. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الغائب "بالصحة، قال بخيار الرُّؤية"، فالخيار لازم للصّحة، "فإذا انتفى اللازم"، وهو خيار الرؤية "انتفى الملزوم"، وهو الصّحة، "والحَقّ" في القَلْب "أنه نوع مُعَارضة اشترك فيه الأَصْل والجامع، فكان أولى بالقَبُول" من سائر المُعَارضات.
قال علماؤنا: المُعَارضة قد تكون بعلّة أخرى، وهي ما عدا القَلْب، وقد تكون بعلّة المستدل نفسها، وهي القلب، وتسمى مُشَاركة في الدليل.
قال أبو علي الطبري: وهو من أَلْطَفِ ما يستعمله المناظر.
فإن قلت: قدم المصنف أن المعارضة المصطلح عليها المعارضة في الأصل بمعنى آخر، إما مستقل أو غير مستقل، وهذه معارضة بنفس ذلك المعنى.
قلت: تلك المعارضة المصطلح على إطلاق اسم المُعَارضة عليها، وهذه ضرب من مُطْلق الاعتراضات، ولعلّ المصنف أشار بقوله: نوع معارضة، ولم يقل: معارضة - إلى ذلك، وأيّده بقوله: اشترك فيه الأصل والجامع، فكان أولى بالقَبُول، يعني: من المعارضة المصطلح عليها.
واعلم أنه يخرج من كلام أئمّتنا خلاف في أنّ القلب هل يفسد العلة؟.
ويبين أنه لا يصح التعلّق بها لواحد منهما، أو هو تسليم؛ لأن الجامع دليلٌ، واختلاف في أنه دليلٌ للمستدلّ أو علته، والأول هو ظاهر قول من قال من أصحابنا: القلب [شاهد] (١) زور، كما يشهد عليك.
وقول ابن السمعاني: توجيه سؤال القَلْبِ أن يقال: إذا علق على العلّة ضد ما علقه المستدل من الحكم، فلا يكون أحد الحكمين أولى من الآخَر، ويبطل تعليقهما بهما.
والثاني: وهو ظاهر تسميته معارضة، فإن المعارضة لا تفسد [العلة] (٢)، بل تمنع من التعلق بها إلى أن يثبت رُجْحَانها من خارج، وقد اختلف الَّذين قبلوا سؤال المعارضة في قسم من إبطال مذهب المستدلّ بالالتزام، يقال له: "قلب المُسَاواة"، وهو أن يكون في الأصل قسمان:
стр. 2137
[الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ]: الْقَوْلُ بِالْمُوجِبِ، وَحَقِيقَتُهُ: تَسْلِيمُ الدَّلِيلِ مَعَ بَقَاءِ النِّزَاعِ، وَهُوَ ثَلَاثَةٌ.
أحدهما: مُنْتَفٍ في الفرع باتفاق الخصمين.
والآخر متنازع فيه بينهما، فإذا أراد أن يثبته في الفرع قياسًا على الأصل، فيقول المعترض: يجب التسوية بينهما في الفرع بالقياس على الأصل، ويلزم من وجوب التَّسوية في الفرع عدم ثبوته فيه، كقولهم في طلاق المُكْرَه: مكلّف مَالِكٌ للطلاق، فيقع طلاقه كالمختار، فيقول: فيستوى بين إقراره وإيقاعه كالمختار، ويلزم من هذا ألا يقع طلاقه؛ لأنَّهُ إذا ثبت المُسَاواة بين الإقرار والإيقاع، وكان الإقرار غير معتبر بالاتِّفَاق، كان الإيقاع - أيضًا - غير معتبر.
وكقولهم في نِيَّةِ الوضوء: طَهَارة بالماء، فلا تفتقر إلى النية، كإزالة النجاسة، فذهب الشيخ أبو إسحاق الشِّيرَازي والأكثر إلى قبوله أيضًا، وذهب القاضي أبو بكر وابن السَّمْعَاني وطائفة ممن قبل أصل القَلْب، إلى رَدّه؛ لأنَّهُ لا يمكن التصريح فيه بحكم العلّة، فإن الحاصل في الأصل نفي، وفي الفرع إثبات؛ ألا ترى المستدل يعتبر الوصفين في الأصل، [والمعترض] (١) لا يعتبرهما بمقتضى القلب؟
والأول هو المختار؛ فإن القياس على الأصل إنما هو من حيث عدم الاختلاف، وهو ثابت فيه، فلا يضر كونه في الأصل الصحة، وفي الفرع عدمها؛ إذ هذا الاختلاف غير مُنَافٍ لأصل الاستواء الذي جعل جامعًا.
الشرح: الاعتراض "الخامس والعشرون: القَوْل بالمُوْجب (٢).
стр. 2138
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وحقيقته: تسليم الدليل مع بقاء النزاع"، وهو غير مختصّ بالقياس، وقد وقع في الكتاب العزيز في قوله تعالى ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ [المنافقون: ٨].
أي: صحيح ما يقولون: من أنّ الأعز يخرج الأذل، والنزاع باقٍ؛ فإن العزة للّه ولرسوله، فاللّه ورسوله يخرجانكم.
ومنه قول الشاعر: [الخفيف]
قلْتُ: ثَقَّلْتُ (١) إِذ أَتَيْتُ (٢) مِرَارًا … قالَ: ثَقَّلْتَ كَاهِلِي بِالأَيَادِي
قُلْتُ: طَوَّلْت، قَالَ: بَلْ تَطَوَّلْـ … تَ، وَأَبْرَمْتُ، قَالَ: حَبْلَ وِدَادِي (٣)
والاستشهاد بقوله: "ثقلت" و"أبرمت" دون قوله: "طولت".
وقال الآخَر: [الوافر]
وَإِخْوَانٍ حَسِبْتُهُمُ دُرُوعًا … فَكَانُوهَا وَلَكِنْ لِلْأَعَادِي
وَخِلْتُهُمُ سِهَامًا صَائِبَاتٍ … فكَانُوهَا وَلَكِنْ فِي فُؤَادِي
وَقَالُوا: قَدْ صَفَتْ مِنَّا قُلُوبٌ … لَقَدْ صَدَقُوا وَلَكِنْ مِنْ وِدَادِي (٤)
стр. 2139
الأَوَّلُ: أَنْ يَسْتَنْتِجَهُ مَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ مَحَلّ النِّزَاعِ، أَوْ مُلَازِمُهُ؛ مِثْلُ: قَتَلَ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا، فَلَا يُنَافِي وُجُوبَ الْقِصَاصِ؛ كَحَرْقِهِ، فَيُرَدُّ: بِأَنَّ عَدَمَ المُنَافَاةِ لَيْسَ مَحَلّ النِّزَاعِ، وَلَا يَقْتَضِيهِ.
الثَّانِي: أَنْ يَسْتَنْتِجَهُ إِبْطَالُ مَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ مَأْخَذُ الْخَصْمِ؛ مِثْلُ: التَّفَاوُتُ فِي الْوَسِيلَةِ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْقِصَاصِ كالْمُتَوَسَّلِ إِلَيْهِ، فَيُرَدُّ: إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ إِبْطَال مَانِعٍ انْتِفَاءُ الْمَوانِعِ، وَوُجُودُ الشَّرَائِطِ، وَالْمُقْتَضِي.
وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ مُصَدَّقٌ فِي مَذْهَبِهِ، وَأَكْثَرُ القَوْلِ بِالْمُوجِبِ كَذَلِكَ؛ لِخَفَاءِ المَأْخَذِ، بِخِلَافِ مَحَالِّ الْخِلَافِ.
وقول الآخَر: [الرمل]
غَالَطَتْنِي إِذْ كَسَتْ جِسْمِي الضَّنَا … كِسْوَةً أَغْرَتْ مِنَ اللَّحْمِ العِظَامْ
ثُمَّ قَالَتْ أَنْتَ عِنْدِي فِي الهَوَى … مِثْلُ عَيْني صَدَقَتْ لَكِنْ سِقامْ (١)
"وهو" أقسام "ثلاثة":
الشرح: "الأول: أن يستنتجه" أي: يستنتج من الدَّليل "ما يتوهّم أنه محلّ النزاع، أو ملازمه"؛ أي: ملزوم محل النزاع ولم يكن كذلك، "مثل" أن يقول في المُثَقّل: "قتل بما يقتل غالبًا، فلا ينافي وجوب القِصَاص، [كحَرْقِهِ، فيرد] (٢) القول بالموجب؛ "فإن عدم المُنَافاة" لوجوب القِصَاص "ليس محلّ النزاع"؛ لأن محلّ النزاع هو وجوب القتل، "ولا يقتضيه" أيضًا محل النزاع؛ إذ لا يلزم من عدم مُنَافاته للوجوب أن يجب.
الشرح: "الثاني: أنْ يستنتجه إبطال ما يتوهّم أنه مأخذ الخَصْم"، وهو يمنع كونه مأخذًا، فلا يلزم من إبطاله إبطال مذهبه، "مثل" أن يقول؛ في المُثَقَّل: "التفاوت في الوَسِيلَةِ لا يمنع وجوب القِصَاصِ، كالمتوسّل إليه، فيرد" القول بالموجب؛ "إذ لا يلزم من إبطال مانع" واحد "انتفاء" جميع "الموانع، ووجود" جميع "الشَّرَائط، والمقتضي"، والحكم إنما يثبت بارتفاع كل المَوَانع، ووجود كلّ الشرائط بعد قيام المُقْتضي.
стр. 2140
الثَّالِثُ: أَنْ يَسْكُتَ عَن الصُّغْرَى، وَهِيَ غَيْرُ مَشْهُورَة؛ مِثْلُ: مَا ثَبَتَ قُرْبَةً، فَشَرْطُهُ النِّيَّةُ كَالصَّلَاةِ، وَيَسْكُتُ عَنْ: "وَالْوُضُوءُ قُرْبَةٌ"، فَيَرِدُ، وَلَوْ ذَكَرَهَا لَمْ يَرِدْ إَلَّا الْمَنْعُ.
وَقَوْلُهُمْ: "فِيهِ انْقِطَاعُ أَحَدِهِمَا" - بَعِيدٌ فِي الثَّالِثِ؛ لاِخْتِلَافِ الْمُرَادَيْنِ.
واختلف في أنّ المعترض إذا قال: ليس هذا مأخذي، هل يصدق؟
"والصَّحيح: أنه مصدق في مذهبه"؛ لأنَّهُ أعرف به.
وقيل: لا يصدق إِلَّا ببيان مأخذ آخر؛ إذ ربما كان ذلك مأخذه، ولكنه يعاند، "وأكثر القول بالموجب كذلك"؛ أي: كهذا القسم الذي يستنتج فيه إبطال ما يتوهّم أنه مأخذ الخَصْم، ولم يكن كذلك، وإنما كان أكثر "لِخَفَاء المأخذ"، وقلة العارفين به والمُطّلعين على أسراره، "بخلاف محال الخلاف"، فإنه مشهور، فكم من فقيهين يعرفان مذهب الشافعي وأبي حنيفة، ثم إذا سئلا عن مأخذهما لم يحيرا جوابًا، ووجدا حاملي فقه، وليس بفقيهين، وأكثر أبناء زماننا كذلك، فواهًا على الفقه، فإنه لم يبق من سَحَابه إلا اليسير من ظله، "وَاللَّهُ لَا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ صُدُورِ العُلَمَاءِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ أَهْلَهُ" (١).
الشرح: "الثالث: أن يسكت" المستدلّ "عن الصغرى" صغرى القياس، ويذكر كُبْرَاه في حال كون الصغرى "غير مشهورة"، ويستعمل قياس الضمير، "مثل" أن يقول شافعي في وجوب نية الوضوء: "ما ثبت قربة فشرطه النية كالصلاة ويسكت عن" قوله: "والوضوء قربة" مثل القول بالموجب، أو يقول: هذا مسلم، ومن أين يلزم اشتراط النية في الوضوء؟ وإنما "يرد" هذا إذا سكت عن الصّغرى، "ولو ذكرها لم يرد إلا المنع" من الصغرى، بأن يقول: لا نسلم أنّ الوضوء قربة، ويكون - حينئذٍ - منعًا للصغرى، لا قولًا بالموجب، إنما شرطنا في الصُّغْرَى أن تكون غير مشهورة؛ لأنها لو كانت مشهورة، كانت بمنزلة المذكورة، فتمنع، أو كانت متفقًا عليها، فلا يتأتّى المنع أصلًا، وإن صرح بذكرها.
وأما الجدليون "وقولهم": إن القول بالموجب "فيه انقطاع أحدهما"؛ أي: أحد
стр. 2141
وَجَوَابُ الأَوَّلِ: بِأَنَّهُ مَحَلُّ النِّزَاعِ، أَوْ مُسْتَلْزَمٌ، كَمَا لَوْ قَالَ: لَا يَجُوزُ قَتْلُ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ، فَيُقَالُ بِالْمُوجِبِ؛ لأَنَّهُ يَجِبُ، فَيَقُولُ: المَعْنِيُّ بِـ"لَا يَجُوزُ": تَحْرِيمُه، ويَلْزَمُ نَفْيُ الْوُجُوبِ.
وَعَنِ الثَّانِي: أَنَّهُ الْمَأْخَذُ.
وَعَنِ الثَّالِثِ: بِأَنَّ الْحَذْفَ سَائِغٌ.
المُنَاظرين؛ لأن المستدلّ إن أثبت ما ادَّعَاه انقطع المعترض وبالعكس، غير بعيدٍ في القسمين الأولين، بل صحيح - كما عرفت - لكنه "بعيد في الثالث؛ لاختلاف المرادين"؛ إذ مراد المستدل: أن الصغرى وإن كانت محذوفةً لفظًا، فهي مذكورة تقديرًا، والمجموع يفيد المطلوب، ومراد المعترض: أن المذكور هو الكبرى وحدها، وهو لا يفيد المطلوب.
وقال بعض الشَّارحين: إنما اختلف المراد؛ لأن المستدلّ أراد بكون الوضوء قربة أنه وسيلة إلى الصلاة، والمعترض أراد: ليس قُرْبَةً بذاته، فلم يتوارد النَّفْي والإثبات على محلّ واحد، ورجع النزاع لفظيًّا، فلم يلزم انقطاع واحد منهما.
الشرح: "وجواب" القسم "الأول: بأنه محلّ النزاع، أو مستلزم" لمحلّ النزاع، "كما لو قال" شافعي: "لا يجوز قَتْلُ المسلم بالذّمّي" قياسًا على الحَرْبي، "فيقال بالموجب؛ لأنَّهُ يجب" قتله به.
وقولهم: لا يجوز، نفي للإباحة التي معناها اسْتِوَاء الطرفين، ونفيها ليس نفيًا للوجوب، ولا مستلزمًا له، "فيقول" الشَّافعي: "المعنى بـ"لا يجوز": تحريمه، ويلزم" من ثبوت التحريم "نفي الوجوب"؛ لاسْتِحَالَةِ الجمع بين الوجوب والتحريم.
"وعن الثَّاني": بأن يبين في المستنتج "أنه المأخذ" بالنَّقل عن أئمة المذهب. "وعن الثالث: بأن الحذف" لإحدى المقدمتين "سائغ" عند العلم بالمَحْذُوف، والمحذوف مراد ومعلوم، فلا يضرّ حذفه، والدَّليل هو المجموع، لا المذكور وَحْده، وكتب الفقه مَشْحُونة بذلك، بل لا ترى قياسًا مصرحًا فيه بالمقدمتين والأصل إلا على النُّدْرة، وما ذلك من الفُقَهَاء الذين هم أَسَاطِينُ الأقيسة إلا اختصارًا، وتركًا لما هو مشهور أو معلوم، بحيث يصير ذكره تطويلًا، وتضييعًا للزمان بلا فائدة، وقد نجزت الاعتراضات.
ولقد أكثر أئمتنا فيها، واستكثروا من أمْثلتها، وشَعّبوا أقسامها حيث كان الزَّمَان مشحونًا بالعلماء، وكانت المُنَاظرات تبلغ بأهلها عَنَان السماء، ومن نظر كتب إمام الحرمين
стр. 2142
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأبي إسحاق الشِّيرازي وأصحابهما، وأصحاب أصحابهما قضي العَجَب من ذلك، ورأى كيف كانت الأئمة، على أن أبا المُظَفّر بن السمعاني قال: لا يجوز للفقيه أن يعتمد على جميع هذه الأسْئِلَةِ، ولا يعتقد صحَّتها، فإنها ظواهر أقنع بها من يقنع بظاهر من الكلام، وقل وقوعه على حقائق المَعَاني في المسائل.
وأنا أقول: أئمتنا لا ينكرون ذلك، وإنما وضعوها، واستكثروا منها لينتحل الصّحيح من الفاسد، فيلوح لراكب بِحَار النظر تجنبها (١) وَتَنْفتِحُ الأبواب لذي الفِطْنَةِ فيَسْلخها، ويظهر من حقائق الأمور أَبْلَجُها، وينهض في جَحَافل الأقيسة على أحسن الطرق حججها.
والمصنف وإن ذكر خمسة وعشرين اعتراضًا، فأنواعها عند التحقيق سَبْعة، وذلك أن المستدل يلزمه تفهيم ما يقوله، وإذا اندفع في القياس، لا بد أن يتمكن منه، وإلا فلو منعه مانع عن القياس كان قياسه مردودًا؛ إذ لا قياس إلا حيث يثبت، ثم إذا تمكن لم يكن له [بُدّ] (٢) من تثبيت مقدّماته؛ لتستتب له، وهي: حكم الأصل، وعلته، وثبوت العلّة في الفرع، ثم لا بُد من أن يكون ذلك على وَجْهٍ مستلزم لثبوت حكم الفرع، وإلا ضاع غرضه، وأن يكون ذلك الحكم هو مطلوبه الذي ادَّعَاه أولًا، وساق الدَّليل إليه جهده سبعة مقدمات يتوجه على كل مقام منها نوع من الاعتراض.
النوع الأول، وهو ما يتعلق بالإفهام: هو الاستفسار، وهو أجدرها بالتقديم؛ إذ الكلام فرع التصور.
الثاني: أن يتمكّن من الاحتجاج بالقياس في منعه من القياس في تلك المسألة، فإن منع تمكينه من القياس فيها مطلقًا، فهو فساد الاعتبار، وإن منعه من القياس المخصوص، فهو فساد الوضع.
الثالث: ما يورد على المقدّمة الأولى من القياس، وهو دَعْوَى حكم الأصل، ولا مجال للمعارضة فيه؛ لأنه غضب لنصب الاستدلال، فتعين المنع، وذلك إما ابتداء، أو بعد تقسيم، ويطلق على الأول: منع حكم الأصل، وعلى الثاني: التقسيم.
стр. 2143
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الرابع: ما يرد على المقدمة الثانية، وهي قوله: والحكم في الأصل معلل بكذا، فالقدح إما في وجوده، وإما في عكسه.
والقدح في العلية إما أن يكون نفيًا للعلة صريحًا، أو نفي لازمها، والنفي الصريح إما منع مجرد أو معارضة، وبيان عدم التأثير، ونفي اللازم إما أن يختص بالمناسبة أو لا.
فالمختص بحسب شروط المناسب، وهي: الإفضاء إلى المصلحة، وعدم المُعَارض لها، والظُّهور والانضباط، فهذه أربعة، وغير المختصّ حيث شرط العلة: الاطِّرَاد والانعكاس، أما نفي الطرد، فَضَرْبَان؛ لأنه إما بعد إلغاء قيد، وهو الكسر، أولا، وهو النقض، وأما نفي العكس، فضرب واحد، فهذه عشرة: الأول: منع وجود العلة.
الثاني: منع كونها علة.
الثالث: بيان عدم تأثيرها.
الرابع: عدم الإفضاء.
الخامس: وجود المُعَارض.
السَّادس: عدم الظهور.
السَّابع: عدم الانضباط.
الثامن: النقض.
التاسع: الكسر.
العاشر: عدم العكس.
النوع الخامس: ما يرد باعتبار المقدمة الثالثة، وهي دعوى وجود العلة في الفرع مساوية لوجودها في الأصل، وذلك إما منع، فتقول: لا أسلم وجودها في الفرع، أو المعارضة في الفرع بما يقتضي نقيض الحُكْم، أو يدفع المُسَاواة باعتبار ضَمِيمَة شرط في الأصل، أو مانع في الفرع، وهو الفرق، أو باعتبار نفي العلة لاختلاف في الضابط، أو في جنس المصلحة، فهذه خمسة، وسبق خمسة عشر.
السادس: ما يرد على المقدمة الرَّابعة، وهي قوله: فيوجد الحُكْم في الفرع، وفي هذا المقام لا سبيل إلى المنع؛ إذ قد قام الدَّليل، بل يدعي المُخَالفة ويبينها، إما مقتصرًا عليها، وهو ما عبر عنه بقوله: مخالفة حكم الفرع، أو مدعيًا أن دليل المستدل يقتضي ذلك، وهو القلب.
стр. 2144
وَالاِعْتِرَاضَاتُ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ تَتَعَدَّدُ اتِّفَاقًا، وَمِنْ أَجْنَاسٍ؛ كَالْمَنْعِ، وَالْمُطَالَبَةِ، وَالنَّقْضِ، وَالْمُعَارَضَةِ مَنَعَ أَهْلُ "سَمَرْقَنْدَ" التَّعَدُدَ؛ لِلْخَبْطِ، وَالمُتَرَتِّبَةُ مَنَعَ الأَكْثَرُ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّسْلِيمِ لِلْمُتَقَدِّمِ فَيَتَعيَّنُ الآخَرُ.
وَالْمُخْتارُ: جَوَازُهُ؛ لأِنَّ التَّسْلِيمَ تَقْدِيرِيٌّ فَلْتَتَرَتَّبْ، وَإلَّا كَانَ مَنْعًا بَعْدَ تَسْلِيم، فَيُقَدَّمُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالأصْلِ، ثُمَّ الْعِلَّةُ؛ لاِسْتِنْبَاطِهَا مِنْه، ثُمَّ الْفَرْعُ لبِنَائِهِ عَلَيْهِمَا، وَقُدِّمَ النَّقْضُ عَلَى مُعَارَضَةِ الأصْلِ؛ لأِنَّهُ يُورَدُ لإِبْطَالِ الْعِلَّةِ، وَالْمُعَارَضَةُ لإِبطالِ اسْتِقْلالِهَا.
السابع: ما يرد على قول المستدل بعد إثبات الحكم في الفرع، وذلك هو المطلوب، وهو المنع، فنقول: لا نسلم، بل النزاع باقٍ، وهو القول بالموجب.
وأما التركيب فليس سؤالًا برأسه، فإنه إما مركّب الأصل، وذلك راجع إلى منع حكم الأصل، أو منع العلية، أو مركب الوصف، وهو راجعٌ إلى منع الحكم، أو منع وجود العلّة في الفرع، وأما التعدية فمن المعارضة، كما تقدم.
وقد ختم المصنف الاعتراضات بفصل في ترتيب الأسئلة، فقال:
الشرح: إما أن تكون "من جنس واحد" كالنُّقُوض، والمُعَارضات في الأصل والفرع، أو من أجناس مختلفة، كالمَنْعِ والمطالبة، والنقض والمُعَارضة، فإن كانت من جنس واحد، فإنها "تعدد" على معنى: أنه يجوز إيرادها معًا "اتفاقًا"، ولا يلزم منه تناقض، ولا انتقال من سُؤَال إلى آخر "و "إن كانت "من أجناس، كالمَنْعِ والمطالبة، والمنع والمُعَارضة" كذا بخط المصنّف، المنع مرتين: أي: المنع مع المُعَارضة، فإن كانت غير مرتبة، فقد "منع أهل "سمرقند" المتعدد" (١) فيها؛ "للخَبْط" اللازم منها والانْتِشَار، وأوجبوا الاقتصار على سؤال واحدٍ حرصًا على الضبط.
قالوا: ولا يرد علينا إذا كانت من جنس، فإنا جوزنا تعددها وإن أدَّت (٢) إلى النشر؛ لأن النَّشر في المختلفة أكثر منه في المُتَّفقة، والجمهور جَوّزوا الجمع بينهما، وهو الحق.
وإن كانت مرتبة طبعًا، مثل حكم الأصل ومنع العلية، فإن تعليل الحكم بعد ثبوته طبعًا، فقد أشار إليه بقوله: "والمرتبة منع الأكثر" من جمعها "لما فيه من التَّسْليم للمتقدم"؛
стр. 2145
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأنك تقول: لا نسلم ثبوت الحكم في الأصل، ولئن سلّمناه، فلا نسلم أن العلّة فيه ما ذكرت، ففي الأخير تسليم للأول، "فيتعين الأخير".
"والمختار: جوازه؛ لأن التسليم" ليس بتحقيقي، وإنما هو "تقديري"، وإذا كان كذلك، "فلتترتب" الأسئلة، "وإلا لَكَان" إيرادها بلا ترتيب "منعًا (١) بعد تسليم"، فإنك لو قلت: لا نسلم أن الأصل معلل بكذا، فقد سلمت ضمنًا ثبوت الحكم، فكيف تمنعه بعد ذلك؟
ولقائل أن يقول: إن كان التسليم تقديريًّا، فلا يضر، كما ذكرتم، ولم لا يرقي المستدل فيقول: لا أسلم أن الأصل معلل بكذا، بل لا أسلم ثبوت الحكم فيه كما يقول: لا نسلم الحكم، وإن سلمته، فلا أسلم العلّة، فالأظهر عندنا تجويز ذلك، ولكنا نُفَرِّعُ على رأي صاحب الكتاب، فنقول: وإذا ثبت إيرادها مترتبة، "فيقدم ما يتعلق بالأصل، ثم العلّة؛ لاستنباطها منه، ثم الفرع؛ لبنائه عليهما، وقدّم النقض على معارضة الأصل؛ لأنه يورد لإبطال العلة، والمعارضة" إنما تورد "لإبطال استقلالها"، فالترتيب أن يقول: ليس بعلّة لعدم الاطِّرَاد، وإن سلم، فليس بمستقل.
وبالله التوفيق
стр. 2146
الاِسْتِدْلالُ
وَالاِسْتِدْلالُ يُطْلَقُ عَلَى ذِكْرِ الدَّلِيلِ وَيُطْلَقُ عَلَى نَوْعٍ خَاصٍّ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ؛ فَقِيلَ: مَا لَيْسَ بِنَصٍّ، وَلا إِجْمَاعٍ، وَلا قِيَاسٍ، وَقِيلَ: وَلا قِيَاسَ عِلَّةٍ؛ فَيَدْخُلُ نَفْيُ الْفَارِقِ وَالتَّلازُمُ.
الشرح: "والاستدلال": اسْتِفْعَالٌ من الدليل (١)، وَاسْتَفْعَلَ في لغة العرب ترد للطَّلب وللتحرك، وللإيجاد، ولإلغاء الشَّيْء، بِمَعْنَى ما صيغ منه، أو لِعَدِّه كذلك، ولمطاوعة "افْعَلْ"، ولموافقته وموافقة تَفَعَّل وافْتَعَل، والمجرد، والإغناء عنه وعن فعل.
стр. 2147
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مثال الأول: اسْتَغْفَرَ. أي: طلب المغفرة.
والثاني: استحْجَر الطِّين أي: صار حجرا.
ومثال الإيجاد: استعبد عبدًا، استأجر أجيرًا، أي. اتَّخذوا إلغاء الشَّيء بمعنى ما صيغ منه.
مثاله: اسْتَصْغَرْتُه، أي: وجدتُّه كذلك.
وعَبَّرَ "ابن عصفور" عن هذا بـ "الإصابة"، وأشلاه فاستشلى، وأحكمه فاستحكم، وموافقه "افْعَل" استحْصَدَ الزرع واحصد، ومطاوعة "افْعَلْ" نحو: كأنه فاستكان، وكذلك تقول فيما بعده صغيرًا وكبيرًا، وهو بخلاف ذلك، واستيقن المرء وأيقن، وموافقه "تَفَعَّلَ" اسْتَكْبَر واسْتَعاذ، أي تكبَّر وتعوَّذ [وموافقه] (١) "افْتَعَلَ" استعْصَم واعْتَصَم، واستعْذر واعْتَذر، وموافقه المُجَرَّد استغنى وغنى، والإغناء عن التجرد نحو: استأثر واستند، وَالإغنَاء عن فعل: استرجع إذا قال: "إِنَّا لله وإنَّا إليه راجعون".
و"اسْتَعَان" إذا حلق عَانتَهُ. إذا عرفت هذا، فالاستدلال في الاصْطِلاحِ مُشْتَركٌ، فإنَّه يطلق على ذكر الدَّليل سواء أكان نصًّا أم إجْمَاعًا أم غيرهما، ويُطْلق على نوع خاصٍّ من أنواع الأدلَّة، وهو المقصود بيانه هنا، وله عُقِدَ الباب.
واعْلَمْ أن علماء الأُمَّةِ أجمعوا على أنَّه ثَمَّ دليل شرعي غير ما تقدَّم، واخْتَلَفُوا في تَشخِيصِهِ.
وقال قومٌ: هو الاسْتِصْحَابُ.
وقال قوم: هو الاستِحْسَان.
стр. 2148
وَأَمَّا نَحْوُ: وُجِدَ السَّبَبُ أَوِ الْمَانِع، أَوْ: فُقِدَ الشَّرْط، فَقِيلَ: دَعْوَى دَلِيلٍ، وَقِيلَ: دَلِيلٌ، وَعَلَى أنَّهُ دَلِيلٌ قِيلَ: اسْتِدْلالٌ وَقِيلَ: إِنْ أُثْبِتَ بِغَيْرِ الثَّلَاثَةِ.
وَالْمُخْتَارُ: أَنَّهُ ثَلاثَةٌ: تَلازَمٌ بَيْنَ حُكْمَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ عِلَّةٍ، وَاسْتِصْحَابٌ، وَشَرْع مَنْ قَبْلَنَا.
وقال قوم: هو المصالح الْمُرْسَلَة، ونحو ذلك من عمل القول والتَّلازم ونحوهما، وقد علمت توارد "اسْتَفْعَلَ" في اللُّغَة. وعندي أن المَقْصُود منها في مصطلح الأُصُوليِّين الاتِّخَاذ، والمعنى أن هذا باب ما اتَّخَذُوهُ دليلًا، والسِّرُّ في جعل هذا الباب مُتَّخَذًا دون الكِتَاب والسُّنَّةِ والإجماع والقياس؛ لأنَّ تلك الأدِلَّة قام القَاطِعُ عليها، ولم يتنازع المعتبرون في شَيْءٍ منها، وكَأَنَّ قيامها لم ينشأ عن صنِيعِهِم واجتهادهم، بل أَمْرٌ ظاهِرٌ.
وأَمَّا ما عُقِدَ له هذا الباب، فهو شيء قاله كلُّ إِمَامٍ بِمُقْتَضَى تَأْدِيَةِ اجتهاده، فكأنَّهُ اتَّخَذَهُ دليلًا، كما تَقُول: الشَّافِعِيُّ يستدلُّ بالاستصْحَاب، ومَالِكُ بالمَصَالِح الْمُرْسَلَةِ، وأبُو حَنِيفَةَ بالاستحسان، أي: يَتَّخِذُ من كلامهم ذلك دليلًا، كما تقول: يُحْتَجُّ بِكَذا، وهذا معنىً مليحٌ في سبب تَسْمِيته بـ "الاستدلال"، واخْتُلِفَ في تعريفه، فَقِيلَ: ما ليس بنصٍّ ولا إجماع ولا قياس، وقيل: ما ليس بنصٍّ ولا إجماع ولا قياس عِلَّةٍ، فيدخل تحت الاستدلال حِينَئِذٍ نَفْيُ الْفَارِق، وهو الَّذِي سمَّاه: "القياس في معنى الأصل".
والتلازم أي: قياس التلازم، وهو إثبات أحَدِ موجِبي الْعِلَّةِ بالآخَرِ لتلازمهما، وهو الذي سمَّاهُ "قياس الأدِلَّةِ"، فإذن التعريف الأوَّلُ أخَصّ، وقال: هذا إنما عرفناه بسلب غيره من الأَدِلَّةِ عنه دون العِلَّتَيْنِ؛ لِتقَدُّمِ مَعْرِفَةِ تلك الأدِلَّةِ، فيكون ذلك تعريفًا لِلْأَخْفَى بِالْأعْرَفِ، بخلاف الْعَكْسِ، فإنَّه لم يتقدم للاستدلال ذكر، فيكون تَعْرِيفًا بالمجهول.
الشرح: "وأمَّا نَحْوُ" فأكثر من قول الفقهاء: "وجد السَّبَبُ"، فيُوجَدُ الحُكْمُ "أو المَانِعُ" فَيَنْتَفِي، "أو فُقِد الشَّرط" فينتفي أيضًا، "فقيل": ليس بدليلٍ، وإنما هو "دَعْوى دليل"، وهو بمثابة قولك: وُجِدَ دليل الحكم فوجد، وهذه دَعْوى لا تُسْمَعُ ما لم يعين الدَّليل المُدَّعَى أَنَّه موجود، فينبغي أن يُعَيّنَ الدَّليل المستلزم للحكم، وهو السَّبب الخاصّ، أو وجود المانع، أو انتفاء الشَّرط الخاصين، "وقيل": بل هو "دليل"؛ لأنَّ الدَّليل ما يلزم منه الحكم قطعًا أو ظنًّا، وهو كذلك، "وعلى" تقدير "أنَّه دليل قيل": إنه "استدلال"؛ لأنه ليس بنصٍّ ولا إجماع ولا قياس.
стр. 2149
الأوَّلُ: تَلازُمٌ بَيْنَ ثُبُوتَيْنِ أَوْ نَفْيَيْنِ، أَوْ ثُبُوتٍ وَنَفْي، أَوْ نَفْي وَثُبُوتٍ، وَالْمُتَلازِمَانِ: إنْ كَانَا طَرْدًا وَعَكْسًا؛ كَالْجِسْمِ وَالتَّألِيفِ، جَرَى فِيهِمَا الأَوَّلانِ طَرْدًا وَعَكْسًا.
"وقيل: إن أثبت" السَّبب أو المانع أو الشَّرط "بغير الثَّلاثة" التي هي النصُّ والإجْمَاعُ والقياس، فهو استدلال، وإلَّا فلا، "والمُخْتَار" عند المُصَنِّف: "أنَّه ثلاثهٌ: تلازم بين حُكْمَيْنِ من غير تَعْيِينِ عِلَّةٍ"، وإلَّا لكان قياسًا أو "استصحاب، وشرع من قَبْلَنَا"، وزادَ فَرِيقٌ: الاستحسان، وفريق: المصالح المُرْسَلَةِ، ونقص قَوْمٌ: الاسْتِصْحَابَ، وقوم: شَرْع من قَبْلَنَا، عَلَى ما يأتي ذلك كلُّه إن شاء الله تعالى.
ولقائل أن يقول: قولكم: المختار: أنَّهُ ثلاثَةٌ …
... إلى آخِرِهِ - يقتضي أن الاستدلال موضوع عندكم بإزاء الثَّلاثة، وهذا لم يقل به أحد، بل المتَّفق عليه أنَّهُ موضوع في مصطلح الأصوليِّين، بإزاء دليل غير الثَّلاثة اختلفوا بعد اتِّفاقهم على أن ذلك الدَّليل موضوعه في تشخيصه، كما عرَّفناك حسب اختلافهم في الاحتجاج بما يحتجُّون، فمن قال كالمصنِّف: إنما هو التَّلازم، والاستصحاب، وشرع السَّابق، لا يقول: ذلك موضوع الاستدلال، بل ذلك مشخَّص موضوع الاستدلال، وموضوع الاستدلال إنَّما هو القدر المشترك، ففي الحقيقة هو لفظ موضوع للأعمِّ استعمل في الأخصِّ، ولا يقدر المصنِّف أن يذهب إلى أن الأُصوليِّين وضعوا القطع والاستدلال لما رآه هو حجَّةً دون ما رآه أبُو حَنِيفَة، ولا الحنفيُّ إلى أن الاستدلال ما رآه هو حُجَّةً دون ما رآه الشَّافِعِيّ، بل الأمر كما بَيَّنَّاهُ.
الشرح: الأوَّلُ: قياس التَّلازم، وهو إِمَّا "تلازم بين ثُبُوتَيْنِ أو نَفْيَيْنِ، أو ثبوتٍ ونفي، أو نفي وثُبُوتٍ"، كما يقول في المسلم يَجِدُ الميتة: إن كان مضطرّا لم يأكل، إن كان مضطرّا لَمْ يُحَرَّمْ، إن لم يكن مضطرًّا حرِّم، "والمتلازمان إن كانا" متلازمين "طردًا وعكسًا" أي: من الطَّرفين "فالجسم التَّأليف جرى فيهما الأوَّلان"، وهما التَّلازم بين ثبوتَين، وبين نفيين "طردًا وعكسًا"، بمعنى أن وجود كلٍّ منهما يستلزم وجود الآخر، ونفيه يستلزم نفي الآخر، كُلُّ ما كان جسمًا كان مؤلَّفًا، وكُلُّ ما كان مؤلَّفًا كان جسمًا، وكُلُّ ما لم يكن مؤلَّفًا لم يكن جسمًا، وَكُلُّ ما لم يكن جسمًا لم يكن مؤلَّفًا.
стр. 2150
وَإنْ كَانَا طَرْدًا لا عَكْسًا؛ كالْجِسْمِ وَالْحُدُوثِ، جَرَى فِيهِمَا الأَوَّلُ طَرْدًا، وَالثَّانِي عَكْسًا.
وَالْمُتَنَافِيَانِ إِنْ كَانَا طَرْدًا وَعَكْسًا؛ كَالْحُدُوثِ وَوُجُوبِ الْبَقَاء، جَرَى فِيهِمَا الأخِيرَانِ طَرْدًا وَعَكْسًا: فَإِنْ تَنَافَيا إِثْبَاتًا؛ كَالتَّأْلِيفِ وَالْقِدَمِ، جَرَى فِيهِمَا الثَّالِثُ طَرْدًا وَعَكْسًا: فَإِنْ تَنَافَيَا نَفْيًا؛ كَالأَسَاسِ وَالْخَلَلِ، جَرَى فِيهِمَا الرَّابعُ طَرْدًا وَعَكْسًا.
الشرح: و "وإن كانا" مُتلازمين "طَرْدًا" كالجسم والحُدُوثِ"، فإنَّ الجسم مستلزم للحدوث من غير عكس "جرى فيهما الأوَّلُ": أعني التَّلازم الثبوتي "طردًا"؛ لأنَّ كلَّ جسم محدث لا عكسًا؛ إذ ليس كلُّ ما ليس بجسم ليس محدثًا. "والثَّاني": أعني التَّلازم السَّلبي طردًا؛ فإنَّ عدم الحدوث مستلزم لعدم الجسم لا طردًا؛ فإنَّ الحدوث ليس بمستلزم للجسم. "والمتنافيان إن كانا" متنافيين "طردًا وعكسًا" أي: وجودًا وعدمًا، وهي المنفصلة الحقيقيَّة فينافى وجود كلٍّ منهما وجود الآخر، وعدمُهُ عَدَمَه، "كالحدوث ووجوب البقاء"، إذ بينهما منافاةٌ وجودًا وعدمًا "جرى فيهما الآخران"، أعني التَّلازم بين ثبوتٍ ونفي، وعكسه "طردًا"؛ فإنَّ كل محدثٍ ليس بواجبٍ، والواجبُ ليس بمحدثٍ: "وعكسًا"؛ فإنَّ ما ليس بمحدثٍ واجب، وما ليس بواجبٍ محدث، "فإن تنافيا إثباتًا" فقط، أي: لم يجتمعا على الصِّدق مع جواز كذبهما "كالتَّأليف [والقدم] (١) "، إذ لا يجتمعان، فلا يوجد شيء هو مؤلَّفٌ وقديمٌ، وقد يرتفعان كالجزء الَّذي لا يتجزَّأُ "جرى فيهما" "الثَّالث، وهو استلزام الثُّبوت للنَّص "طردًا وعكسًا"، فإنَّ كلَّ مؤلَّف ليس بقديم، والقديم ليس بمؤلَّفٍ، فإن تنافيا نفيًا فقط أي: لم يجتمعا على الكذب مع جواز صدقهما كالأساس والخلل، فإنَّهما لا يرتفعان، فلا يوجد ما ليس له أساس ولا يختل، وقد يجتمعان في كل ذي أساس يختلُّ بوجه آخر جرى فيهما الرابع: وهو استلزام النفى للثُّبوت طردًا وعكسًا، فيصدق كلُّ ما لم يكن له أساس، فهو مختلٌ، وكل ما لم يكن مختلًّا، فله أساس، فهذه أقسام التَّلازم بحسب موادِّها، فلنذكر أمثلتها في:
стр. 2151
الأوَّلُ: فِي الأَحْكَامِ: مَنْ صَحَّ طَلاقُه، صحَّ ظِهَارُه، وَيَثْبُتُ بِالطَّرْدِ، وَيَقْوَى بِالْعَكْسِ، وَيُقَرَّرُ بِثُبُوتِ أَحَدِ الأَثَرَيْنِ؛ فَيَلْزَمُ الآخَرُ؛ لِلزُومِ الْمُؤَثِّرِ وَبثُبُوتِ الْمُؤَثِّرِ، وَلا يُعَيَّنُ الْمُؤَثَّر، فَيَكُونُ انْتِقَالًا إِلَى قِيَاسِ الْعِلَّةِ.
الثَّاني: لَوْ صحَّ الْوُضُوءُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، لَصَحَّ التَّيَمُّم، وَيَثْبُتُ بالطَّرْدِ كَمَا تَقَدَّيَم، وَيُقَرَّرُ بِانْتِفَاءِ أَحَدِ الأَثَرَينِ، فَيَنْتَفِي الآخَرُ؛ لِلُزُومِ انْتِفَاءِ الْمُؤَثَّرِ وَبِانْتِفَاءِ الْمُؤَثرِ.
الشرح: الأحكام "الأوَّلُ": وهو التَّلازم بين الثُّبوتين "في الأحكام".
مثاله: "من صَحَّ طلاقه صحَّ ظهاره، ويثبت" هذا التَّلازم "بالطَّرد"، وهو أنَّا وجدنا كل من صحَّ طلاقه صحَّ ظهاره، "ويقوى بالعكس"، وهو أنَّا وجدنا كل من لا يصحُّ طلاقه لا يصحُّ ظهاره، وحاصله التَّمسُّك بالدَّوران، وإنما قلنا: يقوى بالعكس، ولم نقل: "يثبت" بناءً على ما قدَّمناه من أن العدم ليس جزءًا، ولو كان جزءًا استوى العكس والطرد.
فإن قلت: قد تقَّدم أن المصنِّف لا يرى أن الدَّوران حجَّةٌ، فكيف يحتجُّ هنا بمجرَّد الطرد، وهو أضعف من الدَّوران؟.
قلت: الَّذي تقدَّم أنَّه لا يراه حجَّةً قياسية، والذي أثبته هنا أنه يحصل به الملازمة، فالحاصل أن الدَّوران عنده لا يفيد ظنَّ العلِّيَّة، وإنما يفيد الاقتران الذي به الملازمة، وينشأ عنها الحكم لا العلة، وقد "تقرَّر" بوجه غير الدَّوران، وذلك "ثبوت أحد الأمرين، فيلزم الآخر"، وإنَّما "لزم" لثبوت المؤثر حينئذ ضرورة وجود "الأثر"، فيلزم وجود مؤثِّره، ويلزم من ثبوت مؤثِّره ثبوت الأثر الآخر؛ لأنَّ نسبته إليه كنسبته إليه، أو يقال: ثبت أحد الأمرين، فكان "المؤثِّر" ثابتًا، فكان الآخر ثابتًا، وإليه أشار بقوله: "و "قد تقرر "ثبوت المؤثِّر" فيقال: ثبت أحد الأمرين وهو صحة الطَّلاق مثلًا، فيكون المؤثِّر ثابتًا، فيكون الآخر - وهو الظِّهار - ثابتًا، "ولا يعيَّن المؤثَّر" كقوله: صحَّة الطَّلاق بسبب كذا، وتلك العلَّة موجودة في الظِّهار، "فتكون" بتعيينها "انْتِقَالًا" من الاستدلال "إلى قياس العلَّة".
الشرح: "الثَّاني": وهو التَّلازم بين النَّفيين في الأحكام. مثاله قولنا: "لو صحَّ الوضوء بغير نيَّة لصحَّ التيمُّم" بغير نيَّة، كذا ذكره المصنِّف، وهو الصواب.
وقال "قطب الدِّين الشيرازيُّ": أوضح منه: لو لم يصحَّ التَّيمُّم بغير نيَّة لم يصحَّ
стр. 2152
الثَّالِثُ: مَا كَانَ مُبَاحًا لا يَكُونُ حَرَامًا.
الرَّابعُ: مَا لا يَكُونُ جَائِزًا يَكُونُ حَرَامًا، وَيُقَرَّرَانِ بِثُبُوتِ التَّنَافِي بَيْنَهُمَا أَوْ بَيْنَ لَوَازِمِهِمَا.
وَيَرِدُ عَلَى الْجَمِيعِ: مَنْعُهُمَا وَمَنْعُ أَحَدِهِمَا، وَيَرِدُ مِنَ الأسْئِلَة مَا عَدَا أَسْئِلَةَ نَفْسِ الْوَصْفِ الْجَامِعِ.
يَختَصُّ بِسُؤَالٍ؛ مِثْلُ قَوْلِهِم فِي قِصَاصِ الأيْدِي بِالْيَدِ: أَحَدُ .............
الوضوء بغير نيَّة، وهذا عجيب، فإنَّ أحدًا لا يقول بصحَّة التَّيَمُّم بغير نيَّة، وإنَّما الخلاف في الوضوء، فمثال المصنِّف هو الصَّحيح.
وقول المصنِّف: "ويثبت بالطَّرد" ويقوى بالعكس "كما تقدم" لا ينطبق على المثال الَّذي ذكره؛ فإنَّه لا طرد في الوضوء بغير نيَّة، والأولى التَّمسُّك بقولنا: من لم يصحَّ طلاقه لم يصحَّ ظهاره، فهذا ثبت بالطَّرد، وهو عدم صحَّة طلاق من لم يصحَّ ظهاره، ويقوى بالعكس، وهو صحَّة طلاق من يصحُّ ظهاره، وإن شئت قل: لو لم يصحَّ ظهاره لم يصحَّ طلاقه، لكنَّ اللازم منتفٍ فالملزوم مثله، "وتقرر" أيضًا "بانتفاء أحد الأمرين فينتفي الآخر؛ للزوم انتفاء المؤثر بانتفاء الأثر"، وتقرَّر أيضًا بانتفاء المؤثِّر.
الشرح: "الثَّالث": أن يكون الملزوم ثبوتًا، واللَّازم نفيًا، مثاله: "مَا كَانَ مُبَاحًا لا يكونُ حرامًا" من تلك الحيثيَّة.
الشرح: "الرَّابع": عكسه "ما لا يكون جائزًا"، أي: يعاقب من ارتكبه "يكون حرامًا ويقرَّران" أعني: الثَّالث، والرَّابع "بثبوت التَّنافي بينهما" أي: بين الحكمين "أو بين لوازمهما"؛ لأن تنافي اللَّوازم يدلُّ على تنافي الملزومات، "ويرد على الجميع" أي: جميع أقسام التَّلازم "منعهما" أي: منع الأمرين، وهما تحقُّق الملزوم من نفي أو إثبات، وتحقُّق الملازمة "ومنع أحدهما، ويرد" على الجميع أيضًا "من الأسئلة" الخمسة والعشرين الواردة على القياس "ما عدا أسئلة نفس الوصف الجامع"؛ لأنَّها مختصَّة بالقياس لعدم تعيُّن العلَّة هنا، وما لا تعيَّن له لا يورد عليه.
الشرح: "ويختص" التَّلازم "بسؤال" آخر غير ما ذكر في القياس.
стр. 2153
مُوجِبي الأَصْلِ، وَهُوَ النَّفْس، فَيَجِبُ بدَلِيلِ الْمُوجَبِ الثَّانِي، وَهِيَ الدِّيَة، وَقُرِّرَ بِأَنَّ الدِّيَةَ أَحَدُ الْمُوجَبَيْنِ؛ فَيَسْتَلْزِمُ الآخَرَ؛ لأِنَّ الْعِلَّةَ إِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً، فَوَاضِحٌ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَعَدِّدَةً فَتَلازَمُ الْحُكْمَيْنِ دَلِيلُ تَلازُمِ الْعِلَّتَيْنِ.
فَيُعْتَرَضُ: بِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ فِي الْفَرْعِ بِأُخْرَى لا تَقْتَضِي الآخَرَ، وَيُرَجِّحُهُ بِاتِّسَاعِ الْمَدَارِكِ، فَلا يَلْزَمُ الآخَرُ.
وَجَوَابُهُ: أَنَّ الأصْلَ عَدَمُ أُخْرَى؛ وَيُرَجِّحُهُ بأَوْلَويَةِ الاِتِّحَادِ؛ لِمَا فِيه مِنَ الْعَكْسِ.
يوضِّحه بمثال، وهو "مثل قولهم" "في" ثبوت "قصاص الأيدي باليد" الواحدة: إنَّ ذلك "أحد موجبي الأصل، وهو النَّفس، فيجب" في الفرع "بدليل الموجب الثَّاني" لعلَّة الأصل، "وهو الدِّية" على تقدير وجوبها في الفرع، "وقرِّر" الوجوب في الفرع "بأن الدِّية أحد الموجبين"، وهو موجود في الفرع، "فيستلزم الآخر"، وهو القصاص؛ "لأنَّ العلَّة" علَّة الموجبين في الأصل إمَّا واحدةٌ أو إمَّا متعدِّدة، "إن كانت واحدةً، فواضح" وجود وجوب القصاص على الجميع في الفرع يلزم من أحد موجبي العلَّة في الفرع، وهو الدِّية على الجميع وجود العلَّة في الفرع، ومن وجود العلَّة في الفرع وجود الموجب الآخر فيه، وهو وجوب القصاص على الجميع، "وإن كانت متعدِّدةً، فتلازم الحكمين"، أعني: وجوب الدِّيَة والقصاص على الجميع في الأصل "دليل تلازم العلَّتين"، وعلى هذا يلزم من وجود الدِّية على الجميع في الفرع وجود علَّته فيه، ومن وجود علَّته وجود علة الآخر لتلازم العلَّتين، ومن وجود علَّة الآخر أعني: وجوب القصاص على الجميع في الفرع، وهو المطلوب، وفي هذا المثال نظر تقدَّم في كتاب القياس وإذا تمَّ كذلك "فيعترض" المعترض "بجواز أن يكون" ثبوت أحد الموجبين، وهو الدِّيَة "في الفرع" لا بعلَّة الأصل بل "بأخرى"، وهي "لا تقتضي" الحكم "الآخر، ويرجِّحه"، أي: يرجِّح دعواه ثبوت الحكم في الفرع لعلَّة أخرى "باتِّساع المدرك"؛ فإنَّ وجوب الدِّيَة على الجميع في الفرع لعلَّة أخرى توجب التعدُّد في مدارك الحكم الأصل والفرع، وإذا كان علَّة أحد الحكمين لا يقتضي الحكم الآخر "فلا يلزم الآخر".
الشرح: "وجوابه أن الأصل عدم أخرى، ويرجِّحه" أي: يرجِّح عدم أخرى، وثبوت الاتِّحاد "بأولويَّة الاتِّحاد لما فيه من العكس"؛ فإنَّ العلَّة إذا كانت واحدةً كانت مطَّردةً
стр. 2154
فَإنْ قَالَ: فَالأصْلُ عَدَمُ عِلَّةِ الأصْلِ فِي الْفَرْعِ، وَقَال: وَالْمُتَعَدِّيَةُ أَوْلَى.
منعكسةً، والمنعكسة أولى للاتِّفاق على صحَّتها، فإن "قال" المعترض: إذا تمسَّكتم بأنَّ الأصل العدم، "فالأصل عدم" وجود "علَّة الأصل في الفرع"، فقد عارضناكم.
"قال" المستدلُّ: تعارضنا، فليعدل إلى التَّرجيح.
"والمتعدِّي أولى" من القاصرة على خلاف فيه يأتي - إن شاء الله تعالى - في باب التراجيح. انتهى.
ولقائل أن يقول: أوَّلًا: لا يصحُّ ثبوت وجودها في الفرع مجرَّد أن وجودها يقتضي التعدِّي، ولا وجودها فيه يقتضي التعدي، ولا وجودها فيه يقتضي القصور، والتَّعدِّي أولى؛ لأن حاصل ذلك استدلال على ثبوت الحكم في الفرع بأنَّ ثبوته بتأتِّي القياس، وهو ضعيف لم يقل به إلَّا من شذَّ من أهل الأصول، حيث قال: إذا كانت العلَّة موجودةً يأتي القياس المأمور بخلاف ما إذا لم تكن، فليحكم بكونها موجودةً لما أدى إليه من العمل بالمأمور به، وهو القياس. وقد رد المحقِّقون هذه الطَّريقة، وقالوا: إنَّهَا هباء منثور؛ فإن مجرَّد تأتِّي القياس لا يصيِّر الفرع مقيسًا، بل لا بدَّ من وجود العلَّة فيه عينًا، وإن سلَّمنا فنقول: لا يلزم من عدم تعدِّي الحكم إلى الفرع المتنازع فيه عدم تعدِّي العلَّة مطلقًا، [فلعلها] (١) تعدَّت إلى فرع آخر، وحينئذٍ لا يحسن قولكم: تعارض التعدِّي والقصور، ويرجَّح التعدِّي، نعم: الأصل عدم التَّعدِّي إلى فرع آخر، فإن لم يكن فرع آخر [تعدَّى] (٢) إليه بوجه الترجيح بالتَّعدِّي، وإلَّا فلا يتوجَّه.
стр. 2155
مَبْحَثٌ فِي الاسْتِصْحَابِ (١)
الاِسْتِصْحَابُ: الأكْثَرُ؛ كالْمُزَنِيِّ، وَالصَّيْرَفِيِّ، وَالْغَزَالِيِّ. عَلَى صِحَّتِهِ، وَأكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ: عَلَى بُطْلانِهِ كَانَ بَقَاءً أَصْلِيًّا، أَوْ حُكْمًا شَرْعِيًّا؛ مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْخَارجِ: الإجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ قَبْلَهُ مُتَطَهِّرٌ، وَالأصْلُ الْبَقَاءُ حَتَّى يَثْبُتَ مُعَارِضٌ، وَالأصْلُ عَدَمُهُ.
الشرح: "الاسْتِصْحَابُ" اتفق "الأكثر كالمُزَنى، والصيرفي، والغزالي على صحته"، والاحتجاج به (٢).
"وأكثر الحنفية على بطلانه"، سواء "كان بقاء أصليًّا أو حكمًا شرعيًّا.
مثل قول الشَّافعية في الخارج" من غير السَّبيلين: "الإجماع على أنه قبله متطهر، والأصل البقاء حتى يثبت معارض، والأصل عدمه".
стр. 2156
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
واعلم: أن معنى استصحاب الحال أن الحكم الفُلاني قد كان ولم يظن عدمه، وكل ما كان كذلك فهو مظنون البقاء، وقد ذكر له صور.
منها: ما لا خلاف عندنا في كونه حجة، وإنما الخلاف فيه عند غيرنا من الفرق.
ومنها: الصحيح من مذهبنا عدم الاحتجاج به، وهو استصحاب حكم الإجماع كما ستعرفه إن شاء الله تعالى.
فتخصيص المصنف المزني، والصَّيرفي، والغزالي بالذكر من بين سائر أئمتنا إن كان لخصوصية فيهم، وهي أن المزني صاحب الشَّافعي والذي نشر مذهبه.
والصيرفي شارح كلامه في الأصول، والذي كان يقال: إنه أعلم الخَلْق بالأصول بعده.
والغَزَالي خاتمة الكُبْرى في مذهبه إذ لم يجيء بعده في أصحابه مثله.
فيقال له: فلم تركت ابن سريج وهو المذهب وقد صرحوا عنه به؟
وإن كان لأنهم قالوا به حيث يقول به غيرهم، فإنهم يقولون باستصحاب الحال الذي يسمى بـ "استصحاب حكم الإجماع" تارة، وبـ "استصحاب الحال" أخرى، فيرد عليه ابن سُرَيج أيضًا، فإنه قائل به، ويزداد إيراد، وهو أن الصحيح من مذهبنا خلافه، وأن الغَزَالي لا
стр. 2157
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يقول به، وعند هذا نقول: أراد بـ "الأكثر" أناسًا من أصحابنا وغيرهم، وربما قيل: لا خلاف فيه كما ستراه.
ومنها ما يختلفون فيه، وهو استصحاب حال الإجماع، وله مثل المصنف، واختار تبعًا للآمدي أنه حجة، ولكن عليه اعتراض من جهة أن الغزالي لا يراه، فالنَّقل عنه ليس على جهة، وقد نقل عنه الآمدي أنه أنكره كما هو الصَّواب عنه.
وأما الصيرفي والمزنى فيريانه، ولا يظهر لتخصيصهما بالذكر وَجْهُ فقيه، ولا فيه أيضًا لَوْم، وإنما هو أمر اتفاقي، إذا عرفت هذا، فنقول: الأكثرون على أن الاستصحاب حجه، سواء أكان في النص أم الإثبات، ولا يخفى عليك أن له في النفي حالتين؛ لأنه إما أن يكون عقليًّا أو شرعيًّا، وليس له في الإثبات إلا حالة واحدة؛ لأن العَقْل عندنا لا يثبت حكمًا وجوديًا ألبتة.
وأما النفي فما كان منه شرعيًّا كقوله ﵇: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ" (١).
فليس له أيضًا مَدْخَل كالوجودي، وما كان منه عقليًّا، وهو الذي عرف نفيه بالبَقَاءِ على العدم الأصلي به [إلا] (٢) بتصريح الشَّارع كنفي وجوب الصَّلاة السَّادسة، وصوم شوال، فالعقل يدل عليه [بطريقة] (٣) الاستصحاب إلى أن يرد السَّمع الناقل عنه.
لا يقال: دلالة الاسْتِصْحَاب ظنية، وعدم وجوب ما ذكرتم قَطْعِي، فكيف يكون مستفادًا منه؛ لأنا نمنع ذلك، ونقول: عدم السَّمعي قد يكون معلومًا كما في هَذَيْنِ المثاليين، فيدل على القطع.
وذهب جمهور الحَنَفية كما ذكر المصنّف إلى أنه ليس بحُجة.
стр. 2158
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقيل: إنما لم يحتجوا به في الأمْرِ الوجودي لا مطلقًا، ثم اختلفوا، فمنهم من جَوّز الترجيح به.
ومنهم من لم يجوزه، والذي صَرَّحت الحنفية به في كتبهم أنه لا يكون حُجّة في العَين، ولكن يصلح لإبداء العُذْر، والدفع، ولذلك قالوا: حياة العقود، بالاستصحاب يصلح حجة لبقاء ملكه لا في إثبات الملك له في مال مورثه، وهذا قول منهم بالتَّفصيل.
ونحن نقول: للاستصحاب صور:
إحداها: ما ذكرناه من اسْتِصْحَاب العدم الأصلي، وهذا إن ثبت فيه خلاف، فلغير أصحابنا، وأما أصحابنا فَمُطْبِقُون على أنه حُجة.
والثانية: استصحاب مقتضى العموم، أو النص إلى أن يرد المخصص والناسخ، ولم يختلف أصحابنا في أنه حجة أيضًا، ومنع ابن السَّمعاني من تسميته بـ "الاستصحاب".
قال: لأن ثبوت الحكم فيه من ناحية اللفظ لا من ناحية الاستصحاب.
والثالثة: استصحاب حكم دل الشرع على ثبوته، ودوامه لوجود سببه، كالملك عند حصول المسبب، وشغل الذمة عند فرض، أو إتلاف، وهذا وإن لم يكن حكمًا أصليًّا فهو حكم شرعي دل الشرع على ثبوته ودوامه جميعًا، ولولا أن الشرع دل على دوامه إلى أن يوجد السَّبب المزيل، أو المبرئ لما جاز استصحابه.
فإذا دلَّ الشرع على ثبوت شيء، ودوامه كان حجّة بشرط عدم حصول المغير كما في الصور المذكورة، ولا أعرف في هذا إيضاحًا لأصحابنا، ومن هذا القَبِيل الحكم بتكرار الأحكام عند تكرار أسبابها؛ لأنه لما قام الدليل على كون تلك الأسباب أسبابًا لتلك الأحكام وجب استصحابها ما لم يمنع منه مانع، وهو من جملة الدليل على أن الحكم يتكرر بتكْرَار السبب.
والرابعة: استصحاب حال الإجماع في محل الخلاف، وهو أن يحصل الإجماع على حكم في حال، فيتغير الحال، ويقع الخلاف، فهل يستصحب حال الإجماع؟
وإن شئت قلت: إن ثبت حكم في حالة، فتتغيّر الحالة، فيستصحب المستدل ذلك الحكم بعينه في الحالة المتغيرة، ويقول: من ادعى تغيير الحكم، فعليه الدليل، كما قال
стр. 2159
لَنَا: أَنَّ مَا تَحَقَّقَ وَلَمْ يُظَنَّ مُعَارِضٌ - مُسْتَلْزِمٌ ظَنَّ الْبَقاء.
وَأيْضًا: لَوْ لَمْ يَكُنِ الظَّنُّ حَاصِلًا، لَكَانَ الشَّكُّ فِي الزَّوْجِيَّةِ ابْتِدَاءً كَالشَّكِّ فِي بَقَائهَا فِي التَّحْرِيمِ أَوِ الْجَوَازِ، وَهُوَ بَاطِلٌ، وَقَدِ اسْتُصْحِبَ الأصْلُ فِيهِمَا.
المصنف في الخارج من غير السبيلين، فهل هو حجة؟ هذا هو محل الخلاف بين أصحابنا، والأكثرون - ومنهم الغزالي - على أنه ليس بحجة، وذهب المُزَني وأبو ثور، والصيرفي، وأبو العباس بن سريج، وابن خَيْران إلى أنه حجة، وهو مذهب داود، واختاره المصنف كما عرفت تبعًا للآمدي.
الشرح: ثم أخذ يستدل لحجية الاستصحاب مطلقًا إذ هو رأيه. "لنا: إنما يتحقق" ثبوته، "ولم يظن" له "معارض"، فإنه "مستلزم ظن البقاء" كذلك المتحقق على ما كان عليه، ولولا حصول هذا الظَّن لما [أرسلت] (١) أخاك من بلد إلى بلد، ولا اشتغلت بما يستدعى زمانًا من حِرَاثَة ونحوها، ولكان ذلك سفهًا.
وإذا ثبت الظَّن فالعَمَل به واجب، "وأيضًا لو لم يكن الظن" [لبقى] (٢) على ما كان عليه "حاصلًا لكان الشَّك في الزوحية ابتداء كالشَّك في بقائها في التحريم أو الجواز، وهو باطل" إجماعًا، فكذا المقدم، "وقد استصحب الأصل فيهما"، فحكم بالتحريم في الأولى، وبالإباحة في الثانية بالإجماع فيها، ولا فارق إلا الاستصحاب، فلو لم يكن حقًّا معتبرًا لزم استواء الحالتين حلًا وتحريمًا، وهو خلاف الإجماع.
ونظيره: إذا تيقن الحدث وشَكّ في الطهارة، وعكسه.
ولقائل أن يقول على الأول: إنما يظن البقاء إذا لم يطرأ مغيِّر.
وأما إذا طرأ فأفضى لأمر الشك، ولا حكم معه.
وعلى الثاني أن اليقين لم يطرأ ما يزيله، بخلاف طريان الخلاف على الإجماع، فهذان الدليلان ينتهضان للاستصحاب الذي نقول به، ويعتضدان بما روى أنه ﷺ قال: "إنَّ الشَّيْطَانَ يَأتي أَحَدَكُمْ فينفخ بَيْنَ أليَتَيْهِ فَيَقُولُ: أَحْدَثْتَ، أَحْدَثْتَ فَلا يَنْصَرِفَنَّ حَتَّى يَسْمَعَ
стр. 2160
قَالُوا: الْحُكْمُ بِالطَّهَارَةِ وَنَحْوِهَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَالدَّلِيلُ [عَلَيْهِ] نَصٌّ، أَوْ إِجْمَاعٌ، أَوْ قِيَاسٌ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَ الْحُكْمَ الْبَقَاءُ، وَيَكْفِي فِيهِ ذَلِكَ، وَلَوْ سُلِّمَ فَالدَّلِيلُ الاسْتِصْحَابُ.
صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا" (١) فقد قضى باستدامة الحكم، وأما استصحاب الإجماع، فلا يدلّان له.
والأولى في مسألة الطهارة أن يقول: إنه في موضع [تيقن] (٢) الطهارة، وشك الحدث إنما أخذ باليقين لأجل الخبر.
وأما في موضع [تيقن] (٣) الحدث وشكّ الطهارة، فبالقياس عليه أي لأنه في معناه لا بالاستصحاب.
الشرح: والمَانعون من استصحاب حال الإجماع "قالوا" أولًا: "الحكم بالطَّهَارة ونحوها حكم شرعي"، فلا بد له من دليل، "والدليل نص، أو إجماع، أو قياس"، وليس الاستصحاب واحدًا منها، فلا يكون حجة.
أما انتفاء الكتاب والسُّنة، وهما المعنى بالنّص، فواضح، وكذلك القياس، وأما الإجماع فقد كان ثابتًا، لكنه زال، ونذكر صورة يتبين الحال بها، فنقول: المستدل باستصحاب الحال في مسألة المتيمم يرى في الصَّلاة على عدم البطلان؛ لأنا أجمعنا على صحة صلاته، فلا تبطل إلا بدليل.
أما أن يشرك بين الحالتين في الحكم لاشتراكهما فيما يدل عليه، وهذا ليس بالاستصحاب، بل استدلال بالعموم، أو لاشتراكهما في العلة، وهذا قياس، أولا لدلالة،
стр. 2161
قَالُوا: لَوْ كَانَ الأصْلُ الْبَقَاءَ، لَكَانَتْ بَيِّنَةُ النَّفْي أَوْلَى، وَهُوَ بَاطِلٌ بِالإجْمَاعِ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْمُثْبِتَ يَبْعُدُ غَلَطُهُ؛ فَيَحْصُلُ الظَّنُّ.
ولا لعلة، فليس الجمع بينهما أولى من عدم الجمع، وهذا لأن عدم الدليل لا يكون حجّة، وأنت ترى كيف جعل هذا دليلًا للمانعين من الاستصحاب مطلقًا، والآمدي إنما ذكره من جهة المانعين من استصحاب الإجماع فقط، وهو الذي ذكره أصحابنا.
وقالوا: فإن قيل: إن حدوث الحادث لا يغير الأحكام، قيل: يمتنع أن يختلف الشيء بحدوث الحوادث، وإذا كان هذا جائزًا فلا يظن البقاء مع الحدوث، والمصنف قال: "وأجيب" أي عن قول المانعين: لا دليل على الاسْتِصْحَاب، فلا حكم "بأن الحكم" ضربان ابتدائي، ودوامي، والذي يجب نَصْبُ دليل عليه من جهة الشارع هو الابتدائي.
وأما الدَّوامي فإنا نمنع وجوب نَصْب دليل عليه، وحينئذٍ فنقول: الحكم هنا ليس ابتدائيًّا، بل هو "البقاء" بقاء الطَّهَارة، "ويكفي فيه ذلك" أي تقدم الشيء، وعدم المعارض، وهو الاستصحاب، "ولو سلّم فالدليل الاسْتِصْحَاب"، وقولكم: الدليل منحصر في الثلاثة ممنوع؛ فإن ذلك محل النزاع، ولقائل أن يقول: لا بد لكل حكم من دليل ابتدائيًّا كان أو دواميًّا، وقولك: "الاستصحاب" لا يخلصك؛ لأنك تريد أن تبينه أولًا، وهو الآن لم يثبت؛ لأنه محل النزاع كما ذكرت.
الشرح: "قالوا" ثانيًا: "لو كان الأصل" في الشيء "البقاء" على ما كان "لكانت بينة النفي أولى" بالتقديم من بينة الإثبات، "وهو باطل بالإجماع" القائم على أن البينة تقبل من المدعي، وهو المثبت دون النَّافي.
"وأجيب: بأن المثبت يبعد غلطة، فيحصل الظن" بقوله؛ لاطلاعه على سبب أوجب له المخالفة بخلاف الثَّاني، إذ لا يبعد غلطة في ظن الموجود معدومًا على عدم علمه به.
ونظير هذا قول المصنف في زيادة العدد: قلنا: سهو الإنسان بأنه سمع ولم يسمع بعيد، بخلاف سهوه عما سمع؛ فإنه كثير.
ولقائل أن يقول: إذا كان غلط من ينفي قريبًا، فلا يبعد غلطكم إذا استصحبتم النفي لا سيما في صورة استصحاب حال الإجماع.
فيقال مثلًا: الظن الحاصل في مسألة المتطهر قبل خروج الخارج إنما يستمر بعد
стр. 2162
قَالُوا: لا ظَنَّ مَعَ جَوَازِ الأَقْيِسَةِ.
قُلْنَا: الْفَرْضُ بَعْدَ بَحْثِ الْعَالِم.
خروج الخارج من غير السَّبيلين مستندًا إلى نفي الحدث، والسهو المتطرق إلى مثله غير بعيد، فلا يكون ظنًّا معتبرًا؛ لتطرق السهو إليه.
الشرح: "قالوا" ثالثًا: "لا ظن مع جواز الأقيسة"؛ فإنه ما من صورة لا نص فيها إلا والقياس متأتّ فيها، وهو يرفع حكم الأصل اتفاقًا، فما دام القياس سائغًا لا يظن حكم إلا إذا استند إليه، وإلى النصوص، فإذا لم يستند لم يظن فلا يحكم به.
"قلنا: الفرض" أنا إنما نتمسك بالاستصحاب "بعد بحث العالم" عن الأقيسة والنصوص، وقولكم: ما من صورة إلا والقياس متأت فيها، ممنوع.
ولقائل أن يقول: قضية هذا الكلام أنه لا يجوز الاحتجاج بالاستصحاب مع إمكان القياس، ولا أعلم من فصل هذا التفصيل، نعم إذا عارض القياس استصحابًا، فالقياس مقدم، وأما إذا لم يعارضه، فلا يمتنع اجتماعهما عند من يجوز اجتماع دليلين على مَدْلول واحد.
"تنبيهات"
الأول: إذا تأملت صنيع المصنف مع تأملك كتاب "الإحكام" عرفت أن المصنف خلط مسألتين أفردهما الآمدي بالذكر.
إحداهما: استصحاب غير الإجماع الذي لا يعرف أحدًا من أصحابنا يخالف فيه.
والثانية: استصحاب الإجماع في مقام الخلاف الذي لا يقول به من أصحابنا إلا من سَمّيناه.
ونشأ للمصنف من الخلط شيئان:
أحدهما: النقل عن الغزالي على غير وَجْهه كما عرفت.
وثانيهما: أن القائل بالاسْتِصْحَاب استدلوا بأنه لا بد له من دليل، ولا نص، ولا إجماع، ولا قياس، فلا دليل، وهم إنما قالوا هذا في صورة استصحاب [بالإجماع] (١)، وهو قياس مثبت.
стр. 2163
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
استدلّوا بأنه لا بد من دليل، ولا نص ولا إجماع، ولا لأنه طرأ شيء يصلح أن يكون مغيرًا.
وأما في غير استصحاب الإجماع فلا اتجاه له؛ لأن الدليل فيه بالحقيقة، وهو ذلك الأول الذي استصحب من نصّ أو إجماع.
ولو قال: هذا مانع الاستصحاب الذي يقول به، لكان جوابه أن الدليل هو أحد الثلاثة، لا أن يقال: إن النَّافي لا يحتاج إلى دليل.
وإن سلم فالدليل الاستصحاب، وهذا واضح لمن تدبره.
الثاني: زعم ابن السَّمْعَاني أن الصحيح من مذهبنا إنكار الاستصحاب جملة، ثم إذا قيل له: ماذا تقول في العام والنص قبل الخاص والناسخ؟!
قال: نعم، ولكن ليس ذاك استصحابًا؛ لأن الدليل قائم، وهو العام والنص.
وإن قيل: ما تقول في دليل العقل في براءة الذمة أليس يستصحب أيضًا؛ قال: وإنما وجب استصحاب براءة الذمم؛ لأن دليل العقل في براءة الذمة قائم في موضع الخلاف أيضًا.
كما في العام والنص، فوجب الحكم به.
وأما في استصحاب الإجماع، فالإجماع الذي كان دليلًا على الحكم قد زال في موضع الخلاف، فوجب طلب دليل آخر.
وهذه الطريقة التي سلكها ابن السَّمعاني عندنا حسنة، وقد سبق إليها إمام الحرمين، وهي تعرف بأن الخلاف فيما عدا اسْتِصْحَابَ الإجماع لفظي، وبه صرح إمام الحرمين.
والمختار عندنا منع تسميته بـ "الاستصحاب"؛ لأن في إطلاق هذا الاسم إيهام أن الحكم مستند إلى الاستصحاب، وليس هو مستندًا إلا إلى الدليل القائم الذي استصحبناه، وهو مصاحب لنا وقت الحكم، فالاستصحاب فعلنا، والقاضي هو الدليل المستصحب، وكذلك من يستصحب حال الإجماع بعد طَرَيَانِ الخلاف [الذي] (١) لا يرى الاستناد إلا إلى
стр. 2164
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الإجماع؛ فإن الاستصحاب نفسه ليس بدليل.
ثم قال ابن السَّمْعَاني: المعتمد أنا لا نثبت براءة الذمة باستصحاب الحال، ولا نحكم بشيء لأجل الاستصحاب، لكن نطلب من المدعي حجّة يقيمها، فإذا لم يقم بقي الأمر على ما كان من غير أن يحكم بثبوت شيء.
والخلاف واقع في ثبوت الحكم باستصحاب الحال، وهذا لا يقوله في موضع ما انتهى، وهذه طريقة أخرى تُغَاير الأولى مع قربها منها.
وحاصلها: أنه يفرق بين الدوام والابتداء، ويقول: ليس في الدوام إثبات، وإنما هناك استمرار ما كان؛ لعدم طريان ما يدفعه، وقد ذكرها المتأخرون، وأشار إليها المصنف بقوله: الحكم البقاء أي: والبقاء لها يحتاج إلى دليل كما عرفناك.
الثالث: هذه الطريقة الأخرى قلنا: إن المتأخرين ذكروها تنبى على أن النافي في حال البَقَاءِ هل يحتاج إلى مؤثر؟.
وفيه خلاف للمتكلمين، فإن قلنا: لا يحتاج وضحت، وإلا لم تنتهض؛ لأنك في الدوام تريد دليلًا، وأنت مثبت به، فكيف تقول: لم يحكم بشيء، والخلاف في أن الباقي هل يحتاج إلى مؤثر مبني على اختلاف آخر في أن علة الحاجة إلى المؤثر، هل هي الإمكان، أو الحدوث أو مجموعها، أو الإمكان بشرط الحدوث؟ والحق أن العلة الإمكان وأن الباقي يحتاج إلى مؤثر، كما هو مقرر في الكتب الكلامية، فعلى هذا لا تنتهض هذه الطريقة.
الرابع: قال علماؤنا: القول باستصحاب الإجماع في موضع الخلاف يؤدي إلى التكافؤ؛ لأنه ما من أحد يستصحب حال الإجماع في موضع الخلاف في شيء إلا وَلخَصْمِهِ أن يستصحب حال الإجماع في مقابلته.
وبيان ذلك أن من قال في مسألة المتيمم إذا رأى الماء في أثناء صلاته: لا تبطل؛ لأنا أجمعنا على صحة صلاته، فلا يبطل الإجماع إلا بدليل.
قيل له: أجمعنا على اشتغال ذمته بفرض الصلاة، ولا تسقط إلا بدليل.
وذكر الشيخ أبو إسحاق أن القاضي - يعني أبا الطيب الطبري - قال: قال داود: لا
стр. 2165
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تقول بالقياس الصحيح، وهنا نقول بقياس فاسد.
لأنه يحمل حالة الخلاف على حالة الإجماع من غير علّة جامعة.
وذكر الخطيب في "التاريخ" أن أبا سعد [البردعي] (١)، وهو من أئمة الحنفية سأل داود عن بيع أمهات الأولاد، فقال: يجوز، فقال له: لم قلت ذلك؟ قال: لأنا أجمعنا على جواز بَيْعِهِنّ قبل العُلُوقِ، فلا يزول عن هذا الإجماع إلا بإجماع مثله.
فقال له: أجمعنا بعد العُلُوق قبل الوضع أنه لا يجوز، فيجب أن تتمسّك بالإجماع، ولا يزول عنه إلا بإجماع مثله.
قلت: إن كان الإجماع قائمًا كما ادَّعَاه على المَنْع قبل الوضع، فالمعارضة جيدة.
الخامس: الصحيح عند أصحابنا فيما إذا رأى المتيمم الماء في أثناء الصَّلاة أن الصلاة إن لم تكن معينة عن القَضَاء بطل تيممه.
وإن كانت معينة لا تبطل، فلم ينظر إلى الاستصحاب.
وخرج المزني قولًا أنهما يبطلان، وساعده ابن سريج.
وقيل: لا يبطلان.
السادس: إذا شرع المعسر في الصوم عن الكَفارة، ثم أيسر لم يلزمه الإعْتَاق.
وذهب المزني أنه يلزمه، وهذه مخالفة لأصله؛ فإنا أجمعنا على شروعه في الصوم أنه الذي يلزمه، فينبغي له استصحاب هذا الإجماع، ولا يزول عنه إلا بإجماع آخر، فإن قال: أجمعنا على أن فرضه أولًا العِتْق، وطريان الإعسار لم يتحقق أنه مانع إلا إذا دام.
أما إذا انقطع فمشكوك، فيجري على أصل الإعتاق، قلنا: قد قدمنا أن كل إجماع [استصحاب] (٢) في حال الخلاف أمكن أن يعكس، وتتكافأ الأدلّة، فهلا اعترضت بهذا على نفسك؟! ونظير ما فعله المُزَني هنا قوله: إن الحر إذا نكح أمَةً بشروطه، ثم أيسر، ونكح حرةً انفسخ نكاح الأمة السابق.
стр. 2166
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
من اشترى شيئًا رآه قبل العَقْد، ومضت مدة يحتمل أن يتغيّر فيها، ويحتمل ألا يتغير، وكان حيوانًا، فالأصح الصّحة استصحابًا مع احتمال التغير.
وإن كان مما لا يتغير كالأراضي، وكان لا يتغير في تلك المدة - لقلّتها - صَحَّ عند الجَمَاهير، وخالف الأَنْمَاطي، فاشترط الرؤية حالة الحَقْدِ مطلقًا، وأفرط في ذلك، فإما أن يكون لا يرى الاسْتِصْحَاب أصلًا، وقد قدمنا أنا لا نعرف ذلك عن أحد من أصحابنا.
وإما أن يدعي أنه لاحَ له دليل خاص على ذلك.
الثامن: ما ذكره الحنفية من أن الاستصحاب يصلح للدفع لا للرفع حسن، ونظيره إذا ظهر لبنت تسع سنين لبن، فارتضع منه صغير حرم، ولا نحكم ببلوغها.
قالوا: لأن احتمال البلوغ قائم، والرضاع كالنسب، [فيكفي] (١) فيه الاحتمال، والمذهب وجوب فطرة العبد الغَائِبِ المنقطع الخبر أنه لا يجوز إعتاقه عن الكَفّارة، وإذا قال: أوصيت لِحَمْل فُلانة، فولدت لفوق ستة أشهر، ودون أربع سنين من يوم الوصية، وكان الزوج قد فارقها أو غاب عنها حيث يعلم أنه لم يطأها بعد الوصية، فالولد لا حق به قطعًا.
ولا تثبت الوصية على وجه؛ لأن حدوث الولد يمكن في الباطن، والنسب يلحق بالإمكان، وأما الوصية فلما يتحقق وجوده عندها، والأصل عدمه، ولكن الصحيح ثبوتها.
ولو قال: لحمل فُلانة من فُلان، فولدت ولدًا اقتضى الحال إلحاقه به، فإن [نَفَاه] (٢)، ولاعن اندفع النسب.
وفي الوصية وجهان.
أصحهما: لا يثبت، والثاني، وبه قال أبو إسحاق والأستاد أبو منصور: يثبت؛ لأن اللِّعَان إنما يؤثر في حق المتلاعنين.
стр. 2167
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإذا دفع ثوبًا إلى خياط ليقطعه، أو يخيطه، فخاطه قبَاء، ثم اختلفا فقال الخياط: أمرتني بقباء، وقال: بل بِقَميصٍ، ففيه الطريقة المشهورة في المذهب.
والأصح أن القول قول المالك.
وقيل: قول الخياط.
فإن قلنا: قول الخياط، فإذا حلف لا أرش عليه قطعًا ولا أُجْرة له على الأصح.
وقيل: يجب له المسمى إتمامًا لتصديقه.
وإن قلنا قول المالك، فإذا حلف فلا أُجْرَة عليه ويلزم الخياط أرش النَّقص على المذهب.
وقيل: وجهان كما في وجوب الأُجرة تفريعًا على تصديقه الخَياط.
والفرق على المذهب أن القطع يوجب الضَّمان إلا أن يكون بإذن، وهو غير موجب أُجرة إلا بإذن.
وفي الرَّافعي عن "فتاوي البَغَوِيّ" أنه لو تزوجها بشرط البَكَارة، فوجدت ثيبًا، ثم اختلفا فقالت: كنت بكرًا فافتضني، وقال: بل كنت ثيبًا، فالقول قولها؛ لدفع الفَسْخ، وقوله؛ لدفع كمال المهر.
التاسع: قال أصحابنا: لو كان معه ماء ونحوه مما أصله الطهارة، وتردد في نجاسته، فلا يضر تردَده، وهو باقٍ على طهارته، وسواء أكان التردد مستويًا أو ترجح احتمال النجاسة، إلا على قول ضعيف أنه إذا غلب على ظنه النجاسة حكم بها، [وكذلك] (١) لو شكّ في طلاق أو عتق أو حدث أو حيض، ونحو ذلك، هذا كله ما لم يستند الظَّن إلى سبب معين، فإن استند كمسألة بول الحَيوان في ماء كثير إذا تغير.
ومسألة المقبرة المشكوك في منشئها، وبيان المتدينين باستعمال النجاسة، ومسائل تعارض الأصل.
والظاهر كلها أحكام معروفة، ففي بعضها يعمل بالظاهر جزمًا كمسألة بول الحَيَوان، وشهادة شاهدين.
стр. 2168
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإنها تفيد الظن، وقد تقدم على أصل براءة الذمة بلا خلاف، وفي بعضها قولان كمسألة المقبرة ونحوها (١).
وقد قال ابن القاص: اليقين لا يرفع بالشك إلا في إحدى عشرة مسألة (٢):
إحداها: إذا شك ماسح الخف هل انقضت المدة؟
والثانية: إذا شك هل مسح في الحضر أو السفر؟ يحكم في المسألتين بانقضاء المدة.
الثالثة: إذا أحرم المسافر بنيّة القصر خلْف من لا يدري أمسافر هو، أو مقيم؟ لم يجز القصر.
الرابعة: بال حيوان في ماء كثير، ووجده متغيرًا، ولم يَدْرِ أتغير بالبول أم بغيره؟ فهو نجس.
الخامسة: المُسْتَحَاضة المتحيرة يلزمها الغُسْل عند كل صلاة تشك في انقطاع الدم قبلها.
السادسة: من أصابته نجاسة في بدنه أو ثوبه، وجهل موضعها يلزمه غسله كله.
السابعة: شك مسافر أوصل بلده؟ لا يجوز له الترخص.
الثامنة: شك هل نوى الإقامة؟ كذلك.
التاسعة: المستحاضة وسَلسِ البول إذا توضَّأ، ثم شك هل انقطع حدثه أولا؟ فصلى بطهارته لم يصح.
العاشرة: تيمم، ثم رأى شيئًا لا يدري أسَرَاب هو أو ماء؟ فيبطل تيممه وإن بَانَ سرابًا.
الحادية عشرة: رمى صيدًا، ثم غاب ووجده ميتًا، وشك هل أصابته رَمْيَةٌ أخرى من حَجَر غيره لم يحل أكله، وكذا لو أرسل عليه كلبًا.
стр. 2169
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال القَفّال: قد خالفه أصحابنا في هذه المسائل كلها، والأولى والثانية لم يترك اليقين فيها لشك، بل لأن الأصل غسل الرّجل وشرط المَسْح بقاء المدة، وشككنا فيه، فعملنا بأصل الغسل.
وأما الثالثة، فحكمها صحيح، لكن ليس ترك يقين بشك؛ لأن القصر رُخْصة بشرط، فإذا لم يتحقق رجع إلى الأصل، وهو الإتمام.
وكذا الرَّابعة؛ لأن الطَّاهر تغير بالبول، وكذا الخامسة؛ لأن الأصل وجوب الصَّلاة.
فإذا شكت في انقطاع الدَّم فصلت بلا غسل لم يستيقن البراءة من الصَّلاة.
وكذا السَّادسة؛ لأن الأصل أنه ممنوع من الصَّلاة إلا بطهارة عن هذه النَّجَاسة، فما لم يغسل الجميع هو الشَّاك في زوال منعه من الصلاة.
قال: وفي السابعة وجهان:
أحدهما: له القصر؛ لأنه شاك في زوال سبب الرُّخْصَة، والأصل عدمه.
والثاني: لا يجوز.
كما قال أبو العباس، ولكن ليس ذلك ترك يقين بشك.
قال: والثامنة لم يترك فيها اليقين بالشك، بل الأصل الإتمام، فلا يقصر حتى يتيقن سبب الرُّخْصة، وكذا التَّاسعة؛ لأن المُسْتَحَاضة لا يحل لها الصَّلاة مع الحدث إلا للضرورة، فإذا شكت في انقطاع الدم، فقد شكت في السَّبب المجوز للصلاة مع الحدث، فرجعت إلى أصل وجوب الصَّلاة بطَهَارة كاملة.
وكذا العاشرة؛ لأن التيمم إذا بطل برؤية السَّرَاب؛ لأنه توجه الطلب، وإذا توجه بطل التيمم.
وأما الحادية عشرة، ففي حلّ الصيد قولان:
فإن قلنا: لا يحل، فليس ترك يقين بالشك؛ لأن الأصل التحريم، وقد شككنا في الإباحة.
قال: فثبت أن المَسَائل كلها مستمرة على مذهب الشافعي أن اليقين لا يزال بالشَّك.
стр. 2170
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال النووي (١): وفيما قاله القَفّال نظر، والصواب مع أبي العَبَّاس - يعني ابن القاص - فيما عدا الثَّالثة، والسادسة، والحادية عشرة.
قال النووي: ومما لم يستثن: إذا توضأ، ثم شك هل مسح رأسه مثلًا؟ فيه وجهان:
أصحهما: صحة وضوئه، ولا يقال: الأصل عدم المسح.
ومثله: لو سلم من صلاته، ثم شك هل صلى ثلاثًا أو أربعًا؟ ففيه ثلاثة أقوال:
أصحها: لا شيء عليه.
قال النووي (٢): فإن تكلف متكلف، وقال: المسألتان داخلتان في القاعدة، فإن شك هل ترك أم لا، والأصل عدمه، فليس بشيء؛ لأن الترك عدم بَاقٍ على ما كان، وإنما المشكوك فيه الفعل، والأصل عدمه، ولم يعمل بالأصل.
وأما إذا سلم من صلاته، فرأى عليه نجَاسة، واحتمل حصولها في الصَّلاة وحدوثها بعدها، فلا يلزمه إعادة الصَّلاة، بل مضت على الصحة.
فيحتمل أن يقال: الأصل عدم النجاسة، فلا يحتاج إلى استثنائها.
ويحتمل أن يقال: تحققت النجاسة، وشك في انعقاد الصَّلاة، والأصل عدمه، وبقاؤها في الذمة، فيحتاج إلى استثنائها.
العاشر: علمت أن الاستصحاب هو ثبوت أمر في الثَّاني لثبوته في الأول؛ لعدم وجود ما يصلح أن يكون مغيرًا بعد البحث التام.
وأما ثبوته في الأول لثبوته في الثاني، فهو الاستصحاب المقلوب، كما إذا وقع النظر في هذا المِكْيَالِ هل كان على عهد رسول الله ﷺ ؟ فيقال: نعم؛ إذ الأصل موافقة الماضي للحال؟.
وكما قال الأصحاب فيمن اشترى شيئًا وادّعاه مدّع، وأخذه منه بحجّة مطلقة حيث
стр. 2171
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أطبقوا على ثبوت الرُّجُوع له على البائع، بل لو باع المشتري، أو وهب، وانتزع المال من المُتّهب، أو المشتري منه، كان للمشتري الأول الرجوع أيضًا.
وهذا استصحاب للحال في الماضي؛ فإن البيّنة لا توجب الملك، ولكنها تظهره، فيجب أن يكون الملك سابقًا على إقامتها، ويقدر له لَحْظة لطيفة، ومن المحتمل انتقال الملك من المشتري إلى المدعى، ولكنهم استصحبوا مقلوبًا، وهو عدم الانتقال منه فيما مضى استصحاب بالحال.
وسمعت الشيخ الإمام أبي ﵀ يقول: لم يقل الأصحاب بالاستصحاب المَقْلُوب إلا في هذه المَسْألة.
قلت: وعلى وجه ضعيف إذا وجدنا رِكَازًا، ولم نَدْرِ أمِنْ دَفِينِ الإسلام أو الجاهلية؟ أنه رِكَازٌ من دفن الجاهلية.
وطريقك في المقلوب أن تقول: لو لم يكن الحكم الثابت الآن ثابتًا أمس لكان غير ثابت؛ إذ لا واسطة، وإذا كان غير ثابت قضى الاستصحاب بأنه الآن غير ثابت، لكنه ثابت، فدل أنه كان ثابتًا أيضًا، فافهم ذلك.
стр. 2172
شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا
الْمُخْتَارُ: أَنَّهُ ﷺ قَبْلَ البَعْثِ مُتَعَبِّدٌ بِشَرْعٍ قِيلَ: نُوحٍ.
وَقِيلَ: إبْرَاهِيمَ.
وَقِيلَ: مُوسَى.
وَقِيلَ: عِيسَى ﵈.
وَقِيلَ: مَا ثَبَتَ أَنَّهُ شَرْعٌ.
وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ، وَتَوَقَّفَ الْغَزَاليُّ.
الشرح: "المختار أنه ﷺ قبل البعث متعبد بشرع (١).
قيل: نوح.
وقيل: إبراهيم.
وقيل: عيسى.
وقيل": إنه "ما ثبت أنه شرع"، من غير تخصيص، ثم سئل هذا القائل قال: لا أدري ما الثابت من ذلك.
стр. 2173
لنَا: الأحَادِيثُ مُتَضَافِرَةٌ: كَانَ يتَعَبَّدُ، كَانَ يَتَحَنَّثُ، كَانَ يُصَلِّي، كَانَ يَطُوفُ.
وَاسْتُدِلَّ: بِأَنَّ مَنْ قَبْلَهُ لِجَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ.
وَأُجِيبَ: بِالْمَنْعِ.
قَالُوا: لَوْ كَانَ، لَقَضَتِ الْعَادَةُ بِالْمُخَالَطَةِ أَوْ لَزِمَتْهُ.
قُلْنَا: التَّوَاتُرُ لا يَحْتَاج، وَغَيْرُهُ لا يُفِيدُ.
وَقَدْ تَمْتَنِعُ الْمُخَالَطَةُ لِمَوَانِعَ؛ فَيُحْمَلُ عَلَيْهَا جَمْعًا بَيْنَ الأَدَلَةِ.
"ومنهم من منع" كونه متعبدًا بشرع أصلًا، ثم قال القاضي: وعليه جماهير المتكلمين، ثم اختلفوا، فمنعه المتعزلة عقلًا.
وقال أهل الحق: يجوز، ولكن لم يقع، وعليه القاضي وغيره.
"وتوقف" إمام الحرمين و "الغزالي" والآمدي، وابن الأنباري، وغيرهم، وهو المختار، والمسألة جارية مجرى التواريخ.
الشرح: "لنا: الأحاديث متضافرة" بأنه ﵇ "كان يتعبّد"، كان يخلو بِغَارِ "حراء" (١) "يَتَحَنَثُ" فيه "كان يصلي، كان يطوف".
"واستدل بأن" شرع "من قبله لجميع المكلفين".
"وأجيب بالمنع"؛ فقد كان النبي ﷺ يبعث إلى قومه، وبعث محمد ﷺ إلى الناس عامة.
"قالوا: لو كان" متعبدًا بمن قبله "لقضت العادة بالمُخَالطة" لأهل تلك الشريعة، "أو لزمته" مخالطتهم ليعرف الأحكام، ولو وقع ذلك لنقل، ولافتخرت به تلك الطائفة.
واعتمد القاضي على أنه لو كان لاقتضت العادة ذكره بعد البعث، ولتحدث بذلك أحد في زمانه وبعده.
стр. 2174
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"قلنا": لا نسلم قضاء العادة بذلك، فهو متعبد بما علم أنه شرع، وذلك يحصل بالتَّوَاتر دون الاحاد، و"التواتر لا يحتاج" إلى المُخَالطة، "وغيره لا يفيد"، فإذن قضاء العادة بالمُخَالطة ممنوع.
وكذا لزومها؛ فإنها "قد تمنع الموانع" وإن لم يعلمها، "فيحمل عليها جمعًا بين الأدلة".
وأما حديث الافْتِخَار، فلا يثبت في تعميمنا لما علم أنه شرع من غير تخصيص بطائفة، وكيف يعرف افتخار مَنْ لا يعرف؟.
وأما ما ذكره القاضي، فعارضه إمام الحرمين بأنه: لو لم يكن على دِينٍ أصلًا لنقل؛ فإنه أبدع وأبعد عن المعتاد.
وفيه نظر؛ فليس انصراف النفوس عن نَقْلِ كونه ليس على دِينٍ كانصرافها عن نقل دينه الذي كان عليه، ذكره ابن الأنباري.
ثم قال الإِمام: الوجه أن يقال: انخرقت العادة للرسول ﷺ في أمور منها: انصراف همم الناس عن أمر دينه، والبحث عنه.
قلت: وما ادعاه المصنف من الأحاديث المتضافرة التي ساق منها: كان يتعبد، كان يتحنث، كان يصلي، كان يطوف، لا أَحْفَظ منها إلا حديث: كان يتحنَّثُ بغار "حراء" أي: يتعبد، يقال: فلان يتحنث أي يفعل فعلًا يخرج به من الإثم، كما نقول: يتأثم، ويتخرج: إذا فعل ما يخرج به من الإثم والحرج، ومنه حديث حكيم بن حزام: (أرَأَيْتَ أمُورًا كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ).
أي: أتقرب بها إلى الله تعالى.
стр. 2175
مَسْأَلَةٌ:
الْمُخْتَارُ: أَنَّهُ بَعْدَ الْبَعْثِ مُتَعَبَّدٌ بِمَا لَمْ يُنْسَخْ.
لَنَا: مَا تَقَدَّمَ، وَالأصلُ بَقَاؤُهُ.
وَأَيْضًا: الاِتِّفَاقُ عَلَى الاِسْتِدْلالِ بِقَوْلهِ: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [سورة المائدة: الآية ٤٥].
وَأَيْضًا: ثَبَتَ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ نَامَ عَنْ صَلاةٍ أَوْ نَسِيَهَا، فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا"؛ وَتَلا: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [سورة طه: الآية ١٤]، وَهِيَ لِمُوسَى ﵇؛ وَسِيَاقُهُ يَدُلُّ عَلَى الاِسْتِدْلالِ بِهِ.
«مسألة»
الشرح: "المختار" عند المصنف: "أنه ﷺ بعد المبعث متعبد بما لم ينسخ" من شرع قبله بإيحاء الله - تعالى - بذلك على معنى أنه موافق لا متابع، فافهمه (١).
قال إمام الحرمين: وللشافعي مَيْل إلى هذا، وبنى عليه أصلًا من أصوله في كتاب "الأطعمة"، وتابعه معظم أصحابه.
وذهب الأكثرون إلى أنه لم يكن متعبدًا بشرع غيره أصلًا، ثم افترقوا.
فقالت المعتزلة: ذلك مستحيل عقلًا.
وقال غيرهم: شرعًا، وهو اختيار القاضي والإمام الرازي والآمدي.
واعلم أن الكلام في هذه المسألة مع من لم ينف التعبّد قبل النبوة.