بلا نظر.
ثم قال: إن الفرق إذا أبطل فقه الجمع، فلا شكَّ في كونه اعتراضًا، والفرق والجمع
стр. 2128
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إذا ازدحما على فرع وأصل في محلّ النزاع فالمختار فيه عندنا: اتباع الإخالة، فإن كان الفرق [أخْيل] (١)، بطل الجمع، وإن كان الجمع أخيل سقط الفرق، وإن استويا، أمكن أن يقال: هما كالعلّتين المتناقضتين إذا بنيا على صيغة التساوي، وأمكن أن يقال: إن الجمع مقدم من جهة وقوع الفَرْقِ بعده، غير مناقض له، والجامع يقول: لم ألتزم انْسِدَاد مسالك الفروق.
قال: وحاصل القول في مذاهب الجَدَلِيين يئول إلى ثلاثة مذاهب:
أحدها: ردّ الفرق جملة، ورد المُعَارضة - أيضًا - في الأصل والفرع.
والثاني، وهو منسوب إلى ابن سريج، واختاره الأستاذ أبو إسحاق: أن الفرق ليس بسؤال على حِيَالِهِ واستقلاله.
وأما المعارضة في الفرع فهي مقبولة.
والثالث، وهو الصحيح: أن الفرق مَقْبُول، وليس الغرض منه مُقَابلة علّة الأصل بعلة، وإنما الغرض منه مناقضة الجَمْع، ثم المنقول منه ينقسم إلى ما يبطل فقه الجَمْع، ويلحقه بالطرد، ومنه ما لا يبطل فقه الجمع بالكُلّية، ولكنه يشتمل على فِقْهٍ آخر مناقض لقصد الجامع، ثم ذلك ينقسم إلى زائد في [الإخالة] (٢) على العلّة، وإلى مساوٍ له.
قال: والقول الوجيز ينتظم بفرع وأصل، ومعنى رابط بينهما على شرائط معلومة، والفرق معنى يشتمل على ذكر فرع وأصل، وهما يفترقان [فيه] (٣)، وهذا يقع على نقيض غرض الجمع، ومن ضرورته معارضة الأصل والفرع، ولكن الغرض منه مُضَادّة الجامع بوجه فقهي، أو بوجه شبه، إن كان القياس من فنّ الشّبه.
فعلى هذا لو سمى مسم الفرق "معارضة"، لم يكن بعيدًا، ولكن ليس الغرض منه الإتيان بمُعَارضتين على الطَّرد والعكس، بل فقه ينتظم من مُعَارضتين، يشعر بمفارقة الفَرْعِ
стр. 2129
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأصل على مُنَاقضة الجمع، فهذا سرٌّ الفرق، ومن وفر حظّه من الفِقْهِ، وذاق حقيقته، اسْتبَانَ أن المُعَارضة الكُبْرَى التي عليها مُتَشَاجر الفقهاء هو الفرق والجمع، والجامع - أبدًا - يأتي بما [يخيل اقتضاء] (١) الجَمْع، ويأتي الفارق بأخصّ منه مع الاعتراف بالجمع الذي أَبْدَاهُ الجامع، ويبين الفارق أن الفرع والأصل إذا افترقا في الوجه الخَاصّ، كان الحكم بافتراقهما أوقع من الحُكْمِ باجتماعهما في الوصف، ثم يتجاذب الجامع والفارق أطراف الكلام.
هذا حاصل كلام الإمام، وهو حق، ومختصره أن الفرق قد يعود على الجمع بالإبطال، ويلحقه بالطرد، وذلك لا يردّ، وقد لا يفيد شيئًا، وذلك هو المردود، والنزاع فيما توسط بين هاتين المنزلتين، والمتبع فيه [الإخالة] (٢)،
وقد اعترض عليه بأن ما يلحق جمع الجامع بالطَّرد، ليس مما نحن فيه من الفروق؛ فإنه عند النظر لا يبقى للجامع فقهًا بحال.
وجواب هذا: أن من الجوامع ما يظهر كونه طردًا، كالطول والقصر، وذاك لا رَيْبَ في أنه ليس جامعًا، وهو طردي، وليس الفرق فيه مما نحن فيه، ومنها ما يظهر كونه فقهيًّا، وهو موضع الفرق، ومنها ما يتوسّط بين [المَكَانتين] (٣)، فيحسبه الجامع فقهيًّا، [ويخال] (٤) الفارق كونه طرديًّا، وهذا من أماكن الفروق، إلا أن القَبُولَ فيه متّجه؛ إذ الفارق بين لحاقه بالطرديات، وإن لم يظهر حاله في بادئ الأمر، وقد مثل له بمسألة البَيْعِ الفاسد، وأشار إلى ما ذكرناه بقوله: ربّ فرق يلحق جمع الجامع بالطّرد، ولولاه كان الجمع فقهيًّا، فهذا صريح في أنّ المراد ما يظنّ في باديء الرأي كونه مخيلًا مناسبًا، فينتهض الفرق قاطعًا أثره، لا ما هو طرد ظَاهِر، فلا يقال عليه: ليس هذا مما نحن فيه.
قال ابن السَّمْعَاني: والمثال الذي ذكره في مسألة البَيْعِ الفاسد ليس مما يتكلّم فيه في شيء؛ لأن البيع الذي لا يمكن فيه إثبات المشروعية لا يكون مفيدًا للملك عند أحد من
стр. 2130
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
العلماء، وهم لا يعتمدون على مجرد المعنى الذي ذكره، لكن يثبتون وصفًا من المشروعية في البيع الفاسد الذي وقع فيه الاختلاف، فيقولون: هو مشروع بأصله غير مشروع بوصفه، فلهذا أوجبوا الملك، ونحن ننفيها من كلّ وجه، فنقول: لا يفيد الملك؛ لأنى المشروع في المِلْكِ لا يثبت إلا بسبب مشروع، فعلى هذا يقع تنازع الخُصُوم.
قلت: وللإمام أن يقول إذا استتب لنا نفي المَشْرُوعية كان المثال مما نحن فيه، ونحن من وراء تقريره.
ثم قال ابن السمعاني: وأما مسألة النيَّة في الوضوء، فعندنا قولهم: طهارة بالماء، علّة باطلة، ما لم يثبتوا المعنى المؤثر في ذلك.
وقول من قال من أصحابنا: طهارة حكمية - أيضًا - باطل، ما لم يبين، وعلى الجملة لا يتصوّر بوجه سؤال الفرق، بمعنى بيان علّة أخرى في الأصل للحكم، نعم إذا عكس ذلك المعنى في الفرع، وبين تأثيره في الحكم على خلاف ما تقتضيه العلة الأولى، وبين له أصلًا، فحينئذٍ تكون معارضة.
قلت: قوله: باطل ما لم يبين المعنى المؤثر، فيه نظر؛ فإن القائس - هنا - لا يدعي أنه قياس علّة، حتَّى يطالب بالتَّأْثير، وإنما قُصَارى دعواه أنه قياس شبه، فيبين الفارق أنه طرد، وأن قوله: طهارة بالماء، فلم يفتقر إلى النّية، بمنزلة قولك: فاحتاجت إلى النية، ولم يذكر ابن السَّمعاني مسألة الهِبَةِ.
ولم يعترض المالكية أن يقول: لو كانت كالمُعَاوضة، لما بطلت بموت الوَاهِبِ قبل القبض، وأنتم تقولون: تسقط بموته، ولا مُشَاحّة في الأمثلة بعد إيضاح المقصود.
ثم قال ابن السَّمْعَاني: ونحن لا نُبَالِي بغضب من يغضب بسبب إفساد الفروق على ما اعتادته المتفقّهة الذين لا يرجعون إلى تحقيق، ورضوا بصور يتنصبون للذّب عنها، والدفاع عن حَرِيمِهَا، ويتصالحون عليها من الجانبين، ويظنون أن ذلك هو الفقه المطلوب في المسائل، والفقه منهم في البُعْدِ، كبعد الإنسان من مَنَاط الثُّرَيَا، والذي ادعاه هذا الذي حكينا قوله، أن فيما قلته بيان سرّ الفرق، ولا ينكشف من سرّه إلا الذي قدمناه، ومن حاول توجيه سؤال الفرق إِلا بمعارضة المعنى في الأصل، فقد رَامَ شيئًا بعيدًا، وطلب ما لا يوصل إليه بحيلة ما. انتهى.
стр. 2131
[الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ]: اخْتِلَافُ الضَّابِطِ فِي الأَصْلِ وَالْفَرْعِ ؛ مِثْلُ: تَسَبَّبُوا بِالشَّهَادَةِ، فَوَجَبَ الْقِصَاصُ كَالْمُكْرِهِ.
فَيُقَالُ: الضَّابِطُ فِي الْفرْعِ الشَّهَادَة، وَفِي الأَصْلِ الإِكْرَاه، فَلَا يَتَحَقَّقُ التَّسَاوِي، وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْجَامِعَ: مَا اشْتَرَكَا فِيهِ مِنَ التَّسَبُّبِ المَضْبُوطِ عُرْفًا، أَوْ بِأَنَّ إِفْضَاءَهُ فِي الْفَرْعِ مِثْلُه، أَوْ أَرْجَحُ كَمَا لَوْ كَانَ أَصْلُهُ الْمُغْرِي لِلْحَيَوَانِ؛ فَإِنَّ انْبِعَاثَ الأَوْليَاء عَلَى الْقَتْلِ طَلَبًا لِلتَّشَفِّي أَغْلَبُ مِنِ انْبِعَاثِ الْحَيَوَانِ بِالإِغْرَاء بِسَبَبِ نَفْرَتِهِ، وَعَدَمِ عِلْمِهِ، فَلَا يَضُرُّ اخْتِلَافُ أَصْلَي التَّسَبُّبِ؛ فَإِنَّهُ اخْتِلَافُ فَرْع وَأَصْلٍ، كَمَا يُقَاسُ الإِرْثُ فِي طَلَاقِ الْمَرِيضِ عَلَى الْقَاتِلِ فِي مَنع الإِرْثِ، وَلَا يُفِيدُ أن التَّفَاوُتَ فِيهِمَا مُلْغًى لِحِفْظِ النَّفْسِ؛ كَمَا أُلْغِيَ التَّفَاوُتُ بَيْنَ قَطْع الأَّنْمُلَةِ وَقَطْع الرَّقَبَةِ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَلْزَمْ مِنْ إِلْغَاء الْعَالِمِ إِلْغَاءُ الْحُرِّ.
ولا يخفى ما فيه من التعريض بأستاذ الأستاذين، وشيخ الفقهاء والمحقّقين، وابن السَّمعاني وإن [كان] (١) حَبْرًا لا يُسَاجل، إلا أنه لم يأت في كلامه بما يدفع كلام الإمام بوجه، كما عرفت.
الشرح: الاعتراض "الحادي والعشرون: اخْتِلَافُ الضَّابِطِ في الأَصْل والفرع" (٢)، مع اتحاد [حكمهما] (٣)، "مثل" قولنا في شهود الزُّور بالقصاص: "تسببوا بالشهادة" إلى قتل عَمْد، "فوجب القصاص كالمُكْره" - بكسر الراء - "فيقال": الضابط في الأصل والفرع مختلف؛ لأن، "الضابط في الفرع الشهادة، وفي الأصل الإكراه"، وهما وإن اشتركا في مقصود الزجر، "فلا يتحقق التساوي"؛ لاحتمال أن ما وجد من التَّسبب في ضابط الأصل راجح على ما وجد منه في ضابط الفرع، فلا يمكن تعدية الحكم.
"وجوابه: أن الجامع: ما اشتركا فيه" أي: القَدْر المشترك بينهما "من التسبّب" إلى القتل "المضبوط عرفًا، أو بأن" يبين أن "إفضاءه" أي: إفضاء الضَّابط إلى المقصود "في الفرع مثله" أي: مثل إفْضَاء ضابط الأصل إلى المقصود، "أو أرجح" منه، وحينئذٍ يلزم أن
стр. 2132
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يكون أولى بثبوت الحكم، مثال رُجْحَان ضابط الفرع على ضابط الأصل، "كما لو كان أصله؛ أي: أصل القياس "المغرى للحيوان" بأن يقول المستدلّ: تسببوا بالشهادة إلى القتل، فوجب القصاص زجرًا عن التسبُّب، قياسًا على وجوب القِصَاص على من أغرى حيوانًا على آدَمِيّ، بأن طرحه في زرِيبَةٍ فيها سَبُع، فإن إفضاء ضابط الفرع إلى المقصود أرجح من إفضاء ضابط الأصل إليه؛ "فإن انبعاث الأولياء على القتل" بسبب الشهادة "طلبًا" منهم "للتَّشَفِّي"، والأخذ بِثَأْرِ المقتول "أغلب من انْبِعَاثِ الحيوان بالإغْرَاء" على القتل "بسبب نَفْرته" من الآدمي، "وعدم علمه" بالإغراء.
وأما من أغرى كَالمُكْرَه - بفتح الراء - فعلمه بأنه إن لم يقتل قتل، يغريه على الإقدام طلبًا لخلاص نفسه، وبالجملة تبين تساوي الإفضائين، أو غلبة إفضاء الفرع، "ولا يضر اختلاف أصلي التسبُّب"، وهو كون أحدهما شهادة، والآخر إكراهًا، أو إغراء؛ "فإنه" أي: فإن اختلاف أصل التسبُّب في الحقيقة "اختلاف فرع وأصل".
وحاصله: قياس التسبب بالشهادة عليه بالإغراء والإكراه، والأصل لا بُدّ من مخالفته للفرع، ثم لا تضرّ تلك المُخَالفة، "كما يقاس الإرث في طَلَاق المريض" مرض الموت زوجته طلاقًا بائنًا "على" حرمان "القاتل الإرث" بجامع الغرض الفاسد؛ مُعَاملة لكل منهما بنقيض مقصوده، فإنه قياس سالم عن الاعتراض باختلاف الضَّابط، مع أن الأصل عدم الإرث، والفرع الإرث، ولم يضرّ الاختلاف، نعم يضر هذا القياس أنه - كما قدم المصنّف - من الغريب المرسل الأصل، ولكن ردّه بذلك لا يدفع صحة التمثيل به هنا.
"ولا يفيد" المستدلّ أن يقول في الجواب: "إن التفاوت فيهما"؛ أي: بين ضابط الأصل والفرع "ملغى" مراعاة "لحفظ النّفس، كما ألغي التفاوت بين قطع الأَنْمُلَة" إذا سَرَتْ إلى النفس، "وقطع الرقبة" في وجوب القِصَاصِ لحفظ النفس، وإن كان قطع الرقبة أشدّ إفضاء إلى الموت من قطع الأَنْمُلَةِ، وإنما لم يفده ذلك؛ لأنَّهُ لا يلزم من إلغاء تفاوت القاتل إلغاء كل تفاوت، "فإنه لم يلزم من إلغاء" وصف "العالم" بدليل قتله بالجاهل "إلغاء الحر"؛ إذ لا يقتل الحر بالعبد، ولا إلغاء وصف الإسلام بدليل أنه لا يقتل مؤمن بكافر.
стр. 2133
الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: اخْتِلَافُ جِنْسِ الْمَصْلَحَةِ كَقَوْلِ الشَّافِعِيَّةِ: أَوْلَجَ فَرْجًا فِي فَرْجٍ مُشْتَهًى طَبْعًا مُحَرَّمٍ شَرْعًا، فَيُحَدُّ كَالزَّانِي؛ فَيُقَالُ: حِكْمَةُ الْفَرْعِ الصِّيَانَةُ عَنْ رَذِيلَةِ اللِّوَاطِ، وَفِي الأَصْلِ دَفْعُ مَحْذُورِ اخْتِلَاطِ الأَنْسَابِ، فَقَدْ يَتَفَاوَتَانِ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ، وَحَاصِلُهُ مُعَارَضَةٌ.
وَجَوَاُبهُ كَجَوَابِهِ بِحَذْفِ خُصُوصِ الأَصْلِ.
"[الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ]: مُخَالَفَةُ حُكْمِ الْفَرْعِ لِحُكْمِ الأَصْلِ ؛ كَالْبَيْعِ عَلَى النِّكَاحِ وَعَكْسِهِ.
الشرح: الاعتراض "الثاني والعشرون: اخْتِلَافُ جنس المَصْلَحة" (١) مع اتحاد الضابط في الأصل والفرع، "كقول الشافعية" في اللَّائط: "أولج فَرْجًا في فرج مُشْتهى طبعًا محرم شرعًا، فيحد كالزاني".
"فيقال": الضَّابط وإن كان متحدًا، لكن الحِكْمَةَ مختلفة؛ إذ "حكمة الفرع الصيانة عن رذيلة اللِّوَاط.
وفي الأصل: دفع محذور اختلاط الأنساب" المفضي إلى ضياع الأولاد.
"فقد يتفاوتان في نَظَرِ الشرع"، فيناط الحكم بإحدى الحكمتين دون الأخرى، "وحاصله معارضة" في الأصل لإبداء خصوصية فيه، كأنه قال: بل العلّة ما ذكرت، مع كونه مؤديًا إلى اختلاط الأنساب.
"وجوابه كجوابه" في المُعَارضة، وذلك "بحذف خصوص الأَصْل" عن درجة الاعتبار بطريق من الطُّرق، فتكون العلّة القدر المشترك، أو يبين أن حكمة الفرع مثل حكمة الأصل أو أكثر، كما في مسألتنا، فإن الزنا وإن أدّى إلى ضياع المولود المؤدّي إلى انقطاع النَّسل، فاللِّوَاط يؤدّي إلى عدم الولادة بالكُلّية، وهو أفضى إلى انقطاع النسل من الضياع.
الشرح: الاعتراض "الثالث والعشرون: مُخَالفَةُ حكم الفَرْع لحكم الأصل" (٢)، فلا يصح معه القياس؛ لأن من شرط القياس اتحاد الحكم، وهو عبارة عن تَحْصِيلِ مثل حكم
стр. 2134
وَجَوَابُهُ: بِبَيَان أَنَّ الاخْتِلَافَ رَاجِعٌ إِلَى الْمَحَلِّ الَّذِي اخْتِلَافُهُ شَرْطٌ لَا فِي [الحُكْمِ وَبَيَانٍ].
[الرَّابِعُ والْعِشْرُونَ]: الْقَلْبُ: قَلْبٌ لِتَصحِيحِ مَذْهَبِهِ وَقَلْبٌ لإِبْطَالِ مَذْهَبِ الْمُسْتَدِلِّ صَرِيحًا، وَقَلْبٌ بِالاِلْتِزَامِ:
الأَوَّلُ: لُبْثٌ، فَلَا يَكُونُ قُرْبَةً بِنَفْسِهِ؛ كَالْوُقُوفِ بِـ"عَرَفَةَ"، فَيَفُولُ الشَّافِعِيُّ: فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الصَّوْمُ؛ كالْوُقُوفِ بـ"عَرَفَةَ".
الثَّانِي: عُضْوُ وُضُوءٍ، فَلَا يُكْتَفَي فِيهِ بِأَقَلِّ مَا يَنْطَلِقُ؛ كَغَيْرِهِ، فَيَقُولُ الشَّافِعِيُّ: فَلَا يَتَقَدَّرُ بِالرُّبُعِ.
الأصل في الفرع، ومعلوم أنّ ذلك لا يتحقّق بدون الاتحاد، وذلك "كالبيع" إذا قيس "على النكاح وعكسه" في صورة بجامع، فيقول المعترض: الحكم مختلف؛ فإن عدم صحّة البيع حرمة الانتفاع بالبَيْعِ، وفي النكاح حرمة المُبَاشرة، ونحو ذلك من اختلاف الأحكام.
"وجوابه: ببيان" اتحاد الحُكْمين نوعًا، أو جنسًا، و"أن الاختلاف" بين حكمي الأصل والفرع "راجع إلى المحلّ" محل الحكم "الذي اختلافه شرط"، فإن الفرع ما لم يكن مخالفًا للأصل، لا يصح القياس، "لا" أن الاختلاف بينهما واقع "في الحكم" حتَّى يضر، وفي مسألتنا قد وقع الاتفاق في البُطْلان، وهو شيء واحد، وهو عدم ترتُّب المقصود من العقد عليه، فلم يضر اختلاف المحلّ، كما قلنا.
الشرح: الاعتراض "الرابع والعشرون: القَلْب" (١) قلب الدَّليل عبارة عن دعوى أن ما ذكره المستدلّ عليه لا له، في تلك المسألة على ذلك الوجه، وهو ثلاثة أقسام: "قلب"
стр. 2135
الثَّالِثُ: عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَيَصِحُّ مَعَ الْجَهْلِ بالْمُعَوَّضِ؛ كَالنِّكَاحِ، فَيَقُولُ الشَّافِعِيُّ: فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ؛ لأِنَّ مَنْ قَالَ بِالصِّحَّةِ، قَالَ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ، فَإِذَا انْتَفَى اللَّازِم، انْتَفَى الْمَلْزُوم، وَالْحَقُّ أَنَّهُ نَوعُ مُعَارَضَةٍ اشْتَرَكَ فِيهِ الأَصْلُ وَالْجَامِعُ، فكَانَ أَوْلَى بِالْقَبُولِ.
يذكره المعترض "لتصحيح مذهبه، وقَلْب لإبطال مذهب المستدلّ صريحًا، وقلب" لإبطاله "بالالتزام".
وإن شئت قلت: القلب قسمان:
الأول: لتصحيح مذهب المعترض.
والثاني: لإبطال مذهب المستدلّ، وهو ضربان: ضرب بالصَّراحة، وضرب بالالتزام.
"الأول": القلب لتصحيح مذهب المعترض، وهو ضربان:
أحدهما، وعلى ذكره اقتصر المصنف: ألّا يدل مع ذلك بالصّراحة على بطلان مذهب المستدل، كقول الحنفي: الاعتكاف: "لُبْث" في محلّ مخصوص، "فلا يكون قربة بنفسه، كالوقوف بـ"عرفة"، وغرضه التعرض لاشتراط الصوم فيه، ولكنه لم [يتمكن] (١) من التصريح باشتراطه؛ إذ لو صرح به لم يجد أصلًا، "فيقول الشافعي": لبث في محل مخصوص، "فلا يشترط فيه الصوم، كالوقوف بـ"عرفة".
وثانيها: أن يدل على الأمرين معًا، كقول الشافعي في بيع الفُضُولي: عَقْد في حق الغير بلا ولاية ولا اسْتِنَابَة، فلا يصح كما إذا اشترى شيئًا لغيره بغير إذنه، فيقول الخصم: عَقْد إلى آخره، وكان صحيحًا، كما إذا اشترى شيئًا لغيره بغير إذنه.
و"الثاني" كقوله في مَسْحِ الرأس: "عضو وضوء، فلا يكتفي فيه بأقلّ ما ينطلق" عليه اسم المسح، "كغيره" من أعضاء الوضوء، "فيقول الشَّافعي: فلا يتقدر بالرُّبع"، كغيره.
"الثالث": كقوله في بيع الغائب: "عقد مُعَاوضة، فيصح مع الجَهْلِ بالعوض كالنكاح، فيقول الشافعي: فلا يشترط فيه خِيَار الرؤية" كالنكاح، فقد تعرض المعترض لإبطال مذهبه بالالتزام؛ لأنَّهُ أبطل لازم الصحة، وهو خيار الرؤية؛ "لأن من قال" في بيع
стр. 2136
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الغائب "بالصحة، قال بخيار الرُّؤية"، فالخيار لازم للصّحة، "فإذا انتفى اللازم"، وهو خيار الرؤية "انتفى الملزوم"، وهو الصّحة، "والحَقّ" في القَلْب "أنه نوع مُعَارضة اشترك فيه الأَصْل والجامع، فكان أولى بالقَبُول" من سائر المُعَارضات.
قال علماؤنا: المُعَارضة قد تكون بعلّة أخرى، وهي ما عدا القَلْب، وقد تكون بعلّة المستدل نفسها، وهي القلب، وتسمى مُشَاركة في الدليل.
قال أبو علي الطبري: وهو من أَلْطَفِ ما يستعمله المناظر.
فإن قلت: قدم المصنف أن المعارضة المصطلح عليها المعارضة في الأصل بمعنى آخر، إما مستقل أو غير مستقل، وهذه معارضة بنفس ذلك المعنى.
قلت: تلك المعارضة المصطلح على إطلاق اسم المُعَارضة عليها، وهذه ضرب من مُطْلق الاعتراضات، ولعلّ المصنف أشار بقوله: نوع معارضة، ولم يقل: معارضة - إلى ذلك، وأيّده بقوله: اشترك فيه الأصل والجامع، فكان أولى بالقَبُول، يعني: من المعارضة المصطلح عليها.
واعلم أنه يخرج من كلام أئمّتنا خلاف في أنّ القلب هل يفسد العلة؟.
ويبين أنه لا يصح التعلّق بها لواحد منهما، أو هو تسليم؛ لأن الجامع دليلٌ، واختلاف في أنه دليلٌ للمستدلّ أو علته، والأول هو ظاهر قول من قال من أصحابنا: القلب [شاهد] (١) زور، كما يشهد عليك.
وقول ابن السمعاني: توجيه سؤال القَلْبِ أن يقال: إذا علق على العلّة ضد ما علقه المستدل من الحكم، فلا يكون أحد الحكمين أولى من الآخَر، ويبطل تعليقهما بهما.
والثاني: وهو ظاهر تسميته معارضة، فإن المعارضة لا تفسد [العلة] (٢)، بل تمنع من التعلق بها إلى أن يثبت رُجْحَانها من خارج، وقد اختلف الَّذين قبلوا سؤال المعارضة في قسم من إبطال مذهب المستدلّ بالالتزام، يقال له: "قلب المُسَاواة"، وهو أن يكون في الأصل قسمان:
стр. 2137
[الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ]: الْقَوْلُ بِالْمُوجِبِ، وَحَقِيقَتُهُ: تَسْلِيمُ الدَّلِيلِ مَعَ بَقَاءِ النِّزَاعِ، وَهُوَ ثَلَاثَةٌ.
أحدهما: مُنْتَفٍ في الفرع باتفاق الخصمين.
والآخر متنازع فيه بينهما، فإذا أراد أن يثبته في الفرع قياسًا على الأصل، فيقول المعترض: يجب التسوية بينهما في الفرع بالقياس على الأصل، ويلزم من وجوب التَّسوية في الفرع عدم ثبوته فيه، كقولهم في طلاق المُكْرَه: مكلّف مَالِكٌ للطلاق، فيقع طلاقه كالمختار، فيقول: فيستوى بين إقراره وإيقاعه كالمختار، ويلزم من هذا ألا يقع طلاقه؛ لأنَّهُ إذا ثبت المُسَاواة بين الإقرار والإيقاع، وكان الإقرار غير معتبر بالاتِّفَاق، كان الإيقاع - أيضًا - غير معتبر.
وكقولهم في نِيَّةِ الوضوء: طَهَارة بالماء، فلا تفتقر إلى النية، كإزالة النجاسة، فذهب الشيخ أبو إسحاق الشِّيرَازي والأكثر إلى قبوله أيضًا، وذهب القاضي أبو بكر وابن السَّمْعَاني وطائفة ممن قبل أصل القَلْب، إلى رَدّه؛ لأنَّهُ لا يمكن التصريح فيه بحكم العلّة، فإن الحاصل في الأصل نفي، وفي الفرع إثبات؛ ألا ترى المستدل يعتبر الوصفين في الأصل، [والمعترض] (١) لا يعتبرهما بمقتضى القلب؟
والأول هو المختار؛ فإن القياس على الأصل إنما هو من حيث عدم الاختلاف، وهو ثابت فيه، فلا يضر كونه في الأصل الصحة، وفي الفرع عدمها؛ إذ هذا الاختلاف غير مُنَافٍ لأصل الاستواء الذي جعل جامعًا.
الشرح: الاعتراض "الخامس والعشرون: القَوْل بالمُوْجب (٢).
стр. 2138
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وحقيقته: تسليم الدليل مع بقاء النزاع"، وهو غير مختصّ بالقياس، وقد وقع في الكتاب العزيز في قوله تعالى ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ [المنافقون: ٨].
أي: صحيح ما يقولون: من أنّ الأعز يخرج الأذل، والنزاع باقٍ؛ فإن العزة للّه ولرسوله، فاللّه ورسوله يخرجانكم.
ومنه قول الشاعر: [الخفيف]
قلْتُ: ثَقَّلْتُ (١) إِذ أَتَيْتُ (٢) مِرَارًا … قالَ: ثَقَّلْتَ كَاهِلِي بِالأَيَادِي
قُلْتُ: طَوَّلْت، قَالَ: بَلْ تَطَوَّلْـ … تَ، وَأَبْرَمْتُ، قَالَ: حَبْلَ وِدَادِي (٣)
والاستشهاد بقوله: "ثقلت" و"أبرمت" دون قوله: "طولت".
وقال الآخَر: [الوافر]
وَإِخْوَانٍ حَسِبْتُهُمُ دُرُوعًا … فَكَانُوهَا وَلَكِنْ لِلْأَعَادِي
وَخِلْتُهُمُ سِهَامًا صَائِبَاتٍ … فكَانُوهَا وَلَكِنْ فِي فُؤَادِي
وَقَالُوا: قَدْ صَفَتْ مِنَّا قُلُوبٌ … لَقَدْ صَدَقُوا وَلَكِنْ مِنْ وِدَادِي (٤)
стр. 2139
الأَوَّلُ: أَنْ يَسْتَنْتِجَهُ مَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ مَحَلّ النِّزَاعِ، أَوْ مُلَازِمُهُ؛ مِثْلُ: قَتَلَ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا، فَلَا يُنَافِي وُجُوبَ الْقِصَاصِ؛ كَحَرْقِهِ، فَيُرَدُّ: بِأَنَّ عَدَمَ المُنَافَاةِ لَيْسَ مَحَلّ النِّزَاعِ، وَلَا يَقْتَضِيهِ.
الثَّانِي: أَنْ يَسْتَنْتِجَهُ إِبْطَالُ مَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ مَأْخَذُ الْخَصْمِ؛ مِثْلُ: التَّفَاوُتُ فِي الْوَسِيلَةِ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْقِصَاصِ كالْمُتَوَسَّلِ إِلَيْهِ، فَيُرَدُّ: إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ إِبْطَال مَانِعٍ انْتِفَاءُ الْمَوانِعِ، وَوُجُودُ الشَّرَائِطِ، وَالْمُقْتَضِي.
وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ مُصَدَّقٌ فِي مَذْهَبِهِ، وَأَكْثَرُ القَوْلِ بِالْمُوجِبِ كَذَلِكَ؛ لِخَفَاءِ المَأْخَذِ، بِخِلَافِ مَحَالِّ الْخِلَافِ.
وقول الآخَر: [الرمل]
غَالَطَتْنِي إِذْ كَسَتْ جِسْمِي الضَّنَا … كِسْوَةً أَغْرَتْ مِنَ اللَّحْمِ العِظَامْ
ثُمَّ قَالَتْ أَنْتَ عِنْدِي فِي الهَوَى … مِثْلُ عَيْني صَدَقَتْ لَكِنْ سِقامْ (١)
"وهو" أقسام "ثلاثة":
الشرح: "الأول: أن يستنتجه" أي: يستنتج من الدَّليل "ما يتوهّم أنه محلّ النزاع، أو ملازمه"؛ أي: ملزوم محل النزاع ولم يكن كذلك، "مثل" أن يقول في المُثَقّل: "قتل بما يقتل غالبًا، فلا ينافي وجوب القِصَاص، [كحَرْقِهِ، فيرد] (٢) القول بالموجب؛ "فإن عدم المُنَافاة" لوجوب القِصَاص "ليس محلّ النزاع"؛ لأن محلّ النزاع هو وجوب القتل، "ولا يقتضيه" أيضًا محل النزاع؛ إذ لا يلزم من عدم مُنَافاته للوجوب أن يجب.
الشرح: "الثاني: أنْ يستنتجه إبطال ما يتوهّم أنه مأخذ الخَصْم"، وهو يمنع كونه مأخذًا، فلا يلزم من إبطاله إبطال مذهبه، "مثل" أن يقول؛ في المُثَقَّل: "التفاوت في الوَسِيلَةِ لا يمنع وجوب القِصَاصِ، كالمتوسّل إليه، فيرد" القول بالموجب؛ "إذ لا يلزم من إبطال مانع" واحد "انتفاء" جميع "الموانع، ووجود" جميع "الشَّرَائط، والمقتضي"، والحكم إنما يثبت بارتفاع كل المَوَانع، ووجود كلّ الشرائط بعد قيام المُقْتضي.
стр. 2140
الثَّالِثُ: أَنْ يَسْكُتَ عَن الصُّغْرَى، وَهِيَ غَيْرُ مَشْهُورَة؛ مِثْلُ: مَا ثَبَتَ قُرْبَةً، فَشَرْطُهُ النِّيَّةُ كَالصَّلَاةِ، وَيَسْكُتُ عَنْ: "وَالْوُضُوءُ قُرْبَةٌ"، فَيَرِدُ، وَلَوْ ذَكَرَهَا لَمْ يَرِدْ إَلَّا الْمَنْعُ.
وَقَوْلُهُمْ: "فِيهِ انْقِطَاعُ أَحَدِهِمَا" - بَعِيدٌ فِي الثَّالِثِ؛ لاِخْتِلَافِ الْمُرَادَيْنِ.
واختلف في أنّ المعترض إذا قال: ليس هذا مأخذي، هل يصدق؟
"والصَّحيح: أنه مصدق في مذهبه"؛ لأنَّهُ أعرف به.
وقيل: لا يصدق إِلَّا ببيان مأخذ آخر؛ إذ ربما كان ذلك مأخذه، ولكنه يعاند، "وأكثر القول بالموجب كذلك"؛ أي: كهذا القسم الذي يستنتج فيه إبطال ما يتوهّم أنه مأخذ الخَصْم، ولم يكن كذلك، وإنما كان أكثر "لِخَفَاء المأخذ"، وقلة العارفين به والمُطّلعين على أسراره، "بخلاف محال الخلاف"، فإنه مشهور، فكم من فقيهين يعرفان مذهب الشافعي وأبي حنيفة، ثم إذا سئلا عن مأخذهما لم يحيرا جوابًا، ووجدا حاملي فقه، وليس بفقيهين، وأكثر أبناء زماننا كذلك، فواهًا على الفقه، فإنه لم يبق من سَحَابه إلا اليسير من ظله، "وَاللَّهُ لَا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ صُدُورِ العُلَمَاءِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ أَهْلَهُ" (١).
الشرح: "الثالث: أن يسكت" المستدلّ "عن الصغرى" صغرى القياس، ويذكر كُبْرَاه في حال كون الصغرى "غير مشهورة"، ويستعمل قياس الضمير، "مثل" أن يقول شافعي في وجوب نية الوضوء: "ما ثبت قربة فشرطه النية كالصلاة ويسكت عن" قوله: "والوضوء قربة" مثل القول بالموجب، أو يقول: هذا مسلم، ومن أين يلزم اشتراط النية في الوضوء؟ وإنما "يرد" هذا إذا سكت عن الصّغرى، "ولو ذكرها لم يرد إلا المنع" من الصغرى، بأن يقول: لا نسلم أنّ الوضوء قربة، ويكون - حينئذٍ - منعًا للصغرى، لا قولًا بالموجب، إنما شرطنا في الصُّغْرَى أن تكون غير مشهورة؛ لأنها لو كانت مشهورة، كانت بمنزلة المذكورة، فتمنع، أو كانت متفقًا عليها، فلا يتأتّى المنع أصلًا، وإن صرح بذكرها.
وأما الجدليون "وقولهم": إن القول بالموجب "فيه انقطاع أحدهما"؛ أي: أحد