. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أطبقوا على ثبوت الرُّجُوع له على البائع، بل لو باع المشتري، أو وهب، وانتزع المال من المُتّهب، أو المشتري منه، كان للمشتري الأول الرجوع أيضًا.
وهذا استصحاب للحال في الماضي؛ فإن البيّنة لا توجب الملك، ولكنها تظهره، فيجب أن يكون الملك سابقًا على إقامتها، ويقدر له لَحْظة لطيفة، ومن المحتمل انتقال الملك من المشتري إلى المدعى، ولكنهم استصحبوا مقلوبًا، وهو عدم الانتقال منه فيما مضى استصحاب بالحال.
وسمعت الشيخ الإمام أبي ﵀ يقول: لم يقل الأصحاب بالاستصحاب المَقْلُوب إلا في هذه المَسْألة.
قلت: وعلى وجه ضعيف إذا وجدنا رِكَازًا، ولم نَدْرِ أمِنْ دَفِينِ الإسلام أو الجاهلية؟ أنه رِكَازٌ من دفن الجاهلية.
وطريقك في المقلوب أن تقول: لو لم يكن الحكم الثابت الآن ثابتًا أمس لكان غير ثابت؛ إذ لا واسطة، وإذا كان غير ثابت قضى الاستصحاب بأنه الآن غير ثابت، لكنه ثابت، فدل أنه كان ثابتًا أيضًا، فافهم ذلك.
стр. 2172
شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا
الْمُخْتَارُ: أَنَّهُ ﷺ قَبْلَ البَعْثِ مُتَعَبِّدٌ بِشَرْعٍ قِيلَ: نُوحٍ.
وَقِيلَ: إبْرَاهِيمَ.
وَقِيلَ: مُوسَى.
وَقِيلَ: عِيسَى ﵈.
وَقِيلَ: مَا ثَبَتَ أَنَّهُ شَرْعٌ.
وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ، وَتَوَقَّفَ الْغَزَاليُّ.
الشرح: "المختار أنه ﷺ قبل البعث متعبد بشرع (١).
قيل: نوح.
وقيل: إبراهيم.
وقيل: عيسى.
وقيل": إنه "ما ثبت أنه شرع"، من غير تخصيص، ثم سئل هذا القائل قال: لا أدري ما الثابت من ذلك.
стр. 2173
لنَا: الأحَادِيثُ مُتَضَافِرَةٌ: كَانَ يتَعَبَّدُ، كَانَ يَتَحَنَّثُ، كَانَ يُصَلِّي، كَانَ يَطُوفُ.
وَاسْتُدِلَّ: بِأَنَّ مَنْ قَبْلَهُ لِجَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ.
وَأُجِيبَ: بِالْمَنْعِ.
قَالُوا: لَوْ كَانَ، لَقَضَتِ الْعَادَةُ بِالْمُخَالَطَةِ أَوْ لَزِمَتْهُ.
قُلْنَا: التَّوَاتُرُ لا يَحْتَاج، وَغَيْرُهُ لا يُفِيدُ.
وَقَدْ تَمْتَنِعُ الْمُخَالَطَةُ لِمَوَانِعَ؛ فَيُحْمَلُ عَلَيْهَا جَمْعًا بَيْنَ الأَدَلَةِ.
"ومنهم من منع" كونه متعبدًا بشرع أصلًا، ثم قال القاضي: وعليه جماهير المتكلمين، ثم اختلفوا، فمنعه المتعزلة عقلًا.
وقال أهل الحق: يجوز، ولكن لم يقع، وعليه القاضي وغيره.
"وتوقف" إمام الحرمين و "الغزالي" والآمدي، وابن الأنباري، وغيرهم، وهو المختار، والمسألة جارية مجرى التواريخ.
الشرح: "لنا: الأحاديث متضافرة" بأنه ﵇ "كان يتعبّد"، كان يخلو بِغَارِ "حراء" (١) "يَتَحَنَثُ" فيه "كان يصلي، كان يطوف".
"واستدل بأن" شرع "من قبله لجميع المكلفين".
"وأجيب بالمنع"؛ فقد كان النبي ﷺ يبعث إلى قومه، وبعث محمد ﷺ إلى الناس عامة.
"قالوا: لو كان" متعبدًا بمن قبله "لقضت العادة بالمُخَالطة" لأهل تلك الشريعة، "أو لزمته" مخالطتهم ليعرف الأحكام، ولو وقع ذلك لنقل، ولافتخرت به تلك الطائفة.
واعتمد القاضي على أنه لو كان لاقتضت العادة ذكره بعد البعث، ولتحدث بذلك أحد في زمانه وبعده.
стр. 2174
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"قلنا": لا نسلم قضاء العادة بذلك، فهو متعبد بما علم أنه شرع، وذلك يحصل بالتَّوَاتر دون الاحاد، و"التواتر لا يحتاج" إلى المُخَالطة، "وغيره لا يفيد"، فإذن قضاء العادة بالمُخَالطة ممنوع.
وكذا لزومها؛ فإنها "قد تمنع الموانع" وإن لم يعلمها، "فيحمل عليها جمعًا بين الأدلة".
وأما حديث الافْتِخَار، فلا يثبت في تعميمنا لما علم أنه شرع من غير تخصيص بطائفة، وكيف يعرف افتخار مَنْ لا يعرف؟.
وأما ما ذكره القاضي، فعارضه إمام الحرمين بأنه: لو لم يكن على دِينٍ أصلًا لنقل؛ فإنه أبدع وأبعد عن المعتاد.
وفيه نظر؛ فليس انصراف النفوس عن نَقْلِ كونه ليس على دِينٍ كانصرافها عن نقل دينه الذي كان عليه، ذكره ابن الأنباري.
ثم قال الإِمام: الوجه أن يقال: انخرقت العادة للرسول ﷺ في أمور منها: انصراف همم الناس عن أمر دينه، والبحث عنه.
قلت: وما ادعاه المصنف من الأحاديث المتضافرة التي ساق منها: كان يتعبد، كان يتحنث، كان يصلي، كان يطوف، لا أَحْفَظ منها إلا حديث: كان يتحنَّثُ بغار "حراء" أي: يتعبد، يقال: فلان يتحنث أي يفعل فعلًا يخرج به من الإثم، كما نقول: يتأثم، ويتخرج: إذا فعل ما يخرج به من الإثم والحرج، ومنه حديث حكيم بن حزام: (أرَأَيْتَ أمُورًا كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ).
أي: أتقرب بها إلى الله تعالى.
стр. 2175
مَسْأَلَةٌ:
الْمُخْتَارُ: أَنَّهُ بَعْدَ الْبَعْثِ مُتَعَبَّدٌ بِمَا لَمْ يُنْسَخْ.
لَنَا: مَا تَقَدَّمَ، وَالأصلُ بَقَاؤُهُ.
وَأَيْضًا: الاِتِّفَاقُ عَلَى الاِسْتِدْلالِ بِقَوْلهِ: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [سورة المائدة: الآية ٤٥].
وَأَيْضًا: ثَبَتَ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ نَامَ عَنْ صَلاةٍ أَوْ نَسِيَهَا، فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا"؛ وَتَلا: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [سورة طه: الآية ١٤]، وَهِيَ لِمُوسَى ﵇؛ وَسِيَاقُهُ يَدُلُّ عَلَى الاِسْتِدْلالِ بِهِ.
«مسألة»
الشرح: "المختار" عند المصنف: "أنه ﷺ بعد المبعث متعبد بما لم ينسخ" من شرع قبله بإيحاء الله - تعالى - بذلك على معنى أنه موافق لا متابع، فافهمه (١).
قال إمام الحرمين: وللشافعي مَيْل إلى هذا، وبنى عليه أصلًا من أصوله في كتاب "الأطعمة"، وتابعه معظم أصحابه.
وذهب الأكثرون إلى أنه لم يكن متعبدًا بشرع غيره أصلًا، ثم افترقوا.
فقالت المعتزلة: ذلك مستحيل عقلًا.
وقال غيرهم: شرعًا، وهو اختيار القاضي والإمام الرازي والآمدي.
واعلم أن الكلام في هذه المسألة مع من لم ينف التعبّد قبل النبوة.
стр. 2176
قَالُوا: لَمْ يُذْكَرْ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ ﵁ وَصَوَّبَهُ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ تَرَكَهُ: إِمَّا لأَنَّ الْكِتَابَ يَشْمَلُه، أَوْ لِقِلَّتِهِ؛ جَمْعًا بَيْنَ الأدِلَّةِ.
قَالُوا: لَوْ كَانَ، لَوَجَبَ تَعَلُّمُهَا وَالْبَحْثُ عَنْهَا.
قُلْنَا: الْمُعْتبَرُ الْمُتَوَاتِر، فَلا يَحْتَاجُ.
قَالُوا: الإجْمَاعُ عَلَى أَنَّ شَرِيعَتَهُ ﵇ نَاسِخَةٌ.
قُلْنَا: لِمَا خَالَفَهَا، وَإلَّا وَجَبَ نَسْخُ وُجُوبِ الإِيمَانِ وَتَحْريمِ الْكُفْرِ.
وأما من نفاه فقد نَفَاهُ بعدها أيضًا [بطريقة] (١) أولى.
"لنا: ما تقدم" من ثبوت التعبُّد قبل النبوة، "والأصل بقاؤه".
وأيضًا: الاتفاق واقع على الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [سورة المائدة: الآية ٤٥] في وجوب القصاص في ديننا.
"وأيضًا: ثبت أنه" ﵇ "قال: "مَنْ نَامَ عَنْ صَلاة أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا"، وتلا: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (٢) [سورة طه: الآية ١٤]، وهي لموسى، وسياقه يدل على الاستدلال به".
في "الصحيحين" عن أنس ﵁ قال: "مَنْ نَسِيَ صَلاةً فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا؛ فَإن الله - تَعَالَى - يَقُولُ: أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرَى".
قلت: وهذا ظاهر في المدعى؛ إذْ أمرنا بذلك، وعلل بأمر الله - تعالى - موسى ﵇ به.
الشرح: "قالوا: لم يذكر شرع من قبلنا "في" حديث معاذ، [وصَوَّبهُ] (٣) " رسول الله ﷺ فلو كان من مدارك الأحكام لنبَّهَ ﵇ معاذًا عليه.
стр. 2177
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"وأجيب: [بأنه] (١) تركه إما لأن الكتاب يشمله"؛ لدلالته على شرع من قبلنا، [أو لقلته] (٢) جمعًا بين الأدلة" من الطرفين.
"قالوا: لو كان" شرع من قبلنا، وكتبهم السَّالفة شرعًا لنا "لوجب تعلمها والبحث عنها" كما يجب تعلم القرآن والسنة، بجامع أن كلًّا من مدارك الأحكام، "قلنا: المعتبر" منها هو "المتواتر" لا الآحاد، فإنها لا تفيد لعدم العلم بعدالة الأَوْساط، وإذا كان كذلك، "فلا يحتاج" إلى البحث.
"قالوا: الإجماع على أن شريعته ﷺ ناسخة" لجميع الشرائع، "قلنا": ناسخة "لما خالفها" فقط، "وإلا وجب نسخ وجوب الإيمان، وتحريم الكُفْر"؛ لثبوتها في تلك الشرائع.
ولقائل أن يقول: وجوب الإيمان وتحريم الكُفْرِ شريعة كل نَبِيّ، فلا يكون منسوبًا إلى واحد بخصوصه.
ونحن إذا قلنا: هذه الشريعة ناسخة لتلك، معناه: ناسخة لتلك، وإيجاب الإيمان، وتحريم الكفران لا ينسب إلى واحد بخصوصه، بل الكل فيه شرع.
وسبق في أوَّل "النسخ" شيء يستضاء به هنا.
"فوائد"
الأولى: قال القاضي في "التقريب": ليس تحقيق الخلاف أن يقول المخالف: إنه قد أمر بمثل شرع من تقدم؛ لأن أحدًا لا ينكر هذا، فإن كان هذا هو قول المخالفين وأنه ورد عليه أمر مستأنف مبتدأ موافق لشرع من قبله، فقد وافقوا في المعنى، وإنما الخلاف أنه هل لزمه بعد المبعث العمل بشريعة من قبله على وجه الاتباع لنبي قبله، وفرض لزوم دعوته؟.
قال القاضي: فهذا هو الباطل الذي ينكره.
الثانية: قال أصحابنا: لا يشترط الإسلام في الإحصان، فيرجم الذّمي.
стр. 2178
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال أبو حنيفة بأنه ﵇ رجمهما بحكم التَّوراة (١)، وهو ضعيف؛ فإن ذلك لإلزامهم حيث أنكروا وجدان الرجم في التوراة.
الثَّالثة: إذا وجدنا حيوانًا لا يمكن معرفة حلّه بشيء من مأخذ شريعتنا، وثبت تحريمه في شرع من قبلنا، فهل يستصحب تحريمه؟ فيه قولان:
الأظهر: لا، وهو قضية كلام عامة الأصحاب في رَمْزِهِمْ في أول كتاب "الجراح" إلى أن شرع من قبلنا شرع لنا.
стр. 2179
[قَوْلُ الصَّحَابِيِّ] (١)
مَذْهَبُ الصَّحَابِيِّ لَيْسَ حُجَّةً عَلَى صَحَابِيٍّ اتِّفَاقًا. وَالمُخْتَارُ: وَلا عَلَى غَيْرِهِمْ.
وَللشَّافِعِيِّ، وَلأحْمَدَ - رَحِمَهُمَا اللهُ - قَوْلانِ فِي أَنَّهُ حُجَّةٌ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى الْقِيَاسِ.
وَقَالَ قَوْمٌ: إِنْ خَالَفَ الْقِيَاسَ.
وَقِيلَ: الْحُجَّةُ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعمَرَ ﵄.
لنَا: لا دَلِيلَ عَلَيْهِ؛ فَوَجَبَ تَرْكُهُ.
وَأَيْضًا: لَوْ كَانَ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِمْ، لَكَانَ قَوْلُ الأعْلَمِ الأفْضَلِ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ؛ إذْ لا يُقَدَّر فِيهِمْ أكْثَرُ.
الشرح: "مذهب الصَّحَابي" المجتهد "ليس بحجة على صحابي" آخر "اتفاقًا"، سواء أكان مجتهدًا أم لم يكن.
أما إن كان، فواضح (٢).
стр. 2180
واسْتُدِلَّ: لَوْ كَانَ حُجَّةً، لَتَنَاقَضَتِ الْحُجَجُ.
وأما إن كان لم يكن؛ فلأن وظيفته التقليد، وليس قول المجتهد حجة [على] (١) نفسه، "والمختار: ولا على غيرهم"، وهو الجديد من قول الشَّافعي، وعليه الأكثر.
"وللشَّافعي، وأحمد (١) قولان في أنه حجة متقدمة على القياس".
"وقال قوم: إن خالف القياس" كان حُجّة، وإلا فلا.
"وقيل: الحجة قول أبي بكر، وعمر (١) "أي: قول كل واحد منهما، ولا يشترط اتفاقهما. "لنا: لا دليل عليه، فوجب تركه"؛ لأن إثبات الحكم الشرعي بغير دليل لا يجوز.
"وأيضًا لو كان" قول الواحد منهم ﵃ "حجة على غيره؛ (١) لكان قول الأعلم الأفضل حجّة على غيره إذ" الصحابة "لا يقدر فيهم أكثر" (١) من أنه أيهم أفضل ممن عداهم.
ولقائل أن يقول: على الأول: لم قلتم: لا دليل عليه؟ وعلى الثاني لم قلتم: لا يقدر فيهم أكثر من ذلك، أو ليس للصحبة والمشاهدة لطلعة المصطفى من البر ما الله به عليم؟.
الشرح: "واستدل: لو كان حجة لتناقضت الحُجَج"؛ لكثرة الاختلاف بينهم.
"وأجيب: بأن" التَّنَاقض مدفوع، فإنه إذا كان حجّة، ووجد الخلاف بينهم كان الحكم في الدليلين يتعارضان، فإن "الترجيح، أو الوقف، أو التخيير" الذي ذهب إلى كل واحد منها
حالة التعارض ذاهب "بدفعه".
стр. 2181
وَأُجِيبَ: بِأنَّ التَّرْجِيحَ أوِ الْوَقْفَ أَوِ التَّخْيِيرَ يَدْفَعُهُ كَغَيْرِهِ.
وَاسْتُدِلَّ لَوْ كَانَ حُجَّةً، لَوَجَبَ التَّقْلِيدُ مَعَ إِمْكَانِ الاِجْتِهَادِ.
وَأُجِيبَ: إِذَا كَانَ حُجَّةً فَلا تَقلِيدَ.
قَالُوا: "أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ"، "اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي".
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْمُرَادَ الْمُقَلِّدُونَ؛ لأِنَّ خِطَابَهُ لِلصَّحَابَةِ.
أي بدفع التناقض "كغيره" من الأدلة المتعارضة، وفيه نظر.
فإن التعارض بين الدليلين إنما يقع في ظن المجتهد، لا في نفس الأمر.
[وهذا] (١) إذا كان قول الصحابي حجة، ونحن نشاهدهم مختلفين يلزم وقوع التعارض في نفس الأمر، ولا قائل به.
الشرح: "واستدل: لو كان حجة لوجب التقليد مع إمكان الاجتهاد".
"وأجيب: إذا كان حجة فلا تقليد"، بل هو حينئذٍ مأخذ من مآخذ الشريعة لو عارضها مأخذ آخر رجح المجتهد منها ما يقضي به اجتهاده.
"قالوا" ما مَرّ من قوله ﷺ "أَصْحَابِي كَالنُّجُوم" بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ" (٢) دليل على أن أقوالهم حجة.
وقال ﷺ : "اقْتَدُوا بِاللَّذَينِ مِنْ بَعْدِي" أبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ" (٣) أخرجه ابن حبان في صحيحه، ورواه الترمذي، وقال: حسن، ورواه أيضًا أحمد بن حنبل، وابن ماجه، وهو دليل على أن قول الشيخين ﵁ حجة.
"وأجيب: بأن المراد المقلدون؛ لأن خطابه" ﷺ "للصحابة"، وليس قول بعضهم حجة.
[ولقائل أن يقول: لا يجوز للعامي منهم تقليد الشيخين] (٤)، ولا قائل بذلك؛
стр. 2182
قَالُوا: وَلَّى عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلِيًّا ﵄؛ بِشَرْطِ الاِقْتِدَاءِ بِالشَّيْخَيْنِ؛ فَلَمْ يَقْبَلْ، وَوَلَّى عُثْمَانَ؛ فَقَبِلَ، وَلَمْ يُنْكرْ؛ فَدَلَّ [عَلَى] أنَّهُ إَجْمَاعٌ.
قُلْنَا: الْمُرَادُ مُتَابَعَتُهُمْ فِي السِّيرَةِ وَالسِّيَاسَةِ، وَإلَّا وَجَبَ عَلَى الصَّحَابِيِّ التَّقْلِيدُ.
إذ يجوز لعامتهم تقليد مجتهدهم، سواء الشيخان وغيرهما.
وإنما الجواب أن معنى الاقتداء التأسِّي في السيرة الحَمِيدَةِ.
الشرح: والمخصصون للشيخين "قالوا" أيضًا: "ولى عبد الرحمن "عليًّا (١) بشرط الاقتداء، فلم يقبل: وولى عثمان فقبل، ولم ينكر" على عبد الرحمن صَنِيعَه، "فدل على أنه إجماع" على أن قولهما حجة.
قال أبو وائل: قلت لعبد الرحمن: كيف بايعتم عثمان، وتركتم عليًّا (١)؟.
قال: [ما ذَنْبِي] (٢) قد بدأت بِعَليّ، فقلت: أبايعك على كتاب الله، وسُنة رسول الله ﷺ وسيرة أبي بكر وعمر، فقال: فيما استطعت، ثم عرضت ذلك على عثمان فقال: نعم. رواه عبد الله بن أحمد عن سفيان بن وكيع، وهو متكلم فيه، عن قبيصة عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم، عن أبي وائل.
الشرح: "قلنا" المراد "مبايعتهم في السِّيرة والسياسة" والمشي على سننهم، لا في المسائل الاجتهادية، "وإلا وجب على الصَّحابي التقليد" لصحابي آخر.
стр. 2183
قَالُوا: إِذَا خَالَفَ الْقِيَاسَ؛ فَلا بُدَّ مِنْ حُجَّةٍ نَقْلِيَّةٍ.
وَأُجِيبَ: بِأنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُ الصَّحَابِيَّ، وَيَجْرِي فِي التَّابِعِينَ مَعَ غَيْرِهِمْ.
والذاهبون إلى أنه حُجة إذا خالف القياس "قالوا: إذا خالف القياس، فلا بد من حجة نقلية" حملته على ذلك.
أما أنه لا بد له من حجة فلئلا يرتكب الحرام، والظن به خلافه.
وأما كونها نقلية؛ فلأنها لو لم تكن قياسية، والغرض خلافه، وإذا كان كذلك فتقبل، وتكون الحجة - بالحقيقة - تلك.
وأما الموافقة للقياس، فقد تكون عن القياس، فلا حجة.
"وأجيب: بأن ذلك يلزم الصَّحَابي"، ولو صح، فيجب عليه تقليد صحابي آخر، "ويجري في التابعين مع غيرهم"؛ إذ لا بد لمخالفته من دليل نقلي، وكلاهما خلاف الإجماع.
"تَنْبِيهٌ"
عرفت أن الصحيح عندنا أن قول الصَّحابي لا يحتج به.
فإن قلت: كيف نظر الشافعي مواضع اختلاف الصحابة في الفرائض، واختار مذهب زيد حتى يردد قوله حيث ترددت الرواية عن زيد؟.
قلت: قال علماؤنا: لم يقلد الشافعي زيدًا، ولكن رَجَحَ عنده مذهبه من وجهين.
قال الرافعيُّ: وقد يعترض فيقال: للكلام مجال في أن الوجهين هل يُوجبان الرُّجحان، لكن بتقدير التسليم، فالأخذ بما رجح عنده إن لم يكن بناء على الدليل في كل مسألة لم يخرج عن كونه تقليدًا؛ كالمقلد يأخذ بقول من رجح عنده من المجتهدين، وإن كان بناء على الدليل فهو اجتهاد وافق اجتهادًا، فلا معنى للقول بأنه اختار مذهب زيد، ويجاب عنه بأن الشافعي لم يخل مسألة عن احتجاج واستشهاد، ولكنه استأنس بمارجح عنده من مذهب زيد، وربما ترك به القياس الجلي، وعضد الخفي كقول الواحد من الصحابة إذا انتشر ولم يعرف له مخالف، فباعتبار الاستئناس قيل: إنه أخذ بمذهب زيد، وباعتبار الاحتجاج قيل: إنه لم يقلد.
قلت: ومال ابن الرفعة إلى أن الشافعي قلَّد زيدًا. قال أبي ﵀: وليس بجيد،
стр. 2184
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولكني أقول: هنا ثلاث مراتب:
أحدها: تقليده كما يقلد العامي عالمًا، وهذا ليس بواقع، معاذ الله!!
والثانية: ألا يخلى مسألة عند اجتهاد، ويوافق اجتهاده، اجتهاد زيد في كل مسألة مع ما ترجح عنده من حال زيد في الفرائض، وذلك مما يقوي به اجتهاده، وهذا هو الذي يظنه بالشافعي.
والثالثة: أن يقصر الدليل في بعض المسائل بحيث لو انفرد لم ينهض، فيعضده قول زيد، فينهض لما علم من شهادة الرسول ﷺ لزيد، وهذا قد يسمى الأخذ بقول الصحابي إذا عضده دليل خفي "تقليدًا" كما قال الشافعي في البراءة من العيوب لعمر، ففي مذهب أبي زيد أولى؛ لشهادة النبي ﷺ له، فَبَانَ أنه حقيقة الاجتهاد وإن سمى تقليدًا؛ لرجحانه بقوله.
"فائدة"
ادعى الشيخ الإمام الوالد ﵀ أن الشافعي يستثنى في الجديد من قوله: إن مذهب الصحابي ليس بحجة - الأمر التعبدي الذي لا مجال للقياس فيه.
قال: لأن الشافعي قال في "اختلاف الحديث": روى عن علي ﵁ أنه صلى في ليلة ست ركعات في كل ركعة ست سجدات، ولو ثبت ذلك عن علي قلت به.
قال: لأنه لا مجال للقياس فيه، فالظاهر أنه فعله توقيفًا.
وذكر الأصوليون هذا من تفاريع القديم.
قال الشيخ الإمام: وفيه نظر؛ لأن "اختلاف الحديث" من الجديد قال: وينبغي أن يكون هذا حجة قديمًا وجديدًا؛ لأنه لا يفيد ظنًّا لا معارض له.
أحدهما: قول النبي ﷺ : "أَفْرَضُكُمْ زَيْدٌ" (١).
стр. 2185
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والثاني: قال القَفّال: ما تكلم أحد من الصحابة في الفرائض إِلَّا وقد وجد له قول في بعض المَسَائل هجره النَّاس بالاتفاق إِلَّا زيدًا؛ فإنه لم يقل بقول مهجور بالاتفاق، وذلك يقتضي التَّرْجيح، كالعمومين إذا وردا وقد خص أحدهما بالاتفاق دون الثاني كان الثَّاني أولى.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الشَّافعي: من استحسن فقد شرع".
"ولا يتحقق استحسان مختلف فيه"؛ لأن الخلاف لم [يقطع] (١) في إطلاق لفظه الاستحسان.
فذلك لا ينكره أحد، ولا في أن المراد لا يحل؛ لأنه يفتى بمجرد تشهيه للشيء، واستحسانه له.
стр. 2188
وَقِيلَ: هُوَ الْعُدُولُ عَنْ قِيَاسِ إِلى قِيَاسٍ أَقْوَى وَلا نِزَاعَ فِيهِ.
وَقِيلَ: تَخْصِيصُ قِيَاسٍ بِأقْوَى مِنْه، وَلا نِزَاعَ فِيهِ.
وَقِيلَ: [هُوَ] الْعدُولُ إِلَى خِلافِ النَّظِيرِ؛ لِدَلِيل أَقْوَى، وَلا نِزَاعَ فِيهِ.
وَقِيلَ: الْعُدُولُ عَنْ حُكْمِ الدَّلِيلِ إِلَى الْعَادَةِ؛ لِمَصْلَحَةِ النَّاسِ؛ كَدُخُولِ الْحَمَّامِ، وَشُرْبِ الْمَاءِ مِنَ السِّقَاءِ.
قُلْنَا: مُسْتَنَدُهُ جَرَيَانُهُ فِي زَمَانِهِ أَوْ زَمَانِهِمْ، مَعَ عِلْمِهِمْ مِنْ غَيْرِ إِنكارٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وإلَّا فَهُوَ مَرْدُودٌ، فَإنْ تَحَقَّقَ اسْتِحْسَانٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ -: قُلْنَا: لا دَلِيلَ يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ فَوَجَبَ تَرْكُهُ.
ومن قال ذلك فقد اقتحم عظمًا، وشرع حكمًا من قِبَلِ نفسه، والقوم لا يقولون ذلك، بل اختلفوا "فقيل: دليل ينقدح في نفس المجتهد تعسر عبارته عنه.
قلنا: "إن شك فيه" أي في كونه دليلًا، "فمردود" اتفاقًا؛ إذ لا تثبت الأحكام بمجرّد الاحتمال والشك.
"وإن تحقق" كونه دليلًا، سواء أكان قطعيًّا أم ظنيًّا، "فمعمول به اتفاقًا".
ولقائل أن يقول على الشق الأول: لا معنى لقولكم: إن شك في كونه دليلًا، وعلى الثَّاني: لا نسلم أنه لا يمكن التعبير عنه من الأدلة يعمل به.
الشرح: "وقيل: إنه العدول عن قياس أقوى، ولا نزاع فيه".
أي: في أن أقوى القياسين معمول به عند التَّعَارض.
"وقيل: تخصيص قياس بأقوى منه، ولا نزاع فيه" أيضًا، والكلام فيه راجع إلى الكلام في تخصيص العلة.
"وقيل: العدول إلى خلاف النظير لدليل أقوى، ولا نزاع فيه".
"وقيل: العدول عن حكم الدليل إلى العادة لمصلحة الناس، كدخول الحمام" من غير تقدير الماء، ولا عوض، ولا مُدة اللبث، "وشرب الماء من السقاء"، وجواز الاستصباغ؛ فإنه. قد ظهر تعامل الأمة به قديمًا وحديثًا من غير نكير، والقياس منعه؛ لأنه بيع مَعْدوم.
"قلنا": هذا العدول إلى العادة هل "مستنده جريانه في زمانه" ﵇ "أو
стр. 2189
قالَوا: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ … ﴾ [سورة الزمر: الآية ٥٥]، قُلْنَا: ...........
زمانهم مع علمهم من غير إنكار أو غير ذلك"، فإن كان مستنده جريانه في زمانه ﵇ فهو ثابت بالسُّنة، أو زمانهم من غير إنكار فبالإجماع وإن كان غير ذلك، فإن كان نصًّا أو قياسًا، فقد ثبت به، "وإلا فهو مردود"، وقد اختلف أصحابنا في فرض الخَبَرِ على وجهين:
أحدهما، وهو رأي صاحب "الشامل" "والتتمة" و "المستظهري": الجواز؛ لإجماع أهل الأعصار على فعله.
والثاني، وهو الأصح عند صاحب "التهذيب": المنع، وما ذكر من الإجماع فليس هو إجماع أهل الحل والعقد، بل إجماع العامة، ولا اعتبار بهم، و [قد] (١) اختلفوا فيمن دفع ثوبًا إلى قَصَّار ليقصره، أو خَيَّاط ليخيطه، أو جلس بين يدي حَلاق ليحلق رأسه.
والأصح المنصوص: لا أجرة مطلقًا، وقيل: يجب أجرة المِثْل للعادة.
وقيل غير ذلك كما هو مَسْطور في الفقهيات، فاعتبر جميع المسائل به.
واعلم أن كلّ ما أجمعوا على صحته، فقد علموا له مأخذًا، وما أجمعوا على بُطْلانه لم يعلموا له مأخذًا، وما اختلفوا فاختلافهم اختلاف في أنه هل له مأخذ أولا، كما ذكرناه؟ فنقول: من يعتبره أنه إجماع، ومن ينكره أنه ليس إجماع أهل الحل والعقد، فلا يعتبر، "فإن تحقق استحسان مختلف فيه، قلنا" في رده: "لا دليل عليه، فوجب تركه".
الشرح: "قالوا" قال تعالى: " ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ" مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [سورة الزمر: الآية ٥٥] والأمر للوجوب، فدل على ترك بعض، واتباع بعض بمجرد كونه أحسن، وهو معنى الاستسحان (قلنا أي: الأظهر والأولى) وليس المراد ما نستحسنه بعقولنا بمجرد تشهيها له اتفاقًا (و) ما احتجوا به من قوله ﷺ (مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللهِ حَسَنٌ) (٢) يقول فيه أولًا: هذا رواه الإمام أحمد بن حنبل وعثمان بن سعيد الدَّارمي عن ابن
стр. 2190
أَي: الأظْهَرَ وَالأوْلَى، وَ"مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا، فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ" يَعْنِي: الإجْمَاعَ، وَإلَّا لَزِمَ الْعَوَامُّ.
مسعود من قوله وليس مرفوعًا إلى النبي ﷺ ، وبعضهم أخطأ فرفعه.
وإنما روى مرفوعًا من حديث أنس بإسناد ساقط لا يحتج به.
وبيانًا أنه ﷺ "يعني" به "الإجماع"؛ لأنه الذي يراه المسلمون، فإن "المسلمين" صيغة عموم، فيتناوله جميع أهل الحل والعقد لا ما رآه كل واحد، "وإلا لزم" حسن ما رآه "العوام" حسنًا، وإذا كان المراد بالإجماع، فنحن قائلون بأنه حجة.
"فائدة"
عرفت أن الخلاف لفظي راجع إلى نفس التسمية، وأن المنكر عندنا إنما هو جعل الاستحسان أصلًا من أصول الشريعة مغايرًا لسائر الأدلة.
وأما استعمال لفظ الاستحسان فلسنا ننكره.
فقد قال الشَّافعي ﵁: مراسيل ابن المسيّب حسنة.
وقال: أستحسن في المُتْعة أن تكون (١) ثلاثين درهمًا، وأستحسن أن تثبت الشُّفعة للشفيع إلى ثلاثة أيام، وأستحسن أن يترك [للمكاتب] (٢) شيء من نجوم الكتابة، وحسن أن يضع أصبعيه في صماخي أذنيه إذا أذن.
стр. 2191
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال الغزالي: استحسن الشافعي التَّحليف على المصحف.
وقال الرافعي في التَّغْليظ على المعطّل في اللّعان: أستحسن أن يحلف، ويقال: قل بالله الذي خلقك ورزقك، وقال القاضي الروياني فيما إذا امتنع المدعي من اليمين المردودة وقال: أمهلوني لأسأل الفقهاء: واستحسن قضاة بلدنا إمهاله يومًا.
وقال أبو الفرج السَّرَخْسِيّ في تقدِير نفقة الخادم على الزوج المتوسط: استحسن الأصحاب أن يكون عليه مُدّ وسدس؛ لتفاوت المَرَاتب في حق الخادمة، كان الموسر عليه مُدّ وثلث، والمعسر مُد، فليتوسط في المتوسّط كما تفاوت المراتب في حق المخدومة.
وقال الأصحاب: ليس لولي المجنونة والصَّبية المراهقة إذا آلى عنها الزَّوج وضربت المدة، وانقضت أن يطالب بالفيئة؛ لأن ذلك لا يدخل في الولاية، وحسن أن يقول الحاكم للزوج على سبيل النصيحة: اتق الله في أليها أو طلقها.
فإن قلت: قال الشَّافعي في السارق إذا أخرج يده اليسرى بدل اليمنى: القياس أن يقطع يمناه، والاستحسان ألا يقطع.
وقال الأودني (١) في "اختلاف الأصحاب" في مسألة الجارية المغنية، وهي التي اشتريت بألفين ولولا الغناء لساوت ألفا: كل هذا استحسان، والقياس الصحة، وهذا نظر في الاستحسان من الشافعي في مسألة السَّارق، وممن عدا الأودني من الأصحاب في مسألة المغنية، قلت: قول الشَّافعي: "الاستحسان ألا يقطع" ليس فيه أنه قال بالاستحسان [على] (٢) أنه قضى على من يحتج بالاستحسان بألا يقطع، فهو إلزام لقائله لا قول به، وقول
стр. 2192
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأودني: "كلّ هذا استحسان" ردّ على من قال بخلاف الصحة في الحقيقة، ولذلك كان هو الأصح في المذهب.
وقال الإمام: إن القياس السديد - والأودنى يقول قول المحمودي (١) - في المسألة بالبطلان.
وتفريق الشيخ أبي زيد أن يعضد الغناء فيبطل، أولا فلا يصح إلَّا على القول بالاستحسان الذي هو عندنا مردود.
فإن قلت: فيلزمك على هذا أن يكون المحمودي، وأبو زيد قالا بالاستحسان.
قلت: وإنما قالا بما ظناه غير استحسان، وهو عند الأودني استحسان، ولو كان عندهما استحسانًا لم يقولا به، وبالله التوفيق، والله أعلم.
стр. 2193
الْمَصَالِحُ الْمُرْسَلَةُ
تَقَدَّمَتْ.
لَنَا: لَا دَلِيلَ؛ فَوَجَبَ الرَّدُّ.
قَالُوا: لَوْ لَمْ تُعْتَبَرْ، لأَدَّى إلَى خُلُوِّ وَقَائِعَ.
قُلْنَا: بَعْدَ تَسْلِيمِ أَنَّهَا لَا تَخْلُو، الْعُمُومَاتُ وَالْأَقْيِسَةُ تَأْخُذُهَا.
الشرح: وهي ما لم يشهد له من الشرع بالاعتبار أصل معين وإن كانت مما تتلقاه العقول بالقبول (١).
"تقدمت" في القياس.
لنا: لا دليل" عليها، "فوجب الرد.
قالوا: لو لم تعتبر لأدّى إلى خلو وقائع" عن الحكم؛ إذ النصوص وأصول الأقيسة لا تفي بجميع الحوادث، وهو باطل. "قلنا:" لا نسلم بطلان الخلو "بعد تسليم أنها لا تخلو" لا نسلّم اللزوم، وهو حصول الخلو إذا لم نقل بالمصالح المرسلة؛ إذ "العمومات والأقيسة [تأخذها] (٢) "جميعًا أي تتناول جميع الحوادث، وإن نسلم فعدم المدرك بعد ورود الشرع مدرك شرعي في التخيير (٣).
стр. 2194
الاجْتِهَادُ
فِي الاصْطِلَاحِ: اسْتِفْرَاغُ الْفَقِيهِ الْوُسْعَ لِتَحْصِيلِ ظَنٍّ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ وَالْفَقِيه، تَقَدَّمَ، وَقَدْ عُلِمَ الْمُجْتَهِدُ وَالْمُجْتَهَدُ فِيهِ.
الشرح: "الاجتهاد" وهو في اللُّغة: استفراغ الوسع في تحصيل شيء، وأنت تعلم
стр. 2195
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بعد معرفتك أنه استفراغ الوسع أنه لا يكون إلّا فيما فيه مشقّة وكلفة.
"وفي الاصطلاح: استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظنّ يحكم شرعي"، ومعنى استفراغ الوسع بذل تمام الطَّاقة بحيث تحس النفس بالعجز عن المزيد، وهو جنس، والفقيه احتراز عن المقلد.
وإنما قلنا: لتحصيل ظن؛ لأنه لا اجتهاد في القطعيات، وقولنا: بحكم شرعي، يخرج غيره من الحسيات والعقليات؛ فإنه بمعزل عن مقصودنا.
"والفقيه" ذو الفقه، وقد "تقدم" في أول الكتاب تفسير الفقه، فعرفت به الفقيه، "وقد علم" من هذا التعريف ركنا الاجتهاد، وهما "المجتهد، والمجتهد فيه"، فالمجتهد من اتصف بالاجتهاد.
والمجتهد فيه حكم ظني شرعي عليه دليل.
قال بعض علمائنا: والاجتهاد في حقّ العلماء على ثلاثة أضرب:
стр. 2196
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فرض عَيْن، وفرض كِفَاية، ونَدْب.
فالأوَّل على حالتين:
إحداهما: اجتهاده في حق نفسه عند نزول الحادثة به.
والثانية: اجتهاده فيما تعيّن عليه الحكم فيه، فإن ضاق فرض الحادثة كان على الفور، وإلا على التراخي.
والثاني على حالتين:
إحداهما: إذا نزلت بالمستفتي حادثة، فاستفتى أحد العلماء توجه الفرض على جميعهم، وأخصهم بفرض من خصّ بالسؤال عنها، فإن أجاب هو أو غيره سقط الفرض، وإلا أثموا جميعًا.
قلت: حكى أصحابنا وجهين فيما إذا كان في الواقعة شهود يحصل الفرض ببعضهم، والأصح وجوب الإجابة إذا طلب الأداء من البعض، وفي الفرق غموض.
والثانية: إن تردد الحكم بين قاضيين مشركين في النظر، فيكون فرض الاجتهاد مشتركًا بينهما، فأيهما تفرد بالحكم فيه سقط فرضه عنهما.
والثالث على حالتين:
إحداهما: فيما يجتهد فيه العالم من غير النَّوازل ليسبق إلى معرفة حكمه قبل نزوله.
والثانية: أن يستفتيه قبل نزولها.
стр. 2197
مَسْأَلَةٌ:
اخْتُلِفَ فِي تَجَزُّؤِ الاجْتِهَادِ:
"الْمُثْبِتُ": لَوْ لَمْ يَتَجَزَّأْ، لَعُلِمَ الْجَمِيع، وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ أَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً، فَقَالَ فِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ مِنْهَا: لَا أَدْرِي.
وَأُجِيبَ: بِتَعَارُضِ الأَدِلَّةِ، وَبِالْعَجْزِ عَنِ الْمُبَالَغَةِ فِي الْحَالِ.
قَالُوا: إِذَا اطَّلَعَ عَلَى أَمَارَاتِ مَسْأَلَةٍ، فَهُوَ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مَا لَمْ يَعْلَمْهُ مُتَعَلِّقًا.
النَّافِي: كُلُّ مَا يُقَدَّرُ جَهْلُهُ يَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِالْحُكْمِ الْمَفْرُوضِ.
وَأُجِيبَ: الْفَرْضُ حُصُولُ الْجَمِيعِ فِي ظَنِّهِ عَنْ مُجْتهدٍ، أَوْ بَعْدَ تَحْرِيرِ الْأَئِمَّةِ لِلأَمَارَاتِ.
«مسألة»
الشرح: "اختلف في تجزُّؤ الاجتهاد" (١)، أي: أنه هل يجوز أن ينال رجل منصب الاجتهاد في بعض المسائل دون بعض، فيحصل له ما هو مناط الاجتهاد فيها؟.
стр. 2198
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والأكثر أثبتوا ذلك، واحتج "المثبت" للتجزؤ أولًا بأنه "لو لم يتجزأ لعلم الجميع"، واللازم منتفٍ؛ إذ لم يحط أحد من المجتهدين علمًا بجميع أحكام الله تعالى، "وقد سئل مالك"، وهو من أكابرهم "عن أربعين مسألة، فقال في ستّ وثلاثين منها: لا أدري، وأجيب" بأن العلم بجميع المآخذ لا يوجب العلم بجميع الأحكام، بل قد يجهل البعض "بتعارض الأدلة" فيه، "وبالعجز عن المبالغة" في النظر "في الحال" إما لمانع يشوش الفكر، أو لاستدعائه زمانًا طويلًا، "قالوا" ثانيًا: "إذا اطلعت على أمارات مسألة، فهو وغيره سواء" فيها، وكونه لا يعلم أمارات غيرها لَا مَدْخَلَ له فيها، فيكون حكمه فيها حكم غيره.
"وأجيب: بأنه قد يكون ما لم يعلمه متعلقًا" بما علمه وهذا احتمال يقوى عند من لم يحط بجميع المآخذ، ولا ينتهض عند من أحاط بها، فليسا سواء، قال "النافي" للتجزؤ: "كل ما يقدر جهله يجوز تعلّقه بالحكم المفروض".
ولا يحصل له ظن عدم المانع من مقتضى ما يعلمه من الدليل.
"وأجيب: الفرض حصول الجميع" جميع ما هو أمارة في تلك المسألة "في ظنه" إما بتلقيه له "عن مجتهد، أو بعد تحرير الأئمة للأمارات"، وضم كل إلى جنسه، فما ذكرتم من الاحتمال لا يقدح إذن في ظنّ الحكم، فيجب عليه العمل به، ولقائل أن يقول: قولك: "الفرض حصول الجميع في ظنّه" يرد قولك قبله: قد يكون ما لم يعلمه متعلقًا بما علمه.
стр. 2199
مَسْأَلَةٌ:
الْمُخْتَارُ: أَنَّهُ ﵇ كَانَ مُتَعَبَّدًا بِالاجْتِهَادِ.
لَنَا: مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [سورة التوبة: الآية ٤٣]،: "وَلَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمَا سُقْتُ الْهَدْيَ"، وَلَا يَسْتَقِيمُ ذَلِكَ فِيمَا كَانَ بِالْوَحْيِ.
وَاسْتَدَلَّ أَبُو يُوسُفَ: بِقَوْلِهِ: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [سورة النساء: الآية ١٠٥]؛ وَقَرَّرَهُ الْفَارِسِيُّ.
"فائدة"
عبارة الرَّافعي في "الشرح": يجوز أن يكون للعالم منصب الاجتهاد في باب دون باب. "فالناظر في مسألة المشتركة يكفيه معرفة أصول الفرائض، ولا يضره ألا يعرف الأخبار الواردة في تحريم المُسْكر مثلًا. انتهى.
فقد يقال: هل الخلاف في تجزؤ الاجتهاد مخصوص بما إذا عرف بابًا دون باب.
أما مسألة دون مسألة فلا يتجزّأ قطعًا؛ لشدّة ارتباط مسائل الباب بعضها ببعض، وتباعد ارتباط مسائل بابين مختلفين، والخلاف مطلقًا.
والأظهر: أن الخلاف صار في الصورتين إلا أن تجويز التجزؤ في البابين أقوى منه في مسائل الباب الواحد مع جوازهما جميعًا عند عدم ارتباط ما عرفه بما جهله.
«مسألة»
الشرح: "المختار: أنه ﷺ كان متعبدًا بالاجتهاد.
لنا:" الوقوع، ودليله (١) "مثل قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [سورة التوبة:
стр. 2200
وَاسْتَدَلَّ: بِأَنَّهُ أَكْثَرُ ثَوَابًا؛ لِلْمَشَقَّةِ فِيهِ؛ فَكَانَ أَوْلَى.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ سُقُوطَهُ لِدَرَجَةٍ أَعْلَى.
قَالُوا: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [سورة النجم: الآية ٣، ٤].
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الظَّاهِرَ رَدُّ قَوْلِهِمُ: افْتَرَاه، وَلَوْ سُلِّمَ، فَإِذَا تُعُبِّدَ بِالاجْتِهَادِ بالْوَحْيِ، لَمْ يَنْطِقْ إِلَّا عَنْ وَحْيٍ.
قَالُوا: لَوْ كَانَ لَجَازَ مُخَالَفَتُهُ؛ لِأَنَّهَا مِنْ أَحْكَامِ الاجْتِهَادِ.
وَأُجِيبَ: بِالْمَنْعِ كَالْإِجْمَاعِ عَنِ اجْتِهَادٍ.
قَالُوا: لَوْ كَانَ، لَمَا تَأَخَّرَ فِي جَوَابٍ.
الآية ٤٣]، وقوله ﷺ : "لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمَا سُقْتُ الهَدْيَ" (١).
واللفظ في "صحيح مسلم" من حديث جابر: "لَوْ أَنِّي اسْتَقْبلْتُ مِنْ أَمْري مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الهَدْيَ"، "ولا يستقيم ذلك فيما كان بالوحي.
واستدل" القاضي "أبو يوسف بقوله: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [سورة النساء: الآية ١٠٥]، وقرره الفارسي" هكذا الرؤية هنا ليست بَصْرية مثل: "رأيت"؛ لاستحالتها في الأحكام، ولا العلمية مثل: رأيت زيدًا قائمًا؛ لوجوب ذكر المعقول الثالث له لذكر الثاني؛ إذ المعنى: بما أراكه الله؛ ليتم الصلة، فتعين أن يكون المراد الرأي أي ما جعله رأيًا لك.
واعترض بأنه بمعنى الإعلام، و"ما" مصدرية، فلا ضمير، وحذف المفعولان معًا، والتقدير حينئذ: بإرائك الله، بإضافة المصدر إلى المفعول، ولقائل أن يقول: الرأي هو الاجتهاد، والقياس أضيف إلى المفعول، وكانت "ما" مصدرية أولًا، فالتقدير ناهض على التقديرين.
стр. 2201
قُلْنَا: لِجَوَازِ الْوَحْيِ أَوْ لاسْتِفْرَاغِ الْوُسْعِ.
قَالُوا: الْقَادِرُ عَلَى الْيَقِينِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الظَّنُّ.
قُلْنَا: لا يُعْلَمُ إِلَّا بَعْدَ الْوَحْيِ، فَكَانَ كَالْحُكْمِ بِالْشَّهَادَةِ.
الشرح: "واستدل بأنه أكثر ثوابًا للمشقّة فيه، فكان أولى، وأجيب: بأن سقوطه لدرجة أعلى" من الاجتهاد.
"قالوا: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [سورة النجم: الآية ٣، ٤] يدل على أن جميع ما يأتيه ويذره بالوحي.
"وأجيب: بأن الظاهر" منه "ردّ قولهم: "افْتَرَاهُ".
والحاصل أن الضمير عائد على القرآن لا على كُلّ ما كان يأتيه ويذره حتى ينتفي الاجتهاد.
"ولو سلم، فإذا تعبد بالاجتهاد بالوحي لم ينطق إلا عن وحي.
قالوا: لو كان" متعبدًا بالاجتهاد "لجاز" للمجتهدين "مخالفته" فيه؛ "لأنها" أي: المخالفة بوصف الجواز "من" "أحكام الاجتهاد"؛ إذ يجوز للمجتهد مخالفة المجتهد.
"وأجيب: بالمنع" من الملازمة، فقد لا يجوز مخالفة الحكم الاجتهادي "كالإجماع عن اجتهاد قالوا: لو كان" مجتهدًا "لما تأخر في جواب" عن سؤال، بل كان يجتهد، ويجيب لوجوبه عليه، واللازم باطل؛ لأنه أخر جواب مسائل كثيرة.
الشرح: "قلنا:" ربما كان التأخير "لجواز الوحي، أو لاستفراغ الوُسْعِ" في الاجتهاد، وإنما أخر في مسائل لامتناع الاجتهاد فيها.
"قالوا:" الاجتهاد لا يفيد إلا الظن، والوحي قاطع، "والقادر على اليقين يحرم عليه الظَّن"، كالغائب عن القِبْلَةِ لا يعتمد على خبر من أخبره عن علم، ولا على الاجتهاد إلا إذا تعذّر التعيين، ولذلك الأصح عندنا أن من استقبل حجر الكعبة وحده لا تصحّ صلاته؛ لأن كونه من البيت غير مقطوع به، فلا يعدل عن التعيين إليه، ونظائره تكثر، "قلنا:" لا نسلّم وجود القدرة على اليقين؛ فإنه "لا يعلم" الحال "إلا بعد الوحي"، وليس بمقدور، نعم بعد الإيماء هو قادر، وحينئذ لا يجوز الاجتهاد وفاقًا، أما قبل الإيماء فلا قدرة، "فكان كالحكم بالشَّهادة" مع أنها لا تفيد إلَّا الظن.
стр. 2202
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولا يقال: يمكنه معرفة الحكم يقينًا بالوحي، فيحرم الظَّن؛ لأن الوحي معدوم إذ ذاك.
ولو انتظر الوحي لانتظر كلّ مجتهد الإجماع، وانطوى بساط الاجتهاد، وقد وضح انتفاء القدرَة على اليقين.
ولو سلمنا وجودها فلم قلتم: القادر على اليقين يجبر على الاجتهاد، والأصح فمن شك في نَجَاسة أحد الإناءين ومعه ماء طاهر بيقين أو الثوبين أنه يجوز له الاجتهاد، وأمثلته كثيرة.
стр. 2203
مَسْأَلَةٌ:
الْمُخْتَارُ: وُقُوعُ الاجْتِهَادِ مِمَّنْ عَاصَرَهُ ظَنًّا.
[وَثَانِيهَا: لَمْ يَقَعْ].
وَثَالِثُهَا: الْوَقْفُ.
وَرَابِعُهَا: الْوَقْفُ فِيمَنْ حَضَرَهُ.
لَنَا: قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ ﵁: لَاهَا اللهِ، إِذَنْ لَا يَعْمَدُ إِلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللهِ يُقَاتِلُ عَنِ اللهِ وَرَسُولِهِ، فَيُعْطِيكَ سَلَبَهُ"، فَقَالَ ﷺ : "صَدَقَ".
«مسألة»
الشرح: "مسألة: المختار" من أقوال كثيرة: "وقوع الاجتهاد ممن عاصَرَه" ﷺ من مجتهدي الصّحابة في حضوره وغيبته "ظنًّا"، ولم يقل أحد: إنه وقع قطعًا (١).
وثانيها: لم يقع.
"وثالثها: الوقف.
ورابعها: الوقف فيمن حضره"، والقول بأنه وقع من الغائب [عنه] (٢).
وخامسها: القول بامتناعه رأسًا.
وسادسها: الجواز للغائبين من الولاة والقضاة فقط.
"لنا: قول أبي بكر ﵁ " بالاجتهاد بحضرة النبي ﷺ وتصويبه، وهو مروي في "الصحيحين" عن أبي قَتَادَه الأنصاري، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام "حنين" فذكر قصته في قتله القتيل، وأن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ قَتَلَ
стр. 2204
وَحَكَّمَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، فَحَكَمَ بِقَتْلِهِمْ وَسَبْيِ ذَرَارِيهِمْ، فَقَالَ ﵇: "لَقَدْ حَكَمْتَ بِحُكْمِ اللهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ". قَالُوا: الْقُدْرَةُ عَلَى الْعِلْمِ تَمْنَعُهُ الاجْتِهَادَ.
قُلْنَا: تَثْبُتُ الْخِيَرَةُ بِالدَّلِيلِ.
قَالُوا: كَانُوا يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ.
قُلْنَا: صَحِيحٌ، فَأَيْنَ مَنْعُهُمْ؟.
قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، فَلَهُ سَلَبُهُ" قال: فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، [ثم قال مثل ذلك، فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست] (١)، ثم قال ذلك، الثالثة، فقمت، فقال رسول الله ﷺ : مالك يا أبا قتادة، فقصصت عليه القصّة، فقال رجل من القوم: صدق يا رسول الله، سلب ذلك القتيل عندي فَارْضِهِ من حقه، فقال أبو بكر الصديق ﵁: "لاها الله إذًا لَا يعمد إلى أسد من أُسْد الله يقاتل عن الله ورسوله، فيعطيك سَلَبه، فقال ﷺ : "صَدَقَ" (٢) الحديث، والظاهر أن أبا بكر ﵁ إنما قاله عن اجتهاد.
الشرح: "وحكم سعد بن معاذ في بني قُرَيْظَةَ فحكم بقتلهم وسبي ذراريهم، فقال ﷺ ": "قضيت بحكم الله"، وربما قال: "حكم الملك" (٣) كذا رواه البخاري ومسلم، وروى [ابن إسحاق] (٤) في "السيرة" مرسلًا أنه ﷺ - قال: "لَقَدْ حَكَمْتَ بِحُكْمِ اللهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعةِ أَرْقِعَةٍ" (٥)، والأرقعة جمع رقيع، وكلّ سماء يقال لها: رقيع، وقيل: الرقيع اسم سماء الدنيا، فأعطى كل سماء اسمها، وروى البيهقي: "بحكم اللهِ الَّذي يحكم من فوق سبع سموات".
стр. 2205
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"قالوا:" كانوا قادرين على العلم بسؤال النبي ﷺ .
"والقدرة على العلم تمنع الاجتهاد.
قلنا:" إنما يلزم ما ذكرتم لو لم "تثبت الخيرة" بين الاجتهاد والسؤال "بالدليل"، وقد ثبت بِمَا مَرَّ، فلا يلزم.
قال في "المنتهى": ولو سلم، فالحاضر يظن أنه لو كان وَحْي لبلغه، والغائب لا يقدر. "قالوا" قد ثبت أن علماء الصّحابة "كانوا يرجعون إليه" ﷺ في الوقائع، وهو آية منع الاجتهاد.
"قلنا": الرجوع إليه "صحيح"، ولكن لا دلالة فيه على منعهم من الاجتهاد؛ لجواز أن يكون الرجوع فيما لم يظهر فيه وجه الاجتهاد أو لجواز الأمرين، "فأين منعهم" من الاجتهاد؟
стр. 2206
مَسْأَلَةٌ:
الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْمُصِيبَ فِي الْعَقْلِيَّاتِ وَاحِدٌ، وَأَنَّ النَّافِيَ مِلَّةَ الْإِسْلَامِ مُخْطِيءٌ آثِمٌ كَافِرٌ، اجْتَهَدَ، أَوْ لَمْ يَجْتَهِدْ.
وَقَالَ الْجَاحِظُ: لَا إِثْمَ عَلَى الْمُجْتَهِدِ، بِخِلَافِ الْمُعَانِدِ، وَزَادَ الْعَنْبَرِيُّ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ فِي الْعَقْلِيَّاتِ مُصِيبٌ.
«مسألة»
الشرح: "الإجماع على أن المُصِيبَ في العقليات (١) واحد، وأن النافي ملة الإسلام مُخْطئ آثم كافر، اجْتهد أو لم يجتهد (٢).
وقال الجاحظ: لا إثم على المجتهد، بخلاف المُعَاند، وزاد" قاضى "البصرة عبيد الله بن الحسن "العنبري (٣): كل مجتهد في العقليات مصيب"، ولا يظن بالرجل إن أراد الوقوع
стр. 2207
لَنَا: إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَلَوْ كَانُوا غَيْرَ آثِمِينَ لَمَا سَاغَ ذَلِكَ.
وَاسْتُدِلَّ: بِالظَّوَاهِرِ.
وَأُجِيبَ: بِاحْتِمَالِ التَّخْصِيصِ.
معتقده في نفس الأمر حتى يلزم [عليه] (١) من اعتقاد قدم العالم وحدوثه اجتماع القدم والحدوث؛ فإن ذلك جنون، ولا نفي لإثم فقط، فإن ذلك مذهب الجاحظ بلا زيادة، بل أراد أن ما يؤديه إليه اجتهاده، فهو حكم الله - تعالى - في حقّه، سواء أوافق ما في نفس الأمر أم لا، ثم قيل: إنه عمم قوله في العقليات حتى يشمل جميع أصول الديانات، وأن اليهود والنصارى والمجوس على صواب، وهذا ما ذكر القاضي في "التقريب" أنه المشهور عنه
وقيل: إنما أراد أصول الديانات التي يختلف فيها أهل القِبْلَةِ، ويرجع المخالفون فيها إلى آيات وآثار محتملة للتأويل، كالرؤية، وخلق الأفعال.
فأما ما اختلف فيه المسلمون وغيرهم من أهل المِلَلِ، كاليهود والنَّصَارى والمجوس، فإنا في هذا الموضع نقطع أن الحق فيما يقوله أهل الإسلام.
قال ابن السَّمعاني: وينبغي أن يكون التأويل لمذهب العنبري على هذا الوجه؛ لأنا لا نظن أحدًا من هذه الأمة لا يقطع بتضليل اليَهُودِ، والنصارى، والمجوس.
قلت: ولذلك حكى أن العنبري كان يقول في مثبتي القدر: هؤلاء عظموا الله، تعالى، وفي نافيه: هؤلاء نَزّهوا الله، ولم ينقل عنه مثل ذلك في حقّ اليهود والنصارى، وأمثالهم.
وعلى هذا ينبغي حمل مذهب الجَاحِظ أيضًا، ولكن صرح القاضي عنه في "التقريب" بخلافه.
الشرح: "لنا: إجماع المسلمين على أنهم من أهل النّار، ولو كانوا" على صَوَاب، أو "غير آثمين لما ساغ ذلك".
стр. 2208
قَالُوا: تَكْلِيفُهُمْ بِنَقِيضِ اجْتِهَادِهِمْ مُمْتَنِعٌ عَقْلًا وَسَمْعًا لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يُطَاقُ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ كَلَّفَهُمُ الْإِسْلَامَ، وَهُوَ مِنَ الْمُتَأَتَّى الْمُعْتَادِ، فَلَيْسَ مِنَ الْمُسْتَحِيلِ فِي شَيْءٍ.
والمخالف إن كان خلافه فيمن [خالف] (١) ملّة الإسلام جملة، فهو خارج عن الإسلام لا يعتدّ بقوله، والإجماع حينئذ قائم من هذه الأمة بأسرها.
وإن كان خلافه مخصوصًا بما اختلف فيه المسلمون من الأصول، وهو محجوج بالإجماع قبله.
"واستدل: بالظواهر" الدالة على تضليل المبتدعة، وإثم الكافرين، وخطئهم، ففي الكُفَّار آيات وأحاديث لا تنحصر، وفي المبتدعة مثل قول ابن عمر حين قيل له: إن قومًا يقولون: لا قدر، فقال: "أبلغوهم أن ابن عمر منهم بَرِيء وَأنهم مني بَرَاء"، ونحوه من التعنيف، والتوبيخ، "وأجيب: باحتمال التخصيص"، في الظواهر بغير المجتهدين أي: يكون الذم مخصوصًا للمعاندين، وهذا وإن كان خلاف الظَّاهر إلا أنه يمنع كون الدَّليل قطعيًّا، والحق أنه لا يمنع قطعية الدليل بالنسبة إلى الكفار، بل القواطع دالّة على كفرهم، وتَصْلِيتهم، وأنهم في النار من غير احتمال التخصيص، وفي منعه قطعيته بالنسبة إلى المبتدعة نظر.
الشرح: "قالوا" في تكليفهم" بنقيض اجتهادهم ممتنع عقلًا وسمعًا؛ لأنه مما لا يُطاق.
"وأجيب بأنه كَلّفهم بالإسلام، وهو "نقيض اعتقادهم، ولكن لا نسلم أنه ليس بمقدور، فإن امتناعه إنما هو بالغير، وهو امتناع بشرط أي ما داموا معتقدين لذلك يمتنع أن يعتقدوا ما خلافه، وذلك لا يوجب كون الفعل ممتنعًا غير مقدور؛ فإن الممتنع الذي لا يقدر ما لا يتأتي عادة كالطَّيران، وحمل الجبل، أو ما استحال عقلًا.
وأما ما كلفوا به، فهو الإسلام، "وهو من المتأتّى المعتاد، وليس من المستحيل في شيء"، وقد ضبط المصنف المتأتى بخطّه، وهو الصواب، وفي بعض النسخ "المنافي" بالنون والفاء، وهو غلط.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"لنا: العلم بالتواتر باختلاف الصّحابة المتكرر الشائع من غير نكير، ولا تأثيم لمعين، ولا مبهم.
والقطع أنه لو كان إثم لقضت العادة بذكره، واعترض" هذا الدليل "كالقياس"، فقيل لا نسلم عدم الإنكار.
ألا ترى أن قول ابن عباس: "من شَاءَ باهلته إن الذي أحصى رمل عالج عددًا لم يجعل في مال واحد نصفًا ونصفًا وثلثًا".
وقول عائشة: "أبلغوا زيد بن أرقم أن جهاده مع رسول الله ﷺ قد حبط".
إلى غير ذلك، وجوابه ما مَرَّ في القياس، ويختص هذا بأن ما فعله ابن عباس وعائشة إنما كان تعنيفًا على التقصير، وتحريكًا على الاجتهاد فقط.